Verse. 577 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

فَقَاتِلْ فِيْ سَبِيْلِ اؘ۝۰ۚ لَا تُكَلَّفُ اِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۰ۚ عَسَى اللہُ اَنْ يَّكُفَّ بَاْسَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا۝۰ۭ وَاللہُ اَشَدُّ بَاْسًا وَّاَشَدُّ تَنْكِيْلًا۝۸۴
Faqatil fee sabeeli Allahi la tukallafu illa nafsaka waharridi almumineena AAasa Allahu an yakuffa basa allatheena kafaroo waAllahu ashaddu basan waashaddu tankeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(فقاتل) يا محمد (في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) فلا تهتم بتخلفهم عنك المعنى قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر (وحرض المؤمنين) حثهم على القتال ورغبهم فيه (عسى الله أن يكف بأس) حرب (الذين كفروا والله أشد بأسا) منهم (وأشد تنكيلا) تعذبيا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "" والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي "" فخرج بسبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكف الله بأس الكفار بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبي سفيان عن الخروج كما تقدم في آل عمران.

84

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم انه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد، عاد في هذه الآية إلى الامر بالجهاد فقال: {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الفاء في قوله: {فَقَاتِلْ } بماذا تتعلق؟ فيه وجوه: الأول: أنها جواب لقوله: {أية : وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ } تفسير : [النساء: 74] من طريق المعنى لأنه يدل على معنى إن أردت الفوز فقاتل الثاني: أن يكون متصلا بقوله: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 75] {أية : فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 84] والثالث: أن يكون متصلا بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم، بل قاتل. المسألة الثانية: دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا، فنزلت هذه الآية، فخرج وما معه الا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد، ولو لم يتبعوه لخرج وحده. المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه. ثم قال تعالى: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {لاَ تُكَلَّفُ } بالجزم على النهي. و{لاَ نُكَلّفُ } بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله. انتصاب قوله: {نَّفْسَكَ } على مفعول ما لم يسم فاعله. المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك، فاذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك. واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] وبدليل قوله ههنا: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } و«عسى» من الله جزم، فلزمه الجهاد وإن كان وحده. ثم قال تعالى: {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } والمعنى ان الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء. ثم قال: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: عسى: حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع، وذلك على الله تعالى محال. والجواب عنه أن «عسى» معناها الاطماع، وليس في الاطماع أنه شك أو يقين، وقال بعضهم: إطماع الكريم إيجاب. المسألة الثانية: الكف المنع، والبأس أصله المكروه، يقال ما عليك من هذا الأمر بأس أي مكروه، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة، وقوله: {أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } تفسير : [الأعراف: 165] أي مكروه، والعذاب قد يسمى بأسا لكونه مكروها، قال تعالى: {أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ } تفسير : [غافر: 29] {أية : فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا } تفسير : [الأنبياء: 12] قال المفسرون: عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق، فترك الذهاب إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } يقال: نكلت فلانا إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع منه، قال تعالى: {أية : فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } تفسير : [البقرة: 66] وقال في السرقة: {أية : بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلاً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 38] ويقال: نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه. إذا عرفت هذا فنقول: الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب غيره ومن تنكيله، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا يكون دائما، وعذاب الله دائم في الآخرة، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه، وأيضاً عذاب غير الله لا يكون إلا من وجه واحد، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والابعاض والروح والبدن.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} هذه الفاء متعلقة بقوله {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي من أجل هذا فقاتل. وقيل: هي متعلقة بقوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} {فَقَاتِلْ}. كأن هذا المعنى: لا تَدَع جهاد العدوّ والاستنصار عليهم للمستضَعفِين من المؤمنين ولو وحدك؛ لأنه وَعَده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمِن له النصرة. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلاَّ أنه لم يجىء في خبر قطُّ أن القتال فُرض عليه دون الأُمة مدّة ما؛ فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يُقال لكل واحدٍ في خاصة نفسه؛ أي أنت يا محمد وكل واحد من أُمّتك القول له؛ {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ}. ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده؛ ومن ذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالِفتي » تفسير : . وقول أبي بكر وقت الردة:«ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي». وقيل: إن هذه الآية نزلت في موسم بدر الصغرى؛ فإن أبا سفيان لما انصرف من أُحُدٍ واعد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم موسِمَ بدرٍ الصغرى؛ فلما جاء الميعاد خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً فلم يحضر أبو سفيان ولم يتّفق قتال. وهذا على معنى ما قاله مجاهد كما تقدّم في «آل عمران». ووجه النظم على هذا والاتصال بما قبل أنه وصف المنافقين بالتخليط وإيقاع الأراجيف، ثم أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وبالجِدّ في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك. قوله تعالىٰ: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} {تُكَلَّفُ} مرفوع لأنه مستقبل، ولم يجزم لأنه ليس علّة للأوّل. وزعم الأخفش أنه يجوز جزمه. {إِلاَّ نَفْسَكَ} خبر ما لم يسم فاعله؛ والمعنى لا تُلَزم فعل غيرك ولا تؤاخَذ به. قوله تعالى: {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي حضّهم على الجهاد والقتال. يُقال؛ حرّضت فلاناً على كذا إذا أمرته به. وحارض فلان على الأمر وأكَبّ وواظب بمعنًى واحد. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إطماع، والإطماع من الله عزّ وجلّ واجب. على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب؛ ومنه قوله تعالىٰ: { أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ } تفسير : [الشعراء: 82]. وقال ابن مُقْبِل: شعر : ظنِّي بهم كعسى وهم بِتَنُوفةٍ يتنازعون جوائز الأمثال تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً} أي صولة وأعظم سلطاناً وأقدر بأساً على ما يريده. {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي عقوبة؛ عن الحسن وغيره. قال ابن دُرَيد: رماه الله بنُكْلَة، أي رماه بما ينكِّله. قال: ونكّلت بالرجل تنكيلاً من النَّكال. والمَنْكَل الشيء الذي يُنكِّل بالإنسان. قال: شعر : وٱرم على أقفائهم بمنْكَل تفسير : الثالثة ـ إن قال قائل: نحن نرى الكفار في بأس وشدّة، وقلتم: إن عسىٰ بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد وُجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام فمتى وُجد ولو لحظة مثلاً فقد صدق الوعد؛ فكفّ الله بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال { أية : وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } تفسير : [الأحزاب: 25] وبالحُدَيْبِيَة أيضاً عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، ففطِن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسْرىٰ، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالىٰ: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } تفسير : [الفتح: 24] على ما يأتي. وقد ألقىٰ الله في قلوب الأحزاب الرُّعْب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال؛ كما قال تعالىٰ: {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ}. وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم، فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين، مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجَمُّ الغفير تحت الجِزْية صاغرين وتركوا المحاربة داخِرين، فكف الله بأسهم عن المؤمنين والحمد لِله رب العالمين.

البيضاوي

تفسير : {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أن تثبطوا وتركوك وحدك. {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} إلا فعل نفسك لا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم، فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد فإن الله ناصرك لا الجنود. روي (حديث : أنه عليه الصلاة والسلام دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت. فخرج عليه الصلاة والسلام وما معه إلا سبعون لم يلو على أحدٍ). تفسير : وقرىء لا {تُكَلَّف} بالجزم، و «لا نكلف» بالنون على بناء الفاعل أي لا نكلفك إلا فعل نفسك، لا أنا لا نكلف أحداً إلا نفسك لقوله: {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } على القتال إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني قريشاً، وقد فعل بأن ألقى في قلوبهم الرعب حتى رجعوا. {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً } من قريش. {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } تعذيباً منهم، وهو تقريع وتهديد لمن لم يتبعه.

ابن كثير

تفسير : يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه، فلا عليه منه، ولهذا قال: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن نبيح، حدثنا حكام، حدثنا الجراح الكندي عن أبي إسحاق، قال: سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدو، فيقاتل، فيكون ممن قال الله فيه: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [البقرة: 195]؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. ورواه الإمام أحمد عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، إن الله بعث رسوله صلى الله عليه وسلم وقال: {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} إنما ذلك في النفقة. وكذا رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش وعلي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء به. ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا محمد بن حمير، حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الآية، قال لأصحابه: «حديث : وقد أمرني ربي بالقتال، فقاتلوا» تفسير : حديث غريب. وقوله: {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: على القتال، ورغبهم فيه، وشجعهم عليه، كما قال لهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وهو يسوي الصفوف: «حديث : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» تفسير : وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها»تفسير : . قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: «حديث : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس؛ فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» تفسير : وروي من حديث عبادة ومعاذ وأبي الدرداء، نحو ذلك. وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا أبا سعيد من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، وجبت له الجنة»تفسير : ، قال: فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها عليّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»تفسير : . قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: «حديث : الجهاد في سبيل الله»تفسير : ، رواه مسلم. وقوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء. ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: {أية : ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} تفسير : [محمد: 4] الآية. وقوله: {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} أي: من يسعى في أمر، فيترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك، {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء»تفسير : ، وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ} ولم يقل: من يشفَّع. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً}. قال ابن عباس وعطاء وعطية وقتادة ومطر الوارق: {مُّقِيتاً} أي: حفيظاً. وقال مجاهد: شهيداً، وفي رواية عنه: حسيباً. وقال سعيد بن جبير والسدي وابن زيد: قديراً. وقال عبد الله بن كثير: المقيت: المواظب، وقال الضحاك: المقيت: الرزاق، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدثنا عيسى ابن يونس عن إسماعيل عن رجل، عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً} قال: مقيت لكل إنسان بقدر عمله. وقوله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} أي: إذا سلم عليكم المسلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة، قال ابن جرير: حدثنا موسى بن سهل الرملي، حدثنا عبد الله بن السري الأنطاكي، حدثنا هشام بن لاحق عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «حديث : وعليك السلام ورحمة الله»تفسير : ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته»تفسير : ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: «حديث : وعليك»تفسير : ، فقال له الرجل: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ، فقال: «حديث : إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ}، فرددناها عليك»تفسير : ، وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقاً، فقال: ذكر عن أحمد بن الحسن الترمذي: حدثنا عبد الله بن السري أبو محمد الأنطاكي، قال أبو الحسن، وكان رجلاً صالحاً: حدثنا هشام بن لاحق، فذكره بإسناده مثله، ورواه أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان، فذكره مثله، ولم أره في المسند، والله أعلم. وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك، لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير أخو سليمان بن كثير، حدثنا جعفر بن سليمان بن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين: أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول الله، فرد عليه، ثم جلس، فقال: «حديث : عشر»تفسير : ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه، ثم جلس، فقال: «حديث : عشرون»تفسير : ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ثم جلس، فقال: «حديث : ثلاثون»تفسير : . وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف، وقال البزار: قد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه، هذا أحسنها إسناداً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه، وإن كان مجوسياً؛ ذلك بأن الله يقول: فحيوا بأحسن منها أو ردوها. وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها، يعني: للمسلمين، أو ردوها يعني: لأهل الذمة، وهذا التنزيل فيه نظر، كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة، فلا يبدؤون بالسلام، ولا يزادون، بل يرد عليهم؛ بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا سلم عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليك» تفسير : في صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»تفسير : . وقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري، قال: السلام تطوع، والرد فريضة، وهذا الذي قال هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل؛ لأنه خالف أمر الله في قوله: فحيوا بأحسن منها أو ردوها. وقد جاء في الحديث الذي رواه (أبو داود بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».تفسير : وقوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمن قسماً؛ لقوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله: الله لا إله إلا هو، خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَقَاتِلْ } يا محمد {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } فلا تهتمّ بتخلفهم عنك، المعنى قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حُثهم على القتال ورغبهم فيه {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ } حرب {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً } منهم {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } تعذيباً منهم فقال صلى الله عليه وسلم:«حديث : والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي»تفسير : فخرج بسبعين راكباً إلى بدر الصغرى فكف الله بأس الكفار بإلقاء الرعب في قلوبهم ومَنْع أبي سفيان عن الخروج كما تقدم في آل عمران [172:3-173] .

