٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
89
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: انه تعالى لما قال قبل هذه الآية: {أية : أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 88] وكان ذلك استفهاما على سبيل الانكار قرر ذلك الاستبعاد بأن قال: انهم بلغوا في الكفر الى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها المسلمون كفارا، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر الى هذا الحد فكيف تطمعون في ايمانهم. المسألة الثانية: قوله: {فَتَكُونُونَ سَوَاء } رفع بالنسق على {تَكْفُرُونِ } والمعنى: ودّوا لو تكونون، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا، ومثله قوله: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } تفسير : [القلم: 9] ولو قيل: {فيدهنوا} على الجواب لكان ذلك جائزا في الاعراب، ومثله: {أية : وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ } تفسير : [النساء: 102] ومعنى قوله: {فَتَكُونُونَ سَوَاء } أي في الكفر، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء الا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم، واعلم أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر، فبعد ذلك شرح للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والالحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } والسبب فيه أن أعز الاشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الامر الذي به يتقرب الى الله تعالى، ويتوسل به الى طلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } قال أبو بكر الرازي: التقدير حتى يسلموا ويهاجروا، لأن الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الاسلام، فقد دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الاسلام، وانهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة، ونظيره قوله: {أية : مَالَكُمْ مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } تفسير : [الأنفال:72]. واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك» تفسير : فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة، ثم نسخ فرض الهجرة. عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» تفسير : وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الاسلام قائما. المسألة الثالثة: اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الايمان، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» تفسير : وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال: {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } فانه تعالى لم يقل: حتى يهاجروا عن الكفر، بل قال: {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر، ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة، بل قيده بكونه في سبيل الله، فانه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الاسلام، ومن شعار الكفر إلى شعار الاسلام لغرض من أغراض الدنيا، إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى. ثم قال تعالى: {أية : فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }تفسير : [النساء: 89]. والمعنى فان أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فخذوهم اذا قدرتم عليهم، واقتلوهم أينما وجدتموهم في الحل والحرم، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة ولياً يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم. واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين الأول في قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} أي تمنّوا أن تكونوا كَهُم في الكفر والنفاق شَرَعٌ سواء، فأمر الله تعالى بالبراءة منهم فقال: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ}؛ كما قال تعالى: { أية : مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } تفسير : [الأنفال: 72] والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنُصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه واجبة أوّل الإسلام حتى قال: « حديث : لا هجرة بعد الفتح » تفسير : . وكذلك هجرة المنافقين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة. وهجرة المسلم ما حرّم الله عليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه»تفسير : . وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديباً لهم فلا يُكَلَّمون ولا يخالَطون حتى يتوبوا؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيْه. {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ} يقول: إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم. {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} عامّ في الأماكن من حِلٍّ وحَرَم. والله أعلم. ثم استثنى وهي: الثانية ـ فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ} أي يتَّصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف؛ المعنى: فلا تقتلوا قوماً بينهم وبين مَن بينكم وبينهم عهدٌ فإنهم على عهدهم ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا. هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم، وهو أصح ما قيل في معنى الآية. قال أبو عبيد: يَصِلون ينتسبون؛ ومنه قول الأعشى: شعر : إذا ٱتَّصَلَتْ قالتْ لبكرِ بن وائلٍ وَبَكْرٌ سَبَتْها والأنوف رواغِمُ تفسير : يريد إذا ٱنتسبَتْ. قال المهدوِيّ: وأنكره العلماء؛ لأن النسب لا يمنع من قتال الكفار وقتلهم. وقال النحاس: وهذا غلط عظيم؛ لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن يُقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب، والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين الأوّلين أنساب، وأشد من هذا الجهلُ بأنه كان ثم نُسخ؛ لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له «بَرَاءَةٌ» وإنما نزلت «براءة» بعد الفتح وبعد أن انقطعت الحروب. وقال معناه الطبريّ. قلت: حمل بعض العلماء معنى ينتسبون على الأمان؛ أي إن المنتسب إلى أهل الأمان آمِنٌ إذا أمن الكل منهم، لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة. واختُلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم ميثاق؛ فقيل: بنو مُدْلجٍ. عن الحسن: كان بينهم وبين قريش عقد، وكان بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد. وقال عِكرمة: نزلت في هلال بن عُويمر وسُراقة بن جُعْشُم وخُزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم عهد. وقيل: خزاعة. وقال الضحاك عن ابن عباس: أنه أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مَناة، كانوا في الصلح والهدنة. الثالثة ـ في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مَصْلحة للمسلمين، على ما يأتي بيانه في «الأنفال وبراءة» إن شاء الله تعالى. الرابعة ـ قوله تعالى: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي ضاقت. وقال لَبِيد: شعر : أسهلْت وٱنتصبَتْ كجِذْعِ مُنِيفةٍ جَرْداءَ يَحْصُر دونها جُرّامُها تفسير : أي تضيق صدورهم من طول هذه النخلة؛ ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم. والحَصِر الكَتُوم للسِّر؛ قال جرير: شعر : ولقد تَسَقَّطني الوُشاة فصادفوا حَصِراً بِسِّرِك يا أُميْم ضَنِينا تفسير : ومعنى «حَصِرت» قد حصِرت فأُضمِرَت قد؛ قاله الفراء: وهو حال من المضمر المرفوع في «جاءوكم» كما تقول: جاء فلان ذهب عقله، أي قد ذهب عقله. وقيل: هو خبر بعد خبر قاله الزجاج. أي جاءوكم ثم أخبر فقال: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} فعلى هذا يكون {حَصِرَتْ} بدلاً من {جَآءُوكُمْ} وقيل: {حَصِرَتْ} في موضع خفض على النعت لقوم. وفي حرف أُبَيّ «إلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» ليس فيه {أَوْ جَآءُوكُمْ}. وقيل: تقديره أو جاءوكم رجالاً أو قوماً حصِرت صدورهم؛ فهي صفة موصوف منصوب على الحال. وقرأ الحسن «أو جاءوكم حَصِرةً صدورهم» نصب على الحال، ويجوز رفعه على الابتداء والخبر. وحكى «أو جاءوكم حصِراتٍ صدورهم»، ويجوز الرفع. وقال محمد بن يزيد: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} هو دعاء عليهم؛ كما تقول: لعن الله الكافر؛ وقاله المبرد. وضعّفه بعض المفسرين وقال: هذا يقتضي ألاّ يقاتلوا قومهم؛ وذلك فاسد؛ لأنهم كفار وقومهم كفار. وأجيب بأن معناه صحيح؛ فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزاً لهم، وفي حق قومهم تحقيراً لهم. وقيل: {أَوْ} بمعنى الواو؛ كأنه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم فكرهوا قتال الفريقين. ويحتمل أن يكونوا معاهَدين على ذلك فهو نوع من العهد، أو قالوا نسلم ولا نقاتل؛ فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الإسلام حتى يفتح الله قلوبهم للتقوى ويشرحها للإسلام. والأول أظهر. والله أعلم. {أَوْ يُقَاتِلُواْ} في موضع نصب؛ أي عن أن يقاتلوكم. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يُقدرهم على ذلك ويقوّيهم إمّا عقوبةً ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختباراً كما قال تعالى: { أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } تفسير : [محمد: 31]، وإما تمحيصاً للذنوب كما قال تعالى: { أية : وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } تفسير : [آل عمران: 141]. ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. ووجه النظم والاتصال بما قبل أي ٱقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم، وإلا ٱلَّذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم.
