Verse. 579 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَاِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّۃٍ فَحَــيُوْا بِاَحْسَنَ مِنْھَاۗ اَوْ رُدُّوْھَا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ حَسِيْبًا۝۸۶
Waitha huyyeetum bitahiyyatin fahayyoo biahsana minha aw ruddooha inna Allaha kana AAala kulli shayin haseeban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا حُيِّيتم بتحية» كأن قيل لكم سلام عليكم «فحيُّوا» المحيِّي «بأحسن منها» بأن تقولوا له عليك السلام ورحمة الله وبركاته «أوردُّوها» بأن تقولوا له كما قال أي الواجب أحدهما والأول أفضل «إن الله كان على كل شيء حسيبا» محاسبا فيجازي عليه ومنه ردُّ السلام وخصّت السنة الكافر والمبتدع والفاسق والمسلِّم على قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل فلا يجب الرد عليهم بل يكره في غير الأخير ويقال للكافر وعليك.

86

Tafseer

الرازي

تفسير : في النظم وجهان: الأول: أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم ايضا بأن الاعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها، فقوله: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } كقوله تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } تفسير : [الأنفال: 61]. الثاني: ان الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت الى سلامه عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلما، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم ان كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الاكرام يقابلونه بمثل ذلك الاكرام أو أزيد، فانه ان كان كافرا لا يضر المسلم ان قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الاكرام، أما ان كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التحية تفعلة من حييت، وكان في الاصل تحيية، مثل التوصية والتسمية، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الاربعة، نحو قوله: {أية : وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } تفسير : [الواقعة: 94] فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء. المسألة الثانية: اعلم أن عادة العرب قبل الاسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا: حياك الله واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله، فلما جاء الاسلام أبدل ذلك بالسلام، فجعلوا التحية اسما للسلام. قال تعالى: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } تفسير : [الأحزاب: 44] ومنه قول المصلى: التحيات لله، أي السلام من الآفات لله، والأشعار ناطقة بذلك. قال عنترة: شعر : حييت من طلل تقادم عهده تفسير : وقال آخر:شعر : إنا محيوك يا سلمى فحيينا تفسير : واعلم أن قول القائل لغيره: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله، وبيانه من وجوه: الأول: أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة، وليس إذا كان حياً كان سليما، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات، فثبت أن قوله: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله. الثاني: أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد ابقاء السلامة على عباده أكمل من قوله: حياك الله. الثالث: أن قول الانسان لغيره: السلام عليك فيه بشارة بالسلامة، وقوله: حياك الله لا يفيد ذلك، فكان هذا أكمل. ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول، أما القرآن فمن وجوه: الأول: اعلم أن الله تعالى سلم على المؤمن في اثني عشر موضعا: أولها: أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته: {أية : الملك القدوس السلام}،تفسير : [الحشر: 23] وثانيها: أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيبا، فقال: {أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } تفسير : [هود: 48] والمراد منه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وثالثها: سلم عليك على لسان جبريل، فقال: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ }تفسير : [القدر: 5] قال المفسرون: إنه عليه الصلاة والسلام خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فقال الله: لا تهتم لذلك فاني وإن أخرجتك من الدنيا، إلا أني جعلت جبريل خليفة لك، ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني. ورابعها: سلم عليك على لسان موسى عليه السلام حيث قال: {أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [طه: 47] فاذا كنت متبع الهدى وصل سلام موسى إليك. وخامسها: سلم عليك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى } تفسير : [النمل: 59] وكل من هدى الله إلى الايمان فقد اصطفاه، كما قال: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } تفسير : [فاطر: 32] وسادسها: أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالسلام على سبيل المشافهة، فقال: {أية : وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } تفسير : [الأنعام: 54] وسابعها: أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتسليم عليك قال: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } وثامنها: سلم عليك على لسان ملك الموت فقال: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [النحل: 32] قيل: إن ملك الموت يقول في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام، ويقول: أجبني فاني مشتاق إليك، واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فاذا سمع المؤمن البشارة، يقول لملك الموت: للبشير مني هدية، ولا هدية أعز من روحي، فاقبض روحي هدية لك، وتاسعها: السلام من الأرواح الطاهرة المطهرة، قال تعالى: {أية : وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [الواقعة: 91] وعاشرها: سلم الله عليك على لسان رضوان خازن الجنة فقال تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } إلى قوله: {أية : وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ } تفسير : [الزمر: 73] والحادي عشر: اذا دخلوا الجنة فالملائكة يزورونهم ويسلمون عليهم. قال تعالى: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 23، 24] والثاني عشر: السلام من الله من غير واسطة وهو قوله: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } تفسير : [الأحزاب: 44] وقوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يۤس: 58] وعند ذلك يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلي نور الخالق. الوجه الثاني: من الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة السلام أن أشد الأوقات حاجة إلى السلامة والكرامة ثلاثة أوقات: وقت الابتداء، ووقت الموت، ووقت البعث، والله تعالى لما أكرم يحيى عليه السلام فانما أكرمه بأن وعده السلام في هذه الأوقات الثلاثة فقال: {أية : وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} تفسير : [مريم: 15] وعيسى عليه السلام ذكر أيضا ذلك فقال: {أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } تفسير : [مريم: 33]. الوجه الثالث: أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } تفسير : [الأحزاب: 56] يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا: السام عليك، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا المعنى، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال: إن كان اليهود يقولون السام عليك، فأنا أقول من سرادقات الجلال: السلام عليك، وأنزل قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ } إلى قوله: {وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً }. وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبدالله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس، فأول ما سمعت منه: «حديث : يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام».تفسير : وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه: الأول: قالوا: تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود بعضهم لبعض الاشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا: حياك الله، وللملوك أن يقولوا: أنعم صباحا، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها. الثاني: أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات. ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع. الثالث: أن الوعد بالنفع يقدر الانسان على الوفاء به وقد لا يقدر، أما الوعد بترك الضرر فانه يكون قادرا عليه لا محالة، والسلام يدل عليه. فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية. المسألة الثالثة: من الناس من قال: من دخل داراً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين، واحتج عليه بوجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } تفسير : [النور: 27] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أفشوا السلام» تفسير : والأمر للوجوب. الثاني: أن من دخل على إنسان كان كالطالب له، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر، فاذا قال: السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه» تفسير : فوجب أن يكون السلام واجبا. الثالث: أن السلام من شعائر أهل الاسلام، وإظهار شعائر الاسلام واجب، وأما المشهور فهو أن السلام سنة، وهو قول ابن عباس والنخعي. وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } الثاني: أن ترك الجواب إهانة، والاهانة ضرر والضرر حرام. المسألة الرابعة: منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد. واعلم أنه تعالى قال: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } فقال العلماء: الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب. روي أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم: السلام عليك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. وآخر قال: السلام عليك ورحمة الله، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وجاء ثالث فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال الرجل: نقصتني، فأين قول الله: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا } فقال صلى الله عليه وسلم: إنك ما تركت لي فضلا فرددت عليك ما ذكرت. المسألة الخامسة: المبتدىء يقول: السلام عليك والمجيب، يقول: وعليكم السلام، هذا هو الترتيب الحسن، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال: السلام عليكم كان الابتداء واقعا بذكر الله، فاذا قال المجيب: وعليكم السلام كان الاختتام واقعا بذكر الله، وهذا يطابق قوله: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ } تفسير : [الحديد: 3] وأيضا لما وقع الابتداء والاختتام بذكر الله فانه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته كما في قوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يذهبن السيئات} تفسير : [هود: 114] فلو خالف المبتدىء فقال: وعليكم السلام فقد خالف السنة، فالأولى للمجيب أن يقول: وعليكم السلام، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر الله، فهذا لا ينبغي أن يترك الاختتام بذكر الله. المسألة السادسة: ان شاء قال: سلام عليكم، وان شاء قال: السلام عليكم قال تعالى في حق نوح: {أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا } تفسير : [هود: 48] وقال عن الخليل: {أية : قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : [مريم: 47] وقال في قصة لوط: {أية : قَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ } تفسير : [هود: 69] وقال عن يحيى: {وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ } وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ }تفسير : [النمل: 59] وقال عن الملائكة: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23، 24] وقال عن رب العزة: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يۤس: 58] وقال: {فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام: {أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ وَلاَ تُعَذّبْهُمْ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مّن رَّبّكَ والسلام على من اتبع الهدى} تفسير : [طه: 47] وقال عن عيسى عليه السلام: {أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ } تفسير : [مريم: 33] فثبت أن الكل جائز، وأما في التحليل من الصلاة فلا بد من الألف واللام بالاتفاق، واختلفوا في سائر المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف؟ فقيل التنكير أفضل، ويدل عليه وجوه: الأول: أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل. الثاني: ان كل ما ورد من الله والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التنكير على ما عددناه في الآيات، وأما بالألف واللام فانما ورد في تسليم الانسان على نفسه قال موسى صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [طه: 47] وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: {أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ } تفسير : [مريم: 33] والثالث: وهو المعنى المعقول ان لفظ السلام بالألف واللام يدل على أصل الماهية، والتنكير يدل على أصل الماهية مع وصف الكمال، فكان هذا أولى. المسألة السابعة: قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : السنة أن يسلم الراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، والقائم على القاعد».تفسير : وأقول: أما الأول فلوجهين: أحدهما: ان الراكب أكثر هيبة فسلامه يفيد زوال الخوف والثاني: أن التكبر به أليق، فأمر بالابتداء بالتسليم كسرا لذلك التكبر، وأما أن القائم يسلم على القاعد فلأنه هو الذي وصل اليه، فلا بد وأن يفتتح هذا الواصل الموصول بالخير. المسألة الثامنة: السنة في السلام الجهر لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب. المسألة التاسعة: السنة في السلام الافشاء والتعميم لأن في التخصيص ايحاشا. المسألة العاشرة: المصافحة عند السلام عادة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر».تفسير : المسألة الحادية عشرة: قال أبو يوسف: من قال لآخر: اقرىء فلانا عني السلام وجب عليه أن يفعل. المسألة الثانية عشرة: إذا استقبلك رجل واحد فقل سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين فانك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب الله. المسألة الثالثة عشرة: إذا دخلت بيتا خاليا فسلم، وفيه وجوه: الأول: انك تسلم من الله على نفسك. والثاني: انك تسلم على من فيه من مؤمني الجن. والثالث: أنك تطلب السلامة ببركة السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات. المسألة الرابعة عشرة: السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة، وكذا المجيب. روي أن واحداً سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كان في قضاء الحاجة، فقام وتيمم ثم رد السلام. المسألة الخامسة عشرة: السنة إذا التقى إنسانان أن يبتدرا بالسلام إظهاراً للتواضع. المسألة السادسة عشرة: لنذكر المواضع التي لا يسلم فيها، وهي ثمانية: الأول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبدأ اليهودي بالسلام، وعن أبي حنيفة أنه قال: لا يبدأ بالسلام في كتاب ولا في غيره، وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى. ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء: ينبغي أن يقال وعليك، والأصل فيه أنهم كانوا يقولون عند الدخول على الرسول: السام عليك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وعليكم، فجرت السنة بذلك، ثم ههنا تفريع وهو أنا إذا قلنا لهم: وعليكم السلام، فهل يجوز ذكر الرحمة فيه؟ قال الحسن يجوز أن يقال للكافر: وعليكم السلام، لكن لا يقال ورحمة الله لأنها استغفار. وعن الشعبي انه قال لنصراني: وعليكم السلام ورحمة الله فقيل له فيه، فقال: أليس في رحمة الله يعيش. الثاني: إذا دخل يوم الجمعة والامام يخطب، فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاجتماع، فان سلم فرد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الاشارة كان أحسن. الثالث: إذا دخل الحمام فرأى الناس متزرين يسلم عليهم، وإن لم يكونوا متزرين لم يسلم عليهم، الرابع: الأولى ترك السلام على القارىء، لأنه إذا اشتغل بالجواب يقطع عليه التلاوة وكذلك القول فيمن كان مشتغلا برواية الحديث ومذاكرة العلم، الخامس: لا يسلم على المشتغل بالأذان والاقامة للعلة التي ذكرناها. السادس: قال أبو يوسف. لا يسلم على لاعب النرد، ولا على المغني، ومطير الحمام، وفي معناه كل من كان مشتغلا بنوع معصية، السابع: لا يسلم على من كان مشتغلا بقضاء الحاجة، مر على الرسول عليه الصلاة والسلام رجل وهو يقضي حاجته، فسلم عليه، فقام الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجدار فتيمم ثم رد الجواب، وقال: «حديث : لولا أني خشيت أن تقول سلمت عليه فلم يرد الجواب لما أجبتك إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فانك إن سلمت علي لم أرد عليك» تفسير : الثامن: إذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته، فان حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليهما. المسألة السابعة عشرة: في أحكام الجواب وهي ثمانية: الأول: رد الجواب واجب لقوله تعالى: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } ولأن ترك الجواب إهانة وضرر وحرام، وعن عباس: ما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة. الثاني: رد الجواب فرض على الكفاية اذا قام به البعض سقط عن الباقين، والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهارا للاكرام ومبالغة فيه، الثالث: أنه واجب على الفور، فان أخر حتى انقضى الوقت فان أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام ولا يكون جوابا. الرابع: اذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتبة أيضا واجب، لقوله تعالى: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } الخامس: اذا قال السلام عليكم، فالواجب أن يقول: وعليكم السلام إلاّ أن السنة أن يزيد فيه الرحمة والبركة ليدخل تحت قوله {فحيوا بأحسن منها} أما إذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،فظاهر الآية يقتضي أنه لايجوز الإقتصار على قوله وعليكم السلام. السادس: روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: لا يجهر بالرد يعني الجهر الكثير. السابع: إن سلمت المرأة الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد، بل الأولى أن لا يفعل. الثامن: حيث قلنا انه لا يسلم، فلو سلم لم يجب عليها الرد، لأنه أتى بفعل منهى عنه فكان وجوده كعدمه. المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن لفظ التحية على ما بيناه صار كناية عن الاكرام، فجميع أنواع الاكرام يدخل تحت لفظ التحية. إذا عرفت هذا فنقول: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فاذا أثيب منها فلا رجوع فيها. وقال الشافعي رضي الله عنه: له الرجوع في حق الولد، وليس له الرجوع في حق الأجنبي، احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على صحة قول أبي حنيفة فان قوله: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } يدخل فيه التسليم، ويدخل فيه الهبة، ومقتضاه وجوب الرد اذا لم يصر مقابلا بالأحسن، فاذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب، بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالاجماع، مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يأتي بالأحسن، ثم احتج الشافعي على قوله بما روى ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» تفسير : وهذا نص في أن هبة الأجنبي يحرم الرجوع فيها، وهبة الولد يجوز الرجوع فيها. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَسِيباً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الحسيب قولان: الأول: أنه بمعنى المحاسب على العمل، كالأكيل والشريب والجليس بمعنى المؤاكل والمشارب والمجالس. الثاني: أنه بمعنى الكافي في قولهم: حسبي كذا؛ أي كافي، ومنه قوله تعالى: {أية : حَسْبِىَ ٱللَّهُ } تفسير : [التوبة: 129، الزمر: 38]. المسألة الثانية: المقصود منه الوعيد، فانا بينا أن الواحد منهم قد كان يسلم على الرجل المسلم، ثم إن ذلك المسلم ما كان يتفحص عن حاله، بل ربما قتله طمعا في سلبه، فالله تعالى زجر عن ذلك فقال: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } وإياكم أن تتعرضوا له بالقتل. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَسِيباً } أي هو محاسبكم على أعمالكم وكافي في إيصال جزاء أعمالكم اليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف، وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها.