الشوكاني

تفسير : الفاء في قوله: {فَقَاتِلْ } قيل: هي متعلقة بقوله: {أية : وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 74] الخ، أي: من أجل هذا فقاتل، وقيل: متعلقة بقوله: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 75] فقاتل وقيل: هي جواب شرط محذوف يدل عليه السياق تقديره: إذا كان الأمر ما ذكر من عدم طاعة المنافقين فقاتل، أو إذا أفردوك وتركوك فقاتل. قال الزجاج: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمن له النصر. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجيء في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة. فالمعنى والله أعلم: أنه خطاب له في اللفظ، وفي المعنى له ولأمته، أي: أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له: {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } أي: لا تكلف إلا نفسك، ولا تلزم فعل غيرك، وهو استئناف مقرّر لما قبله؛ لأن اختصاص تكليفه بفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده. وقريء: {لاَ تُكَلَّفُ } بالجزم على النهي، وقريء بالنون. قوله: {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: حضهم على القتال، والجهاد، يقال حرّضت فلاناً على كذا: إذا أمرته به، وحارض فلان على الأمر وأكبّ عليه وواظب عليه بمعنى واحد. قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فيه إطماع للمؤمنين بكفّ بأس الذين كفروا عنهم، والاطماع من الله عز وجلّ واجب، فهو وعد منه سبحانه، ووعده كائن لا محالة {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً } أي: أشدّ صول وأعظم سلطاناً {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } أي: عقوبة، يقال: نكلت بالرجل تنكيلاً من النكال وهو: العذاب. والمنكل الشيء الذي ينكل بالإنسان. {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا } أصل الشفاعة والشفعة ونحوهما من الشفع وهو: الزوج، ومنه الشفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعاً، ومنه ناقة شفوع: إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع: إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع: ضمّ واحد إلى واحد، والشفعة: ضم ملك الشريك إلى ملكك، فالشفاعة: ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، واتصال منفعة إلى المشفوع له. والشفاعة الحسنة هي: في البرّ والطاعة. والشفاعة السيئة في المعاصي، فمن شفع في الخير؛ لينفع فله نصيب منها، أي: من أجرها، ومن شفع في الشر، كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له كفل منها، أي: نصيب من وزرها. والكفل: الوزر والإثم، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير: إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه؛ لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيباً منه، ويستعمل في النصيب من الخير والشرّ. ومن استعماله في الخير قوله تعالى: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} تفسير : [الحديد: 28] {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } أي: مقتدراً، قاله الكسائي. وقال الفراء: المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته يقال: قته أقوته قوتاً، وأقته أقيته إقاتة، فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي أقات يقيت. وقال أبو عبيدة: المقيت الحافظ. قال النحاس: وقول أبي عبيدة أولى؛ لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه: مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال ابن فارس في المجمل: المقيت المقتدر، والمقيت: الحافظ والشاهد. وأما قول الشاعر:شعر : ألي الفضل أم عليّ إذا حو سبت إني على الحساب مقيت تفسير : فقال ابن جرير الطبري إنه من غير هذا المعنى. قوله: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } التحية تفعلة من حييت، والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية؛ فأدغموا الياء في الياء، وأصلها الدعاء بالحياة. والتحية: السلام، وهذا المعنى هو المراد هنا، ومثله قوله تعالى: {أية : وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ } تفسير : [المجادلة: 8] وإلى هذا ذهب جماعة المفسرين، وروي عن مالك أن المراد بالتحية هنا: تشميت العاطس. وقال أصحاب أبي حنيفة، التحية هنا الهدية لقوله: {أَوْ رُدُّوهَا } ولا يمكن ردّ السلام بعينه، وهذا فاسد لا ينبغي الالتفات إليه. والمراد بقوله: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا } أن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدىء بالتحية، فإذا قال المبتدىء: السلام عليكم، قال المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدىء لفظاً زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدىء لفظاً أو ألفاظاً نحو: وبركاته، ومرضاته، وتحياته. قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، وردّه فريضة لقوله: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } واختلفوا إذا ردّ واحد من جماعة هل يجزىء أو لا؟ فذهب مالك، والشافعي إلى الإجزاء، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزىء عن غيره، ويردّ عليهم حديث عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : يجزىء عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم" تفسير : أخرجه أبو داود، وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني، وليس به بأس، وقد ضعفه بعضهم. وقد حسن الحديث ابن عبد البرّ. ومعنى قوله: {أَوْ رُدُّوهَا } الاقتصار على مثل اللفظ الذي جاء به المبتدىء، فإذا قال السلام عليكم، قال المجيب: وعليكم السلام. وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتدىء بالسلام، ومن يستحق التحية ومن لا يستحقها ما يغني عن البسط هاهنا. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَسِيباً } يحاسبكم على كل شيء وقيل: معناه حفيظاً وقيل: كافياً، قولهم أحسبني كذا: أي: كفاني، ومثله:{أية : حَسْبَكَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنفال: 62، 64]. قوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } مبتدأ وخبر، واللام في قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } جواب قسم محذوف، أي: والله ليجمعنكم الله بالحشر إلى يوم القيامة، أي: إلى حساب يوم القيامة وقيل: "إلى" بمعنى في، وقيل: إنها زائدة. والمعنى: ليجمعنكم يوم القيامة، و{يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يوم القيام من القبور {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي: في يوم القيامة، أو في الجمع، أي: جمعاً لا ريب فيه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً } إنكار لأن يكون أحد أصدق منه سبحانه. وقرأ حمزة، والكسائي، «ومن أزدق» بالزاي. وقرأ الباقون بالصاد، والصاد الأصل. وقد تبدل زاياً لقرب مخرجها منها. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي سنان في قوله: {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: عظهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً } الآية، قال: شفاعة الناس بعضهم لبعض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا } قال: حظ منها. وقوله: {كِفْلٌ مَّنْهَا } قال: الكفل هو الإثم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال: الكفل الحظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } قال: حفيظاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن رواحة: أنه سأله رجل، عن قول الله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } قال: يقيت كل إنسان بقدر عمله. وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {مُّقِيتاً } قال: شهيداً. وأخرج ابن جرير عنه {مُّقِيتاً } قال: شهيداً حسيباً حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {مُّقِيتاً } قال: قادراً. وأخرج ابن جرير، عن السدّي قال: المقيت القدير. وأخرج أيضاً، عن ابن زيد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: المقيت الرزاق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله، فاردد عليه، وإن كان يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ } الآية. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي بسند حسن عن سلمان الفارسي قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: "حديث : وعليك ورحمة الله"تفسير : ، ثم أتى آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال: وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له: "حديث : وعليك"تفسير : ، فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي؟ فقال: "حديث : إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } فرددناها عليك"تفسير : . وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة: أن رجلاً مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلس، فقال: سلام عليكم، فقال: "حديث : عشر حسنات"تفسير : ، فمرّ رجل آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون حسنة، فمرّ رجل آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: "حديث : ثلاثون حسنة"تفسير : . وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي، عن سهل بن حنيف مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي، عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه أيضاً، وزاد بعد كل مرّة أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ عليه، ثم قال: "حديث : عشر"تفسير : إلى آخره. وأخرج أبو داود، والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً نحوه. وزاد بعد قوله وبركاته: ومغفرته، فقال: "حديث : أربعون"تفسير : ، يعني حسنة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا} في الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة قولان: أحدهما: أنه مسألة الإنسان في صاحبه أن يناله خير بمسألته أو شر بمسألته، وهذا قول الحسن، ومجاهد، وابن زيد. والثاني: أن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعَّدَهُم الله عليه. وفي الكِفْلِ تأويلان: أحدها: أنه الوِزر والإثم، وهو قول الحسن، وقتادة. والثاني: أنه النصيب، كما قال تعالى: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} تفسير : [الحديد:28] وهو قول السدي، والربيع، وابن زيد. {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني مقتدراً، وهو قول السدي، وابن زيد. والثاني: حفيظاً، وهو قول ابن عباس، والزجاج. والثالث: شهيداً، وهو قول مجاهد. والرابع: حسيباً، وهو قول ابن الحجاج، ويحكى عن مجاهد أيضاً. والخامس: مجازياً، وأصل المقيت القوت، فَسُمِّي به المقتدر لأنه قادر على إعطاء القوت، ثم صار اسماً في كل مقتدر على كل شيءٍ من قوت غيره، كما قال الزبير ابن عبد المطلب: شعر : وذي ضَغَنٍ كَففْتُ النَّفْسَ عنه وكنتُ على مَسَاءَتِهِ مُقِيتاً تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَا} في المراد بالتحية ها هنا قولان: أحدهما: أنه الدعاء بطول الحياة. والثاني: السلام تطوع مستحب، ورده فرض، وفيه قولان: أحدهما: أن فرض رّدِّهِ عَامٌّ في المسلم والكافر، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد. والثاني: أنه خاص في المسلمين دون الكافر، وهذا قول عطاء. وقوله تعالى: {بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} يعني الزيادة في الدعاء. {أَوْ رُدُّوهَا} يعني بمثلها، وروى الحسن أن رجلاً سلَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، تفسير : ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وًبَرَكاَتُهُ" تفسير : ثم جاء آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَعَلَيْكُم" تفسير : فقيل: يا رسول الله رددت على الأول والثاني وقلت للثالث وعليكم، فقال: "حديث : إِنَّ الأَوَّلَ سَلّمَ وَأَبْقَى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيئاً، فَرَدَدْتُ عَلَيهِ بِأَحْسَنَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، كَذَلِكَ الثَّانِي، وإنَّ الثَّالِثَ جَاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلِّهَا، فَرَدَدْتُ عَلَيهِ مِثْلَ ذَلِكَ ". تفسير : وقد قال ابن عباس: ترد بأحسن منها على أهل الإِسلام، أو مثلها على أهل الكفر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا تَبْدَأُواْ اليَهُودُ بِالسَّلاَمِ فَإِنْ بَدَأُوكُم فَقُولُواْ: عَلَيكُم ". تفسير : {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني حفيظاً، وهو قول مجاهد. والثاني: محاسباً على العمل للجزاء عليه، وهو قول بعض المتكلمين. والثالث: كافياً، وهو قول البلخي. قوله تعالى: {الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ} وفي تسمية القيامة قولان: أحدهما: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم. والثاني: لأنهم يقومون فيه للحساب.

