Verse. 581 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنٰفِقِيْنَ فِئَتَيْنِ وَاللہُ اَرْكَسَھُمْ بِمَا كَسَبُوْا۝۰ۭ اَتُرِيْدُوْنَ اَنْ تَہْدُوْا مَنْ اَضَلَّ اؙ۝۰ۭ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللہُ فَلَنْ تَجِدَ لَہٗ سَبِيْلًا۝۸۸
Fama lakum fee almunafiqeena fiatayni waAllahu arkasahum bima kasaboo atureedoona an tahdoo man adalla Allahu waman yudlili Allahu falan tajida lahu sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ولما رجع ناس من أُحد اختلف الناس فيهم، فقال فريق اقتلهم، وقال فريق: لا، فنزل: «فما لكم» ما شأنكم صرتم «في المنافقين فئتين» «والله أركسهم» ردهم «بما كسبوا» من الكفر والمعاصي «أتريدون أن تهدوا من أضلًـ» ـه «الله» أي تعدوهم من جملة المهتدين، والاستفهام في الموضعين للإنكار «ومن يضللـ» ـه «اللهُ فلن تجد له سبيلا» طريقا إلى الهدى.

88

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال المنافقين ذكره الله تعالى، وههنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها: الأول: أنها نزلت في قوم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وآله مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا يا رسول الله: نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه، فأذن لهم، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما صبرنا وقال قوم: هم مسلمون، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم، فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية. الثاني: نزلت الآية في قوم أظهروا الاسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين. فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا، فنزلت الآية. وهو قول ابن عباس وقتادة. الثالث: نزلت الآية في الذين تخلفوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فاختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، فمنهم فرقة يقولون كفروا، وآخرون قالوا: لم يكفروا، فنزلت هذه الآية. وهو قول زيد بن ثابت، ومنهم من طعن في هذا الوجه وقال: في نسق الآية ما يقدح فيه، وإنهم من أهل مكة، وهو قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 89] الرابع: نزلت الآية في قوم ضلوا وأخذوا أموال المسلمين وانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت الآية: وهو قول عكرمة. الخامس: هم العرنيون الذين أغاروا وقتلوا يسارا مولى الرسول صلى الله عليه وسلم. السادس: قال ابن زيد: نزلت في أهل الافك. المسألة الثانية: في معنى الآية وجهان: الأول: أن «فئتين» نصب على الحال: كقولك: مالك قائما، أي مالك في حال القيام، وهذا قول سيبويه. الثاني: أنه نصب على خبر كان، والتقدير: مالكم صرتم في المنافقين فئتين، وهو استفهام على سبيل الانكار، اي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية، فليس لكم أن تختلفوا فيه بل يجب أن تقطعوا بكفرهم. المسألة الثالثة: قال الحسن: إنما سماهم منافقين وان أظهروا الكفر لأنهم وصفوا بالصفة التي كانوا عليها من قبل، والمراد بقوله: {فِئَتَيْنِ } ما بينا ان فرقة منهم كانت تميل اليهم وتذب عنهم وتواليهم، وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم، فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبري والتكفير، والله أعلم. ثم قال تعالى مخبرا عن كفرهم: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الركس: رد الشيء من آخره إلى أوله، فالركس والنكس والمركوس والمنكوس واحد، ومنه يقال للروث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة، وهي حالة النجاسة، ويسمى رجيعا لهذا المعنى أيضا، وفيه لغتان: ركسهم وأركسهم فارتكسوا، أي ارتدوا. وقال أمية.شعر : فأركسوا في حميم النار إنهم كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا تفسير : المسألة الثانية: معنى الآية أنه ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل بما كسبوا، أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله، فاذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام الكفار. المسألة الثالثة: قرأ ابي كعب وعبدالله بن مسعود {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ } وقد ذكرنا أن أركس وركس لغتان. ثم قال تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } قالت المعتزلة المراد من قوله: {أَضَلَّ ٱللَّهُ } ليس أنه هو خلق الضلال فيه للوجوه المشهورة، ولأنه تعالى قال قبل هذه الآية: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } فبين تعالى انه إنما ردهم وطردهم بسبب كسبهم وفعلهم، وذلك ينفي القول بان إضلالهم حصل بخلق الله وعند هذا حملوا قوله: {مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } على وجوه: الأول: المراد منه ان الله تعالى حكم بضلالهم وكفرهم كما يقال فلان يكفر فلانا ويضله: بمعنى أنه حكم به وأخبر عنه: الثاني: أن المعنى أتريدون أن تهدوا إلى الجنة من أضله الله عن طريق الجنة، وذلك لأنه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن الاهتداء إلى طريق الجنة. الثالث: أن يكون هذا الاضلال مفسرا بمنع الالطاف. واعلم أنا قد ذكرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ضعف هذه الوجوه، ثم نقول: هب أنها صحيحة، ولكنه تعالى لما أخبر عن كفرهم وضلالهم، وانهم لا يدخلون الجنة فقد توجه الاشكال لأن انقلاب علم الله تعالى جهلا محال، والمفضي الى المحال محال، ومما يدل على أن المراد من الآية أن الله تعالى أضلهم عن الدين قوله: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } فالمؤمنون في الدنيا انما كانوا يريدون من المنافقين الايمان ويحتالون في إدخالهم فيه. ثم قال تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } فوجب أن يكون معناه أنه تعالى لما أضلهم عن الايمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا الى ادخاله في الايمان، وهذا ظاهر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} {فِئَتَيْنِ} أي فرقتين مختلفتين. روى مسلم عن زيد بن ثابت: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين؛ فقال بعضهم: نقتلهم. وقال بعضهم: لا؛ فنزلت {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}تفسير : . وأخرجه التّرمذيّ فزاد: وقال: « حديث : إنها طِيبة » تفسير : وقال: « حديث : إنها تَنْفِي الخبيث كما تنفي النار خبث الحديد » تفسير : قال: «حديث حسن صحيح». وقال البخاريّ: «حديث : إنها طيِبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة»تفسير : . والمعنِيّ بالمنافقين هنا عبد الله بن أُبيّ وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا؛ كما تقدّم في «آل عمران». وقال ابن عباس: هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة، قال الضحاك: وقالوا إن ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحبّ إلينا. فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولَّوْنهم وقوم يتبرّؤون منهم؛ فقال الله عز وجل {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}. وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام، فأصابهم وَباءُ المدينة وحُمَّاها؛ فأرْكِسوا فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فٱجْتَوَيْناها؛ فقالوا: ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسْوَة؟ فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون؛ فأنزل الله عز وجل {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} الآية. حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ٱرتدّوا بعد ذلك، فٱستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتَّجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون؛ فبيّن الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم. قلت: وهذان القولان يَعْضُدهُما سياق آخر الآية من قوله تعالى: «حَتَّى يُهَاجِرُوا»، والأوّل أصح نقلاً، وهو اختيار البخاريّ ومسلم والترمذي. و «فِئَتَيْنِ» نصب على الحال؛ كما يقال: مالك قائماً؟ عن الأخفش. وقال الكوفيون: هو خبر «ما لكم» كخبر كان وظننت، وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء: «أرْكسهم، وَرَكَسَهم» أي ردّهم إلى الكفر ونكسهم؛ وقاله النّضر بن شُمَيل والكسائي: والرّكس والنكس قلب الشيء على رأسه، أو ردّ أوّله على آخره، والمركوس المنكوس. وفي قراءة عبد الله وأُبَيّ رضي الله عنهما «والله رَكَسهم». وقال ابن رَوَاحة: شعر : أُرْكِسوا في فِتْنَةٍ مُظلمةٍ كَسَوادِ الليل يَتْلُوها فِتَنْ تفسير : أي نكسوا. وارتكس فلان في أمر كان نجا منه. والرُّكُوسِيَّة قوم بين النصارى والصابئين. والراكِس الثَّور وسَط البَيْدَر والثيران حواليه حين الديِّاس. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} أي ترشدوه إلى الثواب بأن يُحْكم لهم بحكم المؤمنين. {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي طريقاً إلى الهُدَى والرّشد وطلب الحجة. وفي هذا ردّ على القَدرية وغيرهم القائلين بخلق هُداهم وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَـٰفِقِينَ } فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين. {فِئَتَيْنِ } أي فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم، وذلك أن ناساً منهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا رحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم. وقيل نزلت في المتخلفين يوم أحد، أو في قوم هاجروا ثم رجعوا معتلين باجتواء المدينة والاشتياق إلى الوطن، أو قوم أظهروا الإِسلام وقعدوا عن الهجرة. و {فِئَتَيْنِ } حال عاملها لكم كقولك: ما لك قائماً. و {فِي ٱلْمُنَـٰفِقِينَ } حال من {فِئَتَيْنِ } أي متفرقتين فيهم، أو من الضمير أي فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراق مستفاد من {فِئَتَيْنِ }. {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } ردهم إلى حكم الكفرة، أو نكسهم بأن صيرهم للنار. وأصل الركس رد الشيء مقلوباً. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } أن تجعلوه من المهتدين. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } إلى الهدى.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منكراً على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين، واختلف في سبب ذلك، فقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم المؤمنون، فأنزل الله: {فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أحد: أن عبد الله ابن أبي ابن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلثمائة، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة. وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد، فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أو كما قالوا: أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؛ من أجل أنهم لم يهاجروا، ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء، فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ} رواه ابن أبي حاتم، وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا. وقال زيد بن أسلم عن ابن لسعد بن معاذ: إنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي، حين استعذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر في قضية الإفك، وهذا غريب، وقيل غير ذلك. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} أي: ردهم، وأوقعهم في الخطأ، قال ابن عباس: {أَرْكَسَهُمْ} أي: أوقعهم، وقال قتادة: أهلكهم، وقال السدي: أضلهم، وقوله: {بِمَا كَسَبُوۤاْ} أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي: لا طريق له إلى الهدى، ولا مخلص له إليه، وقوله: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} أي: هم يودون لكم الضلالة؛ لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم، ولهذا قال: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ} أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس، وقال السدي: أظهروا كفرهم، {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي: لا توالوهم، ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك، ثم استثنى الله من هؤلاء، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَـٰقٌ} أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير، وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن: أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته، فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : دعوه، ما تريد؟» تفسير : قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك، أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا، لم تخشن قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد بن الوليد فقال: «حديث : اذهب معه، فافعل ما يريد» تفسير : فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش، أسملوا معهم، فأنزل الله: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ}. ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال: فأنزل الله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَـٰقٌ} فكان من وصل إليهم، كان معهم على عهدهم، وهذا أنسب لسياق الكلام، وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعهدهم، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] الآية. وقوله: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} الآية، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف، وهم حصرة صدروهم، أي: ضيقة صدروهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضاً أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ} أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي؛ المسالمة {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال، وهم كارهون؛ كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس، وأمر بأسره، وقوله: {سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} الآية، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون، يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهمم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون؛ ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة: 14] الآية، وقال ههنا {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أي: انهمكوا فيها، وقال السدي: الفتنة ـ ههنا ـ الشرك، وحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا، ولهذا قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ}: المهادنة والصلح، {وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ} أي: عن القتال، {فَخُذُوهُمْ} أسراء، {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي: أين لقيتموهم، {وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} أي: بيناً واضحاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : ولما رجع ناس من أُحد اختلف الناس فيهم، فقال فريق نقتلهم وقال فريق: لا فنزل: {فَمَا لَكُمْ } أي ما شأنكم صرتم {فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ } فرقتين؟ {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ } ردهم {بِمَا كَسَبُواْ } من الكفر والمعاصي {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ }ه {ٱللَّهِ } أي تعدّوهم من جملة المهتدين؟ والاستفهام في الموضعين للإنكار {وَمَن يُضْلِلِ }ه {ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } طريقاً إلى الهدى.

الشوكاني

تفسير : الاستفهام في قوله: {مَالَكُمْ } للإنكار، واسم الاستفهام مبتدأ، وما بعده خبره. والمعنى: أي شيء كائن لكم {فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ } أي: في أمرهم وشأنهم حال كونكم {فِئَتَيْنِ } في ذلك. وحاصله الإنكار على المخاطبين أن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين. وقد اختلف النحويون في انتصاب فئتين، فقال الأخفش، والبصريون على الحال، كقولك: مالك قائماً. وقال الكوفيون انتصابه على أنه خبر لكان، وهي مضمرة، والتقدير: فما لكم في المنافقين كنتم فئتين. وسبب نزول الآية ما سيأتي وبه يتضح المعنى. وقوله: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ } معناه ردّهم إلى الكفر {بِمَا كَسَبُواْ } وحكى الفراء، والنضر بن شميل، والكسائي أركسهم وركسهم، أي: ردّهم إلى الكفر، ونكسهم، فالركس والنكس: قلب الشيء على رأسه، أو ردّ أوله إلى آخره، والمنكوس المركوس، وفي قراءة عبد الله بن مسعود وأبيّ "وَٱللَّهُ ركسهم} ومنه قول عبد الله بن رواحة:شعر : اركسوا في فئة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتن تفسير : والباء في قوله: {بِمَا } سببية، أي أركسهم بسبب كسبهم، وهو لحوقهم بدار الكفر. والاستفهام في قوله: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } للتقريع والتوبيخ، وفيه دليل على أن من أضله الله لا تنجع فيه هداية البشر {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآء }.تفسير : [القصص: 56] قوله: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } أي: طريقاً إلى الهداية. قوله: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء } هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هؤلاء المنافقين، وإيضاح أنهم يودّون أن يكفر المؤمنون كما كفروا، ويتمنوا ذلك عناداً وغلوّاً في الكفر وتمادياً في الضلال، فالكاف في قوله: {كَمَا } نعت مصدر محذوف، أي: كفراً مثل كفرهم، أو حال، كما روي عن سيبويه. قوله: {فَتَكُونُونَ سَوَاء } عطف على قوله: {تَكْفُرُونِ } داخل في حكمه، أي: ودّوا كفركم ككفرهم، وودّوا مساواتكم لهم. قوله: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء } جواب شرط محذوف، أي: إذا كان حالهم ما ذكر فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا، ويحققوا إيمانهم بالهجرة {فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن ذلك {فَخُذُوهُمْ } إذا قدرتم عليهم {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } في الحلّ والحرم {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً } توالونه {وَلاَ نَصِيراً } تستنصرون به. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ } هو: مستثنى من قوله: {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ } أي: إلا الذين يتصلون، ويدخلون في قوم بينكم وبينهم ميثاق بالجوار والحلف، فلا تقتلوهم لما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم. هذا أصح ما قيل في معنى الآية. وقيل الاتصال هنا: هو اتصال النسب. والمعنى: إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة، وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه؛ لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد كان بين المسلمين وبين المشركين أنساب، ولم يمنع ذلك من القتال. وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ميثاق، فقيل: هم قريش كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ } إلى قريش هم: بنو مدلج. وقيل: نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد. وقيل: خزاعة. وقيل: بنو بكر بن زيد. قوله: {أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } عطف على قوله: {يَصِلُونَ } داخل في حكم الاستثناء، أي: إلا الذين يصلون، والذين جاءوكم، ويجوز أن يكون عطفاً على صفة قوم، أي: إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يصلون إلى قوم جاءوكم حصرت صدورهم، أي: ضاقت صدورهم، عن القتال، فأمسكوا عنه والحصر: الضيق، والانقباض. قال الفراء: وهو: أي: {حصرت صدورهم} حال من المضمر المرفوع في جاءوكم، كما تقول: جاء فلان ذهب عقله، أي: قد ذهب عقله. وقال الزجاج: هو خبر بعد خبر، أي: جاءوكم. ثم أخبر، فقال: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم، وقيل: حصرت في موضع خفض على النعت لقوم. وقيل التقدير: أو جاءوكم رجال، أو قوم حصرت صدورهم. وقرأ الحسن: "أَوْ جَاءوكُمْ حصرةً صُدُورُهُمْ" نصباً على الحال. وقرىء "حصرات، وحاصرات". وقال محمد بن يزيد المبرّد: حصرت صدورهم هو دعاء عليهم، كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين، وقيل: "أو" بمعنى "الواو". وقوله: {أن يقاتلونكم أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ } هو متعلق بقوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } أي: حصرت صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم لقومهم، فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين، وكرهوا ذلك {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } ابتلاء منه لكم، واختباراً، كما قال سبحانه: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ }تفسير : [محمد: 31] أو تمحيصاً لكم، أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، واللام في قوله: {فَلَقَـٰتَلُوكُمْ } جواب لو على تكرير الجواب، أي: لو شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم، والفاء للتعقيب {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ } ولم يتعرضوا لقتالكم {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } أي: استسلموا لكم، وانقادوا {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } أي: طريقاً، فلا يحلّ لكم قتلهم، ولا أسرهم ولا سلب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرّمه {سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } فيظهرون لكم الإسلام، ويظهرون لقومهم الكفر؛ ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده، وعند قومهم. وقيل هي في قوم من أهل مكة. وقيل: في نعيم بن مسعود، فإنه كان يأمن المسلمين والمشركين. وقيل: في قوم من المنافقين. وقيل: في أسد وغطفان {كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ } أي: دعاهم قومهم إليها، وطلبوا منهم قتال المسلمين {أُرْكِسُواْ فِيِهَا } أي: قلبوا فيها، فرجعوا إلى قومهم، وقاتلوا المسلمين، ومعنى الارتكاس: الانتكاس {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم، ويأمنوا قومهم {وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } أي: يستسلمون لكم، ويدخلون في عهدكم وصلحكم، وينسلخون عن قومهم {وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ } أي: حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم {وَأُوْلَـئِكُمْ } الموصوفون بتلك الصفات {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً } أي: حجة واضحة تتسلطون بها عليهم، وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض، وما في صدورهم من الدغل، وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل، وأقلّ سعي. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول لا، فأنزل الله: {فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ } الآية كلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة"تفسير : . هذا أصح ما روي في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ } يقول: أوقعهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال: ردهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ } قال: نزلت في هلال بن عويمر، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني خزيمة بن عامر بن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه عنه في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ } الآية، قال: نسختها براءة {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلاشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبـي حاتم، عن السديّ: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } يقول: ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } قال: الصلح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ } الآية، قال: نسختها: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] وأخرج ابن جرير، عن الحسن، وعكرمة في هذه الآية قال: نسختها براءة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ } الآية، قال: ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم، فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في نعيم ابن مسعود.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَينِ} اختلف فيمن نزلت هذه الآية بسببه على خمسة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في الذين تخلَّفُواْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقالواْ: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، وهذا قول زيد بن ثابت. والثاني: أنها نزلت في قوم قَدِمُواْ المدينة فأظهروا الإسلام، ثم رجعواْ إلى مكة فأظهروا الشرك، وهذا قول الحسن، ومجاهد. والثالث: أنها نزلت في قوم أظهرواْ الإِسلام بمكة وكانواْ يعينون المشركين على المسلمين، وهذا قول ابن عباس، وقتادة. والرابع: أنها نزلت في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقاً، وهذا قول السدي. والخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك، وهذا قول ابن زيد. وفي قوله تعالى: {وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا} خمسة تأويلات: أحدها: معناه ردهم، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أوقعهم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أهلكهم، وهذا قول قتادة. والرابع: أَضَلَّهم، وهذا قول السدي. والخامس: نكسهم، وهذا قول الزجاج. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللهُ} فيه قولان: أحدهما: أن تُسَمُّوهم بالهُدى وقد سمّاهم الله بالضلال عقوبة لهم. والثاني: تهدوهم إلى الثواب بمدحهم والله قد أَضَلَّهم بذمهم. {.... إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} أي يدخلون في قوم بينكم وبينهم أمان فلهم منه مثل ما لكم. قال عكرمة: نزلت في الهلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جُعْثَم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف. قال الحسن: هؤلاء بنو مُدْلِج كان بينهم وبين قريش عهد، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم [وقريش] عهد، فحرم الله من بني مُدْلِجِ ما حرّم من قريش. {أَوْ جَآؤُكُمْ حَصِرتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} معنى حصرت أي ضاقت، ومنه حُصِرَ العدو وهو الضيق، ومنه حصر العداة لأنهم قد ضاقت عليهم مذاهبهم. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه إخبارٌ من الله عنهم بأن صدورهم حَصِرتْ. والثاني: أنه دعاء من الله عليهم بأن تُحصَرَ صدورهم، وهذا قول أبي العباس. {وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} وفي تسليطهم قولان: أحدهما: بتقوية قلوبهم. والثاني: بالإذن في القتال ليدافعواْ عن أنفسهم. {فَإِن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} فيه قولان: أحدهما: الصلح، وهو قول الربيع. والثاني: الإِسلام، وهو قول الحسن. {فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} قال الحسن، وقتادة، وعكرمة: هي منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} تفسير : [التوبة:5]. قوله تعالى: {سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} هم قوم يُظْهِرُونَ لقومهم الموافقة ليأمنوهم، وللمسلمين الإسلام ليأمنوهم، وفيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل مكة، وهذا قول مجاهد. والثاني: أنهم من أهل تهامة، وهذا قول قتادة. والثالث: قوم من المنافقين، وهذا قول الحسن. والرابع: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول السدي. {كُلَّ مَا ردُوُّاْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا} أي كلما رُدُّوا إلى المحنة في إظهار الكفر رجعواْ فيه.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} نزلت فيمن تخلف بأُحُد وقال: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَبَعْنَاكُمْ}، أو في قوم قدموا المدينة فأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك، أو فيمن أظهر الإسلام بمكة، وأعان المشركين على المسلمين، أو في قوم من أهل المدينة، أرادوا الخروج عنها نفاقاً، أو في قوم من أهل الإفك. {أَرْكَسَهُم} ردهم، أو أوقعهم، أو أهلكهم، أو أضلهم، أو نكسهم. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ} تريدون أن تسموهم بالهدى، وقد سماهم الله ـ تعالى ـ بالضلال، أو تهدوهم إلى الثواب بمدحهم، وقد أضلهم الله ـ تعالى ـ بذمهم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فما لكم في المنافقين فئتين} اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقيل نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين فلما رجعوا قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلهم يا رسول الله فإنهم منافقون وقال بعضهم أعف عنهم فإنهم قد تكلموا بكلمة الإسلام (ق) عن زيد بن ثابت قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحد رجع ناس ممن خرج معه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فئتين قال فرقة نقتلهم وقالت فرقة لا نقتلهم فنزلت فما لكم في المنافقين فئتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنها طيبة تنفي الرجال كما ينفي الكير خبث الحديد"تفسير : وقيل نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة فاختلف المسلمون فيهم فقائل يقول هم منافقون وقائل يقول هم مؤمنون وقيل نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا ثم ندموا على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين فلما بعدوا عن المدينة كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان ولكنا اجتوينا المدينة واشتقنا إلى أرضنا ثم إنهم خرجوا في تجارة إلى الشام فبلغ ذلك المسلمين فقال بعضهم تخرج إليهم ونقتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم رغبوا في ديننا وقالت طائفة منهم كيف تقتلون قوماً على دينكم وإن لم يذروا ديارهم. وكان هذا بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساكت لا ينهي أحد الفريقين فنزلت هذه الآية وقيل نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين وقيل نزلت في عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق لما تكلم في حديث الإفك. ومعنى الآية فما لكم يا معشر المؤمنين في المنافقين فئتين أي صرتم في أمرهم فرقتين فرقة تذب عنهم وفرقة تباينهم وتعاديهم فنهى الله الفرقة الذين يذبون عنهم وأمر المؤمنين جميعاً أن يكونوا على منهاج واحد في التباين لم والتبرئ منهم ثم أخبر عن كفرهم بقوله {والله أركسهم} يعني نكسهم في كفرهم وارتدادهم وردهم إلى أحكام الكفار {بما كسبوا} أي بسبب ما اكتسبوا من أعمالهم الخبيثة وقيل بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} هذا خطاب للفئة التي دافعت عن المنافقين والمعنى أتبتغون أيها المؤمنون هداية المنافقين الذين أضلهم الله عن الهدى {ومن يضلل الله} يعني عن الهدى {فلن تجد له سبيلاً} يعني فلن تجد له طريقاً تهديه فيها إلى الحق والهدى.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ...} الآية: واختلف في هؤُلاَءِ المنافِقِينَ. فقال ابنُ عَبَّاس: هم قومٌ كانوا بمَكَّة أظهروا الإيمانَ لأصْحَابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في كُتُبٍ بَعَثُوا بِهَا إلى المدينةِ، ثم خَرَجُوا مسافِرِينَ إلى الشَّام، وأعطَتْهم قريشٌ بِضَاعَاتٍ، وقالوا لهم: أنتم لا تَخَافُونَ أصْحَاب محمَّد؛ لأَنَّكُمْ تخدَعُونَهم بإِظْهَار الإِيمانِ، فٱتَّصَلَ خبرُهُمْ بالمدينَةِ، فاختلف المؤمنُونَ فيهم، فقالَتْ فرقةٌ: نَخْرُجُ إلَيْهم؛ فإنهم منافقونَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ، لاَ سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِمْ، فنزلَتِ الآية، وعن مجاهدٍ نحوه. قال * ع *: ويَعْضُدُهُ ما في آخر الآيةِ مِنْ قوله تعالَىٰ: {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ}، وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ أُبيٍّ وأصحابِهِ المنافِقِينَ الذين رجَعُوا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ، وهو في «صحيحِ البخاريِّ» مسنداً، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»، وهذا القولُ هو ٱختيارُ البخاريِّ والترمذيِّ. انتهى. قال * ع *: وعلَىٰ هذا، فقولُه سبحانَهُ: {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} المرادُ هَجْرُ ما نَهَى اللَّهُ عنه؛ كما قال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عَنْه»تفسير : ، و {فِئَتَيْنِ}: معناه: فرقَتَيْنِ، و {أَرْكَسَهُمْ}: معناه: أرجعَهُمْ في كُفْرِهِمْ وضَلاَلِهِمْ، والرِّكْس: الرَّجيع؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الرَّوْثَةِ: «حديث : إنَّهَا رِكْسٌ»تفسير : ، وحكى النضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسَائِيُّ: رَكَسَ وأَرْكَسَ بمعنًى واحدٍ، أي: أرجَعَهم، ومَنْ قال مِنَ المتأوِّلين: أَهْلَكَهم، أو أضلَّهم، فإنَّما هو بالمعنىٰ، وباقي الآية بَيِّنٌ. قال * ص *: {أَرْكَسَهُمْ}، أي: رَدَّهم في الكُفْر. وقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: أَخْبَرَ اللَّه تعالَىٰ أنه رَدَّ المنافِقِينَ إلى الكُفْر، وهو الإركَاسُ، وهو عبارةٌ عن الرجُوعِ إلى الحالَةِ المكروهَةِ؛ كما قال في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ»، أيْ: رجَعَتْ إلى حالةٍ مكروهةٍ، فنَهَى اللَّه سبحانَهُ الصحابَةَ أنْ يتعلَّقوا فيهم بظَاهِرِ الإِيمان؛ إذ كان باطنهم الكُفْرَ، وأمرهم بقَتْلهم، حَيْثُ وجَدُوهُم. انتهىٰ. وقولُهُ تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ...} الآية. قال * ص *: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ}: استثناءٌ متَّصِلٌ من مَفْعولِ {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ}. انتهى. قال * ع *: هذه الآيةُ مِنْ آياتِ المُوَادَعَةِ في أول الإسلام، ثم نُسِخَتْ بما في سورة «بَرَاءَةَ» فالآيةُ تقتضي أنَّ مَنْ وصَلَ من المشركِينَ الذين لاَ عَهْدَ بينهم، وبَيْن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَىٰ هؤلاءِ أهْلِ العهدِ، فدخَلَ في عِدَادِهِمْ، وفَعَلَ فِعْلَهم من المُوَادَعَةِ، فلا سَبِيلَ عليه. وقوله تعالى: {أَوْ جَاءوكُمْ}: عطْفٌ على {يَصِلُونَ}، ويحتملُ أنْ يكون علَىٰ قوله: {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ}، والمعنَىٰ في العَطْفَينِ مختلفٌ، وهذا أيضاً حُكْمٌ قبل أنْ يستحكم أمْرُ الإسلام، فكان المشرك، إذا ٱعتزلَ القتَالَ، وجاء إلَىٰ دارِ الإِسلامِ مُسَالماً كارهاً لقتالِ قَوْمِهِ مع المسلِمِينَ، ولقِتَالِ المُسْلمين مع قومه، لا سَبِيلَ عليه، وهذه نُسِخَتْ أيضاً بما في «براءة»، ومعنى {حَصِرَتْ}: ضاقَتْ، وحَرِجَتْ؛ ومنه: الحَصَرُ في القَوْل، وهو ضِيقُ الكَلاَم علَى المتكلِّم، وَ {حَصِرَتْ}: في موضعِ نصبٍ على الحال، واللاَّمُ في قوله: {لَسَلَّطَهُمْ} جوابٌ «لو»، والمعنَىٰ: ولو شاء اللَّه، لَسَلَّطَ هؤلاءِ الَّذين هُمْ بهذه الصِّفَة من المُسَالَمَة والمُتَارَكَة عليكم، {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ}، أي: إذا وقَعَ هذا، فلَمْ يقاتِلُوكم، فلا سَبِيلَ لكم عليهم، وهذا كلُّه، والذي في سورة «المُمْتَحنة»: {أية : لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ...} تفسير : [الممتحنة:8] منسوخٌ؛ قاله قتادة وغيره. و {ٱلسَّلَـٰم}: الصُّلَحُ.

