٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
85
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها: الأول: أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد، والجهاد من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة، فكان تحريض النبي عليه الصلاة والسلام للأمة على الجهاد تحريضا منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة، فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، والغرض منه بيان أنه عليه الصلاة والسلام لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما. الثاني: أنه تعالى لما أمره بتحريضهم على الجهاد ذكر أنهم لو لم يقبلوا أمره لم يرجع إليه من عصيانهم وتمردهم عيب، ثم بين في هذه الآية أنهم لما أطاعوا وقبلوا التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير، فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام: حرضهم على الجهاد، فإن لم يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك، وإن أطاعوك حصل لك من طاعتهم أعظم الثواب، فكان هذا ترغيبا من الله لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على الجهاد، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع اليه عند طاعتهم أجر عظيم، وما كان يرجع اليه من معصيتهم شيء من الوزر، هو أنه عليه السلام بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبهم ألبتة في المعصية، فلا جرم يرجع اليه من طاعتهم أجر ولا يرجع اليه من معصيتهم وزر. الثالث: يجوز أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم عليه، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن الغزو، فنهى الله عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة إنما تحسن اذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله، فأما اذا كانت وسيلة الى معصيته كانت محرمة منكرة. الرابع: يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في الجهاد، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى مؤمن آخر ليعينه على الجهاد، فكانت هذه الشفاعة سعيا في إقامة الطاعة، فرغب الله تعالى في مثل هذه الشفاعة، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة الاتصال بما قبلها. المسألة الثانية: الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو أن يصير الانسان نفسه شفعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها. إذا عرفت هذا فنقول: في الشفاعة المذكورة في الآية وجوه: الأول: أن المراد منها تحريض النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على الجهاد، وذلك لأنه اذا كان عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفعا لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد، وأيضا فالتحريض على الشيء عبارة عن الأمر به لا على سبيل التهديد، بل على سبيل الرفق والتلطف، وذلك يجري مجرى الشفاعة. الثاني: أن المراد منه ما ذكرنا من أن بعض المنافقين كان يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول عليه الصلاة والسلام في التخلف عن الجهاد، أو المراد به أن بعض المؤمنين كان يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث في أن يحصل له ما يحتاج إليه من آلات الجهاد. الثالث: نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما معناه أن الشفاعة الحسنة ههنا هي أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم: الرابع: قال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما تكون بالدعاء، واحتج بما روى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك له ولك مثل ذلك»تفسير : فهذا هو النصيب، وأما الشفاعة السيئة فهي ما روي أن اليهود كانوا إذا دخلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: السام عليكم، والسام هو الموت، فسمعت عائشة رضي الله عنها فقالت عليكم السام واللعنة، أتقولون هذا للرسولٰ فقال صلى الله عليه وسلم: قد علمت ما قالوا فقلت وعليكم، فنزلت هذه الآية. الخامس: قال الحسن ومجاهدي والكلبي وابن زيد: المراد هو الشفاعة التي بين الناس بعضهم لبعض، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة، ثم قال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: {مَّن يَشْفَعْ } ولم يقل: ومن يشفع، ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : اشفعوا تؤجروا».تفسير : وأقول: هذه الشفاعة لا بد وأن يكون لها تعلق بالجهاد وإلا صارت الآية منقطعة عما قبلها، وذلك التعلق حاصل بالوجهين الأولين، فأما الوجوه الثلاثة الأخيرة فإن كان المراد قصر الآية عليها فذلك باطل، وإلا صارت هذه الآية أجنبية عما قبلها، وإن كان المراد دخول هذه الثلاثة مع الوجهين الأولين في اللفظ فهذا جائز؛ لأن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ. المسألة الثالثة: قال أهل اللغة: الكفل: هو الحظ ومنه قوله تعالى: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } تفسير : [الحديد: 28] أي حظين وهو مأخوذ من قولهم: كفلت البعير واكتفلته إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه. وإنما قيل: كفلت البعير واكتفلته لأنه لم يستعمل كل الظهر، وإنما استعمل نصيبا من الظهر. قال ابن المظفر: لا يقال: هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت لغيره مثله، وكذا القول في النصيب، فإن أفردت فلا تقل له كفل ولا نصيب. فان قيل: لم قال في الشفاعة الحسنة: {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا } وقال في الشفاعة السيئة: {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة؟ قلنا: الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة، وحمي الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به، ويقال للضامن: كفيل. وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين»تفسير : فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الانسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، إذا ثبت هذا فنقول: {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده، والمقصود حصول ضد ذلك {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في المقيت قولان: الأول: المقيت القادر على الشيء، وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب.شعر : وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على إساءته مقيتا تفسير : وقال آخر:شعر : ليت شعري وأشعرن إذا ما قربوها منشورة ودعيت إلي الفضل أم علي إذا حو سبت أني على الحساب مقيت تفسير : وأنشد النضر بن شميل:شعر : تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة فاني على ما ساءهم لمقيت تفسير : الثاني: المقيت مشتق من القوت، يقال: قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته، واسم ذلك الشيء هو القوت، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة، ثم قال القفال رحمه الله: وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه شيء من أحوالنا، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازى كلا بما علم منه. المسألة الثانية: إنما قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } تنبيها على أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الازل، وليست صفة محدثة، فقوله: {كَانَ } مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا، يدل على أنه كان حاصلا من الازل إلى الأبد.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {مَّن يَشْفَعْ} أصل الشفاعة والشّفْعة ونحوها من الشَّفْع وهو الزوج في العدد؛ ومنه الشَّفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شَفْعا. ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين مِحْلَبَيْن في حلبةٍ واحدة. وناقة شفيع إذا ٱجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضم واحد إلى واحد. والشُّفْعة ضم مِلْكِ الشريك إلى ملكك؛ فالشفاعة إذاً ضَمُّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهارٌ لمنزلة الشفيع عند المشفِّع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له. الثانية ـ واختلف المتأوّلون في هذه الآية؛ فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم؛ فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كِفْل. وقيل: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي. فمن شَفَع شفاعة حسنة ليصلح بين ٱثنين ٱستوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغِيبة أثم، وهذا قريب من الأوّل. وقيل: يعني بالشفاعة الحسنة الدعاءَ للمسلمين، والسيئةِ الدعاءَ عليهم. وفي صحيح الخبر: « حديث : من دعا بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل » تفسير : . هذا هو النصيب، وكذلك في الشر؛ بل يرجع شؤم دعائه عليه. وكانت اليهود تدعو على المسلمين. وقيل: المعنى من يكن شَفْعاً لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر، ومن يكن شفعاً لآخرَ في باطل يكن له نصيبه من الوِزر. وعن الحسن أيضاً: الحسنة ما يجوز في الدِّين، والسيئة ما لا يجوز فيه. وكأنّ هذا القول جامع. والكِفل الوِزر والإثم؛ عن الحسن وقَتادة. السدي وابن زيد هو النصيب. واشتقاقه من الكِساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط. يُقال: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كِساء ورَكِبت عليه. ويُقال له: اكتفل لأنه لم يستعمل الظَّهْر كله بل استعمل نصيباً من الظهر. ويستعمل في النصيب من الخير والشر، وفي كتاب الله تعالىٰ { أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } تفسير : [النحل: 28]. والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يُشَفّع؛ لأنه تعالىٰ قال {مَّن يَشْفَعْ} ولم يقل يُشَفَّع. وفي صحيح مسلم: « حديث : ٱشْفَعُوا تُؤْجروا ولْيَقْضِ اللَّه على لسان نبيّه ما أحبّ ». تفسير : الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} «مقيتا» معناه مُقتدِراً؛ ومنه قول الزبير بن عبد المطلب: شعر : وذي ضِغْنٍ كففْتُ النفسَ عنه وكنتُ على مَساءته مُقِيتَا تفسير : أي قديراً. فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قُوته؛ ومنه قوله عليه السَّلام: « حديث : كفى بالمرء إثماً أن يُضَيّع من يَقيت » تفسير : . على من رواه هكذا، أي مَن هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره؛ ذكره ابن عطية. يقول منه: قُتُّه أقوته قَوْتاً، وأَقَتُّه أقِيته أقاتة فأنا قائت ومُقيت. وحكى الكسائي: أقات يقيت. وأما قول الشاعر: شعر : إنّي على الحساب مُقِيتُ تفسير : فقال فيه الطبري: إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى الموقوف. وقال أبو عبيدة: المقيت الحافظ. وقال الكسائي: المقيت المقتدر. وقال النحاس: وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القَوْت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال الفراء: المقيت الذي يعطي كلّ رجلٍ قوته. وجاء في الحديث: « حديث : كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يَقوت » تفسير : و «يقيت» ذكره الثعلبي، وحكى ابن فارس في المُجْمَل: المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ والشاهد، وما عنده قِيتُ ليلةٍ وقوت ليلة. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً} راعى بها حق مسلم ودفع بها عنه ضراً أو جلب إليه نفعاً ابتغاء لوجه الله تعالى، ومنها الدعاء لمسلم قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك»تفسير : {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا} وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها. {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً} يريد بها محرماً. {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} نصيب من وزرها مساوٍ لها في القدر. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} مقتدراً من أقات على الشيء إذا قدر قال:شعر : وَذِي ضُغْنٍ كَفَفْتُ الضُغْنَ عَنْه وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقِيتا تفسير : أو شهيداً حافظاً، واشتقاقه من القوت فإنه يقوي البدن ويحفظه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّن يَشْفَعْ } بين الناس {شَفَٰعَةً حَسَنَةً } موافقة للشرع {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ } من الأجر {مِنْهَا } بسببها {وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيّئَةً } مخالفة له {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ } نصيب من الوزر {مِنْهَا } بسببها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } مقتدراً فيجازي كل أحد بما عمل.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَفاعَةً حَسَنَةً} الدعاء للمؤمنين والسيئة: الدعاء عليهم كانت اليهود تفعله فتوعدهم الله - تعالى - عليه، أو هو سؤال الرجل لأخيه أن ينال خيراً أو شراً بمسألته. {كِفْلٌ} وزر وإثم، أو نصيب {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}تفسير : [الحديد: 28] {مُّقِيتاً} مقتدراً، أو حفيظاً، أو شهيداً، أو حسيباً، أو مجازياً أخذ المقيت من القوت فسمي به المقتدر لقدرته على إعطاء القوت وصار لكل قادر على قوت أو غيره. وقال: شعر : وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقـيـتـاً
النسفي
تفسير : {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً } هي الشفاعة في دفع شر أو جلب نفع من جوازها شرعاً {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا } من ثواب الشفاعة {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً } هي خلاف الشفاعة الحسنة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما لها مفسر غيري معناه من أمر بالتوحيد وقاتل أهل الكفر وضده السيئة. وقال الحسن: هو المشي بالصلح وضده النميمة {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } نصيب {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ مُّقِيتاً } مقتدراً من أقات على الشيء اقتدر عليه، أو حفيظاً من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها. {وَإِذَا حُيّيتُم } أي سلم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين {أية : فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ }تفسير : [النور: 61]. {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } تفسير : [الأحزاب: 44]. وكانت العرب تقول عند اللقاء: حياك الله أي أطال الله حياتك فأبدل ذلك بعد الإسلام بالسلام {بِتَحِيَّةٍ } هي تفعله من حيّا يحيّي تحية {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا } أي قولوا: وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال السلام عليكم. وزيدوا «وبركاته» إذا قال «ورحمة الله». ويقال لكل شيء منتهى ومنتهى السلام «وبركاته». {أَوْ رُدُّوهَا } أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام جوابه بمثله لأن المجيب يرد قول المسلّم، وفيه حذف مضاف أي ردوا مثلها. والتسليم سنة والرد فريضة والأحسن فضل. وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة. ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهراً ورواية الحديث وعند مذاكرة العلم والأذان والإقامة. وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يسلم على لاعب الشطرنج والنرد والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري من غير عذر في حمام أو غيره. ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته، والماشي على القاعد، والراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، وإذا التقيا ابتدرا. وقيل: «بأحسن منها» لأهل الملة «أو ردوها» لأهل الذمة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم« حديث : إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم»تفسير : أي وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون «السام عليكم». وقوله عليه السلام «حديث : لاغرار في تسليم»تفسير : أي لا يقال «عليك» بل «عليكم» لأن كاتبيه معه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً } أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها. {ٱللَّهِ } مبتدأ {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } خبره أو اعتراض والخبر {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } ومعناه: الله والله ليجمعنكم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي ليحشرنكم إليه. والقيامة القيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور، أو قيامهم للحساب {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [المطففين: 6] {لاَ رَيْبَ فِيهِ } هو حال من يوم القيامة والهاء يعود إلى اليوم، أو صفة لمصدر محذوف أي جمعاً لا ريب فيه، والهاء يعود إلى الجمع {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً } تمييز وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده لاستحالة الكذب عليه لقبحه لكونه إخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه. {فما لكم} مبتدأ وخبر {فِي ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ } أي مالكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا نفاقاً ظاهراً وتفرقتم فيهم فرقتين، وما لكم لم تقطعوا القول بكفرهم؟ وذلك أن قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين. فاختلف المسلمون فيهم فقال بعضهم: هم كفار، وقال بعضهم: هم مسلمون. و«فئتين » حال كقولك «مالك قائماً»، قال سيبويه: إذا قلت «مالك قائماً» فمعناه لم قمت؟ ونصبه على تأويل أي شيء يستقر لك في هذه الحال؟ {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ } ردهم إلى حكم الكفار {بِمَا كَسَبُواْ } من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين فردوهم أيضاً ولا تختلفوا في كفرهم {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ } أن تجعلوا من جملة المهتدين {مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } من جعله الله ضالاً، أو أتريدون أن تسموهم مهتدين وقد أظهر الله ضلالهم فيكون تعييراً لمن سماهم مهتدين. والآية تدل على مذهبنا في إثبات الكسب للعبد والخلق للرب جلت قدرته {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } طريقاً إلى الهداية. {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ } الكاف نعت لمصدر محذوف و «ما» مصدرية أي ودوا لو تكفرون كفراً مثل كفرهم {فَتَكُونُونَ} عطف على «تكفرون» «سَوَآء» أي مستوين أنتم وهم في الكفر {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } فلا توالوهم حتى يؤمنوا لأن الهجرة في سبيل الله بالإسلام {فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإيمان {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } كما كان حكم سائر المشركين {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ } أي ينتهون إليهم ويتصلون بهم. والاستثناء من قوله {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ } دون الموالاة {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ } القوم هم الأسلميون كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع قبل خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال والتجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال، أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق {أَوْ جَآءُوكُمْ } عطف على صفة «قوم» أي إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم أو على صفة الذين أي إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } حال بإضمار «قد». والحصر: الضيق والانقباض {أن يُقَـٰتِلُوكُمْ } عن أن يقاتلوكم أي عن قتالكم {أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ } معكم {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } بتقوية قلوبهم وإزالة الحصر عنها {فَلَقَـٰتَلُوكُمْ } عطف على {لَسَلَّطَهُمْ } ودخول اللام للتأكيد {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ } فإن لم يتعرضوا لكم {فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } أي الانقياد والاستسلام {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } طريقاً إلى القتال.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً...} الآية: قال مجاهدٌ وغيره: هي في شَفَاعَاتِ النَّاس بينهم في حوائجهم، فَمَنْ يشفعْ لينفَع، فلَهُ نصيبٌ، ومَنْ يشفعْ ليضُرَّ، فله كِفْلٌ، والكِفْلُ: النَّصيبُ، ويستعمل في الخَيْرِ وفي الشَّرِّ، وفي كتاب اللَّه تعالَىٰ: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} تفسير : [الحديد:28]، وروى أبو داود، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : مَنْ شَفَعَ لأحَدٍ شَفَاعَةً، فَأَهْدَىٰ لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَىٰ بَاباً عَظِيماً مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا»تفسير : . انتهى. وَ {مُّقِيتاً}: معناه: قديراً؛ ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ: [الوافر] شعر : وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْه وَكُنْتُ عَلَىٰ إسَاءَتِهِ مُقِيتَا تفسير : أيْ: قديراً. وقيل: مُقِيتاً: معناه شهيداً، وقيل: حفيظاً. وذهب مقاتلٌ إلى أنه الذي يَقُوتُ كلَّ حيوان، قال الداووديُّ: قال الكلبيُّ المَقِيتُ هو المُقْدِرُ بلُغَة قُرَيْشٍ. انتهى. وقوله سبحانه: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ...} الآية: قالتْ: فرقةٌ: معنى الآية: تخييرُ الرَّادِّ؛ فإذا قال البادىءُ: «السَّلاَمُ عَلَيْكَ»، فللرادِّ أنْ يقولَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ» فقطْ، وهذا هو الرَّدُّ، وله أنْ يقولَ: «وعَلَيْكَ السَّلاَمُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، وهذا هو التحيَّة بأحْسَنَ، ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ وغيره ٱنتهاءُ السَّلام إلى البَرَكة، وقالَتْ فرقةٌ: المعنَىٰ: إذا حُيِّيتم بتحيةٍ، فإن نَقَص المسلِّمُ مِنَ النهاية، فحَيُّوا بأحْسَنَ منها، وإن ٱنتهَىٰ، فردُّوها، كذلك قال عطاءٌ، والآيةُ في المؤمنين خاصَّةً، ومَنْ سَلَّم من غيرهم، فيقالُ لَهُ: «عَلَيْكَ»؛ كما في الحديثِ، وفي أبِي داوُدَ، والترمذيِّ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بالسَّلاَمِ»تفسير : . انتهى. وأكثرُ أهل العلْمِ علَىٰ أنَّ الابتداءَ بالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مؤكَّدة، وَرَدُّه فريضةٌ؛ لأنه حقٌّ من الحقوقِ؛ قاله الحسن وغيره، قال النوويُّ: ورُوِّينا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن أنسٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّىٰ تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا، مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ»تفسير : ، ورُوِّينَا فيه عَنْ أَنسٍ أيضاً، قال: «مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بِيَدِ رَجُلٍ، فَفَارَقَهُ؛ حَتَّىٰ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»؛ وَروِّينَا فيه، عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ المُسْلِمَيْنَ إذَا ٱلْتَقَيَا، فَتَصَافَحَا، وتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا»تفسير : ، وفي رواية: «إذَا ٱلْتَقَى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ تَعَالَىٰ، وَٱسْتَغْفَرَا ــــ غَفَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا». انتهى. و {حَسِيباً}: معناه حَفِيظاً، وهو فَعِيلٌ من الحِسَاب. وقوله سبحانه: {ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ...} الآية: لما تقدَّم الإنذارُ والتحذيرُ الذي تضمَّنه قوله تعالَىٰ: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء حَسِيباً}، تلاه الإعلامُ بصفَةِ الربوبيَّة، وحالِ الوحدانيَّة والإعلامِ بالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القبور للثَّواب والعقابِ إعلاماً بقَسَمٍ، تقديره: وَحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجَمعُ بمعنى الحَشْر. وقوله سبحانه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً}: المعنى: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنَ اللَّه تعالَىٰ.