البيضاوي
تفسير : {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ} تمنوا أن تكفروا ككفرهم. {فَتَكُونُونَ سَوَاء } فتكونون معهم سواء في الضلال، وهو عطف على تكفرون ولو نصب على جواب التمني لجاز. {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } فلا توالوهم حتى يؤمنوا وتتحققوا إيمانهم بهجرة هي لله ورسوله لا لأغراض الدنيا، وسبيل الله ما أمر بسلوكه. {فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإِيمان الظاهر بالهجرة أو عن إظهار الإِيمان. {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } كسائر الكفرة. {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } أي جانبوهم رأساً ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَدُّواْ } تمنوا {لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ } أنتم وهم {سَوَآء } في الكفر {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء } توالونهم وإن أظهروا الإيمان {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } هجرة صحيحة تحقق إيمانهم {فَإِن تَوَلَّوْاْ } وأقاموا على ما هم عليه {فَخُذُوهُمْ } بالأسر {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً } توالونه {وَلاَ نَصِيراً } تنتصرون به على عدوّكم.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {ودوا} عائد على المنافقين، وهذا كشف من الله لخبث معتقدهم، وتحذير للمؤمنين منهم. والمعنى تمنوا كفركم، وهي غاية المصائب بكم، وهذا الود منهم يحتمل أن يكون عن حسد منهم لهم على ما يرون للمؤمنين من ظهور في الدنيا، فتجري الآية مع ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم, ويحتمل أمر المنافقين أن يكون أنهم رأوا المؤمنين على غير شيء فودوا رجوعهم إلى عبادة الأصنام، والأول أظهر، وقوله: {فلا تتخذوا} الآية. هذا نهي عن موالاتهم حتى يهاجروا، لأن الهجرة في سبيل الله تتضمن الإيمان، و {في سبيل الله} معناه في طريق مرضاة الله، لأن سبل الله كثيرة، وهي طاعاته كلها، المعنى فإن أعرضوا عن الهجرة وتولوا عن الإيمان فخذوهم، وهذا أمر بالحمل عليهم ومجاهرتهم بالقتال.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ودوا} يعني تمنى أولئك الذين رجعوا عن الإيمان إلى الإرتداد والكفر {لو تكفرون} يعني تكفرون أنتم يا معشر المؤمنين {كما كفروا فتكونون سواء} في الكفر {فلا تتخذوا منهم أولياء} يعني من الكفار منع المؤمنين من موالاتهم {حتى يهاجروا} يعني يسلموا أو يهاجروا {في سبيل الله} معكم وهي هجرة أخرى والهجرة على ثلاثة أوجه: الأولى هجرة المؤمنين في أول الإسلام من مكة إلى المدينة. الثانية هجرة المؤمنين وهي الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله مخلصين صابرين محتسبين كما حكى الله عنهم وفي هذه الآية منع المؤمنين من موالاة المنافقين حتى يهاجروا والهجرة الثالثة هجرة المؤمنين ما نهى الله عنه بقوله {فإن تولوا} يعني فإن أعرضوا عن الإسلام والهجرة واختاروا الإقامة على الكفر {فخذوهم} الخطاب للمؤمنين أي خذوهم أيها المؤمنون {واقتلوهم حيث وجدتموهم} يعني إن وجدتموهم في الحل والحرم {ولا تتخذوا منهم ولياً} يعني في هذه الحالة {ولا نصيراً} يعني ينصركم على أعدائكم لأنهم أعداء ثم استثنى الله عز وجل طائفة منهم فقال تعالى: {إلاّ الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} هذا الاستثناء يرجع إلى القتل لا إلى الموالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال ومعنى يصلون ينتسبون إليهم أو ينتمون إليهم أو يدخلون معهم بالحلف والجوار. وقال ابن عباس يريد يلجؤون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أي عهد وهم الأسلميون وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي عند خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم الجوار مثل ما لهلال. وفي رواية عن ابن عباس قال: أراد بالقوم الذي بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن مناة كانوا في الصلح والهدنة. وقيل هم خزاعة والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم {أو جاؤوكم حصرت صدورهم} يحتمل أن يكون عطفاً على الذين وتقديره إلاّ الذين يتصلون بالمعاهدين أو يتصلون بالذين حصرت صدورهم فلا تقتلوهم وقيل يحتمل أن يكون عطفاً على صفة تقديره إلاّ الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم عهد أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم فلا تقتلوهم ومعنى حصرت أي ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم وهم بنو مدلج وكانوا عاهدوا أن لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشاً أن لا يقاتلوهم {أن يقاتلوكم} يعني ضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم {أو يقاتلوا قومهم} يعني من آمن منهم وقيل معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم فقد ضاقت صدورهم لذلك عن قتالكم والقتال معكم وهم قوم هلال الأسلميون وبنو بكر نهى الله عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهد المسلمين لأن من انضم إلى قوم ذوي عهد فله حكمهم في حقن الدم وذلك أن الله تعالى أوجب قتال الكفار إلاّ من كان معاهداً أو لجأ إلى معاهد أو ترك القتال لأنه لا يجوز قتل هؤلاء وعلى هذا القول فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وإن ترك القتال فقتاله جائز وقال جماعة من المفسرين معاهدة المشركين وموادعتهم في هذه الآية منسوخة بآية السيف وذلك لأن الله تعالى لما أعز الإسلام وأهله أمر أن لا يقبل من مشركي العرب إلاّ الإسلام أو القتل {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} يذكر الله تعالى منته على المسلمين بكف بأس المعاهدين وذلك لما ألقى الله الرعب في قلوبهم وكفهم عن قتالكم ومعنى التسليط هنا تقوية قلوبهم على قتال المسلمين ولكن قذف الله الرعب في قلوبهم وكفهم عن المسلمين {فإن اعتزلوكم} يعني فإن اعتزلوكم عن قتالكم {فلم يقاتلوكم}: ويقال فلم يقاتلوكم يوم فتح مكة مع قومهم {وألقوا إليكم السلم} يعني الانقياد والصلح فانقادوا واستسلموا {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} يعني بالقتل والقتال قال بعض المفسرين هذا منسوخ بآية القتال وهي قوله تعالى: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] وقال بعضهم هي غير منسوخة لأنا إذا حملناها على المعاهدين فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر بضلالهم وثباتهم عليه، أعلم بأعراقهم فيه فقال: {ودّوا} أي أحبوا وتمنوا تمنياً واسعاً {لو تكفرون} أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائماً {كما كفروا} ولما لم يكن بين ودهم لكفرهم وكونهم مساوين لهم تلازم، عطف على الفعل المودود - ولم يسبب - قوله: {فتكونون} أي وودوا أن يتسبب عن ذلك ويتعقبه أن تكونوا أنتم وهم {سواء} أي في الضلال، أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائماً، فأنتم ترجون في زمان الرفق بهم هدايتهم وهم يودون فيه كفركم وضلالكم، فقد تباعدتم في المذاهب وتباينتم في المقاصد. ولما أخبر بهذه الودادة، سبب عنه أمرهم بالبراءة منهم حتى يصلحوا، بياناً لأن قولهم في الإيمان لا يقبل ما لم يصدقوه بفعل فقال: {فلا تتخذوا} أي أيها المؤمنون {منهم أولياء} أي أقرباء منكم {حتى يهاجروا} أي يوقعوا المهاجرة {في سبيل الله} أي يهجروا من خالفهم في ذات من لا شبه له، ويتسببوا في هجرانه لهم إن كانوا في دار الحرب فبتركها، وإن كانوا عندكم فبترك موادة الكفرة والموافقة لهم في أقوالهم وأفعالهم وإن كانوا أقرب أقربائهم، وهجرتهم في جميع ذلك بمواصلتكم في جميع أقوالكم وأفعالكم، والهجرة العامة هي ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه. ولما نهى عن موالاتهم وغيّي النهي بالهجرة، سبب عنه قوله: {فإن تولوا} أي عن الهجرة المذكورة {فخذوهم} أي اقهروهم بالأسر وغيره {واقتلوهم حيث وجدتموهم} أي في حل أو حرم. ولما كانوا في هذه الحالة لا يوالون المؤمنين إلا تكلفاً قال: {ولا تتخذوا} أي تتكلفوا أن تأخذوا {منهم ولياً} أي من تفعلون معه فعل المقارب المصافي {ولا نصيراً} على أحد من أعدائكم، بل جانبوهم مجانبة كلية. ولما كان سبحانه وتعالى قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر، استثنى منه فقال: {إلا الذين يصلون} فراراً منكم، وهم من الكفار عند الجمهور {إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي عهد وثيق بأن لا تقاتلوهم ولا تقاتلوا من لجأ إليهم أو دخل فيما دخلوا فيه, فكفوا حينئذ عن أخذهم وقتلهم {أو} الذين {جاءوكم} حال كونهم {حصرت} أي ضاقت وهابت وأحجمت {صدورهم أن} أي عن أن {يقاتلوكم} أي لأجل دينهم وقومهم {أو يقاتلوا قومهم} أي لأجلكم فراراً أن يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم، لأنهم كالمسالمين بترك القتال، ولعله عبر بالماضي في "جاء" إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر، فإن تكرر ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم. ولما كان التقدير: فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلباً واحداً عليكم، عطف عليه قوله: {ولو} أي يكون المعنى: والحال أنه لو {شاء الله} أي وهو المتصف بكل كمال {لسلطهم} أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك الحال من الكفار {عليكم} ينوع من أنواع التسليط، تسليطاًَ جارياً على الأسباب ومقتضى العوائد، لأن بهم قوة على قتالكم {فلقاتلوكم} أي فتسبب عن هذا التسليط أنهم قاتولكم منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم، واللام فيه جواب "لو" على التكرير، أو البدل من سلط. ولما كان المغيّي على النهي عن قتالهم حينئذ، صرح به في قوله: {فإن اعتزلوكم} أي هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين، فكفوا عنكم {فلم يقاتلوكم} منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم {وألقوا إليكم السلم} أي الانقياد {فما جعل الله} أي الذي لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات {لكم عليهم سبيلاً *} أي إلى شيء من أخذهم ولا قتلهم. ولما كان كأنه قيل: هل بقي من أقسام المنافقين شيء؟ قيل: نعم! {ستجدون} أي عن قرب بوعد لا شك فيه {آخرين} أي من المنافقين {يريدون أن يأمنوكم} أي فلا يحصل لكم منهم ضرر {ويأمنوا قومهم} كذلك، لضعفهم عن كل منكم. فهم يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم، ولهم الكفر إذا لقوهم، وهو معنى {كلما ردوا إلى الفتنة} أي الابتلاء بالخوف عند المخالطة {أركسوا} أي قلبوا منكوسين {فيها}. ولما كان هؤلاء أعرق في النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى، صرح بمفهوم ما صرح به في أولئك، لأنه أغلظ وهم أجدر من الأولين بالإغلاظ، وطوى ما صرح به، ثم قال: {فإن لم يعتزلوكم} ولما كان الاعتزال خضوعاً لا كبراً، صرح به في قوله: {ويلقوا إليكم السلم} أي الانقياد. ولما كان الإلقاء لا بد له من قرائن يعرف بها قال: {ويكفوا أيديهم} أي عن قتالكم وأذاكم {فخذوهم} أي اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه {واقتلوهم}. ولما كان نفاقهم - كما تقدم - في غاية الرداءة، وأخلاقهم في نهاية الدناءة، أشار إلى الوعد بتيسير التمكين منهم فقال: {حيث ثقفتموهم} فإن معناه: صادفتموهم وأدركتموهم وأنتم ظافرون بهم، حاذقون في قتالهم، فطنون به، خفيفون فيه، فإن الثقف: الحاذق الخفيف الفطن، ولذلك أشار إليهم بأداة البعد فقال: {وأولئكم} أي البعداء عن منال الرحمة من النصر والنجاة وكل خير {جعلنا} أي بعظمتنا {لكم عليهم سلطاناً} أي تسلطاً {مبيناًَ *} أي ظاهراً قوته وتسلطه. وهذه الآيات منسوخة بآية براءة، فإنها متأخرة النزول فإنها بعد تبوك. ولما بين أقسامهم بياناً ظهر منه أن أحوالهم ملبسة، وأمر بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف أحوالهم، وختم بالتسلط عليهم، وكان ربما قتل من لا يستحق القتل بسبب الإلباس؛ أتبع ذلك بقوله المراد به التحريم، مخرجاً له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي إلى القتل: {وما كان لمؤمن} أي يحرم عليه {أن يقتل مؤمناً} أي في حال من الحالات {إلا خطأ} أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد القتل، أو لا يقصد الشخص، أو يقصده بما لا يقصد به زهوق الروح، أو لا يقصد ما هو ممنوع منه كمن يرمي إلى صف الكفار وفيهم مسلم، أو بأن يكون غير مكلف، فإن القتل على هذا الوجه ليس بحرام، وهذا الذي ذكره في أقسام المنافقين إشارة إلى أنه ينبغي التثبت والتحري في جميع أمر القتل متى احتمل أن يكون القاتل مؤمناً احتمالاً لا تقضي العادة بقربه، فلزم من ذلك بيان حكم الخطأ، ولام الاختصاص قد تطلق على ما لا مانع منه "فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب الكفارة والدية غاية الزجر عن قتل المؤمن، لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له فما الظن بما ليس له! فقال تعالى: {ومن قتل مؤمناً} صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، ولعله عبَّر سبحانه وتعالى بالوصف تنبيهاً على أنه إن لم يكن كذلك في نفس الأمر لم يكن عليه شيء في نفس الأمر وإن ألزم به في الظاهر {خطأ}. ولما كان الخطأ مرفوعاً عن هذه الأمة، فكان لذلك يظن أنه لا شيء على المخطىء؛ بين أن الأمر في القتل ليس كذلك حفظاً للنفوس، لأن الأمر فيها خطر جداً، فقال - مغلظاً عليه حثاً على زيادة النظر والتحري عند فعل ما قد يقتل -: {فتحرير} أي فالواجب عليه تحرير {رقبة} أي نفس، عبر بها عنها لأنها لا تعيش بدونها كاملة الرق {مؤمنة} ولو ببيع الدار أو البساتين، سليمة عما يخل بالعمل، وقدم التحرير هنا حثاً على رتق ما خرق من حجاب العبد، وإيجاب ذلك في الخطأ إيجاب له في العمد بطريق الأولى، وكأنه لم يذكره في العمد لأنه تخفيف في الجملة والسياق للتغليظ {ودية مسلّمة} أي مؤداة بيسر وسهولة {إلى أهله} أي ورثته يقتسمونها كما يقسم الميراث {إلا أن يصدّقوا} أي يجب ذلك عليه في كل حال إلا في حال تصدقهم بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية، فلا شيء عليه حينئذ، وعبر بالصدقة ترغيباً {فإن كان} أي المقتول {من قوم} أي فيهم منعة {عدو لكم} أي محاربين {وهو} أي والحال أنه {مؤمن فتحرير} أي فالواجب على القاتل تحرير {رقبة مؤمنة} وكأنه عبر بذلك إشارة إلى التحري في جودة إسلامها، وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي دار الإباحة أو وقوعه في صفهم، ولعده في عدادهم قال: {من} ومعناه - كما قال الشافعي وغيره تبعاً لابن عباس رضي الله تعالى عنهما -: في {وإن كان} أي المقتول {من قوم} أي كفرة أيضاً عدو لكم {بينكم وبينهم ميثاق} وهو كافر مثلهم {فدية} أي فالواجب فيه كالواجب في المؤمن المذكور قبله دية {مسلّمة إلى أهله} على حسب دينه، إن كان كتابياً فثلث دية المسلم، وإن كان مجوسياً فثلثا عشرها {وتحرير رقبة مؤمنة} وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى المبادرة بها حفظاً للعهد، ولتأكيد أمر التحرير بكونه ختاماً كما كان افتتاحاً حثاً على الوفاء به، لأنه أمانة لا طالب له إلا الله؛ وقال الأصبهاني: إن سر ذلك أن إيجابه في المؤمن أولى من الدية، وبالعكس ها هنا - انتهى. وكان سره النظر إلى خير الدين في المؤمن، وإلى حفظ العهد في الكافر {فمن لم يجد} أي الرقبة ولا ما يتوصل به إليها {فصيام} أي فالواجب عليه صيام {شهرين متتابعين} حتى لو أفطر يوماً واحداً بغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام المقتضية أنه مباح - ذنباً تغليظاً للحث على مزيد الاحتياط: {توبة} أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة {من الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته. ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان، رغب فيها سبحانه وتعالى بختم الآية بقوله: {وكان الله} أي المحيط بصفات الكمال {عليماً} أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمداً، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر {حكيماً *} في نصبه الزواجر بالكفارات وغيرها، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة.
