Verse. 583 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِلَّا الَّذِيْنَ يَصِلُوْنَ اِلٰى قَوْمٍؚبَيْنَكُمْ وَبَيْنَھُمْ مِّيْثَاقٌ اَوْ جَاۗءُوْكُمْ حَصِرَتْ صُدُوْرُھُمْ اَنْ يُّقَاتِلُوْكُمْ اَوْ يُقَاتِلُوْا قَوْمَھُمْ۝۰ۭ وَلَوْ شَاۗءَ اللہُ لَسَلَّطَھُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقٰتَلُوْكُمْ۝۰ۚ فَاِنِ اعْتَزَلُوْكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوْكُمْ وَاَلْقَوْا اِلَيْكُمُ السَّلَمَ۝۰ۙ فَمَا جَعَلَ اللہُ لَكُمْ عَلَيْہِمْ سَبِيْلًا۝۹۰
Illa allatheena yasiloona ila qawmin baynakum wabaynahum meethaqun aw jaookum hasirat sudooruhum an yuqatilookum aw yuqatiloo qawmahum walaw shaa Allahu lasallatahum AAalaykum falaqatalookum faini iAAtazalookum falam yuqatilookum waalqaw ilaykumu alssalama fama jaAAala Allahu lakum AAalayhim sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا الذين يصلون» يلجئون «إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق» عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم هلال بن عويمر الأسلمي «أو» الذين «جاَءُوكم» وقد «حَصِرَتْ» ضاقت «صدورهم» عن «أن يقاتلوكم» مع قومهم «أو يقاتلوا قومهم» معكم أي ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرضوا إليهم بأخذ ولا قتل وهذا ما بعده منسوخ بآية السيف «ولو شاء الله» تسليطهم عليكم «لسلطهم عليكم» بأن يقّوي قلوبهم «فلقاتلوكم» ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب «فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَّلَمَ» الصلح أي انقادوا «فما جعل الله لكم عليهم سبيلا» طريقا بالأخذ والقتال.

90

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {يَصِلُونَ } قولان: الأول: ينتهون اليهم ويتصلون بهم، والمعنى أن كل من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم. قال القفال رحمه الله: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل اليه. القول الثاني: أن قوله: {يَصِلُونَ } معناه ينتسبون، وهذا ضعيف لأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أباح دم الكفار منهم. المسألة الثانية: اختلفوا في أن القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد من هم؟ قال بعضهم هم الأسلميون فإنه كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإنه عليه الصلاة والسلام وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعصيه ولا يعين عليه، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال. وقال ابن عباس: هم بنو بكر ابن زيد مناة، وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناة. واعلم أن ذلك يتضمن بشارة عظيمة لأهل الايمان، لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين، فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى والله أعلم. الموضع الثاني في الاستثناء: قوله تعالى: {أَوْ جآؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبيلا} وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {أَوْ } يحتمل أن يكون عطفا على صلة {ٱلَّذِينَ } والتقدير: إلا الذين يصلون بالمعاهدين أو الذين حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، ويحتمل أن يكون عطفا على صفة «قوم» والتقدير: إلا الذين يصلون الى قوم بينكم وبينهم عهد، أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، والاول أولى لوجهين: أحدهما: قوله تعالى: {أية : فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [النساء: 89] وهذا يدل على أن السبب الموجب لترك التعرض لهم هو تركهم للقتال، وهذا إنما يتمشى على الاحتمال الاول، وأما على الاحتمال الثاني فالسبب الموجب لترك التعرض لهم هو الاتصال بمن ترك القتال. الثاني: أن جعل ترك القتال موجبا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، لأن على التقدير الأول يكون ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، وعلى السبب الثاني يصير سببا بعيدا. المسألة الثانية: قوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون، ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم. واختلفوا في موضع قوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } وذكروا وجوها: الأول: أنه في موضع الحال باضمار «قد» وذلك لأن «قد» تقرب الماضي من الحال، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، ويقال أتاني فلان ذهب عقله، أي أتاني فلان قد ذهب عقله: وتقدير الآية، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم. الثاني: أنه خبر بعد خبر، كأنه قال: أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } وعلى هذا التقدير يكون قوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } بدلا من {جاؤكم} الثالث: أن يكون التقدير: جاؤكم قوما حصرت صدورهم أو جاؤكم رجالا حصرت صدورهم، فعلى هذا التقدير قوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } نصب لأنه صفة لموصوف منصوب على الحال، إلا أنه حذف الموصوف المنتصب على الحال. وأقيمت صفته مقامه، وقوله: {أن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ } معناه ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من الكفار أو من المؤمنين؟ فقال الجمهور: هم من الكفار، والمعنى أنه تعالى أوجب قتل الكافر الا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال فإنه لا يجوز قتلهم، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وإن ترك القتال فإنه يجوز قتله، وقال أبو مسلم الاصفهاني: إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ } وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة، الا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا اليه خوفا من أولئك الكفار، فصاروا الى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وأقاموا عندهم الى أن يمكنهم الخلاص، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه، لأنه يخاف الله تعالى فيه، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه، أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم، فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه، فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } التسليط في اللغة مأخوذ من السلاطة وهي الحدة، والمقصود منه أن الله تعالى من على المسلمين بكف بأس المعاهدين، والمعنى: أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو أنه تعالى قوى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم. قال أصحابنا: وهذا يدل على أنه لا يقبح من الله تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه، وأما المعتزلة فقد أجابوا عنه من وجهين: الأول: قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون، وعلى هذا فمعنى الآية: ولو شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم أن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم. والثاني: قال الكلبي: إنه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل، وهذا لا يفيد إلا أنه تعالى قادر على الظلم، وهذا مذهبنا إلا أنا نقول: إنه تعالى لا يفعل الظلم، وليس في الآية دلالة على أنه شاء ذلك وأراده. المسألة الخامسة: اللام في قوله: {فَلَقَـٰتَلُوكُمْ } جواب «للو» على التكرير أو البدل، على تأويل ولو شاء الله لسلطهم عليكم ولو شاء الله لقاتلوكم. قال صاحب «الكشاف»: وقرىء {فَلَقَـٰتَلُوكُمْ } بالتخفيف والتشديد. ثم قال: {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ } أي فإن لم يتعرضوا لكم وألقوا اليكم السلم، أي الانقياد والاستسلام، وقرىء بسكون اللام مع فتح السين {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم. واختلف المفسرون فقال بعضهم: الآية منسوخة بآية السيف، وهي قوله: {أية : ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5] وقال قوم: إنها غير منسوخة، أما الذين حملوا الاستثناء على المسلمين فذلك ظاهر على قولهم، وأما الذين حملوا الاستثناء على الكافرين فقال الأصم: إذا حملنا الآية على المعاهد فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة.