ابن عطية

تفسير : هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة مدة ما، المعنى - والله أعلم - أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ، وهومثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له {قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي عليه السلام "حديث : والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي" تفسير : وقول أبي بكر وقت الردة: "ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي"، وخلط قوم في تعلق الفاء من قوله {فقاتل} بما فيه بعد، والوجه أنها عاطفة جملة كلام على جملة، وهي دالة على اطراح غير ما أمر به، ثم خص النبي عليه السلام بالأمر بالتحريض أي الحث على المؤمنين في القيام بالفرض الواجب عليهم. و {عسى} إذا وردت من الله تعالى فقال عكرمة وغيره: إنها واجبة، لأنها من البشر متوقعة مرجوة ففضل الله تعالى يوجب وجوبها، وفي هذا وعد للمؤمنين بغلبتهم للكفرة، ثم قوى بعد ذلك، قلوبهم بأن عرفهم شدة بأس الله، وأنه أقدر على الكفرة، {وأشد تنكيلاً} لهم، التنكيل: الأخذ بأنواع العذاب وترديده عليهم. وقوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة} الآية. اصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع، وهو الزوج في العدد، لأن الشافع ثان لوتر المذنب، والشفيع ثان لوتر المشتري، واختلف في هذه الآية المتأولون، فقال الطبري: المعنى من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين، أو من يشفع وتر الكفر بالمعونة على الإسلام, ودله على هذا التأويل ما تقدم من أمر القتال, وقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل، وقال الحسن وغيره: "الشفاعة الحسنة" هي في البر والطاعة، والسيئة هي في المعاصي، وهذا كله قريب بعضه من بعض، "والكفل" النصيب، ويستعمل في النصيب من الخير ومن الشر، وفي كتاب الله تعالى {أية : يؤتكم كفلين من رحمته} تفسير : [الحديد:28] و {مقيتاً} معناه قديراً، ومنه قول الشاعر، وهو الزبير بن عبد المطلب: [الوافر] شعر : وَذِي ضَغنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى إذَايَتِهِ مُقيتا تفسير : أي قديراً، وعبر عنه ابن عباس ومجاهد، بحفيظ وشهيد، وعبد الله بن كثير، بأنه الواصب القيم بالأمور، وهذا كله يتقارب، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقيت" تفسير : على من رواها هكذا أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره، وذهب مقاتل بن حيان، إلى أنه الذي يقوت كل حيوان، وهذا على أن يقال أقات بمعنى قات، وعلى هذا يجيء قوله عليه السلام "من يقيت" من أقات وقد حكى الكسائي "أقات" يقيت، فأما قول الشاعر [السموأل بن عادياء]: [الخفيف] شعر : ليث شعري وأشعرَنَّ إذا ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً وَدُعِيتُ أإلى الفضل أم عليّ؟ إذا حُو سِبْتُ، إنّي على الحِسَابِ مُقِيتُ تفسير : فقال فيه الطبري: إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى موقوت. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا يضعفه أن يكون بناء فاعل بمعنى بناء مفعول. وقوله تعالى: {وإذا حييتم} الآية. التحية وزنها تفعلة من حي، وهذا هو الأغلب من مصدر فعل في المعتل، وروي عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس، وفيه ضعف، لأنه ليس في الكلام على ذلك دلالة، أما أن الرد على المشمت مما يدخل بالقياس في معنى رد التحية، وهذا هو منحة مالك رحمه الله إن صح ذلك عنه والله أعلم، واختلف المتأولون، فقالت فرقة: التحية أن يقول الرجل: سلام عليك، فيجب على الآخر أن يقول: عليك السلام ورحمة الله، فإن قال البادىء: السلام عليك ورحمة الله، قال الراد عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فإن قال البادىء: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقد انتهى ولم يبق للراد أن يحيي بأحسن منها، فهاهنا يقع الرد المذكور في الآية، فالمعنى عند أهل هذه القالة {إذا حييتم بتحية} ، فإن نقص المسلم من النهاية فحيوا بأحسن. وإن انتهى فردوا، وقالت فرقة: إنما معنى الآية تخيير الراد، فإذا قال البادىء: السلام عليك، فللراد أن يقول، وعليك السلام فقط، وهذا هو الرد، وله أن يقول، عليك السلام ورحمة الله، وهذا هو التحية بأحسن منها، وقال ابن عباس وغيره: المراد بالآية، {إذا حييتم بتحية} ، فإن كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها، وإن كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال لهم: وعليكم، وروي عن ابن عمرو وابن عباس وغيرهما، انتهى السلام إلى البركة، وجمهور أهل العلم على أن لا يبدأ أهل الكتاب بسلام، فإن سلم أحد ساهياً أو جاهلاً فينبغي أن يستقيله سلامه، وشذ قوم في إباحة ابتدائهم، والأول أصوب، لأنه به يتصور إذلالهم، وقال ابن عباس: كل من سلم عليك من خلق الله فرد عليه وإن كان مجوسياً، وقال عطاء: الآية في المؤمنين خاصة، ومن سلم من غيرهم قيل له: عليك، كما في الحديث، وأكثر أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنة مؤكدة، ورده فريضة، لأنه حق من الحقوق، قاله الحسن بن أبي الحسن وغيره، و {حسيباً} معناه: حفيظاً، وهو فعيل من الحساب، وحسنت هاهنا هذه الصفة، إذ معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يوفي قدر ما يجيء به.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} نزلت في مواعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعده موسم بدر الصغرى بعد حرب أُحد وذلك في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية فقاتل في سبيل الله يعني لا تدع جهاد العدو والانتصار للمستضعفين من المؤمنين لا تكلف إلا نفسك يعني لا تكلف فرض غيرك بل جاهد في سبيل الله ولو وحدك فإن الله ناصرك لا الجنود وقد وعدك النصر عليهم وهو لا يخلف الميعاد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً إلى بدر الصغرى فكفاهم الله القتال ورجعوا سالمين وعاتب الله من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على ترك الجهاد والخروج معه. وفي الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشجع الناس وأعلمهم بأمور القتال ومكايده لأن الله تعالى أمره بالقتال وحده ولو لم يكن أشجع الناس لما أمره بذلك، ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق في قتال أهل الردة من بني حنيفة الذين منعوا الزكاة فعزم على الخروج إلى قتالهم ولو وحده {وحرض المؤمنين} يعني حضهم على الجهاد ورغبهم في الثواب وليس عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب لا التعنيف بهم {عسى الله} أي لعل الله {أن يكف بأس الذين كفروا} يعني لعل الله أن يمنع بأس الكفار وشدتهم وقد فعل وذلك أن أبا سفيان بداله عن القتال فلم يخرج إلى الموعد {والله أشد بأساً} أي أعظم صولة {وأشد تنكيلاً} يعني وأشد عذاباً وعقوبة من غيره قوله عزّ وجلّ: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} الشفاعة مأخوذة من الشفع وهو أن يصير الإنسان بنفسه شفيعاً لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة إلى المشفوع إليه فعلى هذا قيل إن المراد بالشفاعة المذكورة في الآية هي شفاعة الإنسان لغيره ليجلب له بشفاعته نفعاً أو يخلصه من بلاء نزل به. وقيل هي الإصلاح بين الناس وقيل معنى الآية من يصر شفعاً لوتر أصحابك يا محمد فيشفعهم في جهاد عدوهم يكن له نصيب منها أي حظ وافر من أجر شفاعته وهو ثواب الله وكرامته {ومن يشفع شفاعة سيئة} قيل هي النميمة ونقل الحديث لإيقاع العداوة بين الناس وقيل أراد بالشفاعة السيئة دعاء اليهود على المسلمين وقيل معناه من يشفع كفره بقتال المؤمنين {يكن له كفل} أي ضعف وقيل نصيب {منها} أي من وزرها {وكان الله على كل شيء مقيتاً} قال ابن عباس يعني مقتدراً أو مجازياً وأقات على الشيء قدر عليه قال الشاعر: شعر : وذي ضغن كففت الشر عنه وكنت على إساءته مقيتا تفسير : يعني قادراً على الإساءة إليه وقيل معناه شاهداً أو حفيظاً على الأشياء (ق) عن أبي موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً فجاء رجل يسأل فأقبل علينا بوجهه وقال: "حديث : اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" تفسير : وفي رواية كان إذا جاءه طالب حاجة أقبل على جلسائه وقال: "حديث : اشفعوا تؤجروا" تفسير : وذكره.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى -: "فقاتل": في هذه الفَاءِ خَمْسَةُ أوجه: أحدها: أنَّها عاطفةٌ هذه الجُمْلَة على جُمْلة قوله: {أية : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 74]. الثاني: أنها عاطفتها على جُمْلَةِ قوله: {أية : فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : [النساء: 76]. الثالث: أنَّها عاطِفتُها على جُمْلَة قوله: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ} تفسير : [النساء: 75]. الرابع: أنها عاطفتها على جملة قوله: {أية : فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 74]. الخامس: أنها جوابُ شرط مُقَدَّر، أي: إنْ أرَدْت فقاتل، وأولُ هذه الأقْوَال هو الأظْهَر. فصل لما أمر بالجِهَاد في الآيات المُتقدِّمة ورغب فيه، وذكر قِلَّة رغبة المُنَافِقِين في الجِهَاد، عاد [إلى] الأمْر بالجِهَاد في هَذِه الآية. قوله: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} في هذه الجُمْلَة قولان: أحدهما: أنها في محلِّ نَصْب على الحَالِ من فاعل "فقاتِلْ" أي: فقاتِلْ غير مُكَلَّفٍ إلا نَفْسك وحدها. والثاني: أنها مُسْتأنفة أخْبَرَه - تعالى - أنه لا يكلِّف غَيْرَ نَفْسِه. والجمهور على "تُكَلَّفُ" بِتَاء الخِطَاب ورفْع الفعل مبنيّاً للمفعُول، و "نفسك" هو المفعُول الثاني، وقرأ عبد الله بن عُمَر: "لا تُكَلِّفْ" كالجَمَاعة إلا أنه جزمه، فقيل: على جَواب الأمْرِ، وفيه نظرٌ، والذي يَنْبَغِي أن يكُون نَهْياً، وهي جملة مُسْتأنفة، ولا يجُوز أن تكون حَالاً في قراءة عبد الله؛ لأنَّ الطَّلَب لا يكون حالاً، وقرئ "لا نكلف" بنُون العَظَمَة ورفع الفِعْل، وهو يَحْتَمِل الحال والاستئنَاف المُتقدِّمَيْن. فصل في سبب نزول الآية روي أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سُفيان بعد حَرْب أحد موسم بدر الصُّغْرى في ذِي القَعْدَة، فلما بلغ المِيعَادُ دعَا النَّاس إلى الخُرُوج فكرهه بَعْضُهُم؛ فأنزل الله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ} أي: لا تَدَع جِهَاد العَدُوِّ ولو وحدك، فإن اللَّه قد وعدك بالنُّصْرة، و {أية : حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} تفسير : [الأنفال: 65] أي: حثَّهُم ورغَّبْهم في الثَّواب، فَخَرَج رسُول الله صلى الله عليه وسلم في سَبْعِين رَاكِباً فَكَفَاهُم اللَّه القِتَالَ. والتَّحْرِيض: الحَثُّ على الشيءِ، قال الرَّاغِب: كأنه في الأصْل إزالةُ الحَرَض، نحو: "قَذَيْتُه" أي: أزَلْت قَذَاهُ وأحْرَضْتُه: أفسَدْتُه كأقذيته، أي: جَعَلْتُ فيه القَذَى، والحَرَضُ في الأصْل: ما لا يُعْتَدُّ به ولا خَيْر فيه، ولذلك يقال للمُشْرِف على الهَلاكِ؛ "حَرَض"؛ قال - تعالى -: {أية : حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً} تفسير : [يوسف: 85] وأحرصه كذا، قال: [البسيط] شعر : 1846- إنِّي امْرؤٌ هَمٌّ فأحْرَضَنِي حَتَّى بلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ تفسير : فصل دلَّت الآية على أنَّه لو لم يُساعده على القِتَالِ غيره، لم يجز له التَّخَلُّفُ عن الجِهادِ ألْبَتَّة، والمعنى: لا تؤاخذ [إلا] بفعلك دون فِعْل غَيْرِك، فإذا أدَّيْت فرضك لا تُكَلِّف بِفَرْض غَيْرِك، واعْلَم: أنَّ الجِهَاد في حَقِّ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم واجِبٌ، فإنه على ثِقَة من النَّصْر والظَّفْرِ؛ لقوله - [تعالى] -: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]، وقوله هَهُنَا: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وعسى من الله: جَزْمٌ وَاجِبٌ فلزمه الجِهَاد وإن كان وحده بِخِلاف أمَّته، فإنه فَرْضُ كِفَايَة، فما لَمْ يَغْلِب على الظَّنِّ أنه يُفيد، لم يَجِبْ. وقوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: قِتَال المُشْركين والبَأس أصله المكرُوه، يقال: ما عَلَيْكَ من هذا الأمْر بَأسٌ، أي: مَكْرُوه، ويقال: بِئسَ الشَّيْء هذا إذا وُصِف بالرَّدَاءَة: قال - تعالى -: {أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} تفسير : [الأعراف:165] والعَذَاب قد يُسَمَّى بأساً؛ لكونه مَكْرُوهاً؛ قال - تعالى -: {أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} تفسير : [غافر: 29]، {أية : فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ} تفسير : [الأنبياء: 12] {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 84] قوله: {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} "بأساً" و "تنكيلاً": تمييز، والتَّنْكِيل تفعيل من النَّكْل وهو القَيْد، ثم اسْتُعْمِل في كُلِّ عذاب يقال: نَكَلْت فُلاناً؛ إذا عَاقَبْتَه عقوبَةً تَنْكِلُ غَيْره عن ارتِكَابِ مِثْله، من قَوْلِهِم: نَكَل الرَّجُل عن الشَّيءِ، إذا جَبُن عَنْه وامْتَنَع منه؛ يُقَال: نَكَلَ فلان عن اليَمين؛ إذا خَافَه ولم يُقْدِم عَلَيْه، قال - تعالى -: {أية : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} تفسير : [البقرة: 66] وقال في حَدِّ السَّرقَة: {أية : جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 38]، فقوله: {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً} أي: أشد صَوْلَةً وأعظم سُلْطَاناً، {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي: عُقُوبة، وبيان هذا التَّفَاوُت أنَّ عذاب الله دَائِم، وعذاب غَيْره لا يَدُوم، وعذاب الله لا يَقْدِر أحدٌ على التَّخَلُّص مِنْهُ، وعذاب غَيْره يتخلَّص مِنْه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن سعد عن خالد بن معدان. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : بعثت إلى الناس كافة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب، فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش، فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم، فإن لم يستجيبوا لي فإليّ وحدي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال‏:‏ قلت للبراء‏:‏ الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة‏؟‏ قال‏:‏ لا، إن الله بعث رسوله وقال ‏{‏فقاتل في سبيل الله لا تكلَّف إلا نفسك‏}‏ إنما ذلك في النفقة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن البراء قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين‏} ‏ قال لأصحابه‏:‏ قد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سنان في قوله ‏ {‏وحرض المؤمنين‏} ‏ قال‏:‏ عظهم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أسامة بن زيد ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم‏:‏ ألا هل مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور تلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبداً، في خير ونضرة ونعمة، في دار عالية سليمة بهية‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله نحن المشمرون لها‏.‏ قال‏: قولوا‏:‏ إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد وحض عليه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن عبد البر في التمهيد عن سفيان بن عيينة عن ابن شبرمة. سمعته يقرؤها ‏ {‏عسى الله أن يكف من بأس الذين كفروا‏} ‏ قال سفيان‏:‏ وهي في قراءة ابن مسعود هكذا ‏ {‏عسى الله أن يكف من بأس الذين كفروا‏}‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏والله أشد بأساً وأشد تنكيلا‏ً}‏ يقول‏:‏ عقوبة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الالتفاتِ، وهو جوابُ شرطٍ محذوفٍ ينساق إليه النظمُ الكريمُ أي إذا كان الأمرُ كما حُكي من عدم طاعةِ المنافقين وكيدِهم وتقصيرِ الآخَرين في مراعاة أحكامِ الإسلامِ فقاتِلْ أنت وحدَك غيرَ مكترثٍ بما فعلوا، وقولُه تعالى: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي إلا فِعْلَ نفسِكْ، استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله فإن اختصاصَ تكليفِه عليه الصلاة والسلام بفعل نفسِه من موجبات مباشرتِه للقتال وحدَه، وفيه دَلالةٌ على أن ما فعلوا من التثبّط لا يضُرُّه عليه الصلاة والسلام ولا يؤاخَذ به، وقيل: هو حالٌ من فاعل قاتِلْ أي فقاتِلْ غيرَ مُكلَّفٍ إلا نفسَك وقرىء لا تُكَلّفُ بالجزم على النهي، وقيل: على جواب الأمرِ، وقرىء بنون العَظَمةِ أي لا نُكلِّفُك إلا فعلَ نفسِك لا على معنى لا تُكلّفُ أحداً إلا نفسَك {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عطفٌ على الأمر السابقِ داخلٌ في حكمه، فإن كونَ حالِ الطائفتين كما حُكي سببٌ للأمر بالقتال وحدَه وبتحريض خُلَّصِ المؤمنين، والتحريضُ على الشيء الحثُّ عليه والترغيبُ فيه. قال الراغبُ: كأنه في الأصل إزالةُ الحرض وهو ما لا خير فيه ولا يُعتدُّ به أي رغِّبْهم في القتال ولا تُعنِّفْ بهم وإنما لم يُذكر المُحرَّضُ عليه لغاية ظهورِه. وقولُه تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} عِدَةٌ منه سبحانه وتعالى محقَّقةُ الإنجازِ بكف شدةِ الكفَرَة ومكروهِهِم، فإن ما صدر بلعل وعسى مقرَّرُ الوقوعِ من جهته عز وجل وقد كان كذلك، حيث روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيانَ بعد حربِ أُحدٍ موسِمَ بدرٍ الصغرى في ذي القَعدةِ فلما بلغ الميعادَ دعا الناسَ إلى الخروج فكرِهه بعضُهم فنزلت فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً ووافَوا الموعِدَ وألقىٰ الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعبَ فرجعوا من مرِّ الظّهرانِ، وروي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وافىٰ بجيشه بدراً وأقام بها ثمانيَ ليالٍ وكانت معهم تجاراتٌ فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً وقد مر في سورة آل عمران {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً} أي من قريش {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي تعذيباً وعقوبةً تُنكّل مَنْ يشاهدُها عن مباشرة ما يؤدي إليها، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبلها، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربـية المهابةِ وتعليلِ الحُكمِ وتقويةِ استقلالِ الجُملة، وتكريرُ الخبرِ لتأكيد التشديدِ.

