Verse. 580 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اَللہُ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ھُوَ۝۰ۭ لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلٰى يَوْمِ الْقِيٰمَۃِ لَا رَيْبَ فِيْہِ۝۰ۭ وَمَنْ اَصْدَقُ مِنَ اللہِ حَدِيْثًا۝۸۷ۧ
Allahu la ilaha illa huwa layajmaAAannakum ila yawmi alqiyamati la rayba feehi waman asdaqu mina Allahi hadeethan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله لا إله إلا هو» والله «ليجمعنكم» من قبوركم «إلى» في «يوم القيامة لا ريب» لا شك «فيه ومن» أي لا أحد «أصدق من الله حديثا» قولا.

87

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنا بينا أن المقصود من قوله: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } أن لا يصير الرجل المسلم مقتولا، ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَسِيباً } ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية، فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان، فقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إشارة إلى التوحيد، وقوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } إشارة إلى العدل، وهو كقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [آل عمران: 18] وكقوله في طه: {أية : إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِى } تفسير : [طه: 14] وهو إشارة إلى التوحيد ثم قال: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 15] وهو إشارة إلى العدل، فكذا في هذه الآية بين أنه يجب في حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة فينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا شك أنه تهديد شديد. الثاني: كأنه تعالى يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر، فان البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو، إنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إما خبر للمبتدا، وإما اعتراض والخبر {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } واللام لام القسم، والتقدير: والله ليجمعنكم. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لم لم يقل: ليجمعنكم في يوم القيامة؟ والجواب من وجهين: الأول: المراد ليجمعنكم في الموت أو القبور إلى يوم القيامة. الثاني: التقدير: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمع بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه. المسألة الرابعة: قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم، ويجوز أيضاً أن يقال: سميت بهذا الاسم لأن الناس يقومون للحساب قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المطففين: 6] قال صاحب «الكشاف»: القيام القيامة، كالطلاب والطلابة. المسألة الخامسة: اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أثبت أن القيامة ستوجد لا محالة، وجعل الدليل على ذلك مجرد إخبار الله تعالى عنه، وهذا حق، وذلك لأن المسائل الأصولية على قسمين منها ما العلم بصحة النبوة يكون محتاجا إلى العلم بصحته، ومنها ما لا يكون كذلك. والأول مثل علمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فانا ما لم نعلم ذلك لا يمكننا العلم بصدق الأنبياء، فكل مسألة هذا شأنها فانه يمتنع اثباتها بالقرآن واخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والا وقع الدور. وأما القسم الثاني: وهو جملة المسائل التي لا يتوقف العلم بصحة النبوة على العلم بصحتها فكل ذلك مما يمكن اثباته بكلام الله واخباره ومعلوم أن قيام القيامة كذلك، فلا جرم أمكن إثباته بالقرآن وبكلام الله، فثبت أن الاستدلال على قيام القيامة باخبار الله عنه استدلال صحيح. المسألة السادسة: قوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً } استفهام على سبيل الانكار، والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا وأن الكذب والخلف في قوله محال. وأما المعتزلة فقد بنوا ذلك على أصلهم، وهو أنه تعالى عالم بكون الكذب قبيحاً، وعالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك استحال أن يكذب. إنما قلنا: انه عالم بقبح الكذب، وعالم بكونه غنياً عنه لأن الكذب قبيح لكونه كذبا، والله تعالى غير محتاج إلى شيء أصلا، وثبت أنه عالم بجميع المعلومات فوجب القطع بكونه عالما بهذين الأمرين، وأما أن كل من كان كذلك استحال أن يكذب فهو ظاهر لأن الكذب جهة صرف لا جهة دعاء، فاذا خلا عن معارض الحاجة بقي ضارا محضا فيمتنع صدور الكذب عنه، وأما أصحابنا فدليلهم أنه لو كان كاذبا لكان كذبه قديما، ولو كان كذبه قديما لامتنع زوال كذبه لامتناع العدم على القديم، ولو امتنع زوال كذبه قديما لامتنع كونه صادقا، لأن وجود أحد الضدين يمنع وجود الضد الآخر، فلو كان كاذبا لامتنع أن يصدق لكنه غير ممتنع، لانا نعلم بالضرورة أن كل من علم شيئا فانه لا يمتنع عليه أن يحكم عليه بحكم مطابق للمحكوم عليه، والعلم بهذه الصحة ضروري، فاذا كان إمكان الصدق قائما كان امتناع الكذب حاصلا لا محالة، فثبت أنه لا بد من القطع بكونه تعالى صادقا. المسألة السابعة: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن كلام الله تعالى محدث، قالوا لأنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآية وفي قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } تفسير : [الزمر: 23] والحديث هو الحادث أو المحدث، وجوابنا عنه: انكما إنما تحكمون بحدوث الكلام الذي هو الحرف والصوت ونحن لا ننازع في حدوثه، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر غير هذه الحروف والأصوات، والآية لا تدل على حدوث ذلك الشيء ألبتة بالاتفاق منا ومنكم، فأما منا فظاهر، وأما منكم فانكم تنكرون وجود كلام سوى هذه الحروف والأصوات، فكيف يمكنكم أن تقولوا بدلالة هذه الآية على حدوثه، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ابتداء وخبر. واللام في قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} لام القَسم؛ نزلت في الذين شَكُّوا في البَعْث فأقسم الله تعالى بنفسه. وكل لام بعدها نون مشدّدة فهو لام القَسَم. ومعناه في الموت وتحت الأرض {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. وقال بعضهم: {إِلَىٰ} صلة في الكلام، معناه ليجمعنّكم يوم القيامة. وسُمّيت القيامة قيامةً لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز؛ قال الله تعالى: { أية : أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : [المطففين:4 - 6]. وقيل: سُمِّي يوم القيامة لأن الناس يقومون من قبورهم إليها؛ قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً} تفسير : [المعارج: 43] وأصل القيامة الواو. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} نصب على البيان، والمعنى لا أحد أصدق من الله. وقرأ حمزة والكسائِيّ «ومن أزدق» بالزاي. الباقون: بالصاد، وأصله الصاد إلا أن لِقُرب مخرجها جعل مكانها زاي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ } والله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ } من قبوركم {إِلَىٰ } في {يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لاَ رَيْبَ } لا شك {فِيهِ وَمَنْ } أي لا أحد {أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً } قولاً.

ابن عطية

تفسير : لما تقدم الإنذار والتحذير الذي تضمنه قوله تعالى {أية : إن الله كان على كل شيء حسيباً} تفسير : [النساء:86] تلاه مقوياً له الإعلام بصفة الربوبية، وحال الوحدانية، والإعلام بالحشر، والبعث من القبور، للثواب، والعقاب، إعلاماً بقسم، والمقسم به تقديره وهو: أو وحقه، أو وعظمته، {ليجمعنكم} والجمع هنا بمعنى الحشر، فلذلك حسنت بعده {إلى} أي: إليه السوق والحشر، و {القيامة} : أصلها القيام، ولما كان قيام الحشر من أذل الحال وأضعفها إلى أشد الأهوال وأعظمها لحقته هاء المبالغة و {لا ريب فيه} تبرئة هي وما بعدها بمثابة الابتداء تطلب الخبر، ومعناه: لا ريب فيه في نفسه وحقيقة أمره، وإن ارتاب فيه الكفرة فغير ضائر، {ومن أصدق من الله حديثاً}؟ ظاهره الاستفهام ومعناه تقرير الخبر، تقديره: لا أحد أصدق من الله تعالى، لأن دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف والرجاء، تقديره: السجية، وهذه منفية في حق الله تعالى وتقدست أسماؤه، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقاً لما في قلبه، وللأمر المخبر عنه في وجوده، و {حديثاً} نصب على التمييز. وقوله: {فما لكم في المنافقين} الآية. الخطاب للمؤمنين، وهذا ظاهره استفهام، والمقصد منه التوبيخ، واختلف المتأولون فيمن المراد بـ {المنافقين}؟ فقال ابن عباس: هم قوم كانوا بمكة فكتبوا إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أنهم قد آمنوا وتركوا الهجرة، وأقاموا بين أظهر الكفار ثم سافر قوم منهم إلى الشام فأعطتهم قريش بضاعات وقالوا لهم: إنكم لا تخافون أصحاب محمد، لأنكم تخدعونهم بإظهار الإيمان لهم، فاتصل خبرهم بالمدينة، فاختلف المؤمنون فيهم، فقالت طائفة: نخرج إلى أعداء الله المنافقين، وقالت طائفة: بل هم مؤمنون لا سبيل لنا إليهم، فنزلت الآية، وقال مجاهد: بل نزلت في قوم جاؤوا إلى المدينة من مكة، فأظهروا الإسلام، ثم قالوا: لنا بضاعات بمكة فانصرفوا إليها وأبطنوا الكفر، فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذان القولان يعضدهما ما في آخر الآية من قوله تعالى {أية : حتى يهاجروا} تفسير : [النساء:89]، وقال زيد بن ثابت: نزلت في المنافقين الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، عبد الله بن أبيّ وأصحابه، لأن أصحاب النبي عليه اسلام اختلفوا فيهم، وقال السدي: بل نزلت في قوم منافقين كانوا بالمدينة فطلبوا الخروج عنه نفاقاً كفراً، وقالوا: إنّا اجتويناها، وقال ابن زيد: إنما نزلت في المنافقين الذين تكلموا في حديث الإفك، لأن الصحابة اختلفوا فيهم. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: الاختلاف في هذه النازلة كان بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة، حسبما وقع في البخاري، وكان لكل واحد أتباع من المؤمنين على قوله، وكل من قال في هذه الآية: إنها فيمن كان بالمدينة يرد عليه قوله: {أية : حتى يهاجروا} تفسير : [النساء:89] لكنهم يخرجون المهاجرة إلى هجر ما نهى الله عنه، وترك الخلاف والنفاق، كما قال عليه السلام، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، و {فئتين} معناه فرقتين، ونصبهما على الحال كما تقول: ما لك قائماً، هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: نصبه بما يتضمنه ما لكم من الفعل، والتقدير ما لكم كنتم {فئتين} أو صرتم، وهذا الفعل المقدر ينصب عندهم النكرة والمعرفة، كما نقول ما لك الشاتم لزيد، وخطأ هذا القول الزجّاج، لأن المعرفة لا تكون حالاً، و {أركسهم} معناه رجعهم في كفرهم وضلالهم، "والركس" الرجيع، ومنه حديث النبي عليه السلام في الاستنجاء، "حديث : فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال إنها ركس" تفسير : ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [البسيط] شعر : فَأَرْكسُوا في حَميمِ النَّّار إنَّهُم كانُوا عَصَاةً وقالوا الإفْكَ والزُّورَا تفسير : وحكى النضر بن شميل والكسائي، "ركس وأركس" بمعنى واحد، أي رجعهم، ومن قال من المتأولين: أهلكهم أو أضلهم فإنما هي بالمعنى، لأن ذلك كله يتضمنه رجهم إلى الكفر، و {بما كسبوا} معناه بما اجترحوا من الكفر والنفاق، أي إن كفرهم بخلق من الله واختراع وبتكسب منهم، وقوله: {أتريدون} استفهام معناه الإبعاد واليأس مما أرادوه، والمعنى أتريدون أيها المؤمنون القائلون: بأن أولئك المنافقين مؤمنون أن تسموا بالهدى من قد يسره الله للضلالة وحتمها عليه، ثم أخبر تعالى أنه من يضلل فلا سبيل إلى إصلاحه ولا إلى إرشاده.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَوْمِ الْقِيَامَةِ} لقيام الناس فيه من قبورهم، أو لقيامهم فيه للحساب.