القرطبي

تفسير : فيه ٱثنتا عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ} التّحِيّة تفعلة من حييت؛ الأصل تَحْيِيَة مثل تَرْضية وتَسْمِية، فأدغموا الياء في الياء. والتحية السلام. وأصل التحية الدعاء بالحياة. والتحيات لله، أي السلام من الآفات. وقيل: المُلْك. قال عبد الله بن صالح العِجلِيّ: سألت الكسائي عن قوله «التحيات لله» ما معناه؟ فقال: التحيات مثل البركات؛ فقلت: ما معنى البركات؟ فقال: ما سمعت فيها شيئاً. وسألت عنها محمد بن الحسن فقال: هو شيء تعبّد الله به عباده. فقدِمت الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس فقلت: إني سألت الكسائي ومحمداً عن قوله «التحيات لله» فأجاباني بكذا وكذا؛ فقال عبد الله بن إدريس: إنهما لا علم لهما بالشّعر وبهذه الأشياء ؟ٰ التحية الملك؛ وأنشد: شعر : أَؤمّ بها أبا قابوس حتى أنِيخَ على تحيته بجنْدِي تفسير : وأنشد ابن خُوَيْز مَنْدَاد: شعر : أَسِير به إلى النّعمان حتى أُنيخ على تحيته بجُندِي تفسير : يريد على ملكه. وقال آخر: شعر : ولَكُلُّ ما نال الفتى قد نِلْتُه إلاَّ التَّحِيّة تفسير : وقال القتبي: إنما قال «التحيات لله» على الجمع؛ لأنه كان في الأرض ملوك يُحَيَّوْن بتحياتٍ مختلفات؛ فيقال لبعضهم: أبَيْتَ اللّعْنَ، ولبعضهم: ٱسْلَم وٱنْعَم، ولبعضهم: عِش ألف سنة. فقيل لنا: قولوا التحيات لله؛ أي الألفاظ التي تدل على المُلْك، ويكنى بها عنه لله تعالى. ووجه النظم بما قبل أنه قال: إذا خرجتم للجهاد كما سبق به الأمر فَحُييتم في سفركم بتحية الإسلام، فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، بل ردوا جواب السلام؛ فإن أحكام الإسلام تجري عليهم. الثانية ـ واختلف العلماء في معنى الآية وتأويلها؛ فروى ٱبن وهب وابن القاسم عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس والردّ على المُشَمِّت. وهذا ضعيف؛ إذ ليس في الكلام دلالة على ذلك، أمّا الرد على المشمِّت فمما يدخل بالقياس في معنى ردّ التحية، وهذا هو منحى مالك إن صح ذلك عنه. والله أعلم. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وقد يجوز أن تُحمل هذه الآية على الهبة إذا كانت للثواب؛ فمن وُهب له هبة على الثواب فهو بالخيار إن شاء ردّها وإن شاء قبِلها وأثاب عليها قيمتها. قلت: ونحو هذا قال أصحاب أبي حنيفة، قالوا: التحية هنا الهدية؛ لقوله تعالىٰ: {أَوْ رُدُّوهَآ} ولا يمكن ردّ السلام بعينه. وظاهر الكلام يقتضي أداء التحية بعينها وهي الهدية، فأمر بالتعويض إن قبِل أو الردّ بعينه، وهذا لا يمكن في السلام. وسيأتي بيان حكم الهبة للثواب والهدية في سورة «الروم» عند قوله: { أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً } تفسير : [الروم: 39] إن شاء الله تعالىٰ. والصحيح أن التحية هٰهنا السلام؛ لقوله تعالىٰ: { أية : وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ } تفسير : [المجادلة: 8]. وقال النابغة الذُّبيانِيّ: شعر : تُحَيِّيهم بيضُ الولائدِ بينهم وأكسيةُ الإضرِيج فوق المشاجبِ تفسير : أراد: ويسلّم عليهم. وعلى هذا جماعة المفسرين. وإذا ثبت هذا وتقرّر ففِقهُ الآية أن يُقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنّة مرغّب فيها، وردُّه فريضة؛ لقوله تعالىٰ: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ}. واختلفوا إذا ردّ واحد من جماعة هل يجزىء أو لا؛ فذهب مالك والشافعيّ إلى الإجزاء، وأن المسلم قد ردّ عليه مثلَ قوله. وذهب الكوفيون إلى أن ردّ السَّلام من الفروض المتعيّنة؛ قالوا: والسلام خلاف الردّ؛ لأن الابتداء به تطوّع وردّه فريضة. ولو ردّ غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الردّ، فدل على أن ردّ السلام يلزم كل إنسان بعينه؛ حتى قال قتادة والحسن: إن المصلي يردّ السلام كلاماً إذا سُلّم عليه ولا يقطع ذلك عليه صلاتَه؛ لأنه فعل ما أمر به. والناس على خلافه. احتج الأوّلون بما رواه أبو داود عن عليّ بن أبي طالب عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : يُجزىء من الجماعة إذا مَرُّوا أن يُسلّم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم » تفسير : . وهذا نصٌّ في موضع الخلاف. قال أبو عمر: وهو حديث حسَن لا معارض له، وفي إسناده سعيد بن خالد، وهو سعيد بن خالد الخزاعيّ مدنِيّ ليس به بأس عند بعضهم؛ وقد ضعّفه بعضهم منهم أبو زُرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وجعلوا حديثه هذا منكراً؛ لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد؛ على أن عبد الله بن الفضل لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع؛ بينهما الأعرج في غير ما حديث. والله أعلم. واحتجوا أيضاً بقوله عليه السَّلام: « حديث : يُسلم القليل على الكثير » تفسير : . ولما أجمعوا على أن الواحد يسلم على الجماعة ولا يحتاج إلى تكريره على عداد الجماعة، كذلك يردّ الواحد عن الجماعة وينوب عن الباقين كفروض الكفاية. وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم » تفسير : . قال علماؤنا: وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد؛ لأنه لا يُقال أجزأ عنهم إلاَّ فيما قد وجب. والله أعلم. قلت: هكذا تأوّل علماؤنا هذا الحديث وجعلوه حجة في جواز رد الواحد؛ وفيه قلق. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} رد الأحسن أن يزيد فيقول: عليك السَّلام ورحمة الله؛ لمن قال: سلام عليك. فإن قال: سلام عليك ورحمة الله؛ زدت في ردّك: وبركاته. وهذا هو النهاية فلا مزيد. قال الله تعالىٰ مخبراً عن البيت الكريم { أية : رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ } تفسير : [هود: 73] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فإن انتهى بالسلام غايته، زدت في ردّك الواو في أول كلامك فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. والردّ بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك: عليك السَّلام، إلاَّ أنه ينبغي أن يكون السَّلام كلّه بلفظ الجماعة، وإن كان المُسَلّم عليه واحداً. روى الأعمشُ عن إبراهيم النَّخَعيّ قال: إذا سلّمت على الواحد فقل: السَّلام عليكم، فإن معه الملائكة. وكذلك الجواب يكون بلفظ الجمع: قال ابن أبي زيد: يقول المُسَلِّم السَّلام عليكم، ويقول الرادّ وعليكم السَّلام، أو يقول السَّلام عليكم كما قيل له؛ وهو معنى قوله {أَوْ رُدُّوهَآ} ولا تقل في ردّك: سلام عليك. الرابعة ـ والاختيارُ في التسليم والأدبُ فيه تقديم ٱسم الله تعالى على اسم المخلوق؛ قال الله تعالىٰ: { أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } تفسير : [الصافات: 130]. وقال في قصة إبراهيم عليه السَّلام: { أية : رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [هود: 73]. وقال مخبراً عن إبراهيم: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ}. وفي صحيحي البُخارِيّ ومسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : خلق الله عزّ وجلّ آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال اذهب فسَلّم على أولئك النّفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيّونك فإنها تحيتك وتحيّة ذريتك ـ قال ـ فذهب فقال السَّلام عليكم فقالوا السَّلام عليك ورحمة الله ـ قال ـ فزادوه ورحمة الله ـ قال ـ فكل من يدخل الجنّة على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ». تفسير : قلت: فقد جمع هذا الحديث مع صحته فوائد سبع: الأُولىٰ ـ الإخبار عن صفة خلق آدم. الثانية ـ أنا ندخل الجنة عليها بفضله. الثالثة ـ تسليم القليل على الكثير. الرابعة ـ تقديم اسم الله تعالىٰ. الخامسة ـ الرد بالمثل لقولهم: السلام عليكم. السادسة ـ الزيادة في الردّ. السابعة ـ إجابة الجميع بالرد كما يقول الكوفيون. والله أعلم. الخامسة ـ فإن ردّ فقدّم اسمَ المُسَلّم عليه لم يأت محرّماً ولا مكروهاً؛ لثبوته حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال للرجل الذي لم يحسن الصَّلاة وقد سلّم عليه: «وعليك السَّلام ٱرْجِع فَصلّ فإنك لم تُصَلِّ» تفسير : . وقالت عائشة: وعليه السَّلام ورحمة الله؛ حين أخبرها النبيّ صلى الله عليه وسلم أن جبريل يقرأ عليها السَّلام. أخرجه البخاريّ. وفي حديث عائشة:« من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يردّ كما يردّ عليه إذا شافهه. حديث : وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يقرئك السَّلام؛ فقال: «عليك وعلى أبيك السَّلام» تفسير : . وقد روى النسائِيّ وأبو داود من حديث حديث : جابر بن سُليم قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السَّلام يا رسول الله؛ فقال: «لا تقل عليك السَّلام فإن عليك السَّلام تحية الميت ولكن قُل السَّلام عليك» تفسير : . وهذا الحديث لا يثبت؛ إلاَّ أنه لما جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه في الشر كقولهم: عليه لعنة الله وغضب الله. قال الله تعالىٰ: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } تفسير : [صۤ: 78]. وكان ذلك أيضاً دأب الشعراء وعادتهم في تحية الموتى؛ كقولهم: شعر : عليك سلام اللَّه قيسَ بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحَّما تفسير : وقال آخر وهو الشَّمّاخ: شعر : عليك سلام من أمير وباركتْ يَدُ اللَّه في ذاك الأدِيم المُمَزَّقِ تفسير : نهاه عن ذلك، لا أن ذاك هو اللفظ المشروع في حق الموتى؛ لأنه عليه السلام ثبت عنه أنه سلّم على الموتى كما سلم على الأحياء فقال: « حديث : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». حديث : فقالت عائشة: قلت يا رسول الله، كيف أقول إذا دخلت المقابر؟ قال: «قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين» تفسير : الحديث؛ وسيأتي في سورة «ألهاكم» إن شاء الله تعالى. قلت: وقد يحتمل أن يكون حديث عائشة وغيره في السلام على أهل القبور جميعهم إذا دخلها وأشرف عليها، وحديث جابر بن سليم خاص بالسلام على المرور المقصود بالزيارة. والله أعلم. السادسة ـ من السُّنَّة تسليم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والقليل على الكثير؛ هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يسلم الراكب » تفسير : فذكره فبدأ بالراكب لعلوّ مرتبته؛ ولأن ذلك أبعد له من الزّهوْ، وكذلك قيل في الماشي مثله. وقيل: لما كان القاعد على حال وقَارٍ وثُبوت وسكون فله مزيّةٌ بذلك على الماشي؛ لأن حاله على العكس من ذلك. وأما تسليم القليل على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم. وقد زاد البُخارِيّ في هذا الحديث « حديث : ويسلم الصغير على الكبير » تفسير : . وأما تسليم الكبير على الصغير فروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى التسليم على الصبيان؛ قال: لأن الردّ فرض والصبي لا يلزمه الردّ فلا ينبغي أن يسلم عليهم. وروي عن ابن سيرين أنه كان يسلم على الصبيان ولكن لا يسمعهم. وقال أكثر العلماء: التسليم عليهم أفضل من تركه. وقد جاء في الصحيحين عن سيار قال: كنت أمشي مع ثابت فمرّ بصبيان فسلم عليهم، وذكر أنه كان يمشي مع أنس فمرّ بصبيان فسلّم عليهم، وحدّث أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرّ بصبيان فسلّم عليهم. لفظ مسلم. وهذا من خُلُقه العظيم صلى الله عليه وسلم، وفيه تدريب للصغير وحضٌّ على تعليم السُّنن ورياضةٌ لهم على آداب الشريعة فيه؛ فلتقتدِ. وأما التسليم على النساء فجائز إلا على الشابَّات منهن خوف الفتنة من مكالمتهنّ بنزعة شيطان أو خائنة عَيْن. وأما المتجالات والعُجْز فحَسَن للأمن فيما ذكرناه؛ هذا قول عطاء وقتادة، وإليه ذهب مالك وطائفة من العلماء. ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهنّ ذوات مَحْرَم وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن ردّ السلام فلا يسلَّم عليهن. والصحيح الأوّل لما خرّجه البخاريّ عن سهل بن سعد قال: كنا نفرح بيوم الجمعة. قلت ولِمَ؟ قال: كانت لنا عجوز ترسِل إلى بِضاعة ـ قال ابن مَسْلمة: نخلٌ بالمدينة ـ فتأخذ من أُصول السِّلق فتطرحه في القِدر وتُكَرْكِر حبّاتٍ من شعيرٍ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنُسلّم عليها فتقدّمه إلينا فنفرح من أجله: وما كنا نَقِيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة. تكركر أي تطحن؛ قاله القُتَبِي. الثامنة ـ والسنة في السلام والجواب الجهر؛ ولا تكفي الإشارة بالإصبع والكف عند الشافعيّ، وعندنا تكفي إذا كان على بُعد؛ روى ابن وهب عن ابن مسعود قال: السلام اسم من أسماء الله عز وجل وضعه الله في الأرض فأفْشُوه بينكم؛ فإن الرجل إذا سلّم على القوم فردّوا عليه كان له عليهم فضلُ درجةٍ لأنه ذكرهم، فإن لم يردّوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم وأطيب. وروى الأعمش عن عمرو ابن مُرّة عن عبد الله بن الحارث قال: إذا سلّم الرجل على القوم كان له فضل درجة، فإن لم يردّوا عليه ردّت عليه الملائكة ولعنتهم. فإذا ردّ المسلَّم أسمع جوابه؛ لأنه إذا لم يُسْمِع المُسْلِّمَ لم يكن جواباً له؛ ألا ترى أن المُسَلِّم إذا سلّم بسلام لم يسمعه المسلَّم عليه لم يكن ذلك منه سلاماً، فكذلك إذا أجاب بجواب لم يُسمَع منه فليس بجواب. وروى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا سلّمتم فأسمعوا وإذا رددتم فأسمعوا وإذا قعدتم فٱقعدوا بالأمانة ولا يرفعن بعضكم حديث بعض » تفسير : . قال ابن وهب: وأخبرني أُسامة بن زيد عن نافع قال: كنت أُساير رجلاً من فقهاء الشام يقال له عبد الله ابن زكريا فحبستني دابتي تبول، ثم أدركته ولم أسلم عليه؛ فقال: ألا تسلم؟ فقلت: إنما كنت معك آنفا؛ فقال: وإن صحّ؛ لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسايرون فيفرقُ بينهم الشجر فإذا التقوا سلّم بعضهم على بعض. التاسعة ـ وأما الكافر فحكم الردّ عليه أن يقال له: وعليكم. قال ابن عباس وغيره: المراد بالآية: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ} فإذا كانت من مؤمن {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} وإن كانت من كافر فردّوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال لهم: «وعليكم». وقال عطاء: الآية في المؤمنين خاصّة، ومن سلّم من غيرهم قيل له: عليك؛ كما جاء في الحديث. قلت: فقد جاء إثبات الواو وإسقاطها في صحيح مسلم: «عليك» بغير واو وهي الرواية الواضحة المعنى، وأما مع إثبات الواو ففيها إشكال؛ لأن الواو العاطفة تقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دَعَوْا به علينا من الموت أو من سامة ديننا؛ فاختلف المتأوّلون لذلك على أقوال: أولاها أن يقال: إن الواو على بابها من العطف، غير أنا نُجاب عليهم ولا يُجابون علينا، كما قال صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي زائدة. وقيل: للاستئناف. والأُولى أوْلى. ورواية حذف الواو أحسنُ معنى وإثباتُها أصحّ روايةً وأشهر، وعليها من العلماء الأكثر. العاشرة ـ واختُلف في ردّ السلام على أهل الذِّمة هل هو واجب كالردّ على المسلمين؛ وإليه ذهب ابن عباس والشَّعْبِيّ وقتادة تمسّكاً بعموم الآية وبالأمر بالردّ عليهم في صحيح السنة. وذهب مالك فيما رَوى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب؛ فإن رددت فقل: عليك. واختار ابن طاوس أن يقول في الرّدّ عليهم: علاكَ السلام، أي ٱرتفع عنك. واختار بعض علمائنا السِّلام (بكسر السين) يعني به الحجارة. وقول مالك وغيره في ذلك كاف شاف كما جاء في الحديث، وسيأتي في سورة «مريم» القول في ابتدائهم بالسلام عند قوله تعالى إخباراً عن إبراهيم في قوله لأبيه { أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ } تفسير : [مريم: 47]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تَحابُّوا أوَلاَ أدُلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفْشُوا السلام بينكم » تفسير : . وهذا يقتضي إفشاءه بين المسلمين دون المشركين. والله أعلم. الحادية عشرة ـ ولا يُسلَّم على المُصَلِّي فإن سُلِّم عليه فهو بالخيار إن شاء ردّ بالإشارة بإصبعه وإن شاء أمسك حتى يَفرُغ من الصلاة ثم يردّ. ولا ينبغي أن يُسَلِّم على من يقضي حاجته فإن فُعل لم يلزمه أن يردّ عليه. حديث : دخل رجل على النبيّ صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال فقال له: «إذا وجدتني أو رأيتني على هذه الحال فلا تُسَلِّم عليّ فإنك إن سلّمت عليّ لم أردّ عليك» تفسير : . ولا يُسَلَّم على من يقرأ القرآن فيقطع عليه قراءته، وهو بالخيار إن شاء ردّ وإن شاء أمسك حتى يَفرُغ ثم يردّ، ولا يُسَلَّم على من دخل الحمام وهو كاشف العورة، أو كان مشغولاً بما لَهُ دَخْل بالحمّام، ومن كان بخلاف ذلك سُلِّم عليه. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} معناه حفيظاً. وقيل: كافياً؛ من قولهم: أحْسَبَني كذا أي كفاني، ومثله حَسْبُكَ الله. وقال قتادة: محاسباً كما يقال: أكِيل بمعنى مواكل. وقيل: هو فعِيل من الحساب، وحسُنت هذه الصفة هنا؛ لأن معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يُوفّي قدر ما يجيء به. روى النَّسائيّ عن عِمران بن حُصين قال:حديث : كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فسلّم، فقال: السلام عليكم فردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:«عشر» ثم جلس، ثم جاء آخر فسلم فقال: السلام عليكم ورحمة الله؛ فردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «عشرون» ثم جلس وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ثلاثون» تفسير : . وقد جاء هذا الخبر مُفَسِّراً وهو أن من قال لأخيه المسلم: سلام عليكم كتب له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة. فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن ردّ من الأجر. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} الجمهور على أنه في السلام، ويدل على وجوب الجواب إما بأحسن منه وهو أن يزيد عليه ورحمة الله، فإن قاله المسلم زاد وبركاته وهي النهاية وإما برد مثله لما روي (حديث : أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك. فقال: وعليك السلام ورحمة الله. وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك. فقال الرجل: نقصتني فأين ما قال الله تعالى وتلا الآية. فقال صلى الله عليه وسلم: إنك لم تترك لي فضلاً فردت عليك مثله. تفسير : وذلك لاستجماعه أقسام المطالب السالمة عن المضار وحصول المنافع وثباتها ومنه قيل، أو للترديد بين أن يحيي المسلم ببعض التحية وبين أن يحيي بتمامها، وهذا الوجوب على الكفاية وحيث السلام مشروع فلا يرد في الخطبة، وقراءة القرآن، وفي الحمام، وعند قضاء الحاجة ونحوها. والتحية في الأصل مصدر حياك الله على الإِخبار من الحياة، ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك، ثم قيل لكل دعاء فغلب في السلام. وقيل المراد بالتحية العطية وواجب الثواب أو الرد على المتهب، وهو قول قديم للشافعي رضي الله تعالى عنه. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً } يحاسبكم على التحية وغيرها. {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } مبتدأ وخبر، أو {ٱللَّهِ } مبتدأ والخبر {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي الله، والله ليحشرنكم من قبوركم إلى يوم القيامة، أو مفضين إليه أو في يوم القيامة، ولا إله إلا هو، اعتراض. والقيام والقيامة كالطلاب والطلابة وهي قيام الناس من القبور أو للحساب. {لاَ رَيْبَ فِيهِ } في اليوم أو في الجمع فهو حال من اليوم، أو صفة للمصدر {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً } إنكار أن يكون أحد أكثر صدقاً منه، فإنه لا يتطرق الكذب إلى خبره بوجه لأنه نقص وهو على الله محال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ } كأن قيل لكم سلام عليكم {فَحَيُّواْ } المحيِّي {بِأَحْسَنَ مِنْهَا } بأن تقول له عليك السلام ورحمة الله وبركاته {أَوْ رُدُّوهَا } بأن تقولوا له كما قال أي الواجب أحدهما والأول أفضل {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَسِيباً } محاسبا فيجازي عليه ومنه رد السلام، وخصت السنة الكافر والمبتدع والفاسق والمسلِّم على قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل فلا يجب الرد عليهم بل يكره في غير الأخير ويقال للكافر و(عليك).