البيضاوي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ} استثناء من قوله فخذوهم واقتلوهم أي: إلا الذين يتصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم، ويفارقون محاربتكم. والقوم هم خزاعة. وقيل: هم الأسلميون فإنه عليه الصلاة والسلام وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ماله. وقيل بنو بكر بن زيد مناة. {أَوْ جَاؤُوكُمْ} عطف على الصلة، أي أو الذين جاؤوكم كافين عن قتالكم وقتال قومهم، استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم من ترك المحاربين فلحق بالمعاهدين، أو أتى الرسول صلى الله عليه وسلم وكف عن قتال الفريقين، أو على صفة وكأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم كافين عن القتال لكم وعليكم. والأول أظهر لقوله فإن اعتزلوكم. وقرىء بغير العاطف على أنه صفة بعد صفة أو بيان ليصلون أو استئناف. {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} حال بإضمار قد ويدل عليه أنه قرىء «حصرة صدورهم» وحصرات صدورهم، أو بيان لجاءوكم وقيل صفة محذوف أي جاؤوكم قوماً حصرت صدورهم، وهم بنو مدلج جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين والحصر الضيق والانقباض. {أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ } أي عن أن أو لأن أو كراهة أن يقاتلوكم. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم. {فَلَقَـٰتَلُوكُمْ } ولم يكفوا عنكم. {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ } فإن لم يتعرضوا لكم. {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } الاستسلام والانقياد. {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ } يلجئوون {إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَٰقٌ } عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم هلال بن عويمر الأسلمي {أَوْ } الذين {جَاءُوكُمْ} وقد { حَصِرَتْ } ضاقت {صُدُورُهُمْ } عن {أَن يُقَٰتِلُوكُمْ } مع قومهم {أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ } معكم أي ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرّضوا إليهم بأخذ ولا قتل وهذا وما بعده منسوخ بآية السيف [5:9]{وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ } تسليطهم عليكم {لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } بأن يقوّي قلوبهم {فَلَقَٰتَلُوكُمْ } ولكنه لم يشأ فألقى في قلوبهم الرعب {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } الصلح أي انقادوا {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } طريقاً بالأخذ والقتل.

ابن عطية

تفسير : كان هذا الحكم في أول الإسلام قبل أن يستحكم أمر الطاعة من الناس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هادن من العرب قبائل، كرهط هلال بن عويمر الأسلمي، وسرقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، فقضت هذه الآية بأنه من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء أهل العهد فدخل في عدادهم وفعل من الموادعة فلا سبيل عليه، وقال عكرمة والسدي وابن زيد: ثم لما تقوى الإسلام وكثر ناصروه نسخت هذه والتي بعدها بما في سورة براءة، وقال أبو عبيدة وغيره: {يصلون} في هذا الموضع معناه، ينتسبون، ومنه قول الأعشى: [الطويل] شعر : إذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ: أَبَكْر بْن وَائِلٍ وَبَكْرٌ سَبَتْهَا والأُنُوفُ رَوَاغِمُ تفسير : يريد إذا انتسبت. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا غير صحيح، قال الطبري: قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً وهم قرابة السابقين إلى الإسلام يقتضي بأن قرابة من له ميثاق أجدر بأن تقاتل، فإن قيل: إن النبي عليه السلام لم يقاتل قريشاً إلا بعد نسخ هذه الآية، قيل: التواريخ تقضي بخلاف ذلك، لأن الناسخ بهذه الآية هي سورة براءة، ونزلت بعد فتح مكة وإسلام جميع قريش، وقوله تعالى: {أو جاءوكم} عطف على {يصلون} ، ويحتمل أن يكون على قوله: {بينكم وبينهم ميثاق} والمعنى في العطفين مختلف وهذا أيضاً حكم كان قبل أن يستحكم أمر الإسلام، فكان المشرك إذا اعتزل القتال وجاء إلى دار الإسلام مسالماً كارهاً لقتال قومه، مع المسلمين ولقتال المسلمين مع قومه لا سبيل عليه، وهذه نسخت أيضاً بما في براءة. و {حصرت} : ضاقت وحرجت، ومنه الحصر في القول، وهو: ضيق الكلام على المتكلم، وقرأ الحسن وقتادة "حصرة" كذا قال الطبري: وحكى ذلك المهدوي عن عاصم من رواية حفص، وحكي عن الحسن أنه قرأ "حصرات" وفي مصحف أبيّ سقط {أو جاءوكم} ، و {حصرت} عند جمهور النحويين في موضع نصب على الحال بتقدير قد حصرت. قال القاضي أبو محمد: وهذا يصحب الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال والداعي إليه أن يفرق بين تقدير الحال وبين خبر مستأنف، كقولك جاء زيد ركب الفرس، فإن أردت بقولك ركب الفرس خبراً آخر عن زيد، لم تحتج إلى تقدير قد، وإن أردت به الحال من زيد قدرته بقد، قال الزجاج: {حصرت} خبر بعد خبر، وقال المبرد: {حصرت} دعاء عليهم. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض المفسرين: لا يصح هنا الدعاء، لأنه يقتضي الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم، ذلك فاسد. قال المؤلف: وقول المبرد يخرج على أن الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيز لهم، والدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم تحقير لهم، أي هم أقل وأحقر، ويستغنى عنهم، كما تقول إذا أردت هذا المعنى: لا جعل الله فلاناً عليَّ ولا معي أيضاً، بمعنى استغنى عنه واستقل دونه، واللام في قوله: {لسلطهم} جواب {لو} ، وفي قوله: {فلقاتلوكم} لام المحاذاة والازدواج، لأنها بمثابة الأولى، لو لم تكن الأولى كنت تقول: لو شاء الله لقاتلوكم, والمعنى تقرير المؤمنين على مقدار النقمة وصرفها, أي لو شاء الله لقواهم وجرأهم عليكم، فإذا قد أنعم الله عليكم بالهدنة فاقبلوها وأطيعوا فيها، وقرأت طائفة " فلقتلوكم" وقرأ الجحدري والحسن " فلقتّلوكم " بتشديد التاء، والمعنى فإن اعتزلوكم أي هادنوكم وتاركوكم في القتل، و {السلم} هنا الصلح، قاله الربيع، ومنه قول الطرماح بن حكيم: شعر : وذاك أن تميماً غادرت سلماً لللأسد كل حصان رعثة الكبد تفسير : وقال الربيع: {السلم} هاهنا الصلح، وكذا قرأته عامة القراء، وقرأ الجحدري "السلّم" بسكون اللام، وقرأ الحسن "السّلِمْ" بكسر السين وسكون اللام، فمعنى جملة هذه الآية، خذوا المنافقين الكافرين واقتلوهم حيث وجدتموهم، إلا من دخل منهم في عداد من {بينكم وبينه ميثاق} والتزم مهادنتكم أو من جاءكم وقد كره قتالكم وقتال قومه، وهذا بفضل الله عليكم ودفاعه عنكم، لأنه لو شاء {لسلط} هؤلاء الذين هم بهذه الصفة من المتاركة عليكم {فلقاتلوكم} ، فإن اعتزلوكم أي إذا وقع هذا فلم يقاتلوكم، فلا سبيل لكم عليهم، وهذا والذي في سورة الممتحنة من قوله تعالى {أية : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم إن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين} تفسير : [الممتحنة:8] منسوخ بما في سورة براءة، قاله قتادة وابن زيد وغيرهما.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَصِلُونَ} يدخلون في قوم بينكم وبينهم أمان، نزلت في بني مدلج كان بينهم وبين قريش عقد فحرم الله ـ تعالى ـ من بني مدلج ما حرم من قريش. {حَصِرَتْ} ضاقت، وحصر العدو تضييقه، وهو خبر، أو دعاء. {لَسَلَّطَهُمْ} بتقوية قلوبهم، أو أذن لهم في القتال ليدفعوا عن أنفسهم. {السَّلَمَ} الصلح، أو الإسلام، نسختها آية السيف.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال‏:‏ ‏"‏لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم قال سراقة‏:‏ بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت‏:‏ أنشدك النعمة‏.‏ فقالوا‏:‏ مه‏.‏ فقال‏:‏ دعوه، ما تريد‏؟‏ قلت‏:‏ بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن لقلوب قومك عليهم‏.‏ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال‏:‏ اذهب معه فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ودوا لو تكفرون‏} ‏ حتى بلغ ‏ {‏إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق‏} ‏ فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق‏} ‏ يقول‏:‏ إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق فاجروا عليه مثل ما تجرون على أهل الذمة‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إلا الذين يصلون إلى قوم‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نسختها براءة ‏{أية : ‏فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ ‏تفسير : [‏التوبة: 5‏]‏‏. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏حصرت صدورهم‏} ‏ قال‏:‏ عن هؤلاء، وعن هؤلاء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ‏{‏أو جاءوكم‏} ‏ يقول‏:‏ رجعوا فدخلوا فيكم ‏{‏حصرت صدورهم‏} ‏ يقول‏:‏ ضاقت صدورهم‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة. أنه قرأ ‏ {‏حصرت صدورهم‏}‏ أي كارهة صدورهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ‏ {‏وألقوا إليكم السلم‏} ‏ قال‏:‏ الصلح‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن قتادة في قوله ‏ {‏فإن اعتزلوكم‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نسختها {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ ‏تفسير : [‏التوبة: 5‏]‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن وعكرمة في هذه الآية قالا‏:‏ نسخها في براءة‏.‏