ابو السعود
تفسير : {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} كلامٌ مستأنفٌ لبـيان غلوِّهم وتماديهم في الكفر وتصدِّيهم لإضلال غيرِهم إثرَ بـيانِ كفرِهم وضلالِهم في أنفسهم، وكلمةُ لو مصدرية غنيةٌ عن الجواب، وهي مع ما بعدها نصبٌ على المفعولية، أي ودّوا أن تكفروا، وقولُه تعالى: {كَمَا كَفَرُواْ} نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي كفراً مثلَ كفرِهم، أو حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ كما هو رأيُ سيبويهِ وقولُه تعالى: {فَتَكُونُونَ سَوَاء} عطفٌ على تكفرون داخلٌ في حكمه أي ودوا أن تكفروا فتكونوا سواءً مستوِين في الكفر والضلالِ، وقيل: كلمةُ لو على بابها، وجوابُها محذوفٌ كمفعول ودّوا لتقدير ودوا كفرَكم لو تكفرون كما كفروا لسخرّوا بذلك {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء} الفاء جوابُ شرطٍ محذوفٍ وجمعُ أولياءَ لمراعاة جمعِ المخاطَبـين فإن المرادَ نهيُ أن يتخذ واحدٌ من المخاطبـين ولياً واحداً منهم أي إذا كان حالُهم ما ذكر من وِدادة كفرِكم فلا توالوهم {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي حتى يؤمنوا ويحققوا إيمانَهم بهجرةٍ كائنةٍ لله تعالى ورسولِه عليه الصلاة والسلام لا لغرض من أغراض الدنيا. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي عن الإيمان المؤيَّدِ بالهجرة الصحيحةِ المستقيمةِ {فَخُذُوهُمْ} أي إذا قدَرتم عليهم {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} من الحِلّ والحرمِ فإن حُكمَهم حكمُ سائرِ المشركين أسراً وقتلاً {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي جانبوهم مجانبةً كليةً ولا تقبَلوا منهم وِلايةً ولا نُصرةً أبداً {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ} استثناءٌ من قوله تعالى: {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ} [النساء، الآية: 89] ، أي إلا الذين يتصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم الأسلميّون (كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقتَ خروجِه من مكةَ قد وادَعَ هِلالَ ابنَ عُويمِرٍ الأسلميَّ على أنه لا يُعينُه ولا يُعينُ عليه وعلى أن من وَصل إلى هلالٍ ولجأ إليه فله من الجِوار مثلُ الذي لهلال)، وقيل: هم بنو بكرِ بنِ زيدِ مَناةَ، وقيل: هم خُزاعة. {أَوْ جَاءوكُمْ} عطفٌ على الصلة أي أو الذين جاءوكم كافّين عن قتالكم وقتالِ قومِهم. استُثني من المأمور بأخذهم وقتلِهم فريقان: أحدُهما من ترك المحاربـين ولحِق بالمعاهَدين، والآخرُ من أتى المؤمنين وكفّ عن قتال الفريقين. أو على صفةِ قومٍ كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهَدين أو إلى قوم كافّين عن القتال لكم والقتالِ عليكم، والأولُ هوالأظهرُ لما سيأتي من قوله تعالى: {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} [النساء، الآية 90] الخ، فإنه صريحٌ في أن كفَّهم عن القتال أحدُ سَبَبـي استحقاقِهم لنفي التعرُّضِ لهم، وقرىء جاءوكم بغير عاطفٍ على أنه صفةٌ بعد صفةٍ أو بـيانٌ ليصِلون أو استئنافٌ {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} حالٌ بإضمار قد بدليل أنه قُرىء حَصِرَةٌ صدورُهم وحَصِراتٌ صدورُهم، وقيل: هو بـيانٌ لجاءوكم وهم بنو مَدلج جاءوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غيرَ مقاتلين، والحصرُ الضيقُ والانقباض {أن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ} أي من أن يقاتلوكم أي لأَنْ يقاتلوكم أو كراهةَ أن يقاتلوكم الخ {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} جملةٌ مبتدأةٌ جاريةٌ مجرىٰ التعليلِ لاستثناء الطائفةِ الأخيرةِ من حكم الأخذِ والقتلِ ونظمِهم في سلك الطائفةِ الأولى الجاريةِ مَجرى المعاهَدين مع عدم تعلّقِهم بنا ولا بمن عاهدونا كالطائفة الأولى، أي لو شاء الله لسلطهم عليكم ببسط صدورِهم وتقويةِ قلوبِهم وإزالةِ الرعبِ عنها {فَلَقَـٰتَلُوكُمْ} عَقيبَ ذلك ولم يكفّوا عنكم، واللامُ جوابُ لو على التكرير أو الإبدالِ من الأُولى، وقرىء فلقَتّلوكم بالتخفيف والتشديد {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} ولم يتعرضوا لكم {فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ} مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله عزو وجل {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي الانقيادَ والاستسلام وقرىء بسكون اللام {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} طريقاً بالأسر أو بالقتل فإن كفَّهم عن قتالكم وأن يقاتلوا قومَهم أيضاً وإلقاءَهم إليكم السَّلَم وإن لم يعاهدوكم كافيةٌ في استحقاقهم لعدم تعرُّضِكم لهم.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} [الآية: 89]. قال بعضهم: وَدَّ أهل الدعاوى الفاسدة أن يكون المتحققون فى أحوالهم أمثالهم فأظهر عليهم فضائح دعاويهم.
القشيري
تفسير : الإشارة إلى أرباب التخليط والأحوال السقيمة يتمنون أن يكون الصديقون منهم، وهيهات أن يكون لمناهم تحقيق! وما دام المخالفون لكم غير موافقين فبائنوهم وخالفوهم ولا تطابقوهم بحال، ولا تعاشروهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً؛ وموافِقٌ لك في قصدِك خيرٌ لك من مخالفٍ على الكره تعاشره. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ} الإشارة من هذه الآية أن عند الأعذار أذِن في معاشرة في الظاهر رفقاً بالمستضعفين. {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} الإشارة منه أنه إذا عاشركم من ليس من أهل القصة معرجين في أوطان نصيبهم فلا تدعوهم إلى طريقتكم وسلِّموا لهم أحوالهم. فإن أمكنكم أن تلاحظوهم بعين الرحمة بحيث تؤثر فيهم همتكم وإلا فسلِّموا لهم أحوالهم.
البقلي
تفسير : {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ} اذا خرج عارف بكسرة الربوبية من الغيب وظهر سلطنته فى العالم نهاج نيران حسد الحساد عليه وخانوا كسر شوق سالوسهم واقتضاحهم بين الخلق و يختالوه به كحسرة موسى بموسى من حسد فرعون لكن يوقعوه فى بعض مخائيل الشيطان ومكائيل النفسانية بتربيتهم الرياسة والدنيا وجاهها فى عينه ليكون مخدوعا مفتضحا مثلهم وان الله سبحانه حافظ اوليائه وناصر احبائه يحفظهم بكلايته الازلية ورعايته قال بعض المشائخ وذا اهل الدعاوى الفاسدة ان يكون المتحققون فى احوالهم امثالهم فلا يظهر عليهم فضائح دعاويهم فهذا اولياءه ان لا يجاسلوا المخالفين لئى بقع عليهم شوم حسدهم بقوله فلا تتخذوا منهم اولياء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ودوا لو تكفرون} بيان لغلوهم وتماديهم فى الكفر وتصديهم لاضلال غيرهم اثر بيان كفرهم وضلالهم فى انفسهم وكلمة لو مصدرية فلا جواب لها اى تمنوا عن تكفروا {كما كفروا} نصب على انه نعت لمصدر محذوف اى كفرا مثل كفرهم فما مصدرية {فتكونون سواء} عطف على تكفرون والتقدير ودوا كفركم وكونكم مستوين معهم فى الضلال. وفيه اشارة الى ان من ود الكفر لغيره كان ذلك من امارات الكفر فى باطنه وان كان يظهر الاسلام لانه يريد تسوية الاعتقاد فيما بينهما وهذا من خاصية الانسان يحب ان يكون كل الناس على مذهبه واعتقاده ودينه وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : الرضى بالكفر كفر " .تفسير : {فلا تتخذوا منهم أولياء} اى اذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم فلا توالوهم {حتى يهاجروا فى سبيل الله} اى حتى يؤمنوا ويحققوا ايمانهم بهجرة كائنة لله تعالى ورسوله عليه السلام لا لغرض من اغراض الدنيا وسبيل الله ما امر بسلوكه {فان تولوا} اى عن الايمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة {فخذوهم} اذا قدرتم عليهم {واقتلوهم حيث وجدتموهم} من الحل والحرم فان حكمهم حكم سائر المشركين اسرا وقتلا {ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} اى جانبوهم مجانبة كلية ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة ابدا. والاشارة فى الآية الى ارباب الطلب السائرين الى الله تعالى فانهم نهوا عن اتخاذ اهل الدنيا احباء وعن مخالطتهم حتى يهاجروا عما هم فيه من الحرص والشهوة وحب الدنيا ويوافقهم فى طلب الحق وامروا بان يعظوهم بالوعظ البليغ ويقتلوهم اى انفسهم وصفاتها الغالبة كلما رأوهم.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية عن هؤلاء المنافقين أنهم يودّون ويتمنون أن تكفروا أي تجحدوا وحدانية الله تعالى وتصديق نبيكم كما جحدوا، هم {فتكونون سواء} يعني مثلهم كفاراً تستوون أنتم، وهم في الكفر بالله، ثم نهاهم أن يتخذوا منهم أولياء، ويستنصحوهم، بل ينبغي أن يتهموهم، ولا ينتصحوهم، ولا يستنصروهم، ولا يتخذوا منهم ولياً ناصراً، ولا خليلا مصافياً {حتى يهاجروا في سبيل الله} ومعناه حتى يخرجوا من دار الشرك. ويفارقوا أهلها المشركين {في سبيل الله} يعني في ابتغاء دين الله. وهو سبيله، فيصيروا عند ذلك مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم - وهو قول ابن عباس - ثم قال: {فإن تولوا} يعني هؤلاء المنافقين عن الاقرار بالله، ورسوله، وعن الهجرة من دار الشرك، ومفارقة أهله {فخذوهم} أيها المؤمنون {واقتلوهم حيث وجدتموهم} أي أصبتموهم من أرض الله. {ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً} يعني ولا تتخذوا منهم خليلا ولا ولا ناصراً ينصركم على أعدائكم - وهو قول ابن عباس والسدي -.