ابن عادل
تفسير : في تعلُّق هذه الآية بما قَبْلَها وجوه: أحدها: أنه - تعالى - لمَّا أمَر الرَّسُول - [عليه الصلاة والسلام] - بأن يحرَّض الأمَّة على الجِهَاد، وهو طاعَةٌ حَسَنةٌ، بيَّن في هذه الآية أنَّ من يَشْفَع شَفَاعة حَسَنَة يَكُنْ له نَصِيبٌ مِنْهَا، والغَرَض مِنْه: أنه - عليه الصلاة والسلام - يستَحِقُّ بالتَّحْرِيضِ على الجِهَاد أجْراً عَظِيماً. وثانيها: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يوصِيهم بالقِتَال، ويبالِغُ في تَحْرِيضهم عليه، فكان بَعْضُ المُنَافِقِين يَشْفَع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذَن لَهُم في التَّخَلُّف عن الغَزْوِ، فنهى [الله] عن مثل هَذِه الشَّفَاعَة، وبيَّن أن [هَذِه] الشَّفاعة إذا كَانَت وَسِيلَة إلى مَعْصِيَةٍ، كانت مُحَرَّمَة. وثالِثُها: أنَّه يجُوز أن يَكُون بعض المُؤمنِين راغباً في الجِهَاد، ولا يَجِد أهْبَة الجِهاد، فصار غَيْرُهُ من المُؤمنِين شَفِيعاً له إلى مُؤمِنٍ آخر؛ ليعِيِنه على الجِهَاد، والشَّفَاعَة مأخُوذَدٌ من الشَّفْع وهو الزَّوج من العَدَد، ومنه الشَّفِيع، [وهو] أن يَصِير الإنْسَان [نفسه] شَفْعاً لِصَاحب الحَاجَة؛ حتى يجْتَمِع معه على المسألة فِيهَا، [ومنه نَاقَةٌ شَفُوعٌ: إذا جمعت بين مِحْلَبَيْن في حَلبةٍ واحدةٍ، وناقة شَفِيعٌ: إذا اجْتَمع لها حَمْلٌ وولَدٌ يَتْبَعُها، والشُّفْعَةُ: ضم مِلْكِ الشَّريك إلى ملكك، والشَّفَاعة إذا ضَمَّ غَيْرك إلى جاهك، فهي على التَّحقِيق إظهار لمنزلة الشَّفِيع عند المُشَفِّع، وإيصَال المَنْفَعَة إلى المَشْفُوع له] فيكون المُرَادُ: تَحْرِيض النَّبِيِّ - عليه الصلاة والسلام - إيَّاهم على الجِهَاد؛ لأنه إذا أمَرهُم بالغدو، فقد جَعَل نَفْسَهُ شَفْعاً لَهُم في تَحْصِيل الأغْرَاضِ المتعلِّقةِ بالجِهَادِ، والتَّحْرِيض على الشَّيءِ عبارة عن الأمر به على وجْه الرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ، وذلك يَجْرِي مُجْرَى الشَّفَاعة. وقي: المُرَاد ما تَقَدَّم من شفاعة بَعْض المُنَافِقِين النَّبِيَّ - عليه الصلاة والسلام - في أن يَأذن لِبَعْضِهِم في التَّخَلُّف. ونقل الوَاحِديُّ عن ابن عبَّاس؛ ما معناه: أن الشَّفَاعة الحَسَنَة هَهُنا، وهي أن يَشْفَع إيمانهُ بالله بقِتَال الكُفَّار، والشفاعة السَّيِّئَة: أن يَشْفَع كفره بِمُوالاَةِ الكُفَّار، وقيل: الشَّفَاعة الحَسَنَة: ما تقدَّم في أن يَشْفَع مؤمِنٌ لمؤمِنٍ [عند مُؤمِنٍ] آخَرِ؛ في أن يُحَصِّلَ له آلات الجِهَاد، ورُوي عن ابن عبَّاسٍ؛ أن الشفاعة الحَسَنة [هي الإصلاح بين النَّاس، والشَّفَاعة السَّيِّئة، هي النَّمِيمة بين النَّاسِ. وقيل]: هي حُسْنُ القول في النَّاسِ يُنَال به الثَّوَاب والخير، والسَّيِّئَة هي الغَيْبة والقَوْل السيّئ في النَّاسِ يُنَال به الشَّرُّ. والمراد بالكفل: الوِزْر. قال الحَسَن مُجَاهِد والكَلْبي وابن زَيْدٍ: المراد شَفَاعة النَّاسِ بَعْضهم لِبَعْض، فإن كان في ما يَجُوز، فهو شَفَاعة حَسَنَة، وإن كان فِيمَا لا يجُوز، فهو شَفَاعَة سَيِّئَة. قال ابن الخَطيب: هذه الشَّفَاعة لا بُدَّ وأن يكُون لها تَعَلُّقٌ بالجِهَاد، وإلاَّ صَارَت الآية مُنْقَطِعَةِ عما قَبْلَهَا، فإن أرَادُوا دُخُول هذه الوُجُوهِ في اللَّفْظِ العَامِ فيجوز؛ لأن خُصوص السَّبَبِ لا يَقْدَح في عُمُوم اللَّفْظِ. "والكفل": النَّصِيب، إلا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثر، عكس النصيب، وإنْ كان قد استُعْمِل الكِفْلُ في الخَيْرِ، قال تعالى: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} تفسير : [الحديد: 28] وأصلُه قالوا: مُسْتَعَارٌ مِنْ كِفْلِ البَعير، وهو كساء يُدَار حَوْلَ سِنَامِه ليُرْكَبَ، سُمِّي بِذَلِك؛ لأنَّه لم يَعُمَّ ظهرهَ كُلَّه بل نَصِيباً منه، ولغلبةِ استِعْمَالِه في الشَّرِّ، واستعمال النَّصِيب في الخير، غاير بَيْنَهما في هذه الآيَة الكَريمة؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئَة، والنَّصِيب مع الحَسَنة، و "منها" الظَّاهِر أن "مِنْ" هنا سَببيَّة، أي: كِفْلٌ بِسَبِبها [ونَصِيب بسبِبها]، ويجُوز أن تكُون ابتدائِيةٌ، والمُقِيت: المُقْتَدَر [قال: ابن عباس: مقتدراً مجازياً]، قال: [الوافر] شعر : 1847- وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ الْوُدَّ عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى إسَاءَتِهِ مٌقِيتَا تفسير : أي: مقتدراً، ومنه: [الخفيف] شعر : 1848- لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذَا مَا قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ ألِيَ الْفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذَا حُو سِبْتُ؟ أنَّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ تفسير : وأنشد نَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: [الطويل] شعر : 1849- تَجَلَّد ولا تَعْجَزْ وَكُنْ ذَا حَفِيظَةٍ فَإنِّي عَلَى مَا سَاءَهُمْ لَمُقِيتُ تفسير : قال النَّحَّاس: "هو مُشْتَقٌ من القُوتِ، وهو مِقْدَارُ ما يَحْفَظ به بَدَنُ الإنْسَانِ من الهَلاَك" فأصل مُقيت: مُقْوِت كَمُقِيم. [و] يقال: قُتُّ الرَّجُلَ؛ إذا حَفِظْتَ عليه نَفْسهُ "وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقيت" وفي رواية من رَوَاه هَكَذَا، أي: مَن هو تَحْت قُدْرَته وفي قَبْضَتِه من عِيَالٍ وغيره؛ ذكره ابن عَطِيَّة: يقول: [منه: قُتُّهُ] أقوته قُوتاً، وأقَتُّهُ أقِيتُهُ إقَاتَةً، فأنا قَائِتٌ ومُقِيتٌ. وأمَّا قول الشَّاعِرِ: [الخفيف] شعر : 1850- ………………….. إنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ تفسير : فقال الطَّبَرِي: إنه من غَيْر هَذا [المعنى المتقدِّم، فإنه بمَعْنَى الموقوف،] فأصْل مُقِيت: مُقْوِت كمُقِيم. وقال مُجَاهِدٌ: معنى مُقِيتاً: شاهداً وقال قتادة: حَفِيظاً، وقيل معناه: على كل حيوان مُقِيتاً، أي: يُوصِل القُوت إلَيْه. قال القَفَّال: وأي هَذَيْن المعنيين كان فَالتَّأوِيل صَحِيحٌ، وهو أنه - تعالى - قادر على إيصَال النَّصِيب والكَفِيل من الجَزَاءِ إلى الشَّافِع؛ مثل ما يُوصِلُه إلى المَشْفُوع، إن خيراً فَخَيْرٌ، وإن شَرّاً فَشَرٌّ، ولا ينتَقِص بسبَب ما يَصِل إلى الشَّافِع [شيء] من جَزاء المَشْفُوع، وعلى الوَجْه الآخَر: أنَّه تعالى - حَافِظُ الأشْيَاء شَاهِدٌ عليها، لا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أحْوَالِهَا، فهو عَالِمٌ بأن الشَّافِع يَشْفَع في حَقِّ [أو في] بَاطِل، حَفِيظٌ عليهم فَيُجَازِي كلاًّ بما عَلِمَهُ منه. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} وَلَمْ يقتيه بوقتٍ، والحالُ يدلُّ على أن هذه الصِّفَةِ كانت ثَابِتَة له من الأزَلِ إلى الأبَدِ وليست مُحْدَثة.
البقاعي
تفسير : ولما كان ذلك موجباً للرغبة في طاعة النبي صلى الله عليه وسم لا سيما في الجهاد، وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من الإقبال على الطاعة، والإعراض عن كل من كان بصفة المنافقين، والإدامة لطردهم وإبعادهم والغلظة عليهم, والحذر من مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم، وكان بين كثير من خلص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب العطف المقتضي للشفقة عليهم، الحاملة للشفاعة فيهم، إما بالإذن في التخلف عن الجهاد لما يزخرفون القول من الأعذار الكاذبة، أو في العفو عنهم عند العثور على نقائصهم، أو في إعانتهم أو إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر الجهاد عند ادعاء أن المانع له عنه العجز - وفي غير ذلك، وكانت التوبة معروضة لهم ولغيرهم، وكان البر ما سكن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر، والإنسان على نفسه بصيرة، وكانت البواطن لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وكان الإنسان ربما أظهر شراً في صورة خير؛ رغب سبحانه وتعالى في البر، وحذر من الإثم بقوله - معمماً مستأنفاً في جواب من كأنه قال: أما تقبل فيهم شفاعة -: {من يشفع} أي يوجد ويجدد، كائناً من كان، في أي وقت كان {شفاعة حسنة} أي يقيم بها عذر المسلم في كل ما يجوز في الدين ليوصل إليه خيراً، أو يدفع عنه ضيراً {يكن له نصيب منها} بأجر تسببه في الخير {ومن يشفع} كائناً من كان، في أي زمان كان {شفاعة سيئة} أي بالذب عن مجرم في أمر لا يجوز، والتسبب في إعلائه وجبر دائه؛ وعظّم الشفاعة السيئة لأن درء المفاسد أولى من جلب المصلح، فقال - معبراً بما يفهم النصيب ويفهم أكثر مه تغليظاً في الزجر -: {يكن له كفل منها} وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن تحقق إجرامهم، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم. ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي "حديث : من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" تفسير : حَسُنَ اقترانهما جداً، والنصيب قدر متميز من الشيء يخص من هو له، وكذا الكفل إلا أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب، ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد به الضعف، فكأنه نصيب متكفل بما هو له من إسعاد وإبعاد؛ قال أهل اللغة: النصيب: الحظ، والكفر - بالكسر: الضعف والنصيب والحظ، ومادة "نصب" يدور على العلم المنصوب، ويلزمه الرفع والوضع والتمييز والأصل والمرجع والتعب، فيلزمه الوجع، ومن لوازمه أيضاً الحد والغاية والجد الوقوف؛ ومادة "كفل" تدور على الكفل - بالتحريك وهو العجز أو ردفه، ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر؛ وقال الإمام: الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله {أية : فبشرهم بعذاب أليم}تفسير : [آل عمران: 21 والتوبة: 34 والانشقاق: 24] والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله سبحانه وتعالى - انتهى. وما غلظ هذا الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل. ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم بالحقية، ليكون ذلك زاجراً عن مقارفة شيء منها وإن صغر؛ عبر في الحسنة بالنصيب، وفي السيئة بالكفل؛ ويؤيد إرادة هذا أنه تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى، وكان في سياق الوعظ لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع رسول من عند الله، فتركهم لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب؛ عبر بالكفل فقال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} تفسير : [الحديد: 28] إلى آخرها. ولما كان النصيب مبهماً بالنسبة إلى علمنا لتفاوته بالنسبة إلى قصور الشافعين، وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل وغير ذلك مما لا يمكن الإحاطة به إلا الله سبحانه وتعالى علماً وقدرة؛ قال تعالى مرغباً ومرهباً: {وكان الله} أي ذو الجلال والإكرام {على كل شيء} من الشافعين وغيرهم وجزاء الشفاعة {مقيتاً *} أي حفيظاً وشهيداً وقديراً على إعطاء ما يقوت من أخلاق النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ما به القوام جزاء وابتداء من جميع الجهات، وعلى تقدير ما يستحق كل أحد من الجزاء على الشفاعة وكل خير وشر. ولما كان ذلك موجباً للإعراض عنهم رأساً ومنابذتهم قولاً وفعلاً، وبين سبحانه وتعالى أن التحية ليست من وادي الشفاعة، وأن الشفاعة تابعة للعمل، والتحية تابعة للظاهر، فقال سبحانه وتعالى عاطفاً على ما تقديره: فلا تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء مقاصدهم، فقال معبراً بأداة التحقق بشارة لهم بأنهم يصيرون - بعد ما هم فيه الآن من النكد - ملوكاً، وفي حكم الملوك، يحبون ويشفع عندهم، وحثاً على التواضع: {وإذا حييتم بتحية} أي أي تحية كانت إذا كانت مشروعة، وأصل التحية الملك، واشتقاقها من الحياة، فكأن حياة الملك هي الحياة, وما عداها عدم, ثم أطلقت على كل دعاء يبدأ به عند اللقاء؛ وقال الأصبهاني: لفظ التحية صار كناية عن الإكرام، فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية {فحيوا بأحسن منها} كأن تزيدوا عليها {أو ردوها} أي من غير زيادة ولا نقص، وذلك دال على وجوب رد السلام - من الأمر، وعلى الفور - من الفاء والإجماع موافق لذلك، وترك