التستري

تفسير : قوله تعالى: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}[90] أي ضاقت قلوبهم عن قتالكم وقتال قومهم، لحبهم السلامة وركونهم إلى العافية، وهم بنو مدرج.

اسماعيل حقي

تفسير : {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} استثناء من قوله فخذوهم واقتلوهم اى الا الذين يتصلون وينتهون الى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم الاسلميون فانه عليه السلام وادع وقت خروجه الى مكة هلال بن عويمر الاسلمى على ان لا يعينه ولا يعين عليه وعلى ان من وصل الى هلال ولجأ اليه فله من الجوار مثل الذى لهلال {او جاؤكم} عطف على الصلة اى والذين جاؤكم كافين عن قتالكم وقتال قومهم استثنى من المأمور باخذهم وقتلهم فريقان احدهما من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين والآخر من اتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين {حصرت صدورهم} حال باضمار قد اى وقد ضاقت صدورهم فان الحصر بفتحتين الضيق والانقباض {ان يقاتلوكم} اى ضاقت عن ان يقاتلوكم مع قومهم {او يقاتلوا قومهم} معكم والمراد بالجائين الذين حصرت صدورهم عن المقاتلة بنوا مدلج وهم كانوا عاهدوا ان لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا ان لا يقاتلوهم فضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذى بينكم ولانه تعالى قذف الرعب فى قلوبهم وضاقت صدورهم عن قتال قومهم لكونهم على دينهم نهى الله تعالى عن قتل هؤلاء المرتدين اذا اتصلوا باهل عهد للمؤمنين لان من انضم الى قوم ذوى عهد فله حكمهم فى حقن الدم {ولو شاء الله لسلطهم} اى بنى مدلج {عليكم} بان قوى قلوبهم وبسط صدروهم وازال الرعب عنهم. قال فى الكشاف فان قلت كيف يجوز ان يسلط الله الكفرة على المؤمنين قلت ما كانت مكافتهم الا لقذف الله الرعب فى قلوبهم ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى التسليط {فلقاتلوكم} عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم واللام جواب لو على التكرير {فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم} اى فان لم يتعرضوا لكم مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله تعالى {والقوا اليكم السلم} اى الانقياد والاستسلام {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} اى طريقا بالاسرار او بالقتل فان مكافتهم عن قتالكم وان لم يقاتلوا قومهم ايضا والقاءهم اليكم السلم وان لم يعاهدوكم كافية فى استحقاقهم لعدم تعرضكم لهم. قال بعضهم الآية منسوخة بآية القتال والسيف وهى قوله تعالى {أية : فاقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة: 5]. وقال آخرون انها غير منسوخة وقال اذا حملنا الآية على المعاهدين فكيف يمكن ان يقال انها منسوخة. قال الحدادى فى تفسيره لا يجوز مهادنة الكفار وترك احد منهم على الكفر من غير جزية اذا كان بالمسلمين قوة على القتال واما اذا عجزوا عن مقاومتهم وخافوا على انفسهم وذراريهم جاز لهم مهادنة العدو من غير جزية يؤدونها اليهم لان حظر الموادعة كان بسبب القوة فاذا زال السبب زال الحظر.