ابن عادل

تفسير : وجه النَّظْمِ أنه - تعالى - يقول: من سَلَّم عليْكُم وحيَّاكُم، فاقبلوا سَلامَهُ وأكْرِمُوه وعامِلُوه بناءً على الظَّاهِر، وأما البَوَاطِن فلا يعْلَمُها إلا اللَّهُ الذي لا إله إلا هُو، وإنما تَنْكَشِفُ بواطن الخَلْقِ في يَوْم القِيَامَة. قوله: "ليجمعنكم" جواب قَسَم مَحْذُوف. [قال القُرْطُبِيُّ: اللامُ في قوله: "ليجمعنكم"] لام قَسَم، نزلت في الَّذِين شَكُّوا في البَعْثِ، فأقْسَمَ الله - تعالى - بنفسه، وكلُّ لامٍ بعدها نُونٌ مشَدَّدَةٌ فهي لامُ القَسَم وفي جملةِ هذا القَسَمِ مع جوابه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنها قي مَحَل رفعٍ خَبَراً ثانياً لقوله: "الله"، و "لا إله إلا هو": جُمْلَةُ خَبَر أوّل. والثاني: أنها خَبَر لقوله: "الله" أيضاً، و "لا إله إلا هو": جملة اعتراضٍ بين المُبْتَدأ وخبره. والثالث: أنها مُسْتَأنَفةٌ لا محلَّ لها من الإعْرَاب، وقد تقدم إعْرَاب {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [البقرة: 255] و {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 2] في البقرة. قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} فيه ثلاثةُ أوجه: أحدُها: أنها على بابها من انتهَاءِ الغَايَة، قال أبو حيان: ويكونُ الجَمْعُ في القُبُور، أو تُضمِّن "ليجمعنكم" معنى "ليحشركم" فيُعَدَّى بـ "إلى"، يعني: أنه إذا ضُمِّن الجَمْعُ معنى الحَشْر لم يَحْتج إلى تقدير مَجْمُوع فيه. وقال أبو البقاءِ - بعد أن جوَّز فيها أنْ تَكُون بمَعْنَى "في" -: "وقيل: هي على بابها، أي: ليجْمَعَنَّكم في القُبُور؛ فعلى هذا يَجُوز أن يكُون مَفْعُولاً به، ويجُوز أن يكونَ حَالاً، أي: ليجمَعَنَّكم مُفْضين إلى حِسَاب يوم القيامة" يريد بقوله "مفعولاً به": أنه فَضْلَةٌ كَسَائِر الفضلات، نحو: "سرتُ إلى الكُوفَةِ" ولكن لا يَصِحُّ ذلك إلا بأنْ يُضَمَّنَ الجمعُ مَعْنَى الحَشْرِ كما تقدَّم، وأمَّا تقديره الحَالَ بـ "مفضين" فغيرُ جَائزٍ؛ لأنَّه كونٌ مقيَّدٌ. والثاني: أنَّها بمعنى "فِي" أي: في يوم القِيَامَةِ، ونظيره قولُ النَّابغة: [الطويل] شعر : 1885- فَلاَ تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي إلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القَارُ أجْرَبُ تفسير : أي: في النَّاسِ. والثالث: أنها بِمَعْنَى "مَعَ"، وهذا غيرُ وَاضِح المَعْنَى. قال القُرْطِبي: وقيل: "إلى" وصلة في الكلام، والمَعْنَى: "ليجمعنكم" يوم القيامة والقيامة بمعنى القِيام كالطِّلابة والطِّلاب؛ قالوا: ودخلت التاءُ فيه للمُبَالَغَة، كعلاَّمة ونَسَّابَة؛ لِشدَّةِ ما يَقَع فيه من الهَوْل، وسُمِّي بذلك لقيام الناس فيه للحساب؛ قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المطففين: 6]. وقال الزَّجَّاج: يجُوز أن يُقال: سمُيِّت القِيَامَة قِيَامة؛ لقيام الناس من قبُورهم؛ قال - تعالى -: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} تفسير : [المعارج: 43]. والجُمْلَة من قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} فيها وجهان: أحدهما: أنَّها في مَحَلِّ نصب على الحال من "يوم"، فالضَّمِير في "فيه" يعودُ عليه. والثاني: أنها في مَحَلِّ نَصْبٍ نعتاً لمصدرٍ مَحْذُوف دَلَّ عليه "ليجمعنكم" أي: جمعاً لا رَيْبَ فيه، والضميرُ يعود عليه والأولُ أظهرُ، "ومن أصدق"، تقدَّم نظيرُ هذه الجُمْلَة، و"حديثاً" نصبٌ على التَّمييز. وقرأ الحُمْهُور: "أصدق" بصاد خَالِصَة، وحمزة والكسائي: بإشمامها زاياً، وهكذا كلُّ صَادٍ ساكِنَةٍ بعدها دالٌ، نحو: "تصدقون" و "تصدية"، وهذا كما فعل حَمْزَة في {ٱلصّرَاطَ} [الفاتحة: 6] و {أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} تفسير : [الغاشية: 22]، للمجانسة قصد الخِفَّةِ. فصل قوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} أي: قولاً ووَعْداً، وهذا اسْتِفْهَام على سبيل الإنْكَار، والمَقْصُود منه: وجُوب كَوْنه - تعالى - صادقاً، وأن الكَذِب والخُلْفَ في قوله مُحَالٌ. قال ابن الخَطِيب: ظاهر الآيةِ يدُلُّ على أنَّه - تعالى - أثْبَت أن القِيَامة ستُوجَد لا مَحَالَة، وجعل الدَّلِيل على ذلك مُجَرَّد إخْبَار الله - تعالى - عنه، وهذا حَقٌّ؛ لأن المَسَائِل الأصُولِيَّة على قِسْمَين: منها ما العلم بِصِحَّة النبُوَّة يَحْتَاج إلى العِلْم بِصِحَّتِه، ومنها ما لا يكُون كَذَلِك. فالأوَّل: مثل عِلْمنا بافتقار العَالِم إلى صَانِعِ عالم بالمَعْلُومات قادرٍ على كل المُمْكِنَات، فإنَّا ما لم نَعْلَم ذلك، لا يمكننا العِلْمُ بصدقِ الأنْبِيَاء، فكل مَسْألة، هذا شَأنُها، فإنه يَمْتَنِعُ إثباتُها بالقُرْآن وإخْبار الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام - وإلا وقع الدَّوْر. وأما القسم الثَّاني: وهو جملة المَسَائِل التي لا يَتَوَقَّف العِلْم بِصِحَّة النُّبُوَّة على العِلْم بصحَّتِها، فكل ذلك مِمَّا يمكن إثْبَاته بكَلاَم اللَّه - تعالى - وإخْبَاره، ومَعْلُوم أن قِيَامَ السَّاعة كذلك، فلا جَرَم أمْكَن إثْبَاتُه بالقُرْآنِ وبكلام الله - تعالى -، فثبت أن الاستدلالَ على قِيَامِ القِيَامَةِ بإخْبَار اللَّه - تعالى - عنه استِدْلال صَحِيحٌ. انتهى. فصل استدلت المُعْتَزِلَة بهذه الآية على أنَّ كلام الله - تعالى - مُحْدَثٌ، قالوا: لأنَّهُ تعالى وَصَفَهُ بكونه حَدِيثاً في هذه الآيَةِ وفي قَوْله - تعالى -: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً} تفسير : [الزمر: 23]، والحديث: هو الحَادِثُ والمُحْدَث. والجواب: أنكم تَحْكُمُون بحدُوثِ الكلام الذي هو الحَرْف والصَّوْت، ونحن لا نُنَازعُ في حُدُوثهِ، إنما [الَّذِي] نَدَّعِي قدمه شَيْء آخَر غير هذه الحُرُوف والأصْوَات، والآيَةُ لا تدل على حُدُوث ذلك الشَّيْء ألْبَتَّةَ بالاتِّفَاقِ منَّا ومنْكُم؛ أمَّا مِنَّا: فظاهِر، وأما منكم: فإنَّكُم تَنْكِرُون وُجُود كلامٍ سوى هذه الحُرُوف والأصْوات، فكَيْف يُمْكِنكُم أن تَقُولوا بدلالة هذه الآيَة على حُدُوثه.

ابو السعود

تفسير : {اللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} مبتدأٌ وخبرٌ وقولُه تعالى: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله ليحشُرَّنكم من قبوركم إلى يوم حساب يومِ القيامةِ، وقيل: إلى بمعنى في والجملةُ القسميةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو هي الخبرُ، و{لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراضٌ وقوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي في يوم القيامةِ أو في الجمع حالٌ من اليوم أو صفةٌ للمصدر أي جمعاً لا ريب فيه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} إنكارٌ لأن يكون أحدٌ أصدقَ منه تعالى في وعده وسائرِ أخبارِه وبـيانٌ لاستحالته كيف لا والكذِبُ مُحالٌ عليه سبحانه دون غيرِه.

القشيري

تفسير : هذا الخطاب يتضمن نفياً وإثباتاً؛ فالنفي يعود إلى الأغيار ويستحيل لغيره ما نفاه، والإثبات له بالإلهية ويستحيل له النفي فيما أثبته.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله} مبتدأ وخبره قوله {لا اله الا هو} اى لا اله فى الارض ولا فى السماء غيره {ليجمعنكم} جواب قسم محذوف اى والله ليحشرنكم من قبوركم {الى} حساب {يوم القيمة} والقيامة بمعنى القيام والتاء للمبالغة لشدة ما يقع فيه من الهول {لا ريب فيه} حال من اليوم اى حال كون ذلك اليوم لا شك فيه انه كائن لا محالة او صفة مصدر محذوف اى جمعا لا ريب فيه فضمير فيه يرجع الى الجمع {ومن أصدق من الله حديثا} انكار لان يكون احدا اكثر صدقا منه فانه لا يتطرق الكذب الى خبره بوجه لانه نقص وهو على الله محال دون غيره وفى الحديث "حديث : كذبنى ابن آدم " .تفسير : اى نسبنى الى الكذب "حديث : ولم يكن له ذلك " .تفسير : يعنى لم يكن التكذيب لائقا به بل كان خطأ "حديث : وشتمنى " .تفسير : الشتم وصف الغير بما فيه نقص وازراء "حديث : ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه اياى فقوله لن يعيدنى كما بدأنى " .تفسير : يعنى لن يحيينى الله تعالى بعد موتى "حديث : وليس اول الخلق باهون على من اعادته " .تفسير : بل اعادته اسهل لوجود اصل البنية وهذا مذكور على طريق التمثيل لان الاعادة بالنسبة الى قوانا ايسر من الانشاء واما بالنسبة الى قدرة الله تعالى فلا سهولة له فى شىء ولا صعوبة "حديث : واما شتمه اياى فقوله اتخذ ولدا " .تفسير : وانما صار هذا شتما لان التولد هو انفصال الجزء من الكل بحيث ينمو وهذا انما يكون فى المركب وكل مركب محتاج "حديث : وانا الاحد " .تفسير : اى المنفرد بصفات الكمال من البقاء والتنزه وغيرهما "حديث : الصمد " .تفسير : بمعنى المصمود يعنى المقصود اليه فى كل الحوائج "حديث : الذى لم يلد " .تفسير : هذا نفى للتشبيه والمجانسة "حديث : ولم يولد " .تفسير : هذا وصف بالقدم والاولية "حديث : ولم يكن له كفوا احد " .تفسير : هذا تقرير لما قبله كذا فى شرح المشارق لابن الملك. واعلم ان القيامة ثلاث. الصغرى وهى موت كل احد قال النبى عليه السلام "حديث : من مات فقد قامت قيامته " .تفسير : والوسطى وهى موت جميع الخلائق بالنفخة الاولى. والكبرى وهى حشر الاجساد والسوق الى المحشر للجزاء بالنفخة الثانية: وفى المثنوى شعر : سازد اسرافيل روزى ناله را جان دهد بوسيده صدساله را هين كه اسرافيل وقتند اوليا مرده را زيشان حياتست ونما تفسير : وانما تحصل الحياة الباقية بعد الفناء عن النفس واوصافها وطريقه ذكر الله تعالى بالاخلاص فاذا تجلى معنى لفظ الجلالة الذى هو الاسم الاعظم يضمحل العالم والوجود ويحصل الاستغراق فى بحر التوحيد فاذا استغرق فيه يغيب عنه ما سوى الله تعالى كما ان الانسان اذا استغرق فى الماء لا يرى الغير اصلا. قال الشيخ ابو يزيد البسطامى ومن قال الله وقلبه غافل عن الله فخصمه الله ـ وحكى ـ ان بعض الصلحاء دخل ليلة بقبوليجة فى بلدة بروسة فرأى انه قد وضع سرير على الحوض وعليه بنت سلطان الجن ومعها جماعة كثيرة من هذه الطائفة فسألهم عن اصل ماء قبوليجة فارسلت ببعض جماعتها الى اصله فرأى انه ماء بارد فقال كيف يكون هذا اصله وهو حار فقالوا جماعتنا يذكرون فى رأس هذا الماء فى كل اسبوع الاسم الله والاسم هو فبحرارته يسخن الماء فتأثير الذكر غير منكر خصوصا من لسان ارباب التزكية والتصفية: وفى المثنوى شعر : ذكر حق كن بانك غولانرابسوز جشم نركس را ازين كركس بدوز تفسير : والاشارة فى الآية {الله لا اله الا هو} يعنى كان الله فى الازل لا اله اى لم يكن معه احد يوجد الخلق من العدم الا هو {ليجمعنكم} فى العدم مرة اخرى {الى يوم القيمة} فيفرقكم فيها فريق فى الجنة وفريق فى السعير وفريق فى مقعد صدق عند مليك مقتدر {لا ريب فيه} اى لا شك فى الرجوع الى هذه المنازل والمقامات {ومن اصدق من الله حديثا} ليحدثكم بمصالح دينكم ودنياكم ومفاسد اخراكم واولاكم ويهديكم الى الهدى وينجيكم من الردى كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الله}: مبتدأ، و {لا إله}: خبر، أو اعتراض، و {ليجمعنكم}: خبر، وهو أوفق بالسياق، و {لا ريب فيه} حال، أو صفة لمصدر، أي: جمعًا لا ريب فيه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الله لا إله إلا هو} أي: لا مستحق للعبادة إلا هو، والله {ليجمعنكم} أي: ليَحشرنك من قبوركم {إلى يوم القيامة} للحساب الذي وعدكم به، لا شك فيه، فهو وعد صادق، {ومن أصدق من الله حديثًا}، أي: لا أحدَ أصدقُ من الله حديثًا، لأن الكذب نقص، وهو على الله محال. الإشارة: الحق تعالى واحد في ملكه، فلا يذوق وحدانيته إلا من كان واحدًا في قصده وهمه، فكل من وحَّدّ قلبه وقصده وهمته في طلبه، وانجمع بكليته إليه، جمعه الله لحضرته، ونعَّمه بشهود ذاته، وعدًا حقًا وقولاً صادقًا، لا ريب فيه ولا اشتباه، إذ لا أحدَ أصدقُ من الله.