الجواب إهانة، والإهانة ضرر، والضرر حرام؛ قال الأصبهاني: والمبتدىء يقول: السلام عليكم، والمجيب يقول: وعليكم السلام، ليكون الافتتاح والاختتام بذكر الله سبحانه وتعالى. وما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السلام وجب الكف عنه ولو كان في الحرب، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة على الندب إلى الإحسان والتعاطف والتواصل، وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر به في قوله تعالى {أية : وإذا حضر القسمة} تفسير : [النساء: 8]، وإما غيره ومن أعظمه القول، لأنه ترجمان القلب الذي به العطف، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية، قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه " حديث : والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم " تفسير : فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر آية الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل. ولما كانت الشفاعة أعظمها في الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض، ومقصد السورة التواصل، فشأنها أهم والنظر إليها آكد، ثم رغب في الإحسان في الرد، ورهب من تركه بقوله معللاً: {إن الله} أي الذي له الإحاطة علماً وقدرة {كان} أي أزلاً وأبداً {على كل شيء حسيباً *} أي محصياً لجميع المتعددات دقيقها وجليلها، كافياً لها في أقواتها ومثوباتها، محاسباً بها، مجازياً عليها، وذلك كله شأن المقيت؛ ثم علل ذلك بقوله دالاً على تلازم التوحيد والعدل: {الله} أي الذي لا مثل له {لا إله إلا هو} أي وقد أمركم بالعدل في الشفاعة والسلام، فإن لم تفعلوه - لما لكم من النقائص التي منها عدم الوحدانية - فهو فاعله ولا بد, فاحذروه لأنه واحد, فلا معارض له في شيء من الحساب ولا غيره، ولا يخفى عليه شيء فالحكم على البواطن إنما هو له تعالى، وأما أنتم فلم تكلفوا إلا بالظاهر. ولما تبين أنه لا معارض له أنتج قوله مبيناَ لوقت الحساب الأعظم: {ليجمعنكم} وأكده باللام والنون دلالة على تقدير القسم لإنكار المنكرين له، ولما كان التدريج بالإماتة شيئاً فشيئاً، عبر بحرف الغاية فقال: {إلى يوم القيامة} والهاء للمبالغة، ثم آكده بقوله: {لا ريب فيه} أي فيفصل بينكم وبين من أخبركم بهم من المنافقين ونقد أحوالهم وبين محالهم، فيجازي كلاً بما يستحق. ولما كان التقدير: فمن أعظم من الله قدرة! عطف عليه قوله: {ومن أصدق من الله} أي الذي له الكمال كله فلا شوب نقص يلحقه {حديثاً} وهو قد وعد بذلك لأنه عين الحكمة، وأقسم عليه، فلا بد من وقوعه، وإذ قد تحرر بما مضى أن المنافقين كفرة، لا لبس في أمرهم، وكشف سبحانه وتعالى الحكم في باطن أمرهم بالشفاعة وظاهره بالتحية، وحذر من خالف ذلك بما أوجبته على نفسه حكمته من الجمع ليوم الفصل للحكم بالعدل، وختم بأن الخبر عنهم وعن جميع ذلك صدق؛ كان ذلك سبباً لجزم القول بشقاوتهم والإعراض عنهم والبعد عن الشفاعة فيهم، والإجماع على ذلك من كل مؤمن وإن كان مبنى السورة على التواصل، لأن ذلك إنما هو حيث لا يؤدي إلى مقاطعة أمر الله، فقال تعالى مبكتاً لمن توقف عن الجزم بإبعادهم: {فما لكم} أيها المؤمنون {في المنافقين} أي أيّ شيء لكم من أمور الدنيا أو الآخرة في افتراقكم فيهم {فئتين} بعضكم يشتد عليهم وبعضكم يرفق بهم. ولما كان هذا ظاهراً في بروز الأمر المطاع بين القول بكفرهم وضحه بقوله؛ {والله} أي والحال أن الملك الذي لا أمر لأحد معه {أركسهم} أي ردهم منكوسين مقلوبين {بما كسبوا} أي بعد إقرارهم بالإيمان من مثل هذه العظائم، فاحذروا ذلك ولا تختلفوا في أمرهم بعد هذا البيان؛ وفي عزوة أحد والتفسير من البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنزلت: {فما لكم في المنافقين} - الآية، وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب وفي رواية:- كما تنفي النار خبث الفضة" تفسير : انتهى. فالمعنى حينئذ: اتفقوا على أن تسيروا فيها بما ينزل عليكم في هذه الآيات. ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم، أنكر سبحانه وتعالى ذلك عليهم صريحاً لبت الأمر في كفرهم فقال {أتريدون} أي أيها المؤمنون {أن تهدوا} أي توجدوا الهداية في قلب {من أضل الله} أي وهو الملك الأعظم الذي لا يرد له أمر، وهو معنى قوله: {ومن} أي والحال أنه من {يضلل الله} أي بمجامع أسمائه وصفاته {فلن تجد} أي أصلاً أيها المخاطب كائناً من كان {له سبيلاً *} أي إلى ما أضله عنه أصلاً، والمعنى: إن كان رفقكم بهم رجاء هدايتهم فذلك أمر ليس إلا الله، وإنما عليكم أنتم الدعاء، فمن أجاب صار أهلاً للمواصلة، ومن أبى صارت مقاطعته ديناً، وقتله قربة، والإغلاظ واجباً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {من يشفع شفاعة حسنة...} الآية. قال: شفاعة بعض الناس لبعض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يشفع، لأن الله يقول: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} ولم يقل يشفع. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: من يشفع شفاعة حسنة كتب له أجره ما جرت منفعتها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {يكن له نصيب منها} قال: حظاً منها. وفي قوله {كفل منها} قال: الكفل هو الإثم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي والربيع في قوله {كفل منها} قالا: الحظ. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: الكفل والنصيب واحد، وقرأ {يؤتكم كفلين من رحمته} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {وكان الله على كل شيء مقيتاً} قال: حفيظاً. وأخرج أبو بكر ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطبراني في الكبير والطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {مقيتاً} قال: قادراً مقتدراً. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول أحيحة بن ألأنصاري: شعر : وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل عن رجل عن عبد الله بن رواحة. أنه سأله رجل عن قول الله {وكان الله على كل شيء مقيتاً} قال: يقيت كل إنسان بقدر عمله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {مقيتاً} قال: شهيداً حسيباً حفيظاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {مقيتاً} قال: قادراً. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: المقيت القدير. وأخرج عن ابن زيد. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: المقيت الرزاق.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا} أي من ثوابها، جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبـيان أن له عليه الصلاة والسلام فيما أُمر به من تحريض المؤمنين حظاً موفوراً، فإن الشفاعةَ هي التوسُّطُ بالقول في وصول شخصٍ إلى منفعة من المنافع الدنيويةِ أو الأخروية، أو خلاصِه من مضَرّة ما كذلك، من الشفْع كأن المشفوعَ له كان فرداً فجعله الشفيعُ شَفْعاً، والحسنةُ منها ما كانت في أمر مشروعٍ رُوعي بها حقُّ مسلمٍ ابتغاءً لوجه الله تعالى من غير أن يتضمَّن غرضاً من الأغراض الدنيويةِ، وأيُّ منفعة أجلُّ مما قد حصل للمؤمنين بتحريضه عليه الصلاة والسلام على الجهاد من المنافع الدنيويةِ والأخرويةِ؟ وأيُّ مضرةٍ أعظمُ مما تخلّصوا منه بذلك من التثبّط عنه؟ ويندرج فيها الدعاءُ للمسلم فإنه شفاعةٌ إلى الله سبحانه وعليه مَساقُ آيةِ التحيةِ الآتية، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من دعا لأخيه المسلمِ بظهر الغيبِ استُجيب له وقال له المَلَكُ: ولك مثلُ ذلك» تفسير : وهذا بـيانٌ لمقدار النصيبِ الموعود {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً} وهي ما كانت بخلاف الحسنةِ {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} أي نصيب من وِزْرها مساوٍ لها في المقدار من غير أن يَنْقُصَ منه شيءٌ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً} أي مقتدراً، من أقات على الشيء إذا اقتدر عليه أو شهيداً حفيظاً، واشتقاقُه من القُوت، فإنه يقوِّي البدَنَ ويحفَظُه، والجملةُ تذيـيلٌ مقرِّرٌ لما قبلها على كلا المعنيـين. {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ} ترغيبٌ في فرد شائعٍ من أفراد الشفاعةِ الحسنةِ إثرَ ما رُغِّبَ فيها على الإطلاق وحُذِّر عما يقابلها من الشفاعة السيئةِ، وإرشادٌ إلى توفية حقِّ الشفيعِ، وكيفيةِ أدائِه، فإن تحيةَ الإسلامِ من المسلم شفاعةٌ منه لأخيه إلى الله تعالى، والتحيةُ مصدر حيَّا أصلُها تحْيِـيَةٌ، كتسمية من سمَّى وأصلُ الأصلِ تَحْيِـيٌّ بثلاث ياءاتٍ فحُذفت الأخيرةُ وعُوِّضَ عنها تاءُ التأنيثِ وأُدغمت الأولى في الثانية بعد نقلِ حركتِها إلى الحاء. قال الراغبُ: أصلُ التحية الدعاءُ بالحياة وطولِها ثم استعملت في كل دعاءٍ، وكانت العربُ إذا لقِيَ بعضُهم بعضاً يقول: حياك الله، ثم استعملها الشرعُ في السلام وهي تحيةُ الإسلامِ، وقال تعالى: {أية : تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ } تفسير : [إبراهيم، الآية 23] وقال: {أية : فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور، الآية 61] قالوا: في السلام مزيةٌ على التحية لما أنه دعاءٌ بالسلامة من الآفات الدينيةِ والدنيويةِ، وهي مستلزِمةٌ لطول الحياةِ وليس في الدعاء بطول الحياةِ ذلك، ولأن السلامَ من أسمائه تعالى فالبَداءةُ بذكره مما لا ريبَ في فضله ومزّيتِه، أي إذا سُلِّم عليكم من جهة المؤمنين {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا} أي بتحيةٍ أحسنَ منها بأن تقولوا: وعليكم السلامُ ورحمةُ الله إن اقتصر المُسلمُ على الأول وبأن تَزيدوا وبركاتُه إن جمعهما المسلمُ وهي النهايةُ لانتظامها لجميع فنونِ المطالبِ التي هي السلامةُ عن المضارِّ ونيلُ المنافعِ ودوامُها ونماؤُها. {أَوْ رُدُّوهَا} أي أجيبوها بمثلها. رُوي «حديث : أن رجالاً قال أحدُهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلامُ عليك، فقال: "وعليك السلام ورحمةُ الله"، وقال الآخرُ: السلامُ عليك ورحمةُ الله، فقال: "وعليك السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه"، وقال الآخرُ: السلامُ عليك ورحمةُ الله وبركاتُه، فقال: "وعليك" فقال الرجل: نقصتَني فأين ما قال الله تعالى؟ وتلا الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: "إنك لم تترُكْ ليَ فضلاً فردَدْتُ عليك مثلَه"»تفسير : ، وجوابُ التسليم واجبٌ وإنما التخيـيرُ بـين الزيادةِ وتركِها، وعن النخعيّ: أن السلامَ سنةٌ والردَّ فريضةٌ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «الردُّ واجبٌ وما من رجل يمُرُّ على قوم مسلمين فيسلّم عليهم ولا يردّون عليه إلا نزَع الله منهم روُحَ القُدسِ وردَّت عليه الملائكة» ولا يردّ في الخُطبة وتلاوةِ القرآنِ جهراً، وروايةِ الحديثِ وعند دراسةِ العلمِ والآذانِ والإقامةِ، ولا يسلّم على لاعب النرْدِ والشطرنج والمغنّي والقاعدِ لحاجته ومُطيِّرِ الحَمام والعاري في الحمّام وغيرِه، قالوا: ويسلم الرجلُ على امرأته لا على الأجنبـية، والسُّنةُ أن يسلِّم الماشي على القاعد والراكبُ على الماشي وراكبُ الفرسِ على راكب الحمارِ، والصغيرُ على الكبـير والقليلُ على الكثير، وإذا التَقَيا ابتدرا. وعن أبـي حنيفةَ رضي الله عنه لا يجهر بالرد يعني الجهرَ الكثيرَ، وعن النبـي عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا سلَّم عليكُم أهلُ الكتابِ فقولوا: وعليكُم»تفسير : أي وعليكم ما قلتم حيث كان يقول بعضُهم: السامُ عليكم. وروي (لا تبدأ اليهوديَّ بالسلام وإذا بدأك فقل: وعليك)، وعن الحسن: أنه يجوز أن يقول للكافر وعليك السلامُ دون الزيادة، وقيل: التحيةُ بالأحسن عند كونِ المسلِّمِ مسلماً وردُّ مثلِها عند كونِه كافراً. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَسِيباً} فيحاسبكم على كل شيءٍ من أعمالكم التي من جملتها ما أُمرتم به من التحية فحافِظوا على مراعاتها حسبما أُمرتم به.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا}[85] يعني الحظ منها، لأنها تمنع رضا الله تعالى.
القشيري
تفسير : الشفيع يخلِّص للمشفوع له حاله. ويستوجب الشفيعُ - من الله سبحانه على شفاعته - عظيمَ الرتبة، ومَنْ سعى في أمرنا بالفساد تحمَّل الوِزْرَ واحتقب الإثم.