ابن عادل

تفسير : قوله - تعالى -: "فما لكم": مبتدأ وخَبَر، و "في المنافقين" فيه ثلاثة أوجُه: أحدها: أنه متعلِّقٌ بما تعلَّق الخَبَرُ، وهو "لكم"، أي: أيُّ شَيْءٍ كائنٌ لكم - أو مُسْتَقِرٌّ لكم - في أمْر المُنَافِقِين. والثاني: أنه مُتَعَلِّق بمعنى فئتين، فإنَّه في قُوَّة "مالكم تفترقون في أمور المنافقين" فحُذِف المُضافُ، وأُقيم المُضَافُ إليه مقامه. والثالث: أنه مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ على أنه حالٌ من "فئتين"؛ لأنه في الأصْل صفةٌ لها، تقديرُه: فئتين مُفْترِقَتَيْن في المُنَافِقِين، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمت عليها، انتصبَتْ حَالاً. وفي "فئتين" وجْهَان: أحدُهما: أنها حالٌ من الكافِ والميم في "لَكُم"، والعَامِلُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به "لَكُم"؛ ومثله: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49] وقد تقدَّم أنَّ هذه الحَال لازمةٌ؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البَصْرِيَِّين في كل ما جَاءَ من هذا التَّرْكِيب. والثاني - وهو مذهب الكوفيين -: أنه نَصْبٌ على خَبَر "كان" مُضْمَرةً، والتقدير: ما لَكُم في المُنَافِقِين كنتم فئتين، وأجَازُوا: "ما لك الشاتم" أي: ما لك كُنْتَ الشَّاتِمَ، والبَصْرِيُّون لا يُجِيزُون ذلك؛ لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كَونهِ حالاً التزامُ مَجِيئهِ في هذا التَّركِيب نَكِرةً، وهذا كما قالُوا في "ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً": إنَّ "قائماً" لا يجُوز نصبُه على خَبَر "كان" المُقَدَّرةِ، بل على الحَالِ؛ لالتزامِ تَنْكِيره. وقد تقدَّم اشتِقَاقُ "الفِئَة" في البقرة. فصل قال قوم: نَزَلت في الذين تخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُد من المُنَافِقِين، وقالوا: {أية : لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} تفسير : [آل عمران: 167]. فاختلف أصْحَاب الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -: فقالَتْ مِنْهُم فرقة: كَفَرُوا، وآخَرُون قالوا: لَمْ يَكْفُرُوا، فنزلت الآية؛ وهو قول زَيْد بْنِ ثَابِت وطُعِن في هذا الوَجْهِ: بأن في نَسَقِ الآية ما يقْدَحُ فيه وأنَّهم من أهْل مكَّة؛ وهو قوله: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ}. وقال مُجَاهِد: هم قَوْم خَرَجُوا إلى المَدِينَة، وأسْلَمُوا ثم ارْتَدُّوا، واسْتَأذَنُوا رسُول الله صلى الله عليه وسلم إلى مَكَّة؛ ليأتوا بِبِضَائِع لَهُمْ يتَّجِرُون فيها، فَخَرَجُوا وأقَامُوا بمكَّة، فاختلف المسلمون فيهم: فقائل يَقُول: هم مُنَافِقُون، وقائل يَقُول: هُمْ مُؤْمِنُون. وقيل: نزلت في نَاسٍ من قُرَيْش قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأسْلَمُوا ثم نَدِمُوا على ذلك، فَخَرَجُوا كهيئة المُتَنَزِّهِين حتى بَعُدوا عن المدينة، فكتَبُوا إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّا عَلَى الَّذِي وافقْنَاك عليه من الإيمَانِ، ولَكِنَّا اجتوينا المدينة واشْتَقْنَا إلى أرْضِنا، ثم إنَّهُم خرجوا في تجارةٍ لَهُم نحو الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِك المُسْلِمِين، فقال بَعْضُهم: نخرج إليْهم فنقتلهم ونأخذ ما مَعَهُم؛ لأنَّهم رَغِبُوا عن دِيننَا، وقالت طَائِفة: كيف تَقْتُلون قوماً على دينكُم إن لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهم، وكان هَذَا بِعَيْن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو سَاكِتٌ لا يَنْهَى واحداً من الفَرِيقَيْن؛ فنزلت الآية. وقيل: هم العرنيون: وقال ابْن زَيْد: نزلت في أهل الإفكِ، وقال ابن عبَّاسٍ وقتادة: هم قَوْمٌ أسْلَمُوا بمكَّة ثم لم يُهَاجِرُوا وكانُوا يُظَاهِرُون المُشْرِكين، فاختلف المُسْلِمُون فيهم وتشاجروا، فنزلت: "فما لكم" يا معشر المؤمنين {فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} أي: صرتم فيهم فئتين، {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي: نكَّسَهُم ورَدَّهم إلى الكُفْرِ وأحْكَامه من الذُّلِّ والصِّغَار والسَّبْي والقَتْل. قال الحسن: وإنما سَمَّاهم مُنَافِقِين وإن أظْهَرُوا الكُفْر؛ لأنهم وُصِفُوا بالصِّفَةِ التي كَانُوا عَلَيْهَا من قَبْل. قوله: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} مبتدأ وخبر، وفيها وجهان: أظهرهما: أنها حالٌ، إمَّا من المُنَافِقِين - وهو الظَّاهِرُ -، وإمَّا من المُخَاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه أنكرَ عليهم اختلافهم في هؤلاء، والحالُ أنَّ الله قد ردَّهم إلى الكُفْر. والثاني: أنها مُسْتَأنفةٌ أخبر - تعالى - عنهم بذلك. و "بما كسبوا" مُتَعَلِّقٌ بـ "أركسهم" والبَاءُ سَبَبِيَّة، أي: بسبب كَسْبِهِم، و "ما" مصدريَّةٌ أو بمعنى الَّذِي، والعائدُ مَحْذُوفٌ على الثَّانِي، لا على الأوَّلِ على الصَّحِيح. والإركاس: الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس، قال - عليه السلام - في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها: "إنها ركس". وقال أمَيَّة بن أبِي الصَّلْت: [البسيط] شعر : 1856- فَأرْكِسُوا في جَحِيمِ النَّارِ إنَّهُمُ كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الإفْكَ وَالزُّورَا تفسير : أي: رُدُّوا، وقال الرَّاغِب: "الرِّكْس والنِّكْس: الرَّذْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ؛ لأن النِّكْسَ: ما جُعِل أعلاه أسْفَله، والرِّكْسَ: ما صَارَ رَجِيعاً بعد أن كَانَ طعاماً". وقال النَّضْر بن شميل والكَسَائي: الرَّكْس والنِّكْس: قلب الشَّيْء على رَأسِه، أو رَدُّ أوَّلِهِ على آخِره، والمَرْكُوس والمنكُوسُ وَاحِدٌ. وقيل: أرْكسه أوْبقَه، قال: [المتقارب] شعر : 1857- بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي فِي الخَنَا وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبِ الْعَنَا تفسير : وقيل: الإركاس: الإضلال، ومنه: [المتقارب] شعر : 1858- وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى وصَيَّرتَنِي مَثَلاً لِلْعِدَى تفسير : وقيل: هو التنكيسُ، ومنه: [الرمل] شعر : 1859- رُكِّسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوهَا فِتَنْ تفسير : وارتكَس فُلانٌ في أمْر كَانَ، أي: نَجَا مِنْهُ والرُّكُوسِيَّةُ: قوْمٌ بين النَّصَارى والصَّابِئِين، والرَّاكِس: الثَّور وسْط البَيْدَر والثيران حوالَيه وقت الدياس. ويقال: أرْكس ورَكَّس بالتَّشْدِيد ورَكَّس بالتَّخْفِيف: ثلاث لُغَات بمعنى واحد، وارتكَس هو، أي: رجع. وقرأ عبد الله: "ركسهم" ثلاثياً، وقرئ "ركَّسهم -ركَّسوا" بالتشديد فيهما. وقال أبو البقاء: "وفيه لُغَةٌ أخرى: "ركسه الله" من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحَداً قرأ به". قلت: قد تقدَّم أن عبد الله قَرَأ "والله ركسهم" من غير همز ولا تشديد [ونقل ابن الخطيب أنَّها قراءة أبيِّ أيْضاً] وكلام أبي البَقَاءِ مُخْلِّصٌ؛ فإنه إنما ادَّعى عَدَمَ العلمِ بأنَّها قِرَاءةٌ، لا عدمَ القراءة بها. قال الرَّاغب::"إلا أن "أركسه" أبلغُ من "ركسه"؛ كما أنَّ أسْفَلَه أبلغُ من سُفْلَه" وفيه نظر. فصل قوله: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} قالت المُعتزِلة: المُرَاد من قوله: "أضل الله" ليس أنَّه هو خلق الضَّلال فيه للوُجُوه المَشْهُورة؛ لأنه قال قبل هذه الآية: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} فبيَّن - تعالى - [أنه] إنَّمَا رَدَّهُم وطَرَدَهُم بسبب كَسْبِهِم وفِعْلِهِم، وذلك يَنْفِي القَوْل بأنَّ ضلالَهُم حصل بِخَلْق الله، وعند هذا حَمَلُوا قوله: "ومن أضل [الله]" على وُجُوه: أحدُها: المُرَاد أنَّ الله حَكَم بضلالهم وكُفْرِهم؛ كما يُقَال: فلان يكفر فُلاناً ويضَلِّلُه، بمعنى: أنه حَكَم به وأخبر عنه. وثانيها: أن المَعْنَى: أتُريدون أن تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ من أضَلَّه الله عن طريق الجَنَّةِ؛ وذلك لأنَّه - تعالى - يُضِلُّ الكُفَّار يوم القيامَة عن الاهْتِدَاء إلى طريق الجَنَّةِ. وثالثها: أن يُفَسَّر الإضْلال بمعنى الألْطَاف، وقد تقدَّم ضَعْفُ هذه الوُجُوه، ثُمَّ نقول: هَبْ أنَّها صحيحة، ولكِنَّه - تعالى - أخْبَر عن كُفْرِهِم وضلالِهِم، وأنَّهم لا يَدْخُلون الجَنَّة، فقد تَوَجَّه الإشْكَال؛ لأن انْقِلاب علم الله - تعالى - جهلا مُحَالٌ، والمُفْضِي إلى المُحَالِ مُحَالٌ، ويدل على أنَّ المُرَاد أنه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّين - قوله - تعالى-: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} والمَعْنى: أنه - تعالى - لمَّا أضلَّهُم عن الإيمَانِ امتنع أن يجد المَخْلُوق سَبِيلاً إلى إدْخَالِه في الإيمَانِ. قوله - تعالى -: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ} الآية. يجوز في "لو" وجهان: أحدهما: أن تكون مصدريَّة. والثاني: أنها على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوُقُوعِ غيره. فعلى الأوَّل: تتقدَّر مع ما بعدها بمصدر، وذلك المصدرُ في محل المفعول لـ "ودوا" وحينئذٍ فلا جَوَابَ لها، والتقدير: وَدُّوا كُفْرَكُم. وعلى الثاني: يكون مَفْعُولُ "وَدَّ" مَحْذُوفاً، وجوابُ "لو" أيْضاً محذوف؛ لدلالة المَعْنَى عليهما، والتقدير: وَدُّوا كُفْرَكم، لو تَكْفُرون كما كَفَرُوا لسُرُّوا بذلك. و "كما كفروا": نعتٌ لمَصْدَر محذوف، تقديره: كُفراً مثل كُفْرِهم، أو حالٌ من ضَمِير ذلك المَصْدر كما هو مَذْهَب سيبويْه. و "فتكونوا": عطف على "تكفرون" والتقدير: وَدُّوا كفرَكُم، وكونكم مُسْتَوين معهم في شَرْعِهم؛ كقوله: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} تفسير : [القلم: 9]، أي: ودُّوا لو تُدْهنون، والفَاءُ عَاطِفَة. قال الزَّمَخشَريّ: "ولو نُصِب على جَوَاب التَّمَنِّي؛ لجاز" قال أبو حيَّان: فيه نظر: من حَيْث إن النَّصْبَ في جواب التَّمَنِّي إذا كان التَّمَنِّي بلفظ الفِعْل، يحتاج إلى سَمَاع من العَرَب، بل لو جَاءَ، لم تتحقَّقَ فيه الجَوابِيةُ، لأنَّ "ودَّ" التي بِمَعْنَى التمني، متعلِّقُها لا الذَّوَات، فإذا نُصِب الفِعْل بعد الفَاءِ، لم يَتَعَيَّنْ أن تكون فَاءَ جواب؛ لاحتمال أن يَكُون من بَابِ عَطْف المَصْدر المقدَّر على المَصْدَر المَلْفُوظ به، فيكون من بَابِ: [الوافر] شعر : 1860- لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي .................................. تفسير : يعني: كَأنَّ المَصْدَر المَفْعُولَ بـ "يود" ملْفُوظٌ به، والمصدرُ المقدَّرُ بـ "أن" والفِعْلِ، وإلاَّ فالمصْدرُ المَحْذُوفُ ليس مَلْفوظاً به، إلا بِهَذَا التَّأويلِ المذكُورِ، بل المَنْقُولُ أنَّ الفِعلَ ينْتَصِبُ على جَوَابِ التَّمنِّي، إذا كان بالحَرْفِ، نحو: "ليت"، و "لو" و "ألا" إذا أشْرِبتا مَعْنَى التَّمنِّي. وفيما قاله أبُو حَيَّان نظر؛ لأن الزَّمَخْشَرِيَّ لم يَعْنِ بـ "التمني" المفهوم من فِعْل الودادة، بل المَفْهُومَ من لفظ "لو" المُشعرةِ بالتمني، وقد جاء النَّصْب في جوابها؛ كقوله: {أية : فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 102]، وقد قدَّمْتُ تَحْقِيقَ هذه المَسْألَةِ، فظهر قول الزَّمَخْشَرِي من غير توقُّفٍ، و "سواء": خبر "تكونون" وهو في الأصْل مَصْدرٌ واقعٌ مَوْقعَ اسْمِ الفَاعِلِ، بمعنى مُستوين؛ ولذلِك وُحِّد، نحو: "رجال عدل". لمَّا اسْتَعْظَم قولهم: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} على سَبِيل الإنْكَارِ عَقب ذِكْر الاسْتبعاد، بأن قال: إنَّهم بلغُوا في الكُفْر إلى أنَّهم يَتَمنُّون أن تَصِيرُوا أيُّها المُسْلِمُون كُفَّاراً، فلما بَلَغُوا في تعصُّبهم في الكُفْر إلى هذا الحَدّ، فكيف تَطْمَعُون في إيمانِهِم. ثم قال: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مَعَكُم. قال عكرمة: هي هِجْرة أخرى والهِجْرة على ثَلاثَةِ أوْجُه: هجرة المُؤمنين في أوَّل الإسْلام، وهي قوله: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} تفسير : [الحشر: 8] وقوله: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [النساء: 100] ونحوهما. وهجرة المؤمنين وهي الخُرُوجُ في سَبِيلِ اللَّهِ مع رسُول الله صَابِراً محتَسِباً، كما حكى هَهُنَا، مَنَعَ من مُوالاتهم حَتَّى يُهَاجِرُوا في سَبِيل اللَّه. وهجرة سَائر المُؤمنين: وهي ما قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : المُهَاجِر من هجر مَا نَهَى اللَّه عَنْه ". تفسير : قال أبو بكر الرَّازِي: التقدير: حتى يُسْلِمُوا ويُهَاجِرُوا؛ لأن الهِجْرَة في سَبِيل الله لا تكون إلا بَعْد الإسْلاَم، فدلَّت الآيَةُ على إيجَاب الهِجْرة بعد الإسْلام، وأنَّهم وإن أسلَمُوا لَمْ يكُن بينَنَا وبَيْنَهم موالاةٌ إلا بَعْد الهِجْرَة؛ لقوله - [تعالى] -: {أية : مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} تفسير : [الأنفال: 72] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنَا بَرِيءٌ من كل مُسْلِم أقَامَ بَيْن أظْهُر المُشْرِكِين" تفسير : وهذا التَّكْلِيفُ إنَّما كان لازِماً حَيْث كانَت الهِجْرة وَاجِبَةٌ مَفْروضة، فلمَّا فتحت مَكَّة، نُسِخ ذلك، قال رسُول الله صلى الله يوم فتح مكة: "حديث : لا هِجْرَة [وَاجِبَة مَفْرُوضة] بعد الفَتْح، ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ ". تفسير : ورُوي عن الحَسَن: أن حُكْم الآيَة ثَابِتٌ [في كُلِّ] من أقَام في دَارِ الحَرْب. قال ابن الخَطِيب: الهِجْرَة تحصل تارةً بالانْتِقَالِ من دَارِ الكُفْرِ إلى دَارِ الإسْلام، وأخْرَى تَحْصُل بالانْتِقَال عن أعْمَال الكُفَّار إلى أعْمَال المُسْلِمِين، قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : المُهَاجِر مَنْ هجر ما نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" تفسير : وقال المُحَقِّقُون: الهِجْرة في سَبِيل اللَّه عِبَارة عن الهِجْرة عن تَرْك منهيَّاته وفِعْل مأموراته، والآية عامَّة في الكُلِّ، وقَيَّدَ الهجرة بِكَوْنِها في سَبِيلِ اللَّه؛ لأنه رُبَّمَا كَانَت الهِجْرَة لِغَرض من أغْرَاض الدُّنْيَا فلا تكُونُ مُعْتَبَرة. قال القُرْطُبِي: والهِجْرة أنْوَاع: منها الهِجْرة إلى المَدِينَة؛ لنُصرة النَّبي صلى الله عليه وسلم في الغَزَوات، وكانت هذه وَاجِبَة أوَّل الإسْلام، حتى قال: "حديث : لا هِجْرَة بعد الفَتْح" تفسير : وكذلك هِجْرَة المُنَافِقِين مع النبي صلى الله عليه وسلم [وهجرة مَنْ أسْلم في دَارِ الحرب فإنها وَاجِبَة، وهجرة المسلم ما حَرَّم الله عَلَيْه] كما قال - عليه السلام -: "حديث : والمُهَاجِر مَنْ هَجَر مَا حَرَّم اللَّه عليه" تفسير : وهاتان الهِجْرَتان ثابتَتَان الآن، وهجرة أهْل المَعَاصِي؛ ليرجعوا عمَّا هُم عليه تأدِيباً لهم، فلا يُكَلَّمُون ولا يُخَاطَبُون ولا يُخَالطون حتى يَتُوبُوا؛ كما فعل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مع كَعْب وصاحِبَيْه. قوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} أي: فإن أعْرَضُوا عن التَّوْحيد والهجْرَة "فخذوهم" إذا قَدَرْتُم عليهم أسَارَى، ومنه يُقَال للأسِير: أخيذٌُ، {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} في الحِلِّ والحَرَم {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ} في هذه الحَالِ "ولياً" يتولى شَيْئاً من مُهماتكم "ولا نصيراً" لينصركم على أعْدَائِكُم، ثم استَثْنَى منهم وهو قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً}. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ}: في هذه الاستثناء قولان: أظهرهما: أنه استثناء مُتَّصِلٌ، والمستثنى منه قوله: {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ} في الأخذ والقتل لا في المُوالاة؛ لأن موالاة الكُفَّار والمنافقين لا يجوز بحال. والمُسْتَثْنَوْنَ على هذا قَوْمٌ كُفارٌ، ومَعْنَى الوَصْلَةِ هنا الوَصْلَةُ بالمُعَاهَدَةِ والمُهَادَنَةِ. وقال أبُو عبيد: "هو اتِّصَالُ النَّسَب"، وغلَّطه النَّحَّاس بأن النَّسَب كان ثابتاً بين النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم والصَّحابة، وبين المُشْرِكين، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من قتالهم. وقال ابن عبَّاس: يريد: ويلْجَئُون إلى قوم {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} أي: عهد، وهم الأسْلَميُّون، وذلك أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم وادَعَ هِلال بن عُوَيْمر الأسْلَمِيّ عند خُرُوجه إلى مَكَّة، على ألاَّ يُعينَهُ ولا يُعين عليْه، ومن وَصَل إلى هِلالٍ من قَوْمهِ وغيرهم ولجأ إليه، فلهم من الجواز مثل ما لِهِلالٍ. وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ: أراد بالقَوْم الَّذين بالقَوْم الَّذِين بَيْنكم وبَينهم ميثَاقٌ: بني بَكْرٍ بن زَيْد بن مَنَاة، وكانوا في الصُّلْح والهُدْنة، وقال مُقَاتِل: هم خُزَاعَة. والقَوْل الثاني: أنه منقطعٌ - وهو قول أبِي مُسْلم الأصْفَهَانِيِّ، واختيار الرَّاغب -. قال أبو مُسْلم: "لَمَّا أوجبَ اللَّهُ الهِجْرَةَ على كُلِّ مَنْ أسلم، استثنى مَنْ له عُذْرٌ فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ} وهم قوم قَصَدُوا الهِجْرَة إلى الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - ونصرته، وكان [بينهم وبَيْنَه في الطَّريق كُفَّار يخافونهم، فَعَهِدُوا إلى كُفَّارٍ كان] بينهم وبين المُسْلمين عَهْدٌ، فأقاموا عَنْدَهُم إلى أنْ يُمْكِنهُمُ الخلاصُ، واستثنى بعد ذلك مَنْ صَار إلى الرَّسُول وأصْحَابه؛ لأنه يخافُ اللَّهَ فيه، ولا يقاتِلُ الكُفَّار أيضاً لأنهم أقاربُه؛ أو لأنه يَخَافُ على أولاده الذين هُمْ في أيديهم"، فعلى هذا القَوْلِ يكون استثناءً مُنْقَطعاً؛ لأن هؤلاء المُسْتَثنين لم يَدْخُلوا تحت قوله: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} والمُسْتَثنوْن على هَذَا مُؤمِنُون. قوله: {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} يجوز أن يكونَ جملةً من مُبْتَدَأ وخَبر في مَحَلِّ جرِّ صفة لـ "قوم"، ويجوز أن يكُونَ "بينكم" وحْدَه صفةً لـ "قوم"، فيكون في محلِّ جَرٍّ ويتعلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، و "ميثاق" على هذا رفعٌ بالفَاعِليَّة؛ لأنَّ الظَّرف اعتمد على مَوْصُوفٍ، وهذا الوَجْهُ أقربُ؛ لأنَّ الوَصْفَ بالمُفْرَدِ أصْلٌ للوصف بالجُمْلَة. قوله: "أو جاءوكم" فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على الصِّلَة؛ كأنه قيل: أو إلا الذين جَاءُوكُم حَصِرَتْ صُدُورُهُم، فيكون التقدير: "إلا الذين يصلون بالمعاهدين، أو الذين حصرت صدورهم فليقاتلوكم" فيكون المُسْتَثْنَى صِنْفَيْن من النَّاس: أحدهما: واصلٌ إلى قومٍ مُعاهدين، والآخر مَنْ جَاءَ غَيْرَ مقاتِلٍ للمسلمين ولا لِقَوْمه. والثاني: أنه عَطْفٌ على صِفَةِ "قوم" وهي قوله: {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ}، فيكون المُسْتَثْنَى صنفاً واحداً يختلف باختلافِ مَنْ يَصِلُ إليه من مُعَاهدٍ وكافرٍ، واختار الأول الزَّمَخْشَري وابنُ عَطِيَّة. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "الوجهُ العطفُ على الصِّلةِ؛ لقوله: {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} بعد قوله: {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ} فقرَّر أنَّ كفَّهُم عن القِتَال أحدُ سَبَبَي اسْتِحقَاقِهم لنفي التعرُّض لهُم، وتَرْكِ الإيقاع بهم، فإن قُلْت: كلُّ واحد من الاتِّصالين له تأثيرٌ في صحة الاستِثْنَاء، واستحقاقِ تَرْكِ التَّعرضِ للاتصال بالمُعَاهدين والاتصال بالْكَافِّين، فهلا جَوَّزْت أن يَكُونَ العَطْفُ على صفةِ "قوم"، ويكون قوله: "فإن اعتزلوكم" تقريراً لحكم اتِّصالهم بالكافِّين واختلاطهم بهم، وجَرْيهم على سُنَنِهم؟ قلت: هو جَائِزٌ، ولكن الأوَّلَ أظهرُ وأجْرى على أسلوب الكلام". انتهى. وإنما كان أظهر لوجهين: أحدهما: من جِهَة الصِّنَاعة، والثاني: من جهة المَعْنَى. أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ عطفَه على الصِّلة لكون النِّسْبَة فيه إسْنَادِيةً، وذلك أن المُسْتَثْنَى مُحَدَّثٌ عنه مَحْكُومٌ له، بخلاف حُكْم المُسْتَثْنَى منه، فإذا قدَّرْتَ العَطْفَ على الصَِّلَة، كان مُحَدَّثاً عنه بما عَطَفْتَه، بِخِلاَف ما إذا عَطَفْتَه على الصِّفَة، فإنه يكونُ تَقْيِيداً في "قوم" الذين هم قيدٌ في الصِّلَةِ المُحَدَّثِ عن صَاحِبها، ومتى دار الأمْر بين أن تكُون النِّسْبَة إسْنَاديّةً وبين أن تكون تقييدية، كان جَعْلها إسناديةً أوْلى لاسْتِقلالها. والثاني من جهة المَعْنَى: وذلك أنَّ العَطْفَ على الصِّلَةَ يؤدِّي أن سَبَبَ تَرْكِ التَّعرُّض لهم تَرْكُهُم القتالَ ونَهْيُهُم عنه، وهذا سَبَبٌ قريب، والعَطْفُ على الصِّفَة يؤدي إلى أنَّ سَبَبَ تركِ التعرُّضِ لهم، وصُولُهم إلى قَوْم كافِّين عن القِتَال، وهذا سببٌ بعيدٌ، وإذا دَارَ الأمرُ بين سَبَبٍ قريب وآخر بعيدٍ، فاعْتِبَارُ القرِيبِ أوْلَى. والجمهورُ على إثبات "أو"، وفي مُصْحَفِ أبَيٍّ: "جاءوكم" من غير "أوْ"، وخَرَّجها الزَّمَخْشَرِيُّ على أحَدِ أرْبَعة أوْجُه: إمَّا البيان لـ "يصلون"، أو البَدَلِ منه، أو الصِّفة لقَوْم بعد صِفَة، أو الاستئنَافِ. قال أبو حيان: "وهي وجوهٌ مُحْتَمَلَةٌ وفي بعضها ضعفٌ، وهو البيانُ والبدلُ؛ لأن البيانَ لا يَكُون في الأفْعَالِ؛ ولأن البدل لا يتأتَّى لكونه ليس إيَّاه، ولا بعضه، ولا مُشْتَمِلاً عليه". انتهى، ويحتاج الجَوَابُ عنه [إلى] تأمُّلٍ ونظرٍ. قوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} فيه سبعة أوجُه: أحدها: أنه لا مَحَلَّ لهذه الجُمْلَة، بل جِيءَ بها للدُّعاء عليهم بضيق صُدُورهم عن القَتَالِ، وهذا مَنْقُولٌ عن المُبَرِّد، إلاَّ أنَّ الفَارسِيَّ رَدَّ عيله بأنا مَأمُورُون بأنْ نَدْعُوَ على الكُفَّارِ بإلقاءِ العَدَاوَة بينهم، فَنَقُولُ: "اللَّهُم أوْقِعِ العَدَاوَةَ بين الكُفَّار" لكن يكُونُ قوله: {أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} نفياً لما اقْتَضَاهُ دعاءُ المُسْلِمين عليهم. وقد أجَابَ عن هذا الردِّ بعضُ النَّاس؛ فقال بن عَطِيَّة: "يُخَرَّجُ قولُ المُبَرِّد على أن الدُّعَاء عليهم بألاَّ يقاتلوا المُسْلِمِين تعجيزٌ لَهُم، والدعاءُ عَلَيْهم بألاَّ يقاتلوا قومهم تَحْقيرٌ لَهُمْ، أي: هُمْ أقلُّ وأحْقَرُ ومُسْتَغْنى عَنْهُم، كما تقول إذا أردت هذا المَعْنَى: "لا جعل الله فُلاناً عليَّ ولا مَعِي" بمعنى: أسْتَغْنِي عنه وأستَقِلُّ دونَه". وأجاب غيرُه بأنَّه يجُوزَ أن يكونَ سُؤالاً لقومهم، على أنَّ قوله: "قومهم" قد يُحْتمل أن يُعَبَّر به عَمَّنْ لَيْسُوا منهم، [بل عن مُعاديهم". الثاني: أنَّ "حصرت" حالٌ من فاعل "جاءوكم"ـ وإذا وَقَعت الحَالُ فعلاً مَاضِياً ففيها] خلافٌ: هل يَحْتاج إلى اقْتِرانه بـ "قَدْ" أم لا؟ والراجِحُ عدمُ الاحْتِياج؛ لكثرة ما جاء منه، فَعَلى هذا لا تُضْمَرُ "قد" قَبْلَ "حصرت"، ومَنِ اشْتَرَط ذلك، قَدَّرها هنا. والثالث: أنَّ "حصرت" صفةٌ لحَالٍ محذوفةٍ، تقديرُه: أو جاءُوكم قوماً حَصِرَتْ صُدُورُهُم رجالاً حصرت صُدُورهم، فنصب لأنَّه صفة مَوْصُوف مَنْصُوب على الحال، إلاَّ أنه حذف المَوْصُوف المنْتَصب على الحَالِ، وأقيمت صِفته مَقَامَه وسَمَّاها أبو البقاء حالاً مُوَطِّئَة، وهَذَا الوجُه يُعْزَى للمُبرِّد أيضاً. الرابع: أن يَكُون في مَحَلِّ جَرِّ صفةً لِقَوْم بعد صِفَة، و "أو جاءوكم" مُعْتَرِضٌ. قال أبُو البَقَاءِ: يَدُلُّ عليه قِرَاءةُ مَنْ أسْقَط "أو" وهو أبَيٌّ، كذا نَقَلَهُ عنه أبو حيَّان والذي في إعْرَابِه إسقاطُ "أو جاءُوكم" جميعه، وهذا نَصُّه قال: "أحَدُهُما: هو جَرٌّ صِفَةً لقومِ، وما بَيْنَهُمَا صفة أيضاً، و "جاءوكم" معترضٌ، وقد قرأ بَعْضُ الصَّحابَة: "بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم"، بحذف "أو جاءوكم" هذا نَصُّه، وهو أوفق لهذا الوَجْهِ. الخامس: أن يكون بدلاً من "جاءوكم" بدلَ اشْتِمَال؛ لأن المَجِيء مشتمِلٌ على الحَصْر وغيره، نَقَلَه أبو حيان عن أبي البقاء أيضاً. السادس: أنه حبرٌ بعد خَبَر، وهذه عِبَارة الزَّجَّاج، يعني: أنها جملة مُسْتَأنفَة، أخْبر بها عن ضِيق صُدُورِ هَؤلاَء عن القِتَال بعد الإخْبَار عَنْهُم بما تَقَدَّم. قال ابن عطية بعد حِكَاية قولِ الزَّجَّاج: "يُفَرَّق بين الحَالِ وبين خَبَرٍ مستأنفٍ في قولك: "جاء زَيْد رَكِبَ الفَرَسَ" أنك إذا أرَدْتَ الحَالَ بقولك: "ركب الفَرَس" قدَّرْتَ "قد"، وإن أرَدْت خَبَراً بعد خَبَر، لم تَحْتَجْ إلى تقدِيرها". السَّابع: أنه جَوَاب شَرْطِ مُقَدَّر، تقديره: إن جاءُوكُم حصرت [صدورهم]، وهو رأي الجُرجَانِيِّ، وفيه ضَعْفٌ؛ لعدم الدَّلاَلة على ذَلِك. وقرأ الجُمْهُور: "حصرت" فعلاً ماضياً، وقرأ الحَسَن، وقتادة، ويعقوب: "حصرة" نَصْباً على الحَالِ بوزن "نبقة"، وهي تؤيِّد كونَ "حصرت" حالاً، ونقلها المَهْدَوِي عن عَاصِمٍ في رواية حَفْص، ورُوي عن الحَسَن أيضاً: "حصرات" و "حاصرات". وهاتان القراءتان تَحْتَمِلان أن تكُونَ "حصرات" و "حاصرات" نَصْباً على الحال، أو جَرّاً على الصِّفَة لـ "قوم"؛ لأنَّ جَمْع المُؤنَّث السَّالمِ يستوي جَرُّه ونَصْبُه، إلا أنَّ فيهما ضَعْفاً؛ من حيث إنَّ الوَصْفَ الرَّافع لظاهرٍ الفَصيحُ فيه أن يُوَحد كالفِعْلِ، أو يُجمَعَ جَمْعَ تَكْسِير ويَقِلُّ جمعُه تَصْحِيحاً، تقول: مررت بِقومٍ ذاهب جَوَاريهم، أو قيام جواريهم، ويَقِلُّ: "قائِماتٍ جَوَاريهم". وقرئ: "حصرةٌ" بالرفع على أنه خَبَر مُقَدَّم، و "صدورهم" مبتدأ، والجُمْلَة حال أيضاً. وقال أبو البقاء: "وإن كان قد قُرِئ: "حصرة" بالرَّفْع، فعلى أنَّه خَبَر، و "صدورهم"، مُبْتَدأ، والجُمْلَةٌُ حال". قوله: "أن يقاتلوكم" أصلُه: عن أنْ: فلمَّا حُذِف حَرْف الجَرِّ، جرى الخِلاف المَشْهُور، أهي في مَحَلِّ جَرٍّ أو نَصْب؟ والحَصْرُ: الضِّيق، وأصلُه في المكان، ثم تُوُسِّع فيه [فأطْلِق على حَصْر القَوْل: وهو الضيق في الكلام على المُتَكلِّم والحصر: المكتوم] قال: [الكامل] شعر : 1861- وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا حَصِراً بِسِرَِّكِ يَا أمَيْمُ ضَنِينا تفسير : فصل اخْتَلَفُوا في الَّذِين اسْتَثْنَاهُم اللَّه - تعالى -: فقال الجُمْهُور [هم] من الكُفَّار والمَعْنَى: أنه - تعالى - أوجَبَ قتل الكَافِر، إلاَّ إذا كان مُعَاهِداً أوْ تَارِكاً للقِتَال، فإنَّه لا يَجُوز قَتْلَهم، وعلى هذا التَّقْدِير فالقول بالنَّسْخ لازم؛ لأنَّ الكافر وإن تَرَكَ القِتَال؛ فإنه يَجُوز قَتْله. وقال أبُو مُسْلم الأصْفَهَاني: هم قوم من المُؤمِنين، وذكر ما تقدَّم عنه في كَوْن الاستِثْنَاءِ مُنْقَطِعاً. قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} التَّسْليط في اللغة مأخوذ من السَّلاطة؛ وهي الحدَّة، والمقصود: أنَّ الله تعالى منَّ على المُسْلِمين بِكَفِّ بَأسِ المُعَاهِدِين. قال [بعض] المفسِّرين: معنى الآية: أن القَوْم الَّذين جَاءوكُم بنو مُدْلج، كانوا عَاهَدُوا ألاَّ يُقَاتِلُوا المُسْلِمين، وعاهَدُوا قُرَيْشاً ألاَّ يقاتِلُوهم وحصرَت: ضاقَتَ صُدُورُهُم، {أَن يُقَاتِلُونَكُمْ} أي: عن قتالِكُم للعَهْد الذي بَيْنَكُم، {أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} يعني: مَنْ أمِنَ منهُم، ويجُوز أن يكُون مَعْنَاه: أنَّهم لا يُقَاتِلُونَكُم مع قَوْمِهِم، ولا يُقَاتِلُون قومهم مَعَكُم، يعني: قُرَيشاً قد ضاقَتَ صُدُورُهم لِذَلِك. وقال بَعْضُهم: "أو" الوَاوِ؛ كأنه قال: إلى قَوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم مِيثَاقٌ، جاءُوكُم حصرت صُدورُهم عن قَتَالِكُم والقِتَال مَعَكُم وهم - قَوْمُ هلالٍ - الأسْلميُّون وبنو بكر، نهى الله - سُبْحانَهُ - عن قتل هؤلاء المُرتدِّين إذا اتَّصَلُوا بأهل عَهْدٍ للمُؤمِنين؛ لأن من انْضَمَّ إلى قَوْمٍ ذَوي عَهْد فله حُكْمهم في حَقْن الدَّمِ. فصل المَعْنَى: أن ضيق صدورهم عن قِتَالِكُم؛ إنَّما هو لأن الله - تعالى - قَذَفَ الرُّعْب في قُلُوبِهِم، ولو أنه - تعالى - قَوَّى قُلُوبَهُم على قِتَال المُسْلِمِين، لتَسَلَّطُوا عليهم، وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَصِحُّ من الله تَسْلِيط الكَافِر على المُؤمِن وتَقْويته [عَلَيْه]. وأجاب المُعْتَزِلَةُ بوجهين: الأول: قال الجُبَّائِي: قد بينَّا أنَّ الَّذِين اسْتَثْنَاهُم الله - تعالى - قومٌ مؤمِنُون لا كَافِرُون، وعلى هذا فَمَعْنَى الآيَة: ولو شَاءَ اللَّه لَسَلَّطهم عليكم بِتَقْوية [قُلُوبِهِم] ليدْفَعُوا عن أنْفُسِهِم، إن أقدمتم على مُقَاتَلتِهِم على سَبيل الظُّلْمِ. الثَّاني: قال الكَلْبِي: إنه - تعالى - أخبر أنَّه لو شاء لَفَعَل، وهذا لا يُفِيدُ إلاَّ أنه - تعالى - قَادِرٌ على الظُّلْم، وهذا مَذْهَبُنَا، إلا أنَّا نقول: إنه - تعالى - لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ. قوله: "فلقاتلوكم" اللام جَوَاب "لو" على التَّكْرِيرِ أو البَدَلِيَّة، تقديره: ولَوْ شَاءَ اللَّه لَسَلَّطَهُم عليكم، ولو شَاءَ اللَّه لَقَاتَلَوكُم. وقال ابن عطيّة: هي لامُ المُحَاذَاة والازْدِوَاجِ بِمَثَابَة الأولَى، لو لم تَكُن الأولى كنت تقول: "لقاتلوكم". وهي تَسْمِيةٌ غريبة، وقد سَبَقَهُ إليها مَكِّي، والجُمْهُور على: "فلقاتلوكم" من المُفاعَلة. ومُجَاهِد، وجماعة: "فلقتَّلوكم" ثُلاثياً، والحَسَن والجَحْدَري: "فلقتَّلوكم" بالتَّشديد. قوله: "فإن اعتزلوكم" أي: فإن لم يتعرضوا لكم لقتالكم، وألْقَوا إليْكُم السَّلَم، أي: الانقياد والاستسلام وقرأ الجَحْدَرِي: "السَّلْمَ" بفتح السِّين وسُكُون اللام، وقرأ الحسن بِكَسْر السِّين وسكون اللام {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أي: طريقاً بالقَتْل والقِتَالِ. [قوله: {لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} "لكم" متعلِّق بـ "جعل"، و "سبيلاً" مَفْعُولُ "جعل"، و "عليهم" حالٌ من "سبيلا"؛ لأنه في الأصْل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، ويجُوز أن تكونَ "جعل" بمعنى "صير"، فيكون "سبيلا" مَفْعُولاً أوّلَ، و "عليهم" مَفْعُولٌ ثانٍ قُدِّم]. قال بعضهم: هذه الآية منْسُوخة بآية السَّيْف، وهي قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 5]، وقال آخَرُون: إنَّها غير مَنْسُوخة، أمَّا الَّذِين حملوا الاسْتِثْنَاء على المُسْلِمِين، فهو ظاهِرٌ على قولهم، وأمَّا الذين حَمَلُوه على الكَافِرِين؛ فقال الأصَمُّ: إذا حَمَلْنَا الآية على المُعَاهدين، فَكَيْفَ يمكن أن يُقَال إنها مَنْسُوخَةٌ.