القشيري

تفسير : اسْتَقِمْ معنا بتسليم الكُلِّ مِنْكَ إلى أمرنا؛ فإنَّك - كما لا يقارنُكَ أحَدٌ في رتبتك لعلوِّك على الكل - فنحن لا نكلِّف غيرك بمثل ما تكلفت، ولا نُحَمِّل غيرك ما تحملت لانفرادك عن أشكالك في القدوة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فقاتل فى سبيل الله} الفاء جزائية والجملة جواب لشرط مقدر اى ان تثبط المنافقون وقصر الآخرون وتركوك وحدك فقاتل انت يا محمد وحدك فى الطريق الموصل الى رضى الله وهو الجهاد ولا تبال بما فعلوا {لا تكلف الا نفسك} مفعول ثان للفعل المخاطب المجهول اى الا فعل نفسك لا يضرك لمخالفتهم وتقاعدهم فتقدم الى الجهاد وان لم يساعدك احد فان الله ناصرك لا الجنود. والتكلف اسم لما يفعل بمشقة او بتصنع فالمحمود منه ما فعل بمشقة حتى الف ففعل بمحبة كالعبادات والمذموم منه ما يتعاطى تصنعا ورياء {وحرض المؤمنين} على القتال اى رغبهم فيه بذكر الثواب والعقاب او بوعد النصرة والغنيمة وما عليك فى شأنهم الا التحريض فحسب لا التعنيف بهم ـ روى ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد ابا سفيان بعد حرب احد موسم بدر الصغرى فى ذى القعدة وهى سوق من المدينة على ثمانية اميال ويقال لها حمراء الاسد ايضا فلما بلغ الميعاد دعا الناس الى الخروج فكرهه بعضهم فانزل الله هذه الآية فخرج صلى الله عليه وسلم فى سبعين راكبا فكفاهم الله القتال كما قال {عسى الله ان يكف} اى يمنع {بأس الذين كفروا} البأس فى الاصل المكروه ثم وضع موضع الحرب والقتال قال تعالى {أية : ولا يأتون البأس إلا قليلا} تفسير : [الأحزاب: 18]. وعسى من الله واجب لانه فى اللغة الاطماع والكريم اذا اطمع انجز وقد فعل حيث القى فى قلوب الكفرة الرعب حتى رجعوا من مر الظهران ـ ويروى ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وافى بجيشه بدرا وقام بها ثمانى ليال وكان معهم تجارات فباعوها واصابوا خيرا كثيرا وقد مر فى سورة آل عمران {أية : والله أشد بأسا} تفسير : [النساء: 84]. اى من قريش {أية : وأشد تنكيلا} تفسير : [النساء: 84]. اى تعذيبا وعقوبة ينكل من يشاهدها عن مباشرة ما يؤدى اليها ويجوز ان يكونا جميعا فى الدنيا وان يكون احدهما فى الدنيا والآخر فى العقبى. ثم له ثلاثة اوجه. احدها ان معناه ان عذاب الله تعالى اشد من جميع ما ينالكم بقتالهم لان مكروههم ينقطع ثم تصيرون الى الجنة وما يصل الى الكفار والمنافقين من عذاب الله يدوم ولا ينقطع. والثانى لما كان عذاب الله اشد فهو اولى ان يخاف ولا يجرى فى امره بالقتال منكم خلاف وهذا وعيد. والثالث لما كان عذاب الله اشد فهو يدفعهم عنكم ويكفيكم امرهم وهذا وعد وانما جبن المتقاعدون لشدة بأس الكفار وصولتهم ولكن الله قاهر فوق عباده وقوة اليقين رأس مال الدين والموت تحفة المؤمن الكامل خصوصا اذا كان فى طريق الجهاد والدنيا سريعة الزوال ولا تبقى على كل حال وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كثيرا ما ينشد هذه الابيات شعر : لا شىء مما نرى تبقى بشاشته يبقى الاله ويردى المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان اذ تجرى الرياح له والانس والجن فيما بينها ترد اين الملوك التى كانت لعزتها من كل اوب اليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب لا بد من ورده يوما كما وردوا تفسير : وفى التأويلات النجمية {فقاتل فى سبيل الله لا تكلف الا نفسك} المعنى فجاهد فى طلب الحق نفسك فان فى طلب الحق لا تكلف نفسا اخرى الا نفسك وفيه معنى آخر لا تكلف نفس اخرى بالجهاد لاجل نفسك لان حجابك من نفسك لا من نفس اخرى فدع نفسك وتعال فانك صاحب يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً وذلك لانه صلى الله عليه وسلم اختص بهذا المقام من جميع الانبياء والمرسلين وان يكون فانى النفس والذى يدل عليه ان الانبياء يوم القيامة يقولون لبقاء نفوسهم نفسى نفسى ويقول النبى عليه السلام لفناء نفسه امتى امتى فافهم جدا ثم قال {وحرض المؤمنين} على القتال يعنى فى الجهاد الاصغر والجهاد الاكبر {عسى الله ان يكف بأس الذين كفروا} ظاهرا وباطنا فالظاهر الكفار والباطن النفس {والله اشد بأسا واشد تنكيلا} فى استيلاء سطوات صفات قهره عند تجلى صفة جلاله للنفس من بأس الكافر عليها انتهى: وفى المثنوى شعر : اندرين ره مى تراش و مى خراش تادم آخر دمى فارغ مباش اى شهان كشتيم ما خصمى برون ماند خصمى زوان بتردراندرون كشتن اين كارعقل وهوش نيست شيرباطن سخره خركون نيست سهل شيرى دانكه صفها بشكند شير آنست آنكه خودرا بشكند