الطوسي

تفسير : لما أمر الله تعالى المؤمنين بقتال الذين لا يهاجرون عن بلاد الشرك حيث وجدوهم، وألا يتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً استثنى من جملتهم من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعة، وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم وصاروا منهم. ورضوا بحكمهم فان لمن وصل إليهم ودخل فيهم راضياً بحكمهم حكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم. والمعني بقوله: {إلا الذين يصلون} بنو مدلج، كان سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد أحد، فقال له: أنشدك الله والنعمة. وأخذ منه ألا يغزو قومه، فان أسلمت قريش أسلموا، لأنهم كانوا في عقد قريش، فحكم الله فيهم ما حكم في قريش، وحرم منهم ما حرم منهم، ففيهم نزلت هذه الآية - على ما ذكره بن شبة -. وقال أبو جعفر (ع) قوله تعالى: {إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} قال: هو هلال بن عويمر السلمي. واثق عن قومه ألا تخيف يا محمد من أتاك ولا نخيف من أتانا. وبمثل هذا التأويل قال السدي، وابن زيد، وعكرمة وقال أبو عبيدة {يصلون} بمعنى ينتسبون إليهم. والعرب تقول قد اتصل الرجل: إذا انتمى إلى قوم وقال الاعشى يذكر امرأة انتسبت إلى قومها: شعر : إذا اتصلت قالت: ابكر بن وائل وبكر سبتها والانوف رواغم تفسير : وقد ضعف هذا الجواب، لأن تعيين الانتساب لو أوجب أن يكون حكم المنتسب حكم من انتسب إليه ممن بينهم وبينهم ميثاق، لوجب ألا يقاتل النبي (صلى الله عليه وسلم) قريشاً، لما بينهم وبين المؤمنين من الانتساب. وحرمة الايمان أعظم من حرمة الموادعة. فان قيل: هذه الآية منسوخة قيل: لعمري إنها منسوخة لكن لا خلاف أنها نسخت بقوله في سورة براءة {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وبراءة نزلت بعد فتح مكة، فكان يجب ألا يقاتل قريشاً على دخول مكة وقد علمنا خلافه وقوله: {أو جاؤكم حصرت صدورهم} قال عمر بن شبة يعني به أشجع فانهم قدموا المدينة في سبعمائة يقودهم مسعود بن دخيلة فأخرج إليهم النبي (صلى الله عليه وسلم) احمال التمر ضيافة. وقال: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة. وقال لهم: ما جاءكم؟ قالوا: قربت دارنا منك، وكرهنا حربك، وحرب قومنا، يعنون بني ضمرة الذين بينهم وبينهم عهد لقلتنا فيهم، فنزلت الآية. وقوله: {جاؤكم حصرت صدورهم} معناه قد حصرت، لأنه في موضع الحال والماضي إذا كان المراد به الحال قدّر معه قد، كما يقولون: جاء فلان، وذهب عقله. والمعنى قد ذهب عقله. وسمع الكسائي من العرب من يقول: أصبحت نظرت إلى ذات التنانير بمعنى قد نظرت. وانما جاز ذلك، لأن قد تدني الفعل من الحال. وقرأ الحسن، ويعقوب {حصرة صدورهم} منصوباً على الحال. وأجاز يعقوب الوقف بالهاء. وهو صحيح في المعنى وقراءة القراء بخلافه. ومعنى {حصرت صدورهم} ضاقت عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم وكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أوكلام يقال: قد حصر. ومنه الحصر في القراءة وما قلناه معنى قول السدي وغيره. وقوله: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم} مثل قوله: {أية : ولو شاء الله لأعنتكم}تفسير : ومعناه الاخبار عن قدرته على ذلك لو شاء لكنه لا يشاء ذلك، بل يلقي في قلوبهم الرعب حتى يفزعوا، ويطلبوا الموادعة، والمسالمة، ويدخل بعضهم في حلف من بينكم وبينهم ميثاق وفي ذمتهم، ثم قال: {فإن اعتزلوكم} يعني هؤلاء الذين أمرنا بالكف عن قتالهم من المنافقين بدخولهم في أهل عهدكم أو بمصيرهم إليكم {حصرت صدورهم}، فلم يقاتلوكم {وألقوا إليكم السلم} يعني صالحوكم، واستسلموا، كما يقول القائل: أعطيتك قيادي والقيت إليك خطامي إذا استسلم له وانقاد لامره، فكذلك قوله: {وألقوا اليكم السلم} يريد به الصلح وقال أكثر المفسرين: البلخي والطبري والجبائي، وغيرهم: إن المراد به الاسلام. قال الطرماح: شعر : وذاك ان تميما غادرت سلما للأسد كل حصان وعثة اللبد تفسير : يعني استسلاماً. وقال: {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} يعني إذا استسلموا لكم فلا طريق لكم على نفوسهم، وأموالهم. قال الربيع: السلم ها هنا الصلح، ثم نسخ ذلك بقوله: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : الآية. وبه قال عكرمة والحسن قالا. نسخت هذه الآية إلى قوله: {سلطاناً مبيناً} وقوله: في الممتحنة: {أية : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم }تفسير : إلى قوله: {أية : الظالمون} تفسير : نسخت هذه الاربع آيات بقوله: في براءة الآية التي تلوناها، وبه قال قتادة وابن زيد:

الجنابذي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} فلا تتّخذوهم اولياء ولا تقتلوهم حفظاً للميثاق من جميع الوجوه {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ} فلا يكونوا عليكم {أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} فلا يكونوا معكم فانّهم لحصر صدورهم عن مقاتلتكم يستحقّون الرّفق لا الاخذ والقتل، ونزول الآية مذكور فى التّفاسير وتعميمها سهل على البصير {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} بالاخذ والقتل.