الطوسي

تفسير : قد بينا فيما تقدم معنى الله. وهو الذي تحق له العبادة. وانه من كان قادراً على خلق اصول النعم التي يستحق بها العبادة. وليس هو عبارة عمن يستحق العبادة، لأنه لو كان كذلك، لما كان تعالى إلهاً فيما لم يزل. وإذا ثبت انه موصوف به فيما لم يزل، دل على ان المراد ما قلناه. وإذا ثبت ذلك، فقد بين تعالى بهذه الآية انه لا يستحق العبادة سواه. وقوله: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة} اللام في ليجمعنكم لام القسم كقولك: والله ليجمعنكم. وقيل في معناه قولان: أحدهما - ليبعثنكم من بعد مماتكم، ويحشرنكم جميعاً إلى موقف الحساب الذي يجازي فيه كلا بعمله، ويقضي فيه بين أهل طاعته، ومعصيته. الثاني - قال الزجاج: معناه ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم. وقوله: {لاريب فيه} معناه لا شك فيما أخبركم به. من قوله: اني جامعكم يوم القيامة. وقيل في تسمية ذلك اليوم بالقيامة قولان: أحدهما - لأن الناس يقومون من قبورهم. الثاني - انهم يقومون للحساب. قال الله تعالى {أية : يوم يقوم الناس لرب العالمين } تفسير : وقوله: {ومن أصدق من الله حديثاً} تقرير في صورة الاستفهام ومعناه لا أحد أصدق من الله في الخبر الذي يخبر به من حيث لا يجوز عليه الكذب في شيء من الاشياء، لأنه لا يكذب إلا محتاج يجتلب به نفعاً، أو يدفع به ضرراً. وهما يستحيلان عليه تعالى. فاذاً يستحيل عليه الكذب. وانما يجوز ذلك على من سواه. فلذلك كان تعالى أصدق القائلين. ونصب حديثاً على التمييز كما تقول: من أحسن من زيد فهما أو خلقا؟

الجنابذي

تفسير : {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} استيناف مشير الى التّعليل للسّابق وتميهد لّلاحق {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} فى الجمع او فى اليوم، استيناف! أوحال عن اليوم {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} استفهام انكارىّ والجملة معطوفة على جملة القسم والمقسم عليها او حاليّة وتمهيد للانكار الآتى.

الهواري

تفسير : قوله: {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً}. على الاستفهام. أي: لا أحد. قوله: {فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}. هم قوم من المنافقين كانوا بالمدينة. فخرجوا منها إلى مكة، ثم خرجوا منها إلى اليمامة تجاراً [فارتدوا عن الإِسلام وأظهروا ما في قلوبهم من الشرك] وتخلفوا عن نبي الله في الهجرة؛ فلقيهم المسلمون فكانوا فيهم فئتين أي فرقتين. [قال فريق منهم: قد حلت دماؤهم وهم مشركون مرتدون، وقال بعضهم: لم تحل دماؤهم، هم قوم عرضت عليهم فتنة. فقال الله: فما لكم في المنافقين فئتين، وليس يعني أنهم في تلك الحال التي أظهروا فيها الشرك منافقون، ولكنه نسبه إلى أصلهم الذي كانوا عليه بما كان في قلوبهم من النفاق؛ يقول]: قال بعضكم كذا وقال بعضكم كذا، فهلا كنتم فيهم فئة واحدة [ولم تختلفوا في قتلهم]. ثم قال الله: {وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا} [أي ردهم إلى الشرك] بما اقترفوا من النفاق. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [أي في الكفر شرعاً سواء]. {فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} أي: لا توالوهم. {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} فيرجعوا إلى الدار التي خرجوا منها، يعني المدينة. {فَإِن تَوَلَّوْا} أي أبوا الهجرة {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. ثم استثنى قوماً فنهى عن قتالهم فقال: {إِلاَّ الذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} هؤلاء بنو مدلج كان بينهم وبين قريش عهد، وكان بين رسول الله وبين قريش عهد، فحرم الله من بني مدلج ما حرم من قريش. وهذا منسوخ نسخته الآية التي في براءة: (أية : فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) تفسير : [التوبة:5]. قال: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُرُهُمْ} أي كارهة صدورهم {أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} نسختها هذه الآية {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}. قال بعضهم: ذكر لنا أنهما رجلان من قريش كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلَّما بالإِسلام ولم يهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلقيهما أناس من أصحاب النبي عليه السلام وهما مقبلان إلى مكة؛ فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم: لا يحل لكم ذلك، فأنزل الله: {فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} حتى انتهى إلى قوله... {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}، أي كارهة صدورهم. ذكروا أن مجاهداً قال: هم قوم خرجوا من أهل مكة حتى أتوا المدينة ليأتوا ببضائع لهم يتَّجِرون فيها؛ فاختلف فيهم الناس فبيَّن الله نفاقهم وأمر بقتالهم. قوله: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ}. قال الحسن: إذا لقوا المؤمنين قالوا: إنا منكم، وإذا لقوا المشركين قالوا: إنا منكم. {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وََيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ} أي عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة بيِّنة. وقال بعضهم: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ}، كانوا حياً بالحجاز فقالوا: يا نبي الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عنهم. وقال مجاهد: هم أناس من أهل مكة، كانوا يأتون النبي عليه السلام فيسلّمون عليه رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأُمِروا بقتالهم إن لم يعتزلوا ويكفوا.

اطفيش

تفسير : {اللهُ} مبتدأ وجملة. {لا إلهَ إِلا هُوَ}: خبر، وجملة القسم وجوابه الذى هو قوله جل وعلا. {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ}: مستأنفة، أو الله مبتدأ وجملة القسم وجوابه خبره على تقدير القول أو دونه، وجملة لا إله إلا هو معترضة للتأكيد، واذا كان هو المستحق للألوهية فلا يعبد بالسلام والرد وغيرهما غيره، واذا كان هو الجامع للخلق يوم القيامة للحساب، فلا يقصر فى أداء الواجب، والمراد بالجمع جمع الموتى من القبور، ومن حيث كانوا، وعدى بإلى الى الزمان، لأن المعنى أنه يضطركم الله الى يوم القيامة فتحضرون يوم القيامة، ولا تفوتونه، ولا يجاوزكم الى غيره، أو ضمن الجمع معنى الافضاء فى لفظه مع أصل معنى الجمع، أو يقدر حال محذوف جوازا أى ليجمعنكم مفضين الى يوم القيامة، وأل بمعنى فى، وسمى يوم القيامة لقيام الناس للحساب، قال: {أية : يوم يقوم الناس لرب العالمين }تفسير : أو لقيامهم من قبورهم. {لا رَيْبَ فِيهِ}: نعت لمصدر محذوف، أى جمعا لا ريب فيه فالهاء للجمع، أو حال من اليوم، فالهاء لليوم أو مستأنف، والهاء له وللجمع المعلوم من ليجمعنكم، وذلك رد على منكرى البعث. {وَمَنْ أًصدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً}: لا أصدق منه، فكأنكم بيوم القيامة حاضر، لأن الكذب نقص فى نفسه، ولأنه انما يكذب الكاذب لعجزه عما يكون على صدقه لو صدق من الضر، أو لجلب نفع، أو لجهله بقبح الكذب، وهو تعالى منزه عن ذلك كله.

اطفيش

تفسير : {اللهُ لآَ إِلَهَ إلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلَى يَوْمَ القِيَامَةِ} أى ليجمعنكم بالموت، لا يزال يجمعكم به إلى يوم القيامة، والبرزخ من يومها، ويوم قيامة كل أحد يوم موته، وأما أن يجعل يوم القيامة غاية للجمع من القبور، فلا يصح، لأن الزمان والمكان لا يكون أحدهما مبدأ للآخر والأخر غاية له، بل غاية الزمان ومبدؤه الزمان وغاية المكان ومبدؤه المكان، أو إلى بمعنى فى، أى ليجمعنكم من قبوركم فى يوم القيامة، والقيامة قيام الناس من قبورهم، أو قيامهم فى الموقف للحساب وعدى الجمع بإلى تضميناً له معنى الحشر، والحشر فيه معنى السوق والاضطرار، وليس هذا المعنى ملحوظاً فى الجمع {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أى فى يوم القيامة، أو فى الجمع المفهوم من ليجمعنكم {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً} لا أصدق منه ولا مساوى، ومثل هذه العبارة يستعمل فى نفى المساواة مع نفى الزيادة، ولما رجع عبد الله بن أُبىّ وأصحابه الذين خرجوا إِلى أُُحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، خذلاناً له وغضباً من عدم قبوله رأيه فى عدم الخروج إلى أُحُد، اختلف المسلمون، فقال فريق: اقتلهم يا رسول الله، فما رجعوا إلا لكفرهم، وفريق لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين، والعتاب لهذا الفريق، وآمن قوم ولم يهاجروا، أو آمن آخرون وهاجروا من محلهم، ثم رجعوا شوقاً إليه وكراهة للمدينة، وهاجر آخرون، فاستأذنوه صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا للبدو، فارتحلوا مرحلة بعد مرحلة حتى التحقوا بالمشركين، وهاجر قوم ثم ارتدوا، وزعموا أنهم يرجعون إلى مكة ليرجعوا بأموالهم وبضائعهم، فقتلهم فنزل فى ذلك كله قوله تعالى: {فَمَا لَكُم فِى المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} طائفتين، حال ولو جامدا، لأن معناه متفرقين، وصاحب الحال الكاف، وناصبه لكم أو متعلقة، وليس المراد بالمنافقين الذين أغاروا على السرح ومثلوا براعيه يسار، قطعوا يديه ورجليه، وغزوا الشوك فى لسانه وفى عينيه، لأنه صلى الله عليه وسلم قتلهم، وفعل بهم ما فعلوا، ولا خلاف للمؤمنين فيهم، ولا أُمر المؤمنون بمعاقبتهم {وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ} قلبهم كما يقلب علىّ لسافل وكما يقلب الطعام، رجيعاً عن القتال معك وعن الخير، وإلى إظهار أمارة كفرهم بعد اجتهادهم فى كتمها، لا إلى القتل والسبى، لأنهم لم يفعلا بهم، والجملة حال من كاف لكم أو من المنافقين {بِمَا كَسَبُوا} من المعاصى أو بكسبهم {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ} توبيخ لهم وإنكار عليهم على إرادتهم توفيق من أضله الله، أو على عده من المهتدين، والمراد بمن المعهودون، أو العموم، فيدخل المعهودون بالأولى، وهو حسن لا باطل كما قيل {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِلاً} إلى الهدى وهذا يضعف ما مر من تفسير الهدى بالعد من المهتدين.