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {نفسك}: مفعول ثانٍ، والأول نائب، أي: لا يكلفك الله إلا نفسك. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فقاتل} يا محمد {في سبيل الله} ولو وَحدَكَ إن تثبطوا عن الجهاد، لا نكلفك إلا أمر نفسك، {و} لكن {حَرِّض المؤمنين} على الجهاد، إذ ما عليك إلا التحريض. فجاهدوا حتى تكون كلمة الله هي العليا. {عسى الله أن يكف} بجهادكم {بأس الذين كفروا} ويبطل دينهم الفاسد. {والله أشد بأسًا} منهم {وأشد تنكيلاً} أي: تعذيبًا لهم. وقد حقَّق الله ذلك ففتح الله على نبيه قبائل العرب، فلم يبق فيهم مشرك، ثم فتح على الصحابة سائر البلاد، وهدى الله بهم جميع العباد، إلا من فرّ من الكفار إلى شواهق الجبال. وإنما أمرتك بالتحريض على الجهاد، لأن الدال على الخير كفاعله، وذلك كالشفاعة بين الناس ودلالتهم على إصلاح ذات البين، فمن {يشفع شفاعة حسنة} بأن ينفع المشفوع له، بدفع ضرر أو جلب نفع، ابتغاء وجه الله، {يكن له نصيب منها}، أي: حظ كبير من الثواب؛ لأنه دل المشفوع عنده على الخير، وأوصل النفع إلى المشفوع له، فله من الأجر مثل ما لهما، ومنها: الدعاء بظهر الغيب، فقد قال عليه الصلاة والسلام: " حديث : مَن دعا لمسلمٍ بظَهرِ الغَيبِ استُجيب له، وقال له الملك: لك مِثلُ ذَلِكَ ". تفسير : {ومَن يشفع شفاعة سيئة}، يريد بها فسادًا بين الناس؛ كنميمة وزور وإحداث بدعة، {يكن له كِفلٌ} أي: نصيب {منها} أي: من وِزرها، وفي الحديث: " حديث : من سنَّ سُنةَ حَسَنةٌ، فله أجرُهَا وأجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إلى يَومِ القيامَةِ، ومن سنَّ سُنَّة سَيِّئةً فعليه وزرُهَا وَوِزرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوم القيامَةِ"تفسير : . {وكان الله على كل شيء مقيتًا} أي: مقتدرًا من أقات على الشيء: إذَا قدر عليه، أو شهيدًا حافظَا فيجازي على قدر الأعمال. ومن هذا أيضًا: السلام، فإنه سبب في ثواب الرد، لذلك ذكره الحق في سلك الدلالة على الخير فقال: {وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} بأن تقولوا: وعليكم السلام والرحمة والبركة، {أو ردوها} بأن تقولوا: وعليكم السلام. وفي الخبر: " مَن قَالَ لأخيه المسلم: السَّلامُ علَيكُم، كتب الله له عَشرُ حَسنات، فإن قال: السَّلامُ عليكُم ورحمَةُ الله، كتب الله له عِشرين حَسنة، فإن قال: وَبَرَكَاتُه، كتب الله ثَلاثين"، وكذلك لمن ردّ، فإن اقتصر على السلام، فعشر، وهكذا.. فإن ذكرَ المسلم الرحمةَ والبركةَ، قال الرادُّ: وعليكم، فقط، إذ لم يبق ما يزاد، ورد السلام واجب على الكفاية، حيث يكون مشروعًا، فلا يرد في الخطبة، وقراءة القرآن، والذكر والتفكر، والاعتبار، ونظرة الشهود والاستبصار، لأنه يفتر ويشوش، وفي الحمام إذا كانوا عراة، وفي حال الجماع والأكل والشرب وغيرها من المسائل المستثناة. وقد نظمه بعضهم، فقال: شعر : رَدُّ السَّلآم واجبٌ إلا على مَن في الصَّلاةِ أو بأكل شُغلا أو شُربٍ أو قراءةٍ أو أدعِيه أو ذكرٍ أو خُطبةٍ أو تَلبِيه تفسير : والسلام من تحية أهل الإسلام، خاصٌّ بهم. لذلك استغرب الخضر ـ عليه السلام ـ سلام سَيدنا موسى عليه السلام فقال له: " وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ، وكذلك خليل الله إبراهيم عليه السلام، إنما أنكر الملائكة حيث سلموا عليه بتحية أهل الإسلام؛ لأنه كان بين أظهر قوم كفار، أما سلام أبي ذر على النبي صلى الله عليه وسلم بتحية أهل الإسلام، قبل أن يسلم، فلعله سمعه من بعض الصحابة قبل أن يسلم، أو إلهام من الله. والله تعالى أعلم. {إن الله كان على كل شيء حسيبًا} يحاسبكم على التحية وغيرها. وبالله التوفيق. الإشارة: فجاهد أيها الإنسان نفسك في سبيل الله، لا تكلف إلا إصلاحها وتزكيتها، وحرض من يسمع قولك من المؤمنين على جهاد أنفسهم، عسى الله أن يكف عنهم القواطع والعلائق، فيتأهلون لإشراق قلوبهم بأنوار الحقائق، فإن الله لا يغلبه شيء، فمن ذكّر عبادَ الله، ودسهم إلى حضرة الله كان حظه كبيرًا عند الله. ومن دلهم على غير الله فقد غشهم وكان مُهانًا عند الله، وإذا وقع السلام على الفقراء؛ فإن كانوا سالكين غير مشتغلين بالذكر وجب عليهم الرد بأحسن، وإذا كانوا ذاكرين أو متفكرين أو سكارى في شهود الحبيب سقط عنهم السلام، وكذلك إذا سلم عليهم اختبارًا وتعنيتًا لم يجب الرد. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) خاصة أمره الله أن يقاتل في سبيل الله وحده بنفسه. وقوله: {لا تكلف إلا نفسك} ومعناه لا تكلف إلا فعل نفسك، لأنه لا ضرر عليك في فعل غيرك فلا تهتم بتخلف المنافقين عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك، وليس المراد لا يأمر أحداً بالجهاد. وانما أراد ما قلناه ألا ترى أنه قال {وحرّض المؤمنين} على القتال يعني حثهم على الجهاد. وفي ذلك دلالة على أنه لا يجوز أن يؤاخذ الله الأطفال بكفر آبائهم ويؤيده قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} لأن مفهوم هذا الكلام أنه لا يجوز أن تؤخذ بذنب غيرك. والفاء في قوله: {فقاتل في سبيل الله} قيل في معناه قولان: أحدهما - أن يكون جواباً لقوله: {أية : ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} تفسير : هكذا ذكره الزجاج، لأنه محمول على المعنى من حيث دل على معنى إن أردت الفوز، فقاتل. الثاني - أن يكون متصلا بقوله: {أية : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله }تفسير : فقال في سبيل الله. كذا ذكره الزجاج ووجهه لاحظ لك في ترك القتال فتتركه، ثم وضع فقاتل موضع فتتركه. وقوله: {وحرِّض المؤمنين} معناه حثهم {عسى الله أن يكف} قال الحسن، والبلخي، والزجاج: إن {عسى} من الله واجب ووجه ذلك ان اطماع الكريم انجاز وانما الاطماع تقوية أحد الامرين على الآخر دون قيام الدليل على التكافؤ في الجواز. وخرج {عسى} في هذا من معنى الشك كخروجها في قول القائل: أطع ربك في كل ما أمرك به، ونهاك عنه عسى ان تفلح بطاعتك. ومعنى {أن يكف بأس الذين كفروا} ان يمنع شدة الكفار، ثم قال: {والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً} فالبأس: الشدة في كل شيء ومعنى التنكيل قال الحسن، وقتادة: هو العقوبة. وقال أبو علي الجبائي: هو الشدة بالأمور الفاضحة ونكل به، وشوه به، وندد به نظائر. وأصله النكول: وهو الامتناع للخوف. نكل عن اليمين، وغيرها ينكل نكولا. والنكال: ما يمتنع به من الفساد خوفا من مثله من العذاب. والنكل القيد.

الهواري

تفسير : قال: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ} أي على القتال، أي أخبرهم بحسن ثواب الله في الآخرة للشهداء {عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذِينَ كَفَرُوا}. وعسى من الله واجبة. {وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي أشد عذاباً وأشد عقاباً. وقال بعضهم: عقوبة، وهو واحد. قوله: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} قال بعضهم: حظ منها. {وَمَن يَّشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}. والكفل الاثم. قال الحسن: الشفاعة الحسنة ما يجوز في الدين أن يُشفَع فيه، والشفاعة السيئة ما يحرم في الدين أن يشفع فيه. والكفل الوزر، وهو الذنب كقوله: (أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) تفسير : [الأنعام:31]، وقوله: (أية : وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ) تفسير : [العنكبوت:12-13] أي: من اتبعهم على السيئة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً. قوله: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} أي مقتدراً.

اطفيش

تفسير : {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ}: يجوز أن تكون الفاء عاطفة على ليقتل فى سبيل الله، وأن تكون فى جواب شرط محذوف، أى ان تركوك وثبطوا عنك فقاتل فى سبيل الله ولو وحدك، فتنصر فان النصر بالله لا بالجنود. {لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ}: حال من المستتر فى قاتل، أو مستأنف ونفسك مفعول ثان، والأول نائب الفاعل المستتر، وقرأ عبد الله بن عمر بالياء للمفعول كذلك، لكن بإسكان الفاء جزما بلا على أنها ناهية، والمعنى لا نكلفك بالنون على طريقة العرب فى نهيهم أنفسهم. وقرىء لا نكلف بالنون وكسر اللام، وضم الفاء، والجملة على القراءتين مستأنفة، والمعنى على كل قراءة أنك يا محمد غير مكلف بفعل أحد، بل بفعل نفسك، والنصر تابعك، فلا تهتم بقعودهم عن القتال. وروى ـ كما مر ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد أحد موسم بدر الصغرى من عام قابل، أو فى ذى القعدة، ولما بلغ الميعاد دعى الناس الى الخروج، فكره بعضهم، فأنزل الله تعالى: {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ} الآية فحلف ليخرجن للقاء العدو ولو وحده، ولأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتى، فخرج وما خرج معه الا سبعون راكبا، والصحيح أنهم خرجوا معه وهم خمس عشرة ومائة فيهم عشرة أفراس، حتى وصلوا موضع الميعاد، ولم يلقوا أحدا، وتسامعت العرب بمجيئه، وباعوا واشتروا، ورجعوا سالمين رابحين، وعاب الله كل من تخلف، ولزم كل أحد أن يرغب فى الجهاد، ويستشعر أن يجاهد ولو وحده، كما رغب أبو بكر رضى الله عنه وقت الردة حتى قال: لو خالفتنى يمينى فجاهدتها بشمالى. وقد قيل: ان الخطاب فى اللفظ لرسول الله، والمعنى أمته واحدا واحدا، وكل أحد يكلف أن يجاهد بنفسه. {وَحَرِّضِ المُؤمِنِينَ}: حثهم على الجهاد بذكر الثواب والعقاب، فعليك تحريضهم فقط دون القهر ودون التعنيف. {عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأسًا}: قال عكرمة وغيره: عسى من الله واجبة بفضله ووعد الجميل، بمعنى أنها جزم ولا واجب على الله، بل الوجوب فى حقه بمعنى أنه لا يصح أن يوصف بخلف الوعد أو الوعيد، وقد وقع ما وعد الله به من كف بأس الذين كفروا، وهم فى الآية مشركو قريش، وبأسهم حربهم، أو مطلق ضرهم، ومنه حربهم، وقد كف الله عز وجل أبا سفيان عن موعده، فلم يأت بدرا الصغرى، وبأس الله ضره من شاء من الكفار، أو حربه بأن سمى ضره وعقابه باسم الحرب للمشاكلة، أى والله أشد مجازاة لهم على حربهم حيث ما وقع، وأنى وقع قبل وبعد، وبأس الله عقابه فى الدنيا، وعقابه فى الآخرة. {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً}: تعذيبا بأنواع العذاب، وفى ذلك تهديد لمن تحلف خوفا من حرب الكفار، مع أن عذاب الواجب على من ترك المفروض أعظم من الحرب، أو رغب فى الانضمام الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واتباعهم فى الجهاد، وعن الانضمام الى من يتخلف أو ينافق لقوله: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً}