السيوطي

تفسير : أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن زيد بن ثابت. ‏ ‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين.‏ فرقة تقول‏ نقتلهم‏،‏ وفرقة تقول.‏ لا‏.‏ فأنزل الله ‏{‏فما لكم في المنافقين فئتين‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية كلها‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "‏إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ الأنصاري. أن هذه الآية أنزلت فينا ‏{‏فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا‏} ‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال‏:‏ ‏"‏حديث : من لي بمن يؤذيني ويجمع لي في بيته من يؤذيني‏؟ فقام سعد بن معاذ فقال‏:‏ إن كان منا يا رسول الله قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فاطعناك‏.‏ فقام سعد بن عبادة فقال‏:‏ ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عرفت ما هو منك‏.‏ فقام أسيد بن حضير فقال‏:‏ إنك يا ابن عبادة منافق تحب المنافقين‏.‏ فقال محمد بن مسلمة فقال‏:‏ استكوا أيها الناس، فإن فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرنا فننفذ لأمره‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية ‏"‏‏.‏ ‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏إن قوماً كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا‏:‏ إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا فيهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين‏:‏ اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين‏:‏ سبحان الله‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ تقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم، فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء‏.‏ فنزلت ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏حتى يهاجروا في سبيل الله‏} ‏ يقول‏:‏ حتى يصنعوا كما صنعتم ‏ {‏فإن تولوا‏} ‏ قال‏:‏ عن الهجرة‏"‏‏. وأخرج أحمد بسند فيه انقطاع عن عبد الرحمن بن عوف ‏"‏أن قوماً من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأسلموا وأصابهم وباء المدينة حماها فاركسوا، خرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من الصحابة فقالوا لهم‏:‏ ما لكم رجعتم‏؟‏ قالوا‏:‏ أصابنا وباء المدينة فقالوا‏:‏ ما لكم في رسول الله اسوة حسنة‏.‏ فقال بعضهم‏:‏ نافقوا‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لم ينافقوا، إنهم مسلمون‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة عن عبد الرحمن. أن نفراً من طوائف العرب هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكثوا معه ما شاء الله أن يمكثوا، ثم ارتكسوا فرجعوا إلى قومهم، فلقوا سرية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفوهم فسألوهم‏ ما ردكم‏؟‏ فاعتلوا لهم فقال بعض القوم لهم‏:‏ نافقتم، فلم يزل بعض ذلك حتى فشا فيهم القول، فنزلت هذه الآية ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏} ‏ قال‏:‏ قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة، يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول‏:‏ هم منافقون‏.‏ وقائل يقول‏:‏ هم مؤمنون، فبين الله نفاقهم، فأمر بقتلهم، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي وبينه وبين محمد عليه السلام حلف، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يؤمون هلالاً وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش، كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيهما ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم‏:‏ إن دماءهما وأموالهما حلال‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لا يحل ذلك لكم‏.‏ فتشاجروا فيهما، فانزل الله ‏{‏فما لكم في المنافقين فئتين‏}‏ حتى بلغ ‏ {‏ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم‏} ‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن معمر بن راشد قال‏:‏ بلغني أن ناساً من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا، أو كان ذلك منهم كذباً، فلقوهم فاختلف فيهم المسلمون فقالت طائفة‏:‏ دماؤهم حلال‏.‏ وطائفة قالت‏:‏ دماؤهم حرام‏.‏ فأنزل اله ‏{‏فما لكم في المنافقين فئتين‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال‏:‏ هم ناس تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا، فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من ولايتهم آخرون، وقالوا‏:‏ تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين‏:‏ إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتخمناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برية‏.‏ فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة‏:‏ أعداء الله منافقون، وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ لا، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتخموها، فخرجوا إلى الظهر يتنزهون فإذا برئوا رجعوا‏.‏ فأنزل الله في ذلك ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال‏:‏ أخذ ناس من المسلمين أموالاً من المشركين فانطلقوا بها تجاراً إلى اليمامة، فاختلف المسلمون فيهم، فقالت طائفة‏:‏ لو لقيناهم قتلناهم وأخذنا ما في أيديهم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لا يصلح لكم ذلك، إخوانكم انطلقوا تجاراً‏.‏ فنزلت هذه الآية ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق ابن وهب عن ابن زيد في قوله ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏}‏ قال‏:‏ هذا في شأن ابن أبي، حين تكلم في عائشة ما تكلم، فنزلت إلى قوله ‏ {‏فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله‏} ‏ فقال سعد بن معاذ‏:‏ فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه‏.‏ يريد عبد الله بن أبي بن سلول‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال‏:‏ حديث : كيف ترون في الرجل يخاذل بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسيء القول لأهل رسول الله وقد برأها الله، ثم قرأ ما أنزل الله في براءة عائشة، فنزل القرآن في ذلك ‏ {‏فما لكم في المنافقين فئتين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ فلم يكن بعد هذه الآية ينطق ولا يتكلم فيه أحد‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ‏ {‏والله أركسهم‏} ‏ يقول‏:‏ أوقعهم . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس ‏ {‏أركسهم‏}‏ قال‏:‏ ردهم‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قول ‏ {‏أركسهم‏} ‏ قال‏:‏ حبسهم في جهنم بما عملوا‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول أمية بن الصلت في شعره‏:‏ شعر : أركسوا في جهنم أنهم كانوا عتاة يقولوا مينا وكذبا وزورا تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏أركسهم بما كسبوا‏} ‏ قال‏:‏ أهلكهم بما عملوا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {‏أركسهم‏} ‏ قال‏:‏ أضلهم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَمَا لَكُمْ} مبتدأٌ وخبرٌ، والاستفهامُ للإنكار والنفي، والخطابُ لجميع المؤمنين لكنّ ما فيه من معنى التوبـيخِ متوجهٌ إلى بعضهم، وقولُه تعالى: {فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} متعلقٌ إما بما تعلق به الخبرُ، أي أيُّ شيءٍ كائنٌ لكم فيهم أي في أمرهم وشأنِهم، فحُذف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، وإما بما يدل عليه قولُه تعالى: {فِئَتَيْنِ} من معنى الافتراقِ أي فما لكم تفترقون في المنافقين، وإما بمحذوف وقع حالاً من فئتين أي كائنتين في المنافقين لأنه في الأصل صفةٌ فلما قُدّمت انتصبت على الحال كما هو شأنُ صفاتِ النكراتِ على الإطلاق، أو من الضمير في تفترقون وانتصابُ فئتين عند البصْريـين على الحالية من المخاطَبـين والعاملُ ما في لكم من معنى الفعلِ، كما في قوله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر، الآية 49] وعند الكوفيـين على خبرية كان مُضمرةً أي فما لكم في المنافقين كنتم فئتين، والمرادُ إنكارُ أن يكون للمخاطبـين شيءٌ يصحّح اختلافَهم في أمر المنافقين وبـيانِ وجوبِ بتِّ القولِ بكفرهم، وإجرائهم مُجرى المجاهرين بالكفر في جميع الأحكامِ. وذكرُهم بعنوان النفاقِ باعتبار وصفِهم السابق. روي (أنهم قومٌ من المنافقين استأذنوا رسولَ الله عليه الصلاة والسلام في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينةِ فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مَرْحلةً فمرحلة حتى لحِقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في أمرهم) وقيل: هم قوم هاجروا من مكةَ إلى المدينة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا على دينك وما أخرَجَنا إلا اجتواءُ المدينةِ والاشتياقُ إلى بلدنا، وقيل: (هم ناسٌ أظهروا الإسلامَ وقعدوا عن الهجرة)، وقيل: (هم قومٌ خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ثم رجعوا)، ويأباه ما سيأتي من جعل هِجرتِهم غايةً للنهي عن تولِّيهم، وقيل: هم العُرَنيّون الذين أغاروا على السَّرْح وقتلوا راعيَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ويردّه ما سيأتي من الآيات الناطقةِ بكيفية المعاملة معهم من السلم والحربِ وهؤلاء قد أُخذوا وفُعل بهم ما فُعل من المُثلةِ والقتلِ ولم يُنقلْ في أمرهم اختلافُ المؤمنين. {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} حال من المنافقين مفيدةٌ لتأكيد الإنكارِ السابقِ واستبعادِ وقوعِ المنكرِ ببـيان وجودِ النافي بعد بـيانِ عدمِ الداعي، وقيل: من ضمير المخاطبـين والرابطُ هو الواو أي أيُّ شيءٍ يدعوكم إلى الاختلاف في كفرهم مع تحقق ما يوجب اتفاقَكم على كفرهم، وهو أن الله تعالى قد ردهم في الكفر كما كانوا {بِمَا كَسَبُواْ} بسبب ما كسَبوه من الارتداد واللّحوقِ بالمشركين والاحتيالِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ، وقيل: ما مصدريةٌ أي بكسبهم، وقيل: معنى أركسهم نَكّسهم بأن صيَّرهم للنار وأصلُ الرِّكسِ ردُّ الشيءِ مقلوباً، وقرىء رَكَّسهم مشدداً ورَكَسَهم أيضاً مخففاً {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} تجريدٌ للخطاب وتخصيصٌ له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين وتوبـيخٌ لهم على زعمهم ذلك وإشعارٌ بأنه يؤدي إلى محاولة المُحالِ الذي هو هدايةُ من أضله الله تعالى، وذلك بأن الحُكمَ بإيمانهم وادعاءِ اهتدائِهم ــ وهم بمعزل من ذلك ــ سعيٌ في هدايتهم وإرادةٌ لها، ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِ المنافقين لتشديد الإنكارِ وتأكيدِ استحالةِ الهدايةِ بما ذكر في حيز الصلةِ. وتوجيهُ الإنكارِ إلى الإرادة لا إلى متعلَّقها بأن يقالَ: أتهدون الخ، للمبالغة في إنكاره ببـيان أنه مما لا يمكن إرادتُه فضلاً عن إمكان نفسِه، وحملُ الهدايةِ والإضلالِ على الحُكم بهما يأباه قوله تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي ومن يَخْلُقْ فيه الضلالَ كائناً من كان فلن تجدَ له سبـيلاً من السبل فضلاً عن أن تهدِيَه إليه، وفيه من الإفصاح عن كمال الاستحالةِ ما ليس في قوله تعالى: {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } تفسير : [الرعد، الآية 33. وسورة الزمر، الآية 23و 36. وسورة غافر، الآية 33] ونظائرِه. وحملُ إضلالِه تعالى على حُكمه وقضائِه بالضلال مُخِلٌّ بحسن المقابلة بـين الشرطِ والجزاءِ، وتوجيهُ الخطابِ إلى كل واحد من المخاطَبـين للإشعار بشمول عدمِ الوجدان للكل على طريق التفصيلِ، والجملةُ إما حالٌ من فاعل تريدون أو تهدوا والرابطُ هو الواو أو اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ للإنكار السابقِ ومؤكدٌ لاستحالة الهدايةِ فحينئذ يجوز أن يكون الخطابُ لكل أحدٍ ممن يصلُح له من المخاطَبـين أولاً ومن غيرهم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ}[88] يعني أعادهم إلى ما جبلت عليه أنفسهم من الجهل به. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تستنجوا بعظم ولا روث فإنه ركس"تفسير : ، يعني رجع من حاله الأول إلى أن صار طعام الجن. {أَتُرِيدُونَ}[88] معشر المخلصين {أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}[88] قال سهل: الإضلال من الله ترك العصمة عما نهى عنه، وترك المعونة على ما أمر به.

القشيري

تفسير : (.....) العهد فيهم أنهم أعدائي، لا ينالون مِنِّي في الدنيا والعقبى رضائي، وإنكم لا تُنْقِذون بهممكم من أقمته بقسمتي فإن المدار على القِّسَم دون (....).

اسماعيل حقي

تفسير : {فما لكم} ايها المؤمنون والمراد بعضهم. قوله ما مبتدأ ولكم خبره والاستفهام للانكار والنفى {فى المنافقين} متعلق بما تعلق به الخبر اى أى شىء كائن لكم فيهم اى فى امرهم وشأنهم {فئتين} اى فرقتين وهو حال من الضمير المجرور فى لكم والمراد انكار ان يكون للمخاطبين شىء مصحح لاختلافهم فى امر المنافقين وبيان وجوب بت القول بكفرهم واجرائهم مجرى المجاهرين بالكفر فى جميع الاحكام وذلك ان ناسا من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخروج الى البدر لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة حتى لحقوا بالمشركين بمكة فاختلف المسلمون فيهم فقال بعضهم هم كفار وقال بعضهم هم مسلمون فانزل الله تعالى الآية {والله اركسهم} حال من المنافقين اى والحال انه تعالى ردهم الى الكفر واحكامه من الذل والصغار والسبى والقتل. والاركاس الرد والرجع يقال ركست الشىء واركسته لغتان اذا رددته وقلبت آخره على اوله {بما كسبوا} اى بسبب ما كسبوا من الارتداد واللحوق بالمشركين والاحتيال على رسول الله صلى الله عليه وسلم {أتريدون} ايها المخلصون القائلون بايمانهم {ان تهدوا من اضل الله} اى تجعلوه من المهتدين ففيه توبيخ لهم على زعمهم ذلك واشعار بانه يؤدى الى المحال الذى هو هداية من اضل الله تعالى وذلك لان الحكم بايمانهم وادعاء اهتدائهم وهم بمعزل من ذلك سعى فى هدايتهم وارادة لها {ومن يضلل الله} اى ومن يخلق فيه الضلال كائنا من كان {فلن تجد له سبيلا} من السبل فضلا عن ان تهديه اليه وتوجيه الخطاب الى كل واحد من المخاطبين للاشعار بشمول عدم الوجدان للكل على طريق التفصيل والجملة حال من فاعل تريدون او تهدوا والرابط هو الواو.

ابن عجيبة

تفسير : {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً...} قلت: {فئتين}: حال، والعامل فيه: الاستقرار في الجر، وأركس الشيء نكَّسه. يقول الحقّ جلّ جلاله: معاتبًا الصحابة حين اختلفوا في إسلام بعض المنافقين، فقال: {فما لكم} افترقتم {في} شأن {المنافقين} فرقتين، ولم تتفقوا على كفرهم، والحالة أن الله ـ تعالى ـ {أركسهم}، أي: نكَّسهم وردهم إلى الكفر بعد أن أظهروا الإسلام بسبب ما كسبوا من الآثام. {أتريدون أن تهدموا من أضل الله}، وسبق لهم الشقاء في علم الله؟ ومن يضلل الله فلن تجد له طريقاً إلى الهدى. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهماـ: ( نزلت في قومِ كانوا بمكة من المشركين، فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم بتجارات إلى الشام، فاختلف المسلمون، هل يقتلونهم ليغنموا تجارتهم، لأنهم لم يهاجروا، أو يتركونهم لأنهم مؤمنون؟). وقيل: في قوم أسلموا ثم اجتَوَوا المدينة، واستأذنوا رسول الله صلى عليه وسلم في الخروج إلى البدو، فلما خَرَجُوا لم يزالُوا راحلين مَرحلةٌ حتى لحقُوا بالمُشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم. ثم حكم بكفرهم فقال {ودّوا لم تكفرون} أي: يتمنون كفركم {كما كفروا فتكونون} معهم {سواء} في الضلال والكفر. الإشارة: من دخل في طريق المخصوصين الأبرار، ثم لم تساعده رياح الأقدار، فلا ينبغي الكلام فيه، ولا الخوض في شأنه، لأن أمره بيد ربه، ( من يهده الله فلا مضل له)، ومن يضلل فلا ناصر له. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم نهى عن مُوَالاَتهم، فقال: {...فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} قلت:{حَصِرت}: أي: ضاقت، والجملة حال من الواو، بدليل قراءة يعقوب (حَصِرَةً). يقول الحقّ جلّ جلاله: {فلا تتخذوا} من هؤلاء الكفرة {أولياء} وأصدقاء حتى يتحقق إيمانهم، بأن يهاجروا من دار الكفرإلى دار الإسلام {في سبيل الله} وابتغاء مرضات الله، لا لحرف دنيوي، {فإن تولوا} عن إظهار الإيمان بالهجرة {في سبيل الله}، {فخذوهم} أسارى {واقتلوهم حيث وجدتموهم} كسائر الكفرة، وجانبوهم {ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا} أي: لا تستعينوا بهم في جهادكم، {إلاَّ الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم} عهد، و {ميثاق} أي: مهاندة، فلهم حكم المُعَاهَدِين الذين وصلوا إليهم، ودخلوا معهم في الصلح، فلا تقتلوهم ولا تأسروهم. وكانت خزاعة وادعت النبي صلى الله عليه وسلم وعقدت معه الصلح، فجاء بنو مدلج فدخلوا معهم في الصلح، فنهى الله عن قتالهم ما داموا معهم، فالقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق هم خزاعة، والذي وصلوا إليهم هم بنو مدلج. فالاستثناء على هذا منقطع، لأن بني مدلج حينئٍذ كانت مظهرة للكفر لا منافقة، ويحتمل أن يكون متصلاً، أي: إلا الذين يصلون منهم...الخ، فتأمل. وكان هذا في أول الإسلام، ثم نُسِخ بقوله: {أية : فَأْقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التّوبَة:5] الآية. ثم ذكر قومًا آخرين نهى عن قتالهم، فقال: {أو جاءوكم} أي: إلاَّ قومًا جاؤوكم، قد {حصرت صدورهم} أي: ضاقت عن {أن يُقاتلوكم أو يُقاتلوا قومهم} يعني أنهم كرهوا قتالهم، وكرهوا قتال قومهم الكفار، فلا تقتلوهم أيضًا، لأن الله كفَّ شرهم عنكم، {ولو شاء الله لسلّطهم عليكم} بأن قوَّى قلوبهم وأزال رعبهم {فَلَقَاتَلُكم} ولم يكفّوا عنكم، {فإن اعتزلوكم} ولم يتعرّضوا لكم {وألقوا إليكم السلم} أي: الاستسلام والانقياد {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} أي: طريقًا إلى قتالهم. الإشارة: نهى الله تعالى عن مساكنة النفوس وموالاتها، حتى تهاجر عن مواطن شهواتها إلى حضرة ربها، فإن تولت عن الهجرة وألِفَت البطالةَ والغفلة فليأخذها ليقتلها حيثما ظهرت صورتها، ولا يسكن إليها أبدًا أو يواليها، إلاَّ إن وصلت إلى حضرة الشيخ، وأمره بالرفق بها، أو كفت عن طغيانها، أو كفى الله أمرها؛ بجذبٍ أخرجها عن عوائدها، أو واردٍ قوَّى دفع شهواتها، فإنه يأتي من حضرة قهار، لا يصادم شيئاً إلا دمغه، وهذه عناية من الرحمن، ولو شاء تعالى لسلطها على الإنسان يرخى لها العنان، فتجمح به في ضَحضَاح النيران، فإن كفت النفس عن شهواتها، وانقادت إلى حضرة ربها، فما لأحدٍ عليها من سبيل، وقد دخلت في حمى الملك الجليل. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى والنزول: خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين. فقال: ما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فرقتين مختلفتين {والله أركسهم بما كسبوا} يعني بذلك والله ردهم إلى أحكام أهل الشرك في اباحة دمائهم، وسبي ذراريهم {بما كسبوا} يعني بما كذبوا الله ورسوله، وكفروا بعد إسلامهم. والاركاس. الرد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: شعر : فاركسوا في حميم النار انهم كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا تفسير : قال الفراء: يقال منه أركسهم، وركسهم وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله وأبي {والله ركسهم} بغير الف. وفيمن نزلت هذه الآية قيل فيه خمسة أقوال: أحدها - قال قوم نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الذين تخلفوا عن رسول الله يوم أحد، وانصرفوا إلى المدينة. وقالوا لرسول الله وأصحابه لو نعلم قتالا لاتبعناكم. ذكر ذلك زيد بن ثابت. والثاني - قال مجاهد، وأبو جعفر (ع)، والفراء: إنها نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، واظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة، لأنهم استوخموا المدينة، واظهروا لهم الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة. فاراد المسلمون أن يأخذوهم وما معهم فاختلفوا. وقال قوم: لا نفعل ذلك لأنهم مؤمنون. وقال آخرون: هم مرتدون. فأنزل الله فيهم الآية. الثالث - قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: بل كان اختلافهم في قوم من أهل الشرك كانوا أظهروا الاسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، فقال قوم: دماؤهم، وأموالهم حلال وقال آخرون: لا بل هو حرام. الرابع - قال السدي نزلت في قوم كانوا بالمدينة أرادوا الخروج عنهم نفاقا. وقالوا للمؤمنين أصابنا جدب وخصاصة نخرج إلى الظهر حتى نتماءل، ونرجع، فقال قوم: هم منافقون. وقال آخرون: هم مؤمنون. والخامس - قال ابن زيد: بل نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله في قصة أهل الافك عبد الله بن أبي، وأصحابه، لما تكلموا في عائشة. الاعراب: وقوله: {فئتين} يحتمل نصبه أمرين: أحدهما - قال بعض البصريين هو نصب على الحال كقولك: مالك قائماً. ومعناه مالك في حال القيام. وقال الفراء: هو نصب على فعل ما لكم ولا ينافي كان المنصوب في مالك: معرفة، أو نكرة. ويجوز أن تقول مالك السائر معنا، لأنه كالفعل الذي ينصب بكل، وأظن، وما أشبهما قال: وكل موضع صلحت فيه فعل ويفعل من المنصوب، جاز نصب المعرفة، والنكرة. كما تنصب كان وأظن، لأنهما نواقص في المعنى. وان ظننت انهن تامات. واختلفوا في معنى اركسهم، فقال ابن عباس: معناه ردهم. وفي رواية أخرى عنه: أوقعهم. وقال قتادة: اهلكهم [وقال السدي: معناه أضلهم بما كسبوا. ومعناه أيضاً اهلكهم] وقوله: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يظلل الله فلن تجد له سبيلاً} معناه أتريدون أيها المؤمنون أن تهدوا إلى الاسلام من أضله الله. ويحتمل معنيين: أحدهما - أن من وجده الله ضالا، وسماه بأنه ضال، وحكم به من حيث ضل بسوء اختياره. والثاني - أضله الله بمعنى خذله. ولم يوفقه كما وفق المؤمنين، لأنهم لما عصوا وخالفوا استحقوا هذا الخذلان عقوبة لهم على معصيتهم، فيريدون الدفاع عن قتالهم مع ما حكم الله بضلالهم وخذلانهم. وقال الجبائي: المعنى ومن يعاقبه الله على معاصيه، فلا تجد له طريقاً إلى الجنة. وطعن على الأول من قول البغداديين ان المراد به التسمية، والحكم بأن قال: لو أراد ذلك، لقال: ومن ضلل الله وهذا ليس بشيء، لأنهم يقولون: أكفرته وكفرته، وأكرمته وكرمته: إذا سميته بالكفر أو الكرم قال الكميت: شعر : فطائفة قد أكفروني بحبكم وطائفة قالوا مسيئ ومذنب تفسير : ويحتمل أن يكون المراد وجدهم ضلالا، كما قال الشاعر: شعر : هبوني امرأ منكم أضل بعيره تفسير : أي وجده ضالا، ثم قال لهم أليس الله قال: {أية : ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً}تفسير : أترى أراد أن الشيطان يخلق فيهم الضلالة؟ بل انما أراد يدعوهم إليها ولا خلاف أن الله تعالى لا يدعو إلى الضلالة، ويقوي قول من قال: المراد به التسمية. قوله: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} وانما أراد ان تسموهم مهتدين لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فحينئذ رد الله عليهم، فقال: لا تختلفوا في هؤلاء، وقولوا باجمعكم: إنهم منافقون. ولم يكونوا يدعونهم إلى الايمان، فخالفهم أصحابهم، فعلم ان الصحيح ما قلناه، ثم أخبر الله تعالى فقال: {ومن يضلل الله} يعني من خذله {فلن تجد له سبيلاً} يا محمد ولا طريقاً. ومن قال من المجبرة: إن قوله: {أركسهم بما كسبوا} يدل على أنه أوقعهم في النفاق. فقولهم باطل، لأنه قال: بما كسبوا، فبين انه فعل بهم ذلك على وجه الاستحقاق. وذلك لا يليق إلا بما قدمناه، لأنه لو أوقعهم في النفاق لمعصية تقدمت، لكان يجب أن يكون أوقعهم فيها لمعصية أخرى. وذلك يؤدي إلى ما لا يتناهى أو ينتهي إلى معصية ابتدأهم بها وذلك ينافي قوله: {بما كسبوا} والفئة الفرقة من الناس. مأخوذ من فأيت رأسه إذا شققته. الفأو: الشعب من شعاب الجبل. والركس: الرد إلى الحالة الاولى. ومنه قيل للعذرة، والروث: ركس.