الالوسي

تفسير : {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} جواب قسم محذوف أي والله ليجمعنكم، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو خبر ثان، أو هي الخبر، و {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض واحتمال ـ أن تكون خبراً بعد خبر لكان، وجملة {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} معترضة مؤكدة لتهديد قصد بما قبلها وما بعدها ـ بعيد، ثم الخبر وإن كان هو القسم وجوابه لكنه في الحقيقة الجواب فلا يرد وقوع الإنشاء خبراً، ولا أن جواب القسم من الجمل التي لا محل لها من الإعراب فكيف يكون خبراً مع أنه لا امتناع من اعتبار المحل وعدمه باعتبارين، والجمع بمعنى الحشر، ولهذا عدي بإلى كما عدي الحشر بها في قوله تعالى: {أية : لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 158]، وقد يقال: إنما عدي بها لتضمينه معنى الإفضاء المتعدي بها أي ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة، أو مفضين إليه، وقيل: إلى بمعنى في كما أثبته أهل العربية أي ليجمعنكم في ذلك اليوم {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي في يوم القيامة، أو في الجمع، فالجملة إما حال من اليوم، أو صفة مصدر محذوف أي: جمعاً لا ريب فيه والقيامة بمعنى القيام، ودخلت التاء فيه للمبالغة ـ كعلامة ونسابة ـ وسمي ذلك اليوم بذلك لقيام الناس فيه للحساب مع شدة ما يقع فيه من الهول، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وهي أنه تعالى لما ذكر {إِنَّ ٱللَّهَ} تعالى {أية : كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ حَسِيباً} تفسير : [النساء: 86] تلاه بالإعلام بوحدانيته سبحانه والحشر والبعث من القبور للحساب بين يديه، وقال الطبرسي: وجه النظم أنه سبحانه لما أمر ونهى فيما قبل بيّـن بعد أنه لا يستحق العبادة سواه (ليعملوا على حسب ما أوجبه عليهم، وأشار إلى أن لهذا العمل جزاءاً ببيان وقته)، وهو يوم القيامة ليجدوا فيه ويرغبوا ويرهبوا {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} الإستفهام إنكاري، والتفضيل باعتبار الكمية في الأخبار الصادقة لا الكيفية إذ لا يتصور فيها تفاوت لما أن الصدق المطابقة للواقع وهي لا تزيد، فلا يقال لحديث معين: إنه أصدق من آخر إلا بتأويل وتجوز، والمعنى لا أحد أكثر صدقاً منه تعالى في وعده وسائر أخباره ويفيد نفي المساواة أيضاً كما في قولهم: ليس في البلد أعلم من زيد، وإنما كان كذلك لاستحالة نسبة الكذب إليه سبحانه بوجه من الوجوه، ولا يعرف خلاف بين المعترفين بأن الله تعالى متكلم بكلام في تلك الاستحالة، وإن اختلف مأخذهم في الاستدلال. وقد استدل المعتزلة على استحالة الكذب في كلام الرب تعالى بأن الكلام من فعله تعالى، والكذب قبيح لذاته ـ والله تعالى لا يفعل القبيح ـ وهو مبني على قولهم: بالحسن والقبح الذاتيين وإيجابهم رعاية الصلاح والأصلح، وأما الأشاعرة فلهم ـ كما قال الآمدي ـ في بيان استحالة الكذب في كلامه تعالى القديم النفساني مسلكان: / عقلي وسمعي، أما المسلك الأول: فهو أن الصدق والكذب في الخبر من الكلام النفساني القديم ليس لذاته ونفسه بل بالنظر إلى ما يتعلق به من المخبر عنه فإن كان قد تعلق به على ما هو عليه كان الخبر صدقاً، وإن كان على خلافه كان كذباً، وعند ذلك فلو تعلق من الرب سبحانه كلامه القائم على خلاف ما هو عليه لم يخل إما أن يكون ذلك مع العلم به أولا لا جائز أن يكون الثاني، وإلا لزم الجهل الممتنع عليه سبحانه من أوجه عديدة، وإن كان الأول فمن كان عالماً بالشيء يستحيل أن لا يقوم به الإخبار عنه على ما هو به وهو معلوم بالضرورة، وعند ذلك فلو قام بنفسه الإخبار عنه على خلاف ما هو عليه حال كونه عالماً به مخبراً عنه على ما هو عليه لقام بالنفس الخبر الصادق والكاذب بالنظر إلى شيء واحد من جهة واحدة، وبطلانه معلوم بالضرورة. واعترض بأنا نعلم ضرورة من أنفسنا أنا حال ما نكون عالمين بالشيء يمكننا أن نخبر بالخبر الكاذب، ونعلم كوننا كاذبين، ولولا أنا عالمون بالشيء المخبر عنه لما تصور علمنا بكوننا كاذبين، وأجيب بأن الخبر الذي نعلم من أنفسنا كوننا كاذبين فيه إنما هو الخبر اللساني، وأما النفساني فلا نسلم صحة علمنا بكذبه حال الحكم به، وأما الملسك الثاني: فهو أنه قد ثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بدلالة المعجزة القاطعة فيما هو رسول فيه على ما بين في محله. وقد نقل عنه بالخبر المتواتر أن كلام الله تعالى صدق، وأن الكذب عليه سبحانه محال، ونظر فيه الآمدي بأن لقائل أن يقول: صحة السمع متوقفة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه متوقف على استحالة الكذب على الله تعالى من حيث إن ظهور المعجزة على وفق تحديه بالرسالة نازل منزلة التصديق من الله سبحانه له في دعواه، فلو جاز الكذب عليه جل شأنه لأمكن أن يكون كاذباً في تصديقه له ولا يكون الرسول صادقاً، وإذا توقف كل منهما على صاحبه كان دوراً. لا يقال إثبات الرسالة لا يتوقف على استحالة الكذب على الله تعالى ليكون دوراً فإنه لا يتوقف إثبات الرسالة على الإخبار بكونه رسولاً حتى يدخله الصدق والكذب، بل على إظهار المعجزة على وفق تحديه، وهو منزل منزلة الإنشاء، وإثبات الرسالة وجعله رسولاً في الحال كقول القائل: وكلتك في أشغالي، واستنبتك في أموري، وذلك لا يستدعي تصديقاً ولا تكذيباً إذ يقال حينئذ: فلو ظهرت المعجزة على يد شخص لم يسبق منه التحدي بناءاً على جوازه على أصول الجماعة لم تكن المعجزة دالة على ثبوت رسالته إجماعاً ولو كان ظهور المعجزة على يده منزل منزلة الإنشاء لرسالته لوجب أن يكون رسولاً متبعاً بعد ظهورها، وليس كذلك، وكون الإنشاء مشروطاً بالتحدي بعيد بالنظر إلى حكم الإنشاءات، وبتقدير أن يكون كذلك غايته ثبوت الرسالة بطريق الإنشاء، ولا يلزم منه أن يكون الرسول صادقاً في كل ما يخبر به دون دليل عقلي يدل على صدقه فيما يخبر به، أو تصديق الله تعالى له في ذلك، ولا دليل عقلي يدل على ذلك، وتصديق الله تعالى له لو توقف على صدق خبره عاد ما سبق، فينبغي أن يكون هذا المسلك السمعي في بيان استحالة الكلام اللساني وهو صحيح فيه، والسؤال الوارد ثم منقطع هنا فإن صدق الكلام اللساني وإن توقف على صدق الرسول لكن صدق الرسول غير متوقف على صدق الكلام اللساني بل على الكلام اللساني نفسه فامتنع الدور الممتنع، وفي «المواقف»: الاستدلال على امتناع الكذب عليه تعالى عند أهل السنة بثلاثة أوجه: الأول: أنه نقص والنقص ممنوع إجماعاً، وأيضاً فيلزم أن يكون نحن أكمل منه سبحانه في بعض الأوقات أعني وقت صدقنا في كلامنا، والثاني: أنه لو اتصف بالكذب سبحانه لكان كذبه قديماً إذ لا يقوم الحادث / بذاته تعالى فيلزم أن يمتنع عليه الصدق، فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه واللازم باطل، فإنا نعلم بالضرورة أن من علم شيئاً أمكن له أن يخبر عنه على ما هو عليه، وهذان الوجهان إنما يدلان على أن الكلام النفسي الذي هو صفة قائمة بذاته تعالى يكون صادقاً، ثم أتى بالوجه الثالث: دليلاً على استحالة الكذب في الكلام اللفظي والنفسي على طرز ما في المسلك الثاني، وقد علمت ما للآمدي فيه فتدبر جميع ذلك ليظهر لك الحق.