اطفيش

تفسير : {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ} أعداء الله أداء للفرض الواجب عليك، وقصداً للثواب، قيل الآية متعلقة بقوله: {أية : ومن يقاتل فى سبيل الله} تفسير : [النساء: 74]، وقيل بقوله عز وجل: ومالكم لا تقاتلون إلخ، قال الصديق: أقاتل أهل الردة وحدى ولو خالفتنى يمينى لقاتلها بشمالى {لاَ تُكَلِّفُ إلاّ نَفْسَكَ} إلا فعل نفسك، لا يضرك مخالفتهم بتركهم الجهاد، فالله ناصرك، نزلت فى شأن بدر الصغرى الموعود من يوم أحد إلى ذى القعدة من قابل إذ دعا الصحابة إليها، فما ذهب معه، قيل، إلا سبعون رجلا، وصل بدرا فريحوا فى سوق، ولم يجىء أبو سفيان فعيب، فأنشأ غزوة الأحزاب من قابل، وهى آخر غزو المشركين إليه، وتقدم أنه الراجح أنه خرج فى ألف وخمسائة من أصحابه وعشرة أفراس، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وأقاموا ثمانى ليال ببدر ينتظرون أبا سفيان {وَحَرّضِ المُؤْمِنينَ} أزل حرضهم، وهو ما لا خير فيه، والمراد الحث، عليك تحريضهم على القتال إلا إثم مخالفتهم {عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ} عنهم {بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أبى سفيان وغيره من المشركين، وقد رجعوا عن بدر الصغرى بعد بدء الخروج إليها، وذلك كفهم، وأسلم أبو سفيان عند الفتح {وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وأَشَدُّ تَنكِيلاً} تعذيبا من قريش، والبأس أعم من العذاب، أو البأس الصولة أو الشدة والقوة، وفى ذلك تهديد لمن لم يتبعه صلى الله عليه وسلم، ولما حرض صلى الله عليه وسلم المؤمنين على الخروج إلى بدر الصغرى لم يجد بعضهم أهبة فيشفع له غيره إلى من يعينه، فهذه الشفاعة الحسنة، ووجد بعضهم أهبة فشفع له بعض المنافقين فى التخلف، فهذه الشفاعة السيئة، فذلك قوله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} إلخ، وهو ثواب الشفاعة الحسنة، والتسبب إلى الخير الواقع بها من دفع ضر وجلب نفع لوجه الله عز وجل، أو مقدار من الثواب بسببها، والتعبير بالنصيب فى الحسنة وبالكفل فى السيئة تفنن، بالمعنى واحد، وقيل الكفل غلب فى الشر وقل فى الخير، كقوله تعالى: {أية : يؤتكم كفلين من رحمته} تفسير : [الحديد: 28]، فخص بالسيئة هربا من التكرير، وللتطرئة، وبهذا يجاب فى رد ابن هشام فى المسائل السفرية على من قال الكفل فى الشر، بأن يقال مراد قائله الغلبة، وقيل النصيب يشمل الزيادة والكفل والمساوى، والشفع ضد الوتر، فمن ذلك ضم الدافع أو الجانب نفسه إلى ذى الحاجة، ومنه ضم الجار نفسه إلى لمشترى فى الشراء، والجار أحق بصقبه، والنصيب فى القليل والكثير، والكفل فى المثل، فاختير فى جانب السيئة: من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، ويعترض بقوله: {أية : يؤتكم كفلين من رحمته} تفسير : [الحديد: 28] لأنه فيه بمعنى الأكثر لا المساوى، فإن الحسنة بعشر، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دعا لأخيه المؤمن بظهر الغيب استجيب له، وقال المَلك آمين" تفسير : ، ولك مثل ذلك {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} مقدار من الذنب مساوٍ لها، والمعين على الشىء والدال عليه كفاعله، أو مقدار من الذنب بسببها، ودخل فى الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلم، فإنه شفاعة إلى الله، وفى الشفاعة السيئة الدعاء لمن لا يستحق بالسوء، لأنه شفاعة إلى الشيطان، كما قيل المراد بالشفاعة السيئة دعاء اليهود على المسلمين بالسوء، وقيل إطلاق الشفاعة فى السوء مشاكلة، وأصلها فى الخير، وليس كذلك لأن الشفع ضد الوتر، وقيل الشفاعة السيئة النميمة، وقيل من يُشَفَّعُ كُفْرَهُ بقتال المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله تعالى فى ملكه، وما أعان على خصومة بغير علم كان فى سخط الله حتى ينزع" تفسير : ، وتجوز الشفاعة من الحدود إلى الدية {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً} قادراً أو شهيداً، أو حافظاً، وأصله من القوت، لأنه يقوى البدن، وياؤه عن واو، وقيل معناه المجازى.

الالوسي

تفسير : {فَقَٰتلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} يشهد له وأنت تعلم أن قرينة التخصيص بهما غير ظاهرة، والفاء في هذه الآية واقعة في جواب شرط محذوف ينساق إليه النظم الكريم أي إذا كان الأمر كما حكى من عدم طاعة المنافقين وتقصير الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام فقاتل أنت وحدك غير مكترث بما فعلوا. ونقل الطبرسي في اتصال الآية قولين: أحدهما: أنها متصلة بقوله تعالى: {أية : وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 74] والمعنى فإن أردت الأجر العظيم فقاتل، ونقل عن الزجاج، وثانيهما: أنها متصلة بقوله عز وجل: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 75] والمعنى إن لم يقاتلوا في سبيل الله فقاتل أنت وحدك، وقيل: هي متصلة بقوله تعالى: {أية : فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ} تفسير : [النساء: 76] ومعنى {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} لا تكلف إلا فعلها إذ لا تكليف بالذوات، وهو استثناء مقرر لما قبله فإن اختصاص تكليفه عليه الصلاة والسلام بفعل نفسه من موجبات مباشرته صلى الله عليه وسلم للقتال وحده، وفيه دلالة على أن ما فعلوه من التثبيط والتقاعد لا يضره صلى الله عليه وسلم ولا يؤاخذ به، وذهب بعض المحققين إلى أن الكلام مجاز أو كناية عن ذلك فلا يرد أنه مأمور بتكليف الناس، فكيف هذا ولا حاجة إلى ما قيل، بل في ثبوته فقال: إنه عليه الصلاة والسلام كان مأموراً بأن يقاتل وحده أولاً، ولهذا قال الصديق رضي الله تعالى عنه في أهل الردة: أقاتلهم وحدي ولو خالفتني يميني لقاتلتها بشمالي، وجعل أبو البقاء هذه الجملة في موضع الحال من فاعل ـ قاتل ـ أي فقاتل غير مكلف إلا نفسك، وقرىء {لاَ تُكَلَّفُ} بالجزم على أن لا ناهية والفعل مجزوم بها أي لا تكلف أحداً الخروج إلا نفسك، وقيل: هو مجزوم في جواب الأمر وهو بعيد، و (لا نكلف) بالنون على بناء الفاعل فنفسك مفعول ثان بتقدير مضاف، وليس في موقع المفعول الأول أي لا نكلفك إلا فعل نفسك لا أنا لا نكلف أحداً إلا نفسك، وقيل: لا مانع من ذلك على معنى لا نكلف أحداً هذا التكليف إلا نفسك. والمراد من هذا التكليف مقاتلته وحده. {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي حثهم على القتال ورغبهم فيه وعظهم / لما أنهم آثمون بالتخلف لفرضه عليهم قبل هذا بسنين، وأصل التحريض إزالة الحرض وهو ما لا خير فيه ولا يعتد به، فالتفعيل للسلب والإزالة ـ كقذيته، وجلدته ـ ولم يذكر المحرض عليه لغاية ظهوره. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ } نكاية {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ومنهم قريش وعسى من الله تعالى ـ كما قال الحسن وغيره ـ تحقيق، وقد فعل سبحانه ما وعد به، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واعد صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم حتى أتى موسم بدر فكفاهم الله سبحانه بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان، وألقى الله تعالى الرعب في قلبه، ولم يكن قتال يومئذٍ وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه سالمين {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً} من الذين كفروا {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي تعذيباً، وأصله التعذيب بالنكل وهو القيد فعمم، والمقصود من الجملة التهديد والتشجيع، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة، وتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة، (وتكرير) الخبر لتأكيد التشديد. وقوله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً....}

ابن عاشور

تفسير : تفريع على ما تقدّم من الأمر بالقتال، ومن وصف المثبطين عنه، والمتذمّرين منه، والذين يفتنون المؤمنين في شأنه، لأنّ جميع ذلك قد أفاد الاهتمام بأمر القتال، والتحريضَ عليه، فتهيّأ الكلام لتفريع الأمر به. ولك أن تجعل الفاء فصيحة بعد تلك الجمل الكثيرة، أي: إذا كان كما علمت فقاتل في سبيل الله، وهذا عود إلى ما مضى من التحريض على الجهاد، وما بينهما اعتراض. فالآية أوجبت على الرسول صلى الله عليه وسلم القتال، وأوجبت عليه تبليغ المؤمنين الأمرَ بالقتال وتحريضهم عليه، فعبّر عنه بقوله: {لا تكلَّفُ إلاّ نفسَك وحرْض المؤمنين} [النساء: 84] وهذا الأسلوب طريق من طرق الحثّ والتحريض لِغير المخاطب، لأنّه إيجاب القتال على الرسول، وقد علم إيجابه على جميع المؤمنين بقوله: {أية : فليقاتل في سبيل الله الذين يَشرون الحياة الدنيا بالآخرة}تفسير : [النساء: 74] فهو أمر للقدوة بما يجب اقتداء الناس به فيه. وبيّن لهم علّة الأمر وهي رجاء كفّ بأس المشركين، فــــ (عسى) هنا مستعارة للوعد. والمراد بهم هنا كفّار مكة، فالآيات تهيئة لِفتح مكة. وجملة {والله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً} تذييل لتحقيق الرجاء أو الوعد، والمعنى أنه أشدّ بأساً إذا شاء إظهار ذلك، ومن دلائل المشيئة امتثال أوامره التي منها الاستعداد وترقّب المسببات من أسبابها. والتنكيل عقاب يرتدع به رَائيهِ فضلاً عن الذي عوقب به.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. لم يصرح هنا بالذي يحرض عليه المؤمنين، ما هو، وصرح في موضع آخر بأنه القتال، وهو قوله: {أية : حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} تفسير : [الأنفال: 65] وأشار إلى ذلك هنا بقوله في أول الآية: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 84] وقوله في آخرها: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 84] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 84- وإذا كان بينكم أمثال هؤلاء المنافقين فأعرض عنهم، وقَاتِل فى سبيل كلمة اللَّه والحق، فلست مسئولاً إلا عن نفسك، ثم ادع المؤمنين إلى القتال وحُثّهم عليه، لعل اللَّه يدفع بك وبهم شدة الكافرين، واللَّه مؤيدكم وناصركم، وهو أشد قوة وأشد تنكيلاً بالكافرين. 85- وإن هؤلاء المنافقين يناصرون الفساد، وأهل الإيمان يناصرون الحق، ومن يناصر فى أمر حسن يكن له نصيب من ثوابه، ومن يناصر أهل السوء يكن عليه وزر من عقابه، واللَّه مقتدر على كل شئ محيط به. 86- وإذا حياكم أحد - أياً كان - بتحية من سلام أو دعاء أو تكريم أو غيره، فردوا عليه بأحسن منها أو بمثلها، فإن اللَّه محاسب على كل شئ كبيراً كان أو صغيراً. 87- اللَّه الذى لا إله إلا هو ولا سلطان لغيره، سيبعثكم حتماً من بعد مماتكم، وليحشرنكم إلى موقف الحساب لا شك فى ذلك. وهو يقول ذلك فلا تشكوا فى حديثه، وأى قول أصدق من قول اللَّه. 88- ما كان يسوغ لكم - أيها المؤمنون - أن تختلفوا فى شأن المنافقين الذين يُظْهِرون الإسلام ويُبْطِنون الكفر، وما يسوغ لكم أن تختلفوا فى شأنهم: أهم مؤمنون أم كافرون؟ ويقتلون أم ينظرون؟ وهم قابلون لأن يكونوا مهتدين أم لا ترجى منهم هداية؟ إنهم قلبت مداركهم بما اكتسبوا من أعمال، جعلت الشر يتحكم فيهم وما كان لكم أن تتوقعوا هداية من قَدَّر اللَّه فى علمه الأزلى أنه لن يهتدى، فإن من يكتب فى علم اللَّه الأزلى ضلاله، فلن تجدوا طريقاً لهدايته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: حرض المؤمنين: حثهم على الجهاد وحرضهم على القتال. بأس الذين كفروا: قوتهم الحربية. وأشد تنكيلاً: أقوى تنكيلاً والتنكيل: ضرب الظالم بقوة حتى يكون عبرة لمثله فينكل عن الظلم. الشفاعة: الوساطة في الخير أو في الشر فإن كانت في الخير فهي الحسنة وإن كانت في الشر فهي السيئة. كفل منها: نصيب منها. مقيتاً: مقتدراً عليه وشاهداً عليه حافظاً له. بتحية: تحية الإِسلام هي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أو ردوها: أي يقول وعليكم السلام. حسيباً: محاسباً على العمل مجازياً به خيراً كان أو شراً. معنى الآيات: ما زال السياق في السياسة الحربية ففي هذه الآية {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يأمر تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين لأجل إعلاء كلمة الله تعالى بأن يعبد وحده وينتهي إضطهاد المشركين للمؤمنين وهو المراد من قوله {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وقوله {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي لا يكلفك ربك إلا نفسك وحدها، أما من عداك فليس عليك تكليفه بالقتال، ولكن حرض المؤمنين على القتال معك فحثهم على ذلك ورغبهم فيه. وقوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهذا وعد من الله تعالى بأن يكف بأس الذين كفروا فيسلط عليهم رسوله والمؤمنين فيبددوا قوتهم ويهزموهم فلا يبقى لهم بأس ولا قوة وقد فعل وله الحمد والمنة وهو تعالى {أَشَدُّ بَأْساً} من كل ذي بأس {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} من غيره بالظالمين من أعدائه. هذا ما دلت عليه الآية [84] أما الآية [85] وهي قوله تعالى {مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} فهو إخبار منه تعالى بأن من يشفع شفاعة حسنة بأن يضم صوته مع مطالب بحق أو يضم نفسه إلى سريّة تقاتل في سبيل الله، أو يتوسط لأحد في قضاء حاجته فإن للشافع قسطاً من الأجر والمثوبة كما أن {وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً} بأن يؤيد باطلاً أو يتوسط في فعل شر أو ترك معروف يكون عليه نصيب من الوزر، لأن الله تعالى على كل شيء مقتدر وحفيظ عليم. هذا ما دلت عليه الآية المذكورة. أما الآية الأخيرة [86] فإن الله تعالى يأمر عباده المؤمنين بأن يردوا تحية من يحييهم بأحسن منها فإن لم يكن بأحسن فبالمثل، فمن قال: السلام عليكم فليقل الراد وعليكم السلام ورحمة الله، ومن قال السلام عليكم ورحمة الله فليرد عليه وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} فيه تطمين للمؤمنين على أن الله تعالى يثيبهم على إحسانهم ويجزيهم به. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم بدليل أنه كلف بالقتال وحده وفعل. 2- ليس من حق الحاكم أن يجند المواطنين تجنيداً إجبارياً، وإنما عليه أن يحضهم على التجنيد ويرغبهم فيه بوسائل الترغيب. 3- فضل الشفاعة في الخير، وقبح الشفاعة في الشر. 4- تأكيد سنة التحية، ووجوب ردّها بأحسن أو بمثل. 5- تقرير ما جاء في السنة بأن السلام عليكم: يعطى عليها المسلم عشر حسنات ورحمة الله: عشر حسنات. وبركاته: عشر كذلك.