ابن عبد السلام

تفسير : {بِتَحِيَّةٍ} الدعاء بطول الحياة، أو السلام، ورده فرض عام المسلم والكافر، أو يختص به المسلم. {بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} الزيادة في الدعاء {أَوْ رُدُّوهَآ} بمثلها، أو {بِأَحْسَنَ} منها على المسلم، وبمثلها على الكافر قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ {حَسِيباً} حفيظاً، أو محاسباً على العمل ليجزي عليه، أو كافياً.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} التحية تفعله من حيا وأصلها من الحياة ثم جعل السلام تحية لكونه خارجاً عن حصول الحياة وسبب الحياة في الدنيا أو في الآخرة والتحية أن يقال حياك الله أي جعل لك حياة وذلك أخبار ثم يجعل دعاء وهذه اللفظة كانت العرب تقولها فلما جاء الإسلام بدل ذلك بالسلام وهو المراد به في الآية يعني إذا سلم عليكم المسلم فأجيبوه بأحسن مما سلم عليكم به وإنما اختير لفظ السلام على لفظة حياك الله لأنه أتم وأحسن وأكمل لأن معنى السلام السلامة من الآفات فإذا دعا الإنسان بطول الحياة بغير سلامة كانت حياته مذمومة منغصة. وإذا كان في حياته سليماً كان أتم وأكمل فلهذا السبب اختير لفظ السلام {أو ردوها} يعني أو ردوا عليه كما سلم عليكم {إن الله كان على كل شيء حسيباً} يعني محاسباً ومجازياً والمعنى أنه تعالى على كل شيء من رد السلام بمثله أو بأحسن منه مجاز. فصل في فضل السلام والحث عليه (ق) عن عبدالله بن عمرو بن العاص حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" تفسير : قوله أي الإسلام خير معناه أي خصال الإسلام خير (م) عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" تفسير : عن عبدالله بن سلام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلّوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح عن أبي أمامة قال: أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نفشي السلام، أخرجه ابن ماجه. فصل في أحكام تتعلق بالسلام وفيه مسائل المسألة الأولى في كيفية السلام: (ق) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا عليك السلام ورحمة الله فزادوه ورحمة الله" تفسير : قال العلماء يستحب لمن يبتدئ بالسلام أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحد ويقول المجيب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فيأتي بواو العطف في قوله وعليكم عن عمران بن حصين قال حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم فرد عليه ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عشر ثم جاء آخر فقال وعليكم السلام ورحمة الله فرد عليه فجلس فقال عشرون فجاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس فقال ثلاثون" تفسير : أخرجه الترمذي. وأبو داود وقال الترمذي حديث حسن وقيل إذا قال المسلم السلام عليكم فيقول المجيب وعليكم السلام ورحمة الله فيزيده ورحمة الله وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله فيقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيرد عليه السلام بمثله ولا يزيد عليه وروي أن رجلاً سلم على ابن عباس فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئاً فقال ابن عباس إن السلام انتهى إلى البركة ويستحب للمسلم أن يرفع صوته بالسلام ليسمع المسلم عليه فيجيبه ويشترط أن يكون الرد على الفور فإن أخره ثم رد لم يعد جواباً وكان آثماً بترك الرد. المسألة الثانية في حكم السلام: الابتداء بالسلام سنة مستحبة ليس بواجب وهو سنة على الكفاية فإن كانوا جماعة فسلم واحد منهم كفى عن جميعهم ولو سلم كلهم كان أفضل وأكمل قال القاضي حسين: من أصحاب الشافعي ليس لنا سنة على الكفاية إلاّ هذا وفيه نظر لأن تشميت العاطس سنة على الكفاية أيضاً كالسلام. ولو دخل على جماعة في بيت أو مجلس أو مسجد وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفشوا السلام" تفسير : والأمر للوجوب أو يكون ذلك سنة متأكدة لأن السلام من شعار أهل الإسلام فيجب إظهاره أو يتأكد استحبابه أما الرد على المسلم فقد أجمع العلماء على وجوبه ويدل عليه قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} والأمر للوجوب لأن ترك الرد إهانة للمسلم فيجب ترك الإهانة فإن كان المسلم عليه واحداً وجب عليه الرد وإذا كانوا جماعة كان رد السلام في حقهم فرض كفاية فلو رد واحد منهم سقط فرض الرد عن الباقين وإن تركوه كلهم أثموا. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدكم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدكم" تفسير : أخرجه أبو داود. المسألة الثالثة في آداب السلام: السنة أن يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير" تفسير : وفي رواية للبخاري قال: "حديث : يسلّم الصغير على الكبير، والمار على القاعد والقليل على الكثير" تفسير : وإذا تلاقى رجلان فالمبتدئ بالسلام هو الأفضل لما روي عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أولى الناس بالله عز وجل من بدأهم بالسلام" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي ولفظه قال حديث : قيل يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام قال: "أولاهما بالله" تفسير : قال الترمذي حديث حسن ويستحب أن يبدأ بالسلام قبل الكلام والحاجة والسنة إذا مر بجماعة صبيان صغار أن يسلم عليهم لما روي عن أنس أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله أخرجاه في الصحيحين وفي رواية لأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على غلمان يلعبون فسلم عليهم وأما السلام على النساء فإن كن جمعاً جالسات في مسجد أو موضع فيستحب أن يسلّم عليهن إذا لم يخف على نفسه أو عليهن فتنة لما روي عن أسماء بنت يزيد قالت مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلّم علينا أخرجه أبو داود وفي رواية الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في مسجد يوماً وعصبة من النساء قعود فألوى بيده للتسليم قال الترمذي حديث حسن وإذا مر على امرأة مفردة أجنبية فإن كانت جميلة فلا يسلم عليها ولو سلم فلا ترد هي عليه لأنه لم يستحق الرد وإن كانت عجوزاً لا يخاف عليه ولا عليها الفتنة سلم عليها وترد هي عليه وحكم النساء مع النساء كحكم الرجال مع الرجال في السلام فيسلم بعضهن على بعض. المسالة الرابعة في الأحوال التي يكره السلام فيها: فمن ذلك الذي يبول أو يتغوط أو يجامع ونحو ذلك لا يسلم عليه فلو سلم فلا يستحق المسلّم جواباً لما روي عن ابن عمر: "حديث : أن رجلاً مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلم عليه فلم يرد عليه" تفسير : أخرجه مسلم قال الترمذي إنما يكره إذا كان على الغائط أو البول ويكره التسليم على من في الحمام وقيل إن كانوا متزرين بالمآزر سلم عليهم وإلاّ فلا، ويكره التسليم على النائم والناعس والمصلي والمؤذن والتالي في حال الصلاة والأذان والتلاوة ويكره الابتداء بالسلام في حال الخطبة لأن الجالسين مأمورون بالإنصات للخطبة ويكره أن يبدأ المبتدع بالتسليم عليه وكذلك المعلن بفسق وكذلك الظلمة ونحوهم فلا يسلم على هؤلاء. المسألة الخامسة في حكم السلام على أهل الذمة: اليهود والنصارى: اختلف العلماء فيه فذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام. وقال بعضهم إنه ليس بحرام بل هو مكروه كراهة تنزيه ويدل على ذلك ما وري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" تفسير : أخرجه مسلم وإذا سلم يهودي أو نصراني على مسلم فيرد عليه ويقول عليك بغير واو العطف، لما روي عن أنس حديث : أن يهودياً أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال السلام عليكم فرد عليه القول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تدرون ما قال؟ قالوا الله ورسوله أعلم، سلم يا نبي الله قال: لا ولكنه قال كذا وكذا ردوه على فردوه فقال: قلت السلام عليكم قال: نعم يا نبي الله فقال صلى الله عليه وسلم عند ذلك إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك أي عليك ما قلت" تفسير : أخرجه الترمذي فلو أتى بواو العطف وميم الجمع فقال عليكم جاز لأنا نجاب عليهم في الدعاء ولا يجابون علينا ويدل على ذلك ما روي عن جابر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه ناس من اليهود، فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقال: "وعليكم" فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجيبون علينا تفسير : أخرجه مسلم وإذا مر المسلم على جماعة فيهم مسلمون ويهود ونصارى يسلم عليهم ويقصد بتسليمه المسلمين لما روي عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود فسلم عليهم أخرجه الترمذي. قوله عز وجل: {الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم} هذه لام القسم تقديره والله الذي لا إله إلاّ هو ليجمعنكم الله في الموت وفي القبور {إلى يوم القيامة} يعني إلى يوم الحشر والبعث سميت القيامة لقيام الناس من قبورهم بعد الموت وقيل لقيامهم للحساب نزلت هذه الآية في منكري البعث {لا ريب فيه} يعني لا شك في ذلك اليوم أنه كائن {ومن أصدق من الله حديثاً} يعني لا أحد أصدق من الله فإنه لا يخلف الميعاد ولا يجوز عليه الكذب والمعنى أن القيامة كائنة لا شك فيها ولا ريب.

ابن عادل

تفسير : في النَّظْم وجْهَان: أحدهما: أنَّه لما أمَرَ المُؤمِنِين بالجهاد، أمَرَهُمْ أيضاً بأن الأعْدَاء لو رَضُوا بالمُسَالَمَةِ فكونوا أنْتُم [أيضاً] رَاضِين بها، فقوله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} كقوله - تعالى -: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} تفسير : [الأنفال: 61]. والثَّانِي: أن الرَّجُل [في الجِهَاد] كان يلْقَّاهُ الرَّجُل في دَارِ الحَرْبِ أو ما يُقارِبُها، فَيُسَّلمُ عليه فقد لا يَلْتَفِتُ إلى سلامِهِ [ويقتله]، وربَّمَا ظَهَر أنَّهُ كان مُسْلِماً، فأمرهم بأن يُسَلِّم عليهم أو يُكْرِمهم، فإنهم يقابلونه بمثل ذَلِكَ الإكْرَام أو أزْيَد، فإن كان كَافِراً، لم يَضُرَّ المسلم مُقَابَلَة إكْرَام ذلك الكَافِر بنوع من الإكْرَام، وإن كان مسلماً فَقَتَلَه، ففيهِ أعْظَم المَضَارِّ والمفَاسِدِ، ويقال: التحية [في الأصْلِ]: البَقَاءِ والمِلْكُ. قال القُرْطُبِي: قال عبد الله بن صَالحِ العِجْليّ: سألت الكسَائِيُّ عن قوله: "التحيات لله" ما مَعْنَاهَا؟ فقال: التَّحِيَّاتُ مثل البَرَكَاتِ، قلت: ما معنى "البَركات"؟ فقال: ما سَمِعْت فيها شَيْئاً، وسألْتُ عنها مُحَمَّد بن الحسن [فقال]: هو شَيْءٌ تعبّد الله به عبادَهُ، فقدِمْتُ الكُوفَة فلقيت عَبْدَ الله بن إدْرِيس، فقلت: إني سَألْت الكسَائيَّ، ومحمَّد عن قَوْله: "التحيات لله" فأجَابَنِي بكذا وكذا، فقال عَبْد اللَّه بن إدْرِيس: إنه لا عِلْم لهما بالشَّعْرِ وبهذه الأشْيَاءِ، التَّحِيَّة: المُلك وأنْشَدَهُ: [الوافر] شعر : 1851- أؤمُّ بِهَا أبَا قَابُوسَ حَتى أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بجُنْدِي تفسير : وقال آخَر: [مجزوء الكامل] شعر : 1852- وَلِكُلِ مَا نَالَ الفَتَى قَدْ نِلْتُهُ إلاَّ التَّحِيَّهْ تفسير : ويقال: التَّحِيَّة: البَقَاء والمُلْك، ومنه: "التحيات لله"، ثم استُعملت في السلام مَجَازاً، ووزنها، تَفْعِلة من حَيَّيْت، وكان في الأصْل:تحيية؛ مثل: تَوْصية وتَسْمِيَة، والعرب تؤثر التَّفْعِلة على التَّفْعيلِ [في] ذَوَاتِ الأرْبَع؛ نحو قوله: {أية : وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} تفسير : [الواقعة: 94]. والأصل: تَحْيِِيَة فأدغمت، وهذا الإدغَامُ واجبٌ خِلافاً للمَازِني، وأصْل الأصْل تَحْيِيُّ؛ لأنه مَصْدُر حَيّا، وحَيّا: فَعَّل، وفَعَّل مَصْدره على التَّفْعِيل، إلا أن يَكُون مُعْتَلَّ اللامِ؛ نحو: زكَّى وغَطَّى، فإنه تحذف إحْدَى اليَاءَيْن ويعوَّض منها تَاء التَّأنيثِ؛ فيقال: تَزْكِيه وتغْطِيَة، إلا ما شَذَّ من قوله: [الرجز] شعر : 1853- بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيَّا كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا تفسير : إلا أن هذا الشُّذُوذَ لا يجوزُ مثلُه في نحو: "حَيّا" لاعتلالِ عَيْنه ولامه باليَاءِ، وألحق بعضُهم ما لامُه هَمْزَةٌ بالمُعْتَلِّها، نحو: "نَبّأ تَنْبئةً" و "خَبَّأ تَخْبِئَةً"؛ ومثلها: أعيِيَة وأعيَّةٌ، جمع عَيِيٍّ. وقال الرَّاغِب: وأصلُ التَّحِيَّة من الحياة، ثم جُعِل كلُّ دُعَاءٍ تحيّةً؛ لكون جميعه غير خَارجٍ عن حُصُولِ الحياة أو سَبَبِ الحَيَاةِ، وأصل التحية أن تَقُول: "حياك الله" ثم اسْتُعْمِل في الشَّرْعِ في دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ. وجعل التحيَّة اسْماً للسَّلام؛ قال: - تعالى -: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} تفسير : [الأحزاب: 44]، ومنه قول المُصَلِّي: "التحيات لله" أي: السَّلامة من الآفاتِ للَّه. قال [الكامل] شعر : 1854أ- حُيِّيت مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ……………………… تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 1854ب- إنَّا مُحَيُّوك يا سَلْمَى فَحيِّينَا ………….......…. تفسير : فصل في أفضلية "السلام عليكم" واعلمْ أن قول القائِل لغيْره: السَّلام عليك، أتم من قوله: حَيَّاك الله؛ لأن الحَيَّ إذا كان حَليماً كان حَيًّا لا محالة، وليس إذا كان حَيَّا كان سَلِيماً؛ لأنَّه قد تكون حَيَاتُه مقرونَة بالآفاتِ، وأيضاً فإن السلام اسم من أسْمَاء الله - تعالى -، فالابْتِدَاء بِذِكْر الله - تعالى - أجْمَل من قوله: حيَّاك الله، وأيضاً: فَقَوْل الإنْسَان لغيره: السلام عَلَيْكَ، بشارة لَهُ بالسَّلام، وقوله حيَّاك الله لا يُفِيد ذَلِك، قالوا: ومَعنى قوله: السلام عليك، أي: أنْت سَلِيمٌ مِنِّي فاجعلني سَلِيماً مِنْك، ولهذا كَانَت العَرَبُ إيضا أسَاء بعضهم لم يَردُّوا السلام، فإن ردُّوا عليهم السلام، أمِنُوا من شرِّهم، وإن لم يَرُدُّوا عليهم السلام، لم يؤمنوا شَرَّهُم. فصل في الوجوه الدَّالة على أفضلية السّلاَم ومما يدل على أفْضَلِيَّة السلام: أنَّه من أسْمَاء الله - تعالى -، وقوله - [تعالى] - {أية : يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا} تفسير : [هود: 48]، وقوله: {أية : سَلاَمٌ هِيَ} تفسير : [القدر: 5]، وقوله: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [طه: 47]، وقوله: {أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ} تفسير : [النمل: 59] وقوله: {أية : وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 54]، وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} تفسير : [النحل: 32]، وقوله: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة: 90، 91]، [وقوله]: {أية : وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ} تفسير : [الزمر: 73]، وقوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23] وقوله: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} تفسير : [الأحزاب: 44]، وقوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58]. وأمَّا الأخْبَار: فرُوِي أن عبد الله بن سلام قال: حديث : لمَّا سَمِعْت بقدوم الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -، دخَلْتُ في غِمَار النَّاسِ، فأوَّل ما سَمِعْتُ مِنْهُ: "يا أيها الذين آمنوا، أفْشُوا السَّلاَمَ وأطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الأرْحَامَ وصَلُّوا باللَّيْلِ والنَّاس نِيَامٌ تدخلون الجنة بسلام ". تفسير : وأما المَعْقُول: قال القتبي: إنما قال: "التحيات" على الجَمْعِ؛ لأنَّه كان في الأرْضِ ملوك يُحَيَّوْن بِتَحِيَّاتٍ مختَلِفَات، [فيقال] لبعضهم: أبيْت اللَّعْنَ، ولبعضهم: اسْلَم وانْعَم، ولبعضهم: عِش ألْفَ سَنَةٍ، فقيل لَنَا: قولوا: التَّحِيَّات للَّه، أي: الألْفَاظ الَّتِي [تدلُّ] على المُلْك، ويكْنَى بها عن الله - تعالى -: قالوا: تحية النَّصارَى وَضْع اليَدِ على الفَمِ، وتَحِيّةُ اليهود بعضهم لبعض: الإشارَةُ بالأصَابع، وتحيةُ المجُوس: الانْحِنَاء، وتحيَّةُ العرب بعضهم لِبَعْض قَوْلهم حَيَّاك اللَّه، وللمُلُوك أن يَقُولوا: انْعَمْ صَبَاحاً، وتحيَّةُ المُسْلِمِين أن يقولوا: السلام عَلَيْكُم ورَحْمَة الله وبركاته؛ وهذه أشرف التَّحِيَّاتِ، ولأن السَّلام مشعِرٌ بالسَّلامة من الآفَاتِ، والسَّعْيُ في تَحْصِيل الصَّون عن الضَّرر أوْلى من السَّعْي في تَحْصِيل النَّفْع. وأيضاً فإن الوَعْد بالنَّفْع قد يقدر الإنْسَان على الوَفَاءِ به وقَدْ لا يَقْدِر، وأما الوَعْد بترْك الضَّرَر، فإنه يكون قَادِراً عليه لا مَحَالة، والسَّلام يدلُّ عليْهِ. فصل من الناس من قال: السلامُ واجبٌ؛ كقوله - تعالى -: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ [عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}تفسير : ] [النور: 61]، ولقوله - عليه السلام -: "حديث : أفْشُوا السلام" تفسير : والأمر للوُجُوب والمَشْهُور أنه سُنَّة. قال بعضهم: السلام سُنَّة على الكِفَايَة. قوله: "فحيوا" أصل حيُّوا: حَييوا فاستثقلت الضَّمَّةُ على اليَاءِ، فحُذِفَت الضَّمةُ فالتقى ساكنان: الياءُ والواو، فحُذِفَتْ اليَاءُ، وضُمَّ ما قبل الوَاوِ. وقوله: {بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} أي: بتحيَّةٍ أحْسَن من تِلْك التَّحِيَّة الأوْلَى. وقوله: {أَوْ رُدُّوهَآ} أي رُدُّوا مِثْلَها؛ لأن رَدَّ عينها مُحالٌ فَحذفَ المُضَافُ، نحو: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. فصل في كيفية السلام مُنْتَهى الأمْر في السَّلام أن يُقَال: السَّلام عليْكُم ورَحْمَة الله وبَركاته؛ بدليل أن هَذَا القَدْر هو الوَارِدُ في التَّشَهُّد. قال العلماء: الأحْسَن أن المُسْلِم إذا قَال: السلام علَيْك، رَدَّ في جوابه بالرَّحْمَة، وإذا ذكر السلام والرَّحْمة في الابْتِدَاءِ، زِيدَ في جَوابِه البَرَكَة وإذا ذكر الثلاثة في الابتداء، أعادها في الجَوَاب. رُوي: حديث : أن رَجُلاً قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم السلام عليك يا رسُول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وعَلَيْك السلام ورحْمَة اللَّه وبَرَكَاته، وآخر قال: السلام عليك وَرَحْمة الله، فقال: وعليك السَّلام ورَحْمَة اللَّه وبركاته، وجاء ثَالثٌ وقال: السَّلام عليك وَرحْمَة اللَّه وبركَاتُه: فقال - عليه الصلاة والسلام -: "وعَلَيْك السلام ورَحْمَة اللَّه وبَرَكَاتُه" فقال الرَّجل: نقصتني فأين قول الله: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} فقال - عليه الصلاة والسلام -: "ما تَرَكْتَ لِي فَضْلاً فَرَدَدْنَا عَلَيْكَ مَا ذَكَرْت ". تفسير : وقيل: معنى قوله: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} إذا كان الذي يُسَلِّم مُسْلِماً، "أو ردوها" رُدُّوا مثلها إذا كان غَيْر مُسْلِمٍ. فصل يقول المُبْتَدِئ: السلام عليكم، والمجيب يَقُول: وعليْكُم السلام، وإن شاء المُبْتَدِئُ قال: سلامٌ عَلَيْكم؛ لأن التَّعْرِيف والتَّنْكير ورد في ألفاظِ القُرْآن كما تَقَدَّم، لكن التَّنْكِير أكْثَر والكل جَائِزٌ، وأما في التَّحْليل من الصَّلاة، فلا بُدَّ من الألف واللامِ بالاتِّفَاقِ. فصل قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : السُّنَّة أن يُسلِّم الرَّاكِب على المَاشي، وراكب الفَرَسِ على رَاكِب الحِمَارِ، والصَّغير على الكَبِير، والأقَلُّ على الأكْثَر، والقَائِم على القَاعِد"تفسير : . والسُّنَّةُ الجَهْر بالسَّلام؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : أفْشُوا السَّلام" تفسير : قال أبو يوسف: من قال لأخَرٍ: أقْرئ فلاناً مِنِّي السلام وَجَب عليه أنْ يَفْعَل. فصل السُّنة: إذا اسْتَقْبلك رَجَلٌ واحد فقل: سلامٌ عليْكُم، واقْصِد الرَّجُل والملكَيْن؛ فإنهما يَرُدَّان السلام عليك، ومن سَلَّم عليه المَلَكُ فقد سَلِمَ من عَذَابِ الله - تعالى -، وإذا دَخَلْت بَيْتاً خَالِياً، فَسَلِّم على من فيه من مُؤمِِنِي الجِنِّ، والسُّنَّة أن يَكُون المُبْتَدِئ بالسَّلام على طَهَارَةٍ وكذلك المُجِيبُ. روي أن رجلاً سلَّم على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو على قَضَاء الحَاجَةِ، فقام وتَيَمَّمَ ثم رَدَّ السلام، والسُّنَّةُ إذا الْتَقَى الرَّجُلاَن المبادرة بالسَّلام. فصل: المواضع التي لا يُسلَّم فيها فأما المواضع التي لا يسَلَّم فيها ثمانيةٌ: الأوَّل: قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا تبدَءُوا اليَهُود بالسَّلام"تفسير : ورخَّصَ بَعْضَ العُلَمَاءِ في ذلك إذا دَعَت إليه حَاجَة، وأما إذا سَلَّمُوا علينا، فقال أكْثَر العُلَمَاءِ: ينبغي أن يُقَال: وعليْكَ؛ لأنَّهم كانوا يَقُولون عِنْد الدُّخُولِ على الرسول - عليه الصلاة والسلام - السَّامُ عَلَيْك، فكان - عليه السلام - يَقُول: وعَلَيْكُم، فجرت السُّنَّةُ بذلك، فإذا قُلْنَا: وعليْكُم السَّلام، فهل يجوز ذِكْر الرَّحْمَة؟ قال الحَسَن: يجُوز أن يُقال للكافِرِ: وعَلَيْكُم السلامَ، ولكن لا يُقَال: ورَحْمَة اللَّهِ؛ لأنها اسْتِغْفَارٌ. وعن الشَّعبيِّ؛ أنه قال لِنَصْرانيّ وعليْك السَّلام ورَحْمَة اللَّه، فقيل له فيه، فقال: ألَيْس في رَحْمَة اللَّه [يَعِيشُ]. الثاني: إذا دَخَل يوم الجُمْعَة والإمَامُ يَخْطُب، فلا يَنْبَغي أن يُسَلِّم؛ لاشتغال النَّاس بالاسْتِمَاع، فإن سَلَّم فرد بَعْضُهُم فلا بَأس، ولو اقْتَصَرُوا على الإشَارة، كان أحْسَن. الثالث: إذا دخل الحَمَّام [فرأى] النَّاس متَّزرين يُسَلِّم عليهم، وإن لم يكُونُوا متَّزرين، لم يُسَلِّم عليهم. الرابع: ترك السَّلام على القَارِئ؛ لأنه يقطع عليه التِّلاوة؛ وكذلك روايَة الحَدِيث. الخَامِس: لا يُسَلَّم على المُشْتَغِل بالأذَان والإقَامَةِ. السادس: لا يسَلَّم [على] لاعب النَّرْدِ، ولا المغَنِّي، ولا مُطَيِّر الحَمَامِ، ولا المشتغل بِمَعْصِيَة اللَّهِ. السَّابِع: لا يُسَلَّم على المُشْتَغِل بقضاء الحَاجَةِ؛ لما تقدّم من الحَدِيث، وقال في آخِرِه: "حديث : لَولاَ أنِّي خَشِيتُ أنْ يَقُولَ: سَلَّمْت علَيْه فَلَمْ يَرُدَّ الجَوَاب، وإلا لَمَا أجِبْتُك، إذا رَأيْتَنِي على هذه الحَالَةِ، فلا تُسَلِّم، فإنك إن سَلَّمْت لم أرُدَّ عَلَيْك ". تفسير : الثَّامن: إذا دخل الرَّجُل بَيْتَه فَيُسَلِّم على امْرأته، وإن حَضَرت أجْنَبِيَّة، [لم] يسلم عَلَيْهِمَا. قال القرطبي: ولا يُسَلِّم على النِّسَاء الشَّابات الأجَانِب؛ خوف الفِتْنَة من مُكَالَمَتِهِن بنزعة شَيْطَانٍ أو خائنة عَيْنٍ، وأما المَحَارِمُ والعجائز فَحَسَنٌ. فصل والرَّدُّ فرض كِفَايَة؛ إذا قام به البَعْض سَقَطَ عن البَاقِين، والأوْلى للكُلِّ أن يحيُّوا؛ إذ الرد وَاجِبٌ [على الفَوْر] فإن أخَّر حتى انْقَضى الوَقْت، وأجابه بعد فَوْت [الوقت]، كان ابْتِداء سَلاَمٍ ولا جَوَاباً، وإذا وَرَد السلام في كِتَاب، فجوابه وَاجِبٌ بالكِتَاب أيْضاً للآية، وإذا سَلَّمت المَرْأة الأجْنَبيَّة عَلَيْه، وكان في رد الجَوَابِ عليها تُهْمَةٌ أو فِتْنَةٌ، لم يجب الردّ، بل الأوْلَى ألاّ يفعل وحيث قُلْنَا: لا يُسَلِّم، فلو سَلَّم لم يجب الرَّدُّ؛ لأنه أتَى بِفِعْل منهِيٍّ عَنْه، فكان وجوده كَعَدَمِه. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} قيل: الحَسيب بمعنى المُحَاسِبِ على العَمَل؛ كالأكيل والشَّرِيب والجَليسِ، بمعنى: المؤاكِل والمُشَارِب والمُجَالِس، أي: على كل شَيْءٍ من ردِّ السلام بِمثلِهِ وبأحْسن مِنْهُ، "حسيباً": أي: مُحَاسِباً ومُجَازِياً، وقيل: بمعنى الكَافِي من قَوْلهم: حَسْبي كَذَا، أي: كافياً، قاله أبُو عُبَيْدَة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : حَسْبِيَ ٱللَّهُ} تفسير : [التوبة: 129]، وقال مُجَاهِد: حَفِيظاً.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن سلمان الفارسي قال‏:‏ ‏‏ "حديث : ‏جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليك يا رسول الله فقال‏:‏ وعليك ورحمة الله، ثم أتى آخر فقال‏:‏ السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله‏.‏ فقال‏:‏ وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر فقال‏:‏ السلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏ فقال له‏:‏ وعليك‏.‏ فقال له الرجل‏:‏ يا نبي الله - بأبي أنت وأمي - أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي‏؟‏‏!‏ فقال‏: إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله ‏{‏وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها‏}‏ فرددناها عليك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة ‏"حديث : ‏أن رجلاً مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال‏:‏ سلام عليكم‏.‏ فقال‏:‏ عشر حسنات‏.‏ فمر رجل آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله‏.‏ فقال‏:‏ عشرون حسنة‏.‏ فمر رجل آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏ فقال‏:‏ ثلاثون حسنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏حديث : جاء رجل فسلم فقال‏:‏ السلام عليكم‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ عشر‏.‏ فجاء آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ عشرون‏.‏ فجاء آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏ فقال‏:‏ ثلاثون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من قال‏:‏ السلام عليكم كتب الله له عشر حسنات، فإن قال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثين حسنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والدرامي وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي عن عمران بن حصين ‏"‏حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليكم‏.‏ فرد عليه وقال‏:‏ عشر‏.‏ ثم جاء آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله‏.‏ فرد عليه ثم جلس فقال‏:‏ عشرون‏.‏ ثم جاء آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏ فرد عليه ثم جلس فقال‏:‏ ثلاثون ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني قال‏:‏ ‏‏ "‏حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه زاد، ثم أتى آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله ورحمته وبركاته ومغفرته‏.‏ فقال‏: أربعون‏.‏ قال‏:‏ هكذا تكون الفضائل ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي ‏ {‏وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها‏} ‏ يقول‏‏ ‏"‏إذا سلم عليك أحد فقل أنت‏:‏ وعليك السلام ورحمة الله، أو تقطع إلى السلام عليك كما قال لك‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء في قوله ‏ {‏وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها‏} ‏ قال‏:‏ ذلك كله في أهل الإسلام‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر. أنه كان إذا سلم عليه إنسان رد كما يسلم عليه، يقول‏:‏ السلام عليكم‏.‏ فيقول عبد الله‏:‏ السلام عليكم‏.‏ وأخرج البيهقي أيضاً عن عروة بن الزبير. أن رجلاً سلم عليه فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏ فقال عروة: ما ترك لنا فضل، إن السلام انتهى إلى وبركاته‏.‏ وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال‏:‏ كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد، فاتيته فقلت‏:‏ السلام عليكم‏.‏ فقال‏:‏ السلام: عليكم ورحمة الله، ثم أتيته مرة أخرى فقلت‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله‏.‏ فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم أتيته مرة أخرى فقلت‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏ فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيب صلواته‏.‏ وأخرج البيهقي من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله ‏ {‏فحيوا بأحسن منها‏} ‏ قال‏:‏ تقول إذا سلم عليك أخوك المسلم فقال‏:‏ السلام عليك‏.‏ فقل‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله ‏ {‏أو ردوها‏} ‏ يقول‏:‏ إن لم تقل له السلام عليك ورحمة الله فرد عليه كما قال‏:‏ السلام عليكم كما سلم، ولا تقل وعليك‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق يونس بن عبيد عن الحسن في الآية قال ‏ {‏أحسن منها‏} ‏ للمسلمين ‏ {‏أو ردوها‏}‏ على أهل الكتاب قال‏:‏ وقال الحسن‏:‏ كل ذلك للمسلم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول ‏ {‏وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها‏} ‏‏.‏ وأخرج البخاري في الأدب وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ لو أن فرعون قال لي‏:‏ بارك الله فيك‏.‏ لقلت‏:‏ وفيك بارك الله‏.‏ وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن جرير عن الحسن قال‏:‏ السلام تطوّع، والرد فريضة‏. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض‏:‏ فافشوه بينكم، وإذا مر رجل بالقوم فسلم عليهم فردوا كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم السلام، وإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأفضل ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن مسعود‏.‏ موقوفا‏ً.‏ وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض، فافشوا السلام بينكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض، فافشوه بينكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ السلام اسم من أسماء الله، فإذا أنت أكثرت منه أكثرت من ذكر الله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن السلام اسم من أسماء الله جعله بين خلقه، فإذا سلم المسلم على المسلم فقد حرم عليه أن يذكره إلا بخير ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أفشوا السلام بينكم فإنها تحية أهل الجنة، فإذا مر رجل على ملأ فسلم عليهم كان له عليهم درجة وإن ردوا عليه، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم الملائكة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ السلام أمان الله في الأرض‏. وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من بدا بالسلام فهو أولى بالله ورسوله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في الأدب وابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين"‏تفسير : .‏ ولفظ ابن مردويه قال‏:‏ "حديث : إن اليهود قوم حسد، وإنهم لن يحسدوا أهل الإسلام على أفضل من السلام، أعطانا الله في الدنيا وهو تحية أهل الجنة يوم القيامة، وقولنا وراء الإمام آمين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الحارث بن شريح. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن المسلم أخو المسلم، إذا لقيه رد عليه من السلام بمثل ما حياه به أو أحسن من ذلك، وإذا استأمره نصح له، وإذا استنصره على الأعداء نصره، وإذا استنعته قصد السبيل يسره ونعت له، وإذا استغاره أحد على العدو أغاره، وإذا استعاره الحد على المسلم لم يعره، وإذا استعاره الجنة أعاره لا يمنعه الماعون‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله وما الماعون‏؟‏ قال‏:‏ الماعون في الحجر والماء والحديد‏.‏ قالوا‏:‏ وأي الحديد‏؟‏ قال‏:‏ قدر النحاس وحديد الفاس الذي تمتهنون به‏.‏ قالوا‏:‏ فما هذا الحجر‏؟‏ قال‏:‏ القدر من الحجارة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إذا التقى المؤمنان فسلم كل واحد منهما على صاحبه وتصافحا، كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشراً لصاحبه ونزلت بينهما مائة رحمة، للبادي تسعون وللمصافح عشر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الحسن. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت منطلق الوجه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي أمامة. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأماناً لأهل ذمتنا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، وإذا مر بالقوم فسلم منهم واحداً أجزأ عنهم، وإذا رد من الآخرين واحد أجزأ عنهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمرو قال‏:‏ ‏"‏مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن سعيد بن أبي هلال الليثي قال‏:‏ سلام الرجل يجزي عن القوم، ورد السلام يجزي عن القوم‏.‏ وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ إني لأرى جواب الكتاب حقاً، كما أرى حق السلام‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة في قوله ‏ {‏وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها‏}‏ قال‏:‏ ترون هذا في السلام وحده‏؟‏ هذا في كل شيء، من أحسن إليك فأحسن إليه وكافئه، فإن لم تجد فادع له أو أثن عليه عند إخوانه‏.‏ وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏إن الله كان على كل شيء‏} ‏ يعني من التحية وغيرها ‏ {‏حسيبا‏ً} ‏ يعني شهيدا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏حسيبا‏ً}‏ قال‏:‏ حفيظا‏ً.