اطفيش

تفسير : {إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ}: نعته اليه بقوله: {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ}: يلجون أو ينتهون الى قوم مشركين، وهؤلاء القوم المشركون عاهدوكم، هؤلاء القوم المشركون المعاهدون هم خزاعة، وقيل: الأسلميون، ونسب لابن عباس، وقيل: بنو بكر بن زيد مناة، وهو قول ابن عباس، فلعل المراد هؤلاء كلهم وأشباههم، فان اللفظ على العموم، والقولان المتقدمان عن ابن عباس دليل على العموم، فانه أراد بهما التمثيل. فعنه رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عمير الأسلمى، وهو من الأسلميين، عند خروجه صلى الله عليه وسلم الى مكة أن لا يعين عليه، كما لا يعينه، ومن وصل الى هلال من قومه الأسلميين وهم بنو أسلم أو من قريش وغيرهم، ولجأ اليه فله من الجوار ما لهلال. وكذلك قال: كان بنو بكر بن زيد مناة فى الصلح والهدنة، وكذا خزاعة والاستثناء من هاء خذوهم واقتلوهم أى لا تأخذوا هؤلاء الذين يصلون الى القوم المعاهدين، ولا تقتلوهم كما لا تأخذون القوم ولا تقتلونهم، ولا من هاء منهم لأن القوم والمستثنيين لا يجوز اتخاذ الولى والنصر منهم، ولو مع وصولهم وعهدهم. {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} عطف جاءوكم على جملة {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِثَاقٌ} وجملة {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} حال من الواو بلا تقدير لقد، أو بتقديرها أو عطف بيان لجاءوكم على جواز عطف البيان فى الجمل، أو مستأنفة بينت جاءوكم، أو نعت بحال محذوفة، أى جاءوكم قوما حصرت صدورهم. ويدل على الحالية من الواو قراءة من قرأ: أو جاءوكم حصرت صدورهم، وقراءة من قرأ: حصرات صدورهم، على لغة يتعاقبون فيكم ملائكة، فى هذه القراءة الأخيرة استثنى الله من يصل الى قوم عاهدوا المسلمين، أو جاءوهم حال كونهم ضاقت صدورهم عن قتالهم، فكأنه قيل: أو الى قوم جاءوكم حصرت صدورهم، ومعنى حصرت ضاقت، فمن لجأ أو انتهى الى من ضاقت صدورهم عن قتال المسلمين فكفوا أنفسهم عن قتالهم، فلهم جوار لا يقتلون ولا يؤخذون، أو عطف جاءوكم على جملة يصلون، كأنه قيل الا الذين يصلون الى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو الذين جاءوكم حصرت صدورهم. ورجح هذا بقوله: {فَإِن اعتَزَلُوكُمْ} الى قوله: {سَبِيلاً} بعد قوله: {أية : فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم }تفسير : فقدر أن حصر صدورهم عن القتال سبب لكونهم غير مأمور بأخذهم وقتلهم، وهذا أقوى فى التسبب من كون المستثنيين يصلون الى من حصرت صدورهم، وقرىء جاءوكم باسقاط أو على أنه نعت قوم ثان، أو بيان ليصلون مستأنف أو عطف بيان له على جوازه فى الجمل أو بدل اضراب أو بدل اشتمال، ووجهه تسبب الوصول للمجىء وان يقاتلوكم على تقدير الجار، أى عن أن يقاتلوكم، أو يقاتلوا قومهم، أو أن يقاتلوكم، أو يقدر مضاف أى كراهة أن يقاتلوكم، أفادت الآية أنه لا يقتل ولا يؤخذ من لا يقاتل المسلمين، ولو كان أيضا لا يقاتل قومه المشركين وهو مشرك، ثم نسخ بأن أمر الله اذ عز الاسلام أن لا يقبل من العرب الا الاسلام أو القتل. {وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ}: بيان تسليطهم أن يقوى قلوبهم، ولا يلقى فيها الرعب، أو يزيله منه بعد القائه، فلا يكفوا عن قتالكم لما عطف قاتلوكم، على جواب لو دخلت عليه اللام التى تدخل على جواب لو، لأن المعطوف على الجواب جواب، وهؤلاء القوم الذين حصرت صدورهم، ولم يسلطهم الله على المؤمنين بنو مذحج اذ عاهدوا المؤمنين أن لا يقاتلوهم وحدهم ولا مع قريش، وعاهدوا قريشا أن لا يقاتلوهم مع المؤمنين، فضاقت صدورهم للعهد، وضاقت قلوبهم عن قتال قومهم، لأنهم على دينهم وأقاربهم فأثبت الله لهم أن من انضم الى قوم ذوى عهد حقن دمه كذى العهد. {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ}: أى اعتزلوا قتالكم، فصدق أنهم لم يقاتلوكم أو اعتزلوا مضرتكم مطلقا فلم يقاتلوكم، أو اعتزلوا دينكم والكون معكم، فلم يقاتلوكم ولا سببية للفاء فى هذا الوجه. {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ}: الاستسلام والانقياد، وقرىء بسكون اللام مع فتح السين. {فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِم سَبِيلاً}: بالقتل والأخذ، اذ هذا مقابل قوله: {أية : فخذوهم واقتلوهم } تفسير : ، ثم نسخ كما مر، وقيل: لا نسخ اذ ذلك عهد وليس كذلك، لأن هذا عهد اضطرار.

اطفيش

تفسير : {إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ} يلجأون {إلَى قَوْمٍ بْيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} عهد، فلا تقتلوهم ولا تأسروهم، كما لا تفعلون ذلك بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق، إذ هؤلاء مثلهم لالتجائهم إليهم، فهم فى أمانكم بتوسط القوم، ولو التجأوا إليهم بلا أمر لكم فى شأنهم، ولا سيما إن كان بأمر، كما روى أن القوم المذكورين هم الأسلميون، وأنه كان صلى الله عليه وسلم وقت خروجه إلى مكة وادع هلال ابن عويمر الأسلمى، على أن لا يعنيه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار ما لهلال، وروى أن سراقة طلب ذلك لقومه، فأمر خالد أن يمشى مع سراقة إليهم بذلك فكان لهم ذلك، وقيل القوم بنو جذيمة بن عامر، وقيل القوم بنو بكر بن زيد، وقيل خزاعة فيقال هؤلاء كلهم {أَوْ جَآءُوكُمْ} أو للتنويع والعطف على يصلون لا على بينكم وبينهم ميثاق، لأنه ليس المراد يصلون إلى قوم حصرت صدورهم {حَصِرَتْ} انقبضت، الجملة حال من الواو على تقدير قد، وأجيزت الحالية بدون تقدير، ويدل للحالية قراءة حصرة وحصرات وحاصرات بالنصب والتنوين {صُدُورُهُمْ أَو يُقَاتِلُوا} عن أن يقاتلوكم، لقذف الرعب فيهم، ولأنهم عاهدوكم أن لا يقاتلوكم {أَوْ يُقَاتِلُوا} أو عن أن يقاتلوا أو لأن يقاتلوا أو كراهة أن يقاتلوا {قَوْمَهُمْ} لأنهم على دين قومهم، وهم بنو مدلج، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتلوه وعاهدوا قريشاً أن لا يقاتلوهم {وَلَوْ شَاء اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} بأن يقوى قلوبهم عليكم فلا يهابوكم {فَلَقَاتَلُوكُمْ} فلا تقاتلوهم، ونسخ بآية السيف، واللام جوابية لعطفها على جواب لو، وفيها تلويح بأن مدخولها جواب مستقل، {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ} لم يتعرضوا لكم {فَلَمْ يُقَاتِلُكُمْ وَأَلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} الصلح {فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} بالقتل والسبى والغنم، وذلك منسوخ بآية السيف، سواء أطلبوا الصلح ولم يعقد لهم، أو طلبوه وعقد لهم، فأولا لا يكون عليهم سبيلا وبعد النسخ يكون بأن يبطل عقد العهد لهم.