اطفيش
تفسير : {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}: لو مصدرية، وأما التمنى فمن قوله: ودوا أى ودوا كفركم، والواو لهؤلاء المنافقين، والمراد بقوله: {أية : ومن يضلل} تفسير : المشركون مطلقا والمنافقون المذكورون، وأما الواو فى ودوا فللمشركين لا للمنافقين، لأن قوله: {أية : الا الذين يصلون الى قوم }تفسير : لا يصلح لهم، ولو صلح لهم حتى يهاجروا بأن يراد بالهجرة الاخلاص فى خروجهم مع النبى صلى الله عليه وسلم. {كَمَا كَفَرُوا}: كما أشركوا، وأما أصحابنا فلا يطلق عندهم النفاق على الشرك المضمر، فيحملون النفاق المذكور، وهذا الكفر على ما دون الشرك وهو ظاهر فى اطلاقه على ترك الهجرة، الا أن الحكم بعدم الارث بين المهاجرين وغيره دل أن تركها حينئذ شرك، ولعله دليل على ما فى قلوبهم من الشرك، والأظهر عندى أنه يطلق النفاق على ما دون الشرك من الكبائر، وعلى الشرك المضمر. {فَتَكُونُونَ سَوَآءً}: يجمعكم الكفر. {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ}: توالونهم، ولو أظهروا الايمان. {حَتَى يُهَاجِرُوا}: هذا يدل أنهم آمنوا بمكة، وأن ايمانهم لا يخرجهم عن حكم الشرك، ولو لم يكن فى قلوبهم الشرك لقوله: {حَتَى يُهَاجِرُوا} اللهم الا أن يقدر حتى يسلموا من قلوبهم ويهاجروا. {فِى سَبِيلِ اللهِ}: فبالهجرة تتحققون ايمانهم، اذ لو لا تحققه فى قلوبهم لم يهاجروا، ومعنى فى سبيل الله: فى دين الله، أى لأجل اقامة دين الله من أنفسهم، واعانة المؤمنين عليه طلبا لرضا الله لا لمرأة يتزوجها هذا، وغرض دنيوى يصيبه هذا، فمن هاجر لغرض دنيوى واحتمل أن فى قلبه الايمان أبقى عليه فى الدنيا، ولم يثبت على هجرته، والهجرة أما هجرة الى المدينة لتقوية الدين، واقامة المرء بنفسه دينه، والاعانة فى الغزو، وهذه زال وجوبها بعد فتح مكة الا أن من لم يتوصل الى دينه ولو سرا فى موضعه لزمه الخروج منه الى الآن، وما هجرة المعاصى وهذه باقية الى يوم القيامة، وأما الهجرة بعد الفتح مع التمكن من الدين حيث الكلف فغير واجبة. {فَإِن تَوَلَّوا}: أعرضوا عن الهجرة، ولم يكونوا من المعذورين بالضعف، قيل أو من اظهار الدين. {فَخُذُوهُمْ} أسارى. {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُهُمْ}: كسائر المشركين فى الحل والحرم. {وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا}: توالونه وتحبونه وتفعلون له الخير حبا. {وَلا نَصِيراً}: تدفعون عدوكم من سائر المشركين، ولا تقبلوا ولايتهم ولا نصرهم، ولو جادوا به.
اطفيش
تفسير : {وَدُّوا لَوْ} لو مصدرية، ولا داعى إلى جعلها شرطية، وتقدير جوابها هكذا لسرهم ذلك {تَكْفُرُونَ} تمنوا كفركم {كَمَا كَفََرُوا} مثل كفرهم {فَتَكُونُونَ} أنتم وهم {سَوَآءً} مستوين فى حصول الضلال، ولو تفاوت كثرة وقلة وعظماً وصغراً {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إيمانا ورغبة فى نشر دين الله والجهاد {فِى سَبِيلِ اللهِ} لا لغرض دنيوى، كتزوج امرأة، أو طمع فى مال أو جاه، وبعد فتح مكة نسخ وجوب الهجرة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : المهاجر من هاجر ما نهى الله عنه"تفسير : ، وهذه الهجرة لا يدخلها النسخ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا برىء من كل مسلم أقام بين ظهرانى المشركين"تفسير : ، وهذا أيضاً منسوخ بفتح مكة، إلا أن يذهب إليهم ويقيم فيهم، أو كان بلدهم بلده ولم يصل إلى إقامة دينه معهم وإن كان بلده ووصل إلى إقامة دينه لم يلزمه الخروج بعد فتحها، والهجرة ثلاث: الأولى مفارقة دار الشرك إلى دار السلام رغبة فيه، الثانية ترك المنهيات، والثالثة الخروج للقتال، وتحتمله الآية بأن يقال نزلت فيمن رجع يوم أُحد {فَإِن تَوَلَّوْا} أعرضوا عن الهجرة فى سبيل الله {فَخُذُوهُمْ} أسرى وأنتم مخيرون فى الأسرى {وَاقْتُلُوهُم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} وقدرتم عليهم فى الحل والحرم، فإنه لا ينفعهم الإيمان مع البقاء فى مكة أو غيرها قبل نسخ الهجرة، فهم كسائر المشركين بخلاف منافقى المدينة، ومن هاجر ونافق فإنه يكتفى منه بكلمة الشهادة الظاهرة منهم، ولو تبين أن هجرته لغرض دنيوى، فهذا تحقيق المقام لا ما تجده فى الكتب، وقيل المراد هنا خصوص القتل، والأخذ مقدمة له، وليس كذلك فإن الأكثر القتل بلا قبض على المقتول {وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيَّا} تحبونه وبلى أمركم وتلون أمره {وَلاَ نَصِيراً} تنصرون به على أعدائكم.
الالوسي
تفسير : {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} بيان لغلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالتهم في أنفسهم، و {لَوْ} مصدرية لا جواب لها أي تمنوا أن تكفروا؛ وقوله تعالى: {كَمَا كَفَرُواْ} نعت لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية أي كفراً مثل كفرهم، أو حال من ضمير ذلك المصدر كما هو رأي سيبويه، ولا دلالة / في نسبة الكفر إليهم على أنه مخلوق لهم استقلالاً لا دخل لله تعالى فيه لتكون هذه الآية دليلاً على صرف ما تقدم عن ظاهره كما زعمه ابن حرب لأن أفعال العباد لها نسبة إلى الله تعالى باعتبار الخلق، ونسبة إلى العباد باعتبار الكسب بالمعنى الذي حققناه فيما تقدم، وقوله تعالى: {فَتَكُونُونَ سَوَاءً} عطف على {لَوْ تَكْفُرُونَ} داخل معه في حكم التمني أي: ودوا لو تكفرون فتكونون مستوين في الكفر والضلال، وجوز أن تكون كلمة {لَوْ} على بابها، وجوابها محذوف كمفعول (ود) أي ودوا كفركم لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء لسروا بذلك. {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء} الفاء فصيحة، وجمع {أَوْلِيَاء} مراعاة لجمع المخاطبين فإن المراد نهي كل من المخاطبين عن اتخاذ كل من المنافقين ولياً أي إذا كان حالهم ما ذكر من الودادة فلا توالوهم. {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي حتى يؤمنوا وتحققوا إيمانهم بهجرة هي لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا لغرض من أغراض الدنيا، وأصل السبيل الطريق، واستعمل كثيراً في الطريق الموصلة إليه تعالى وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والآية ظاهرة في وجوب الهجرة. وقد نص في «التيسير» على أنها كانت فرضاً في صدر الإسلام، وللهجرة ثلاث استعمالات: أحدها: الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام وهو الاستعمال المشهور، وثانيها: ترك المنهيات، وثالثها: الخروج للقتال وعليه حمل الهجرة من قال: إن الآية نزلت فيمن رجع يوم أحد على ما حكاه خبر الشيخين وجزم به في الخازن {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله تعالى ـ كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ {فَخُذُوهُمْ} إذا قدرتم عليهم {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} من الحل والحرم فإن حكمهم حكم سائر المشركين أسراً وقتلاً، وقيل: المراد القتل لا غير إلا أن الأمر بالأخذ لتقدمه على القتل عادة. {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي جانبوهم مجانبة كلية ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة أبداً كما يشعر بذلك المضارع الدال على الاستمرار أو التكرير المفيد للتأكيد.