الجنابذي

تفسير : {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} حال من الضّمير المجرور يعنى لا ينبغى لكم ان تتفرّقوا فرقتين فيمن حكم الله بكفرهم عن الباقر (ع) انّها نزلت فى قوم قدموا من مكّة واظهروا الاسلام ثمّ رجعوا اليها فأظهورا الشّرك ثمّ سافروا الى اليمامة فاختلف المسلمون فى غزوهم لاختلافهم فى اسلامهم وشركهم {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} ردّهم فى الكفر {بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} كما هو ديدن النّاس فانّ كلّ ذى مذهب وطريق خاصّ يودّ ان يكون كلّ النّاس على طريقه والآية جارية فى الانسان الصّغير ايضاً وتعريض بمنافقى الامّة المرتدّين بعد محمّد (ص) بانكار قوله فى علىّ (ع) وعدم هجرتهم من دار شركهم النّفسانيّة الى دار الاسلام والايمان العلويّة الولويّة ان لم يكن تنزيلها فيهم {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ} بعد حكمه تعالى عليهم بالضّلالة {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} عن اوطان المشركين اليكم { فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ظرف ليهاجروا او حال عن الفاعل يعنى يهاجروا بنيّاتٍ صادقةٍ لا بنيّاتٍ منحرفة الى الشّيطان او يهاجروا عن دار شركهم فى ولاية علىّ (ع) الى علىّ (ع) {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ} عن المهاجرة الصّحيحة صورة اليك او باطناً الى علىّ (ع) {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} كما فعل محمّد (ص) بالمرتدّين فى زمانه وعلىّ (ع) بالمرتدّين فى زمانه كاصحاب الجمل والصّفين والنّهروان {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} ظاهراً ولا باطناً اى لا تبايعوهم بالبيعة العامّة المحمّديّة ولا الخاصّة العلويّة، او لا تتّخذوا منهم حبيباً ولا تستنصروا بهم.

الأعقم

تفسير : {فما لكم في المنافقين فئتين} روي أن قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخروج من المدينة فأذن لهم فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فاختلفت المسلمون فيهم فقال بعضهم: هم كفار، وقال بعضهم: هم مسلمون، وقيل: كانوا قوماً هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا على دينك، وقيل: هم قوم خرجوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أُحد، وقيل: قوم أظهروا الإِسلام وقعدوا عن الهجرة والمعنى ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا {والله أركَسَهُم} أي ردّهم في حكم المشركين ويجوز أركسهم في الكفر بأن خذلهم لما علم مرض قلوبهم {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} من حكم عليه بالضلال وخذله حتى ضلَّ {ودّوا لو تكفرون} والمعنى ودوا كفركم وكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء فلا تولهم وان آمنوا متى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله لا لعرض من أعراض الدنيا فإن تولوا عن الآيات الظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحل والحرم وجانبوهم مجانبة كليَّة الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم {إلا الذين يصلُون} استثناء من قوله: {فخذوهم واقتلوهم} ومعنى {يصلون إلى قوم} ينتهون إليهم ويتصلون بهم والقوم هم الأسلميون كان بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهود وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال، وقيل: القوم بنو بكر بن زيد كانوا في الصلح {أو جاؤوكم} قال جارالله: لا يخلو اما أن يكونوا معطوفاً على صفة قوم كأنه قيل: إلا الذين يصلون قوماً معاهدين أو قوماً ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، أو على صلة الذي كأنه قيل: إلا الذين يتصلون بالمعاهدين والذين يقاتلونكم، والوجه العطف على الصلة لقوله: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم} وجعله المرد صفة لموصوف محذوف على أو جاؤوكم قوماً حصرت صدورهم، وقيل: هو بيان لجاؤوكم وهم بنو مدلج ولو شاء الله لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه كانوا مسلطين مقاتلين غير كافين فذلك معنى التسليط أي الانقياد والاستسلام {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} فما أذن لكم في قتلهم وأخذهم {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} الآية، قيل: نزلت في قوم من أهل مكة أسلموا بها، وقيل: هم قوم من أهل تهامة قالوا: يا رسول الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وقيل: فيمن ينقل الحديث بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والكفار، وقيل: هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا فإن رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم {كلما ردوا إلى الفتنة} كلما دعاهم قوم إلى قتال المسلمين {أركسوا فيها} قلبوا قبح قلب وأشنعه، والفتنة: الشرك رجعوا إليه وعادوا فيه مصرين عليه، وقيل: كلما ردوا إلى الامتحان والاختبار ظهر الكفر ورجعوا إليه، ومعنى أركسوا فيها قيل: يرتكسون إلى الكفر ويرجعون إليه {فإن لم يعتزلوكم} يعني قتالكم ويكفوا أيديهم عنكم {فخذوهم} أين ما ظفرتموهم {واقتلوهم} والآية تدل على وجوب الكف عنهم ان عملوا في المسألة / روي في الحاكم، {حيث ثقفتموهم} حيث تمكنتم منهم {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً} حجة واضحة لظهور عذابهم وانكشاف حالهم في الكفر أو سلطاناً ظاهراً حيث أذنَّا لكم في قتلهم.

اطفيش

تفسير : {فَمَا لَكُمْ فِى المُنَافِقِينَ فِئَتَيِنِ}: ما مبتدأ للاستفهام التوبيخى، ولكم خبره، وفى المنافقين متعلق بفئتين على حذف مضاف، أى فى أمر المنافقين، وانما جاز التعليق بفئتين مع أنه ليس وصفا ولا مصدرا، لأنه فى تأويل الوصف، اذ معناه متفرقين بصيغة الجمع، وفئتين حال لهذا التأويل، تأويل الوصف، وصاحبها الضمير المنتقل من قولك: كائن أو مستقر أو نحوهما، المخبر به الى قوله: لكم، فاستتر فيه فعاملها لكم لنيابته عن نحو كائن أو استقر، وقيل: لا تقل فى أمر المنافقين فئتين حال من المستتر فى مختلفين أو متفرقين، أمرهم الله أن لا يختلفوا، بل يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتفقوا على كلمة واحدة، وأخبرهم الله تعالى أن المنافقين كفار. كما قال: {أية : ودوا لو تكفرون كما كفروا}تفسير : وذلك أن أناساً منهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخروج الى البدو لكراهة هواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فى اسلامهم وكفرهم: فقال بعض: هم مسلمون، وقال بعض: مشركون، فنزلت الآية. وقيل: رجلان من قريش تكلما بالاسلام ولم يهاجرا، وهما من أهل مكة، لقيهما قوم من الصحابة وقد أقبلا الى مكة، فأحل بعض دماءهما وأموالهما، وحرمهما آخرون، فنزلت الآية. وقيل: نزلت فى قوم من قريش هاجروا من مكة، ثم بدا لهم يتجرون بها، فاختلفوا فيهم فنزلت. وقيل: نزلت فى قوم من قريش هاجروا من مكة، ثم بدا لهم فرجعوا، وكتبوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا على دينك وما خرجنا الا لاجتواء المدينة والاشتياق الى بلدنا، والاجتواء عدم موافقة هواء بلد لطبع من نزل به أو مر به. وفى رواية: أن هؤلاء القوم قدموا المدينة تجارا وأسلموا، ثم ندموا على الاسلام، فخرجوا كهيئة المنتزهين، وأنهم لما بعدوا كتبوا ما ذكر اليه صلى الله عليه وسلم، ثم انهم خرجوا فى تجارة الى الشام، فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: ندركهم ونقتلهم ونأخذ مالهم لرغبتهم عن ديننا، وقال بعضهم: كيف نفعل ذلك، وقد أسلموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت يسمعهم فنزلت. وقال زيد بن ثابت: نزلت فى عبد الله بن أبى ومن رجع عن قتال أحد، فقال بعض المسلمين: نقتلهم، وقال بعض: لا بل نعفوا لأنهم تكلموا كلمة الحق. وقيل: نزلت فيه ومن معه فى حديث الإفك. وعلى القولين: المراد بالهجرة هجرة السوء. وقيل: نزلت فى العرنيين الذين أغاروا على السرح، وقتلوا. وقيل: فى قوم أظهروا الاسلام بمكة ولم يهاجروا وظاهروا المشركين، ونسب هذا لابن عباس بأبسط من هذا قال: هم قوم كانوا بمكة، أظهروا الايمان لأصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى كتاب بعثوا به الى المدينة، ثم خرجوا به مسافرين الى الشام، وأعطتهم قريش بضاعات وقالوا لهم: أنتم لا تخافون أصحاب محمد لأنكم تخدعونهم باظهار الايمان، فاتصل خبرهم بالمدينة، فاختلف المؤمنون فقالت طائفة: نخرج اليهم نقتلهم، وطائفة قالوا: أسلموا فلا سبيل لنا اليهم، ومثله عن مجاهد، وذكر الهجرة بعد بدل على هذا ونحوه. {وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا}: ردهم الى حكم الكفرة من الذل والسبى والقتل، والاركاس الرد والرجع، ومنه الركس للرجيع، ومنه تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم الروثة التى جىء بها اليه يستجمر بها ركسا كما فى صحيح الربيع، قال أمية بن أبى الصلت: شعر : فأركسوا فى جحيم النار أنهم كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا تفسير : وقيل المعنى: ردهم الى النار بعد ما كان ظاهرهم الانصراف عنها بالاسلام. قال ابن العربى: الاركاس الرد الى حالة مكروهة، كما قال فى الروثة انها ركست أى رجعت الى حالة مكروهة. وقال الراغب: الركس رد الشىء أوله على آخره، وقلبه على رأسه، وذلك كله كسبوه أو بكسبهم، وذلك أعمالهم الخبيثة وما أظهروا من الارتداد، وذلك أن الذنب يورث الذنب، والذنوب وقرىء ركسهم، لأنه يقال أركسه وركسه، والمعنى واحد ثلاثيا كان أو رباعيا. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَ اللهُ}: أن توفقوا وتعصموا من خذل الله، والاستفهام للانكار، والخطاب للمؤمنين الذين يدافعون عن المنافقين بقولهم: انهم آمنوا لا يقتلون ولا يسبون. {وَمَن يُضْلِلِ اللهُ}: عن الهدى. {فَلَن تَجِدَ لَهُ} يا محمد {سَبِيلاً} الى الهدى.

الالوسي

تفسير : {فَمَا لَكُمْ} مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار، والنفي والخطاب لجميع المؤمنين، (وما فيه من معنى التوبيخ لبعضهم)، وقوله سبحانه: {فِي ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} يحتمل ـ كما قال السمين ـ أن يكون متعلقاً بما يدل عليه قوله تعالى: {فِئَتَيْنِ} [من معنى الافتراق] أي فما لكم تفترقون في المنافقين، وأن يكون حالاً من {فِئَتَيْنِ} أي فئتين مفترقتين في المنافقين، فلما قدم نصب على الحال، وأن يكون متعلقاً بما تعلق به الخبر أي أي شيء كائن لكم في أمرهم وشأنهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وفي انتصاب {فِئَتَيْنِ} وجهان ـ كما في «الدر المصون» ـ. وأحدهما: أنه حال من ضمير {لَكُمْ} المجرور والعامل فيه الاستقرار، أو الظرف لنيابته عنه، وهذه الحال لازمة لا يتم الكلام بدونها، وهذا مذهب البصريين في هذا التركيب وما شابهه، وثانيهما: ـ وهو مذهب الكوفيين ـ أنه خبر كان مقدرة أي مالكم في شأنهم كنتم فئتين، ورد بالتزام تنكيره في كلامهم نحو {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49] وأما ما قيل على الأول: من أن كون ذي الحال بعضاً من عامله غريب لا يكاد يصح عند الأكثرين فلا يكون معمولاً له، ولا يجوز اختلاف العامل في الحال وصاحبها فمن فلسفة النحو كما قال الشهاب، والمراد إنكار أن يكون للمخاطبين شيء مصحح لاختلافهم في أمر المنافقين، وبيان وجوب قطع القوم بكفرهم وإجرائهم مجرى المجاهرين في جميع الأحكام وذكرهم بعنوان النفاق باعتبار وصفهم السابق. أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: هم قوم خرجوا من مكة حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك فاستأذنوا النبـي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المسلمون فقائل يقول: هم منافقون وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: «هم ناس تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتولاهم ناس وتبرأ من ولايتهم آخرون وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا فسماهم الله تعالى منافقين وبرأ المؤمنين من ولايتهم وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا»، وأخرج الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم عن زيد بن ثابت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فئتين فرقة تقول: نقتلهم وفرقة تقول: لا فأنزل الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} الآية كلها» ويشكل على هذا ما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى من جعل هجرتهم غاية للنهي عن توليتهم إلا أن يصرف عن الظاهر كما ستعلمه، وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وأخذوا يساراً راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثلوا به فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ويرده كما قال شيخ الإسلام ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الآيات الناطقة بكيفية المعاملة معهم من السلم والحرب وهؤلاء قد أخذوا، وفعل بهم ما فعل من المثلة والقتل ولم ينقل في أمرهم اختلاف المسلمين، وقيل غير ذلك. / {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ} حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإنكار السابق، وقيل: من ضمير المخاطبين والرابط الواو، وقيل: مستأنفة والباء للسببية، وما إما مصدرية وإما موصولة، وأركس وركس بمعنى، واختلف في معنى الركس لغة، فقيل: الرد ـ كما قيل ـ في قول أمية بن أبـي الصلت:شعر : فأركسوا في جحيم النار أنهم كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا تفسير : وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمعنى حينئذ والله تعالى ردهم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب ما كسبوه من الارتداد واللحوق بالمشركين أو نحو ذلك أو بسبب كسبهم، وقيل: هو قريب من النكس، وحاصله أنه تعالى رماهم منكسين فهو أبلغ من التنكيس لأن من يرمى منكساً في هوة قلما يخلص منها، والمعنى أنه سبحانه بكسبهم الكفر، أو بما كسبوه منه قلب حالهم ورماهم في حفر النيران. وأخرج ابن جرير عن السدي أنه فسر {أَرْكَسَهُمْ} بأضلهم وقد جاء الإركاس بمعنى الإضلال، ومنه:شعر : (وأركستني) عن طريق الهدى وصيرتني مثلاً للعدا تفسير : وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: المعنى حبسهم في جهنم، والبخاري عنه أن المعنى بددهم أي فرقهم وفرق شملهم، وابن المنذر عن قتادة أهلكهم، ولعلها معان ترجع إلى أصل واحد، وروي عن عبد الله وأبيّ أنهما قرآ ـ ركسوا ـ بغير ألف، وقد قرأ ـ ركّسهم ـ مشدداً. {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} توبيخ للفئة القائلة بإيمان أولئك المنافقين على زعمهم ذلك، وإشعار بأن يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى، وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم مع أنهم بمعزل من ذلك سعي في هدايتهم وإرادة لها، فالمراد بالموصول المنافقون إلا أن وضع موضع ضميرهم لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة، وحمله على العموم، والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياً ـ كما زعمه أبو حيان ـ ليس بشيء، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها للمبالغة في إنكاره ببيان أن إرادته مما لا يمكن فضلاً عن إمكان نفسه، والآية ظاهرة في مذهب الجماعة، وحمل الهداية والإضلال على الحكم بها خلاف الظاهر، ويبعده قوله تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} فإن المتبادر منه الخلق أي من يخلق فيه الضلال كائناً من كان ويدخل هنا من تقدم دخولاً أولياً ـ فلن تجد له سبيلاً من السبل فضلاً عن أن تهديه إليه، والخطاب في {تَجِدَ} لغير معين، أو لكل أحد من المخاطبين للإشعار (بعدم) الوجدان للكل على سبيل التفصيل، ونفي وجدان السبيل أبلغ من نفي الهادي، وحمل إضلاله تعالى على حكمه وقضائه بالضلال مخل بحسن المقابلة بين الشرط والجزاء، وجعل السبيل بمعنى الحجة، وأن المعنى من يجعله الله تعالى في حكمه ضالاً فلن تجد له في ضلالته حجة ـ كما قال جعفر بن حرب ـ ليس بشيء كما لا يخفى، والجملة إما اعتراض تذييلي مقرر للإنكار السابق مؤكد لاستحالة الهداية، أو حال من فاعل {تُرِيدُونَ} أو {تَهْدُواْ}، والرابط الواو.