سيد قطب

تفسير : يبدأ هذا الدرس بقاعدة التصور الإسلامي الأساسية.. التوحيد وإفراد الله - سبحانه - بالألوهية؛ ثم يبني على هذه القاعدة أحكاماً شتى في معاملة المجتمع المسلم مع المعسكرات المختلفة؛ بعد التنديد بانقسام الصف المسلم إلى فئتين ورأيين، في معاملة المنافقين - ويبدو أنها جماعة خاصة من المنافقين من غير سكان المدينة - فتقوم هذه الأحكام - وهذا التنديد أيضاً - على قاعدتها الأصيلة، التي يقوم عليها بناء النظام الإسلامي كله.. والتي يتكرر ذكرها كلما اتجه المنهج الرباني إلى تشريع أو توجيه. هذه الأحكام في معاملة المعسكرات المختلفة، هي طرف من القواعد التي أنشأها الإسلام - لأول مرة في تاريخ البشرية - لتنظيم المعاملات الدولية؛ واتخاذ قواعد أخرى لهذه المعاملات، غير تحكيم السيف، ومنطق القوة، وشريعة الغاب. إن أوربا بقانونها الدولي - وكل ما تفرع عنه من المنظمات الدولية - لم تبدأ في هذا الاتجاه إلا في القرن السابع عشر الميلادي (الحادي عشر الهجري). ولم يزل هذا القانون - في جملته - حبراً على ورق؛ ولم تزل هذه المنظمات - في جملتها - أدوات تختفي وراءها الأطماع الدولية؛ ومنابر للحرب الباردة! وليست أداة لإحقاق حق؛ ولا لتحقيق عدل! وقد دعت إليها منازعات بين دول متكافئة القوى. ولكن كلما اختل هذا التكافؤ لم يعد للقوانين الدولية قيمة، ولا للمنظمات الدولية عمل ذو قيمة! أما الإسلام - المنهج الرباني للبشر - فقد وضع أسس المعاملات الدولية في القرن السابع الميلادي (الأول الهجري). ووضعها من عند نفسه؛ دون أن تضطره إلى ذلك ملابسات القوى المتكافئة. فهو كان يضعها ليستخدمها هو، وليقيم المجتمع المسلم علاقاته مع المعسكرات الأخرى على أساسها. ليرفع للبشرية راية العدالة، وليقيم لها معالم الطريق. ولو كانت المعسكرات الأخرى - الجاهلية - لا تعامل المجتمع المسلم بتلك المبادىء من جانبها.. فلقد كان الإسلام ينشىء هذه المبادىء إنشاء وللمرة الأولى.. وهذه القواعد للمعاملات الدولية متفرقة في مواضعها ومناسباتها من سور القرآن، وهي تؤلف في مجموعها قانوناً كاملاً للتعامل الدولي. يضم حكماً لكل حالة من الحالات التي تعرض بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات الأخرى: محاربة. ومهادنة. ومحالفة. ومحايدة. ومرتبطة مع محارب، أو مهادن، أو محالف، أو محايد... الخ.. وليس بنا هنا أن نستعرض هذه المبادىء والأحكام (فهي جديرة ببحث مستقل يتولاه متخصص في القانون الدولي). ولكننا نستعرض ما جاء في هذه المجموعة من الآيات في هذا الدرس.. وهي تتعلق بالتعامل مع الطوائف التالية: "أ" المنافقين غير المقيمين في المدينة. "ب" الذين يرتبطون بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق.. "جـ" المحايدين الذين تضيق صدورهم بحرب المسلمين أو حرب قومهم كذلك. وهم على دينهم. "د" المتلاعبين بالعقيدة الذين يظهرون الإسلام إذا قدموا المدينة ويظهرون الكفر إذا عادوا إلى مكة. "هـ" حالات القتل الخطأ بين المسلمين والقتل العمد على اختلاف المواطن والأقوام.. وسنجد أحكاماً صريحة واضحة في جميع هذه الحالات؛ التي تكوّن جانباً من مبادىء التعامل في المحيط الدولي. شأنها شأن بقية الأحكام، التي تتناول شتى العلاقات الأخرى. ونبدأ من حيث بدأ السياق القرآني بالقاعدة الأولية التي يقوم عليها بناء الإسلام كله. وبناء النظام الإسلامي في شتى جوانبه: {الله لا إله إلا هو، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه. ومن أصدق من الله حديثاً؟} إنه من توحيد الله - سبحانه - وإفراده بالألوهية تبدأ خطوات المنهج الرباني - سواء في تربية النفوس أم في إقامة المجتمع، ووضع شرائعه وتنظيمه؛ وسواء كانت هذه الشرائع متعلقة بالنظام الداخلي للمجتمع المسلم، أم بالنظام الدولي، الذي يتعامل هذا المجتمع على أساسه مع المجتمعات الأخرى. ومن ثم نجد هذا الافتتاح لمجموعة الآيات المتضمنة لطائفة من قواعد التعامل الخارجية والداخلية أيضاً. كذلك من الاعتقاد في الآخرة، وجمع الله الواحد لعباده، ليحاسبهم هناك على ما أتاح لهم في الدنيا من فرص العمل والابتلاء، تبدأ خطوات هذا المنهج في تربية النفوس، وإثارة الحساسية فيها تجاه التشريعات والتوجيهات؛ وتجاه كل حركة من حركاتها في الحياة.. فهو الابتلاء في الصغيرة والكبيرة في الدنيا؛ والحساب على الصغيرة والكبيرة في الآخرة.. وهذا هو الضمان الأوثق لنفاذ الشرائع والأنظمة؛ لأنه كامن هناك في أعماق النفس، حارس عليها، سهران حيث يغفو الرقباء ويغفل السلطان! هذا حديث الله - سبحانه - وهذا وعده: {ومن أصدق من الله حديثاً}.. وبعد هذه اللمسة للقلوب، وهي اللمسة الدالة على طريقة هذا المنهج في التربية، كما هي دالة على أساس التصور الاعتقادي العملي في حياة الجماعة المسلمة.. بعد هذه اللمسة يبدأ في إستنكار حالة من التميع في مواجهة النفاق والمنافقين؛ وقلة الحسم في موضع الحسم في معاملة الجماعة المسلمة لهم؛ وانقسام هذه الجماعة فئتين في أمر طائفة من المنافقين - من خارج المدينة كما سنبين - حيث يشي هذا الاستنكار بما كان في المجتمع المسلم يومئذ من عدم التناسق؛ كما يشي بتشدد الإسلام في ضرورة تحديد الأمور وحسمها، وكراهة التميع في التعامل مع المنافقين والنظر إليهم؛ والارتكان إلى ظاهرهم.. ما لم يكن ذلك عن خطة مقررة هادفة: {فما لكم في المنافقين فئتين؟ والله أركسهم بما كسبوا؛ أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً. ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء. فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله. فإن تولوا فخذوهم، واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيرًا}.. وقد وردت في شأن هؤلاء المنافقين روايات، أهمها روايتان: قال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني عبدالله بن يزيد، عن زيد بن ثابت، "حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه. فكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا. هم المؤمنون! فأنزل الله: {فما لكم في المنافقين فئتين؟} فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنها طيبة. وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد"تفسير : .. (أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة). وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام؛ وكانوا يظاهرون المشركين. فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس.. وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله: - أو كما قالوا - أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ من أجل أنهم لم يهاجروا، ولم يتركوا ديارهم نستحل دماءهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء، فنزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين؟}.. (رواه ابن أبي حاتم، وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا). ومع أن الرواية الأولى أوثق من ناحية السند والإخراج إلا أننا نرجح مضمون الرواية الثانية، بالاستناد إلى الواقع التاريخي؛ فالثابت أن منافقي المدينة لم يرد أمر بقتالهم؛ ولم يقاتلهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يقتلهم. إنما كانت هناك خطة أخرى مقررة في التعامل معهم. هي خطة الإغضاء عنهم، وترك المجتمع نفسه ينبذهم، وتقطيع الأسناد من حولهم بطرد اليهود - وهم الذين يغرونهم ويملون لهم - من المدينة أولاً. ثم من الجزيرة العربية كلها أخيراً.. أما هنا فنحن نجد أمراً جازماً بأخذهم أسرى، وقتلهم حيث وجدوا: مما يقطع بأنهم مجموعة أخرى غير مجموعة المنافقين في المدينة.. وقد يقال: إن الأمر بأخذهم أسرى وقتلهم مشروط بقوله تعالى: { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله، فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم}.. فهو تهديد ليقلعوا عما هم فيه.. وقد يكونون أقلعوا فلم ينفذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر فيهم.. ولكن كلمة {يهاجروا} تقطع - في هذه الفترة - بأنهم ليسوا من أهل المدينة. وأن المقصود هو أن يهاجروا إلى المدينة؛ فقد كان هذا قبل الفتح. ومعنى الهجرة - قبل الفتح - كان محدداً بأنه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام؛ والانضمام للجماعة المسلمة؛ والخضوع لنظامها. وإلا فهو الكفر أو النفاق.. وسيجيء في سياق السورة - في الدرس التالي - تنديد شديد بموقف الذين بقوا - بغير عذر من الضعف - من المسلمين في مكة؛ دار الكفر والحرب بالنسبة لهم - ولو كانوا من أهلها ومواطنين فيها! - وكل هذا يؤيد ترجيح الرواية الثانية. وأن هؤلاء المنافقين كانوا جماعة من مكة - أو ممن حولها - يقولون كلمة الإسلام بأفواههم، ويظاهرون عدو المسلمين بأعمالهم. ونعود إلى النص القرآني: {فما لكم في المنافقين فئتين؛ والله أركسهم بما كسبوا؟ أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً. ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء. فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله. فإن تولوا فخذوهم، واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً}.. إننا نجد في النصوص استنكاراً لانقسام المؤمنين فئتين في أمر المنافقين وتعجباً من اتخاذهم هذا الموقف؛ وشدة وحسماً في التوجيه إلى تصور الموقف على حقيقته، وفي التعامل مع أولئك المنافقين كذلك. وكل ذلك يشي بخطر التميع في الصف المسلم حينذاك - وفي كل موقف مماثل - التميع في النظرة إلى النفاق والمنافقين؛ لأن فيها تميعاً كذلك في الشعور بحقيقة هذا الدين. ذلك أن قول جماعة من المؤمنين: "سبحان الله! - أو كما قالوا - أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟".. وتصورهم للأمر على هذا النحو، من أنه كلام مثل ما يتكلم المسلمون! مع أن شواهد الحال كلها وقول هؤلاء المنافقين: "إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس".. وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين وقولهم: "يظاهرون عدوكم".. تصورهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الإيمان، في ظروف تستدعي الوضوح الكامل، والحسم القاطع. فإن كلمة تقال باللسان؛ مع عمل واقعي في مساعدة عدو المسلمين الظاهرين، لا تكون إلا نفاقاً. ولا موضع هنا للتسامح أو للإغضاء. لأنه تمييع للتصور ذاته.. وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البين. ولم يكن الحال كذلك في الإغضاء عن منافقي المدينة. فقد كان التصور واضحاً.. هؤلاء منافقون.. ولكن هناك خطة مقررة للتعامل معهم. هي أخذهم بظاهرهم والإغضاء إلى حين. وهذا أمر آخر غير أن ينافح جماعة من المسلمين عن المنافقين. لأنهم قالوا كلاماً كالذي يقوله المسلمون. وأدَّوا بألسنتهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. بينما هم يظاهرون أعداء المسلمين! من أجل هذا التميع في فهم فئة من المسلمين، ومن أجل ذلك الاختلاف في شأن المنافقين في الصف المسلم، كان هذا الاستنكار الشديد في مطلع الآية.. ثم تبعه الإيضاح الإلهي لحقيقة موقف هؤلاء المنافقين: {والله أركسهم بما كسبوا}.. ما لكم فئتين في شأن المنافقين. والله أوقعهم فيما هم فيه بسبب سوء نيتهم وسوء عملهم؟ وهي شهادة من الله حاسمة في أمرهم. بأنهم واقعون في السوء بما أضمروا وبما عملوا من سوء. ثم استنكار آخر: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟}.. ولعله كان في قول الفريق.. المتسامح!!.. ما يشير إلى إعطائهم فرصة ليهتدوا، ويتركوا اللجلجة! فاستنكر الله هذا في شأن قوم استحقوا أن يوقعهم الله في شر أعمالهم وسوء مكاسبهم. {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً}.. فإنما يضل الله الضالين. أي يمد لهم في الضلالة حين يتجهون هم بجهدهم ونيتهم إلى الضلالة. وعندئذ تغلق في وجوههم سبل الهداية؛ بما بعدوا عنها، وسلكوا غير طريقها؛ ونبذوا العون والهدى، وتنكروا لمعالم الطريق! ثم يخطو السياق خطوة أخرى في كشف موقف المنافقين.. إنهم لم يضلوا أنفسهم فحسب؛ ولم يستحقوا أن يوقعهم الله في الضلالة بسعيهم ونيتهم فحسب.. إنما هم كذلك يبتغون إضلال المؤمنين: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء}.. إنهم قد كفروا.. على الرغم من أنهم تكلموا بما تكلم به المسلمون، ونطقوا بالشهادتين نطقاً يكذبه العمل في مظاهرة أعداء المسلمين.. وهم لا يريدون أن يقفوا عند هذا الحد. فالذي يكفر لا يستريح لوجود الإيمان في الأرض ووجود المؤمنين. ولا بد له من عمل وسعي، ولا بد له من جهد وكيد لرد المسلمين إلى الكفر. ليكونوا كلهم سواء. هذا هو الإيضاح الأول لحقيقة موقف أولئك المنافقين.. وهو يحمل البيان الذي يرفع التميع في تصور الإيمان؛ ويقيمه على أساس واضح من القول والعمل متطابقين. وإلا فلا عبرة بكلمات اللسان، وحولها هذه القرائن التي تشهد بالكذب والنفاق: والقرآن يلمس مشاعر المؤمنين لمسة قوية مفزعة لهم، وهو يقول لهم: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء}.. فقد كانوا حديثي عهد بتذوق حلاوة الإيمان بعد مرارة الكفر. وبالنقلة الضخمة التي يجدونها في أنفسهم، بين مشاعرهم ومستواهم ومجتمعهم في الجاهلية.. ثم في الإسلام. وكان الفرق واضحاً بارزاً في مشاعرهم وفي واقعهم، تكفي الإشارة إليه لاستثارة عداوتهم كلها لمن يريد أن يردهم إلى ذلك السفح الهابط - سفح الجاهلية - الذي التقطهم منه الإسلام؛ فسار بهم صعداً في المرتقى الصاعد، نحو القمة السامقة. ومن ثم يتكىء المنهج القرآني على هذه الحقيقة؛ فيوجه إليهم الأمر في لحظة التوفز والتحفز والانتباه للخطر البشع الفظيع الذي يتهددهم من قبل هؤلاء: {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله. فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً}.. ونحس من النهي عن اتخاذ أولياء منهم.. أنه كانت ما تزال للروابط والوشائج العائلية والقبلية بقايا في نفوس المسلمين في المدينة - وربما كان للمصالح الاقتصادية أيضاً - وكان المنهج القرآني يعالج هذه الرواسب؛ ويقرر للأمة المسلمة قواعد ارتباطاتها. كما يقرر قواعد تصورها في الوقت ذاته. كان يعلمها أن الأمة لا تقوم على روابط العشيرة والقبيلة، أو روابط الدم والقرابة. أو روابط الحياة في أرض واحدة أو مدينة واحدة, أو روابط المصالح الاقتصادية في التجارة وغير التجارة.. إنما تقوم الأمة على العقيدة؛ وعلى النظام الاجتماعي المنبثق من هذه العقيدة. ومن ثم فلا ولاية بين المسلمين في دار الإسلام، وبين غيرهم ممن هم في دار الحرب.. ودار الحرب هي يومئذ مكة موطن المهاجرين الأول.. لا ولاية حتى يهاجر أولئك الذين يتكلمون بكلمة الإسلام؛ وينضموا إلى المجتمع المسلم - أي إلى الأمة المسلمة - حيث تكون هجرتهم لله وفي سبيل الله. من أجل عقيدتهم، لا من أجل أي هدف آخر؛ ولإقامة المجتمع المسلم الذي يعيش بالمنهج الإسلامي لا لأي غرض آخر.. بهذه النصاعة. وبهذا الحسم. وبهذا التحديد الذي لا يقبل أن تختلط به شوائب أخرى، أو مصالح أخرى، أو أهداف أخرى.. فإن هم فعلوا. فتركوا أهلهم ووطنهم ومصالحهم.. في دار الحرب.. وهاجروا إلى دار الإسلام، ليعيشوا بالنظام الإسلامي، المنبثق من العقيدة الإسلامية، القائم على الشريعة الإسلامية.. إن هم فعلوا هذا فهم أعضاء في المجتمع المسلم، مواطنون في الأمة المسلمة. وإن لم يفعلوا وأبوا الهجرة، فلا عبرة بكلمات تقال فتكذبها الأفعال: {فإن تولوا فخذوهم (أي أسرى) واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً}. وهذا الحكم - كما قلنا - هو الذي يرجح عندنا، أنهم لم يكونوا هم منافقي المدينة. إذ قد اتبعت مع منافقي المدينة سياسة أخرى. إن الإسلام يتسامح مع أصحاب العقائد المخالفة له؛ فلا يكرههم أبداً على اعتناق عقيدته. ولهم - حتى وهم يعيشون في ظل نظامه ودولته - أن يجهروا بمعتقداتهم المخالفة للإسلام. في غير ما دعوة للمسلمين ولا طعن في الدين. فقد ورد في القرآن من استنكار مثل هذا الطعن من أهل الكتاب ما لا يدع مجالاً للشك في أن الإسلام لا يدع غير المعتنقين له ممن يعيشون في ظله يطعنون فيه ويموهون حقائقه ويلبسون الحق بالباطل كما تقول بعض الآراء المائعة في زماننا هذا! وحسب الإسلام أنه لا يكرههم على اعتناق عقيدته. وأنه يحافظ على حياتهم