الالوسي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ} استثناء من الضمير في قوله سبحانه: {أية : فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ} تفسير : [النساء: 89] أي إلا الذين يصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم بنو مدلج. أخرج ابن أبـي شيبة وغيره عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: حديث : لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم قال سراقة: بلغني أنه عليه الصلاة والسلام يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي من بني مدلج فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: مه؛ فقال: دعوه ما تريد؟ قلت: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخش بقلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال: اذهب معه فافعل ما يريد فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم تفسير : فأنزل الله تعالى: {أية : وَدُّواْ} تفسير : [النساء: 89] حتى بلغ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ} فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر، / ولا يجوز أن يكون استثناء من الضمير في {أية : فَلاَ تَتَّخِذُواْ} تفسير : [النساء: 89] وإن كان أقرب لأن اتخاذ الولي منهم حرام مطلقاً. {أَوْ جَآءَوكُمْ} عطف على الصلة أي (و) الذين جاءوكم كافين من قتالكم وقتال قومهم، فقد استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان: من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين؛ ومن أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين، أو عطف على صفة قوم كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو إلى قوم كافين عن القتال لكم وعليكم، والأول: أرجح رواية ودراية إذ عليه يكون لمنع القتال سببان: الاتصال بالمعاهدين، والاتصال بالكافين وعلى الثاني: يكون السببان الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين لكن قوله تعالى الآتي: {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} الخ يقرر أن أحد السببين هو الكف عن القتال لأن الجزاء مسبب عن الشرط فيكون مقتضياً للعطف على الصلة إذ لو عطف على الصفة كان أحد السببين الاتصال بالكافين لا الكف عن القتال، فإن قيل: لو عطف على الصفة تحققت المناسبة أيضاً لأن سبب منع التعرض حينئذ الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين، والاتصال بهؤلاء وهؤلاء سبب للدخول في حكمهم. وقوله سبحانه: {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} يبين حكم الكافين لسبق حكم المتصلين بهم، أجيب: بأن ذلك جائز إلا أن الأول أظهر وأجرى على أسلوب كلام العرب لأنهم إذا استثنوا بينوا حكم المستثنى تقريراً وتوكيداً، وقال الإمام: «جعل الكف عن القتال سبباً لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن يكف عن القتال سبباً [قريباً] لترك التعرض لأنه سبب بعيد» على أن المتصلين بالمعاهدين ليسوا معاهدين لكن لهم حكمهم بخلاف المتصلين بالكافين فإنهم إن كفوا فهم هم وإلا فلا أثر له، وقرأ أبـي {جَاءوكُمْ} بغير أو على أنه استئناف وقع جواباً لسؤال كأنه قيل: كيف كان الميثاق بينكم وبينهم؟ فقيل: جاءوكم الخ، وقيل: يقدر السؤال كيف وصلوا إلى المعاهدين ومن أين علم ذلك وليس بشيء، أو على أنه صفة بعد صفة لقوم، أو بيان ليصلون، أو بدل منه، وضعف أبو حيان البيان بأنه لا يكون في الأفعال، والبدل أنه ليس إياه ولا بعضه ولا مشتملاً عليه، وأجيب بأن الإنتهاء إلى المعاهدين والاتصال بهم حاصله الكف عن القتال فصح جعل مجيئهم إلى المسلمين بهذه الصفة، وعلى هذه العزيمة بياناً لاتصالهم بالمعاهدين، أو بدلاً منه كلاً أو بعضاً أو اشتمالاً وكون ذلك لا يجري في الأفعال لا يقول به أهل المعاني، وقيل: هو معطوف على حذف العاطف. وقوله تعالى: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} حال بإضمار قد، ويؤيده قراءة الحسن ـ حصرة صدورهم ـ وكذا قراءة ـ حصرات وحاصرات ـ واحتمال الوصفية السببية لقوم لاستواء النصب والجر بعيد. وقيل: هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل جاءوا أي جاءُكم قوماً حصرت صدورهم ولا حاجة حينئذ إلى تقدير قد، وما قيل: إن المقصود بالحالية هو الوصف لأنها حال موطئة فلا بد من قد سيما عند حذف الموصوف فما ذكر التزام لزيادة الإضمار من غير ضرورة غير مسلم، وقيل: بيان لجاءوكم وذلك كما قال الطيبـي لأن مجيئهم غير مقاتلين و {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أن يقاتلوكم بمعنى واحد، وقال العلامة الثاني: من جهة أن المراد بالمجيء الاتصال وترك المعاندة والمقاتلة لا حقيقة المجيء، أو من جهة أنه بيان لكيفية المجيء، وقيل: بدل اشتمال من {جَاءوكُمْ} لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره، وقيل: إنها جملة دعائية، ورد بأنه لا معنى للدعاء على الكفار بأن لا يقاتلوا قومهم، بل بأن يقع بينهم اختلاف وقتل، والحصر بفتحتين الضيق والانقباض. {أَنْ يُقَـٰتِلُوكُمْ * أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ} أي عن أن يقاتلوكم، أو لأن، أو كراهة أن {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} / بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم {فَلَقَـٰتَلُوكُمْ} عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم، واللام جوابية لعطفه على الجواب، ولا حاجة لتقدير لو، وسماها مكي وأبو البقاء لام المجازاة والازدواج، وهي تسمية غريبة، وفي الإعادة إشارة إلى أنه جواب مستقل والمقصود من ذلك الامتنان على المؤمنين، وقرىء [فلقتلوكم] بالتخفيف والتشديد {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} ولم يتعرضوا لكم {فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ} مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله تعالى {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي الصلح فانقادوا واستسلموا، وكان إلقاء السلم استعارة لأن من سلم شيئاً ألقاه وطرحه عند المسلم له، وقرىء بسكون اللام مع فتح السين وكسرها {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم، وفي ـ نفي جعل السبيل ـ مبالغة في عدم التعرض لهم لأن من لا يمر بشيء كيف يتعرض له. وهذه الآيات منسوخة الحكم بآية براءة {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره.