ابن عاشور

تفسير : تفريع عن أخبار المنافقين التي تقدّمت، لأنّ ما وصف من أحوالهم لا يترك شكاً عند المؤمنين في حيث طويتهم وكفرهم، أو هو تفريع عن قوله: {أية : ومن أصدق من الله حديثاً}تفسير : [النساء: 87]. وإذ قد حدّث الله عنهم بما وصف من سابق الآي، فلا يحقّ التردّد في سوء نواياهم وكفرهم، فموقع الفاء هنا نظير موقع الفاء في قوله: {أية : فقاتل في سبيل الله} تفسير : في سورة النساء (84). والاستفهام للتعجيب واللَّوم. والتعريف في {المنافقين} للعهد، و{فئتين} حال من الضمير المجرور باللام فهي قيد لعامله، الذي هو التوبيخ، فعلم أنّ محلّ التوبيخ هو الانقسام: {في المنافقين} متعلّق بفئتين لتأويله بمعنى «منقسمين»، ومعناه: في شأن المنافقين، لأنّ الحكم لا يتعلّق بذوات المنافقين. والفئة: الطائفة. وزنها فِلَة، مشتقّة من الفيء وهو الرجوع، لأنّهم يَرجع بعضهم إلى بعض في شؤونهم. وأصلها فَيّءٌ، فحذفوا الياء من وسطه لكثرة الاستعمال وعوّضوا عنها الهاء. وقد علم أنّ الانقسام إلى فئتين ما هو إلاّ انقسام في حالة من حالتين، والمقام للكلام في الإيمان والكفر، أي فما لكم بين مكفّر لهم ومبرّر، وفي إجراء أحكام الإيمان أو الكفر عليهم. قيل: نزلت هذه الآية في المنخزلين يوم أُحد: عبد الله بن أبَيّ وأتباعه، اختلف المسلمون في وصفهم بالإيمان أو الكفر بسبب فعلتهم تلك. وفي «صحيح البخاري» عن زيد بن ثابت قال: رجع ناس من أصحاب النبي من أُحد، وكان الناس فيهم فريقين، فريق يقول: اقُتُلْهم، وفريق يقول: لا، فنزلت «فما لكم في المنافقين فئتين»، وقال: «إنّها طَيْبَة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضّة» أي ولَمْ يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم جرياً على ظاهر حالهم من إظهار الإسلام. فتكون الآية لبيان أنّه ما كان ينبغي التردّد في أمرهم. وعن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة أظهروا الإيمان، وهاجروا إلى المدينة، ثمّ استأذنوا في الرجوع إلى مكة، ليأتوا ببضاعة يتّجرون فيها، وزعموا أنّهم لم يزالوا مؤمنين، فاختلف المسلمون في شأنهم: أهم مشركون أم مسلمون. ويبيّنه ما روي عن ابن عباس أنّها نزلت في قوم كانوا من أهل مكة يبطنون الشرك ويظهرون الإسلام للمسلمين، ليكونوا في أمن من تعرّض المسلمين لهم بحرب في خروجهم في تجارات أو نحوها، وأنّه قد بلغ المسلمين أنّهم خرجوا من مكة في تجارة، فقال فريق من المسلمين: نركب إليهم فنقاتلهم، وقال فريق: كيف نقتلهم وقد نطقوا بالإسلام، فاختلف المسلمون في ذلك، ولم يغيّر رسول الله على أحد من الفريقين حتّى نزلت الآية. وعن الضّحاك: نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة ولم يهاجروا، وكانوا يظاهرون المشركين على المسلمين، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {أية : إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم}تفسير : [النساء: 97] الآية. وأحسب أنّ هؤلاء الفرق كلّهم كانوا معروفين وقت نزول الآية، فكانوا مثَلاً لعمومها وهي عامّة فيهم وفي غيرهم من كلّ من عرف بالنفاق يومئذٍ من أهل المدينة ومن أهل مكة. والظاهر أنّ الآية نزلت بعد أن فات وقت قتالهم، لقصد عدم التعرّض لهم وقت خروجهم استدراجاً لهم إلى يوم فتح مكة. وعلى جميع الاحتمالات فموقع الملام هو الخطأ في الاجتهاد لضعف دليل المُخطِئين لأنّ دلائل كفر المتحدّث عنهم كانت ترجح على دليل إسلامهم الذي هو مجرّد النطق بكلمة الإسلام، مع التجرّد عن إظهار موالاة المسلمين. وهذه الآية دليل على أنّ المجتهد إذا استند إلى دليل ضعيف ما كان من شأنه أن يستدلّ به العالِم لا يكون بعيداً عن الملام ــــ في الدنيا ــــ على أن أخطأ فيما لا يخطىء أهلُ العلم في مثله. وجملة {والله أرْكَسَهم بما كسبوا} حالية، أي إن كنتم اختلفتم فيهم فالله قد ردّهم إلى حالهم السوأى، لأنّ معنى أركس رَدّ إلى الرّكْس، والركس قريب من الرجس. وفي حديث الصحيح في الروث «حديث : إنّ هذا رِكْسٌ» تفسير : وقيل: معنى أركس نكس، أي ردّ ردّاً شنيعاً، وهو مقارب للأول. وقد جعل الله ردّهم إلى الكفر جزاء لسوء اعتقادهم وقلّة إخلاصهم مع رسوله صلى الله عليه وسلم فإنّ الأعمال تتوالد من جنسها، فالعمل الصالح يأتي بزيادة الصالحات، والعمل السيّيء يأتي بمنتهى المعاصي، ولهذا تكرّر في القرآن الإخبار عن كون العمل سبباً في بلوغ الغايات من جنسه. وقوله: {أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله} استئناف بياني نشأ عن اللوم والتعجيب الذي في قوله: {فما لكم في المنافقين فئتين}، لأنّ السامعين يترقّبون بيان وجه اللوم، ويتساءلون عمّاذا يتُخذون نحو هؤلاء المنافقين. وقد دلّ الاستفهام الإنكاري المشوب باللوم على جملة محذوفة هي محلّ الاستئناف البياني، وتقديرها: إنهم قد أضلّهم الله، أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله، بناء على أنّ قوله: {والله أركسهم} ليس المراد منه أنَّه أضلّهم، بل المراد منه أساءَ حالهم، وسوءُ الحال أمر مجمل يفتقر إلى البيان، فيكون فَصْل الجملة فصل الاستئناف. وإن جعلتَ معنى {والله أركسهم} أنّه ردّهم إلى الكفر، كانت جملة {أتريدون} استئنافاً ابتدائياً، ووجه الفصل أنّه إقبال على اللوم والإنكار، بعد جملة {والله أركسهم} التي هي خبرية، فالفصل لكمال الانقطاع لاختلاف الغرضين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}. أنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله الله، وصرح فيها بأن من أضله الله لا يوجد سبيل إلى هداه، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [المائدة: 41] وقوله: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} تفسير : [الأعراف: 186] ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ينبغي له كثرة التضرع والابتهال إلى الله تعالى: أن يهديه ولا يضله، فإن من هداه الله لا يضل، ومن أضله لا هادي له، ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: {أية : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} تفسير : [آل عمران: 8] الآية.

الواحدي

تفسير : {فما لكم في المنافقين فئتين} نزلت في قومٍ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقاموا ما شاء الله، ثمَّ قالوا: إنَّا اجتوينا المدينة، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم أَنْ يخرجوا، فلمَّا خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلةً مرحلةً، حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: إنَّهم كفار مرتدُّون، وقال آخرون: هم مسلمون حتى نعلم أنَّهم بدَّلوا، فبيَّن الله كفرهم في هذه الآية، والمعنى ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين على فئتين، على فرقتين {والله أركسهم} ردَّهم إلى حكم الكفَّار من الذُّلِّ والصَّغار، والسَّبي والقتل {بما كسبوا} بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النِّفاق {أتريدون} أيُّها المؤمنون {أن تهدوا} أَيْ: ترشدوا {مَنْ أضلَّ الله} لم يرشده الله، أَيْ: يقولون: هؤلاء مهتدون، والله قد أضلَّهم {ومَنْ يضلل الله فلن تجد له سبيلاً} أَيْ: ديناً وطريقاً إلى الحجَّة. {ودُّوا} أَيْ: هؤلاء {لو تكفرون كما كفروا فتكونون} أنتم وهم {سواءً فلا تتخذوا منهم أولياء} أَيْ: لا تُوالوهم ولا تُباطنوهم {حتى يهاجروا في سبيل الله} حتى يرجعوا إلى رسول الله {فإن تولوا} عن الهجرة وأقاموا على ما هم عليه {فخذوهم} بالأسر {ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً} أيْ: لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوِّكم. {إلاَّ الذين يصلون} أَيْ: فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلاَّ الذين يتصلون ويلتجئون {إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} فيدخلون فيهم بالحلف والجوار {أو جاؤوكم حصرت صدورهم} يعني: أو يتصلون بقوم جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم، وهم بنو مدلجٍ كانوا صلحاً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا بيان أنَّ مَن انضمَّ إلى قومٍ ذوي عهدٍ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فله مثلُ حكمهم في حقن الدم والمال، ثمَّ نُسخ هذا كلُّه بآية السَّيف، ثمَّ ذكر الله تعالى مِنَّته بكفِّ بأس المعاهدين فقال: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} يعني: إنَّ ضيق صدورهم عن قتالكم إنَّما هو لقذف الله تعالى الرُّعب في قلوبهم، ولو قوَّى الله تعالى قلوبهم على قتالكم لقاتلوكم، {فإن اعتزلوكم} أَيْ: في الحرب {وألقوا إليكم السلم} أَي: الصُّلح {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} في قتالهم وسفك دمائهم، ثمَّ أمره بقتال مَنْ لم يكن على مثل سبيل هؤلاء، فقال: {ستجدون آخرين.. } الآية. هؤلاء قومٌ كانوا يظهرون الموافقة لقومهم من الكفَّار، ويظهرون الإِسلام للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين،يريدون بذلك الأمن في الفريقين، فأطلع الله نبيَّه عليه السَّلام على نفاقهم، [وهو قوله: {يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} وقوله: {كلما رُدُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها} كلَّما دُعوا إلى الشِّرك رجعوا فيه {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً} أَيْ: حجَّة بيِّنةً في قتالهم؛ لأنَّهم غَدَرةٌ لا يُوفون لكم بعهدٍ.