وأموالهم ودمائهم؛ وأنه يمتعهم بخير الوطن الإسلامي بلا تمييز بينهم وبين أهل الإسلام؛ وأنه يدعهم يتحاكمون إلى شريعتهم في غير ما يتعلق بمسائل النظام العام. إن الإسلام يتسامح هذا التسامح مع مخالفيه جهاراً نهاراً في العقيدة.. ولكنه لا يتسامح هذا التسامح مع من يقولون الإسلام كلمة باللسان تكذبها الأفعال. لا يتسامح مع من يقولون: إنهم يوحدون الله ويشهدون أن لا إله إلا الله. ثم يعترفون لغير الله بخاصية من خصائص الألوهية، كالحاكمية والتشريع للناس؛ فيصم أهل الكتاب بأنهم مشركون، لأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم.. لا لأنهم عبدوهم. ولكن لأنهم أحلوا لهم الحلال، وحرموا عليهم الحرام فاتبعوهم! ولا يتسامح هذا التسامح في وصف جماعة من المنافقين بأنهم مؤمنون. لأنهم شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. ثم بقوا في دار الكفر، يناصرون أعداء المسلمين! ذلك أن التسامح هنا ليس تسامحاً. إنما هو تميع. والإسلام عقيدة التسامح. ولكنه ليس عقيدة "التميع". إنه تصور جاد. ونظام جاد. والجد لا ينافي التسامح. ولكنه ينافي التميع. وفي هذه اللفتات واللمسات من المنهج القرآني للجماعة المسلمة الأولى، بيان، وبلاغ.. ثم استثنى من هذا الحكم - حكم الأسر والقتل - لهذا الصنف من المنافقين، الذين يعينون أعداء المسلمين - من يلجأون إلى معسكر بينه وبين الجماعة الإسلامية عهد - عهد مهادنة أو عهد ذمة - ففي هذه الحالة يأخذون حكم المعسكر الذي يلتجئون، إليه ويتصلون به: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق}.. ويبدو في هذا الحكم اختيار الإسلام للسلم، حيثما وجد مجالاً للسلم لا يتعارض مع منهجه الأساسي. من حرية الإبلاغ وحرية الاختيار؛ وعدم الوقوف في وجه الدعوة، بالقوة مع كفالة الأمن للمسلمين؛ وعدم تعريضهم للفتنة، أو تعريض الدعوة الإسلامية ذاتها للتجميد والخطر. ومن ثم يجعل كل من يلجأ ويتصل ويعيش بين قوم معاهدين - عهد ذمة أو عهد هدنة - شأنه شأن القوم المعاهدين. يعامل معاملتهم، ويسالم مسالمتهم. وهي روح سلمية واضحة المعالم في مثل هذه الأحكام. كذلك يستثني من الأسر والقتل جماعة أخرى. هي الأفراد أو القبائل أو المجموعات التي تريد أن تقف على الحياد، فيما بين قومهم وبين المسلمين من قتال. إذ تضيق صدورهم أن يقاتلوا المسلمين مع قومهم. كما تضيق صدورهم أن يقاتلوا قومهم مع المسلمين. فيكفوا أيديهم عن الفريقين بسبب هذا التحرج من المساس بهؤلاء أو هؤلاء: {أو جاءوكم، حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم}.. وواضح كذلك في هذا الحكم الرغبة السلمية في اجتناب القتال؛ حيثما كف الآخرون عن التعرض للمسلمين ودعوتهم؛ واختاروا الحياد بينهم وبين المحاربين لهم. وهؤلاء الذين يتحرجون أن يحاربوا المسلمين أو يحاربوا قومهم.. كانوا موجودين في الجزيرة؛ وفي قريش نفسها؛ ولم يلزمهم الإسلام أن يكونوا معه أو عليه. فقد كان حسبه ألا يكونوا عليه.. كما أنه كان المرجو من أمرهم أن ينحازوا إلى الإسلام، حينما تزول الملابسات التي تحرجهم من الدخول فيه؛ كما وقع بالفعل. ويحبب الله المسلمين في انتهاج هذه الخطة مع المحايدين المتحرجين. فيكشف لهم عن الفرض الثاني الممكن في الموقف! فلقد كان من الممكن - بدل أن يقفوا هكذا على الحياد متحرجين - أن يسلطهم الله على المسلمين فيقاتلوهم مع أعدائهم المحاربين! فأما وقد كفهم الله عنهم على هذا النحو، فالسلم أولى، وتركهم وشأنهم هو السبيل: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم. فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم، وألقوا إليكم السلم. فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً}.. وهكذا يلمس المنهج التربوي الحكيم نفوس المسلمين المتحمسين، الذين قد لا يرضون هذا الموقف من هذا الفريق. يلمسه بما في هذا الموقف من فضل الله وتدبيره؛ ومن كف لجانب من العداء والأذى كان سيضاعف العبء على عاتق المسلمين. ويعلمهم أن يأخذوا الخير الذي يعرض فلا يرفضوه، ويجتنبوا الشر الذي يأخذ طريقه بعيداً عنهم، فلا يناوشوه.. طالما أن ليس في هذا كله تفريط في شيء من دينهم، ولا تمييع لشيء من عقيدتهم؛ ولا رضى بالدنية في طلب السلم الرخيصة! لقد نهاهم عن السلم الرخيصة. لأنه ليس الكف عن القتال بأي ثمن هو غاية الإسلام.. إنما غاية الإسلام: السلم التي لا تتحيف حقاً من حقوق الدعوة، ولا من حقوق المسلمين.. لا حقوق أشخاصهم وذواتهم؛ ولكن حقوق هذا المنهج الذي يحملونه ويسمون به مسلمين. وإن من حق هذا المنهج أن تزال العقبات كلها من طريق إبلاغ دعوته وبيانه للناس في كل زاوية من زوايا الأرض. وأن يكون لكل من شاء - ممن بلغتهم الدعوة - أن يدخل فيه فلا يضار ولا يؤذى في كل زاوية من زوايا الأرض. وأن تكون هناك القوة التي يخشاها كل من يفكر في الوقوف في وجه الدعوة - في صورة من الصور - أو مضارة من يؤمن بها - أي لون من ألوان المضارة - وبعد ذلك فالسلم قاعدة. والجهاد ماض إلى يوم القيامة. ولكن هناك طائفة أخرى، لا يتسامح معها الإسلام هذا التسامح. لأنها طائفة منافقة شريرة كالطائفة الأولى. وليست مرتبطة بميثاق ولا متصلة بقوم لهم ميثاق. فإلاسلام إزاءها إذن طليق. يأخذها بما أخذ به طائفة المنافقين الأولى: {ستجدون آخرين، يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم. كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها. فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم، ويكفوا أيديهم؛ فخذوهم، واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً}.. حكى ابن جرير عن مجاهد، أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسلمون رياء؛ ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا، وها هنا. فأمر بقتلهم - إن لم يعتزلوا ويصلحوا - ولهذا قال تعالى: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم (المهادنة والصلح) ويكفوا أيديهم (أي عن القتال) فخذوهم (أسراء) واقتلوهم حيث ثقفتموهم (أي حيث وجدتموهم) وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً}.. وهكذا نرى صفحة من حسم الإسلام وجديته، إلى جانب سماحته وتغاضيه.. هذه في موضعها، وتلك في موضعها. وطبيعة الموقف، وحقيقة الواقعة، هي التي تحدد هذه وتلك.. ورؤية هاتين الصفحتين - على هذا النحو - كفيلة بأن تنشىء التوازن في شعور المسلم؛ كما تنشىء التوازن في النظام الإسلامي - السمة الأساسية الأصيلة - فأما حين يجيء المتشددون فيأخذون الأمر كله عنفاً وحماسة وشدة واندفاعاً فليس هذا هو الإسلام! وأما حين يجيء المتميعون المترققون المعتذرون عن الجهاد في الإسلام، كأن الإسلام في قفص الاتهام وهم يترافعون عن المتهم الفاتك الخطير! فيجعلون الأمر كله سماحة وسلماً وإغضاء وعفواً؛ ومجرد دفاع عن الوطن الإسلامي وعن جماعة المسلمين - وليس دفعاً عن حرية الدعوة وإبلاغها لكل زاوية في الأرض بلا عقبة. وليس تأميناً لأي فرد في كل زاوية من زوايا الأرض يريد أن يختار الإسلام عقيدة. وليس سيادة لنظام فاضل وقانون فاضل يأمن الناس كلهم في ظله، من اختار عقيدته ومن لم يخترها سواء.. فأما حينئذ فليس هذا هو الإسلام. وفي هذه الطائفة من أحكام المعاملات الدولية بلاغ وبيان.. ذلك في علاقات المسلمين مع المعسكرات الأخرى. فأما في علاقات المسلمين بعضهم ببعض، مهما اختلفت الديار - وفي ذلك الوقت كما في كل وقت كان هناك مسلمون في شتى الديار - فلا قتل ولا قتال.. لا قتل إلا في حد أو قصاص.. فإنه لا يوجد سبب يبلغ من ضخامته أن يفوق ما بين المسلم والمسلم من وشيجة العقيدة. ومن ثم لا يقتل المسلم المسلم أبداً. وقد ربطت بينهما هذه الرابطة الوثيقة. اللهم إلا أن يكون ذلك خطأ.. وللقتل الخطأ توضع التشريعات والأحكام. فأما القتل العمد فلا كفارة له. لأنه وراء الحسبان! ووراء حدود الإسلام! {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ. ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله - إلا أن يصدقوا - فإن كان من قوم عدو لكم - وهو مؤمن - فتحرير رقبة مؤمنة. وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. توبة من الله. وكان الله عليماً حكيماً}. {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً}.. وهذه الأحكام تتناول أربع حالات: ثلاث منها من حالات القتل الخطأ - وهو الأمر المحتمل وقوعه بين المسلمين في دار واحدة - دار الإسلام - أو في ديار مختلفة بين شتى الأقوام - والحالة الرابعة حالة القتل العمد. وهي التي يستبعد السياق القرآني وقوعها ابتداء. فليس من شأنها أن تقع. إذ ليس في هذه الحياة الدنيا كلها ما يساوي دم مسلم يريقه مسلم عمداً. وليس في ملابسات هذه الحياة الدنيا كلها ما من شأنه أن يوهن من علاقة المسلم بالمسلم إلى حد أن يقتله عمداً. وهذه العلاقة التي أنشأها الإسلام بين المسلم والمسلم من المتانة والعمق والضخامة والغلاوة والإعزاز بحيث لا يفترض الإسلام أن تخدش هذا الخدش الخطير أبداً.. ومن ثم يبدأ حديثه عن أحكام القتل الخطأ: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ}.. فهذا هو الاحتمال الوحيد في الحس الإسلامي.. وهو الاحتمال الحقيقي في الواقع.. فإن وجود مسلم إلى جوار مسلم مسألة كبيرة. كبيرة جداً. ونعمة عظيمة. عظيمة جداً. ومن العسير تصور أن يقدم مسلم على إزالة هذه النعمة عن نفسه؛ والإقدام على هذه الكبيرة عن عمد وقصد.. إن هذا العنصر.. المسلم.. عنصر عزيز في هذه الأرض.. وأشد الناس شعوراً بإعزاز هذا العنصر هو المسلم مثله.. فمن العسير أن يقدم على إعدامه بقتله.. وهذا أمر يعرفه أصحابه. يعرفونه في نفوسهم ومشاعرهم. وقد علمهم الله إياه بهذه العقيدة. وبهذه الوشيجة. وبهذه القرابة التي تجمعهم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ترتقي فتجمعهم في الله سبحانه الذي ألف بين قلوبهم. ذلك التأليف الرباني العجيب. فأما إذا وقع القتل خطأ فهناك تلك الحالات الثلاث، التي يبين السياق أحكامها هنا: الحالة الأولى: أن يقع القتل على مؤمن أهله مؤمنون في دار الإسلام. ويجب في هذه الحالة تحرير رقبة مؤمنة، ودية تسلم إلى أهله.. فأما تحرير الرقبة المؤمنة، فهو تعويض للمجتمع المسلم عن قتل نفس مؤمنة باستحياء نفس مؤمنة. وكذلك هو تحرير الرقاب في حس الإسلام. وأما الدية فتسكين لثائرة النفوس، وشراء لخواطر المفجوعين، وتعويض لهم عن بعض ما فقدوا من نفع المقتول.. ومع هذا يلوح الإسلام لأهل القتيل بالعفو - إذا اطمأنت نفوسهم إليه - لأنه أقرب إلى جو التعاطف والتسامح في المجتمع المسلم. {ومن يقتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله - إلا أن يصدّقوا}.. والحالة الثانية: أن يقع القتل على مؤمن وأهله محاربون للإسلام في دار الحرب.. وفي هذه الحالة يجب تحرير رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قتلت، وفقدها الإسلام. ولكن لا يجوز أداء دية لقومه المحاربين، يستعينون بها على قتال المسلمين! ولا مكان هنا لاسترضاء أهل القتيل وكسب مودتهم، فهم محاربون، وهم عدو للمسلمين. والحالة الثالثة: أن يقع القتل على مؤمن قومه معاهدون - عهد هدنة أو عهد ذمة - ولم ينص على كون المقتول مؤمناً في هذه الحالة. مما جعل بعض المفسرين والفقهاء يرى النص على إطلاقه. ويرى الحكم بتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله - المعاهدين - ولو لم يكن مؤمناً. لأن عهدهم مع المؤمنين يجعل دماءهم مصونة كدماء المسلمين. ولكن الذي يظهر لنا أن الكلام ابتداء منصب على قتل المؤمن. {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ}.. ثم بيان للحالات المتنوعة التي يكون فيها القتيل مؤمناً. وإذا كان قد نص في الحالة الثانية فقال: {وإن كان من قوم عدو لكم - وهو مؤمن} فقد كان هذا الاحتراز مرة أخرى بسبب ملابسة أنه من قوم عدو. ويؤيد هذا الفهم النص على تحرير رقبة مؤمنة في هذه الحالة الثالثة. مما يوحي بأن القتيل مؤمن فأعتقت رقبة مؤمنة تعويضاً عنه. وإلا لكفى عتق رقبة إطلاقاً دون شرط الإيمان.. "حديث : وقد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودى بعض القتلى من المعاهدين: ولكن لم يرد عتق رقاب مؤمنة بعددهم"تفسير : . مما يدل على أن الواجب في هذه الحالة هو الدية. وأن هذا ثبت بعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا بهذه الآية. وأن الحالات التي تتناولها هذه الآية كلها هي حالات وقوع القتل على مؤمن. سواء كان من قوم مؤمنين في دار الإسلام، أو من قوم محاربين عدو للمسلمين في دار الحرب، أو من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق.. ميثاق هدنة أو ذمة.. وهذا هو الأظهر في السياق. ذلك القتل الخطأ. فأما القتل العمد، فهو الكبيرة التي لا ترتكب مع إيمان؛ والتي لا تكفر عنها دية ولا عتق رقبة؛ وإنما يوكل جزاؤها إلى عذاب الله: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه. وأعد له عذاباً عظيماً}.. إنها جريمة قتل لا لنفس فحسب - بغير حق - ولكنها كذلك جريمة قتل للوشيجة العزيزة الحبيبة الكريمة العظيمة، التي أنشأها الله بين المسلم والمسلم. إنها تنكر للإيمان ذاته وللعقيدة نفسها. ومن ثم قرنت بالشرك في مواضع كثيرة؛ واتجه بعضهم - ومنهم ابن عباس - إلى أنه لا توبة منها.. ولكن البعض الآخر استند إلى قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.. فرجا للقاتل التائب المغفرة.. وفسر الخلود بأنه الدهر الطويل. والذين تربوا في مدرسة الإسلام الأولى، كانوا يرون قاتلي آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، - قبل إسلامهم - يمشون على الأرض - وقد دخلوا في الإسلام - فيهيج في نفوس بعضهم ما يهيج من المرارة. ولكنهم لا يفكرون في قتلهم. لا يفكرون مرة واحدة؛ ولا يخطر لهم هذا الخاطر في أشد الحالات وجداً ولذعاً ومرارة. بل إنهم لم يفكروا في إنقاصهم حقاً واحداً من حقوقهم التي يخولها لهم الإسلام. واحتراساً من وقوع القتل ولو كان خطأ؛ وتطهيراً لقلوب المجاهدين حتى ما يكون فيها شيء إلا لله، وفي سبيل الله.. يأمر الله المسلمين إذا خرجوا غزاة، ألا يبدأوا بقتال أحد أو قتله حتى يتبينوا؛ وأن يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان (إذ لا دليل هنا يناقض كلمة اللسان). {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا؛ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً. تبتغون عرض الحياة الدنيا. فعند الله مغانم كثيرة. كذلك كنتم من قبل، فمن الله عليكم. فتبينوا. إن الله كان بما تعملون خبيراً}.. وقد وردت روايات كثيرة في سبب نزول الآية: خلاصتها أن سرية من سرايا المسلمين لقيت رجلاً معه غنم له. فقال السلام عليكم. يعني أنه مسلم. فاعتبر بعضهم أنها كلمة يقولها لينجو بها، فقتله. ومن ثم نزلت الآية، تحرج على مثل هذا التصرف؛ وتنفض عن قلوب المؤمنين كل شائبة من طمع في الغنيمة؛ أو تسرع في الحكم.. وكلاهما يكرهه الإسلام. إن عرض الحياة الدنيا لا يجوز أن يدخل للمسلمين في حساب؛ إذا خرجوا يجاهدون في سبيل الله. إنه ليس الدافع إلى الجهاد ولا الباعث عليه.. وكذلك التسرع بإهدار دم قبل التبين. وقد يكون دم مسلم عزيز، لا يجوز أن يراق. والله سبحانه يذكر الذين آمنوا بجاهليتهم القريبة وما كان فيها من تسرع ورعونة؛ وما كان فيها من طمع في الغنيمة. ويمن عليهم أن طهر نفوسهم ورفع أهدافهم، فلم يعودوا يغزون ابتغاء عرض الحياة الدنيا كما كانوا في جاهليتهم. ويمن عليهم أن شرع لهم حدوداً وجعل لهم نظاماً؛ فلا تكون الهيجة الأولى هي الحكم الآخر. كما كانوا في جاهليتهم كذلك.. وقد يتضمن النص إشارة إلى أنهم هم كذلك كانوا يخفون إسلامهم - على قومهم - من الضعف والخوف، فلا يظهرونه إلا عند الأمن مع المسلمين، وأن ذلك الرجل القتيل كان يخفي إسلامه على قومه، فلما لقي المسلمين أظهر لهم إسلامه وأقرأهم سلام المسلمين. {كذلك كنتم من قبل. فمن الله عليكم. فتبينوا. إن الله كان بما تعلمون خبيراً}. وهكذا يلمس المنهج القرآني القلوب لتحيا وتتحرج وتتذكر نعمة الله.. وعلى هذه الحساسية والتقوى، يقيم الشرائع والأحكام؛ بعد بيانها وإيضاحها. وهكذا يتناول هذا الدرس تلك الجوانب من قواعد المعاملات الدولية بمثل هذا الوضوح، ومثل هذه النظافة. منذ أربعة عشر قرناً..