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أنّ ضمير «ودوّا» عائد إلى المنافقين في قوله: {أية : فمالكم في المنافقين فئتين}تفسير : [النساء: 88]. فضح الله هذا الفريق فأعلَم المسلمين بأنّهم مضمرون الكفر، وأنّهم يحاولون رَدّ من يستطيعون ردّه من المسلمين إلى الكفر. وعليه فقوله: {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله} إن حمل على ظاهر المهاجرة لا يناسب إلاّ ما تقدّم في سبب النزول عن مجاهد وابن عباس، ولا يناسب ما في «الصحيح» عن زيد بن ثابت، فتعيّن تأويل المهاجرة بالجهاد في سبيل الله، فالله نهى المسلمين عن ولايتهم إلى أن يخرجوا في سبيل الله في غزوة تقع بعد نزول الآية لأنّ غزوة أُحد، التي انخزل عنها عبد الله بن أبَيّ وأصحابه، قد مضت قبل نزول هذه السورة. وما أبلغ التعبيرَ في جانب محاولة المؤمنين بالإرادة في قوله: {أية : أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله}تفسير : [النساء: 88]، وفي جانب محاولة المنافقين بالودّ، لأنّ الإرادة ينشأ عنها الفعل، فالمؤمنون يستقربون حصول الإيمان من المنافقين، لأنّ الإيمان قريب من فطرة الناس، والمنافقون يعلمون أنّ المؤمنين لا يرتدّون عن دينهم، ويرون منهم محبّتهم إيّاه، فلم يكن طلبهم تكفيرَ المؤمنين إلاّ تمنيّا، فعبّر عنه بالودّ المجرّد. وجملة {فتكونون سواء} تفيد تأكيد مضمون قوله: {بما كفروا} قصد منها تحذير المسلمين من الوقوع في حِبالة المنافقين. وقوله: {فلا تتّخذوا منهم أولياء حتّى يهاجروا في سبيل الله}أقام الله للمسلمين به علامة على كفر المتظاهرين بالإسلام، حتّى لا يعود بينهم الاختلاف في شأنهم، وهي علامة بيّنة، فلم يبق من النفاق شيء مستور إلاّ نفاق منافّقي المدينة. والمهاجرة في سبيل الله هي الخروج من مكة إلى المدينة بقصد مفارقة أهل مكة، ولذلك قال: {في سبيل الله} أي لأجل الوصول إلى الله، أي إلى دينه الذي أراده. وقوله: {فإن تولّوا} أي أعرضوا عن المهاجرة. وهذا إنذار لهم قبل مؤاخذتهم، إذ المعنى: فأبلغوهم هذا الحكم فإن أعرضوا عنه ولم يتقبّلوه فخذوهم واقتلوهم، وهذا يدلّ على أنّ من صدر منه شيء يحتمل الكفر لا يؤاخذ به حتّى يُتَقَدّم له، ويعرّف بما صدر منه، ويُعذَر إليه، فإن التزمه يؤاخذ به، ثمُّ يستتاب. وهو الذي أفتى به سحنون. والولّي: الموالي الذي يضع عنده مولاه سِرّه ومَشورته. والنصير الذي يدافع عن وليّه ويعينه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 89- إنكم تودُّون هداية هؤلاء المنافقين، وهم يودون أن تكفروا مثلهم فتكونوا متساوين فى الكفر معهم، وإذا كانوا كذلك فلا تتخذوا منهم نصراء لكم، ولا تعتبروهم منكم، حتى يخرجوا مهاجرين ومجاهدين فى سبيل الإسلام. وبذلك تزول عنهم صفة النفاق، فإن أعرضوا عن ذلك وانضموا إلى أعدائكم فاقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تعتبروهم منكم ولا تتخذوا منهم نصراء. 90- استثنى من المنافقين الذين يستحقون القتل لإفسادهم لجماعة المؤمنين أولئك الذين يرتبطون بقوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق يمنع قتل المنتمين لأحد الفريقين، أو كانوا فى حيرة أيقاتلون مع قومهم الذين هم أعداء المسلمين، وليس ثمة ميثاق، أم يقاتلون مع المؤمنين؟ فإن الأولين يمنع قتلهم لأجل الميثاق، والآخرين يمنع قتلهم لأنهم فى حرج، وإن اللَّه - تعالى - لو شاء لجعلهم يحاربونكم، فإن آثروا الموقف السلبى وسالموكم فلا يسوغ لكم أن تقتلوهم، لأنه لا مسوغ لذلك. 91- فإن ظهرتم على الشرك كانوا معكم، وإن ظهر المشركون على الإسلام كانوا مع المشركين، فهم يريدون أن يأمنوا المسلمين ويأمنوا قومهم من المشركين، وهؤلاء فى ضلال مستمر ونفاق، فإن لم يكفوا عن قتالكم ويعلنوكم بالأمن والسلام فاقتلوهم حيث وجدتموهم، لأنهم بعدم امتناعهم عن القتال قد مكنوا المؤمنين من قتلهم، وجعل اللَّه - تعالى - للمؤمنين حجة بيِّنة فى قتالهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (89) - وَهَؤُلاءِ لاَ يَقْنَعُونَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ وَالغِوَايةِ، بَلْ يَطْمَعُونَ فِي أنْ تَكُونُوا أمْثَالَهُمْ، وَهُمْ يَوَدُّونَ لَكُمُ الضَّلاَلَةَ لِتَسْتَوُوا أنْتُمْ وَإيّاهُمْ فِيهَا، وَمَا ذَلِكَ إلاَّ لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ وَبُغْضِهِمْ لَكُمْ، فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أوْلِياءَ وَنُصَرَاءَ وَأصَدِقاءَ، حَتَّى يُؤْمِنُوا وَيُهَاجِرُوا إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، لِيُثْبِتُوا صِدْقَ إيمَانِهِمْ، فَإِنْ رَفَضُوا الهِجْرَةَ (تَولَّوا) وَلَزِمُوا مَوَاضِعَهُمْ، وَأظْهَرُوا كُفْرَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وَلاَ تُوَالُوهُمْ، وَلاَ تَسْتَنْصِرُوا بِهِمْ عَلَى عَدُوّ لَكُمْ مَا دَامُوا كَذَلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و {وَدُّواْ} ضميرها يعود على المنافقين الذين اختلف فيهم المسلمون إلى فئتين، وحكم الله في صالح الفئة التي أرادت أن تقف منهم موقف القوة والبطش والجبروت، فقال سبحانه وتعالى تعليلاً لنفاقهم: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ} ثم إن تفاقهم معناه قلق يصيبهم من مستوى حالهم مع مستقبل الإسلام أو حاضره؛ لأنهم كافرون بقلوبهم، ولكنهم يخافون أن يظهر الإسلام فيعاملهم معاملة الكافرين به، فيحاولون أن يظهروا أنهم مسلمون ليحتاطوا لنصرة الإسلام وذيوعه، فهم في كرب وتعب، وهذا التعب يجعلهم يديرون كثيراً من الأفكار في رءوسهم: يقولون نعلن أمام المسلمين أننا مسلمون، ونعلن أمام الكافرين أننا كافرون. وما الذي ألجأهم إلى هذا الحال، وقد كانوا قديماً على وتيرة واحدة، ألسنتهم مع قلوبهم قبل أن يجيء الإسلام؟ إذن فالذي يعيدهم إلى حالة الاستقرار النفسي وينزعهم من القلق والاضطراب والخوف على حاضرهم ومستقبلهم هو أن تنتهي قضية الإسلام، فلا يكون هناك مسلمون وكافرون ومنافقون. بل يصير الكل كافراً. { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ} والودادة عمل القلب، وعمل القلب تخضع له جميع الجوارح إن قدرت، فما داموا يودون أن يكون المسلمون كافرين، إذن سيقفون في سبيل انتصار المسلمين، وسيضعون العقبات التي تحقق مطلوبات قلوبهم. لذلك فاحذروهم، سأفضح لكم أمرهم لتكونوا على بينة من كل تصرفاتهم وخائنات أعينهم وخائنات ألسنتهم. {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} ونعرف أن كلمة "الكفر" تعني "الستر"، فالفعل "كفر" معناه "ستر". ومن عظمة الإيمان بالإسلام وعظمة الحق في ذاته هو أنه لا يمكن أبداً أن يطمسه خصومه، فاللفظ الذي جاء ليحدد المضاد لله هو عينه دليل على الإيمان بالله. فعندما نقول: "كفر بالله" أي "ستر وجوده"، كأنه قبل أن يستر الوجود فالوجود موجود، ولذلك نجد أن لفظ "الكفر" نفسه دليل على الإيمان، فلفظ "الكفر" في ذاته تعني إيماناً موجودا يجاهد صاحبه نفسه أن يغطيه ويستره. {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ}. وهذا