٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
91
Tafseer
الرازي
تفسير : قال المفسرون: هم قوم من أسد وغطفان، كانوا اذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فاذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم {كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ } كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين {أُرْكِسُواْ فِيِهَا } أي ردوا مغلوبين منكوسين فيها، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر خروجه منه. ثم قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}. والمعنى: فإن لم يعتزلوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم. قال الأكثرون: وهذا يدل على أنهم اذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ } تفسير : [الممتحنة: 8] وقوله: {أية : وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } تفسير : [البقرة: 190] فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا. واعلم أن هذا الكلام مبني على أن المعلق بكلمة «إن» على الشرط عدم عند عدم الشرط، وقد شرحنا الحال فيه في قوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } تفسير : [النساء: 31]. ثم قال: {وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً }. وفي السلطان المبين وجهان: الأول: أنه ظهر على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة ظاهرة، وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الاسلام. الثاني: أن السلطان المبين هو إذن الله تعالى للمسلمين في قتل هؤلاء الكفار.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى ـ {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} معناها معنى الآية الأُولى. قال قتادة: نزلت في قوم من تِهامة طلبوا الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم. مجاهد: هي في قوم من أهل مكة. وقال السُّديّ: نزلت في نُعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين. وقال الحسن: هذا في قوم من المنافقين. وقيل: نزلت في أسد وغَطَفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا إلى إلى ديارهم فأظهروا الكفر. قوله تعالىٰ: {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} قرأ يحيى بن وَثّاب والأعمش «رِدُّوا» بكسر الرّاء؛ لأن الأصل «رَدِدُوا» فأدغم وقلبت الكسرة على الرّاء. {إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} أي الكفر {أُرْكِسُواْ فِيِهَا}. وقيل: أي ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنوكم، وإذا سنحت لهم فتنة كان مع أهلها عليكم. ومعنى {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا. وقيل: أي إذا دُعُوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه.
البيضاوي
تفسير : {سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} هم أسد وغطفان، وقيل بنو عبد الدار أتوا المدينة وأظهروا الإسلام ليأمنوا المسلمين فلما رجعوا كفروا. {كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ } دعوا إلى الكفر وإلى قتال المسلمين. {أُرْكِسُواْ فِيِهَا } عادوا إليها وقلبوا فيها أقبح قلب. {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } وينبذوا إليكم العهد. {وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } عن قتالكم. {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ } حيث تمكنتم منهم فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض. {وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً } حجة واضحة في التعرض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وغدرهم، أو تسلطاً ظاهراً حيث أذناً لكم في قتلهم. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } وما صح له وليس من شأنه. {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} بغير حق. {إِلاَّ خَطَأً} فإنه على عرضته، ونصبه على الحال أو المفعول له أي: لا يقتله في شيء من الأحوال إلا حال الخطأ، أو لا يقتله لعلة إلا للخطأ أو على أنه صفة مصدر محذوف أي قتلاً خطأ. وقيل {مَا كَانَ} نفي في معنى النهي، والاستثناء منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر، والخطأ ما لا يضامه القصد إلى الفعل أو الشخص أو لا يقصد به زهوق الروح غالباً، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه، أو يكون فعل غير المكلف. وقرىء {خطاء} بالمد و {خطا} كعصا بتخفيف الهمزة، والآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الأم، لقي حارث بن زيد في طريق وكان قد أسلم ولم يشعر به عياش فقتله. {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي فعليه أو فواجبه تحرير رقبة، والتحرير الإعتاق، والحر كالعتيق للكريم من الشيء ومنه حر الوجه لأكرم موضع منه، سمي به لأن الكرم في الأحرار واللؤم في العبيد، والرقبة عبر بها عن النسمة كما عبر عنها بالرأس. {مُؤْمِنَةٍ } محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة. {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ } مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كسائر المواريث، لقول ضحاك بن سفيان الكلابي: (كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها). وهي على العاقلة فإن لم تكن فعلى بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله. {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } إلا أن يتصدقوا عليه بالدية. سمي العفو عنها صدقة حثاً عليه وتنبيهاً على فضله، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل معروف صدقة» تفسير : وهو متعلق بعليه، أو بمسلمة أي تجب الدية عليه أو يسلمها إلى أهله إلا حال تصدقهم عليه. أو زمانه فهو في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف. {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } أي فإن كان المؤمن المقتول من قوم كفار محاربين، أو في تضاعيفهم ولم يعلم إيمانه فعلى قاتله الكفارة دون الدية لأهله إذ لا وراثة بينه وبينهم ولأنهم محاربون. {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } أي وإن كان من قوم كفرة معاهدين، أو أهل الذمة فحكمه حكم المسلمين في وجوب الكفارة والدية ولعله فيما إذا كان المقتول معاهداً، أو كان له وارث مسلم. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها. {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } فعليه أو فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين. {تَوْبَةً } نصب على المفعول له أي شرع ذلك توبة، من تاب الله عليه إذا قبل توبته. أو على المصدر أي وتاب الله عليكم توبة أو الحال بحذف مضاف أي فعليه صيام شهرين ذا توبة. {مِنَ ٱللَّهِ } صفتها. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بحاله. {حَكِيماً } فيما أمر في شأنه. {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} لما فيه من التهديد العظيم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. «حديث : لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمداًً»تفسير : ولعله أراد به التشديد إذ روي عنه خلافه. والجمهور على أنه مخصوص بمن لم يتب لقوله تعالى: {أية : وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ }تفسير : [طه: 82] ونحوه وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له كما ذكره عكرمة وغيره، ويؤيده أنه نزل في مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار ولم يظهر قاتله، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا إليه ديته فدفعوا إليه ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتداً، أو المراد بالخلود المكث الطويل فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} سافرتم وذهبتم للغزو. {فَتَبَيَّنُواْ} فاطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تعجلوا فيه. وقرأ حمزة والكسائي «فتثبتوا» في الموضعين هنا، وفي «الحجرات» من التثبت. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ } لمن حياكم بتحية الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة السلم بغير الألف أي الاستسلام والانقياد وفسر به السلام أيضاً. {لَسْتَ مُؤْمِناً } وإنما فعلت ذلك متعوذاً. وقرىء {مُؤْمِناً } بالفتح أي مبذولاً له الأمان. {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تطلبون ماله الذي هو حطام سريع النفاذ، وهو حال من الضمير في تقولوا مشعر بما هو الحامل لهم على العجلة وترك التثبت. {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ } لكم. {كَثِيرَةٍ } نغنيكم عن قتل أمثاله لماله. {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } أي أول ما دخلتم في الإِسلام تفوهتم بكلمتي الشهادة فحصنت بها دماؤكم وأموالكم من غير أن يعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم. {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بالاشتهار بالإِيمان والاستقامة في الدين. {فَتَبَيَّنُواْ } وافعلوا بالداخلين في الإِسلام كما فعل الله بكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظناً بأنهم دخلوا فيه اتقاء وخوفاً، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرىء مسلم. وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } عالماً به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه. روي (أن سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم غزت أهل فدك فهربوا وبقي مرداس ثقة بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد، فلما تلاحقوا به وكبروا كبر ونزل وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة واستاق غنمه) وقيل نزلت في المقداد مر برجل في غنيمة فأراد قتله فقال: لا إله إلا الله. فقتله وقال: ود لو فر بأهله وماله. وفيه دليل على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد يخطىء وأن خطأه مغتفر. {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَـٰعِدُونَ } عن الحرب. {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في موضع الحال من القاعدين أو من الضمير الذي فيه. {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ } بالرفع صفة للقاعدون لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم أو بدل منه. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على الحال أو الاستثناء. وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين أو بدل منه. وعن زيد بن ثابت أنها نزلت ولم يكن فيها غير أولي الضرر فقال ابن أم مكتوم: وكيف وأنا أعمى فغشي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه الوحي، فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه فقال اكتب {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ } {وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } أي لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته وأنفة عن انحطاط منزلته. {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً } جملة موضحة لما نفي الاستواء فيه والقاعدون على التقييد السابق، ودرجة نصب بنزع الخافض أي بدرجة أو على المصدر لأنه تضمن معنى التفضيل ووقع موقع المرة منه، أو الحال بمعنى ذوي درجة. {وَكُلاًّ } من القاعدين والمجاهدين. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } المثوبة الحسنى وهي الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب. {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً } نصب على المصدر لأن فضل بمعنى أجر، أو المفعول الثاني له لتضمنه معنى الإِعطاء كأنه قيل: وأعطاهم زيادة على القاعدين أجراً عظيماً. {دَرَجَـٰتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} كل واحد منها بدل من أجراً، ويجوز أن ينتصب درجات على المصدر كقولك: ضربته أسواطاً، وأجراً على الحال عنها تقدمت عليها لأنها نكرة، ومغفرة ورحمة على المصدر بإضمار فعليهما كرر تفضيل المجاهدين، وبالغ فيه إجمالاً وتفصيلاً تعظيماً للجهاد وترغيباً فيه. وقيل: الأول ما خولهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة. وقيل المراد بالدرجة الأولى ارتفاع منزلتهم عند الله سبحانه وتعالى، وبالدرجات منازلهم في الجنة. وقيل القاعدون الأول هم الأضراء والقاعدون الثاني هم الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم. وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار والآخرون من جاهد نفسه وعليه قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». تفسير : {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما عسى أن يفرط منهم. {رَّحِيماً } بما وعد لهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } يحتمل الماضي والمضارع، وقرىء «توفتهم» و «توفاهم» على مضارع وفيت بمعنى أن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها. {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة فإنها نزلت في أناس من مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة واجبة. {قَالُواْ } أي الملائكة توبيخاً لهم. {فِيمَ كُنتُمْ } في أي شيء كنتم من أمر دينكم. {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ } اعتذروا مما وبخوا به بضعفهم وعجزهم عن الهجرة، أو عن إظهار الدين وإعلاء كلمة الله. {قَالُواْ } أي الملائكة تكذيباً لهم أو تبكيتاً. {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا} إلى قطر آخر كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة. {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار. وهو خبر إن والفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط، وقالوا فيم كنتم حال من الملائكة بإضمار قد أو الخبر قالوا والعائد محذوف أي قالوا لهم، وهو جملة معطوفة على الجملة التي قبلها مستنتجة منها. {وَسَاءتْ مَصِيراً } مصيرهم نار جهنم، وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام»تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } استثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول وضميره والإِشارة إليه، وذكر الولد إن أريد به المماليك فظاهر، وإن أريد به الصبيان فللمبالغة في الأمر والإِشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها وأن قوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } صفة للمستضعفين إذ لا توقيت فيه، أو حال منه أو من المستكن فيه. واستطاعة الحيلة وجدان أسباب الهجرة وما تتوقف عليه، واهتداء السبيل معرفة الطريق بنفسه أو بدليل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ } بإظهار الإيمان عندكم {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } بالكفر إذا رجعوا إليهم وهم أسد وغطفان {كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ } دعوا إلى الشرك {أُرْكِسُواْ فِيِهَا } وقعوا أشدّ وقوع {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } بترك قتالكم {وَ} لم {يُلْقُواْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } لم {يكفُّواْ أَيْدِيهِمْ } عنكم {فَخُذُوهُمْ } بالأسر {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } وجدتموهم {وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰناً مُّبِيناً } برهانا بينا ظاهرا على قتلهم وسبيهم لغدرهم.