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي، جمع تمجيد الله، وتهديداً، وتحذيراً من مخالفة أمره، وتقريراً للإيمان بيوم البعث، وردّاً لإشراك بعض المنافقين وإنكارهم البعث. فاسم الجلالة مبتدأ. وجملة {لا إله إلا هو} معترضة بين المبتدأ وخبره لتمجيد الله. وجملة {ليجمعنكم} جواب قسم محذوف واقع جميعه موقع الخبر عن اسم الجلالة. وأكّد هذا الخبر: بلام القسم، ونون التوكيد، وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، لتقوية تحقيق هذا الخبر. إبطالاً لإنكار الذين أنكروا البعث. ومعنى {لا ريب فيه} نفي أن يتطرّقه جنس الريب والشكّ أي في مَجيئه، والمقصود لا ريب حقيقياً فيه، أو أنّ ارتياب المرتابين لوهنه نُزّل منزلة الجنس المعدوم. والاستفهام عن أن يكون أحد أصدق من الله هو استفهام إنكاري. و«حديثاً» تمييز لنسبة فعل التفضيل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا إله إلا هو: لا معبود بحق إلا هو. فئتين: جماعتين الواحدة فئة أي جماعة. أركسهم: الارتكاس: التحول من حال حسنة إلى حال سيئة كالكفر بعد الإِيمان أو الغدر بعد الأمان وهو المراد هنا. سبيلاً: أي طريقاً إلى هدايتهم. وَليّاً ولا نصيراً: الولي: من يلي أمرك، والنصير: من ينصرك على عدوك. يصلون: أي يتصلون بهم بموجب عقد معاهدة بينهم. ميثاق: عهد. حصرت صدورهم: ضاقت. السلم: الاستسلام والانقياد. الفتنة: الشرك. ثقفتموهم: وجدتموهم متمكنين منهم. سلطاناً مبيناً: حجة بينة على جواز قتالهم. معنى الآيات: لما ذكر تعالى الآيات قبل هذه أنه تعالى المقيت والحسيب أي القادر على الحساب والجزاء أخبر عز وجل أنه الله الذي لا إله إلا هو أي المعبود دون سواه لربوبيته على خلقه إذ الإِله الحق ما كان رباً خالقاً رازقاً مدبراً بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء وأنه جامع الناس ليوم لا ريب في إتيانه وهو يوم القيامة. هذا ما دلت عليه الآية الكريمة {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} ولما كان هذا خبراً يتضمن وعداً ووعيداً أكد تعالى إنجازه فقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} اللهم إنه لا أحد أصدق منك. أما الآيات الأربع الباقية وهي [88] و [89] و [90] و [91] فقد نزلت لسبب معين وتعالج مسائل حربية معنية أما السبب الذي نزلت فيه فهو اختلاف المؤمنين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في طائفة من المنافقين أظهروا الإِسلام وهم ضليعون في موالاة الكافرين، وقد يكونوا في مكة، وقد يكونون في المدينة فرأى بعض الأصحاب أن من الحزم الضرب على أيديهم وإنهاء نفاقهم، ورأى آخرون تركهم والصبر عليهم ما داموا يدعون الإِيمان لعلهم بمرور الأيام يتوبون، فلما اختلفوا واشتد الخلاف في شأنهم أنزل الله تعالى هذه الآيات فقال: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} ومعنى الآية أي شيء صيركم في شأن المنافقين فئتين؟ والله تعالى قد أركسهم في الكفر بسبب ما كسبوه من الذنوب العظام. أتريدون أيها المسلمون أن تهدوا من أضل الله، وهل يقدر أحد على هداية من أضله الله؟ وكيف، ومن يضلل الله حسب سنته في إضلال البشر لا يوجد له هادٍ، ولا سبيل لهدايته بحال من الأحوال. ثم أخبر تعالى عن نفسيّة أولئك المنافقين المختلف فيهم فقال وهي الآية الثالثة [89] {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} أي أحبوا من قلوبهم كفركم لتكونوا مثلهم وفيه لازم وهو انتهاء الإِسلام، وظهور الكفر وانتصاره. ومن هنا قال تعالى محرما موالاتهم إلى أن يهاجروا فقال: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ} تعولون عليهم في نصرتكم على إخوانهم في الكفر. وظاهر هذا السياق أن هؤلاء المنافقين هم بمكة وهو كذلك. وقوله تعالى {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، لأن الهجرة إلى المدينة تقطع صلاتهم بدار الكفر فيفتر عزمهم ويراجعوا الصدق في إيمانهم فيؤمنوا فإن هاجروا ثم تولوا عن الإِيمان الصحيح إلى النفاق والكفر فأعلنوا الحرب عليهم {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} لأنه بارتكاسهم لا خير فيهم ولا يعول عليهم. ثم في الآية [90] استثنى لهم الرب تعالى صنفين من المنافقين المذكورين فلا يأخذونهم أسرى ولا يقاتلونهم، الصنف الأول الذين ذكرهم تعالى قوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ} أي يلجأون {إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ} فبحكم استجارتهم بهم طالبين الأمان منهم فأمنوهم أنتم حتى لا تنقضوا عهدكم. والصنف الثاني قوم ضاقت صدورهم بقتالكم، وقتال قومهم فهؤلاء الذين لم يستسيغوا قتالكم ولا قتال قومهم إن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم فلا تأخذوهم ولا تقتلوهم واصبروا عليهم، إذ لو شاء الله تعالى لسلطهم عليكم فلقاتلوكم هذا الصنف هو المعني بقوله تعالى: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ} فما دام الله تعالى قد كفهم عنكم فكفوا أنتم عنهم. هذا معنى قوله تعالى: {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ}. أي المسالمة والمهادنة {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} لأخذهم وقتالهم. هذا وهناك صنف آخر ذكر تعالى حكم معاملته في الآية الخامسة والأخيرة وهي قوله تعالى: [91] {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} غير الصنفين السابقين {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} فهم إذاً يلعبون على الحبلين كما يقال {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} أي إلى الشرك {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أي وقعوا فيها منتكسين إذ هم منافقون إذا كانوا معكم عبدوا الله وحده وإذا كانوا مع قومهم عبدوا الأوثان لمجرد دعوة يدعونها يلبون فيرتدون إلى الشرك، وهو معنى قوله تعالى: {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} وقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي إن لم يعتزلوا قتالكم ويلقوا إليكم السلام وهو الإِذعان والإِنقياد لكم، ويكفوا أيديهم فعلاً عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي حجة واضحة على جواز أخذهم وقتلهم حيثما تمكنتم منهم وعلى أي حال. هذا ما دلت عليه الآيات الخمس مع العلم أن الكف عن قتال المشركين قد نسخ بآيات براءة إلا أن لإِمام المسلمين أن يأخذ بهذا النظام عند الحاجة إليه فإنه نظام رباني ما أخذ به أحد وخاب أو خسر، ولكن خارج جزيرة العرب إذ لا ينبغي أن يجتمع فيها دينان. هداية الآيات من هداية الآيات 1- وجوب توحيد الله تعالى في عبادته. 2- الإِيمان بالبعث والجزاء. 3- خطة حكيمة لمعاملة المنافقين بحسب الظروف والأحول. 4- تقرير النسخ في القرآن.