اسماعيل حقي
تفسير : {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} وهو ثواب الشفاعة والتسبب الى الخير الواقع بها والشفاعة الحسنة هى التى روعى بها حق مسلم ودفع بها عنه شر او جلب اليه خير وابتغى بها وجه الله تعالى ولم تؤخذ عليها رشوة وكانت فى امر جائز لا فى حد من حدود الله ولا فى حق من الحقوق {ومن يشفع شفاعة سيئة} وهى ما كانت بخلاف الحسنة {يكن له كفل منها} اى نصيب من وزرها مساو لها فى المقدار من غير ان ينقص منه شىء. وعن مسروق انه شفع شفاعة فاهدى اليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال لو علمت ما فى قلبك لما تكلمت فى حاجتك لا اتكلم فيما بقى منها. ومن بلاغات الزمخشرى شيآن شينان فى الاسلام الشفاعة فى الحدود والرشوة فى الاحكام والحدود عقوبة مقدرة يجب على الامام اقامتها حقا لله تعالى لئلا يتضرر العباد فالتعزير ليس بحد اذ ليس له قدر معين فان اكثره تسعة وثلاثون سوطا واقله ثلاثة وكذا القصاص لا يسمى حدا لانه حق العبد وهو ولى القصاص ولهذا سقط بالعفو والاعتياض فحد الزنى لغير المحصن مائة جلدة ولعبد نصفها وحد شرب الخمر ثمانون سوطا للحر واربعون للعبد مفرقا على بدنه كما فى حد الزنى وحد القذف كحد الشرب فمن قذف محصنا او محصنة بصريح الزنى حد بطلب المقذوف المحصن لان فيه حق العبد من حيث دفع العار عنه وكذا طلب المسروق منه شرط القطع فى السرقة فهذه حدود لا يجرى فيها الشفاعة اذ الحق علم القاضى بالواقعة ولهذا قال فى ترجمة وصايا الفتوحات المكية [ونزيدك حاكم در حدود الله شفاعت مكن از ابن عباس رضى الله عنهما در خواست كردند در اب دزدى شفاعت كند ابن عباس رضى الله عنهما كفت هركه شفاعت كند وهركه قبول كند هردودر لعنت اندر اكرييش آزانكه بحاكم معلوم نشود ميكفتيد مى شد] انتهى ولما كانت الشفاعة فى القصاص غير الشفاعة فى الحدود قال صلى الله عليه وسلم "حديث : "ما من صدقة افضل من صدقة اللسان" قيل وكيف ذلك قال "الشفاعة يحقن بها الدم ويجر بها المنفعة الى آخر ويدفع بها المكروه عن آخر" " .تفسير : ذكره الامام الغزالى رحمه الله وافصح الحديث عن ان الشفاعة هى التوسط بالقول فى وصول شخص الى منفعة من المنافع الدنيوية او الاخروية وخلاصه من مضرة ما كذلك واذا كانت فى امر غير مشروع ولا تكون صدقة بل سيئة. وذكر فى ترجمة الوصايا ايضا [جون براى كسى شفاعت كنى وكار اوساخته شود زنهار هدية او قبول مكن كه رسول الله صلى الله عليه وسلم انرا جمله ربا نهاده است شيخ اكبر قدس سره الاطهر فرمودكه دربعض بلاد عرب يكى ازاعيان مرابخانه خود دعوت كرد وترتيبى كرده بود وكرامتى مهيا داشته جون طعام احضار كردند اورا بسلطان بلند حاجتى بود ازمن طلب شفاعت كرد وسخن من نزد سلطان درغايت قبول بود شيخ فرمود كه اورا كفتم نعم وبر خاستم وطعام نخوردم وهدايا قبول نكردم وحاجت اويش سلطان كزاردم واملاك وى بوى باز كشت ومرا هنوز حديث نبوى وقوف نبود ولكن مروءت من جنين تقاضا كرد واستنكاف كردم كه كسى را بمن حاجتى باشد وازوى بمن نفعى عائد شود ودر حقيقت آن عنايت وعصمت حق بود] انتهى. وبالجملة ينبغى للمؤمن ان يشفع للجانى الى المجنّى عليه بل ومن حقوق الاسلام ان يشفع لكل من له حاجة من المسلمين الى من له عنده منزلة ويسعى فى قضاء حاجته بما يقدر عليه: قال السعدى قدس سره شعر : كر ازحق نه توفيق خيرى رسد كى ازبنده خيرى بغيرى رسد اميداست از آنانكه طاعت كنند كه بى طاعتا نرا شفاعت كنند تفسير : ومن الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلم فانه شفاعة الى الله تعالى وعن النبى عليه السلام "حديث : من دعا لاخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" .تفسير : وهذا بيان لمقدار النصيب الموعودة والدعوة على المسلم بضد ذلك وانما يستجاب الدعاء بظهر الغيب لعبده عن شائبة الطمع والرياء بخلاف دعاء الحاضر لانه قلما يسلم من ذلك فالغائب لا يدعو للغائب الا لله خالصا فيكون مقبولا والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم فى الصلاة وغيرها دعاء من العبد المصلى لمحمد صلى الله عليه وسلم عن ظهر الغيب فشرع ذلك رسول الله وامر الله به فى قوله تعالى {أية : إنَّ الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} تفسير : [الأحزاب: 56]. ليعود هذا الخير من الملك على المصلى ولهذا جوز الحنفية قراءة الفاتحة لروحه المطهر عليه السلام ومنعها الشافعية لان الدعاء بالترحم يوهم التقصير ولذا لا يقال عند ذكر الانبياء رحمة الله عليهم بل عليهم السلام والجواب ان نفع القراءة يعود على القارىء فأى ضرر فى ذلك {وكان الله على كل شىء مقيتا} اى مقتدرا مجازيا بالحسنة والسيئة من اقات على الشىء اذا اقتدر عليه او شهيدا حفيظا. قال الامام الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى معنى المقيت خالق الاقوات وموصلها الى الابدان وهى الاطعمة والى القلوب وهى المعرفة فيكون بمعنى الرازق الا انه اخص منه اذ الرزق يتناول القوت وغير القوت والقوت ما يكتفى به فى قوام البدن او يكون معناه المستولى على الشىء القادر عليه والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم وعليه يدل قوله تعالى {وكان الله على كل شىء مقيتا} اى مطلعا قادرا فيكون معناه راجعا الى العلم والقدرة فوصفه بالمقيت اتم من وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده لانه دال على اجتماع المعنيين وبذلك يخرج هذا الاسم من الترادف. والاشارة فى الآية {من يشفع شفاعة حسنة} لايصال نوع من الخيرات الى الغير {يكن له نصيب منها} فانها من خصوصيتها ان يكون له نصيب منها اى له نصيب من هذه الحسنة فمن تلك الخصوصية قد يشفع شفاعة حسنة {ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له} اى فى جبلته {كفل منها} يعنى من تلك السيئة التى هى ايصال نوع من الشر فيها قد يشفع شفاعة سيئة كما قال تعالى {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج الا نكدا} تفسير : [الأعراف: 58]. {وكان الله} فى الازل {على كل شىء مقيتا} شهيدا فى ايجاد المحسن والمسيىء مقتدرا عليما حفيظا يعطيهما استعداد شفاعة حسنة وسيئة لا يقدران اليوم على تبديل استعدادهما لقابلية الخير والشر فافهم جدا: قال الحافظ قدس سره شعر : نقش مستورى ومستى نه بدست من وتست آنجه استاد ازل كفت بكن آن كردم تفسير : وقال السعدى قدس سره شعر : كرت صورت حال بد يانكوست نكاريده دست تقدير اوست
الطوسي
تفسير : المعنى واللغة: قيل في معنى الشفاعة ها هنا قولان: أحدهما - قال أبو علي: الشفاعة الحسنة: الدعاء للمؤمنين. والشفاعة السيئة: الدعاء عليهم، لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعدهم الله تعالى عليه. وقال الحسن، ومجاهد، وابن زيد: الشفاعة هي مسألة الانسان في صاحبه أن يناله خير بمسألته. وقال الازهري معنى {من يشفع شفاعة حسنة} من يزد عملا إلى عمل. والشفع: الزيادة. سئل تغلب عن اشتقاق الشفعة، فقال: الزيادة وهو أن يشفعك في ما تطلبه حتى تضمه إلى ما عندك، فتشفعه أي تزيده بها إن كان واحداً، فضمت إليه ما زاد صار شفعاً. وعندنا ان حقيقة الشفاعة هي المسألة في اسقاط الضرر. وانما تستعمل في مسألة المنافع مجازاً، لأن أحداً لا يقول: إنا نشفع في النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا سألنا الله أن نزيد في كراماته، ولو كان الامر على ما قاله الحسن، ومجاهد، لكنا شافعين فيه. ووجه اتصال هذا الكلام بما تقدم، انه لما قيل {لا تكلف إلا نفسك} عقب ذلك بان لك مع هذا في دعاء المؤمنين إلى الحق ما للانسان في شفاعة صاحبه بخير يصل إليه، لئلا يتوهم ان العبد من أجل انه لا يؤخذ بعمل غيره، لا يتزيد فعله بعمل غيره. الثاني - ان الشفاعة تصير الانسان شفعاً لصاحبه في جهاد عدوه من الكفار. والكفل: قال الحسن، وقتادة: هو الوزر، وهو قول أبي جعفر (ع). وقال السدي، والربيع، وابن زيد: هو النصيب. ومنه قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} وأصل الكفل: المركب الذي يهيأ كالسرج للبعير من كسا، أو خرق أو نحوه حول السنام. وانما قيل كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله. وانما استعمل نصيب منه. وقال الازهري: الكفل الذي لا يحسن ركوب الفرس. وأصله الكفل: وهو ردف العجز. ومنه الكفالة بالنفس، وبالمال. والكفل المثل. والمقيت: قيل في معناه خمسة أقوال: قال السدي، وابن زيد، والكسائي: هو المقتدر. والثاني - قال ابن عباس، واختاره الزجاج: إنه الحفيظ. والثالث - قال مجاهد: هو الشهيد. والرابع - المقيت: الحسيب عنه. والخامس - قال الجبائي: هو المجازي كأنه قال: وكان الله على كل شيء من الحسنات، والسيئات مجازياً. وأصل المقيت: القوت، قاته يقوته قوتاً: إذا أعطاه ما يمسك رمقه. والمقيت: المقتدر لاقتداره على ما يمسك رمقه. يقال منها قات الرجل يقيت اقاتة حكاه الكسائي وينشد للزبير بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وسلم): شعر : وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا تفسير : فهذه لغة قريش. وقال كثير: شعر : وما ذاك عنها عن نوال اناله ولا انني منها مقيت على ود تفسير : أي مقتدر فأما قول اليهودي: شعر : ألي الفضل أم علي إذا حو سبت اني على الحساب مقيت تفسير : قيل: ومعناه موقوف. أي كما ان من يحتاج إلى القوت موقوف على سدّ خلته. ويحتمل معنى مقيت أي مقتدر على الحساب بتوجيه إلى انه لي أو علي بحسب عملي. وقال ابن كثير: المقيت الواصب وهو القائم على كل شيء بالتدبير. وأقوى الوجوه معنى المقتدر بدلالة البيت الذي للزبير بن عبد المطلب.
الجنابذي
تفسير : {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} فهو استيناف جواب لسؤال مقدّر واقع موقع التّعليل او موقع بيان الحال ومعناه من ضمّ عملاً حسناً الى عملٍ حسنٍ آخر، او من ينضمّ الى صاحبه ويشاركه فى عمل حسنٍ، او من يصلح بين اثنين او من يطلب ويسأل من غيره لصاحبه خبراً او دفع ضرّاً وترك عقوبة سواء كان ذلك من الخلق او من الله او من يدعو لصاحبه بخيرٍ من "شفع" اذا دعا له اودعا عليه، او من يدعو صاحبه الى خيرٍ او من يعين صاحبه على خيرٍ او من يدلّ صاحبه على خيرٍ والكلّ يمكن ان يستفاد من هذه العبارة والكلّ صحيح {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} النّصيب والكفل الحظّ وما يعطى من القسمة لكن استعمال النّصيب فيما فيه حظّ صاحبه اكثر من استعماله فيما فيه تعبه والكفل بالعكس من ذلك {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} توصيف الشّفاعة بالحسن والسّوئة باعبتار متعلّقها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} مقتدراً او حافظاً لا يفوته شفاعة شفيع ولا كيفيّتها ولا قدرها.
الأعقم
تفسير : {من يشفع} الآية الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق المسلم ودفع عنه بها شراً وجلب اليه خيراً إذا ابتغى بها وجه الله وفي الحديث: "حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" تفسير : والسيئة ما كان خلاف ذلك، وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم لأنها في معنى الشفاعة والكفل النصيب أيضاً، وعن الحسن: الحسنة المشي في المصالح والسيئة المشي بالنمائم، وقيل: الكفل المثل وعن مسروق أنه شفع شفاعة فاهدى إليه المشفوع له جارية، فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها {وكان الله على كل شيء مقيتاً} مقتدراً، وقيل: حافظاً، وقيل: شاهداً {وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردوها} الأحسن أن تقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، والآية تدل على أن السلام مشروعاً ولا خلاف فيه والابتداء سنة والجواب واجب عند جمهور العلماء وهذا إذا كان الرد على مسلم فإن كان فاسقاً أو كافراً لم يرد بالرحمة والبركة ورد بما كان فيه الدعاء. فصل ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن وعند رواة الحديث وعند مذاكرة العلم والآذان والإِقامة رواه جار الله: {بأحسن منها} يريد أهل الملة {أو ردّوها}، يريد أهل الذمة حديث : وروي أن رجلاً قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): السلام عليك، قال: "وعليك السلام"، قال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته قال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" وقال: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: "وعليك مثل ذلك" فقال الرجل: تقضيني يا رسول الله؟ وتلا الآية، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " لم تترك لي شيء" تفسير : وعن ابن عباس الرد واجب وما من رجل يرد على قوم مسلمين ولم يردوا عليه إلا نزع منهم روح القدس وردت عليه الملائكة، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من قال لأخيه المسلم سلام عليك، كتب الله له عشر حسنات، فإن قال: ورحمة الله كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال: وبركاته، كتب له ثلاثين حسنة ". تفسير : {إن الله كان على كل شيء حسيباً} أي محاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.