التستري

تفسير : قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ}[86] يعني زيادة على سلامه الصادر بالنصح لله تعالى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : السلام اسم من أسماء الله تعالى أظهره في أرضه، فأفشوه بينكم ".

القشيري

تفسير : تعليم لهم حُسْنَ العِشْرة وآداب الصحبة. وإن من حمَّلَكَ فَضلاً صار ذلك - في ذمتك - له قرضاً، فإمَّا زِدْتَ على فِعله وإلاَّ فلا تنقص عن مثله.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا حييتم بتحية} التحية مصدر من حيى كالتسمية من سمى اصلها تحيية كتفعلة واصل الاصل تحييى بثلاث ياآت فحذفت الأخيرة وعوض عنها تاء التأنيث وادغمت الاولى فى الثانية بعد نقل حركتها الى الحاء واصل التحية الدعاء بالحياة وطولها ثم استعملت فى كل دعاء لان الدعاء بالخير لا يخلو شىء منه عن الدعاء بنفس الحياة او بما هو السبب المؤدى الى قوتها وكمالها او بما هو الغاية المطلوبة منها وكانت العرب اذا لقى بعضهم بعضا يقول حياك الله اى جعل الله لك حياة واطال حياتك ويقول بعضهم عش الف سنة. ثم استعملها الشرع فى السلام وهى تحية الاسلام قال تعالى {أية : فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله} تفسير : [النور: 61]. قيل تحية النصارى وضع اليد على الفم وتحية اليهود الاشارة بالاصابع وتحية المجوس الانحناء. وفى السلام مزية على تحية العرب وهى حياك الله لما انه دعاء بالسلامة من الآفات الدينية والدنيوية فانه اذا قال الانسان لغيره السلام عليك فقد دعا فى حقه بالسلامة منها ويتضمن الوعد بسلامة ذلك الغير وامانه منه كأنه قال انت سليم منى فاجعلنى سليما منك والسلامة مستلزمة لطول الحياة وليس فى الدعاء بطول الحياة ذلك ولان السلام من اسمائه تعالى فالبداية بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته ومعنى الآية اذا سلم عليكم من جهة المؤمنين {فحيوا بأحسن منها} اى بتحية احسن منها بان تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله ان اقتصر المسلم على الاول وبان تزيدوا وبركاته ان جمعها المسلم وهو ان يقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته منتهى الامر فى السلام لكونه مستجمعا لجميع فنون المطالب التى هى السلامة من المضار ونيل المنافع ودوامها ونمائها ولهذا اقتصر على هذا القدر فى التشهد ـ روى ـ عنه عليه السلام انه قال "حديث : من قال السلام عليكم كتب له عشر حسنات ومن قال السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة ومن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة " .تفسير : والمبتدىء بالسلام ان شاء يقول السلام عليكم وان شاء يقول سلام عليكم لان كل واحد من التعريف والتنكير وارد فى الفاظ القرآن قال الله تعالى {أية : والسلام على من اتبع الهدى}تفسير : [طه: 47]. {أية : وسلام على عباده الذين اصطفى} تفسير : [النمل: 59]. لكن التنكير اكثر والكل جائز. واما التحليل من الصلاة فلا بد فيه من الالف واللام بالاتفاق ومعنى الجمع فى السلام عليكم الخطاب الى الرجل والملكين الحافظين معه فانهما يردان السلام ومن سلم عليه الملك فقد سلم من عذاب الله تعالى {او ردوها} اى ردوا مثلها واجيبوا به لان رد عينها محال فحذف المضاف نحو {أية : واسأل القرية}تفسير : [يوسف: 82]. قال فى الكشاف رد السلام ورجعه جوابه بمثله لان المجيب يرد قول المسلم ويكرر ـ وروى ـ "حديث : ان رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك فقال "وعليك السلام ورحمة الله" وقال الآخر السلام عليك ورحمة الله فقال "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" وقال الآخر السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال "وعليك" فقال الرجل نقصتنى فأين ما قال الله وتلا الآية (اى أين رد الاحسن المذكور فى الآية) فقال عليه السلام "انك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثله" " .تفسير : فيكون قوله عليه السلام وعليك اى وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من قبيل رد المثل وجواب التسليم واجب وانما التخيير بين الزيادة وتركها. قال ابو يوسف من قال لآخر اقرىء فلانا منى السلام وجب عليه ان يفعل واذا ورد سلام فى كتاب فجوابه واجب بالكتاب للآية {ان الله كان على كل شىء حسيبا} الحسيب بمعنى المحاسب على العمل كالجليس بمعنى المجالس اى انه تعالى كان على كل شىء من اعمالكم سيما رد السلام بمثله او باحسن منه محاسبا مجازيا فحافظوا على مراعاة التحية حسبما امرتم به. فالجمهور على ان الآية فى السلام فالسنة ان يسلم الراكب على الماشى وراكب الفرس على راكب الحمار والصغير على الكبير والقليل على الكثير ويسلم على الصبيان وهو افضل من تركه. قال فى البستان وبه نأخذ ويسلم على اهل بيته حين يدخله فان دخل بيتا ليس فيه احد فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فان الملائكة ترد عليه السلام ويسلم على القوم حين يدخل عليهم وحين يفارقهم ايضا فمن فعل ذلك شاركهم فى كل خير عملوه بعده. قال القرطبى ولا يسلم على النساء الشابات الاجانب خوف الفتنة من مكالمتهن بنزغة شيطان او خائنة عين. واما السلام على المحارم والعجائز فحسن ويسلم على اهل الاسلام من عرف منهم ومن لم يعرف. ولا يسلم على لاعب النرد والشطرنج والمغنى والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعارى فى الحمام وغيره. قال ابن الشيخ فى حواشيه ومن دخل الحمام ورأى الناس متزرين يسلم عليهم وان لم يكونوا متزرين لا يسلم عليهم لانه لا يسلم على المشتغل بمعصية انتهى لكن قال الام الغزالى فى الاحياء لا يسلم عند الدخول اى فى الحمام وان سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل يسكت ان اجاب غيره وان احب ان يجيب قال عافاك الله ولا بأس ان يفتتح الداخل ويقول عافاك الله لابتداء الكلام انتهى ولا يرد القاضى اذا سلم عليه الخصمان وكذا لا يسلم القاضى على الخصوم اذا جلس للحكم لتبقى الهيبة وتكثر الحشمة وبهذا جرى الرسم بان الولاة والامراء لا بأس بان لا يسلموا اذا دخلوا فالمحتسب لا يسلم على اهل السوق فى طوافه للحسبة ليبقى على الهيبة. وقال بعضهم لا يسع القاضى والوالى والامير ترك السلام اذا دخلوا لانه سنة فلا يسعهم ترك السنة بسبب تقلد العمل وكذا المتصدق اذا سلم عليه السائل او ان سؤاله لا يرد وكذا من له ورد من القرآن والدعوات فسلم عليه احد فى حال ورده لا يرد وكذا اذا جلس فى المسجد للتسبيح او للقراءة او لانتظار الصلاة واذا دخل الزائر فى المسجد فسلم عليه احد من الداخلين فى المسجد يجوز واذا لم يكن فى المسجد يجوز واذا لم يكن فى المسجد احد الا من يصلى ينبغى ان يقول الداخل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولا يسلم فانه تكليف جواب فى غير محله حتى لا يرده قبل الفراغ وبعده وهو الصحيح. ولا يبادر بالسلام على الذمى الا لضرورة او حاجة له عنده ولا بأس بالدعاء للكافر والذمى بما يصلحه فى دنياه. قال ابن الملك الدعاء لاهل الكتاب بمقابلة احسانهم غير ممنوع لما روى ان يهوديا حلب للنبى عليه السلام لقحة فقال عليه السلام "حديث : اللهم جمله " .تفسير : فبقى سواد شعره الى قريب من سبعين سنة. قال النووى الصواب ان ابتداء اهل الكتاب بالسلام حرام لانه اعزاز ولا يجوز اعزاز الكفار. وقال الطيبى المختار ان المبتدع لا يبدأ بالسلام ولو سلم على من لا يعرفه فظهر ذميا او مبدعا يقول استرجعت سلامى تحقيرا له. واما الاكل مع الكافر فان كان مرة او مرتين لتأليف قلبه على الاسلام فلا بأس فانه صلى الله عليه وسلم اكل مع كافر مرة فحملناه على انه كان لتأليف قلبه على الاسلام ولكن تكره المداومة عليه كما فى نصاب الاحتساب. وفيه ايضا هل يحتسب على المسلم اذا شارك ذميا الجواب نعم اما فى المفاوضة فلأنها غير جائزة بين المسلم والذمى فكان الاحتساب عليه لدفع التصرف الفاسد. واما فى العنان فلأنها مكروهة بين المسلم والذمى من شرح الطحاوى فكان الاحتساب لدفع المكروه واذا سلم الذمى فقل عليك بلا واو وهو الرواية من الثقات او عليك مثله. قال فى الكشف ولا يقال لاهل الذمة وعليكم بالواو لانها للجمع وقال عليه السلام "حديث : اذا سلم عليكم احد من اليهود فانما يقول السام عليكم فقل عليك " .تفسير : اى عليك مثله "حديث : ـ روى ـ انه عليه السلام اتاه ناس من اليهود فقالوا السام عليكم يا ابا القاسم فقال "عليكم" فقالت عائشة بل عليكم السام والزام فقال عليه السلام "يا عائشة ان الله لا يحب الفحش والتفحش" قالت فقلت اما سمعت ما قالوا قال "أو ليس قد رددت عليهم فيستجاب لى فيهم ولا يستجاب لهم فى" " .تفسير : والسنة الجهر فى السلام لقوله عليه السلام "حديث : افشوا السلام " .تفسير : وعن ابى حنيفة رحمة الله عليه لا يجهر بالرد يعنى الجهر الكثير ـ وحكى ـ ان سياحا دخل على عالم فسلم عليه فرد عليه السلام وخافت ثم دخل عليه غنى فسلم فرد عليه الجواب وجهر فصاح السياح وقال رحمك الله ما تقول فى السلام أعلى نوعين ام على ثلاثة انواع فقال لا بل على نوع واحد فقال ايد الله الفقيه ارى السلام ههنا على نوعين فتحير الفقيه وخجل فى نفسه فقال ايد الله الفقيه اسألك مسألة ما تقول فيمن حلف لا يدخل الدار التى بنيت بغير سنة فدخل دارك هذه أيحنث ام لا فسكت الفقيه فلم يجبه فقال تلاميذ الفقيه للسياح اخرج فانك شغلتنا فقال ايها الشبان ما مثله ومثلكم الا كمثل ضال ضل طريقه فجعل يسترشد من ضال مثله ارشده ام لا فهذا استاذكم ضل طريق الآخرة وانتم جئتم تطلبون منه ان يرشدكم فأنى يرشدكم ثم خرج كذا فى روضة العلماء: قال الصائب شعر : زبى دردان علاج درد خود جستن بان ماند كه خار ازبا برون آردكسى بانيش عقربها تفسير : الى هنا كلام الاحياء فاذا بلغ المقابر ومر بها قال وعليكم السلام اهل الديار من المسلمين والمؤمنين رحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين منا انتم لنا سلف ونحن لكم تبع وانا ان شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفى الحديث "حديث : ما من عبد يمر بقبر رجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه الا عرفه ورد عليه السلام " .تفسير : قال ابن السيد على فى شرح الشرعة وعل المراد انه يرد السلام بلسان الحال لا بلسان المقال يؤيده فى بعض الاخبار من انهم يتأسفون على انقطاع الاعمال عنهم حتى يتحسرون على رد السلام وثوابه انتهى. قال الامام السيوطى رحمه الله الاحاديث والآثار تدل على ان الزائر متى جاء علم به المزور وسمع كلامه وأنس به ورد عليه وهذا عام فى حق الشهداء وغيرهم وانه لا توقيت فى ذلك وهو الاصح لان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع لامته ان يسلموا على اهل القبور سلام من يخاطبون من يسمع ويعقل. قال ارباب الحقيقة للروح اتصال بالبدن بحيث يصلى فى قبره ويرد على المسلم عليه وهو فى الرفيق الاعلى ومقره فى عليين ولا تنافى بين الامرين فان شأن الارواح غير شأن الابدان وانما يأتى الغلط هنا من قياس الغائب على الشاهد فيعتقد ان الروح مما يعهد من الاجسام التى اذا شغلت مكانا لم يمكن ان تكون فى غيره. وقد مثل بعضهم بالشمس فى السماء وشعاعها فى الارض كالروح المحمدى يرد على من يصلى عليه عند قبره دائما مع القطع بان روحه فى اعلى عليين وهو لا ينفك عن قبره كما قال عليه السلام "حديث : ما من مسلم يسلم على الا رد الله علىّ روحى حتى ارد عليه السلام " .تفسير : فان قلت هل يلزم تعدد الحياة من تلك وكيف يكون ذلك. قلت يؤخذ من هذا الحديث ان النبى صلى الله عليه وسلم حى على الدوام فى البرزخ الدنيوى لانه محال عادة ان يخلوا الوجود كله من واحد يسلم على النبى عليه السلام فى ليل او نهار فقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : رد الله على روحى " .تفسير : اى ابقى الحق فى شعور حياتى الحسى فى البرزخ وادراك حواسى من السمع والنطق فلا ينفك الحس والشعور الكلى عن الروح المحمدى الكلى ليس له غيبة عن الحواس والاكوان لانه روح العالم الكلى وسره السارى: قال العطار قدس سره فى نعت النبى المختار شعر : خواجه كزهرجه كويم بيش بود درهمه جيزى همه دربيش بود وصف اودر كفت جون آيدمرا جون عرق ازشرم خون آيدمرا او فصيح عالم ومن لال او كى توانم داد شرح حال او وصف اوكى لائق اين ناكسست واصف او خالق عالم بسست انبيا از وصف توحيران شده سرشناسان نيز سركردان شده تفسير : والاشارة فى الآية {واذا حييتم بتحية} من الخير والشر {فحيوا باحسن منها} اما الخير فبخير احسن منه واما الشر فبحلم وعفو او مكافاة بالخير {او ردوها} يعنى كافئوا المحسن بمثل احسانه والمسيىء بمثل اساءته يدل عليه قوله تعالى {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورى: 40]. وقال {أية : وإن تعفوا أقرب للتقوى} تفسير : [البقرة: 237]. وقد "حديث : ورد عن النبى عليه السلام عن جبريل عن الله تعالى فى تفسير قوله {خذ العفو وائمر بالعرف واعرض عن الجاهلين} وقال النبى عليه السلام "تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطى من حرمك " .تفسير : {ان الله كان على كل شىء} من العفو والاحسان {حسيبا} محاسبا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره كذا فى التأويلات النجمية.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لجميع المكلفين، يأمرهم إذا دعى لهم انسان بطول الحياة، والبقاء والسلامة، ان يحيوهم باحسن من ذلك أو يردوا عليهم مثله. قال النحويون: أحسن ها هنا صفة لا ينصرف، لأنه على وزن افعل وهو صفة لا تنصرف والمعنى حيوا بتحية أحسن منها. والتحية: مفعلة من حييت. ومعناها ها هنا السلام قال السدي: وابن جريج وعطا، وإبراهيم: إنه إذا سلم عليك واحد من المسلمين، فسلم عليه باحسن مما سلم عليك. أو رد عليه مثل ما قال. وذلك إذا قال السلام عليك، فقل أنت وعليك السلام ورحمة الله أو تقول كما قال لك. وقال قتادة، وابن عباس، ووهب: فحيوا باحسن منها أهل الاسلام، أو ردوها على أهل الكفر والاول أقوى، لأنه روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، انه قال: إذا سلم عليك أهل الكتاب، فقولوا وعليكم. وقال الحسن، وجماعة من متقدمي المفسرين: إن السلام تطوع. والرد فرض، لقوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} وذلك أمر يقتضي الايجاب. وقوله: {إن الله كان على كل شيء حسيباً} قيل في معنى الحسيب قولان: أحدهما - قال مجاهد:، وابن أبي نجيح: معنى حسيب حفيظ وقال قوم: معناه ها هنا من قولهم: احسبني الشيء يحسبني احساباً بمعنى كفاني. ومنه قولهم: حسبي كذا وكذا أي كفاني. وقال بعضهم: الحسيب في هذا الموضع فعيل من الحساب الذي هو بمعنى الاحصاء يقال منه: حاسبت فلاناً على كذا وكذا وهو حسيبه وذلك إذا كان صاحب حسابه. قال الزجاج: معناه يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدارما يحسبه أي يكفيه. ومنه قوله: {أية : عطاء حساباً }تفسير : أي كافياً. وسمي الحساب حساباً، لأنه يعلم به ما فيه الكفاية وذكر الحسن: انه دخل على النبي (صلى الله عليه وسلم) رجل، فقال: السلام عليكم، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):حديث : وعليك السلام ورحمة الله تفسير : ، ثم دخل آخر فقال. السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):حديث : وعليك السلام ورحمة الله، وبركاته تفسير : ، ثم دخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، وبركاته، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):حديث : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته تفسير : . قال بعضهم يا رسول الله كيف هذا فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) حديث : الاولان بقيا من التحية بقية فرددتها. وهذا لم يبق منها شيئاً فرددت عليه ما قال .