القطان

تفسير : الفئة: الجماعة. أركسهم: ردهم الى حكم الكفرة، واصل الرَّكس رد الشيء مقلوباً. تولّوا: أعرضوا. أولياء: نصراء، جمع وليّ. ميثاق: عهد. حصرت صدروهم: ضاقت. السلم: الاستسلام. هذه أحكام في معاملة المسلمين لغيرهم، وهي بعض القواعد التي أنشأها الاسلام لأول مرة في تاريخ البشرية وفي مجال المعاملات الدولية. وبفضْلها يُقيم المجتمع المسلم علاقاته مع غيره من المجتمعات الاخرى على اساس العدالة. وقد وردت هذه القواعد متفرقة في سور القرآن الكريم، فحرص عليها المسلمون وطبقوها. أما غير المسلمين فإنهم بدأوا في سَنِّ القانون الدولي في القرن السابع عشر الميلادي، أي بعد نزول القرآن بعشرة قرون. ومن المؤسف أن كانت جميع القوانين التي سُنّت والمنظمات التي أوجدت مجردَ أدواتٍ تختفي وراءها الأطماع الدولية، لا أجهزة لإحقاق الحق. وأكبرُ شاهد على ذلك الآن هي المنظمة الدولية الكبرى "هيئة الأمم"، فإنها لم تحلّ اية قضية، ولم ترعَ حقاً من حقوق الأمم المهضومة، بل ظلّت لعبة في يد الدول الاستعمارية لحماية مصالحها. والآية هنا تعالج قضايا المنافقين، والذين يرتبطون بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، والمحايدين الذين تضيق صدورهم بحرب المسلمين أو بحرب قومهم وهم على دينهم، والمتلاعبين بالعقيدة الذين يُظهرون الإسلام إذا قدِموا المدينة الكفرَ اذا عادوا الى مكة. مالكم ايها المسلمون حِرتم في المنافقين وانقسمتم فئتين لاختلافكم حول كفرهم! ان الأدلة تتظاهر على ذلك فما يسوغ لكم ان تختلفوا في شأنهم أهم مؤمنون أم كافرون؟ ولا بصدد وجوب قتلهم أم لا؟ وهؤلاء الذين اختلف المسلمون في أمرهم هم فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين وهم كاذبون. وكان المؤمنون في أمرهم فرقتين: واحدة ترى انهم يُعَدّون من الموالين، فيجوز ان يستعان بهم على المشركين، وأخرى ترى ان يعامَلوا كما يعاملُ غيرهم من المشركين. وقد حسم الله الخلاف في ذلك وأمر المسلمين ان يبتّوا في أمر كفرهم، فإنه هو قد أركسهم. ومن ثم: كيف تختلفون أيها المسلمون في شأنهم واللهُ قد صرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشر والشِرك! ليس في استطاعتكم هداية من قدّر الله ضلاله، ولن تجدوا له طريقا الى الهداية على الإطلاق. إنكم تودّون هداية هؤلاء المنافقين فيما هم لا يقنعون منكم إلا بأن تكفروا مثلهم، وحتى يُقضى على الاسلام الذي أنتم عليه.. فاحذروا غوائل نفاقهم. {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ...} اذا كانت هذه حالهم فلا تتخذوا منهم مناصرين لكم، ولا تعتبروهم منكم حتى يؤمنوا ويهاجروا مجاهدين في سبيل الاسلام. بذلك تزول عنهم صفة النفاق. فإن أعرضوا عن ذلك، وانضمّوا الى أعدائكم فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم. أياكم أن تتخذوا منهم ولياً يتولّى شيئاً من أموركم، ولا نصيرا ينصركم على اعدائكم. ثم استثنى من هؤلاء الناس أولئك الّذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين فيدخلون في عهدهم. كما استثنى الذين هم في حيرة من أمرهم، قد وقفوا على الحياد، مسالمين لا يقاتلون قومهم معكم ولا يقاتلونكم انتم ـ فهؤلاء جميعا لا يجوز قتالهم. هذا هو مبدأ الاسلام كما جاء صريحا في قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ}. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ}. لو شاء تعالى لجعلهم يحاربونكم، ولكنه رحمَكم بأن صرفهم عن قتالكم. فإذا اعتزلوكم ولم يقاتلوكم فليس لكم من حق في الاعتداء علَيهم، ولا يسوغ لكم قتالهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمُنَافِقِينَ} (88) - فَمَا لَكُمْ أَصْبَحْتُمْ فِئَتَينِ فِي المُنَافِقِينَ، وَاخْتَلَفْتُمْ فِي كُفْرِهِمْ، مَعَ تَظَاهُرِ الأدِلَّةِ عَلَيهِ، فَلَيْسَ لَكُمْ أنْ تَخْتَلِفُوا فِي شَأنِهِمْ، وَكَيْفَ تَفْتَرِقُونَ فِي شَأنِهِمْ وَقَدْ صَرَفَهُمُ اللهُ عَنِ الحَقِّ الذِي أنْتُمْ عَلَيهِ، بِمَا كَسَبُوا مِنْ أعْمَالِ الشِّرْكِ، وَاجْتَرَحُوا مِنَ المَعَاصِي، وَقَدْ أَرْكَسَهُمُ اللهُ، وَجَعَلَهُمْ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ نَاكِسي الرُّؤُوس، بِسَبَبِ إيغَالِهِمْ في الضَّلالِ، وَبُعْدِهُمْ عَنِ الحَقِّ؟ وَأنْتُمْ يَا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَيْسَ بِاسْتِطَاعَتِكُمْ أنْ تُبَدِّلُوا سُنَنَ اللهِ، لأنَّ مَنْ قَضَتْ سُنَنُ اللهِ في خَلْقِهِ أنْ يَكُونَ ضَالاً عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ بِسُلُوكِهَا إلى الحَقِّ. وَسَبيلُ الفِطْرَةِ أنْ يَعرضَ الإِنْسَانُ جميعَ أعْمَالِهِ عَلَى سُنَنِ العَقْلِ، وَيَتْبَعَ مَا يَظْهَرُ لَهُ أَنَّهُ الحَقُّ الذِي فِيهِ مَنْفَعَتُهُ فِي الدِّينِ وَالدُّنيا. وَأكْثَرُ مَا يَصُدُّ الإِنْسَانَ عَنْ سَبيلِ الفِطْرَةِ هُوَ التَّقْلِيدُ وَالغُرُورُ وَظَنُّ الإِنَْسانِ أنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَا هُوَ أكْمَلُ مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَبِهَذَا يَقْطَعُ عَلَى نَفْسِهِ طَريقَ العَقْلِ وَالنَّظَرِ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، وَالحَقِّ وَالبَاطِلِ. الرَّكْسُ - إرْجَاعُ الشَّيءِ مَنْكُوساً عَلَى رَأسِهِ، أوْ مُتَحوِّلاً مِنْ حَالٍ إلى حَالٍ أرْدَأَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كل جملة سبقتها "فاء" فمن اللازم أن يكون هناك سبب ومسبب، علة ومعلول، مقدمة ونتيجة، وكل الأشياء التي تكلم الحق عنها سبحانه وتعالى فيما يتعلق بمشروعية القتال للمؤمنين ليحملوا المنهج إلى الناس، ويكون الناس - بعد سماعهم المنهج - أحراراً فيما يختارون. إذن فالقتال لم يشرع لفرض منهج، إنما شُرع ليفرض حرية اختيار المنهج، بدليل قول الحق: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} تفسير : [البقرة: 256]. وعلى ذلك فالإسلام لا يفرض الدين، ولكنه جاء ليفرض حرية الاختيار في الدين، فالقُوَى التي تعوق اختيار الفرد لدينه، يقف الإسلام أمامها لترفع تسلطها عن الذين تبسط سلطانها عليهم ثم يترك الناس أحراراً يعتنقون ما يشاءون، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام بالسيف، ظل فيها بعض القوم على دياناتهم. فلو أن القتال شُرع لفرض دين لما وجدنا في بلد مفتوح بالسيف واحداً على غير دين الإسلام. وبعد أن تكلم الحق عن القتال في مواقع متعددة من سورة النساء، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} تفسير : [النساء: 84]. شرع الحق سبحانه وتعالى قضية استفهامية هنا، فيها معنى الإنكار وفيها معنى التوبيخ وذلك شائع في كل الأساليب التي تتفق معها في القرآن الكريم. فإذا سمعت كلمة "فمالك لا تفعل كذا"، فكأن قياس العقل يقتضي أن تفعل، والعجيب ألا تفعل. ولا يمكن أن يأتي هذا الأسلوب إلا إذا كان يستنكر أنك فعلت شيئا كان ينبغي ألا تفعله أو أنك تركت شيئا كان عليك أن تأتي به. فالأب يقول للابن مثلاً: "مالك لا تذاكر وقد قرب الامتحان؟" كأن منطق العقل يفرض على الابن إن كان قد أهمل فيما مضى من العام، فما كان يصح للابن أن يهمل قبل الامتحان، وهذا أمر بدهي بالقياس العقلي، فكأن التشريع والقرآن يخاطبان المؤمنين ألا يقبلوا على أي فعل إلا بعد ترجيح الاختيار فيه بالحجة القائمة عليه، فلا يصح أن يقدم المؤمن على أي عمل بدون تفكير، ولا يصح أن يترك المؤمن أي عمل دون أن يعرف لماذا لم يعمله، فكأن أسلوب "فما لكم"، و "فما لك" مثل قول أولاد سيدنا يعقوب: {أية : مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 11]. ما معنى قولهم هذا؟ معناه: أي حجة لك يا أبانا في أن تحرمنا من أن نكون مؤتمنين على يوسف نستصحبه في خروجنا. فكأن القياس عندهم أنهم إخوة، وأنهم عصبة، ولا يصح أن يخاف أبوهم على يوسف لا منهم ولا من شيء آخر يهدد يوسف؛ لأنهم جماعة كثيرة قوية. وكذلك قول الحق: {أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الانشقاق: 20]. أي أن القياس يقتضي أن يؤمنوا. وقوله الحق: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} تفسير : [المدثر: 49-51]. كان القياس ألا يعرضوا عن التذكرة، إذن فأسلوب "فماله"، و "فمالك" و "فمالهم"، و "فمالكم" كله يدل على أن عمل المؤمن يجب أن يُستقبل أولاً بترجيح ما يصنع أو بترجيح ما لا يصنع. أما أن يفعل الأفعال جزافاً بدون تفكير في حيثيات فعلها، أو في حيثيات عدم فعلها فهذا ليس عمل العاقلين. إذن فعمل العاقل أنه قبل أن يُقبل على الفعل ينظر البديلات التي يختار منها الفعل؛ فالتلميذ إن كان أمامه اللعب وأمامه الاستذكار، ويعرف أنه بعد اللعب إلى رسوب، وبعد الرسوب إلى مستقبل غير كريم، فإذا اختار الاجتهاد فهو يعرف أن بعد الاجتهاد نجاح، وبعد النجاح مستقبل كريم. فواجب التلميذ - إذن - أن يبذل قدراً من الجهد ليتفوق. وكل عمل من الأعمال يجب أن يقارنه الإنسان بالنتيجة التي يأتي بها وبترجيح الفعل الذي له فائدة على الأفعال التي لا تحقق الهدف المرجو. والآية هنا تقول: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} كأن القياس يقتضي ألا نكون في نظرتنا إلى المنافقين فئتين، بل يجب أن نكون فئة واحدة. وكلمة "فئة" تعني جماعة، والجماعة تعني أفراداً قد انضم بعضهم إلى بعض على رغم اختلاف الأهواء بين هؤلاء الأفراد وعلى رغم اختلاف الآراء، إلا أنهم في الإيمان يجمعهم هوى واحد، هو هوى الدين، ولذلك قال الرسول: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". تفسير : فالمسبب للاختلاف هو أن كل واحد له هوى مختلف ولا يجمعهم هوى الدين والاعتصام بحبل الله المتين. وما حكاية المنافقين وكيف انقسم المؤمنون في شأنهم ليكونوا فئتين؟ والفئة - كما عرفنا - هي الجماعة، ولكن ليس مطلق جماعة، فلا نقول عن جماعة يسيرون في الطريق لا يجمعهم هدف ولا غاية: إنهم فئة؛ فالفئة أو الطائفة هم جماعة من البشر تجتمع لهدف؛ لأن معنى "فئة" أنه يرجع ويفيء بعضهم إلى بعض في الأمر الواحد الذي يجمعهم، وكذلك معنى "الطائفة" فهم يطوفون حول شيء واحد. والحق يقول: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}. هذا لفت وتنبيه من الحق بأن ننزه عقولنا أن نكون في الأمر الواحد منقسمين إلى رأيين، وخصوصاً إذا ما كنا مجتمعين على إيمان بإله واحد ومنهج واحد. والمنافقون - كما نعرف - هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. إننا نعرف أن كل المعنويات يؤخذ لها أسماء من الحسيات؛ لأن الإدراك الحسي هو أول وسيلة لإدراك القلب، وبعد ذلك تأتي المعاني. وعندما نأتي لكلمة "منافقين" نجد أنها مأخوذة من أمر حسي كان يشهده العرب في بيئتهم، حيث يعيش حيوان اسمه "اليربوع" مثله مثل الفأر والضب. واليربوع مشهور بالمكر والخداع، ولكي يأمن الحيوانات التي تهاجمه فإنه يبني لنفسه جحرين، أو جحورا متعددة، ويفر من الحيوان المهاجم إلى جحر ما، ويحاول الحيوان المهاجم أن ينتظره عند فوهة هذا الجحر، فيتركه اليربوع إلى فتحة أخرى، كأن اليربوع قد خطط وأعد لنفسه منافذ حتى يخادع، فهو يصنع فوهة يدخل فيها في الجحر، وفوهة ثانية وثالثة، وذلك حتى يخرج من أي فتحة منها، وكذلك المنافق. ونعرف أن المسائل الإيمانية أو العقدية على ثلاثة أشكال: فهناك المؤمن وهو الذي يقول بلسانه ويعتقد بقلبه وهو يحيا بملكات منسجمة تماماً. وهناك الكافر وهو الذي لا يعتقد ولا يدين بالإسلام ولا يقول لسانه غير ما يعتقد، وملكاته منسجمة أيضاً، وإن كان ينتظره جزاء كفره في الآخرة؛ فملكاته منسجمة - لكن - إلى غاية ضارة، وهي غاية الكفر. أما "المنافق" فهو الذي يعتقد الكفر وينعقد عليه قلبه لكن لسانه يقول عكس ذلك، وملكاته غير منسجمة؛ فلسانه قد قال عكس ما في قلبه؛ لذلك يحيا موزعاً وقلقاً، يريد أن يأخذ خير الإيمان وخير الكفر، هذا هو المنافق. وهناك جماعة - في تاريخ الإسلام - حينما رأوا انتصار المسلمين في غزوة بدر، قالوا لأنفسهم: "الريح في جانب المسلمين، ولا نأمن أنهم بعد انتصار بدر وقتل صناديد قريش وحصولهم على كل هذه الغنائم أن يأتوا إلينا"، هذه الجماعة حاولت النفاق وادعت الإسلام وهم بمكة، حتى إذا دخل المسلمون مكة يكونون قد حصنوا أنفسهم. أو هم جماعة ذهبوا إلى المدينة مهاجرين، ولم يصبروا على مرارة الهجرة والحياة بعيداً عن الوطن والأهل والمال، فكروا في هذه الأمور، وأرادوا العودة عن الدين والرجوع إلى مكة، وقالوا للمؤمنين في المدينة: "نحن لنا أموال في مكة وسنذهب لاستردادها ونعود". وبلغ المسلمون الخبر وانقسم المسلمون إلى قسمين: قسم يقول: نقاتلهم، وقسم يقول: لا نقاتلهم. الذين يقولون: "نقاتلهم" دفعهم إلى ذلك حمية الإيمان. والذين يقولون: "لا نقاتلهم" قالوا: هذه الجماعة أظهرت الإيمان، ولم نشق عن قلوبهم، وربما قالوا ذلك عطفاً عليهم لصلات أو أواصر. فجاء القرآن ليحسم مسألة انقسام المسلمين إلى قسمين، ويحسم أمر الاختلاف. وعندما يأتي القرآن ليحسم فهذا معناه أن رب القرآن صنع جمهور الإيمان على عينه، وساعة يرى أي خلل فيهم فسبحانه يحسم المسألة، فقال: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}. والخطاب موجه للجماعة المسلمة، فقوله: "فمالكم" يعني أنهم متوحدون على هدف واحد، وقوله: "فئتين" تفيد أنهم مختلفون. إذن فـ "فئتين" تناقض الخطاب الذي بدأه الحق بـ "فمالكم"، كأن المطلوب من المتلقي للقرآن أن يقدر المعنى كالآتي: فما لكم افترقتم في المنافقين إلى فئتين؟ إذن فهذا أسلوب توبيخي وتهديدي ولا يصح أن يحدث مثل هذا الأمر، فهل ينصب هذا الكلام على كل المخاطبين؟ ننظر، هل القرآن مع من قال: "نقتل المنافقين" أو مع من قال بغير ذلك؟ فإن كان مع الفئة الأولى فهو لا يؤنب هذه الفئة بل يكرمها، إن القرآن مع هذه الفئة التي تدعو إلى قتال المنافقين وليس مع الفئة الثانية؛ لذلك فهو يؤنبها، ويوبخها. والأسلوب حين يكون توبيخاً لمن يرى رأياً، فهو تكريم لمن يرى الرأي المقابل، ويكون صاحب الرأي المكرم غير داخل في التوبيخ، لأنّ الحق أعطاه الحيثية التي ترفع رأسه. والحق يقول: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ} أي إن الحق يقول: أي حجة لكم في أن تفترقوا في أمر المنافقين إلى فئتين، والقياس يقتضي أن تدرسوا المسألة دراسة عقلية، دراسة إيمانية لتنتهوا إلى أنه يجب أن تكونوا على رأي واحد، ومعنى الإنكار هو: لا حجة لكم أيها المؤمنون في أن تنقسموا إلى فئتين. ويقول الحق: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} وساعة تسمع كلمة "أركسهم" ماذا نستفيد منها حتى ولو لم نعرف معنى الكلمة؟ نستفيد أن الحق قد وضعهم في منزلة غير لائقة. ونشعر أن الأسلوب دل على نكسهم وجعل مقدمهم مؤخرهم أي أنهم انقلبوا حتى ولو لم نفهم المادة المأخوذة منها الكلمة، وهذا من إيحاءات الأسلوب القرآني، إيحاءات اللفظ، وانسجامات حروفه. {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} و {أَرْكَسَهُمْ} مأخوذة من "ركسهم" ومعناها "ردهم". كأنهم كانوا على شيء ثم تركوه ثم ردهم الله إلى الشيء الأول، وهم كانوا كفاراً أولاً، ثم آمنوا، ثم أركسهم، لكن هل الله أركسهم تعنتاً عليهم أو قهراً؟ لا؛ فهذا حدث {بِمَا كَسَبُوۤاْ}، وذلك حتى لا يدخل أحد بنا في متاهة السؤال ولماذا يعاقبهم الله ويوبخهم ما دام هو سبحانه الذي فعل فيهم هذا؛ لذلك قال لنا الحق: إنه {أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ}. و {أَرْكَسَهُمْ} مادته مأخوذة من شيء اسمه "الركس" - بفتح الراء - وهو رد الشيء مقلوبا ومنه "الرِّكس" بكسر الراء وهو الرجيع الذي يرجع من معدة الإنسان قبل أن يتمثل الطعام. مثلما نقول: "إن فلاناً غمت نفسه عليه" أو "فلان يرجع ما في بطنه". وعندما ننظر إلى هذه العملية نجد أن الطعام الذي يشتهيه الإنسان ويحبه ويقبل عليه ويأكله بلذة، وتنظر عيونه إليه باشتهاء، ويده تقطع الطعام بلذة ويمضغ الطعام بلذة، هذا الطعام بمجرد مضغة مع بعضه ينزل في المعدة وتضاف إليه العصارات المهضمه، فإذا رجع فإنه في هذه الحالة يكون غير مقبول الرائحة، بل إن الإنسان لو هضم الطعام وأخذ منه المفيد وأخرج البافي بعد ذلك، فرائحة الفضلات الطبيعية ليست أسوأ من رائحة الطعام لو رجع بدون تمثيل. فلو رأيت إنساناً يقضي حاجة وآخر يتقيأ الطعام، فالنفس تتقزز من الذي يتقيأ أكثر مما تتقزز من الذي يقضي حاجته؛ لأن "الترجيع" يخرج طعاماً خرج من شهوة المضغ والاستمتاع. ولم يصل إلى مسألة التمثيل. ولذلك نسمع المثل "كل ما فات اللسان صار نتان". و "الرِّكس" هو الرجيع الذي يرجعه الإنسان بعد الطعام قبل أن يتمثله. فالطعام بعد أن يتمثل ويخرج من المكان المخصص له يصبح روثاً، وغائطاً وبرازاً. والحق سبحانه وتعالى قد جاء بالكلمة التي تصفهم: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي أنهم ارتدوا من قبل أن ينتفعوا بأي شيء من الإيمان. هذا هو التعبير القرآني الذي جاء بالعبارة التي تؤدي هذا المعنى، وتؤدي إلى نفرتنا منهم، فيكون الإركاس هو الرد، وهل هو مطلق الرد، أو رد له كيفية؟ هو رد بإهانة أيضاً، كيف؟ لأن الشيء إن كان قوامه أن يقف رأسياً، يكون الركس أن تجعل رأسه في مكان قدمه وقدمه في مكان رأسه. وعلى ذلك فالرد ليس رداً عادياً بل إنّه رد جعل المردود هُزُواً. وإن كانت استقامة الأمر على الامتداد الطولي، يكون الركس بأن تأتي بما في الخلف إلى الأمام، وبما في الأمام إلى الخلف، فتقلب له كيانه، وتعكس حاله. والقرآن يصف الكافرين والمنافقين: {أية : ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 65]. لماذا، لأن الرأس مبنيٌ على القامة والهامة والارتفاع. هذا الرأس يُجْعلُ مكان القدم، والقدم يكون محل الرأس. إذن فقوله: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي لم يردهم مطلق الرد، بل ردّهم ردا مهيناً، ردّاً يقلب أوضاعهم. {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} إذن فلا يقولن أحد: ما دام الله قد أركسهم فما ذنبهم؟ إن الله قد أركسهم {بِمَا كَسَبُوۤاْ}، فهم كانوا فاعلين لا منفعلين. وإليكم هذا المثل - ولله المثل الأعلى - حين تضع المدرسة أو الجامعة درجات للنجاح في كل مادة. تجد مادة يجب أن يحصل الطالب فيها على نسبة ستين في المائة. وأخرى على سبعين في المائة، ويدخل التلاميذ الامتحان، وعندما يرسب أحدهم لا يقال: إن المدرسة قد جعلته يرسب، صحيح هي أرسبته ولكن وفق القوانين التي وضعتها المدرسة أو الجامعة من قبل أن يدخل التلميذ الامتحان، ولأنه لم يبذل الجهد الكافي للنجاح، فقد أرسب نفسه. إذن، فالله لم يأت بالرّكس ورماه عليهم. بل هم الذين كسبوا كسباً جعل قضية السنة الكونية هي التي تؤدي بهم إلى الركس، مثلهم مثل التلميذ الذي لم يستذكر فلم يُجب في الامتحان، فلا يقال عن هذا التلميذ: إن المدرسة أرسبته. ولكنه هو الذي أرسب نفسه. ولذلك عندما يقال: الله هو الذي أضلهم، فما ذنبهم؟ هذه هي القضية التي يقول بها المسرفون على أنفسهم. ولهؤلاء نقول هذه الآية: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} وكذلك أضل الله الضالين بفعلهم، كيف؟. نحن عرفنا أن الهداية تأتي بمعنيين، هداية الدلالة وهداية المعونة، ويأتي المسرفون على أنفسهم الذين يودون أن تكون قضية الدين كاذبة - والعياذ بالله - لأن قضية الدين عندما تكون صدقاً فإن الذين أسرفوا على أنفسهم يتيقنون أنهم ذاهبون إلى داهية وأمر منكر شاق عليهم؛ لذلك نجد الواحد منهم يتمحك في محاولة عدم التصديق، والدخول إلى متاهات يصنعها الفهم السطحي للدين. ولذلك نجد المناقشات التي يناقشونها تدل على أنها مناقشات المسرف على نفسه، فيقول الواحد منهم: ما دام الله هو الذي كتب عليّ كل شيء فلماذا يعذبني وهو الذي كتب عليّ المعاصي؟ نقول له: ولماذا آمنت في هذا الموقف بالذات أن الله هو الذي كتب؟ وما دمت قد آمنت بأن الله هو الذي كتب فلماذا لا تؤمن به وترتضي أحكام منهجه؟. ولكن الواحد منهم يحاول أن يقف وقفة ليست عقلية، فالوقفة العقلية الصحيحة تقتضي أن تأتي بالقضية المقابلة وهي أن الله إذا كان قد كتب على العبد الطاعة فلماذا يثيبه؟. لماذا تناسي قضية الطاعة والثواب عليها؟