القطان

تفسير : جمعت هذه الآية الكريمة التوحيد، والايمان بالبعث والجزاء في الدار الآخرة، وهما الركنان الأساسيان للدّين. وبعد أن مهّد الشارعُ بذكر هذه القواعد الثابتة بنى على ذلك احكاماً شتى في تعامل المسلمين مع غيرهم كما سيأتي. الله لا إله الا هو، ولا سلطان لغيره، فلا تقصّروا في عبادته. انه سيبعثكم بعد موتكم ويحشركم الى موقف الحساب والجزاء يوم القيامة، وهو يوم آتٍ لا ريب فيه، ولهذا لا تشكّوا في حديثه فإنه لا قول أصدق من قوله.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} (87) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ وَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَنْ تَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ لِجَميعِ المَخْلُوقَاتِ، وَأنَّهُ سَيَجْمَعُ النَّاسَ جَمِيعاً (وَقَدْ أَقْسَمَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ) فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُجَازِي كُلاً عَلَى عَمَلِهِ، وَلاَ أَحَدَ أصْدَقُ حَدِيثاً مِنَ اللهِ، وَلاَ أصْدَقُ وَعْداً وَوَعِيداً وَخَبراً مِنْهُ، فَلاَ إلهَ إلاَّ هُوَ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا يعني: أنّه لا يوجد إله آخر سيأتي ليتدخل وينهى المسائل من خلف ظهر الخالق الأعلى سبحانه: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فليس هناك إله سواي، لا تشريع يرسم صلاح البشر إلا تشريعي وسترجعون إليّ، وليس هناك واحد يقول: "افعل" "ولا تفعل"، والآخر يقول بالعكس، إنه إلا واحد، والأمر منه بـ "افعل" هو الأمر الوحيد الصالح للإنسان. والنهي منه بـ "لا تفعل" هو النهي الوحيد الذي يجب على العاقل أن يتجنبه، ولذلك تجده يقول: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 1-6]. إنه سبحانه يوضح: ليس هناك مضارة بين دينين، دين للكافرين، ودين للمؤمنين، لا، بل هو دين ومنهج واحد صالح للإنسان هو منهج التوحيد جاءت به الرسل جميعا وختم بالإسلام الذي لا دين بعده، ولذلك جاء بعدها مباشرة: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1]. ويأتي بعد ذلك بسورة المسد: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. أما كان أبو لهب يقدر أن يقول بعدها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ كان يقدر، ولو قالها لشكك في هذه الآية، ولقالوا: إنه لن يصلي ناراً ذات لهب. إن هذا الأمر كان له فيه اختيار، ولم يوفقه الله إلى أن يقولها ولو نفاقاً، لماذا؟ لأن الحق قال بعد هذه الآية مباشرة: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1]. أي فليس إله آخر يرد أمره سبحانه وتعالى: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. وكلمة "يجمع" تعني أنه يخرجنا مع بعضنا من قبورنا جميعا، ويحشرنا جميعاً أمامه، وقد تعني "ليجمعنكم" أي ليحشرنكم من قبوركم لتلقي جزاء يوم القيامة. لماذا جاء هذا القول؟ جاء لكي يتفحصه العاقل، فلا يأخذ انفلات نفسه من منهج الله إلا بملاحظة الجزاء على الانفلات من المنهج، فلو أخذ نفسه منفلتاً عن منهج الله بدون أن يقدر الجزاء لكان أحمق وأخرق. ولذلك قلنا: إن الذين يسرفون على أنفسهم في المعصية لا يستحضرون أمام عيونهم الجزاء على المعصية. ولذلك يقولون كل الجرائم إنما تتم في غفلة صاحبها عن الجزاء؛ فالمجرم يرتكب جريمته وهو مقدر السلامة لنفسه، والسارق يذهب إلى السرقة وهو مقدر السلامة، لكن لو وضع في ذهنه أنه من الممكن أن يتم القبض عليه لما فعلها أبدا. والحق سبحانه وتعالى يوضح: إياك يا من تريد - بالاختيار الذي أعطيته لك - الانحراف عن منهجي أَلاَّ تقدر الجزاء على هذه المخالفة. بل عليك أن تأخذها قضية واضحة، واسأل كم ستعطيك المعصية من نفع وكم سيعُطيك الله من خير على الطاعة، وضع الاثنين في كفتي ميزان؛ فالذي يعطيك الخير الأبقى افعله، وابتعد عما لا يعطيك الخير بل إنه يوقعك في الشقاء والشر. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} ويوم القيامة هو اليوم الذي قال فيه الحق: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المطففين: 6]. ولماذا يوم القيامة؟ لأن آخر مظهر من مظاهر دنيا الناس أنهم حين يموتون ينامون، وهذا ما نراه، وبعد ذلك ندخله إلى القبر ولا نعرف كيف يأتي قائماً من نومه إلا بقول الحق: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ}. أي يجب أن يكون الإيمان بيوم القيامة لا شك فيه؛ لأنك لو قدرت أن العالم الذي خلقه الله مختاراً، إن شاء فعل الخير وإن شاء فعل الشر، وهو - سبحانه - زود العباد بالمنهج، وجعل لهم الاختيار، وأنه - سبحانه - هو القادر على الجمع يوم القيامة لو قدرت هذا لا متبما طلبه الله منك. ونضرب هذا المثل لا للتشبيه، ولكن للتقريب - ولله المثل الأعلى - الوالد يعطي ابنه جنيهاً ويقول له: اشتر ما تريد، ولكن لاحظ أنك إن اشتريت شيئاً مفيداً فسأكافئك، وإن اشتريت شيئاً فاسداً كأوراق اللعب أو غيرها فسأعاقبك. ساعة أعطى الوالد ابنه القوة الشرائية وقال له: انزل اشتر ما تريد، والابن ساعة اشترى أوراق اللعب. هل هذا الشراء قد تم قهراً عن أبيه؟ لا؛ لأن الأب هو من أعطاه الاختيار، لكن الابن فعل فعلاً غير محبوب لأبيه. فما بالنا بالعبد عندما يعطيه الحق الاختيار؟ ولو أراد الله الناس جميعاً على هدايةٍ لجعلهم كالملائكة، ولما جرؤ ولا قَدَرَ أحد أن يفعل معصية. فالعاصي عندما يرتكب المعصية إنما يفعلها لأن الله خلق له الاختيار. ولذلك فعندما يقول واحد: كل فعل من الله، هو صادق. ولماذا يتعذب مرتكب المعصية مع أنّه يوجه آلة الاختيار إلى ما تصلح له؟ ونقول إنّه وجهها مخالفاً لأمر الله، فالسكين للذبح، إن ذُبحت بها دجاجة لما استحق الذابح على ذلك عقاباً، لكن لو ذبحنا بها إنساناً لوقعنا في محظور يشبهه الحق بقتل الناس جميعاً. فالذي جاء بالسكين إلى المنزل هل نقول له: "أنت أتيت بأداة الجريمة"؟ لا؛ لأنه جاء بأداة صالحة لأن تكون أداة لذبح ما يحل ذبحه أو أداة لجريمة. إذن فحتى المختار لم يفعل اختياره إلا من باطن أن الله خلقه مختاراً. لكن هل ألزمه الحق سبحانه وتعالى يفعل المعصية؟ لا، فسبحانه أوضح لك: هذا لا أحبه، وهذا أحبه. واختيارك له مجال، ولك أن تختار الشيء الذي يأتي بالنفع ولا يأتي بالضرر أو أن تختار عكس ذلك. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} هذا خبر من الله. والكلام الخبري عندنا يحتمل الصدق والكذب لذاته، لكن لأن الخبر من الله فهو صادق. أما الكلام في ذاته فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، ولذلك يذيل الحق الآية بما يلي: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} وهل الصدق فيه تفاضل؟. ليس في الصدق تفاضل، فمعنى الصدق مطابقة الكلام للواقع، فالإنسان قبل أن يتكلم وهو عاقل، يدير المسألة التي يريد الكلام فيها ليُعمل العقل فيها، وبعد هذا ينطق بالكلام. إذن ففي الكلام نسبة ذهنية، ونسبة كلامية، ونسبة واقعية، فعندما يقول واحد: "زيد مجتهد" هو قبل أن يقول ذلك جاء في ذهنه أنه مجتهد، وهذه هي "النسبة الذهنية"، وعندما ينطقها صاحبها تكون "نسبة كلامية"، ولكن هل صحيح أن هناك واحداً اسمه "زيد" وأنه مجتهد؟. إن طابقت النسبة الواقعية كُلاًّ من النسبة الذهنية والنسبة الكلامية يكون الكلام صدقاً. وإن لم يكن هناك أحد اسمه زيد ولا هو "مجتهد" لا تتطابق النسبة الخارجية الواقعية مع النسبتين "الذهنية والكلامية" فيكون الكلام كذباً. فالصدق يقتضي أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع، أي مع النسبة الخارجية الحاصلة. ولماذا يكذب الكذاب إذن؟. ليحقق لنفسه نفعاً يفوّته ولا يحققه الصدق في نظره أو يدفع عنه ضُرّاً. مثال ذلك: يكسر الابن شيئاً في المنزل كمنضدة. فالأب يقول لابنه: هل كسرت هذه المنضدة؟. وينكر الابن: لا ألم أكسرها. هو يريد أن يحقق لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً وهو الإفلات من العقاب، لأنه يعلم أن الصدق قد يسبب له عقاباً. ولا يحمله على الكذب إلا تفويت مضرة قد تصيبه من الصدق فيلجأ إلى الكذب. ويقول كلاماً يخالف الواقع. إذن هو يريد أن يحقق لنفسه نفعاً أو يدفع عن نفسه ضرراً. والذي ينفع الإنسان لا بد أن يكون أقوى منه، وكذلك الذي يضرّه. لكن بالنسبة لله لا يوجد من يسبب له سبحانه نفعاً ولا ضراً. إذن فإذا قال الله فقوله الصدق؛ لأن الأسباب التي تدفع إلى الكذب هو - سبحانه - منزه عنها. وإذا كان الحق يعطينا الكلام الذي يوضح لنا واقع الحياة ويعطينا الكلام الذي لا يدخل في واقع حياتنا ويصف لنا الغيب الذي لا يدخل في نطاق ما نراه، إذن فهو يكلمنا كثيراً. فقوله الحق: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} مؤكد بالنسبة لنا. وأفعل التفضيل هنا لا تأتي للتمييز بين كلام صادق وكلام أصدق، ولكن لنعرف أن كلام الله لنا كثير. فالتكثير هنا إنما يجيء من ناحية كثرة الكلام، لا من ناحية أن هناك كلاماً صادقاً وكلاماً أصدق. والتفاوت قد يوجد في الصدق أيضاً، كيف؟. لنفرض أن إنساناً رأي حادثة يقتل فيها إنسان إنساناً آخر، فيشهد الشاهد بأنه رأى الدم ينزف من القتيل إثر التحام القاتل به، ولكن هناك شاهد آخر يروي كل التفاصيل التي بدأت من قبل المشاجرة بين القاتل والقتيل إلى أن صار هناك قاتل وقتيل. وهكذا نجد أن الشاهد الثاني أشمل في الصدق من الشاهد الأول صحيح أن الشاهد الأول قال شهادة صادقة، لكن شهادة الشاهد الثاني أشمل في القضية نفسها. إذن فقوله الحق: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} أي أن الحق هو الأصدق بمعنى أنّ إخباره لنا جاء بالشمول الكامل، وهو صدق لا تفاوت فيه، فالصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للواقع، وما دام هو كذلك فليس هناك صادق وأصدق، ولكن أفعل التفضيل تأتي في "أصدق" باعتبار أن كمية الصدق الصادرة لا حدود لها وأنّه سبحانه يعلم الأشياء على وفق ما هي عليه أي بشمول كامل. وخلقه إن حدث منهم صدق في شيء فقد يحدث منهم الكذب في شيء آخر. فقد تقول قضية تعلم أنها صدق، ولكنها في الواقع لا تكون صدقاً. ومثلاً؛ فقد يقول القائل: زار فلان فلاناً بالأمس. هو اعتقد ذلك لأنه رأى حجرة الاستقبال في بيت فلان مضاءة فسأل عن الزائر فقيل له: "فلان" فهو يروى خبر هذه الزيارة على وفق ما يعتقد، ولا يقال: إن القائل قد كذب. إننا يجب أن نفرق بين "الخبر" وبين "المخبر"، كيف؟, إذا قلنا: "زيد مجتهد"، أيوجد واحد اسمه زيد ومجتهد بالفعل؟ هذا اسمه الواقع. وهل أنت تعتقد هذا؟. إذن فالإنسان هنا يحتاج إلى أمرين: معرفة وجود الشيء، واعتقاد الشيء، وبذلك يكون الخبر صادقاً والمخبر صادقا أيضاً. وافرض أنك أخبرت أن زيداً مجتهد بناءً على أن أحداً قد أخبرك بذلك ولكنه لم يكن كذلك، أنت هنا صادق وفق اعتقادك. لكن الخبر غير صادق في الواقع. إذن ففيه فرق بين صدق الخبر وصدق المخبر. فإذا التقى الاعتقاد بالواقع صدق الخبر وصدق المخبر. وإذا كان الخبر موافقاً للواقع ومخالفاً للاعتقاد فالخبر صادق كموقف المنافقين الذين قال الحق فيهم: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون: 1] هذه القضية واقعة صادقة وأعلنوا هم ذلك، ولكن الحق أضاف: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. فالقضية صادقة ولكنهم كاذبون؛ لأنهم قالوها بلا اقتناع فكانوا كاذبين. والدقة هنا توضح الفرق بين صدق الخبر وكذب الاعتقاد. إذن فصدق المخبر أن يطابق الكلام الاعتقاد. والتكذيب واضح في قولهم: "نشهد"؛ وليس في مقول القول وهو {لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ}. فالشهادة تقتضي أن يواطئ ويوافق اللسان القلب ولذلك عندما يقرأ بعض الناس القرآن دون فهم اللغة العربية.. فيفهم بالسطحية هذه الآية فهما خاطئاً: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. فكيف يشهد الله أنهم كاذبون، على الرغم من أنه سبحانه يعلم مثلما شهد المنافقون؟. ونرد: إن الخبر هنا لم يكن كذباً، ولم يقل الحق ما يكذب الخبر، لكنه أوضح صدق الخبر وكذب المنافقين في شهادتهم لأنهم يظهرون غير ما يبطنون ويعتقدون، فالتكذيب منصب على شهادتهم لا على خبر أن محمداً رسول الله. {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً}. إنّ المؤمن يعتقد أن يوم القيامة لا شك فيه، فيوم القيامة يجب منطقياً ألا يوجد شك فيه؛ لأنه لو كان هناك ريب لكان الذين انحرفوا في الحياة الدنيا وولغوا في أعراض الناس وأخذوا أموالهم وعاثوا في الأرض فساداً هم الذين كسبوا وفازوا، ويكون الطيبون والأخيار قد عاشوا في سذاجة. فالمنطق يقتضي أنه ما دام قد وُجد أناس قد ظلموا واعتدوا، وأناس أعتدى عليهم، فلا بد أن يكون هناك حساب. ولا يكون هناك حساب إلا إذا انتهت حكاية الموت، بالإحياء والحشر والخروج إلى لقاء الله. ودليل هذا من الجاحدين أنفسهم، كيف؟. نحن نعرف أن المجتمعات غير المتدينة يضع قادتها القوانين التي تكفل حماية حركة المجتمع. هم يضعون مثل هذه القوانين، ومن يخالفها يتم حسابه وعقابه. فإذا كان العقاب يمنع المجاهرة بالجريمة، فماذا يكون الموقف؟ إن الماهر إذن هو من يفلح في المدارة عن عيون قادة هذا المجتمع، ويستر نفسه عنهم حتى لا يناله العقاب. إن هذه المجتمعات الملحدة تضع التقنينات لحماية نفسها، فماذا تفعل هذه المجتمعات في الذين ستروا أنفسهم؟. هم بقانون هذه المجتمعات كان يجب أن يعاقبوا، وكان يجب أن تقولوا أنتم أن هناك مكاناً آخر وداراً أخرى يتم فيها عقاب من أفلت منا. فأنت أيها الملحد قد قننت لمن خالف تقنينك عقوبة. وهذا إن وقعت عليه عينك، وقبضت عليه يدك، فما قولك فيمن لم تقع عليه عينك ولم تقبض عليه يدك؟. إذن فنحن أهل الإيمان عندما نقول للملحد: إننا نكمل لك تفكيرك الناقص ونقول لكل الخلق: إنكم إن عَمَّيْتُم على قضاء الأرض فلن تعَمّوا على قضاء السماء الذي لا تخفي عليه خافية. إذن فغير المؤمن بمنهج نأخذ منه الدليل على ضرورة المنهج. وعلى غير المؤمن بالمنهج أن يشكر أهل الإيمان؛ لأننا نحن أهل الإيمان قد أكملنا له نقصاً في تقنين البشر، وهذا لحماية المجتمع من الكيد بالجريمة والستر بالمخالفة. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} أي لا أحد أصدق من الله في الحديث. و "أصدق" جاءت كأفعل تفضيل لا لأن هناك صدقاً يعلوه صدق أصدق، بل الصدق واحد؛ لأنه مطابقة النسبة الكلامية للواقع، ولكن "أصدق" هنا لكثرة الحديث الذي حدثنا الله به عما نشهد من عالم الملك ومما لا نشهد من عالم الملكوت، فإن تحدث الناس فإنما يتحدثون في عالم الملك الذي يدركونه بحواسهم، ولكن الله إذا حدثنا فسبحانه يحدثنا عن عالم الملكوت أيضاً، فالله أصدق حديثاً؛ لأنه أكثر من حدّث. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن انفراده بالوحدانية وأنه لا معبود ولا مألوه إلا هو، لكماله في ذاته وأوصافه ولكونه المنفرد بالخلق والتدبير، والنعم الظاهرة والباطنة. وذلك يستلزم الأمر بعبادته والتقرب إليه بجميع أنواع العبودية. لكونه المستحق لذلك وحده والمجازي للعباد بما قاموا به من عبوديته أو تركوه منها، ولذلك أقسم على وقوع محل الجزاء وهو يوم القيامة، فقال: { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } أي: أولكم وآخِركم في مقام واحد. في { يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ } أي: لا شك ولا شبهة بوجه من الوجوه، بالدليل العقلي والدليل السمعي، فالدليل العقلي ما نشاهده من إحياء الأرض بعد موتها، ومن وجود النشأة الأولى التي وقوع الثانية أَوْلى منها بالإمكان، ومن الحكمة التي تجزم بأن الله لم يخلق خلقه عبثًا، يحيون ثم يموتون. وأما الدليل السمعي فهو إخبار أصدق الصادقين بذلك، بل إقسامه عليه ولهذا قال: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } كذلك أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم عليه في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: {أية : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }. تفسير : وفي قوله: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا } تفسير : إخبار بأن حديثه وأخباره وأقواله في أعلى مراتب الصدق، بل أعلاها. فكل ما قيل في العقائد [والعلوم] والأعمال مما يناقض ما أخبر الله به، فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق اليقين، فلا يمكن أن يكون حقًّا.