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} عطف على من يشفع الى آخر الآية وجواب آخر للسّؤال السّابق وهو ما يفعل المؤمنون بمن نصحهم وان كان هو فى نفسه من الآداب المهمّة المحتاجة الى البيان لكن ادّاه بحيث يكون مرتبطاً بسابقه ليفيد تأكيداً بتقدير السّؤال، والتّحيّة فى العرف هى التّسليم لكنّ المراد منها معنىً اعمّ من التّسليم وهو ايصال الخير الى الغير بنحو الشّفقة والتّعظيم من تسليم ودعاء وثناء وتعظيم وهديّة، وكتابة فيها تعظيم وشفقة وزيارة وغير ذلك ممّا يدلّ على عظمة المحيّى فى قلب المحيّى ومحبوبيّته له، لكن اذا كان لمحض الشّفقة والمحبّة لا للاغراض الّتى فشت بين اهل الرّسوم حتّى يتأنّف العالى ظاهراً عن التّسليم على الدّانى وينتظر تسليمه ويتأنّف عن زيارته بدواً الاّ عوضاً عن زيارته، وهكذا الحال فى غيرهما فما اشتهر بين الفرس من قولهم "ديد مستحبّ؛ بازديد واجب" صحيحٌ ان لم يكن مشوباً بالاغراض الفاسدة وان كان مشوباً فالزّيادة مذمومة وعوضها ايضاً مذموم، ولذلك ورد من زار أخاه المؤمن فى بيته من غير عوضٍ ولا غرضٍ كان كمن زار الله فى عرشه، وخلوص اعمال اهل الدّنيا من الاغراض الفاسدة محال والمخالطة معهم مؤثّرة فى النّفوس الضّعيفة، فالاولى للسّالك مهما امكن ترك مخالطتهم حفظاً لنفسه عن استراق الاغراض منهم، الاّ ان تكون تقيّة لحفظ عرضٍ او مالٍ او نفس او شفقة لاصلاح حال، فانّها حينئذٍ تكون واجبة وان احتمل استراق النّفس. والمراد برّدها ليس ردّ عينها ان كانت من الاعراض الدّنيويّة فانّه لا يردّ الاحسان الاّ الحمار بل ردّ مثلها مثلاً اذا قال: سلام عليك، فقال: سلام عليك فهو ردّها، وان قال: سلام عليك ورحمة الله فهو أحسن، واحسنيّتها اعمّ من ان تكون بالزّيادة عليها او بتغيير هيئتها الى احسن منها، كما قال ابراهيم (ع) سلام فى جواب الملائكة حين قالوا سلاماً، عدولا من النّصب الى الرّفع للدّلالة على الدّوام، ويختلج ببالى ان ادوّن الرّسوم العادّية والآداب المستحبّة ان وفّقنى الله ان شاء الله ليكون السّالكون على بصيرةٍ منها، واذا ارتكبوها لا يكون عن عمى وعادةٍ صرفه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} فيحاسبكم على تحيّاتكم وقدرها يحاسبكم ايضاً على اغراضكم فيها فلا تخالطوها بالاغراض.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}. التحية: السلام قال الحسن: معنى أحسن منها: إذا قال الرجل السلام عليكم رُدَّ عليه: السلام عليكم ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله رُدَّ عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قوله: {أَوْ رُدُّوهَا}. أي: أي ردوا عليه مثل ما سلَّم، وهذا إذا سلم عليك المسلم. {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً}. ذكر بعضهم حديث : أن رسول الله كان جالساً إذ جاء رجل فقال: السلام عليكم فقال رسول الله: عشر، أي: عشر حسنات. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي عليه السلام: عشرون حسنة، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثون حسنة. ثم قال: هكذا تفاضل الناس من قعد فليسلم، ومن قام فليسلِّم. ثم قام رجل فلم يسلِّم فقال رسول الله: ما أسرع ما نسي هذا . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: إلى وبركاته انتهى السلام. ذكرو ا حديث : أن رجلاً من اليهود مر بالنبي عليه السلام فقال: السام عليكم. فقال النبي:وعليكم السلام. فأخبر جبريل النبي أنه قال: السام عليكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك. أي عليك ما قلت . تفسير : وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه .

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ}: اذا دعى لكم بدعاء حسن تسمعونه، أو بلغكم على لسان أحد أو فى كتاب مثل: السلام عليكم بدعاء، ومثل رحمكم الله، ومثل صبحكم الله بخير ونحو ذلك من الأدعية الحسنة الجائزة شرعا، فأنه يجب الرد فى كل ذلك بأحسن منه أو بمثله، ولكن رغبت السنة فى التحية بالسلام عليكم، فكان هو السنة المرغب فيها، لا يجزى فى أدائها غيره. وكان هو الواجب فى دخول البيوت، فالبدء بالسلام فى غير دخول البيوت سنة غير واجبة، وقال بعض المالكية: واجبة، وأما فى دخول البيوت قبل الدخول ففرض، والرد فى ذلك كله واجب الا لعارض، وأصل المعنى: لفظ التحية من قولك: حياك الله، الإخبار بالحياة، ثم استعمل اللفظ فى الدعاء بالحياة، ثم قيل لكل دعاء، ثم غلب السلام، ويستعمل بمعنى الملك، ومنه قيل: التحيات المباركات لله، أى الأملاك لأن من شأن مالك الأملاك العظام أن يحيى، فاستعمل فى معنى الملك، وتنكير التحية للتعميم أى بتحية. {فَحَيُّوا}: من حياكم بها ولو طفلا. {بِأَحْسَنَ مِنْهَا}: بزيادة الجهر بها، وافصاح اللفظ وبلاغته، وبزيادة على ما قال. {أَوْ رُدُّوهَا}: أى أو ردوا مثلها اليه بلا زيادة، وأما النقص فلا يجوز، وأجاز بعض اسقاط أل من السلام فى الجواب، ولو قرن بها فى البدء لا على النقص من المعنى، بل على قصد التعظيم بالتنكير، فهذا القصد تكون أحسن أن لم يقصد هذا من بدأ به، فاذا قال: السلام عليك، قال المجيب: وعليك السلام ورحمة الله، وان قال: السلام عليك ورحمة الله، قال المجيب: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته الا أنه ان كان غير متول لم يقل ورحمة الله وبركاته، ولو قاله البادىء بل يقتصر على السلام أو يزيد له ما يجوز. وقيل: يجوز أن يزيدهما ويزيد بهما خير الدنيا، وان شاء المجيب اقتصر على ما قال البادىء متول أو غيره، والظاهر أن من الزيادة أن يقول المجيب: وعليكم بلفظ الجماعة، عانيا للبادىء والملائكة الذين معه ان قال البادىء بالإفراد، وان قال بالجمع عانيا لهم أيضا كان أحسن من الإفراد، وان جمع وأفرد المجيب فقد نقص، ولا يجوز. وينبغى أن يقول: السلام عليكم يعنى الرجل والملكين، فانهما يردان السلام، ومن سلم عليه الملك فقد سلم من عذاب الله، واذا سلم على اثنين أو جماعة قال: السلام عليكم يريدهم، ويريد ملائكتهم. وروى حديث : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك، فقال صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك، فقال الرجل: انك نقصتنى فأين قول الله تعالى: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} فقال: انك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثله . تفسير : قال القاضى: وذلك لاستجماعه أقسام المطالب السلامة من المضار، وحصول النفع وثباتها، فالنهاية فى هذه الألفاظ اذا جىء بها هى لفظ بركاته، وكذا سلم رجل على ابن عباس فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته وزاد شيئا، فقال ابن عباس: ان السلام انتهى الى البركة، وكذا قال عمر وابن عمر، ودل الحديث أن الاقتصار على لفظ وعليك فى الرد ليس نقصا، فمراد الرجل بقوله: نقصتنى أنك نقصت اللفظ، فأجابه بما تضمن أن نقض اللفظ اذا تضمن اللفظ المثل، كما فى جوابه للرجل أو تضمن الزيادة ليس نقصا، وواو العطف فى الجواب أولى من تركها. وروى أبو داود والترمذى، عن عمران بن الحصين، ورواه الشيخ هود، ولم يرفعه الى عمران: حديث : أن رجلا جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه، ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: عشر، يعنى له عشر حسنات، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس فقال: عشرون، فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس: فقال: ثلاثون. تفسير : قال الترمذى: حديث حسن، زاد الشيخ هود ثم قال: هكذا تفاضل الناس من قعد فليسلم، ومن قام فليسلم، ثم قام رجل ولم يسلم، فقال رسول الله ما أسرع ما نسى هذا. وكذلك روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه لما خلق الله آدم عليه السلام قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة الجلوس فاستمع ما يحيونك به فانها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله " تفسير : . فزادوه الرحمة، ودل أن الرد يجوز أيضا بلفظ البدء بتقديم السلام على لفظ عليك، وأنه يجوز بلا واو كما يجوز بالواو، والسنة الجهر بالسلام ليسمع منه فيجاب، ومن سمع فلم يجب على الفور، وقد أمكنه الرد ثم رد، أثم بالتأخير عمدا ان كان قد قصد أن سيرد، وأما ان ترك الرد عمدا ولم يقصد أن سيرد، فانه يكفر بترك الرد عندى، وقال: من تقدم من العلماء ما قال وقد أولته الى ما قلته، والابتداء سنة كفاية، والرد فرض كفاية. قال على بن أبى طالب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : يجزى عن الجماعة اذا مروا ان يسلم أحدهم، ويجزى عن الجلوس أن يرد أحدهم " تفسير : والجلوس جمع جالس، من السنة السلام على جماعة الصبيان، روى أن أنساً مر على الصبيان فسلم عليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله رواه البخارى ومسلم، وروى أبو داود أن النبى صلى الله عليه وسلم مر على غلمان يلعبون فسلم عليهم. ويكره السلام على من شغل عن الرد كنائم وناعس، ومن فى بول وغائط أو جماع، وقيل: ان لم يكن بإزار أو صلاة أو اقامة أو أذان أو قراءة أو خطبة ومبتدع، ومعلن بظلم لا يتستر فيه، ومن فى معصية حال الميسور به، أو الالتقاء به، ولا على طاعن الدين ومانع الحق، والناشزة والآبق والقاعد على الفراش الحرام، ولا يوجب الرد على هؤلاء الا على المبتدع ومن بعده. روى أن رجلا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه وهو يبول، فلما قام لم يرد عليه. ولا يجوز أن يبدأ المسلم مشركا بالسلام عند الجمهور، وقيل: مكروه. وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تبتدىء اليهود والنصارى بالسلام، واذا سلم يهودى أو نصرانى رد عليه المسلم فقال: وعليك فانهم يدعون علينا، فيجاب لنا عليهم، ولا يجاب لهم علينا تفسير : كذا قيل، والذى عندى أنه يرد عليه بلا واو، لأنك اذا رددت بالواو قد أقررت ما دعوا علينا، وبلا واو قد استأنفت جزاءهم بمثل ما قالوا، وعن الحسن: لا تقل فى الرد على الكافر ورحمة الله، فانها استغفار، وعن الشعبى أنه رد لنصرانى وعليك السلام ورحمة الله فقيل له، فقال: أليس فى رحمة الله يعيش، ورخص بعض العلماء كالشعبى أن يبدأ الكافر بالسلام اذا دعت الحاجة لذلك. قال عطاء: الآية فى المؤمنين، وكانت تحية العرب: عم صباحا، حياك الله، والنصارى وضع اليد على الفم، واليهود الاشارة بالأصابع، والمجوس الانحناء والمسلمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أولى الناس بالله من بدأ بالسلام " تفسير : قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حديث : ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الاسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" تفسير : وقالت فرقة: معنى الآية اذا حييتم بتحية فان نقص المسلم من النهاية فحيوا بأحسن منها، وان انتهى فردوها كذلك، وزعم بعض والشافعى فى القديم: أن التحية العطية، فأحيوا رد ما أعطى أو الثواب وهو خطأ لكونه خلاف الظاهر، ولأنه داع من الله على زعمه أن يعطى أكثر مما أخذ، وأن يقصد المعطى أن يزاد، وذلك باب من الربا، وانما يجوز للمعطى أن يريد نفلا لا قصدا للربا، ولا اساءة لقصد قاصده. {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ حَسِيباً}: أى محاسبا على كل شىء من التحية وردها بأحسن أو بمثلها، وعدم الرد فيجازى خيرا على الرد، وشرا على عدمه، كما مر أن ترك الرد ذنب كبير، فحسيب بمعنى محاسب، كالأكيل بمعنى المواكل، والجليس بمعنى المجالس، وقيل: الحسيب بمعنى الكافى، كما تقول حسبك درهم أى يكفيك وقيل بمعنى الحفظ.