؛ لأنه يعرف أنها القضية التي تجلب الخير، ووقف في القضية المقابلة التي تأتي بالشرّ، ولا يقول هذا القول إلا مسرف على نفسه. ولا نرى ملتزماً بمنهج الإيمان يقول مثل هذه القضية، فالمؤمن يحب أن تسير الأمور على ضوء منهج الله، ولذلك أنا إلى الآن - وليسامِحْني الله وليغفر لي - أتعجب من أن العلماء الذين سبقونا جعلوا من هذه المسألة محل خلاف. وقالوا: معتزلة وأهل سنة (!!). المسألة كلها يجب أن تفهم على أساس أن الإسلام دين فطرة؛ ولم يأت للفلاسفة فقط، إنّه جاء للعقل الفطري، ورَاعى الشاة في الإسلام كالفيلسوف، ومن يكنس الشارع أو يمسح الأحذية مساوٍ لمن درس الفلسفة أو الحقوق؛ لأن الإيمان لم يأت لطائفة خاصة، ولكن المنهج قد جاء للجميع، ولا بد أن تكون أدلته واضحة للجميع، فعندما يقال لنا: إن الله يعلم كل شيء فيك، لا يدخل معك في متاهة، هو - سبحانه - يقول لك: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. فالذي صنع الكرسي - ولله المثل الأعلى - ألا يعرف أن الكرسي مصنوع من الخشب، ونوع الخشب "زان" أو "أرو" أو "مجنة"، وأن المسمار الذي يربط الجزء بالجزء إما مسمار صلب وإما من معدن آخر، وكذلك يعلم صانع الكرسي أي صنف من الغراء استعمل في لصق أجزاء الكرسي، وكذلك مواد الدهان التي تم دهن الكرسي بها. إذن فقول الحق: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} لا يحتاج إلى جدال ولذلك نجد النَّجار الذي يرغب أن تكون صنعته مكشوفة واضحة يقول للمشتري: سوف أصنع الكرسي من خشب الزان وعليك أن تمر يومياً لترى مراحل فعله. ويبدأ صناعة الكرسي مرحلة مرحلة تحت إشراف الزَّبون. وكذلك يعرف البدوي كيف يتكون الرحل. وهو ما يوضع على ظهر البعير للركوب، العربي يعرف كيف يتكون الفسطاط وهو بيت يتخذ من الشَّعْرِ. وقد جاء سبحانه بما يدحض أي جدل، وبدون الدخول في أية مهاترات أو مناقشات لها مقدمات ونتائج ومقدم وتال. جاء الحق بهذا القول الفصل: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. هو يعلم وهذا أمر سهل عليه، ولذلك أتعجب كيف أدخل هؤلاء العلماء هذه المسألة في متاهة فلسفية، فالإسلام دين الفطرة. ولذلك نجد العلماء الذين ناقشوا هذه المسألة - جزاهم الله خيراً - جاءوا في آخر مطافهم، وقالوا: شعر : نهاية إقدام العقول عِقال وأكثر سعي العالمين ضلال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قِيلَ وقالوا تفسير : وأنا أريد أن أعرف ماذا قدمت الفلسفة النظرية للدنيا من خير؟. لقد انفصلت عنها الفسلفة المادية ودخلت المعمل وأخرجوا لنا الابتكارات التي انتفع بها الخلق، فماذا فعلت الفلسفة النظرية؟. لا شيء . ونقول: جاء الإسلام بالعقيدة الفطرية، ومعنى العقيدة الفطرية أن الناس فيها سواء، فالأدلة العقلية تقتضي الوضوح لمن تَعَلَّم ولمن لم يتعلم. والفلاسفة هم الذين قالوا: بأدلة الغاية وأدلة العناية وأدلة القصد. لكن البدوي الذي سار في الصحراء وجد بعر البعير ووجد الرمل وعليه أثر قدم، فقال: إذا كانت البعرة تدل على البعير والقدم تدل على المسير أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟. هو لم يدخل في فلسفة أو متاهة مثلما دخل الفلاسفة مع بعضهم في متاهات عقلية وحلها البدوي في جملة واحدة. وكذلك نجد واحداً من الناس يسأل واحداً من أهل الإشراق: ألا تشتاق إلى الله؟. فيقول له: إنّما يُشتاق إلى غائب، ومتى غاب الله حتى يشتاق إليه؟! لذلك نقول لمن اختلفوا في أمر رد الله لهؤلاء: نريد أن نكرم عقولكم وننظر لماذا اختلفتم في هذه الحكاية {أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ}. نقول مع حسن الظن بهم، إن كل واحد منهم تعصب لصفة من صفات الحق، فواحد منهم يقول: {ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فنقول له: أنت قد تعصبت لصفة القدرة وطلاقتها في الحق. وجاء ثانٍ وقال: ولكن الله عادل. ولا يمكن أن يخلق في الكافر كفره ثم يعذبه عليه. إنّه متعصب لصفة العدل. وكل منهما ذاهب إلى صفة واحدة من صفات الحق. وتناسي الاثنان أن هذه الصفات إنما هي لذاته - تعالى - فسبحانه قادر وعادل معاً. فلا هذه تفلت منه ولا تلك. ونقول لمن يقول: إنه الله خالق كل شيء وخالق كل فعل. ما الفعل؟. الفعل هو توجيه جارحة لإحداث حدث، فالذي يمسح وجهه بيديه يوجه يديه لوجهه حتى يمسحه، وهذ الفعل لا يفعله صاحب الفعل، ودليلنا على ذلك الإنسان الآلي نضغط على أكثر من زر ليتحقق هذا الفعل، هذا الإنسان الآلي حتى يتحرك حركة واحدة لا بد من ضغط وتحريك عدد آخر من القوى، لكن الإنسان حتى يمسح وجهه بيديه اكتفى بأنه بمجرد أن أراد مسح الوجه باليد مسح الوجه. فهل أمسك من يمسح وجهه بشيء وضغط عليه ليمسح وجهه؟ إنه بمجرد أن أراد فعَل. وسائق جرافة التراب يحرك عدداً من الأذرع الحديدية حتى يحرك الجرافة إلى أسفل، ثم حركة أخرى ليفتح كباشة التراب، وحركة تقبض أسنان الكباشة وحركة أخرى ترفع التراب، كل ذلك من أجل أن يرفع التراب من مكان ما إلى مكان آخر، والواحد منا بمجرد أن يريد أن يمسح وجهه فهو يمسح وجه ولا يعرف أي عضلات تحركت، فمن الذي فعل كل ذلك؟. إنه الله. فيا من تتعصب لصفة القدرة. فالله هو الذي فعل والعبد هو الذي وجه الطاقة التي تنفعل بالله. فإذا كانت إلى غير مراد الله يصير العبد عاصياً، وإن وجهها إلى مراد الله فيكون طائعاً، ويكون له الكسب فقط، فالذي يقتل واحداً، هو لم يقتله؛ لأنه لم يقل له: "كن قتيلاً" فيكون قتيلاً، ولكن القاتل يأتي بسكين أو سيف أو مسدس ويرتكب فعل القتل. فأداة القتل هي التي قامت بالفعل، والقاتل إنما أخذ الآلة الصالحة لفعل ما ولغيره، فوجهها لذلك الفعل. فيا من تريد العدل، إن الله يعذب على المعصية؛ لأن الإنسان استعمل أداة مخلوقة للفعل ولعدمه، فجعلها تؤدي فعلاً غير مرادٍ لله أي لا يرضى عنه الله ولا يحبه، ومع ذلك فالله هو الفاعل لكل شيء. ونعود إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاًْ} وما دام هو سبحانه الذي أركسهم بما كسبوا، وأنتم مؤمنون بالله فلا بد أن يكون الرأي فيهم واحداً؛ لذلك يتساءل الحق: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}؟ وسبحانه لا يريد أن يقدم لهم العذر، إنما يريد أن يظهر لهم هدايته سبحانه وهي هداية لا تتأتى لهم؛ لأنه قد أضلهم فأنَّى لهم الهداية. فلماذا يقف جانب من المؤمنين في صفهم؟. لأن الله حين يهدي فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء بوضع القوانين الموضحة للهداية أو الضلال. ونحن إن سمعنا "أن الله هدى" نفهمها على معنيين؛ المعنى الأول أنه "دل"، والمعنى الثاني أنه "أعان ومكّن". فـ "هدى" تكون بمعنى "دل"، وهدى تكون بمعنى "أعان". وسبق أن قلنا: إذا كان هناك إنسان يمشي في الطريق ويريد الاتجاه إلى الإسكندرية وهو لا يعرف الطريق الموصل. فيسأل شرطي المرور فيشير الشرطي: هذا هو الطريق الموصل إلى الإسكندرية. إنَّ الشرطي هدى هذا الإنسان ودله على الطريق، لكنه لم يحمل الإنسان على أن يسير في الطريق، فإذا ما صدّق المسافر قول الشرطي وقال له: إنني أشكرك وأكثر الله من خيرك والحمد لله أنني وجدتك، فلولا وجودك لتعبت، هنا يقول الشرطي: أنت رجل طيب والطريق إلى الإسكندرية به "مطب" وعقبه، سأركب معك حتى أدلك على مكان هذه العقبة. وبذلك يتجاوز الشرطي مرحلة "الدلالة" إلى مرحلة "المعونة" وسبحانه أوضح: سأهدي الناس جميعاً وأرشدهم وأدلهم، فالذي يقبل على الإيمان بي سأعاونه على ذلك. ولذلك يقول: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 17]. و "هديناهم" هنا بمعن "دللناهم" فقط، أما أن يسلكوا سبل الهداية أو لا فالأمر متروك لهم. والهداية - إذن - ترد بمعنى الدلالة، وترد بمعنى الإعانة. والحق يعين من؟. يعين من آمن به ولكن من يكفر به لا يعينه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [التوبة: 37]. وكذلك: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [التوبة: 24]. إذن فلله هدايتان: هداية عم الناس بها جميعاً وهي هداية الدلالة، وأخرى خص بها من جاءه مؤمناً به، وهي هداية "المعونة". ولذلك قال الحق للرسول صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]. وهذا القول فيه نفي الهداية عن الرسول، وهو سبحانه القائل أيضاً: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52]. وليس من المعقول أن ينفي الحق الهداية عن الرسول ثم يثبتها له. ونفهم من ذلك: إنك يا رسول الله تدل على الحق، ولكنك لا تعين عليه. فالله هدى الناس جميعاً فدلهم على طريق الخير. فمن آمن به وأقبل عليه يسر له الأمر. وبذلك نكون قد عرفنا تماماً معنى قوله الحق: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}. فالذي يضله الله هو من اكتسب ما يوجب أن يضله فلا تجد له سبيلاً. وكان من الممكن أن يقول الله: أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلا تستطيعون أن تهدوه، ولكن الأبلغ هو ما يوضحه سبحانه لنا: أنتم لا تستطيعون هداية هذا المكتسب للضلال؛ ذلك أنه لا يوجد سبيل حتى تهدوه إليه. فالسبيل هو الممتنع وليس الهداية فقط. والسبيل هو الطريق الذي يعطيك حقاً في الهداية، فإذا ما امتنع السبيل فماذا تفعل؟ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً في أن ينقض هذا القرار، أي لا حجة له على الإطلاق. ولذلك أخذنا المعنيين هنا، فالذين ينافقون يظهرون الإيمان مرة وينقلبون إلى الكفر مرة، هم ينكرون الإيمان بقلوبهم والذي يقولون بألسنتهم هو الإسلام، أمّا الإيمان فلمَّا يدخل في قلوبهم. وما هو الأعز على النفس البشرية؟ مكنونات القلب أم مقولة اللسان؟ الأعز هو مكنونات القلب. وما داموا هم لا يؤمنون بقلوبهم ويقولون فقط بألسنتهم، فالعقيدة داخلهم معقودة على الكفر، وما دامت العقيدة معقودة على الكفر فهم لا يريدون أن يأتوا إلى صف الإيمان، ولكنهم يريدون جر المؤمنين إلى معسكر الكفر؛ لذلك يقول الحق بعد ذلك: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [الآية: 88]. قال: هم قوم خرجوا من مكة حتى قدموا المدينة، يزعمون أَنهم يهاجرون. ثم ارتدوا بعد ذلك. فاستأْذنوا النبي، صلى الله عليه وسلم، إِلى مكة ليأْتوا ببضائع لهم. فاختلف فيهم المؤمنون، فقال بعضهم: هم منافقون. فبين الله، عز وجل، حالهم وأَمر بقتالهم. فجاؤوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويس الأَسلمي، وكان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، حلف. وفي قوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [الآية: 88]. يقول حصر صدره، يقول ضاق صدره أَن يقاتل المؤمنين أَو يقاتل قومه. يدافع عنهم بأَنهم يؤمنون هلالا وبينه وبين النبي، صلى الله عليه وسلم، عهد. ثم قال: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} [الآية: 91]. وهم ناس من أَهل مكة كانوا يأْتون النبي، صلى الله عليه وسلم، فيسلمون رياءً، ثم يرجعون إِلى قومهم، ويرتكسون في الأَوثان, ويريدون بذلك أَن يأْمنوا هٰهنا وهٰهنا. فأَمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بقتالهم إِن لم يعتزلوا.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى مواقف المنافقين المخزية، عقّبه بذكر نوعٍ آخر من أحوال المنافقين الشنيعة، ثم ذكر حكم القتل الخطأ والقتل العمد، وأمر بالتثبت قبل الإِقدام على قتل إِنسان لئلا يُفضي إلى قتل أحد من المسلمين، ثم ذكر تعالى مراتب المجاهدين ومنازلهم الرفيعة في الآخرة. اللغَة: {أَرْكَسَهُمْ} ردّهم إِلى الكفر أو نكَّسهم وأصل الركس ردُّ الشيء مقلوباً قال الشاعر: شعر : فأُركسوا في حميم النار إِنهم كانوا عصاةً وقالوا الإِفك والزورا تفسير : {حَصِرَتْ} ضاقت من الحصر وهو الضيق {ٱلسَّلَمَ} الاستسلام والإِنقياد {ثَقِفْتُمُوهُمْ} صادفتموهم ووجدتموهم {فَتَبَيَّنُواْ} فتثبتوا {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} قلبوا فيها. سَبَبُ النّزول: أ - عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إِلى أُحد فرجع ناسٌ ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فقال بعضهم: نقتلهم، وقال بعضهم: لا، فأنزل الله {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ..} الآية فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنها طيبة تنفي الخَبث كما تنفي النار خبث الحديد" تفسير : أخرجه الشيخان. ب - يروى أن "الحارث بن يزيد" كان شديداً على النبي صلى الله عليه وسلم فجاء مهاجراً وهو يريد الإِسلام فلقيه "عياش بن أبي ربيعة" - والحارث يريد الإِسلام وعياش لا يشعر - فقتله فأنزل الله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}. الآية. ج - عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلاً في غنيمةٍ له فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته فنزلت هذه الآية {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً..} الآية. التفسِير: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} أي ما لكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين، بعضكم يقول نقتلهم وبعضكم يقول لا نقتلهم والحال أنهم منافقون والله نكَّسهم وردّهم إِلى الكفر بسبب النفاق والعصيان {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} أي أتريدون هداية من أضله الله، والاستفهام للإِنكار والتوبيخ في الموضعين والمعنى لا تختلفوا في أمرهم ولا تظنوا فيهم الخير لأن الله حكم بضلالهم {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي من يضلله الله فلن تجد له طريقاً إِلى الهدى والإِيمان {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} أي تمنى هؤلاء المنافقون أن تكفروا مثلهم فتستووا أنتم وهم وتصبحوا جميعاً كفاراً {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي لا توالوا ولا تصادقوا منهم أحداً حتى يؤمنوا ويحققوا إِيمانهم بالهجرة والجهاد في سبيل الله {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} أي إِن أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم في حلٍّ أو حرم {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي لا تستنصروهم ولا تستنصحوهم ولا تستعينوا بهم في الأمور ولو بذلوا لكم الولاية والنصرة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} أي إِلا الذين ينتهون ويلجأون إِلى قوم عاهدوكم فدخلوا فيهم بالحِلْف فحكمهم حكم أولئك في حقن دمائهم {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} وهذا استثناء أيضاً من القتل أي وإِلا الذين جاءوكم وقد ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم فهم قوم ليسوا معكم ولا عليكم {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} أي من لطفه بكم أن كفّهم عنكم ولو شاء لقوّاهم وجرّأهم عليكم فقاتلوكم {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أي فإِن لم يتعرضوا لكم بقتال وانقادوا واستسلموا لكم فليس لكم أن تقاتلوهم طالما سالموكم {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} أي ستجدون قوماً آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإِظهار الإِيمان ويأمنوا قومهم بإِظهار الكفر إِذا رجعوا إِليهم قال أبو السعود: هم قوم من "أسد وغطفان" كانوا إِذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا من المسلمين فإِذا رجعوا إِلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ليأمنوا قومهم {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أي كلما دعوا إِلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إِليه وقُلبوا فيه على اسوأ شكل فهم شرّ من كل عدو شرير {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ} أي فإِن لم يجتنبوكم ويستسلموا إِليكم ويكفوا أيديهم عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي فأسروهم واقتلوهم حيث وجدتموهم وأصبتموهم {وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة وبرهاناً بيناً بسبب غدرهم وخيانتهم {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} أي لا ينبغي لمؤمنٍ ولا يليق به أن يقتل مؤمناً إِلا على وجه الخطأ لأن الإِيمان زاجرٌ عن العدوان {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي ومن قتل مؤمناً على وجه الخطأ فعليه إِعتاق رقبةٍ مؤمنة لأن إِطلاقها من قيد الرق كإِحيائها، وعليه كذلك ديةٌ مؤداة إِلى ورثة المقتول إِلا إِذا عفا الورثة عن القاتل فأسقطوا الدية، وقد أوجب الشارع في القتل الخطأ شيئين: الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة في مال القاتل، والدية وهي مائةٌ من الإِبل على العاقلة {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي إِن كان المقتول خطأً مؤمناً وقومه كفاراً أعداء وهم المحاربون فإِنما على قاتله الكفارة فقط دون الدية لئلا يستعينوا بها على المسلمين {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي وإِن كان المقتول خطأً من قوم كفرة بينكم وبينهم عهد كأهل الذمة فعلى قاتله دية تدفع إلى أهله لأجل معاهدتهم ويجب أيضاً على القاتل إِعتاق رقبة مؤمنة {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين عوضاً عنها شرع تعالى لكم ذلك لأجل التوبة عليكم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بخلقه حكيماً فيما شرع.. ثم بين تعالى حكم القتل العمد وجريمته النكراء وعقوبته الشديدة فقال {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} أي ومن يقدم على قتل مؤمن عالماً بإِيمانه متعمداً لقتله فجزاؤه جهنم مخلداً فيها على الدوام، وهذا محمول عند الجمهور على من استحل قتل المؤمن كما قال ابن عباس لأنه باستحلال القتل يصبح كافراً {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} أي ويناله السخط الشديد من الله والطرد من رحمة الله والعذاب الشديد في الآخرة {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} أي إِذا سافرتم في الجهاد لغزو الأعداء فتثبتوا ولا تعجلوا في القتل حتى يتبين لكم المؤمن من الكافر {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} أي ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإِسلام لست مؤمناً وإِنما قلت هذا خوفاً من القتل فتقتلوه {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي حال كونكم طالبين لماله الذي هو حطامٌ سريع الزوال {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} أي فعند الله ما هو خير من ذلك وهو ما أعده لكم من جزيل الثواب والنعيم {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ} أي كذلك كنتم كفاراً فهداكم للإِسلام ومنَّ عليكم بالإِيمان فتبينوا أن تقتلوا مؤمناً وقيسوا حاله بحالكم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} أي مطلعاً على أعمالكم فيجازيكم عليها، ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين فقال {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ - غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ - وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} أي لا يتساوى من قعد عن الجهاد من المؤمنين مع من جاهد بماله ونفسه في سبيل الله غير أهل الأعذار كالأعمى والأعرج والمريض قال ابن عباس: هم القاعدون عن بدر والخارجون إِليها، ولما نزلت الآية قام ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله: هل لي من رخصة فوالله لو أستطيع الجهاد لجاهدتُ - وكان أعمى - فأنزل الله {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} أي فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل الأعذار درجة لاستوائهم في النية كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من وادٍ إِلا وهم معكم فيه قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر"تفسير : {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي وكلاً من المجاهدين والقاعدين بسبب ضررٍ لحقهم وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} أي وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عذر بالثواب الوافر العظيم {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي منازل بعضها أعلى من بعض مع المغفرة والرحمة وفي الحديث "حديث : إِن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام بمعنى الإِنكار في {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ}؟ وفي {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ}؟. 2- الطباق في {أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} وكذلك {ٱلْقَاعِدُونَ.. وَٱلْمُجَاهِدُونَ}. 3- والجناس المغاير في {تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ} وفي {مَغْفِرَةً.. وغَفُوراً}. 4- الإِطناب في {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ.. وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ} وكذلك في {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً}. 5- الاستعارة في {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} استعار الضرب للسعي في قتال الأعداء واستعار السبيل لدين الله، ففيه استعارة الضرب للجهاد، واستعارة السبيل لدين الله. 6- المجاز المرسل في {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أطلق الجزء وأراد الكل أي عتق مملوك. الفوَائِد: القتل العمد من أعظم الجرائم في نظر الإِسلام ولهذا كانت عاقبته في غاية التغليظ والتشديد وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعان على قتل مسلم مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة الله" تفسير : وفي الحديث أيضاً "حديث : لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن" تفسير : ولهذا أفتى ابن عباس بعدم قبول توبة القاتل، أعاذنا الله من ذلك. تنبيهْ: أمر تعالى في القتل الخطأ بإِعتاق رقبةٍ مؤمنة والحكمة في هذا - والله أعلم - أنه لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار إِذ أن إِطلاقها من قيد الرق إِحياءٌ لها، والعبد الرقيق في الإِسلام له من الحقوق ما ليس للأحرار في الأمم الأخرى وليس أدل على ذلك من قوله تعالى {أية : فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} تفسير : [النحل: 71] وقوله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه "حديث : الصلاة الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون" تفسير : ومن يطّلع على معاملة الزنوج في أمريكا يتضح له جلياً صحة ما نقول وها هي الأمم الغربية تحرم استرقاق العبيد في حين أنها تسترق الأحرار، وتحرم استرقاق الأفراد وتسترق الجماعات والأمم والشعوب، باسم الاستعمار والانتداب، فأين هذه الحضارة المزعومة والمدنيَّة الزائفة من حضارة الإِسلام ومدنيته الصادقة التي حررت الشعوب والأمم والأفراد؟!