القول جاء بعد أن قال الحق: {أية : فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} تفسير : [النساء: 88]. ويدل على أنهم يوصفون مرة بالمنافقين ويوصفون مرة بالكافرين. وسماهم الله في آية بـ "المنافقين" ويصفهم الحق في هذه الآية بأنهم كفروا {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ} والكفر الذي يجيء وصفه هنا يدل على مكنون القلب، فالنفاق لم يعطهم إلا ظاهريات الإسلام، لكن الباطنيات لم يأخذوها، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار في الآخرة؛ وإن كانوا في الدنيا يعاملون معاملة المسلمين احتراماً لكلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله". لكن الله يعاملهم في الآخرة معاملة الكافرين، ويزيد عليها أنهم في الدرك الأسفل من النار. إذن فأصحاب الباطل إن كانت لهم قوة يجعلون لسانهم مع قلوبهم في الجهر بالباطل، وإن كان عندهم ضعف يجعلون قلوبهم للباطل ولسانهم للحق. وهذه العملية ليست مريحة في كلا الموقعين. فالمريح لهم ألاَّ توجد للحق طائفة. لذلك يقول سبحانه وصفاً لحقيقة مشاعرهم: { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً}. فهم يتمنون إزالة طائفة الحق حتى لا يكون هناك أحد أفضل من أحد، مثلما نقول: مفيش حد أحسن من حد. مثال ذلك: نجد مجموعة من الموظفين في مصلحة حكومية، ويكون في بينهم واحد مختلس أو لا يؤدي عمله على الشكل الراقي المطلوب، لذلك فهو لا يحب أن يؤدي الآخرون أعمالهم بمنتهى الإتقان، ويريدهم فاسدين، ويحاول أن يغريهم بالفساد حتى يكونوا مثله؛ كي لا يظهره أمام نفسه بمظهر النقيصة. وحتى لا يكون مكسور العين أمامهم. ومن العجيب أننا نجد الذي يسرق يحترم الأمين، وكثيرا ما نسمع عن لص من فور ما يعلم أن هناك كميناً ينتظره ليقبض عليه فهو يبحث عن رجل أمين يضع عنده المسروقات كأمانة. وقول الحق عن أمنية المنافقين الكافرين بقلوبهم هو أن يكون المؤمنون مثلهم {فَتَكُونُونَ سَوَآءً}. وهذه شهادة في أن صاحب الباطل يحب من صاحب الحق أن يكون معه؛ لأنه حين يجده في الحق، فصاحب الباطل يحتقر نفسه، وقد حدثت العجائب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كفروا به وعذبوا صحابته، ولكنه هو الأمين باعترافهم جميعاً. فها هوذا الرسول صلى الله عليه وسلم يهاجر من مكة وخلف "عليا" كرم الله وجهه ليرد الودائع والأمانات التي عنده. هم كذبوه في الرسالة، ولكنه الأمين باعترافهم جميعاً؛ لذلك أودعوا عنده الأمانات. إذن فصاحب الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة. وحتى نتعرف تماماً على هذا المعنى، فلنفترض أن إنساناً وقع في مشكلة، سبّ أحداً من الناس ورفع المعتدي عليه دعوى فضائية على هذا المعتدي الذي سبّه، ولهذا المعتدي صديق عزيز، استشهد به المعتدي عليه، فيقول المعتدي: أتشهد عليّ؟ ويذهب الصديق إلى المحكمة ليقول: "لا يقول صديقي مثل هذا السباب". وهنا شهد الصديق لصديقه شهادة زور. ولنفترض أن هذا المعتدي قد تاب وأناب وصار من الأتقياء، وجعله الناس حكما بينهم، وجاء له الصديق الذي شهد الزور من أجله ليشهد أمامه، فهل يقبل شهادته؟ طبعا لا. إذن صاحب الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة، فإذا ما حاول أحد من أصحاب الرذيلة أن يشد صاحب الفضيلة إلى خطأ، فهو يسعى إلى إضلاله، وينطبق على ذلك قول الحق: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} وما دام هذا هو هدفهم وفكرتهم ألا يتركوا المؤمنين على إيمانهم، لأجل أن يأخذوهم إلى صف الكفر. وهم بذلك كمنافقين كفار قلوب غير مخلصين لصف الإيمان. وهم لا يقفون من الإيمان موقف الحياد، ولكنهم يقفون منه موقف العناد والعداوة. {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} وفي هذا تحذير واضح للمؤمنين هو: إياكم أن تأمنوهم على شيء يتعلق بمصالحكم وإيمانكم. ويصدر الحق الحكم في هذه القضية بمنتهى الوضوح: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ} أي إياكم أن تتخذوا من المنافقين نصراء لكم أو أهل مشورة؛ لأن الله سبحانه فضح لكم دخائل نفوسهم، وهذه المسألة ليست ضربة لازب، فإن آب الواحد منهم وأناب ورجع إلى حظيرة الإيمان فلن يرده الله، فسبحانه وتعالى لا يضطهد أحداً لمجرد أنه ارتكب الذنب؛ لأنه الحق غفور ورحيم، فما دام قد عاد الإنسان إلى الصواب وبَعُد عن الخطأ، فعلى المؤمنين أن يقبلوا من يعود إليهم بإخلاص، فالكراهية لا تنعقد ضد أحد لأنه أخطأ؛ لأن الكراهية تكون للعمل الخطأ، وليست موجهة ضد الإنسان المخلوق لله، فإن أقلعوا عن الخطأ؛ فهم مقبولون من المؤمنين. وها هوذا قاتل زيد بن الخطاب يمر أمام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال له بعض الناس ها هوذا قاتل أخيك زيد. فيقول عمر بن الخطاب: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟! وهكذا نرى أن الكراهية لم تتعد إلى ذات القاتل، ولكن الكره يكون للفعل، فإن أقلعت الذات عن الفعل فالذات لها مكانتها. وهكذا يصدر الحكم الرباني: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. والهجرة في سبيل الله كانت تكلف الإنسان أن يخرج من ماله ومن وطنه ومن أهله، ويذهب إلى حياة التقشف والتعب والمشقة، وفي هذا ما يكفر عنه، ويتعرف المؤمنون هنا أنه قد تاب إلى الله فتاب الله عليه وآن له الأوان أن يدخل في حوزة الإيمان. فإن فعل ذلك فقد عاد إلى الإيمان. ولذلك يجب على الناس أن يفصْلوا الذوات عن الأفعال. لماذا؟ لأن الذوات في ذاتها لا تستحق أن تكره، وإنما يكره فعل الذات إن كان قبيحا سيئا. وحين نقرأ القرآن نجده يعرض مثل هذه المسألة، فسيدنا نوح عليه السلام عندما تلقى وحي الله بأن يصنع السفينة، وجلس يصنعها ويمر عليه الناس فيسخرون منه فيقول لهم سيدنا نوح: سنسخر منكم غداً كما تسخرون منا. ويأتي له ابن ليس على منهجه، فيدعوه نوح إلى المنهج فيقول الابن: "لا". ويركب نوح السفينة ويقول لله: لقد وعدتني أن تنجيني أنا وأهلي. وهنا يوضح الحق: صحيح أنا أنجيك أنت وأهلك، ولكن ما الذي جعلك تعتبر ابنك من أهلك، إن الذوات عند الأنبياء لا نسب لها، إنما نسب الأنبياء الأعمال: {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} تفسير : [هود: 46]. إن العمل هو الذي يتم تقييمه. ولذلك يقول الحق: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} والهجرة من "هجر"، و "هجر" يعني أن الإنسان قد عدل من مكان إلى مكان، أو عن ود إلى ود، أو عن خصلة إلى خصلة، والذي يَهجر عادة يتجنى على من "هُجر"، لنلاحظ أن الله سبحانه وتعالى في كتابه عندما يأتي بالحدث. يأتي بـ "هاجر"، ولم يأت بالحادث "هجر"، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة. ولكنه هاجر منها، ويقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله إنك لأحب أرض الله إليّ وإنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ". تفسير : فالهجرة جاءت؛ لأن أهل مكة هجروه أولاً، فاضطر أن يهاجر. و "هاجر" على وزن "فاعل". والمتنبي يقول: شعر : إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همو