اطفيش

تفسير : {وَإذَا حُيّيِتُمْ بِتَحِيَّةٍ} جائزة شرعاً، سلام أو غيره واختار النبى صلى الله عليه وسلم السلام عليكم وجعله حسنة مؤكدة عند الملاقاة، وقيل واجبة، وأما عند دخول بيوت غيركم فالسلام واجب بنص القرآن، وقال الجمهور: المراد إذا حييتم بلفظ من ألفاظ السلام، مثل السلام عليكم، وسلام عليكم، وعليكم السلام، وعليكم سلام، وعليكَ وعليكِ وعليكما وعليكن بجواز الجمع والتذكير ولو مع المفرد المؤنث لقصد الملائكة، والسلام عليكم ورحمة الله، وينبغى الجمع فى الفرد والاثنين ليعم الملائكة بقصده فيجيبوا، ودعاؤهم لا يرد، والتحية تفعلة أصله تحيية بإسكان الحاء وكسر الياء الأولى وفتح الثانية، نقلت كسرتها للحاء وأدغمت فى الثانية، وأصل هذا تحيى بوزن تعليم وتقديس، حذفت الياء الثانية وبقيت الأولى والثالثة، وعوضت التاء عنها، وأصل معناه دعاء ببقاء الحياة ثم جعل دعاء بالخير، وكل خير معه حياة، وقيل المراد العطية، وهو قول قديم للشافعى ببغداد أو بمصر فجديد، فيكافىء بأفضل أو بالمثل، ويقال تحية النصارى وضع اليد على الفم، وبعض منه بالكف، واليهود الإشارة بالأصابع، والمجوس الانحناء والعرب، عم صباحا، وحياك الله، وبعد الإسلام السلام عليكم {فَحَيُّوا} من حياكم، ويكفى رد الصبى والمرأة والعبد، وقيل فى الشابة المشتهاة إنه لا يجزى ردها، ولا يجزى رد المشرك، وقيل يجزى {بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} إن كان من سلم عليكم مؤمناً، وقال البخارى: فى الأدب، وابن أبى شيبة مطلقاً، ويعنى للمشرك أمر الدنيا كما قال الشعبى {أَوْ رُدُّوهَآ} ردوا مثلها، فأحسن منها، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ورد مثلها وعليك السلام، حديث : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك، فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وقال آخر السلام عليك ورحمة الله، فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك، فقال نقصتنى فأين، ما قال الله تعالى؟ وتلا الآية فقال: إنك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثلهتفسير : ، والرجل توهم أن الزيادة لا نهاية لها ولم يدر أنها انتهت فى البركات، كما روى أن أحداً زاد لابن عباس على البركات، فقال ابن عباس انتهى فى البركات، وذلك لحصول أقسام المطالب، السلامة من الآفات وحوز المنافع وثباتها، وقيل السلام من السلم ضد الحرب، وقيل الله بمعنى رحمة الله بتقدير مضاف، وقال معاذ بزيادة ومغفرته، كما روى أبو داود والبيهقى، وزاد ابن عمر لسالم مولاه، إذ سلم عليه وطيب صلواته، رواه البخارى فى الأدب، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : السلام عليكم بعشر حسنات، والسلام عليكم ورحمة الله بعشرين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته بثلاثين"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم، أى وعليكم ما قلتم، لأنهم يقولون السام عليكم"تفسير : ، والمراد اليهود لأنهم الغاشون، وأنهم المعتادون المجاورون فى المدينة وأعمالها، ويدل له ما روى لا تبتدىء اليهودى بالسلام، وإن بدأك فقل وعليك وربما لم يرد سوءاً فلا يضرنا أن يكون عليه ما قال، وهو سلامة البدن والمال مثلا، وزعم أبو يوسف، أنه إن قيل لك أقرىء فلاناً منى السلام، وجب عليك أن تبلغه، وليس كذلك إلا إن أنعمت له، قيل أو سكت ولعله أراد هذا {إنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً} يحاسبكم على التحية والرد وغيرهما، ولا يسلم على مشتغل بالخطبة والقراءة أو الحساب أو غير ذلك، ولا من فى الحمام، وقيل إن كان بلا إزار، وفى قضاء حاجة الإنسان، أو فى معصية، - والسنة السلام فى المسجد، كما ذكر الربيع والبخارى أن الناس سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد ولم ينههم، ويرد عليهم السلام، وكثر ذلك والحمد لله، أما من رأيته يصلى أو يقرأ أو يذكر الله فى المسجد فذلك لا يسلم عليه لأجل اشتغاله، ومن لم تر منه ذلك فسلم عليه، ولو احتمل أنه فى ذكر أو قراءة كما يسلم الصحابة على النبى صلى الله عليه وسلم كان وحده أو مع الناس.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ} ترغيب كما قال شيخ الإسلام: في فرد شائع من [أفراد] الشفاعة الحسنة إثر ما رغب فيها على الإطلاق وحذر عما يقابلها من الشفاعة السيئة، فإن تحية الإسلام من المسلم شفاعة منه لأخيه عند الله عز وجل، وهذا أولى في الارتباط مما قاله الطبرسي: «إنه لما كان المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب ـ وقد تقدم ذكر القتال ـ عقبه به للإشارة إلى الكف عمن ألقى إلى المؤمنين السلم وحياهم بتحية الإسلام»، والتحية مصدر حيـي أصلها تحيية ـ [كتتمية]، وتزكية ـ وأصل الأصل تحيـي بثلاث ياءات فحذفت الأخيرة وعوض عنها هاء التأنيث ونقلت حركة الياء الأولى إلى ما قبلها، ثم أدغمت وهي في الأصل كما قال الراغب: الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضاً تقول: حياك الله تعالى، ثم استعملها الشرع في السلام، وهو تحية الإسلام قال الله تعالى: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ} تفسير : [الأحزاب: 44] وقال سبحانه: {أية : فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 61]، وفيه على ما قالوا: مزية على قولهم: حياك الله تعالى لما أنه دعاء بالسلامة عن الآفات، وربما تستلزم طول الحياة، وليس في ذلك سوى الدعاء بطول الحياة أو به وبالملك، ورب حياة الموت خير منها.شعر : ألا موت يباع فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن نفس حرّ تصدق بالممات على أخيه تفسير : وقال آخر:شعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا كاسفاً باله قليل الرجاء تفسير : ولأن السلام من أسمائه تعالى والبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته أي إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين / كما قال الحسن وعطاء، أو مطلقاً كما أخرج ابن أبـي شيبة والبخاري في «الأدب» وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا} أي بتحية أحسن من التحية التي حييتم بها بأن تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله تعالى إن اقتصر المسلم على الأول، وبأن تزيدوا وبركاته إن جمعهما المسلم وهي النهاية، فقد أخرج البيهقي عن عروة بن الزبير ـ أن رجلاً سلم عليه فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته فقال عروة: ما ترك لنا فضلاً إن السلام قد انتهى إلى وبركاته ـ وفي معناه ما أخرجه الإمام أحمد والطبراني عن سلمان الفارسي مرفوعاً وذلك لانتظام تلك التحية لجميع فنون المطالب التي هي السلامة عن المضار، ونيل المنافع ودوامها ونمائها، وقيل: يزيد المحيـي إذا جمع المحيـي الثلاثة له، فقد أخرج البخاري في «الأدب المفرد» عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد فأتيته فقلت: السلام عليكم فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى، ثم أتيته مرة أخرى فقلت: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيب صلواته، ولا يتعين ما ذكر للزيادة، فقد ورد خبر رواه أبو داود والبيهقي عن معاذ زيادة ومغفرته، فما في «الدر» من أن المراد لا يزيد على ـ وبركاته ـ غير مجمع عليه. {أَوْ رُدُّوهَا} أي حيوا بمثلها؛ و {أَوْ} للتخيير بين الزيادة وتركها، والظاهر أن الأول هو الأفضل في الجواب، بل لو زاد المسلم على السلام عليكم كان أفضل، فقد أخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من قال: السلام عليكم كتب الله تعالى له عشر حسنات فإن قال السلام عليكم ورحمة الله تعالى كتب الله تعالى له عشرين حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتب الله تعالى له ثلاثين حسنة»تفسير : وورد في معناه غير ما خبر. «وقد نصوا على أن جواب ـ السلام ـ المسنون واجب، ووجوبه على الكفاية، ولا يؤثر فيه إسقاط المسلم [لحقه] لأن الحق لله تعالى، ودليل الوجوب الكفائي خبر أبـي داود، وفي معناه ما أخرجه البيهقي عن زيد بن أسلم ولم يضعفه ـ «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزي عن الجلوس أن يردّ أحدهم» فبه يسقط الوجوب عن الباقين (ويختص بالثواب) فلو ردوا كلهم ولو مرتباً أثيبوا ثواب الواجب» وفي «المبتغى» يسقط عن الباقين برد صبـي يعقل لأنه من أهل إقامة الفرض في الجملة بدليل حل ذبيحته، وقيل: لا، وظاهر «النهاية» ترجيحه ـ وعليه الشافعية ـ قالوا: «ولو رد صبـي أو [من] لم يسمع منهم لم يسقط بخلاف نظيره في الجنازة لأن القصد ثم الدعاء، وهو منه أقرب للإجابة، وهنا الأمن، وهو ليس من أهله وقضيته أنه يجزىء تشميت الصبـي عن جمع لأن القصد التبرك والدعاء ـ كصلاة الجنازة» ـ ويسقط بردّ العجوز. وفي رد الشابة قولان عندنا، وعند الشافعية لو ردّت امرأة عن رجل أجزأ إن شرع السلام عليها وعليه فلا يختص بالعجوز بل المحرم وأمة الرجل وزوجته كذلك، وفي «تحفتهم» ويدخل في المسنون سلام امرأة على امرأة أو نحو محرم أو سيد أو زوج، وكذا على أجنبـي وهي عجوز لا تشتهى، ويلزمها في هذه الصورة ردّ سلام الرجل، أما مشتهاة ليس معها امرأة أخرى فيحرم عليها ردّ سلام أجنبـي، ومثله ابتداءُه، ويكره له رد سلامها ومثله ابتداءُه أيضاً، والفرق أن ردها وابتداءها يطمعه فيها أكثر بخلاف ابتدائه ورده؛ والخنثى مع رجل كامرأة ومع امرأة كرجل في النظر فكذا هنا، ولو سلم على جمع نسوة وجب ردّ إحداهن إذ لا يخشى فتنة حينئذٍ، ومن ثَمَّ حلت الخلوة بامرأتين، والظاهر أن الأمرد هنا كالرجل ابتداءاً وردّاً، وفي «الدر المختار» لو قال: / السلام عليك يا زيد لم يسقط برد غيره، ولو قال: يا فلان أو أشار لمعين سقط، ولو سلم جمع مترتبون على واحد فرد مرة قاصداً جميعهم، وكذا لو أطلق على الأوجه أجزأه ما لم يحصل فصل ضار، ولا بدّ في الابتداء والردّ من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع بالفعل ولو في ثقيل السمع، نعم إن مرّ عليه سريعاً بحيث لم يبلغه صوته فالذي يظهر أنه يلزمه الرفع وسعه، ولا يجهر بالرد الجهر الكثير، والمروي عن الإمام رضي الله تعالى عنه لعله مقيد بغير هذه الصورة دون العدو خلفه، واستظهر أنه لا بد من سماع جميع الصيغة ابتداءاً ورداً، والفرق بينه وبين إجابة أذان سمع بعضه ظاهر، ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالردّ، ولكن لا يزيد في الجواب على قوله: وعليك كما في «الخانية»، وروي ذلك مرفوعاً في «الصحيح»، ولا يسلم ابتداءاً على كافر لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه»تفسير : رواه البخاري؛ وأوجب بعض الشافعية ردّ سلام الذمي بعليك فقط، وهو الذي يقتضيه كلام «الروضة» لكن قال البلقيني والأذرعي والزركشي: إنه يسن ولا يجب، وعن الحسن يجوز أن يقال للكافر: وعليك السلام، ولا يقل رحمة الله تعالى فإنها استغفار، وعن الشعبـي أنه قال لنصراني سلم عليه ذلك ـ فقيل له فيه فقال: أليس في رحمة الله تعالى يعيش. وأخرج ابن المنذر من طريق يونس بن عبيد عن الحسن أنه قال في الآية: إن ـ حيوا بأحسن منها ـ للمسلمين أو ردوها لأهل الكتاب، وورد مثله عن قتادة، ورخص بعض العلماء ابتداءهم به إذا دعت إليه داعية ويؤدي حينئذٍ بالسلام، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول للذمي ـ والظاهر عند الحاجة ـ السلام عليك ويريد ـ كما قال الله تعالى عليك ـ أي هو عدوك، ولا مانع عندي إن لم يقصد ذلك من أن يقصد الدعاء له بالسلامة بمعنى البقاء حياً ليسلم أو يعطي الجزية ذليلاً، وفي «الأشباه» النص على ذلك في الدعاء له بطول البقاء، بقي الخلاف في الاتيان بالواو عند الردّ له، وعامة المحدثين ـ كما قال الخطابـي ـ بإثباتها في الخبر غير سفيان بن عيينة فإنه يرويه بغير واو، واستصوب لأن الواو تقتضي الاشتراك معه، والدخول فيما قال، وهو قد يقول السام عليكم كما يدل عليه خبر عمر رضي الله تعالى عنه، ووجه العلامة الطيبـي إثباتها بأن مدخولها قد يقطع عما عطف عليه لإفادة العموم بحسب اقتضاء المقام فيقدر هنا عليكم اللعنة، أو الغضب، وعليكم ما قلتم، ولا يخفى خفاء ذلك، وإن أيده بما ظنه شيئاً فالأولى ما في «الكشف» من أن رواية الجمهور هو الصواب وهما مشتركان في أنهما على سبيل الدعاء. ولكن يستجاب دعاء المسلم على الكافر ولا يستجاب دعاؤه عليه، فقد جاء في «الصحيح» عن النبـي صلى الله عليه وسلم حديث : لما قالت عائشة في رهط اليهود القائلين له عليه الصلاة والسلام: «السام عليك، بل عليكم السام واللعنة، أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا تكوني فاحشة، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟! قال: رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في»تفسير : ويجب في الردّ على الأصم الجمع بين اللفظ والإشارة ليعلم، بل العلم هو المدار، ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المسلم عليه بينهما، وتكفي إشارة الأخرس ابتداءاً ورداً ويجب ردّ جواب كتاب التحية كردّ السلام. وعند الشافعية يكفي جوابه كتابة ويجب فيها ـ إن لم يرد لفظاً ـ الفور فيما يظهر، ويحتمل خلافه، ولو قال لآخر: أقرىء فلاناً السلام يجب عليه أن يبلغه وعللوه بأن ذلك أمانة ويجب أداؤهما، ويؤخذ منه أن محله ما إذا رضي بتحمل تلك الأمانة أما لو ردها فلا، وكذا إن سكت أخذاً من قولهم: لا ينسب لساكت قول، / ويحتمل التفصيل بين أن تظهر منه قرينة تدل على الرضا وعدمه، وإذا قلنا بالوجوب، فالظاهر عند بعض أنه لا يلزمه قصد الموصي له بل إذا اجتمع به وذكر بلغه، وقال بعض المحققين الذي يتجه أنه يلزمه قصد محله حيث لا مشقة شديدة عرفاً عليه لأن أداء الأمانة ما أمكن واجب، وفرق بعضهم بين أن يقول المرسل: قل له فلان يقول: السلام عليك وبين ما لو قال له سلم لي، والظاهر عدم الفرق وفاقاً لما نقل عن النووي فيجب فيهما الرد ويسن الردّ على المبلغ والبداءة فيقول: وعليك وعليه السلام للخبر المشهور فيه. وأوجبوا ردّ سلام صبـي أو مجنون مميز، وكذا سكران مميز لم يعص بسكره، وقول «المجموع»: لا يجب ردّ سلام مجنون وسكران يحمل على غير المميز وزعم أن الجنون والسكر ينافيان التمييز غفلة عما صرحوا به من عدم التنافي، ولا يجب ردّ سلام فاسق أو مبتدع زجراً له أو لغيره، وإن شرع سلامه، وكذا لا يجب ردّ سلام السائل لأنه ليس للتحية بل لأجل أن يعطى، ولا ردّ سلام المتحلل من الصلاة إذا نوى الحاضر عنده على الأوجه لأن المهم له التحلل وقصد الحاضر به لتعود عليه بركته وذلك حاصل وإن لم يرد، وإنما حنث به الحالف على ترك الكلام والسلام لأن المدار فيهما على صدق الاسم لا غير، وقد نص على ذلك علماء الشافعية ولم أر لأصحابنا سوى التصريح بالحنث فيمن حلف لا يكلم زيداً فسلم على جماعة هو فيهم، وأما التصريح بهذه المسألة فلم أره، وصرح في «الضياء» بعدم وجوب الردّ لو قال المسلم: السلام عليكم بجزم الميم، وكأنه على ما في «تحفتنا» لمخالفة السنة، وعليه لو رفع الميم بلا تنوين ولا تعريف كان كجزم الميم في عدم وجوب الرد لمخالفته السنة أيضاً. وجزم غير واحد من الشافعية أن صيغة السلام ابتداءاً وجواباً عليك السلام وعكسه، وأنه يجوز تنكير لفظه وإن حذف التنوين، وأنه يجزىء سلاماً عليكم، وكذا سلام الله تعالى، بل وسلامي عليك وعكسه، واستظهر إجزاء سلمت عليك، وأنا مسلم عليك، ونحو ذلك أخذاً مما ذكروه أنه يجزىء في التشهد صلى الله تعالى على محمد والصلاة على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ونحوهما، ولا بأس فيما قالوه عندي، ولعل تفسير تحية في الآية لتشمل كل هذه الصيغ، وقال بعض الجماعة: السلام معرفة تحية الأحياء ونكرة تحية الموتى، ورووا في ذلك خبراً والشيعة ينكرون مطلقاً وينكرون. وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر وأبـي هريرة وأنس «أن السلام في السلام اسم من أسماء الله تعالى» وهذا يقتضي أولوية التعريف أيضاً فافهم، والأفضل في الرد واو قبله، ويجزىء بدونه على الصحيح، ويضر في الابتداء كالاقتصار في أحدهما على أحد جزئي الجملة، وإن نوى إضمار الآخر، وفي «الكشف» ما يؤيده، والخبر الذي فيه الاكتفاء ـ بو عليك ـ في الجواب لا يراد منه الاكتفاء على هذه اللفظة، بل المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم أجاب بمثل ما سلم به عليه، ولم يزد كما يشعر به آخره، وذكر الطحاوي أن المستحب الرد على طهارة أو تيمم، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي الجهم قال: «حديث : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحائط فوضع يده عليه ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد على الرجل السلام» تفسير : والظاهر عدم الفرق بين الرد والابتداء في ذلك، ويسن السلام عيناً للواحد وكفاية للجماعة كما أشرنا إليه ابتداءاً عند إقباله وانصرافه للخبر الصحيح الحسن «إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم السلام»، وفارق الرد بأن الإيحاش والإخافة في ترك الرد أعظم منهما في ترك الابتداء، وأفتى غير واحد بأن الابتداء أفضل ـ كإبراء المعسر أفضل من إنظاره ـ ويؤخذ من قولهم: ابتداءاً أنه لو أتى به بعد تكلم لم / يعتد به، نعم يحتمل في تكلم سهواً أو جهلاً، وعذر به أنه لا يفوت الابتداء فيجب جوابه، ومثل ذلك بل أولى لمشروعيته الكلام للاستئذان، فقد صرحوا بأنه إذا أتى دار إنسان يجب أن يستأذن قبل السلام، ويسن إظهار البشر عنده، فقد أخرج البيهقي عن الحسن قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت منطلق الوجه»تفسير : وعن عمر «إذا التقى المؤمنان فسلم كل واحد منهما على الآخر وتصافحا كان أحبهما إلى الله تعالى أحسنهما بشراً لصاحبه» ويسن عليكم في الواحد، وإن جاء في بعض الآثار بالإفراد نظراً لمن معه من الملائكة، ويقصدهم ليردوا عليه فينال بركة دعائهم، ولو دخل بيتاً ولم ير أحداً يقول: السلام علينا وعلى عباد الله تعالى الصالحين، فإن السكنة تردّ عليه، وفي «الآكام» إن في كل بيت سكنة من الجن، ويسن عند التلاقي سلام صغير على كبير، وماش على واقف أو مضطجع، وراكب عليهم، وراكب فرس على راكب حمار، وقليلين على كثيرين لأن نحو الماشي يخاف من