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} معناهُ نَكَّسَهُمْ وَرَدَّهُمْ فِيهِ ويقالُ: أَهْلَكهُمْ.

الأندلسي

تفسير : {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} رجع في الاخبار إلى حال المنافقين الذين قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، والخطاب في لكم هو للمؤمنين، قال ناس منهم: نقتل المنافقين، وقال ناس: لا نقتلهم لأنهم نطقوا بكلمة الاسلام فعتبهم الله على كونهم انقسموا فيهم فرقتين وانتصب فئتين على الحال وما: استفهام إنكار وهو مبتدأ، ولكم: خبره. {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} قال ابن عباس: ردهم في كفرهم، ولذلك قال تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} قال الزمخشري: فتكونون سواء ولو نصب على جواب التمني لجاز. والمعنى ودوا كفركم وكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء. "انتهى". كون التمني بلفظ الفعل ويكون له جواب فيه نظر وإنما المنقول أن الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو ليت ولو وإلا إذا أشربتا بمعنى التمني أما إذا كان بالفعل فيحتاج إلى سماع من العرب بل لو جاء لم يتحقق فيه الجوابية لأن ودّ التي تدل على التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات، فإِذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون فاء الجواب لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به فيكون من باب للبس عباءة وتقر عيني. {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لما نص على كفرهم وانهم تمنوا أن يكونوا مثلهم بانت عداوتهم لاختلاف الدينين فنهى تعالى أن يوالي أحد منهم وإن آمنوا حتى يظاهروا بالهجرة الصحيحة لأجل الإِيمان لا لأجل حفظ الدنيا وإنما غيا بالهجرة فقط لأنها تتضمن الإِيمان وفي هذه الآية دليل على وجوب الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يزل حكمها كذلك إلى أن فتحت مكة فنسخ ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا . تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ} هذا استثناء من قوله: فخذوهم واقتلوهم والوصول هنا البلوغ. قال ابن عطية: كان هذا الحكم في أول الاسلام قبل أن يستحكم أمر الطاعة من الناس فكان عليه السلام قد هادن من العرب قبائل كرهط هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف فقضت هذه الآية أنه من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل العهد ودخل في عدادهم وفعل فعلهم من الموادعة فلا سبيل عليه. قال عكرمة: لما تقوى الاسلام وكثر ناصره نسخت هذه الآية والتي بعدها بما في سورة براءة. "انتهى". {أَوْ جَآءُوكُمْ} خطاب للمؤمنين وهو معطوف على صلة الذين فاستثنى تعالى من الذين يقتلون صنفين: أحدهما من يصل إلى قوم بين المؤمنين وبينهم ميثاق، والصنف الثاني من جاء المؤمنين من الكفار وقد امتنع من قتال المؤمنين ومن قتال قومهم. و{حَصِرَتْ} جملة في موضع الحال وبين ذلك قراءة من قرأ حصرة صدورهم وقراءة من قرأ حاصرات صدورهم بالجمع ومعنى حصرت أي ضاقت وأصل الحصر في المكان ثم توسع فيه. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} هذا تقرير للمؤمنين على مقدار نعمته تعالى عليهم أي لو شاء لقوّاهم وجرّأهم عليكم فإِذا قد أنعم عليكم بالهدنة فاقبلوها. قال ابن عطية: واللام في قوله: لسلطهم جواب لو. وفي: {فَلَقَاتَلُوكُمْ} لام المجازاة والازدواج لأنها بمثابة الأولى لو لم تكن الأولى كنت تقول: لقاتلوكم. "انتهى". تسمية هذه اللام لام المحاذاة والازدواج تسمية غريبة لم أرها إلا في عبارة هذا الرجل وعبارة مكي. {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} الضمير عائد على الذين جاؤوكم أي لم يخالطوكم. قال الزمخشري: الوجه العطف على الصلة لقوله: فإِن اعتزلوكم. {فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} الآية، بعد قوله: فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم فقرر ان كفّهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض لهم وترك الإِيقاع بهم. فإِن قلت: كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء واستحقاق ترك التعرض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قوم ويكون قوله: فإِن اعتزلوكم تقرير الحكم اتصالهم بالكافين واختلاطهم فيهم وجريهم على سنتهم. قلت: هو جائز ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام. "انتهى". إنما كان أظهر وأجرى على أسلوب الكلام لأن المستثنى محدّث عنه محكوم له بخلاف حكم المستثني منه وإذا عطفت على الصلة كان محدّثاً عنه وإذا عطفت على الصفة لم تكن محدثاً عنه إنما يكون ذلك تقييداً في قوم الذين هم قيد في الصلة المحدّث عن صاحبها ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة إسنادية في المعنى وبين أن تكون تقييدية كان حملها على الاسنادية أولى للإِستقلال الحاصل بها دون التقييدية هذا من جهة الصناعة النحوية وأما من حيث ما يترتب على كل واحد من العطفين من المعنى فإِنه يكون تركهم القتال سبباً لترك التعرض لهم وهو سبب قريب وذلك على العطف على الصلة ووصولهم إلى من يترك القتال سبب لترك التعرض لهم، وهو سبب بعيد وذلك على العطف على الصفة ومراعاة السبب القريب أولى من مراعاة السبب البعيد. {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي الانقياد فلا قتل لكم عليهم ولا قتال.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أهل الردة ومن أضله الله عن الهدى بقوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88]، قانتين إشارة في الآيتين: إن الاختلاف واقع بين الأمة في أن خذلان المنافقين إنما هو {أية : مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [البقرة: 109]؛ أو أمر من عند الله وقضائه وقدره، فبين الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} [النساء: 88]، إلى قوله: {أية : فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً}تفسير : [النساء: 90]، فتبين أنهما فرقتين، فرقة يقولون: الخذلان في النفاق منهم، وفرقة يقولون: من الله وقضائه وقدره، {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} [النساء: 88]؛ يعني: إن الله تعالى تكسبهم بقدره وردهم بقضائه إلى الخذلان للنفاق، ولكن بواسطة كسبهم ما يثبت النفاق في قلوبهم {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42]، ولهذا مثال وهو: إن القدر كتقدير نقاش الصورة في ذهنه، والقضاء كرسمه تلك الصورة لتلميذه بالإسراب، ووضع التلميذ الأصابع عليها متبعاً لرسم الاستاذ؛ هو الكسب والاختيار، والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ، كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ولكنه متردد، ومما يؤيد هذا المثال والتأويل قوله تعالى: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [التوبة: 14]، وقال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 127]، وذلك مثل ما ينسب الفعل إلى السبب الأقرب تارة، وإلى السبب الأبعد أخرى، فالأقرب كقوله: قطع السيف يد فلان، والأبعد كقوله: قطع الأمير يد فلان، ونظيره: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}تفسير : [السجدة: 11]، وفي موضع {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا}تفسير : [الزمر: 42]، قال ابن نباتة: شعر : إذا ما الإلهُ قَضى أمرَه فأنتَ إلى ما قَضاهُ السّبَبْ تفسير : فعلى هذه القضية: "من زعم أن لا عمل للعبد أصلاً فقد عاند وجحد، ومن زعم أنه مستبد بالعمل فقد أشرك"، ثم قال تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ} [النساء: 88]؛ لأن تهدوا {مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} [النساء: 88]؛ أي: قدر له بالضلالة من الأزل، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} [النساء: 88]بقضائه وقدره، {فَلَن تَجِدَ} [النساء: 88]، يا محمد {لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 88]، إلى الهداية؛ لأنك {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56] الآن، و {أية : ٱللَّهَ يَهْدِي} تفسير : [القصص: 56] الآن، {أية : مَن يَشَآءُ} تفسير : [القصص: 56] بالهداية في الأزل، فإن مشيئته أزلية، فاعلم أن اختيار العبد بين طرفي الجبر؛ لأن أول الفعل وأخره إلى الله، فالعبد بين طرفي الاضطرار مضطر إلى الاختيار، فافهم جيداً. ثم قال: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} [النساء: 89]، إشارة إلى من ود الكفر لغيره فذلك من إمارة الكفر في باطنه وإن كان يظهر الإسلام؛ لأنه يود تسوية الاعتقاد فيما بينهما، وهذا من خاصة الإنسان إنه يحب أن يكون كل الناس على مذهبه واعتقاده ودينه، وقالوا: "الرضا بالكفر كفر"، ثم نهى المؤمنين عن موالاة المنافقين؛ لئلا يتعدَّى نفاقهم إليهم، وقال تعالى: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} [النساء: 89]؛ يعني: يهجروا خلاق السوء ويفارقوا عن النفاق {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}؛ أي: في طلب الحق والرجوع في سبيل الهوى، وفيه إشارة إلى أرباب الطلب السائرين إلى الله تعالى ألاَّ يتخذوا من أهل الدنيا وإتباع الهوى أولياء لعباد لا يخالطوهم، حتى يهاجروا عما هم فيه من الحرص والشهوة وحب الدنيا، ويوافقوكم في طلب الحق وترك الدنيا وزخارفها، {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ} [النساء: 89] عما أنتم عليه من التوجه إلى الحق والتوالي عن الباطل، {فَخُذُوهُمْ} [النساء: 89]، بالعظة الحسنة والنصح والتبليغ، {وَٱقْتُلُوهُمْ} [النساء: 89] بسيف صدقكم وموعظتكم عن جدالكم بالحق، {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [النساء: 89] كلما رأيتموهم، وفيه معنى آخر: واقتلوا أنفسكم من حيث وجدتم صفة من صفاتها غالبة، فإن تزكية النفس في اعتدال صفاتها، {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً} [النساء: 89]؛ أي: صديقاً وخليلاً، "فإن المرء على دين خليله"، {وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 89]؛ أي: معاوناً في أمر من الأمور الدنيوية؛ لئلا يشوب نصحكم وعظتكم لهم بعلة دنيوية فلا يتصرف ولا يؤثر فيهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات: المنافقون المظهرون إسلامهم، ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه، فبعضهم تحرج عن قتالهم، وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعالهم فحكم بكفرهم. فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم وأن تكونوا مثلهم. فإذا تحققتم ذلك منهم { فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ } وهذا يستلزم عدم محبتهم لأن الولاية فرع المحبة. ويستلزم أيضا بغضهم وعداوتهم لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا الأمر موقت بهجرتهم فإذا هاجروا جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجري أحكام الإسلام لكل مَنْ كان معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو ظاهر الإيمان. وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها { فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم. ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فِرَق: فرقتين أمر بتركهم وحتَّم [على] ذلك، إحداهما: من يصل إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال فينضم إليهم، فيكون له حكمهم في حقن الدم والمال. والفرقة الثانية: قوم { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ } أي: بقوا، لا تسمح أنفسهم بقتالكم، ولا بقتال قومهم، وأحبوا ترك قتال الفريقين، فهؤلاء أيضا أمر بتركهم، وذكر الحكمة في ذلك في قوله: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام: إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم، وهذا متعذر من هؤلاء، فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم وبين ترك قتال الفريقين، وهو أهون الأمرين عليكم، والله قادر على تسليطهم عليكم، فاقبلوا العافية، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع التمكن من ذلك. { فَـ } هؤلاء { إن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا } . الفرقة الثالثة: قوم يريدون مصلحة أنفسهم بقطع النظر عن احترامكم، وهم الذين قال الله فيهم: { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ } أي: من هؤلاء المنافقين. { يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ } أي: خوفا منكم { وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا } أي: لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم، وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن أعماهم ونكسهم على رءوسهم، وازداد كفرهم ونفاقهم، وهؤلاء في الصورة كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها. فإن الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احترامًا لهم لا خوفا على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفا لا احتراما، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين، فإنهم مستعدون لانتهازها، فهؤلاء إن لم يتبين منهم ويتضح اتضاحًا عظيمًا اعتزال المؤمنين وترك قتالهم، فإنهم يقاتلون، ولهذا قال: { فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } أي: المسالمة والموادعة { وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } أي: حجة بينة واضحة، لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة، فلا يلوموا إلا أنفسهم.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ [وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ]} [88] 133- أنا محمد بن بشار، حدثنا محمد، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال في / هذه الآية {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} قال: رجع ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد، فكان الناس فيهم فرقتين، فريق منهم يقول: اقتُلهم، وفريق يقول: لا، فنزلت الآية {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}، وقال: إنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خَبَثَ الفضَّة.

همام الصنعاني

تفسير : 614- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر عن الكلبي: أنَّ ناساً من أهل مكة كتبوا إلى أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم أسلموا، وكانَ ذَلِكَ مِنْهُم كَذِباً، فلقوهم فاختلف فيهم المسلمون، فقالتْ طائفةٌ: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرامٌ، فأنزل الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ} [الآية: 88]، قال مَعْمَر، وقال قتادة: أهلكهم بما كسَبوا.