تفسير : ولذلك جاء الحق بالهجرة على صيغة المفاعلة. لقد كرهوا دعوته. واستجاب الرسول للكراهية فهاجر. ويوضح سبحانه أن الذي يخلص هؤلاء المنافقين من حكمنا عليهم، ألا يتخذ المؤمنون منهم أولياء هو: أن يهاجروا في سبيل الله؛ لأن ذلك هو حيثية صدق الإيمان. فالمهاجر يحيا عيشة صعبة. وقد عاش المهاجرون على فيض الله من خير الأنصار، ولم يؤسسوا حياتهم بشكل لائق. إذن فمن ينضم إلى ذلك الموكب هو مؤمن اشترى الإيمان وقدر على أن يكفِّر عما بدر منه. فليست الهجرة مجرد هجرة، ولكنها هجرة في سبيل الله. ولذلك نرى القاعدة الإيمانية في الحديث النبوي: "حديث : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله.. فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". تفسير : وهكذا يعامل المؤمنون المنافق إن عاد من كفره ونفاقه إلى الإيمان. لكن ماذا لو تولّى المنافقون؟. { فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} والأخذ إذا جاء في مقام النزاع فمعناه الأسر. وقتلهم في ساحة أمر واجب، ولا يصح أن يتخذهم المؤمنون أولياء أو نصراء؛ لأن الواحد من المنافقين يكون دسيسة على المؤمنين، ويحاول أن يعرف أمور وأحوال المسلمين، ويطلع خصوم الإسلام على ما يمكن أن ينفذ منه العدو إلى المسلمين. ويستميت ليعرف ما يبيت المسلمون للكافرين. واتخاذ الولي أو النصير ممن نعلم أنه لا يحب الإيمان وليس على مبدأ الإسلام وعقيدته أمر يشكك في صدق بصيرة الإنسان الذي يتولى ويود غير المسلمين المخلصين. فحين يرى الواحد منا إنساناً آخر لا يحبه ويكيد المكائد، وعندما يراك تثق فيه وتحسن إليه، يقول هذا الكاره: هذا إنسان فاقد البصيرة فلو عرف ما في قلبي لما فعل ذلك. فإذا اتخذ المؤمنون من المنافقين أولياء أو نصراء والمنافقون على ما هم عليه من نفاق لقال المنافقون: إن المسلمين فاقدوا البصيرة وهم لا يعلمون ما في قلوبنا، لذلك ينير الحق بصيرة المؤمنين حتى لا نأخذ رأياً من المنافقين ينال منا. وقد يقول المنافقون: إن هؤلاء المسلمين ليس لهم ربٌّ يبصرهم، فلماذا يدعون أن لهم إلهاً؟ لو كان لهم إله لبصرهم بما في نفوسنا. ونجد هذا الفضح لهم عندما يقول الحق: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} تفسير : [المجادلة: 8]. وعدم تعذيب الحق له وقت كفرهم له فائدة ورحمة سديركونها فيما بعد. فمِن هؤلاء مَن سيكون سيفاً للإسلام بعد أن كان سيفاً على الإسلام؛ فقد ادخرهم الله ليكون بعض منهم سيفاً للإسلام، فها هو ذا ابن الوليد يهتدي، وها هو ذا عمرو بن العاص، وها هو ذا عكرمة بن أبي جهل، هؤلاء سيكونون سيوفاً للإسلام، ولا يظنن منهم أحد أنه سترَ مكنونَ نفِسه عن الله: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} تفسير : [المجادلة: 8]. هذا القول قد أدى أمرين: الأمر الأول: وضح أن هناك رباً مطلعاً على خائنة الأعين وخفايا الصدور. والأمر الثاني: أوضح أن الله لم يعذبهم لأن منهم من سيمس الإيمان قلوبهم وسيكونون سيوفاً للإسلام وسيخرج من ذريتهم قادة يحملون الدعوة لله. ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء جبريل وقال له: "حديث : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمرهُ بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال يا محمد: إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربّك إليك ليأمرني بأمرك مما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ". تفسير : وقد حدث ذلك. إن أسلوب معاملة المنافقين يحدده الله في هذه الآية بما يلي: هم قومٌ الكفر يسكن القلب منهم ومظهرهم يَدَّعي الإسلام ويتمنون أن يكون المؤمنون على شاكلتهم، فلذلك لا يتخذ المسلم وليا من المنافقين ولا نصيراً. ولكن إن هاجر المنافق فرحابة الإيمان تتسع له، أما إن تولّى المنافق وأعرض عن ذلك. فأسلوب المعاملة يكون كما يحدده الله: {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} لكن بعد أن يُطلق هذا الأمر توجد عقبة في تنفيذه، إنها عقبة الأحلاف والعهود والمواثيق التي كان يعطيها رسول الله لبعض القبائل، وكانت هذه العهود تتلخص في أن الرسول يعاهد بعض القبائل بعدم الإغارة على المسلمين وعدم إغارة المسلمين عليهم. ولذلك يحترم الحق هذه المواثيق والأحلاف. إن الحق يوضح لنا: لا تأخذوا هذا الأمر أيها المسلمون على إطلاقه؛ لأن الإسلام دين الوفاء بالعهود، وقد أعطيتم بعض القبائل عهوداً بأن من لجأ إليهم يؤمنونه ويدخل في حمايتهم، وكذلك الذي يصل ويلجأ إلى المسلمين فعليهم حفظه ومنع التسلط عليه. لذلك قال الحق في هذا الاستثناء: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} أي: تمنوا أن تكفروا {كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ} معهم {سَوَآءً} في الكفر والضلال والبعد من جوار الله وكنفه، وإذا كان الأمر على هذه {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ} أي: أعداءكم {أَوْلِيَآءَ} توالونهم وتوادونهم {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} أي: إلى أن يسلموا ويهاجروا {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ويبعدوا عن ديارهم وعشائرهم؛ تقرباً إلى الله وتوجهاً إلى رسوله {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ} أي: أعرضوا عن الإسلام والتقرب إلى الله بعدما هاجروا عن ديارهم {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} كسائر المشركين {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ} أي: من هؤلاء المهاجرين المصرين على شركهم وكفره {وَلِيّاً} توالونه {وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 89] تنصرونه، فعليكم أن تجانبوهم وتتركوا ولايتهم وودادهم. {إِلاَّ} المهاجرين {ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ} عهد وثيق على ألاَّ تستعينوا منهم ولا تعينوا عليهم، والمواصلون إليهم في حكمهم وعلى عهدهم، فلا تأخذوهم ولا تقتلوهم حتى لا تنقضوا الميثاق {أَوْ جَآءُوكُمْ} حال كونهم قد {حَصِرَتْ} ضاقت وانقضت {صُدُورُهُمْ} من الرعب، من المهابة، وحين كره ولم يؤذن {أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ} لأن المروءة تأبى عن ذلك؛ إذ هم ليسوا على عدة القتال، فعليكم ألاَّ تبادروا إليه؛ إذ القتال إنما فرض مع المقاتلين المجترئين {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} قتالكم {لَسَلَّطَهُمْ} لجرأهم {عَلَيْكُمْ} وأزال رعبهم عنكم {فَلَقَٰتَلُوكُمْ} ولم ينصرفوا عنكم {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} وانصرفوا عنكم {فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ} ولم يتعرضوا لكم {وَ} مع ذلك {أَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي: الاستسلام والانقياد {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ} الميسر {لَكُمْ} جميع أموركم {عَلَيْهِمْ} أي: على قتلهم وأسرهم {سَبِيلاً} [النساء: 90] بل اصبروا حتى يأذدن الله لكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):