نحو الراكب، ولزيادة نحو مرتبة الكبير على نحو الصغير، وخرج بالتلاقي الجالس والواقف والمضطجع، فكل من ورد على أحدهم يسلم عليه مطلقاً ولو سلم كل على الآخر فإن ترتبا كان الثاني جواباً أي ما لم يقصد به الابتداء وحده ـ كما قيل ـ وإلا لزم كلا الرد، وكره أصحابنا السلام في مواضع، وفي «النهر» عن صدر الدين الغزي:شعر : سلامك مكروه على من ستسمع ومن بعد ما أبدى يسن ويشرع مصل وتال ذاكر ومحدث خطيب ومن يصغى إليهم ويسمع مكرر فقه جالس لقضائه ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا مؤذن أيضاً مع مقيم مدرس كذا الأجنبيات الفتيات أمنع ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم ومن هو مع أهل له يتمتع ودع كافراً أيضاً ومكشوف عورة ومن هو في حال التغوط أشنع ودع آكلاً إلا إذا كنت جائعا وتعلم منه أنه ليس يمنع كذلك أستاذ مغن مطير فهذا ختام والزيادة تنفع تفسير : فلو سلم على هؤلاء لا يستحق الرد عند بعضهم، وأوجب بعض الرد في بعضها وذكر الشافعية أن مستمع الخطيب يجب عليه الرد، وعندنا يحرم الرد كسائر الكلام بلا فرق بين قريب وبعيد على الأصح، وكرهوه لقاضي الحاجة ونحوه كالمجامع، وسنوه للآكل كسن السلام عليه بعد البلع وقبل وضع اللقمة بالفم ويلزمه الرد حينئذٍ ولمن بالحمام ونحوهما باللفظ. ورجحوا أنه يسلم على من بمسلخه ولا يمنع كونه مأوى الشياطين فالسوق كذلك والسلام على من فيه مشروع، وإن اشتغل بمساومة ومعاملة ومصل ومؤذن بالإشارة، وإلا فبعد الفراغ إن قرب الفصل، وحرموا الرد على من سلم عليه نحو مرتد وحربـي، وندبه بعضهم على القارىء وإن اشتغل بالتدبر، وأوجب الرد عليه، ومحله في متدبر لم يستغرق التدبر قلبه وإلا لم يسن ابتداءاً، ولا جواب كالداعي المستغرق لأنه الآن بمنزلة غير المميز، بل ينبغي فيمن استغرقه الهم كذلك أن يكون حكمه ذلك، وصرحوا أيضاً بعدم السلام على فاسق بل يسن تركه على مجاهر بفسقه، ومرتكب ذنب عظيم لم يتب عنه، ومبتدع إلا لعذر أو خوف مفسدة، وعلى ملب وساجد وناعس ومتخاصمين بين يدي قاض، وأفتى بعضهم بكراهة حني الظهر، / وقال كثيرون: حرام للحديث الحسن أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وعن التزام الغير وتقبيله، وأمر بمصافحته ما لم يكن ذمياً، وإلا فيكره للمسلم مصافحته بل يكفر إن قصد التبجيل كما يكفر بالسلام عليه كذلك. وأفتى البعض أيضاً بكراهة الانحناء بالرأس وتقبيل نحو الرأس أو يد أو رجل لا سيما لنحو غني لحديث: «حديث : من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه» تفسير : وندب ذلك لنحو صلاح أو علم أو شرف لأن أبا عبيدة قبّل يد عمر رضي الله تعالى عنهما، ولا يعدّ ـ نحو صبحك الله تعالى بالخير، أو قواك الله تعالى ـ تحية ولا يستحق مبتدأ به جواباً، والدعاء له بنظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام ونحو مرحباً مثل ذلك في ذلك، وذكر أنه لو قال المسلم السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال الراد: عليك السلام فقط أجزأه لكنه خلاف الأولى، وظاهر الآية خلافه إذ الأمر فيها دائر بين الجواب بالأحسن والجواب بالمثل، وليس ما ذكر شيئاً منهما، وحمل التحية على السلام هو ما ذهب إليه الأكثرون من المحققين وأئمة الدين، وقيل: المراد بها الهدية والعطية، وأوجب القائل العوض أو الرد على المتهب ـ وهو قول قديم للشافعي ـ ونسب أيضاً لإمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، وعلل ذلك بعضهم بأن السلام قد وقع فلا يرد بعينه فلذا حمل على الهدية وقد جاء إطلاقها عليها، وأجيب بأنه مجاز كقول المتنبـي:شعر : قفى تغرم الأولى من اللحظ مقلتي بثانية والمتلف الشيء غارمه تفسير : وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عيينة أنه قال في الآية: أترون هذا في السلام وحده هذا في كل شيء من أحسن إليك فأحسن إليه وكافه، فإن لم تجد فادع له واثن عليه عند إخوانه، ولعل مراده رحمه الله تعالى قياس غير السلام من أنواع الإحسان عليه لأن المراد من التحية ما يعم السلام وغيره لخفاء ذلك، ولعل من أراد الأعم فسرها بما يسدى إلى الشخص مما تطيب به حياته {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَسِيباً} فيحاسبكم على كل شيء من أعمالكم؛ ويدخل في ذلك ما أمروا به من التحية دخولاً أولياً. هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ} أنفسهم {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} فيهلكونها بسيوف المجاهدة ليصلوا إليه تعالى شأنه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ} عقولهم وينازعونها {فِى سَبِيلِ} طاغوت أنفسهم ليحصلوا اللذات ويغنموا في هذه الدار الفانية أمتعة الشهوات {فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ} وهي القوى النفسانية أو النفس وقواها {أية : إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 76] فوليه ضعيف عاذ بقرملة {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ} أي قال لهم المرصدون {كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} عن خاربة الأنفس الآن قبل أداء رسوم العبادات {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} والمراد بها إتعاب البدن بأداء العبادة البدنية {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} والمراد بها إتعاب القلب بأداء العبادة المالية فإذا تم لكم ذلك فتوجهوا إلى محاربة النفس فإن محاربتها قبل ذلك بغير سلاح، فإن هذه العبادات الرسمية سلاح السالكين فلا يتم لأحد تهذيب الباطن قبل إصلاح الظاهر {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} حين أداء ما أمروا بأدائه {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ} لضعف استعدادهم {يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} فلا يستطيعون هجرهم، ولا ارتكاب ما فيه ذل نفوسهم خشية اعتراضهم عليهم، أو إعراضهم عنهم، {وَقَالُواْ} بلسان الحال: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} الآن {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} وهو الموت الاضطراري، فالمنية ولا الدنية، وهذا حال كثير من الناسكين يرغبون عن السلوك وتحمل مشاقه مما فيه إذلال نفوسهم وامتهانها خوفاً من الملامة، واعتراض الناس عليهم فيبقون في حجاب أعمالهم ـ ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون ـ {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} / فلا ينبغي أن يلاحظوا الناس في تركه وعدم الالتفات إليه {وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ} فينبغي أن يتحملوا الملامة في تحصيلها {أية : وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} تفسير : [النساء: 77] مما كتب لكم فينبغي عدم خشية سوى الله تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} وتفارقون ولا بد من تخشون فراقه إن سلكتم ففارقوهم بالسلوك وهو الموت الاختياري قبل أن تفارقوهم بالهلاك وهو الموت الاضطراري {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} أي أجساد قوية:شعر : فمن يك ذا عظم صليب رجابه ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره تفسير : {وَإِن تُصِبْهُمْ} أي المحجوبين {حَسَنَةٌ} أي شيء يلائم طباعهم {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} فيضيفونها إلى الله تعالى من فرح النفس ولذة الشهوة لاتبعت المعرفة والمحبة {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} أي شيء تنفر عنه طباعهم وإن كان على خلاف ذلك في نفس الأمر {يَقُولُواْ} لضيق أنفسهم {هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} فيضيفونها إلى غيره تعالى ويرجعون إلى الأسباب لعدم رسوخ الإيمان الحقيقي في قلوبهم {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وهذا دعاء لهم إلى توحيد الأفعال، ونفي التأثير عن الأغيار، والإقرار بكونه سبحانه خالق الخير والشر {فَمَالِ هَٰـؤُلآءِ ٱلْقَوْمِ} المحجوبين{أية : لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 78] لاحتجابهم بصفات النفوس وارتياج آذان قلوبهم التي هي أوعية السماع والوعي، ثم زاد سبحانه في البيان بقوله عز وجل: {مَّا أَصَـابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} صغرت أو عظمت {فَمِنَ ٱللَّهِ} تعالى أفاضها حسب الاستعداد الأصلي {وَمَا أَصَـابَكَ مِن سَيّئَةٍ} حقرت أو جلت {فَمِن نَّفْسِكَ} أي من قبلها بسبب الاستعداد الحادث بسبب ظهور النفس بالصفات والأفعال الحاجبة للقلب المكدرة لجوهره حتى احتاج إلى الصقل بالرزايا والمصائب والبلايا والنوائب، لا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} فأنت الرحمة لهم فلا يكون من عندك شر عليهم {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 79] على ذلك {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] لأنه صلى الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه للخلق، وقال بعض العارفين: إن باطن الآية إشارة إلى عين الجمع {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} ليرشدهم إلى أنك رسول الله تعالى، وأن إطاعتك إطاعته سبحانه حيث إنه مشتمل على الفرق والجمع، وقيل: ألا يتدبرونه فيتعظون بكريم مواعظه ويتبعون محاسن أوامره، أو أفلا يتدبرونه ليعلموا أن الله جل شأنه تجلى لهم فيه {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] أي لوجدوا الكثير منه مختلفاً بلاغة وعدمها فيكون مثل كلام المخلوقين فيكون لهم مساغ إلى تكذيبه وعدم قبول شهادته، أو القول بأنه لا يصلح أن يكون مجلى لله تعالى، {وَإِذَا جَآءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} إخبار عمن في مبادي السلوك أي إذا ورد عليهم شيء من آثار الجمال أو الجلال أفشوه وأشاعوه {وَلَوْ رَدُّوهُ} أي عرضوه {إِلَى ٱلرَّسُولِ} إلى ما علم من أحواله، وما كان عليه {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} وهم الراشدون الكاملون الذين نالوا مقام الوراثة المحمدية {لَعَلِمَهُ} أي لعلم مآله وأنه مما يذاع أو أنه لا يذاع {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} ويتلقونه منهم أي من جهتهم وواسطة فيوضاتهم، والمراد بالموصول الرادون أنفسهم، وحاصل ذلك أنه لا ينبغي للمريد إذا عرض له في أثناء سيره وسلوكه شيء من آثار الجمال أو الجلال أن يفشيه لأحد قبل أن يعرضه على شيخه فيوقفه على حقيقة الحال فإن في إفشائه قبل ذلك ضرراً كثيراً {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أيها الناس بالواسطة العظمى رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَرَحْمَتُهُ} بالمرشدين الوارثين {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ} والنفس أعظم جنوده إن لم تكنه {أية : إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 83] وهم السالكون بواسطة نور إلهي أفيض عليهم فاستغنوا به كبعض أهل الفترة، قيل: وهم على قدم الخليل عليه الصلاة والسلام {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي قاتل من يخالفك / وحدك {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} على أن يقاتلوا من يحول بينهم وبين ربهم {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ستروا أوصاف الربوبية {وَٱللَّهُ أَشَدُّ} منهم {بَأْسًا} أي نكاية {وَأَشَدَّ} منهم {أية : تَنكِيلاً} تفسير : [النساء: 84] أي تعذيباً {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً} أي من يرافق نفسه على الطاعات {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا} أي حظ وافر من ثوابها {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً} أي من يرافق نفسه على معصية {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} أي مثل مساو من عقابها {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً} تفسير : [النساء: 85] فيوصل الثواب والعقاب إلى مستحقيهما {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] تعليم لنوع من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وقيل: المعنى إذا منّ الله تعالى عليكم بعطية فابذلوا الأحسن من عطاياه أو تصدقوا بما أعطاكم وردوه إلى الله تعالى على يد المستحقين، والله تعالى خير الموفقين.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : من يشفع شفاعة حسنة}تفسير : [النساء: 85] باعتبار ما قُصد من الجملة المعطوفة عليها، وهو الترغيب في الشفاعة الحسنة والتحذير من الشفاعة السيّئة، وذلك يتضمّن الترغيب في قبول الشفاعة الحسنة ورَدّ الشفاعة السيّئة. وإذ قد كان من شأن الشفيع أن يَدخل على المستشفَع إليه بالسلام استئناساً له لقبول الشفاعة، فالمناسبة في هذا العطف هي أنّ الشفاعة تقتضي حضور الشفيع عند المشفوع إليه، وأنّ صفة تلقّي المشفوع إليه للشفيع تؤذن بمقدار استعداده لقبول الشفاعة، وأنّ أول بَوادر اللقاء هو السلام وردّه، فعلّم الله المسلمين أدب القبول واللقاء في الشفاعة وغيرها ــــ وقد كان للشفاعات عندهم شأن عظيم. وفي الحديث: حديث : مرّ رجل فقال رسول الله: ماذا تقولون فيه؟ قالوا: هذا جدير إن شفع أن يشفَّع.. تفسير : الحديث ــــ حتى إذا قبل المستشفَع إليه الشفاعة كان قد طيَّب خاطر الشفيع، وإذا لم يقبل كان في حسن التحية مرضاة له على الجملة. وهذا دأب القرآن في انتهاز فرص الإرشاد والتأديب. وبهذا البيان تنجلي عنك الحيرة التي عرضت في توجيه انتظام هذه الآية مع سابقتها، وتستغني عن الالتجاء إلى المناسبات الضعيفة التي صاروا إليها. وقد دلّ قوله: {فحيُّوا بأحسن منها} على الأمر بردّ السلام، ووجوب الردّ لأنّ أصل صغية الأمر أن يكون للوجوب على مقتضى مذهب الجمهور في محمل صيغة الأمر، ولذلك اتّفق الفقهاء على وجوب ردّ السلام، ثم اختلفوا إذا كان المسلَّم عليهم جماعة هل يجب الردّ على كلّ واحد منهم: فقال مالك: هو واجب على الجماعة وجوبَ الكفاية فإذا رَد واحد من الجماعة أجزأ عنهم، وورد في ذلك حديث صحيح؛ على أنّه إذا كانت الجماعة كثيرة يصير ردّ الجميع غوغاء. وقال أبو حنيفة: الردّ فرض على كلّ شخص من الجماعة بعينه. ولعلّ دليله في ذلك القياس. ودلّ قوله: {وإذا حييتم بتحية} على أنّ ابتداء السلام شيء معروف بينهم، ودليله قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها}،تفسير : وسيأتي في سورة النور (27). وأفاد قوله: {بأحسن منها أو ردّوها} التخيير بين الحالين، ويُعلم من تقديم قوله: {بأحسنَ منها} أنّ ذلك أفضل. وحيَيَّ أصله في اللغة دَعَا له بالحياة، ولعلّه من قبيل النحت من قول القائل: حيّاك الله، أي وهب لك طول الحياة. فيقال للملك: حياك الله. ولذلك جاء في دعاء التشهَّد (التحيَّات لِلّه) أي هو مستحقّها لا ملوك الناس. وقال النابغة:شعر : يُحَيَّوْنَ بالرّيْحَانِ يومَ السَّبَاسِبِ تفسير : أي يحيون مع تَقَديم الريحان في يوم عيد الشعانين ــــ وكانت التحيّة خاصّة بالملوك بدعاء (حيّاك الله) غالباً، فلذلك أطلقوا التحية على المُلْك في قول زهير بن جَنَّات الكلبي:شعر : ولَكُلّ ما نال الفتى قد نلتُه إلاّ التحيَّة تفسير : يريد أنّه بلغَ غاية المجد سوى الملك. وهو الذي عناه المعريّ بقوله:شعر : تحيةُ كِسْرى في الثناء وتُبَّعِ لِرْبعِكِ لا أرضَى تَحِيَّةَ أرْبُعِ تفسير : وهذه الآية من آداب الإسلام: علّم الله بها أن يَردّوا على المسلّم بأحسنَ من سلامه أو بما يماثله، ليبطل ما كان بين الجاهلية من تفاوت السادة والدهماء. وتكون التحيّة أحسن بزيادة المعنى، فلذلك قالوا في قوله تعالى: {أية : فقالوا سلاماً قال سلام}تفسير : [الذاريات: 25]: إنّ تحية إبراهيم كانت أحسن إذ عُبِّر عنها بما هو أقوى في كلام العرب وهو رفع المصدر للدلالة على الثبات وتناسِي الحدوث المؤذن به نصب المصدر، وليس في لغة إبراهيم مثل ذلك ولكنّه من بديع الترجمة، ولذلك جاء في تحيّة الإسلام: السلام عليكم، وفي ردّها وعليكم السلام لأنّ تقديم الظرف فيه للاهتمام بضمير المخاطب. وقال بعض الناس: إنّ الواو في ردّ السلام تفيد معنى الزيادة فلو كان المُسلِّم بلغ غاية التحية أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإذا قال الرادّ: «وعليكم السلام» الخ، كان قد ردّها بأحسن منها بزيادة الواو، وهذا وهم. ومعنى (ردّوها) ردّوا مثلها، وهذا كقولهم: عندي درهم ونصفه، لظهور تعذّر ردّ ذات التحيّة، وقوله تعالى: {أية : إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها}تفسير : [النساء: 176] فعاد ضمير «وهو» وهاء «يرثها» إلى اللفظين لا إلى الذاتين، ودلّ الأمر على وجوب ردّ السلام، ولا دلالة في الآية على حكم الابتداء بالسلام، فذلك ثابت بالسنّة للترغيب فيه. وقد ذكروا أنّ العرب كانوا لا يقدّمون اسم المسلَّم عليه المجرور بعَلى في ابتداء السلام إلاّ في الرثاء، في مثل قول عبدة بن الطيب:شعر : عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحّما تفسير : وفي قول الشمّاخ:شعر : عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممّزق تفسير : يرثي عثمان بن عفّان أو عمَر بن الخطاب. روى أبو داوود أنّ جابر بن سليم سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عليك السلام يا رسول الله، فقال له: «حديث : إنّ عليك السلامُ تحيةُ الموتى، قل، السلام عليك»تفسير : . والتذييل بقوله: {إنّ الله كان على كلّ شيء حسيباً} لقصد الامتنان بهذه التعليمات النافعة. والحسيب: العليم وهو صفة مشبَّهة: من حَسِب ــــ بكسر السين ــــ الذي هو من أفعَال القلب، فحُوّل إلى فعُل ــــ بضمّ عينه ــــ لمَّا أريد به أنّ العلم وصف ذاتي له، وبذلك نقصت تعديته فاقتصر على مفعول واحد، ثمّ ضمّن معنى المحصي فعدي إليه بعلى. ويجوز كونه من أمثلة المبالغة. قيل: الحسيب هنا بمعنى المحاسب، كالأكيل والشريب. فعلى كلامهم يكون التذييل وعداً بالجزاء على قدرِ فضل ردّ السلام، أو بالجزاء السَّيّء على ترك الردّ من أصله، وقد أكدّ وصف الله بحسيب بمؤكّدين: حرف (إنّ) وفعل (كَانَ) الدالّ على أنّ ذلك وصف مقرّر أزلي.