ابن عاشور

تفسير : الاستثناء من الأمر في قوله: {فخذوهم واقتلوهم} أي: إلاّ الذين آمنوا ولم هاجروا. أو إلاّ الذين ارتدّوا على أدبارهم إلى مكة بعد أن يهاجروا، وهؤلاء يصلون إلى قوم ممّن عاهدوكم، فلا تتعرّضوا لهم بالقتل، لئلاّ تنقضوا عهودكم المنعقدة مع قومهم. ومعنى (يَصلُونَ) ينتسبون، مثل معنى اتَّصل في قول أحد بني نبهان:شعر : ألاَ بَلْغَا خُلَّتي رَاشِداً وصِنْوِي قديماً إذَا ما اتَّصل تفسير : أي انتسب، ويحتمل أن يكون بمعنى التحق، أي إلاّ الذين يلتحقون بقوم بينكم وبينهم ميثاق، فيدخلون في عهدهم، فعلى الاحتْمال الأول هم من المعاهدين أصالة وعلى الاحتمال الثاني هم كالمعاهدين لأنّ معاهَد المعاهَد كالمعاهَد. والمراد بــــ (الذين يصلون) قوم غير معيّنين، بل كلّ من اتّصل بقوم لهم عهد مع المسلمين، ولذلك قال مجاهد: هؤلاء من القوم الذين نزل فيهم {أية : فما لكم في المنافقين فئتين}تفسير : [النساء: 88]. وأمّا قوله: {إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} فالمراد به القبائل التي كان لهم عهد مع المسلمين. قال مجاهد: لمّا نزلت: {فما لكم في المنافقين فئتين} الآية خاف أولئك الذين نزلت فيهم، فذهبوا ببضائعهم إلى هلال بن عويمر الأسلمي، وكان قد حَالف النبي صلى الله عليه وسلم على: أن لا يعينه ولا يعين عليه، وأنّ من لَجَأ إلى هلال من قومه وغيرهم فله من الجوار مثل ما له. وقيل: أريد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق خزاعة، وقيل: بنو بكر بن زيد مناءةَ كانوا في صلح وهدنة مع المسلمين، ولم يكونوا آمنوا يومئذٍ وقيل: هم بنو مُدْلِج إذ كان سراقة بن مالك المدلِجي قد عقد عهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه بني مدلج بعد يوم بدر، على أن لا يعينوا على رسول الله، وأنّهم إن أسلمتُ قريش أسلموا وإن لم تُسلم قريش فهم لا يسلمون، لئلاّ تخشن قلوب قريش عليهم. والأولى أنّ جميع هذه القبائل مشمول للآية. ومعنى {أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم} الخ: أو جاءوا إلى المدينة مهاجرين ولكنّهم شرطوا أن لا يقاتلوا مع المؤمنين قومهم فاقْبَلُوا منهم ذلك. وكان هذا رخصة لهم أوّل الإسلام، إذ كان المسلمون قد هادنوا قبائل من العرب تألّفاً لهم، ولمن دخل في عهدهم، فلمّا قوي الإسلام صار الجهاد مع المؤمنين واجباً على كلّ من يدخل في الإسلام، أمّا المسلمون الأوّلون من المهاجرين والأنصار ومن أسلموا ولم يشترطوا هذا الشرط فلا تشملهم الرخصة، وهم الذين قاتلوا مشركي مكة وغيرها. وقرأ الجمهور «حَصِرَت» ــــ بصيغة فعل المضي المقترن بتاء تأنيث الفعل ــــ وقرأه يعقوب «حَصِرةً» ــــ بصيغة الصفة وبهاء تأنيث الوصف في آخره منصوبةٌ منونّة ــــ. و{حصرت} بمعنى ضاقت وحرجت. و{أن يقاتلوكم} مجرور بحذف عن، أي ضاقت عن قتالكم، لأجل أنّهم مؤمنون لا يرضون قتال إخوانهم، وعن قتال قومهم لأنّهم من نسب واحد، فعظم عليهم قتالهم. وقد دلّ قوله: {حصرت صدورهم} على أنّ ذلك عن صدق منهم. وأريد بهؤلاء بنو مدلِج: عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقد عذرهم الله بذلك إذ صدَقوا، وبيّن الله تعالى للمؤمنين فائدة هذا التسخير الذي سَخَّر لهم من قوم قد كانوا أعداء لهم فصاروا سلماً يودّونهم. ولكنّهم يأبون قتال قومهم فقال: {ولو شاء الله لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم}. ولذلك أمر المؤمنين بكفّ أيديهم عن هؤلاء إن اعتزلوهم ولم يقاتلوهم، وهو معنى قوله: {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} أي إذْنا بعد أذْن أمر المؤمنين بقتال غيرهم حيث وجدوهم. والسبيل هنا مستعار لوسيلة المؤاخذة، ولذلك جاء في خبره بحرف الاستعلاء دون حرف الغاية، وسيأتي الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : ما على المحسنين من سبيل} تفسير : في سورة براءة (91).