اطفيش
تفسير : {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً}: انضم انضمامة حسنة الى انسان منفرد ومسلم أو مظلوم، فصار به شفعا فى دفع ضر أو جلب نفع، قصدا لوجه الله، مثل أن ينصر المظلوم ويعين من هو على الحق، ومثل أن تمضى جماعة الى الجهاد شفعا كانت أو وترا فانها كشىء واحد، فرد فى التقدم، ثم يتبعها أحد فانه ثان لها فيكون شفعا لها. {يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنهَا}: يكن له حظ عظيم فى الآخرة يتحصل له بشفاعته، أو يصدر منها فمن للابتداء أو السببية لا للتبعيض، فانه يكون له ثواب شفاعته كلها لا بعضها فقط، وتنكير النصيب التعظيم كما رأيت، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك: ولك مثل ذلك "تفسير : وفى رواية: "حديث : من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك مثل ذلك " تفسير : فى روايات ذكرت فى كتب الحديث، فهذا الدعاء معدود فى الشفاعة الحسنة، وفسر الشفاعة بعض به فى الآيات وبعض بالاصلاح بين الناس. {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا}: حظ عظيم منها، وما عظمه الا لعظم عذاب الآخرة، والا فلا زيادة للسيئة على مثلها، وقد قيل: النصيب فيما يقل ويكثر والكفل، ولكن لا يطرد هذا، وقد تكلمت عليه فى غيره هذه الآية، ويستعمل الكفل فى الشر والخير، كما استعمل فى الشر وفى الخير فى قوله تعالى: {أية : يؤتكم كفلين من رحمته}. تفسير : وروى أن مسروقا شفع شفاعة حسنة، فأهدى اليه المشفوع له جارية، فغضب وردها وقال: لو علمت فى قلبك لما تكلمت فى حاجتك، ولا أتكلم فما بقى منها. قال أبو امامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يشفع شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا " تفسير : قلت: فاذا كان قصد المشفوع له بما شفع له فيه شيئا محرما فأهدى للشافع هدية فقبلها بعد ما علم بقصده، صار بقبولها ممن شفع شفاعة سيئة، لأن الشفاعة السيئة الانضمام الى فاعل المحرم يفعل مثله أو يعينه بشىء ما كالانضمام الى المتخلف والمنافق فى التخلف، والنفاق وكعذرهما وتصويبهما، وكقتال المؤمنين، وكاعانة الظالم، وتصويب المبطل، وغير ذلك، وقد فسرها بعض بالنميمة، وبعض بدعاء اليهود على المسلمين، فانهم شفع لذلك للمشركين وبعض بقتال المؤمنين، فان قتال الكافر لهم شفع لكفره. {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ مُّقِيتاً}: قادرا يقال: أقات على الشىء، أى قدر عليه، قال زبير بن عبد المطلب: شعر : وذى ضغن كففت السوء عنه وكنت على اساءته مقيتا تفسير : وفى رواية كففت الضغن عنه، وقال السموءل: شعر : الى الفضل أم على اذا حو سبت أنى على الحساب مقيت تفسير : ولعله أراد بالاستفهام، وفيه ياء المتكلم، فحذف همزة الاستفهام للضرورة، لأنه لا دليل عليها الا من حيث انه لا يقوى على حساب الله أحد، أو هوانى بإلف، أى كيف مقيت أو من أين مقيت، وذلك تفسير ابن عباس، وقيل: المقيت الشهيد، وقيل الحفيظ، وهو مشتق من القوت، فان القوت يقوى البدن ويحفظه، فكذا حفظ الشىء إبقاء له ولقوته، وقد فسر مقاتل بأنه الذى يعطى كل حيوان ما يقوته، والصحيح أنه القادر، فانه كذلك فى لغة قريش كما قال الكلبى.
الالوسي
تفسير : {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ} أي حظ وافر {مِنْهَا} أي من ثوابها، جملة مستأنفة سيقت لبيان أن له عليه الصلاة والسلام فيما أمر به من تحريض المؤمنين حظاً موفوراً من الثواب، وبه ترتبط الآية بما قبلها كما قال القاضي. وقال علي بن عيسى: إنه سبحانه لما قال: {أية : لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} تفسير : [النساء: 84] مشيراً به إلى أنه عليه الصلاة والسلام غير مؤاخذ بفعل غيره كان مظنة لتوهم أنه كما لا يؤاخذ بفعل غيره لا يزيد عمله بعمل غيره أيضاً فدفع ما عسى أن يتوهم بذلك، وليس بشيء كما لا يخفى، و ـ الشفاعة ـ هي التوسط بالقول في وصول الشخص ولو كان أعلى قدراً من الشفيع إلى منفعة من المنافع الدنيوية أو الأخروية، أو خلاصه عن مضرة مّا كذلك من الشفع ضد الوتر كأن المشفوع له كان وتراً فجعله الشفيع شفعاً، ومنه الشفيع في الملك لأنه يضم ملك غيره إلى نفسه أو يضم نفسه إلى من يشتريه ويطلبه منه، و ـ الحسنة ـ منها ما كانت في أمر مشروع روعي بها حق مسلم ابتغاءاً لوجه الله تعالى، ومنها الدعاء للمسلمين فإنه شفاعة معنى عند الله تعالى، روى مسلم وغيره عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك: ولك مثل ذلك»تفسير : ، وفيه بيان لمقدار النصيب الموعود ولا أرى حسناً إطلاق الشفاعة على الدعاء للنبـي صلى الله عليه وسلم بل لا أكاد أسوغه، وإن كانت فيه منفعة له صلى الله عليه وسلم كما أن فيه منفعة لنا على الصحيح. وتفسيرها بالدعاء ـ كما نقل عن الجبائي ـ أو بالصلح بين إثنين ـ كما روى الكلبـي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ لعله من باب التمثيل لا التخصيص، وكون التحريض الذي فعله صلى الله عليه وسلم من باب الشفاعة ظاهر فإن المؤمنين تخلصوا بذلك من مضرة التثبط وتعيير العدو، واحتمال الذل وفازوا بالأجر الجزيل المخبوء لهم يوم القيامة؛ وربحوا أموالاً جسيمة بسبب ذلك، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام لما وافى بجيشه بدراً ولم ير بها أحداً من العدو أقام ثماني ليال وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً، ومن الناس من فسر الشفاعة هنا بأن يصير الإنسان شفع صاحبه في طاعة أو معصية، والحسنة منها ما كان في طاعة، فالجملة مسوقة للترغيب في الجهاد والترهيب عن التخلف والتقاعد، وأمر الارتباط عليه ظاهر ولا بأس به غير أن الجمهور على خلافه. / {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً} وهي ما كانت بخلاف الحسنة، ومنها الشفاعة في حد من حدود الله تعالى ففي الخبر: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله تعالى في ملكه ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله تعالى حتى ينزع» واستثني من الحدود القصاص، فالشفاعة في إسقاطه إلى الدية غير محرمة {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} أي نصيب من وزرها، وبذلك فسره السدي والربيع وابن زيد وكثير من أهل اللغة، فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة، وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن، وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة، والكفل هو المثل المساوي، فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف؛ والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها، ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده، وقال بعضهم: إن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى: {أية : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} تفسير : [الحديد: 28] فلذا خص بالسيئة تطرية وهرباً من التكرار {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ مُّقِيتاً} أي مقتدراً ـ كما قاله ابن عباس ـ حين سأله عنه نافع بن الأزرق واستشهد عليه بقول أحيحة الأنصاري:شعر : وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته (مقيتاً) تفسير : وروي ذلك عن جماعة من التابعين، وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه الحفيظ واشتقاقه من القوت، فإنه يقوي البدن ويحفظه، وعن الجبائي أنه المجازي أي يجازي على كل شيء من الحسنات والسيئات، وأصله مقوت فَأُعِلَّ كمقيم؛ والجملة تذييل مقرر لما قبلها على سائر التفاسير.
ابن عاشور
تفسير : استئناف فيه معنى التذييل والتعليل لقوله: {أية : لا تُكَلَّفُ إلاّ نَفْسَك وحرّض المؤمنين}تفسير : [النساء: 84] وهو بشارة للرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ بأن جهاد المجاهدين بدعْوته يناله منه نصيب عظيم من الأجر، فإنّ تحريضه إيّاهم وساطة بهم في خيرات عظيمة، فجاءت هذه الآية بهذا الحكم العامّ على عادة القرآن في انتهاز فرص الإرشاد. ويعلم من عمومها أنّ التحريض على القتال في سبيل الله من الشفاعة الحسنة، وأنّ سعي المثبطين للناس من قبيل الشفاعة السيّئة، فجاءت هذه الآية إيذاناً للفريقين بحالتهما. والمقصود مع ذلك الترغيب في التوسّط في الخير والترهيب من ضدّه. والشفاعة: الوساطة في إيصال خير أو دفع شرّ، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا، وتقدّمت في قوله تعالى: {أية : ولا يُقبل منها شفاعة} تفسير : في سورة البقرة (48)، وفي الحديث «حديث : اشفعوا فلْتؤجروا»تفسير : . ووصفُها بالحسنة وصف كاشف؛ لأنّ الشفاعة لا تطلق إلاّ على الوساطة في الخير، وأمّا إطلاق الشفاعة على السعي في جلب شرّ فهو مشاكلة، وقرينتها وصفها بسيّئة، إذ لا يقال (شفع) للذي سعى بجلب سوء. والنصيب: الحظّ من كلّ شيء: خيراً كان أو شراً، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا} تفسير : في سورة البقرة (202). والكِفل ــــ بكسر الكاف وسكون الفاء ــــ الحَظْ كذلك، ولم يتبيّن لي وجه اشتقاقه بوضوح. ويستعْمل الكفل بمعنى المِثل، فيؤخذ من التفسيرين أنّ الكفل هو الحظّ المماثل لِحظّ آخر، وقال صاحب «اللسان»: لا يقال هذا كفل فلان حتّى يكون قدْ هيّىء لغيره مثله، ولم يعزُ هذا، ونسبه الفخر إلى ابن المظفّر، ولم يذكر ذلك أحد غير هذين فيما علمت، ولعلّه لا يساعد عليه الاستعمال. وقد قال الله تعالى: {أية : يُؤتكم كفلين من رحمته}تفسير : [الحديد: 28]. وهل يحتجّ بما قاله ابن المظفّر ــــ وابن المظفّر هو محمد بن الحسن بن المظفّر الحاتمي الأديب معاصر المتنبي ــــ. وفي مفردات الراغب أنّ الكفل هو الحظّ من الشرّ والشدّة، وأنّه مستعار من الكِفل وهو الشيء الرديء، فالجزاء في جانب الشفاعة الحسنة بأنّه نصيب إيماء إلى أنّه قد يكون له أجرٌ أكثر من ثواب من شفع عنده. وجملة {وكان الله على كلَ شيء مقيتاً} تذييل لجملة {من يشفع شفاعة حسنة} الآية، لإفادة أنّ الله يجازي على كلّ عمل بما يناسبه من حُسْن أو سوء. و{المقيت} الحافظ، والرقيب، والشاهد، والمقتدر. وأصله عند أبي عبيدة الحافظ. وهو اسم فاعل من أقات إذا أعطى القُوت، فوزنه مُفعِل وعينه واو. واستعمل مجازاً في معاني الحفظ والشهادة بعلاقة اللزوم، لأنّ من يقيت أحداً فقد حفظه من الخصاصة أو من الهلاك، وهو هنا مستعمل في معنى الإطلاع، أو مضمّن معناه، كما ينبيء عنه تعديته بحرف (على). ومن أسماء الله تعالى المُقيت، وفسّره الغزالي بمُوصل الأقوات. فيؤول إلى معنى الرازق، إلاّ أنّه أخصّ، وبمعنى المستولي على الشيء القادر عليه، وعليه يدلّ قوله تعالى: {وكان الله على كلّ شيء مقيتاً} فيكون راجعاً إلى القدرة والعلم.
القطان
تفسير : الشفاعة: السعي في جلب الخير الى الآخرين او دفع الشر عنهم. كِفْل: نصيب. مقيتا: مقتدرا. بمناسبة تحريض الرسول للمؤمنين على القتال الذي ورد الأمر به، وذِكر المبطئين عنه ـ يقرر تعالى هنا قاعدة عامة في الشفاعة: فالذي يشجّع على القتال ويعاون عليه يكون له نصيب من أجر هذه الدعوة، والذي يثبّط الهمم تكون عليه تبعة سيئةٌ ووزر كبير. ثم إن المبدأ عام في كل شفاعة، فالشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق المسلم وابتُغي بها وجه الله، لا الرشوة كشفاعات هذا العصر، وكانت في امر جائز. اما الشفاعةُ السيئة فما كانت بخلاف ذلك. وقد وردت أحاديث كثيرة في أمر الشفاعة ومساعدة الناس في بلوغ الحق، فقد روى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ان رسول الله قال: "حديث : المسلم اخو المسلم، لا يظلِمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كُربةً فرج الله عنه كُربةً من كُربِ يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ". تفسير : وروى ابو داود عن أبي أُمامة ان رسول الله قال: "حديث : من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هديةً فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الكبائر"تفسير : وهكذا: الهدية رشوة، اذا كانت لقاء خدمة او لغمط حق بفعل محسوبية.