القطان

تفسير : التحريض: الحث على الشيء. البأس: القوة. التنكيل: معاقبة المجرم بما يكون فيه عبرة للناس. اذا أردتَ الفوز والظفر على الأعداء يا محمد فجاهد أعداءَ الله من أهل الشرك, وأعرِض عن هؤلاء المنافقين الذين قالوا "لمَ كتبتَ علينا القتال" والذين يتذبذبون فيقولون لك "طاعة" وهم يُضمرون خلاف ما يقولون. انك لست مسئولا الا عن نفسك. ثم ادعُ المؤمنين الى القتال وحرضهم عليه، وعسى الله ان يدفع عنكم شدة الكافرين وبأسهم. إنه أشد قوة منهم، وأشد تنكيلاً بالكافرين. وقد روي ان الرسول الكريم واعد أبا سفيان بعد أُحدٍ موسم بدرٍ الصغرى في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد دعا الناسَ الى الخروج. وخرج في شعبان من سنة اربع في سبعين راكبا، ووافوا الموعد. وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب فرجعوا من مَرّ الظهران.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَقَاتِلْ} (84) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُبَاشِرَ القِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَمَنْ نَكَلَ فَلَيْسَ عَلَى الرَّسُولِ مِنْهُ شَيءٌ، كَمَا يَأمُرُهُ بِأَنْ يُحَرِّضَ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِيهِ، وَيُشَجِّعَهُمْ عَلَيهِ، لِتَنْبَعِثَ هِمَمُهُمْ عَلَى مُنَاجَزَةِ الأعْدَاءِ، وَمُدَافَعَتِهِمْ عَنْ حَوْزَةِ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، وَمُقَاوَمَتِهِمْ وَمُصَابَرَتِهِمْ، وَبِذَلِكَ يَكُفُّ اللهُ بَأسَ المُشْرِكِينَ وَأذَاهُمْ عَنِ المُسْلِمِينَ، وَاللهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ البَأسِ، قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنَكِّلَ بِهِمْ فِي الدُّنيا وَالآخَرَةِ. البَأسُ - القُوَّةُ وَالحَرْبُ. التَّنْكِيلُ - مُعَاقَبَةُ المُجْرِمِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ عِبْرَةٌ لِغَيْرِهِ، فَيَنْكِلُ عَنِ الإِقْدَامِ عَلَى ارْتِكَابِ الجَرَائِمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين ترى جملة فيها الفاء فاعلم أنها مسببة عن شيء قبلها، وإذا سمعت مثلاً قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} تفسير : [عبس: 21]. ومعنى ذلك أن القبر جاء بعد الموت، فإذا وجدت "الفاء" فاعرف أن ما قبلها سبب فيما بعدها، ويسمونها "فاء السببية". فما الذي كان قبل هذه الآية لتترتب عليه السببية في قول الله سبحانه لسيدنا رسول الله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} نقول: ما دام الأمر جاء "فقاتل" فعلينا أن نبحث عن آيات القتال المتقدمة، ألم يقل قبل هذه الآية: {أية : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 74]. والآية الثانية: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 75]. إذن أمر القتال موجود من الله لمن؟ لرسول الله، والرسول يبلغ هذا الأمر للمؤمنين به، والرسول يسمعه من الله مرة واحدة؛ لذلك فإنّه صلى الله عليه وسلم أول من يصدق أمر الله في قوله: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. ثم ينقلها إلى المؤمنين، فمن آمن فهو مصدق لرسول الله في هذا الأمر. فالرسول هو أول منفعل بالقرآن فإذا قال الحق: {أية : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [النساء: 74]. أو عندما يقول له الحق: {أية : وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 75]. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول منفعل بأوامر الله، فإذا جاءه الأمر فعليه أن يلزم نفسه أولاً به، وإن لم يستمع إليه أحد وإن لم يؤمن به أحد أو لم يتبعه أحد، وهذا دليل على أنه واثق من الذي قال له: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وما دام صلى الله عليه وسلم هو أول منفعل فعليه أولاً نفسه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بإقباله على القتال وحده، إنما يدل مَن سمع القرآن على أن الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن، أول مصدق، ومحمد لن يغش نفسه. فقبل أن يأمر المؤمنين أن يقاتلوا، يقاتل هو وحده. ولذلك نجد أن سيدنا أبا بكر الصديق - رضوان الله عليه - حينما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وحدثت الردة من بعض العرب، وأصرّ خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقاتل المرتدين وقال: لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لجالدتهم عليه بالسيف. وحاول بعض الصحابة أن يثني أبا بكر الصديق عن عزمه فقال: والله لو عصت يميني أن تقاتلهم لقاتلتهم بشمالي. إذن فقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ينبهنا إلى أن هناك فرقاً بين البلاغ وبين تنفيذ المبلَّغ. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمع من الله، فهو ملزم بتطبيق الفعل أولاً، وبعد ذلك يبلغ الرسول المؤمنين، فمن استمع إليه فعل فعله. وقول الحق: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} هو تكليف بالفعل لا بالبلاغ فقط، فالرسول يبلغ، لكن أن يفعل المؤمنون ما بلغهم به عن الله أو لا يفعلوا فهذا ليس من شأنه ولا هو مكلف به. ولكن على الرسول أن يلزم ويكلف نفسه ليقاتل في سبيل الله. { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ}. أمعني ذلك أن يترك الرسول الذين آمنوا به لنفوسهم؟. لا فالحق قد أوضح: عليك أيضاً أن تحرضهم على القتال فلا تتركهم لنفوسهم: {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ومعنى "حرض" مأخوذ من "الحُرْض" وهو ما به إزالة العوائق وما ينطف الأيدي والملابس مما يرين عليها ويعلوها من الوسخ والدنس، فعليك يا رسول الله أن تنظر في أمر صحابتك وأتباعك وتعرف لماذا لا يريدون أن يقاتلوا، وعليك أن تنفض عنه الموانع وتزيل العوائق التي تمنعهم أن يقاتلوا. {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لرسوله: إنك لا تنصر بالكثرة المؤمنة بك، ولكن المؤمنين هم ستر ليد الله في النصر، فالنصر منه سبحانه: {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 126]. وورود كلمة "بأس" في الآية التي نحن بصددها، يراد بها القوة والشدة في الحرب، ويراد بها المكيدة، ويراد بها هزيمة الأعداء. فكلمة "بأس" فيها معانٍ متعددة. والحق يبلغ رسوله: إنك يا محمد لا تكلف إلا نفسك وإياك أن يخطر على بشريتك: كيف أقاتل هؤلاء وحدى فإن القوم المؤمنين معك وإذا ما دخلوا القتال فهم لا ينصرونك ولكنهم يسترون يد الله في النصر: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة: 14]. ولماذا لا ينصر الله المؤمنين والرسول مباشرة دون قتال لغيرهم من الكفار والمشركين؟. لأن النصر لو جاء بسبب غيبي من الحق ربما قالوا ظاهرة طبيعية قد نشأت.. ولكن الحق يريد أن يظهر أن القلة المؤمنة هي التي غلبت، فالمؤمن يقبل على الأسباب ولا ينسى المسبب، فحينما نظر المسلمون إلى الأسباب فقط في "حنين"، وقال بعضهم: لن نهزم عن قلة فنحن كثير، هنا ذاق المسلمون طعم الهزيمة أولاً، وبعد أن أعطاهم الحقُّ الدرس التأديبي أولاً.. نصرهم ثانياً. والحق يقول: {أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} تفسير : [التوبة: 25]. وهذا لفت للمؤمنين أن يكونوا مع الأسباب ويتذكروا المسبب دائماً؛ لأن الأسباب إنما تأتي فقط لإثبات أن الله مع المؤمنين فلو أن المؤمنين انتصروا بأي سبب غيبي آخر لقال الأعداء: إن هذا الذي حدث هو ناتج ظاهرة طبيعية. والفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة المادية في الخصوم ما حدث لسيدنا إبراهيم عليه السلام. فلم يرد الحق مجرد إنقاذ سيدنا إبراهيم من النار؛ لأن الأمر لو كان كذلك لما مَكَّن أعداء إبراهيم عليه السلام من القبض عليه.. ولو فعل الحق ذلك لقال أعداء سيدنا إبراهيم: آه لو كنا قد أمسكنا به، ولكان ذلك فرصة لكفرهم. ولكن الحق يجعلهم يمسكون بإبراهيم عليه السلام: وَتَرَكَ النارَ تتأجج، ويقطع سبحانه الأسباب: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. هذه هي النكاية، فلو جاء إنقاذ إبراهيم بطريق غير ذلك من الأمور الغَيبية غير المادة المحسة، لوجد خصوم إبراهيم المخارج لتبرير هزيمتهم. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يوضح لرسوله: يا محمد أنا الذي أرسلتك، ولم أكِلَك إلى نصرة من يؤمن بك، وإنني قادر على نصرك وحدك بدون شيء، ولكن أردت لأمتك التي آمنت بك أن ينالها يُمْنُ الإيمان بك فيستشهد بعضها، فتثاب الأمة، وتنتصر فتعلو وترتفع هامتها على العرب، فلو كان الأمر مقصوراً على نصر رسول الله لنصره الله دون حرب أو جهاد. وقول الحق سبحانه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي أنه سبحانه قادر على أن يوقف ويمنع حرب وكيد الكافرين فيُبطله ويهزمهم. وهذا ما حدث، فبعد موقعة "أحد" التي ماعت نهايتها ولا يستطيع أحد أن يحدد مَن المنتصر فيها ومن المهزوم؛ لأن رسول الله قد انتصر أولاً، ثم خالف الرماة أمر رسول الله، فحدث خلل في صفوف المقاتلين المسلمين، ولكن لم يبق المحاربون من قريش في مكان المعركة، وأيضا لم يتجاوزوها إلى داخل المدينة، ولذلك لم تنته معركة أُحُد بنصر أَحَد. وبعد ذلك هددوا بأن الميعاد في بدر الصغرى في العام القادم. ومر العام، وجاء الميعاد، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج، فلما طالب بالخروج وجد كسلاً من القوم، ولم يطعه إلا سبعون رجلاً، وخرجوا إلى المكان المحدد. وأثبتوا أنهم لم يخافوا الموقف، وقذف الله الرعب في قلب أبي سفيان وقومه فلم يخرجوا. إذن فربنا قادر أن يكلف بأس الذين كفروا، فقد أقام رسول الله في المكان، وجلس مع المقاتلين وكان معهم تجارة وباعوها وغنم المسلمون الكثير من هذه التجارة. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} وكلمة "عسى" في اللغة تأخذ أوضاعاً متعددة، فـ "عسى" معناها في اللغة الرجاء، كقول واحد: عسى أن يجيء فلان. أي: أرجو أن يجيء فلان. أو قول واحد مخاطباً صاحباً له: عسى أن يأتيك فلان بخير. وهذا رجاء أن يأتي فلان إلى فلان بعض الخير، وقد يأتي فلان بالخير وقد لا يأتي، لكن الرجاء قد حدث. وقد يقول واحد لصاحبه: عسى أن آتيك أنا بخير. هنا يكون الرجاء أكثر قوة؛ لأن الرجاء في الأولى في يد واحد آخر غير المتحدث، أما الخير هنا فهو في يد المتحدث. لكن أيضمن المتحدث أن توجد له القوة والوجود حتى يأتي بالخير لمن يتحدث إليه؟ إنه صحيح ينوي ذلك ولكنه لا يضمن أن توجد عنده القدرة. وإذا قال قائل: عسى الله أن يأتيك بالفرج. هذه هي الأوغل في الرجاء. لكن هل من يقول ذلك واثق من أن الله يجيب هذا الرجاء؟. قد يجيب الله وقد لا يجيب وفقاً لإرادة الله لا المعايير من يرجو أو المرجو له. أما عندما يقول الحق عن نفسه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فهذا هو القول البالغ لنهايات كل الرجاءات. فـ "عسى" بمراحلها المختلفة تبلغ قمتها عندما يقول الحق ذلك. وهكذا نرى مراحل "عسى". أن يقول قائل: عسى أن يفعل لك فلان خيراً. هذه مرحلة أولى في الرجاء، وأن يقول قائل: عسى أن آتيك أنا بخير. هذه مرحلة أقوى في الرجاء، فقد يحب الإنسان أن يأتي بالخير لكن قد تأتي له ظروف تعوقه عن ذلك. وإن يقول قائل: عسى الله أن يفعل كذا، هذه مرحلة أكثر قوة؛ لأن الخير فيها منسوب إلى القوة العليا، لكن هذا الرجاء قد يجيبه الله وقد لا يجيبه. والأقوى على الإطلاق هو أن يقول الله عن نفسه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} و "عسى" بالنسبة لله رجاء محقق لأنه إطماع من الله عز وجل، والإطماع منه واجب تحققه لأنه - سبحانه - هو الذي يحثنا ويدفعنا إلى الطمع في فضله لأنه كريم، وهو القائل سبحانه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} لأن أصحاب البأس من الخلق هم أهل أغيار، فالقوي منهم قد يضعف أو يصاب ببعض من الرعب فتخلخل عظامه. أما واهب الفعل وواهب القوى لخلقه فهو القادر على أن يفعل فهو الأشد بأساً وهو سبحانه أشد تنكيلاً. وساعة يسمع الإنسان أي شيء من مادة "نكل" فعليه أن يعرف أنها مأخوذة من "النِكْل" وهو القيد. وعندما يوقع الحاكم - مثلا - العذاب على مرتكب لجريمة، والشخص الذي يرى هذا العذاب يخاف من ارتكاب مثل هذه الجريمة، فكأن الحاكم قد قيدهم بالعذاب الذي أنزله بأول مجرم أن يفعلوا مثل فعله. ولذلك يقال على ألسنة الحكام: سأجعل من فلان نَكالاً. أي أن القائل سيعذب فلاناً، بحيث يكون عبرة لمن يراه فلا يرتكب جريمة مثلها أبداً خوفا من أن تنزل به العقوبة التي نزلت ولحقت بَمن فعل الجريمة. إذن فالتنكيل والنكال والنِكل كلها راجعة إلى القيد الذي يمنع إنساناً أن يتحرك نحو الجريمة، أو قيد يمنع الإنسان أن يرجع إلى الجريمة التي فعلها أولاً، أو أن هذا القيد وهو العذاب الذي عوقب به مرتكب الجريمة يكون ماثلا أمام الناس يحذرهم من الوقوع فيها كي لا تنالهم عقوبتها ونكالها. إن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق ووزع عليهم فضل المواهب فلا يوجد واحد قد جمع كل المواهب؛ لأن فكر الإنسان وطاقته وزمنه وظروفه شاء الله أن تختلف وشاء سبحانه ألا يجعل الإنسان موهوباً في كل مجال، وحين يوزع الله على كل عبد جزءاً من المواهب ويعطي العبد الآخر جزءا آخر حتى يتكامل العباد معاً. فلو أن صاحب موهبة تجمعت لديه مواهب الآخرين لاستغنى كل إنسان عن مواهب الآخرين، والله يريد منا مجتمعاً متسانداً متكافلاً متكاملاً، فما أفقده أنا أجده عند غيري. فتجد بارعاً في الهندسة وعندما يصاب هذا المهندس البارع بألم فهو يطلب طبيبا، والطبيب الذي يريد بناء عيادة يطلبها من المهندس. وكلاهما يطلب مشورة المحامي في كتابة العقود، وكل هؤلاء في حاجة إلى من يقيم البناء، والذين يقيمون البناء من مهن متعددة أخرى يحتاج بعضهم إلى بعض. إذن لا يوجد فرد واحد قادر على أن يقوم بكل هذه العمليات بمفرده، ولو أن هناك واحداً يستطيع كل ذلك لما احتاج إلى أحد، ولو حدث ذلك لكان التفكك في المجتمع. ولذلك جاء قول الحق: {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32]. والناس حين تنظر لتفضيل الله لبعض الناس على بعض درجات ينظرون إلى ذلك في مجال المال فقط.. ونقول لمن يظن ذلك: - أنت مخطئ، فإن فضلك الله في القوة والجسم فهذه رفعة، وإن فضلك في العلم فذلك رفعة أيضاً، وإن فضلك في الحلم فهذه رفعة، إن تفضيل الحق لك في أي مجال هو رفعة لك، فأنت كعبد تكون مفضلاً؛ ومفضلاً عليك. إذن فحين يقول الحق: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}. قد يسأل إنسان: أي بعض مرفوع وأي بعض مرفوع عليه؟. ونقول: كل واحد مرفوع بموهبته، وغيره مرفوع عليه بموهبته. ومن القصور أن ننظر إلى التفضيل في مجال المال فقط، فلا يصح أن ننظر إلى هذه الزاوية وحدها ولكن لننظر من كل الزوايا. وعندما ننظر في الزوايا جميعها نجد الفرد مرفوعاً في شيء، ومرفوعاً عليه في أشياء، وكل منا مسخر لغيره. إذن فعندما خلق الله العباد جعل كُلاًّ منهم مسخراً للآخر، وما دام الأمر كذلك، فيجب ألا يُترك الفرد في البيئة الإيمانية فذاً، بل على كل ذي موهبة يفقدها غيره أن يمده بهذه الموهبة. فبعد أن كان فذاً - أي فرداً - يصير شَفْعَاً. والشَّفْعُ - كما نعلم - هو ضم شيء إلى مثله، فما ضم إلى غيره ليصيرا زوجا فهو شَفْع بخلاف الوتر فإنه الواحد. فإذا كان الواحد منا موهوباً فليضم موهبته للثاني، حتى يصبح الاثنان شَفْعاً، وبذلك ينطبق عليه قول الحق: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} معناهُ حضَّضْ. تفسير : وقوله تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ} معناه إِيجابٌ.