د. أسعد حومد

تفسير : {مِّيثَاقٌ} {يُقَاتِلُوكُمْ} {أَوْ يُقَاتِلُواْ} {فَلَقَاتَلُوكُمْ} (90) - اسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ هَؤُلاَءِ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ الذِينَ أوْجَبَ قَتْلَهُمْ، حَيْثُ وَجَدَهُمُ المُسْلِمُونَ، الذِينَ لَجَؤُوا وَانْحَازُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقُ مُهَادَنَةٍ، أوْ عَقْدُ ذِمَّةٍ، يَمْنَعُ قَتْلَ المُنْتَمِينَ لأحَدِ الفَرِيقَيْنِ، فَاجْعَلُوا حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ هَؤُلاءِ. وَاستَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنَ القَتْلِ فِئَةً أخْرَى مِنَ النَّاسِ جَاءَتْ إلى مَيْدَانِ الحَرْبِ وَصُدُورُهُمْ ضَيِّقَةٌ، وَهُمْ كَارِهُونَ أنْ يُقَاتِلُوكُمْ، وَلاَ يَهُونُ عَلَيْهِمْ أيْضاً أنْ يُقَاتِلوا قَوْمَهُمْ مَعَكُمْ، بَلْ هُمْ لاَ لَكُمْ وَلاَ عَلَيْكُمْ، وَمِنْ لُطْفِ اللهِ بِكُمْ أنْ كَفَّهُمْ عَنْكُمْ، فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ، وَأَرَادُوا مُسَالَمَتَكُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ أنْ تُقَاتِلُوهُمْ، مَا دَامَتْ حَالُهُمْ كَذَلِكَ. وَقَالَ الرَّازِي: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَادَعَ وَقْتَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلاَلَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ عَلَى ألاَّ يُعِينَهُ وَلاَ يُعِينَ عَلَيهِ، وَعَلَى أنَّ كُلَّ مَنْ وَصَلَ إلى هِلالٍ وَلَجأ إليهِ فَلَهُ مِنَ الجِوَارِ مِثْلُ مَا لِهِلالٍ. وَهَؤُلاَءِ كَالجَمَاعَةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الذِينَ خَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ قُرَيشٍ فَحَضَرُوا القِتَالَ وَهُمْ كَارِهُونَ، لِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ قَتْلِ العِبَّاسِ، وَأَمَرَ بِأسْرِهِ. حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ - ضَاقَتْ وَانْقَبَضَتْ. السَّلَمَ - الاسْتِسْلاَمَ وَالانْقِيَادَ لِلصُّلْحِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والآية تبدأ باستدراك حتى لا تفتح مجالاً لإغضاب من كان للإسلام تعاهد معهم وتعاقد، فالذين يصلون ويلجأون إلى قوم بينهم وبين المسلمين تحالف أو ميثاق لا ينطبق عليهم ما جاء في الآية السابقة وهو الأخذ والقتل. مثال ذلك ما حدث من عهد بين المسلمين وهلال بن عويمر الأسلمي على ألاّ يعينوه ولا يعينوا عليه وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله الجوار مثل الذي لهلال. والاستثناء يشمل أيضاً من جاءوا إلى المسلمين، فمن ذهب من المنافقين إلى من عاهده المسلمون فهو يحصل على الأمان، وكذلك يُؤَمِّنُ الرسول من جاءه من المنافقين وقال من الأسباب ما يجعله يطلب حماية الرسول والإسلام: فعلى الرغم من نفاقة يؤمنه الإسلام. {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} كأن يقول الواحد منهم: أنا لا أقدر أن أقاتلكم، ولا أقدر أن أقاتل قومي فاغفر لي هذا واقبلني معكم. هؤلاء يقبلهم الرسول لأنهم أقروا بما هم فيه من ضيق، فهم لا يستطيعون التصرف لا أمام المسلمين فيعلنون الإيمان، ولا أمام الكافرين فيعملون في معسكر الكفر. ولا يستطيعون أن يتخذوا موقفاً حاسماً حازماً بين المسلمين والكافرين، فهم يقرِّون بضعفهم، ويعترفون به. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ}. فما الذي يجعلهم يلوذون إلى قوم يتحالفون مع المسلمين بميثاق حتى يحتموا فيهم؟ أو يقرون أن صدورهم ضيقة وأنهم غير قادرين على التصرف، ويعلنون: لا نستطيع أن نقاتلكم ولا أن نقاتل قومنا. ويوضح الحق: أنا فعلت هذا وألقيت الرعب في نفوسهم، ولو شئت لسلطتهم وجرأتهم عليكم، وقاتلوكم، إذن فسبحانه ينصرنا بالرعب ويمنع قتالهم لنا. {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً}. إن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم وألقو السلم واعترفوا بأنهم لا يملكون طاقة اختيار بين قتال المسلمين أو قتال قومهم، فليس لكم أيها المسلمون حجة أن تعتدوا عليهم؛ فالاعتداء عليهم في مثل هذه الحالة ينهَى الله عنه وعين الحق لا تقتصر على ما نعرف، ولكنها تتعدى إلى أدق التفاصيل؛ فهي عين لا ترى ما عرفناه فقط ولكنها تكشف لنا الحجب التي لا نعرفها، فيقول سبحانه: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} معناهُ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم استثنى منهم قوماً بقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ} [النساء: 90]؛ المعنى: الأقوام من أهل الدنيا يصلون بالإرادة والتقرب والتودد إلى قوم من أهل الدين من الذين بينكم وبينهم عهد وأخوة وصداقة في الدين أو في الحرفة والصحبة، فإن المخالطة معهم بتبعية الأحوال وقبول الرفق منهم جائز، ثم قال تعالى: {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ} [النساء: 90]؛ يعني: إذ جاؤوكم طائفة أخرى من أهل الدنيا، وما فيهم أن ينكروكم ويجادلوكم على ما أنتم فيه، {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} [النساء: 90] بالإنكار والاعتراض، {فَلَقَٰتَلُوكُمْ} [النساء: 90]؛ أي: فنازعوكم وخاصموكم بالباطل، {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} [النساء: 90]؛ أي: اعتزلوا شرهم عنكم، {فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ} [النساء: 90]؛ أي: يخاصموكم ولا يشوشون الوقت عليكم، {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} [النساء: 90]؛ أي: السلامة، {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء: 90] في غيبتهم والطعن فيهم وتحقيرهم؛ يعني: إذا أسلمتم منهم فينبغي أنهم يسلمون منكم، فإن لمم تكونوا لهم فلا تكونوا عليهم، كما لم يكونوا عليكم إذا لم يكونوا لكم. ثم أخبر عن محنة أهل الفتنة بقوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} [النساء: 91]، والإشارة فيها: إنكم أصحاب الولاية وأرباب الهداية، ستجدون من أهل الإرادة أخرى غير أصحاب الجد والاجتهاد يريدون أن يأمنوكم عن رد الولاية فيرتدون إليكم ويخدمونكم، ويظهرون الصدق والإخلاص معكم، وهو أصحاب الأموال والأولاد والقوم والقبيلة، {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} [النساء: 91] عن الملامة والتعبير في تضييع الأموال والأولاد، {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} [النساء: 91]؛ أي: دعوا إلى الفتنة وهي الأموال والأولاد، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}تفسير : [التغابن: 15] فإنهم أمروا بالحذر منهم، {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} [النساء: 91]؛ أي: رجعوا إليها ضعفاء في الطلب وفرقاً من الملامة، {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} [النساء: 91]؛ أي: ينقطعوا عنكم ويترددون إليكم بصدق الإرادة {وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} [النساء: 91]؛ أي: يستسلموا لكم وينقادوا، {وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ} [النساء: 91] بالإرادة عن أموالهم وأولادهم، {فَخُذُوهُمْ} [النساء: 91]، بالإرادة وأقبلوا عليهم بالتربية، {وَٱقْتُلُوهُمْ} [النساء: 91]، أي: اقتلوا أنفسهم بالمجاهدة والرياضة وصمام الولاية، {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [النساء: 91]؛ يعني: سويتم عوجهم كما يقوم الرياح بالثقاف، {وَأُوْلَـٰئِكُمْ} [النساء: 91]؛ يعني: أهل الإرادة؛ يعني: إذا كونوا ذوي العلائق كثير العوائق، {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 91] في قطع علائقهم ودفع عوائقهم بحسن التربية وسطوة الولاية.

همام الصنعاني

تفسير : 615- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة: {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ}: [الآية: 90]، قال: نَسَخَها: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : : [التوبة: 5].