د. أسعد حومد
تفسير : {شَفَاعَةً} (85) - مَنْ سَعَى فِي أمْرٍ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ خَيْرٌ، كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ هَذَا الخَيْرِ، وَمَنْ أيَّدَكَ وَنَاصَرَكَ فِي القِتَالِ، وَجَعَلَ نَفْسَهُ شَفِيعاً وَسَنداً لَكَ، كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ نَتَائِجِ الظَّفَرِ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ. وَمَنْ سَعَى فِي أمْرٍ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ سُوءٌ وَإِثْمٌ وَمَضَرَّةٌ، كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنِ انْضَمَّ إلى أعْدَائِكَ فَقَاتَلَ مَعَهُمْ، أوْ خَذَلَ المُسْلِمِينَ فِي قِتَالِهِمْ، كَانَ لَهْ نَصِيبٌ مِنْ سُوءِ العَاقِبَةِ، بِمَا يَنَالُهُ مِنَ الخِذْلاَنِ فِي الدُّنْيَا، وَالعِقَابِ في الآخِرَةِ، وَهَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ لأنَّهَا إِعَانَةٌ عَلَى السُّوءِ. وَاللهُ حَفِيظٌ وَشَاهِدٌ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ، وَقَادِرٌ عَلَى فِعْلِ كُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ. مُقيتاً - مُقْتَدِراً أَوْ حَفِيظاً. كِفْلٌ مِنْهَا - نَصِيبٌ أَوْ حَظٌّ مِنْ وِزْرِهَا.
الثعلبي
تفسير : {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} أي يحسن القول في الناس ويسعى في إصلاح ذات البين {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ} أي حظ {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً} فيسيء القول في الناس ويمشي بينهم بالنميمة والغيبة. {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}. قال ابن عباس وقتادة: الكفل الوزر والإثم، وقال الفراء وأبو عبيدة: الحظ والنصيب، مأخوذ من قولهم: اكتفلت البعير إذا [أدرت] على سنامه أو موضع من ظهره كساءً وركبت عليه. وقيل له: اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كلّه وإنما شغل شيئاً من الظهر. وقال مجاهد: شفاعة حسنة وشفاعة سيئة شفاعة الناس وهم البعض. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} مقتدراً. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: مقيتاً أي مقتدراً مجازياً بالحسنة حسنة يقال: أقات أي اقتدر. قال الشاعر: شعر : وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتاً تفسير : وأنشد النضر بن [شميل]: شعر : ولا تجزع وكن ذا حفيظه فأني عليَّ ما ثناه لمقيت تفسير : المبرد: قتّ الشيء أقوته وأقيته أي كففته أمر قوته، ومجاهد: شاهداً، وقال قتادة: حافظاً، والمقيت للشيء الحافظ له. وقال الشاعر، في غير هذا المعنى: شعر : ليت شعري وأشعرن إذا ما قربوها منشورة ودعيت إليّ الفضل أم عليّ إذا حوسبت إنّي على الحساب مقيت تفسير : أي موقوف عليه وقال الفرّاء: المقيت المقتدر أن يعطي كل رجل قوته. وجاء في الحديث: وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ويقيت، ثم نزل في قوم بخلوا برد السلام {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} على المسلمين أي زيدوا عليها كقول القائل: السلام عليكم فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله ونحوها، ومن قال لأخيه المسلم: السلام عليكم كتب له بها عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن ردّ من الأجر. قال ابن عباس: ومن يسلم عشر مرات فله من الأجر عتق رقبة وكذلك لمن ردَّ السلام عشر مرات {أَوْ رُدُّوهَآ} بمثلها على أهل الكتاب وأهل الشرك فإن كان من أهل دينه فليزد عليه بأحسن منها، وإن كان من غير أهل دينه فليقل وعليكم لايزيد على ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ". تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} من رد السلام مثله أو بأحسن منه حسيباً أي حاسباً مجازياً. وقال مجاهد: حافظاً. أبو عبيدة: كافياً مقتدراً، يقال حسبي كذا أي كفاني. وأعلم إن بكل موضع وجُد ذكرٌ كان موصولاً بالله فإن ذلك صلح للماضي، والخبر هو المستدل، فإذا كان لغير الله فإنه يكون على خلاف هذا المعنى. ثم نزل في الذين أنكروا البعث {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } لاشك فيه، واللام في قوله ليجمعنكم لام القسم ومعناه، والله الذي لا اله إلاّ هو أعلم منكم في الموت وفي أحيائكم إلى يوم القيامة. وسمّيت القيامة قيامة، لأن الناس يقومون من قبورهم. قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً} تفسير : [المعارج: 43] وقيل: سميت قيامة لقيامهم إلى الحساب. قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المطففين: 6] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} أي قولاً ووعداً {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} الآية. نزلت هذه الآية في ناس من قريش، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلموا فأقاموا بها ثم ندموا على ذلك وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم لبعض: كيف نخرج؟ قالوا: نخرج كهيئة البدو فإن فطن بنا قلنا: خرجنا نتنزّه، وإن غفل عنّا مضينا، فخرجوا بهيئة المتنزهين، حتى باعدوا من المدينة. ثم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّا على الذي فارقناك عليه من الإيمان والتصديق بالله وبرسوله، ولكنا [اجتوينا] المدينة، واشتقنا إلى أرضنا. ثم إنّهم خرجوا في تجارة لهم، على الشام، فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: ما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، وظاهروا على عدوّنا، فنقتلهم ونأخذ مالهم وقالت طائفة منهم: كيف تقتلون قوماً على دينكم، إن لم يذروا ديارهم، وكان هذا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساكت لاينهى واحداً من الفريقين، حتى نزلت هذه الآية والآيات بعدها، فبين الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم شأنهم. وقال زيد بن ثابت: حديث : نزلت في ناس رجعوا يوم أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لانقتلهم، فنزلت فيهم هذه الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي النار خبث الفضة" تفسير : يعني المدينة. وقال قتادة: ذكرهما أنهما كانا رجلين من قريش بمكة تكلّما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقيهما ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلين إلى مكة فقال بعضهم: إنّ دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم: لا، [جلَّ ذلك منا] فأنزل الله تعالى {ٱلْمُنَافِقِينَ} الآية. وقال عكرمة: هم ناس ممن قد صبوا ليأخذوا أموالاً من أموال المشركين فانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم فنزلت فيهم هذه الآية. وقال مجاهد: هم قوم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثمّ ارتدّوا بعد ذلك واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتوا بضائع لهم يتاجرون فيها،فخاف المسلمون منهم فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبيّن الله تعالى نفاقهم. وقال الضحاك: هم قوم أظهروا الإسلام بمكة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهاجروا فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت هذه الآية (فمالكم) يامعشر المؤمنين (في المنافقين فئتين) أي صرتم في المنافقين فئتين فمحلّ ومحرّم، ونصب فئتين على خبر صار، وقال بعضهم: نصب على إلاّ. {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي أهلكهم، ولكنهم تركوهم بكفرهم وضلالتهم بأعمالهم غير الزاكية يقال: أركست الشيء ركسته أي نكسته ورددته، وفي قراءة عبدالله: وإني والله أنكسهم، وقال ابن رواحة: شعر : أركسوا في فتنة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتن تفسير : {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ} أي ترشدوا إلى الهدى {مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} وقيل: معناه: أيقولون أنّ هؤلاء يهتدون والله قد أضلّهم {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} عن الهدى {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي ديناً وطريقاً إلى الهدى {وَدُّواْ} أي تمنّوا {لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} شركاء في ذلك مثلهم كفاراً، ثمّ أمرهم بالبراءة منهم فقال {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الثانية معكم. قال عكرمة: هي هجرة أخرى وبيعة اخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: أما هجرة المؤمنين أوّل الإسلام فمضى في قوله {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} تفسير : [الحشر: 8] وقوله {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، وأما هجرة [المؤمنين] فهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابراً محتسباً. قال الله {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، وأما هجرة المؤمنين فهي أن يهجروا ما نهى الله عنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ} عن التوحيد والهجرة {فَخُذُوهُمْ} يقول اسروهم {فَخُذُوهُمْ} يعني في الحل والحرم {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} يعني ما ينافي العون والنصرة، وقوله {أية : لَوْ تُدْهِنُ} تفسير : [القلم: 9] لم يرد به جواباً للتمني لأن جواب التمني بالفاء منصوب بما أراد به الفسق على من نزل {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} وودّوا لو تكونون سواء مثل قوله تعالى: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} تفسير : [القلم: 9] أي ودّوا لو تدهن وودّوا لو تكفرون، ومثله {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ} [النساء: 102] أي ودّوا لو تغفلون وودّوا لو تميلون، ثم إستثنى طائفة منهم فقال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ} أي يتصلون بقوم وينتسبون اليهم يقال: إتصل أي انتسب، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه" تفسير : أي من إدعى بدعوى الجاهلية. قال الأعشى: شعر : إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل وبكر سبتها والأنوف رواغم تفسير : أي إذا انتسب. ويقال: يصلون من الوصول أي يلحقون إليهم إلى قوم {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} أي عهد وهم [الأسلميون] وذلك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي عند خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يعين عليه حتى أتى ويرى، ومن وصل إلى هلال من قومه أو غيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل الذي لهلال. الضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بينهم وبينكم ميثاق. بني بكر بن زيد مناة وكانوا في الصلح والهدنة وقوله {جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي ضاقت صدروهم عن قتالكم، وهم بنو مدلج جاءوا المؤمنين {أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} يعني من آمن منهم، ويجوز أن يكون معناه إنهم لايقاتلوكم ولايقاتلون قومهم فعلم المؤمنون لا عليكم ولا عليهم ولا لكم. وقال بعضهم: وبمعنى الواو. كانه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقت صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون وبني بكر بن زيد [مناة] وقوله {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي قد حصرت، كقول العرب أي ذهب [نظره] يريدون قد ذهب. قال الفراء: سمع الكسائي بعضهم يقول: أصبحت فنظرت إلى ذات [البساتين]. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} يعني سلط الله المشركين على المؤمنين عقوبة ونقمة. {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} عند القتال، ويقال يوم فتح مكة فهم يقاتلوكم مع قومهم {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي المسالمة والمصالحة {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أي حجة في قتالهم، وعلى دينهم فأمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} غيرهم. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: هم أسد وغطفان [قدموا] المدينة، وكانوا قد تكلموا بالإسلام، وأقروا بالتوحيد ديناً وهم غير مسلمون. وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: هذا الرد بهذا العقرب والخنفساء. وإذا لقوا محمداً وأصحابه قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمن في الفريقين جميعاً، فذلك قوله {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} ولا تعرضوا لهم {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} ولا تعرضوا لهم يرضونكم ويرضونهم. جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: التوحيد، الذين كانوا بهذه الصفة {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} يعني إذا دَعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه ودعوا عليه. ثم بيّن لرسوله صلى الله عليه وسلم أمرهم فقال {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} أي فإن لم يكفّوا عن قتالكم ويعتزلوكم حتى تسيروا [......] {وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي المقاد والصلح {وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ} أي أهل هذه الهدنة {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي عهداً وحجة بيّنة في قتالهم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما هي الشفاعة الحسنة؟ الذين من الريف يعرفون مسألة "الشُّفْعَة" في العرف. فيقال: فلان أخذ هذه الأرض بالشفعة. أي أنه بعد أن كان يملك قطعة واحدة من الأرض، اشترى قطعة الأرض المجاورة لتنضم لأرضه، فبدلاً من أن تكون له أرض واحدة صارت له أرضان. وعندما يأتي واحد لشراء أرض ما، فالجار صاحب الأرض المجاورة يقول: أنا أدخل بالشفعة، أي أنه الأولى بملكية الأرض. إذن فمعنى يشفع، هو من يقوم بتعدية أثر الموهبة منه إلى غيره من إخوانه المؤمنين ولهذا فإنه يكون له نصيب منها. فالشفاعة الحسنة هي التوسط بالقول في وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية أو إلى الخلاص من مضرّة وتكون بلا مقابل. إذن فكل واحد عنده موهبة عليه أن يضم نفسه لغير الموهوب، فبعد أن كان فرداً في ذاته صار شفعاً. ولذلك يقال: فلان سيشفع لي عند فلان، أي أنه سيضم صوته لصوت المستعين به. والحق سبحانه وتعالى فيما يرويه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قال لسيدنا داود: إن الرجل ليعمل العمل الواحد أحكِّمه به في الجنة. أي أن رجلاً واحداً يؤدي عملا ما، فيعطيه الله فضلاً بأن يقوم بتوزيع الأماكن على الأفراد في الجنة، وكأنه وكيل في الجنة، أي أنه لا يأخذ منزلا له فقط، ولكنه يتصرف في إعطاء المنازل أيضاً، فتساءل داود: يا رب ومن ذلك؟ قال سبحانه: مؤمن يسعى في حاجة أخيه يحب أن يقضيها قضيت أو لم تقض. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرا له من اعتكافه عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد مما بين الخافقين ". تفسير : ذلك لأن العبد الذي سعى في قضاء حاجة أخيه يكون قد أدى حق نعمة الله فيما تفضل به عليه، ويكون من أثر ذلك أنه لا يسخط أو يحقد غير الواجد للموهبة على ذي الموهبة. وبذلك فسبحانه يزيل الحقد من نفس غير الموهوب على ذي الموهبة؛ فغير الموهوب يقول: إن موهبة فلان تنفعني أنا كذلك، فيحبّ بقاءها عنده ونماءها لديه. ويقول الحق: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} ثم يأتي الحق بالمقابل، فهو سبحانه لا يشرع للأخيار فقط، ولكنه يضع الترغيب للأخيار ويضع الترهيب للأشرار، فيقول: {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}. ولنر المخالفة والفارق بين كلمة "النصيب" وكلمة "الكفل". كلمة "النصيب" تأتي بمعنى الخير كثيرا. فعندما يقول واحد: أنت لك في مالي نصيب. هذا القول يصلح لأي نسبة من المال. أما كلمة "كفل" فهي جزء على قدر السيئة فقط. وهذا هو فضل من الله، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وهذا نصيب كبير. ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها. وهذه الآية قد جاءت بعد تحريض الرسول للمؤمنين على القتال، أي أنك يا رسول الله مُطالب بأن تضم لك أناساً يقاتلون معك؛ فتلك شفاعة حسنة سوف ينالون منها نصيباً كبيرا وثوابا جزيلا. أما قول الحق: {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} أي يكون له جزء منها، أي يصيبه شؤم السيئة، أما الجزاء الكبير على الحسنة فيدفع إلى إشاعة مواهب الناس لكل الناس. وما دامت مواهب الناس مشاعة لكل الناس فالمجتمع يكون متسانداً لا متعانداً، ويصير الكل متعاوناً صافي القلب، فساعة يرى واحد النعمة عند أخيه يقول: "سيأتي يوم يسعى لي فيه خير هذه النعمة". ولذلك قلنا: إن الذي يحب أن تسرع إليه نعم غيره فليحب النعم عند أصحابها. فإنك أيها المؤمن إن أحببت نعمة عند صاحبها جاءك خيرها وأنت جالس. وإذا ما حُرمت من آثار نعمة وهبها الله لغيرك عليك فراجع قلبك في مسألة حبك للنعمة عنده، فقد تجد نفسك مصاباً بشيء من الغيرة منها أو كارهاً للنعمة عنده، فتصير النعمة وكأنها في غيرة على صاحبها، وتقول للكاره لها: "إنك لن تقربني ولن تنال خيري". ويختم الحق الآية: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} جاء هذا القول بعد الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة، وفي ذلك تنبيه لكل العباد: إياكم أن يظن أحدكم أن هناك شيئاً مهما صغر يفلت من حساب الله، فلا في الحسنة سيفلت شيء، ولا في السيئة سيضيع شيء. وأخذت كلمة "مُقيتاً" من العلماء أبحاثاً مستفيضة. فعالم قال في معناها: إن الحق شهيد، وقال آخر: "إن الحق حسيب"، وقال ثالث: إن "مقيتاً" معناها "مانح القوت" ورابع قال: "إنه حفيظ" وخامس قال: "إنه رقيب". ونقول لهم جميعاً: لا داعي للخلاف في هذه المسألة، فهناك فرق بين تفسير اللفظ بلازم من لوازمه وقد تتعدد اللوازم، فكل معنى من هذه المعاني قد يكون صحيحاً، ولكن المعنى الجامع هو الذي يكون من مادة الكلمة ذاتها. و "مُقيت" من "قاته" أي أعطاه القوت، ولماذا يعطيهم القوت؟ ليحافظ على حياتهم، فهو مقيت بمعنى أنه يعطيهم ما يحفظ حياتهم، ومعناها أيضاً: المحافظ عليهم فهو الحفيظ. وبما أنه سبحانه يعطي القوت ليظل الإنسان حياً، فهو مشاهد له فلا يغيب المخلوق عن خالقه لحظة، وبما أنه يعطي القوت للإنسان على قدر حاجته فهو حسيب. وبما أنه يرقب سلوك الإنسان فهو يجازيه. إذن كل هذه المعاني متداخلة ومتلازمة؛ لذلك لا نقول اختلف العلماء في هذا المعنى، ولكن لنقل إن كل عالم لاحظ ملحظاً في الكلمة، فالذي لاحظ القوت الأصلي على صواب، فلا يعطي القوت الأصلي إلا المراقب لعباده دائماً، فهو شهيد، ولا يعطي أحداً قوتاً إلا إذا كان قائماً على شأنه فهو حسيب. وسبحانه لا يُقيت الإنسان فقط ولكن يقيت كل خلقه، فهو يقيت الحيوان ويلهمه أن يأكل صنفاً معيناً من الطعام ولا يأكل الصنف الآخر. إننا إذا رأينا العلماء ينظرون إلى "مقيت" من زوايا مختلفة فهم جميعا على صواب، سواء من جعلها من القوت أو من الحفظ أو من القدرة أو من المشاهدة أو من الحساب، وكل واحد إنما نظر إلى لازم كلمة "مقيت" وسبحانه يقيت كل شيء، فهو يقيت الإنسان والحيوان والجماد والنبات. ونجد علماء النبات يشرحون ذلك؛ فنحن نزرع النبات، وتمتص جذور النبات العناصر الغذائية من الأرض، وقبل أن يصبح للنبات جذورٌ، فهو يأخذ غذاءه من فلقتي الحبة التي تضم الغذاء إلى أن ينبت لها جذر، وبعد أن يكبر جذر النبات فالفلقتان تصيران إلى ورقتين، وسبحانه على كل شيء مقيت، ويقول العلماء من بعد ذلك: إن الغذاء قد امتصه النبات بخاصية الأنابيب الشعرية. أي أن النبات يمتص الغذاء من التربة بواسطة الجذور الرفيعة التي تمتص الماء المذاب فيه عناصر الغذاء. وفتحة الأنبوبة في الأنابيب الشعرية لا تسع إلا مقدار الشعرة، وعندما توضع في الإناء فالسائل يصعد فيها ويرتفع الماء عن مستوى الحوض، وعندما تتوازى ضغوط الهواء على مستويات الماء فالماء لا يصعد. ومثال ذلك: عندما نأتي بماء ملون ونضعه في إناء، ونضع في الإناء الأنابيب الشعرية، فالسائل الملون يصعد إلى الأنابيب الشعرية، ولا تأخذ أنبوبة مادة من السائل، وتترك مادة بل كل الأنابيب تأخذ المادة نفسها. لكن شعيرات النبات تأخذ من الأرض الشيء الصالح لها وتترك الشيء غير الصالح. وهو ما يقول عنه علماء النبات "ذلك هو الانتخاب الطبيعي". ومعنى الانتخاب هو الاختيار، والاختيار يقتضي عقلاً يفكر ويرجح، والنبات لا عقل له، ولذلك كان يجب أن يقولوا إنه "الانتخاب الإلهي"، فالطبيعة لا عقل لها ولكن يديرها حكيم له مطلق العلم والحكمة والقيومية. وسبحانه يقول عن ذلك: {أية : يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الرعد: 4]. فالفلفل يأخذ المادة المناسبة للحريفية، والقصب يأخذ المادة التي تصنع حلاوته، والرمان يأخذ المادة الحمضية. هذا هو الانتخاب الإلهي. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} وساعة تسمع "كان الله" فإياك أن تتصور أن لـ "كان" هنا ملحظاً في الزمن، فعندما نقول بالنسبة للبشر "كان زيد غنياً" فزيد من الأغيار وقد يذهب ثراؤه. لكن عندما نقول "كان الله" فإننا نقول: "كان الله ومازال"، لأن الذي كان ويتغير هو من تدركه الأغيار. وسبحانه هو الذي يُغَيِّر ولا يَتَغَيَّر، وموجود منذ الأزل وإلى الأبد. وحين أوضح لنا سبحانه الشفاعة وأمرنا أن يعدي الواحد منا مواهبه إلى غيره فذلك حتى تتساند قدرات المجتمع لأنه يربب الفائد للعبد المؤمن ويرببها للجميع. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} معناهُ نَصيبٌ تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} معناهُ مُقتَدرٌ. ويقالُ حافِظٌ مُحيطٌ شَهِيدٌ
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن بضاعة أهل الشفاعة بقوله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} [النساء: 85]، الإشارة فيها: إن من يشفع شفاعة حسن لإيصال نوع من الخيرات إلى الغير، فإنها من خصوصيتها أن يكون له نصيب منها؛ أي: فيه نصيباً من هذه الحسنة، فمن تلك الخصوصية قد يشفع شفاعة حسنة، {وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} [النساء: 85]؛ يعني: من تلك السيئة التي هي إيصال نوع من الشر إلى الغير فيها قد شفع شفاعة سيئة، كما قال تعالى: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}تفسير : [الأعراف: 58]، إن الله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 85] في الأزل {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} [النساء: 85]، شهيداً في إيجاد المحن والمنى، مقتدراً عليماً حفيظاً فيهما من استعداد شفاعة حسنة وسيئة، لا يقدر اليوم على تبديل استعدادهما القابلية الخير والشر، فافهم جيداً. {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ} [النساء: 86] من الخير والشر، {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} [النساء: 86]، أما الخير فبخير أحسن، وأما الشر فبحلم وعفو ومكافأة الخير، {أَوْ رُدُّوهَآ} [النساء: 86]؛ يعني: كافئوا المحسن بمثل إحسانه، والمسيء بمثل إساءته، يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]، وقال تعالى: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 237]. وقد روي حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام، عن الله تبارك وتعالى في تفسير قول الله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، قال: "تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك"تفسير : ، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [النساء: 86] من العفو والإحسان والإساءة، {حَسِيباً} [النساء: 86] محاسباً، {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7-8]. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [النساء: 87]؛ يعني: كان الله في الأزل، {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [النساء: 87] أي: لم يكن معه أحد يوجد الخلق من العدم، {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} [النساء: 87] في العدم مرة أخرى إلى أخرى إلى أخرى {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [النساء: 87]، فيغرقكم فيها، {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الشورى: 7]، {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [النساء: 87]، لا شك في الرجوع إلى هذه المنازل والمقامات، { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} [النساء: 87]، ليحدثكم بمصالح دينكم ودنياكم ومفاسد أخراكم وأولاكم، ويهيدكم إلى الهدى وينجيكم من الردي.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : المراد بالشفاعة هنا: المعاونة على أمر من الأمور، فمن شفع غيره وقام معه على أمر من أمور الخير -ومنه الشفاعة للمظلومين لمن ظلمهم- كان له نصيب من شفاعته بحسب سعيه وعمله ونفعه، ولا ينقص من أجر الأصيل والمباشر شيء، ومَنْ عاون غيره على أمر من الشر كان عليه كفل من الإثم بحسب ما قام به وعاون عليه. ففي هذا الحث العظيم على التعاون على البر والتقوى، والزجر العظيم عن التعاون على الإثم والعدوان، وقرر ذلك بقوله: { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا } أي: شاهدًا حفيظًا حسيبًا على هذه الأعمال، فيجازي كُلا ما يستحقه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):