الأندلسي

تفسير : {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قيل: نزلت في بدر الصغرى دعا الناس إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، وخرج صلى الله عليه وسلم وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد ولو لم يخرج معه أحد لخرج معه ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تثبيطهم عن القتال واستطرد من ذلك إلى أن الموت يدرك كل أحد ولو اعتصم بأعظم معتصم فلا فائدة في الهرب من القتال واتبع ذلك بما اتبع من سوء خطاب المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول وخلافها بالفعل وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب القتال عليهم عاد إلى أمر القتال وهكذا إعادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق. ومعنى: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي لا تكلف في القتال إلا نفسك فقاتل ولوحدك. وقيل: المعنى إلا طاقتك ووسعك والنفس يعبر بها عن القوة، يقال: سقطت نفسه أي قوته. وقرأ الجمهور لا تكلف خبراً مبنياً للمفعول، قالوا: والجملة في موضع الحال ويجوز أن يكون إخباراً من الله لنبيه لا حالاً شرع له فيها أنه لا يكلف أمر غيره من المؤمنين إنما يكلف أمر نفسه فقط. وقرىء لا نكلف بالنون وكسر اللام ويحتمل وجهي الإِعراب الحال والاستئناف. وقرأ عبد الله بن عمر لا تكلف بالتاء وفتح اللام والجزم على جواب الأمر وأمره تعالى بحث المؤمنين على القتال وتحريك هممهم إلى قتال عدوهم وترغيبهم بما أعد الله لهم من حسن الجزاء وفضيلة الشهادة. {مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً} الآية، قال الزمخشري: الشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم ودفع بها شر أو جلب إليه خبر وابتغى بها وجه الله تعالى ولم يؤخذ عليها رشوة وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ولا حق من الحقوق والسيئة ما كان بخلاف ذلك. "انتهى". وهذا بسط ما قاله الحسن قال: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة والسيئة في المعاصي والكفل النصيب كقوله: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} تفسير : [الحديد: 28] أي نصيبين. والظاهر أن من للسبب أي نصيب من الحيز بسببها وكفل من الشر بسببها وغاير في النصيب بذكره بلفظ الكفل في الشفاعة السيئة لأنه أكثر ما يستعمل في الشر وإن كان قد استعمل في الخير كما تقدم قبل. قالوا: وهو مستعار من كفل البعير وهو كساء يدار على سنامه ليركب عليه ويسمى كفلاً لأنه لم يعم الظهر بل بعضاً منه. و{مُّقِيتاً} مقتدراً، والمقيت الحافظ والشاهد. قيل: هو مشتق من القوت والقوت ما يحفظ به الإِنسان نفسه من التلف. {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ} الظاهر إن التحية هنا السلام. ووزنها تفعلة لأنها مصدر حيا نقلت حركة الياء إلى الحاء وأدغمت الياء في الياء. والظاهر أن قوله: حييتم خطاب للمسلمين يسلم عليهم من هو مسلم، وظاهر الأمر من قوله: {فَحَيُّواْ} الوجوب فإِذا قال: سلام عليكم، رد بقوله: عليكم السلام ورحمة الله، أو يكتفي بقوله: عليكم السلام. وإذا زاد وبركاته فالأحسن أن يرد بمثل ذلك ولو اقتصر على قوله: وعليكم السلام كان جائزاً. وقوله: {أَوْ رُدُّوهَآ} على حذف مضاف تقديره فردوا مثلها. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} الآية، مناسبتها لما قبلها انه لما فرض القتال وحكي عن المنافقين ما قالوا وأمر الرسول عليه السلام بالقتال وبتحريض المؤمنين عليه ذكر حديث الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة وتعليم رد السلام وأنه تعالى حسيب على ذلك أخبر بجمعه تعالى العالم في يوم القيامة للمجازاة وثواب الجهاد في سبيل الله تعالى، ولما ذكر الجمع مقسماً عليه أردفه بقوله: ومن أصدق، أي لا أحد أصدق من الله. وقرىء بإِخلاص الصاد وبإِشمامها الزاي وانتصب حديثاً على التمييز.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الحالة أفضل أحوال العبد، أن يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله من الجهاد وغيره، ويحرض غيره عليه، وقد يعدم في العبد الأمران أو أحدهما فلهذا قال لرسوله: { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ } أي: ليس لك قدرة على غير نفسك، فلن تكلف بفعل غيرك. { وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ } على القتال، وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين وقوة قلوبهم، من تقويتهم والإخبار بضعف الأعداء وفشلهم، وبما أُعد للمقاتلين من الثواب، وما على المتخلفين من العقاب، فهذا وأمثاله كله يدخل في التحريض على القتال. { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: بقتالكم في سبيل الله، وتحريض بعضكم بعضًا. { وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا } أي: قوة وعزة { وَأَشَدُّ تَنْكِيلا } بالمذنب في نفسه، وتنكيلا لغيره، فلو شاء تعالى لانتصر من الكفار بقوته ولم يجعل لهم باقية. ولكن من حكمته يبلو بعض عباده ببعض ليقوم سوق الجهاد، ويحصل الإيمان النافع، إيمان الاختيار، لا إيمان الاضطرار والقهر الذي لا يفيد شيئا.