القطان

تفسير : اصل التحية: الدعاء بالحياة، ثم صارت للسلام. بعد ان علّمنا الله تعالى طريق الشفاعة الحسنة، وانها الخالصة لله ـ جاءت هذه الآية للتأديب في المعاملة: كيف نسلّم على الناس، وكيف نرد التحية بأحسن منها. ذلك أن التحية في المجتمع علاقة من العلاقات الطيبة التي تدور بها عجلة الحياة بيسر. وفي جعل الإسلام تحيته "السلامُ عليكم" لأنه دين السلام، فهو حتى حين يدعو الى القتال فإنما يدعو لإقرار السلام في الأرض. وأذا حيّاكم أَحدٌ بتحية فردوا بأحسن منها أو بمثلها، فلمن قال لكم: السلام عليكم، أجيبوا: وعليكم السلام ورحمة الله. هذا وإلقاء السلام سُنة: وردُّه واجب. روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من سلّم عليك من خلْق الله فاردد عليه وان كان مجوسياً، فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} ". تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} انه تعالى رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية ويحاسبكم على ذلك. وفي هذا اشارة الى تأكيد امر هذه الصلة بين الناس.

د. أسعد حومد

تفسير : (86) - وَإذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أحَدٌ، فَرُدُّوا السَّلاَمَ عَلَيْهِ بِأفْضَلَ مِنْهُ، أوْ رُدُّوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ (فََإذا قَالَ لَكُمْ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ فَرُدُّوا عَلَيهِ قَائِلِينَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ). فَالزِّيَادَةُ مَنْدُوبَةٌ، وَالمُمَاثَلَةُ مَفْرُوضَةٌ. (وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: السَّلاَمُ تَطَوُّعٌ، وَالرَّدُّ فَرِيضَةٌ). وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلا أدُلُّكُمْ عَلَى أمْرٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ"تفسير : . وَاللهُ مُحَاسِبٌ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ، وَاللهُ تَعَالَى رَقِيبٌ عَلَيْكُمْ فِي مُرَاعَاةِ الصِّلَةِ بَيْنَكُمْ بِالتَّحِيَّةِ، وَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى ذَلِكَ. حَسِيباً - مُحَاسِباً وَمُجَازِياَ وَشَهِيداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق هنا يريد أن يربب معنى الحياة. فما معنى: "حُييتم"؟ الكلام السطحي الأولى فيها: إذا حياك واحد وقال لك: "السلام عليكم" أن ترد السلام. وكان العرب قديماً يقولون: حياك الله. وبعد أن جاء الإسلام جعل التحية في اللقاء هي السلام: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} تفسير : [الأحزاب: 44]. أو كما قال الحق في موقع آخر: {أية : فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 61]. ولنفهم معنى كلمة "حياك". مادة الكلمة هي "الحاء"، و "الياءان"، ومنها كلمة "حياة"، التي منها حياتنا. والحياة إذا نظرنا إليها قد تأخذ معنىً سطحياً عند الناس وهو ما نشأ عنه الحس الحركي وهي أول ظاهرة فينا، وبعد ذلك في الحيوان، وإن ارتقيت في الفهم تجد أن كلمة "الحياة" تنتظم كل أجناس الوجود حتى الجماد، لكن الإنسان لا يتعرف إلى الحياة إلا في المظهر الحسي والحركي، ولكن لكل كائن حياة تناسبه. وعندما كانوا يعلموننا في المدارس علم المغناطيسية كنا نرى تجربة المغناطيس ونأتي بقضيب مغناطيسي، ثم نأتي ببرادة الحديد، ونسير به في اتجاه واحد وذلك حتى نرتب الجزئيات ترتيباً يتناسب مع اتجاه المغناطيسية في القضيب الحديدي. هذا القضيب الذي نراه مادة جامدة في نظرنا، ولكن توجد فيها ذرات دون إدراك الإنسان تتكيف بحركة خاصة بها، ويُعاد ترتيب السالب منها والموجب ولا توجد قدرة عند المشاهد لها كي يدرك حركتها. وحتى يقربها المدرسون إلى ذهن التلاميذ، جاءوا بأنبوبة زجاجية ووضعوا فيها برادة الحديد وجاءوا بالقضيب الممغنط ومرّروه بجانب البرادة، فرأى التلاميذ البرادة وهي تتقافز إلى أن تستقر، وهنا يتعلم التلاميذ أن برادة الحديد غير الممغنطة عندما يمر عليها القضيب الممغنط في اتجاه واحد فذراتها تترتب على أساس واضح، حتى تصير ممغنطة. وهذا دليل الحس؛ فقد انقلبت السوالب في جهة والموجبات في جهة.. فالقضيب المغناطيسي له حركة ولكننا لا ندرك حسه ولا حركته لأننا لا نملك المِقاييس اللازمة لذلك. ومثال آخر: لنفترض أننا نتحرك وجاءت طائرة من أعلانا والتقطت صورة لنا. وعندما يأخذون الصورة من قريب، فهم يرون الحركة، لكن كلما ابتعدت الطائرة فنحن لا نرى الحركة حتى تصير نقطة بعيدة وكأنها ثابتة. وهي ليست ثابتة، وإنما هي متحركة بصورة دقيقة جداً لدرجة أنها لا تُدرك. فكل شيء - إذن - فيه حياة خاصة تناسبه، وكل شيء له الحس والحركة الخاصة به. وعندما نأتي للقرآن، نرى كيف عالج هذه القضية فيقول: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. استثنى القول وجه الله. أي ذاته، فكل شيء ما عداه هالك. ومعنى "هالك" أي ليس فيه حياة، وما دام كل شيء يهلك فهذا دليل أن في كل شيء حياة، حتى يأتي الإذن من الحق أن تذهب الحياة من كل شيء إلا وجهه سبحانه، وقد يتساءل إنسان ومن الذي قال: إن كلمة "هالك" تعني ليس فيه حياة؟ نقول: إن القرآن حين يتعرض لقضية لا يقسم العلوم إلى أبواب ولكنه يضع في كل آية جزئية تشرح لنا ما خفي علينا في جزئية أخرى كي نفهم القرآن متكامل، فيقول الحق: {أية : ِلِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42]. فيكون الهلاك ضد الحياة. ونحن إذا ما نظرنا إلى الصناعات التي نصنعها، وليكن البلاستيك مثلاً، إننا نصنع منه أواني للغسيل أو لخلافه، وأول ما نشتريه للاستعمال نجده زاهي اللون، وبعد استعماله لفترة يزول عنه البريق ويصبح شاحب اللون، فما الذي حدث له؟. لقد تغير. ما الذي أحدث التغيير؟. يقال: الاستعمال وأشعة الشمس وغير ذلك. إذن ففيه حس لأنه تَأَثّر وحركةلأنه تغيّر، وكذلك الأحجار الكريمة والمرمر والرخام وغيرها يقدرون عمرها بمئات السنين وأحياناً بآلاف السنين، وكلما طال عمرها تغير لونها من الحياة والتفاعلات. وعندما نمسك ورقة ونضعها تحت المجهر فإننا نرى عدداً هائلاً من الغرف الصغيرة، ولا حصر لهذه الغرف، ويقول المؤمن: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. فكل شيء في الوجود له حياة تناسبه، إذ استقريتها وتتبعتها بدقة واستطعت أن توجد الآلات التي تستنبط والتي تساعد على الإدراك فإنك ترى الحركة وتشاهدها بالحس. إلا أن الحياة بالنسبة لأرقى الأجناس - وهو الإنسان - المنتفع بكل كائن حي في الكون، هذه حياة تنتهي في ميعاد مجهول بالنسبة للإنسان معلوم بالنسبة لله. وأراد الله أن يكلفه تكليفاً إن استمع إليه ونفذه فهو سبحانه يعطيه حياة لا تنتهي. وعندما نقيس الحياة التي لا تنتهي فالحياة التي تنتهي، فأي منهما جديرة بأن تسمي حياة؟ إنها الحياة الأخرى التي لا تنتهي، ولذلك يقول الحق: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]. هذه هي الحياة الحقة، وإلا فما قيمة هذه الحياة الدنيا التي تهددك فيها الآفات والآلام والاضطرابات والأسقام والأمراض، وبعد ذلك تنتهي، فيوضح الحق:خذ حياة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فهذه هي الحياة حقاً، ولذلك فالحق عندما تعرض لهذه المسألة أوضح: إياكم أن تعتقدوا أن هذه الحياة الدنيا هي التي أريدها لكم، أنا أريد لكم حياة أخلد من هذه، ولذلك قال: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24]. هو يخاطبهم إذن فهم أحياء بالقانون المتعارف عليه، وأنهم إن لم يستجيبوا إلى ما دعاهم إليه الحق والرسول لن يأخذوا لوناً أرقى من الحياة، وهي حياة لا تهددها الآفات ولا الأثفال ولا الأمراض ولا الفناء، إنها الحياة الحقة، ولذلك يسميها الحق "الروح" لأنّها تحرك الجسم وتعطيه حياة وإن كانت تنتهي فيقول: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [ص: 72]. هذه أولى مراحل الحياة الممنوحة للمؤمن والكافر. ويسمى سبحانه الحياة الأكبر منها والتي لا تنتهي يسميها الحق (روحاً) أيضاً: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]. وهذه هي التي سوف تعطي الحياة الأرقى. الأولى اسمها "روح" تعطي حياة فانية. والثانية هي "روح" أيضاً، إنها ما أوحي الله به، لأن الناس إذا عملوا به يحيون حياة دائمة خالية من الشقاء والكدر. إذن فقوله: {إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} هي دعوة إلى الحياة الخالدة، والحياة الأبدية السعيدة في الآخرة مرهونة بأن يلتزم الإنسان منهج الله في حياته، وإن كانت منتهية. والحياة الدنيا يرى الإنسان فيها الأغيار والأسقام والمهيجات، فإذا جاء له من يطمئنه ومن ينفي عنه القلق والخوف فكأنه يحسن حياته. وكلمة "حياك الله" أو "السلام عليكم" تعني: "كن آمناً مطمئناً" وإلا فما قيمة الحياة بدون أمن واطمئنان؟. إذن فكلمة "حياك الله" أو "السلام عليكم" أي الأمان والاطمئنان لك. فأنت لا تعرف هل يجيء القادم إليك بخير أو بشر، لكن ساعة يقول: السلام عليكم، فقد يجعل بهذه التحية الأمان في قلب المتلقى به ويشعر بقيمة حياته. إذن فقوله الحق: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} يعني: إذا رببتم حياتكم بالتحية التي هي السلام والتي تضمن الأمن والاطمئنان عليكم رد التحية. فكلمة "تحية" إعطاء لقيمة الحياة، وكذلك كلمة "حيوا" أي أعط من أمامك شيئاً من الحياة المستقرة الآمنة المطمئنة. فالحياة بدون أمن وبدون اطمئنان، كلا حياة. والشاعر العربي يقول: شعر : ليس من مات فاستراح بميْت إنما الميْت ميّت الأحياء تفسير : فقول الحق: {وَإِذَا حُيِّيتُم} أي أنه إذا رببتم حياتكم وبوركتم بالأمن وبالسلام {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} أي عليكم أن تردوها إما بالتحية مثلها وإما بأفضل منها. والعلماء عندما جاءوا ليتكلموا عن هذا، قصروا المسألة على تحيات اللقاء. فمن قال لك: السلام عليكم، فقل له: وعليكم السلام ورحمة الله. أي أنك تزيد عليه. عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: وعليك: فقال له الرجل: يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي، فقال: إنك لم تدع لنا شيئاً قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} فرددناها عليك. وعندما تكلم العلماء في مسألة السلام، صنفوا لها فقالوا: الماشي يسلم على القاعد. والراكب يسلم على الماشي، والصغير يسلم على الكبير. والمبصر يسلم على الكفيف. والقليل يسلم على الكثير. وكل خطاب موجه للمؤمنين ينتظم ويشمل ذكورهم وإناثهم إلا أن يكون الحكم مما يخص النساء. وهنا يقول الحق: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} أللنساء تحية؟ نعم، لهن تحية، المرأة تحيي المرأة، والمرأة تحيي زوجها، والمرأة تحيي محارمها، والمرأة العجوز التي لا إربة فيها تبدأ التحية وتردها، أما المرأة الشابة فهي لا تبدأ أحداً بالسلام ولا ترد السلام. لا تبدأ بالسلام إلا إذا كان معها مثلها؛ لأنهم يقولون: المرأة على المرأة عين أكثر من ألف رجل، أي أن المرأة تحرس المرأة أكثر من ألف رجل، فعندما تكون معها مثيلتها تحفظها، ولذلك يقال: إن المرأة إن بدأت بالسلام أو ردت السلام فذلك حرام، وإذا بدأها واحد بالسلام أو رد عليها السلام فذلك مكروه. لماذا؟ لأن بَدْءَها له إثارة، ولكنه إذا بدأ هو بالسلام فليس ضرورياً أن تستجيب. فإن كان معها أحد أو جماعة تُؤمن عليها فلا حرج من أن ترد السلام. وقالوا: وإذا كان الذي يلقى السلام ويبدأه به غير مؤمن؟ النبي عليه الصلاة والسلام أوضح أنهم يلوون في الكلام، فإذا قالوا لكم: "السلام" فقولوا: وعليكم. وذلك يعني إن قالوها كلمة طيبة لها معنى طيب فأهلاً بها وعليهم مثلها، وإن كانت كلمة خبيثة كقولهم: "السام عليكم" فقولوا: "وعليكم"؛ لأن السام معناها الموت، فلكيلا يستهزئوا بكم، قولوا: وعليكم. وبعض العلماء قال المقصود بـ {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} أي بالنسبة للمؤمن، و "ردوها" بالنسبة للكافر. لكن أتلك هي التحية فقط؟. إذا كان الذي حياك بقول وأمّنك بقول، فكيف لا تحذر من يؤمن بالقول نفاقاً، يظهر لك الأمن ثم يقول: السلام عليكم، ومعه الضر؟. كما أن الحق علمنا أن نرد التحية بمثلها لأن نقل القضايا من قولية إلى فعلية هي المحك والأساس، فإذا حياك إنسان بخير عنده فعلى المسلم أن يقدم التحية بخير منها، وإن لم يستطع فليرد على الأقل بمثلها، وعندما يرد الإنسان بمثلها يصبح التكارم بين الناس إن لم يزد فهو لم ينقص، ويكون الخير متنامياً، فإذا قدم إنسان خيرا لإنسان آخر، وردّ عليه بعمل أفضل منه، ففي ذلك نماء للخير، وإن لم يستطع فليرد بمثل العمل وبذلك لا ينقص من خيره، فيكون خير كل إنسان محجوزاً على نفسه؛ لأنه ما دام سيعطي التحية ويأخذ على قدر ما يعطي، فكأنه لم ينقص من خيره شيئاً. والحق سبحانه وتعالى حين يسخِّى النفوس في أن تعطي أكثر مما حييت به، فهذا يبين أن المؤمن في البيئة الإيمانية إنما يتكاثر خيره، لأنّه كلما فعل خصلة خير فهي تعود عليه بالخير. ولذلك فهناك أناس كثيرون إذا أرادت خيراً من أحد، أعطته خيراً يناسب قدرها، ليعطي هو خيراً يناسب قدره، وهذه تحدث كثيراً خصوصاً مع الملوك، ومثال ذلك: كان المواطن السعودي يقول للملك عبد العزيز آل سعود: أريد أن تشرب القهوة عندي، ويذهب الملك عبد العزيز آل سعود ليشرب القهوة، ويؤدي لصاحب الدعوة خدمة تعادل القهوة مليون مرة، فكل من يحيي الملك يرد عليه التحية بأكثر منها. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} وجاءت كلمة "أو ردوها" من أجل أن يطمئن من قدم تحية أنه سيجد رد تحيته أو أكثر منها. والحق سبحانه وتعالى عندما يرى خلقه المؤمنين به يتكارمون، فهو يضعها في الحساب؛ لذلك يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} فالحساب لا ينتهي عند أن يرد المؤمن التحية أو يؤدي خيراً منها، ولكن هناك جزاءً أعلى وأفضل عند مليك مقتدر. وفي تناولنا لمسألة التحية عَلِمْنَا أن كلمة التحية وهي "السلام عليكم" معناها أمان واطمئنان، والأمان والاطمئنان كلاهما يعطي الحياة بهجة، فالحياة بدون أمن أو اطمئنان ليس لها قيمة. فكأن إشاعة السلام بقولنا: "السلام عليكم" أو "السلام عليكم ورحمة الله" أو "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" تجعل المجتمع مجتمعا صفائيا، وما دام المجتمع كله مجتمعا صفائيا، فخير أي واحد يكون عند الآخر. ويتعدى ذلك إلى أن يطلب المؤمن خير الله لأخيه المؤمن. إن الإنسان حين يصعد التحبة بعد قوله: السلام عليكم" بإضافة "ورحمة الله وبركاته" فهو يربط النفس البشرية برباط إيماني بالحق سبحانه وتعالى. وبذلك تتذكر وتعي أن الخلق عيال الله، وسبحانه يحب أن يكون خلقه منسجمين بالعلاقات الطيبة فيما بينهم، وعندما يكون الخلق على علاقة طيبة بعضهم مع بعض فسبحانه يعطيهم من خيره أكثر وأكثر. {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} ومن الطبيعي أن نفهم أن رد التحية يعني أن نقول: تحية مثل التي قالها لنا، فالرد ليس مقصوداً به أن نرد التحية نفسها، ولكننا نقول مثلها. فالضمير مبهم ويوضحه مرجعه. مثال ذلك أن تقول: "لقيت رجلاً فأكرمته" هنا الضمير مبهم ويوضحه مرجعه، مثال آخر "تصدقت بدرهم ونصفه" فهل معنى ذلك أنني تصدقت بدرهم ثم استرددته وقسمته قسمين وتصدقت بنصفه؟ لا، إن معنى ذلك هو أنني تصدقت بدرهم، ونصف مثل الدرهم، فإذا قال الحق: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} أي ردوا التحية بأفضل منها أو بمثل التي تتلقاها، فإذا ما قيل لك: "السلام عليكم" فقل "وعليكم السلام". والحق سبحانه وتعالى يبلغ المؤمنين: لا تظنوا أيها المؤمنين أني بخلقي لكم وإعطائي لكم حرية الاختيار في الإيمان أو في الفعل أو في الترك إياكم أن تظنوا أني لا أحاسبكم بل سأجازيكم بالثواب على الطاعة وبالعقاب على المعصية، فحين آمركم بفعل، فمعناه أنني خلقتكم صالحين أن تفعلوا، وحين أنهاكم عن فعل فمعناه أنني خلقتكم صالحين ألا تفعلوا. إذن فعندما يأتي أمر؛ فمعنى هذا أن الذي خلقني علم أزلاً بصلاحيتي لتنفيذ هذا الفعل أو عدم تنفيذه.. أي صلاحيتي أن أطيع وأن أعصى، إذن فهناك فعل يقول الحق للعبد فيه: "افعله"، وفعل يقول له فيه: "لا تفعله"، والمخالفات والمعاصي إنما تنشأ من نقل "افعل" في مجال "لا تفعل"، ومن نقل "لا تفعل" في مجال "افعل"، هذا هو معنى المعصية. والحازم لا يأخذ الاختيار الممنوح له ليحقق شهواته بوساطة هذا الاختيار، بل لا بد أن يضع بجانب الاختيار أنه مردود إلى من أعطاه الاختيار. وحين تعلم أيها العبد أنك مردود وراجع ومصيرك إلى من أعطاك الاختيار وأنه سوف يجازيك، فإنك لن تنقل أمراً من مجال "لا تفعل" إلى مجال "افعل" أو من مجال افعل إلى مجال لا تفعل. فلو أخذت الاختيار لتريح نفسك لحظة وهي فانية، فكيف تتعب نفسك في الباقية؟ فإن أردت أن تكون حازماً وعاقلاً فلا تفعل ذلك؛ فالمؤمن يمتلك الكياسة والفطنة فلا يُقْدِمُ على مثل هذا. وبعد ذلك يقول سبحانه: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} أَي كَافِياً.

الجيلاني

تفسير : {وَإِذَا حُيِّيتُم} أيها المؤمنون {بِتَحِيَّةٍ} ناشئة من أخيكم المسلم {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} أي: زيدوا عليها؛ وفاء لحق المبادرة {أَوْ رُدُّوهَآ} كمثلها بلا نقصان شيء منها؛ وفاء لحق المؤاخاة {إِنَّ ٱللَّهَ} المراقب لجميع حالاتكم {كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} صدر عنكم من خير وشر ونفع وضر {حَسِيباً} [النساء: 86] يحاسبكم بلا فوت شيء، ويجازيكم على مقتضى حسابه. {ٱللَّهُ} الجامع لجميع مراتب الأسماء الموجودة المريبة لمسمياتكم وهوياتكم {لاۤ إِلَـٰهَ} لا موجودة ولا مربي لكم في الوجود {إِلاَّ هُوَ} الحي القيوم الذي لا يعرض له التغيير مطلقاً {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} وليحشرنكم من قبور تعيناتكم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} التي عرضوا فيها إلى الله، وحشروا نحوه مسنلخين عن هوياتكم الباطلة {لاَ رَيْبَ فِيهِ} وفي جمعه، فلكم بعدما أخبرتم أن تصدقوه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} [النساء: 87] حتى تصدقوا حديثه وتؤمنوا، فعلكيم ألاَّ تخالفوا حكم الله وأمره بعد وروده. وإذا كان الأمر على هذا {فَمَا} أي شيء عرض ولحق {لَكُمْ} أيها المؤمنون {فِي} أمر {ٱلْمُنَافِقِينَ} حتى تكونوا {فِئَتَيْنِ} فرقتين، ولم تتفقوا على كفرهم وشركهم {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} الحال أنه سبحانه قلبهم وردهم إلى كفرهم {بِمَا كَسَبُوۤاْ} لأنفسهم من الشرك بالله - العياذ بالله - والبغض مع رسوله والنفاق مع المؤمنين {أَتُرِيدُونَ} بهذا التفرق والتردد في أمرهم {أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} وتخالفوا كلمه، كأنكم لم تصدقوه {وَ} اعلم أيها الكامل في أمر الرسالة {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} عن نور الإيمان والهداية {فَلَن تَجِدَ} أنت مع كونك ممن أذن بالكشف عنه {لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 88] إلى الهداية فضلاً عن أن يجده غيرك، وهم من غاية بغضهم معكم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : التحية هي: اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين على وجه الإكرام والدعاء، وما يقترن بذلك اللفظ من البشاشة ونحوها. وأعلى أنواع التحية ما ورد به الشرع، من السلام ابتداء وردًّا. فأمر تعالى المؤمنين أنهم إذا حُيّوا بأي تحية كانت، أن يردوها بأحسن منها لفظا وبشاشة، أو مثلها في ذلك. ومفهوم ذلك النهي عن عدم الرد بالكلية أو ردها بدونها. ويؤخذ من الآية الكريمة الحث على ابتداء السلام والتحية من وجهين: أحدهما: أن الله أمر بردها بأحسن منها أو مثلها، وذلك يستلزم أن التحية مطلوبة شرعًا. الثاني: ما يستفاد من أفعل التفضيل وهو "أحسن" الدال على مشاركة التحية وردها بالحسن، كما هو الأصل في ذلك. ويستثنى من عموم الآية الكريمة من حيَّا بحال غير مأمور بها، كـ "على مشتغل بقراءة، أو استماع خطبة، أو مصلٍ ونحو ذلك" فإنه لا يطلب إجابة تحيته، وكذلك يستثنى من ذلك من أمر الشارع بهجره وعدم تحيته، وهو العاصي غير التائب الذي يرتدع بالهجر، فإنه يهجر ولا يُحيّا، ولا تُرد تحيته، وذلك لمعارضة المصلحة الكبرى. ويدخل في رد التحية كل تحية اعتادها الناس وهي غير محظورة شرعًا، فإنه مأمور بردّها وبأحسن منها، ثم أوعد تعالى وتوعد على فعل الحسنات والسيئات بقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا } فيحفظ على العباد أعمالهم، حسنها وسيئها، صغيرها وكبيرها، ثم يجازيهم بما اقتضاه فضله وعدله وحكمه المحمود.