ابن عطية
تفسير : لما وصف الله تعالى فيما تقدم صفة المحقين في المتاركة، المجدين في إلقاء السلم، نبه على طائفة مخادعة مبطلة مبطنة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم، يقولون لهم: نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون أيضاً للمسلمين إذا وفدوا وأرسلوا: نحن معكم وعلى دينكم خبثة منهم وخديعة، قيل: كانت أسد وغطفان بهذه الصفة، وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي عليه االسلام والكفار الأخبار، وقيل: نزلت في قوم يجيئون من مكة إلى النبي عليه السلام رياء, يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنها على غير صفة من تقدم، وقوله: {إلى الفتنة} معناه إلى الإختبار، حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم فيقال لأحدهم: قل: ربي الخنفساء، وربي العود، وربي العقرب، ونحوه، فيقولها، ومعنى {أركسوا} رجعوا رجع ضلالة أي أهلكوا في الاختيار بما واقعوه من الكفر، وقرأ عبد الله بن مسعود "رُكسوا" بضم الراء من غير ألف، وحكاه عنه أبو الفتح بشد الكاف على التضعيف، والخلاف في {السلم} حسبما تقدم، وهذه الآية حض على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين للسلم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وتأمل فصاحة الكلام في أن سياقه في الصيغة المتقدمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال. وإيجاب إلقاء السلم، ونفي المقاتلة، إذ كانوا محقين في ذلك معتقدين له، وسياقه في هذه الصيغة المتأخرة سياق نفي الاعتزال، ونفي إلقاء السلم، إذ كانوا مبطلين فيه مخادعين، والحكم سواء على السياقين، لأن الذين لم يجعل الله عليهم سبيلاً لو لم يعتزلوا لكان حكمهم حكم هؤلاء الذين جعل عليهم "سلطان مبين"، وكذلك هؤلاء الذين عليهم السلطان، إذ لم يعتزلوا، لو اعتزلوا لكان حكمهم حكم الذين لا سبيل عليهم. ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا، و {ثقفتموهم} مأخوذ من الثقاف، أي ظفرتم بهم مغلوبين متمكناً منهم، والسلطان الحجة، قال عكرمة: حيث ما وقع السلطان في كتاب الله تعالى فهو الحجة.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} قوم أظهروا الإسلام، ليأمنوا المسلمين، وأظهروا موافقة قومهم، ليأمنوهم، وهم من أهل مكة، أو من أهل تهامة، أو من المنافقين، أو نعيم بن مسعود الأشجعي. {الْفِتْنَةِ} كلما ردوا إلى المحنة في إظهار الكفر رجعوا فيه.
النسفي
تفسير : {سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ } بالنفاق {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } بالوفاق هم قوم من أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم {كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ } كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين {أُرْكِسُواْ فِيِهَا } قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وكانوا شراً فيها من كل عدو {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } فإن لم يعتزلوا قتالكم {وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } عطف على «لم يعتزلوكم» أي ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح {وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } عطف عليه أيضاً أي ولم يمسكوا عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ } حيث تمكنتم منهم وظفرتم بهم {وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً } حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بالمسلمين، أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم في قتله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً } ابتداء من غير قصاص أي ليس المؤمن كالكافر الذي تقدم إباحة دمه {إِلاَّ خَطَئاً } إلا على وجه الخطأ وهو استثناء منقطع بمعنى «لكن» أي لكن إن وقع خطأ، ويحتمل أن يكون صفة لمصدر أي إلا قتلاً خطأ والمعنى: من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً } صفة مصدر محذوف أي قتلاً خطأ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه تحرير رقبة. والتحرير: الإعتاق، والحر والعتيق الكريم لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد، ومنه عتاق الطير وعتاق الخيل لكرامها. والرقبة: النسمة ويعبر عنها بالرأس في قولهم: «فلان يملك كذا رأساً من الرقيق {مُؤْمِنَةٍ } قيل: لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر والكفر موت حكماً. {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ }تفسير : [الأنعام: 122]. ولهذا منع من تصرف الأحرار وهذا مشكل إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضاً، لكن يحتمل أن يقال: إنما وجب عليه ذلك لأن الله تعالى أبقى للقتال نفساً مؤمنة حيث لم يوجب القصاص فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة. {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ } مؤادة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء فيقضي منها الدين وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال. وقد ورّث رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم، لكن الدية على العاقلة والكفارة على القاتل. {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } إلا أن يتصدقوا عليه بالدية أي يعفوا عنه، والتقدير: فعليه دية في كل حال إلا في حال التصدق عليه بها. {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } فإن كان المقتول خطأ من قوم أعداء لكم أي كفرة فالعدو يطلق على الجمع {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي المقتول مؤمن {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } يعني إذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم خطأ تجب الكفارة بقتله للعصمة المؤثمة وهي الإسلام، ولا تجب الدية لأن العصمة المقومة بالدار ولم توجد {وَإِن كَانَ } أي المقتول {مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ } بين المسلمين {وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ } عهد {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } أي وإن كان المقتول ذمياً فحكمه حكم المسلم، وفيه دليل على أن دية الذمي كدية المسلم وهو قولنا {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة أي لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ } فعليه صيام شهرين {مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } قبولاً من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه، أو فليتب توبة فهي نصب على المصدر {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بما أمر {حَكِيماً } فيما قدّر. {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } حال من ضمير القاتل أي قاصداً قتله لإيمانه وهو كفر أو قتله مستحلاً لقتله وهو كفر أيضاً {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَـٰلِداً فِيهَا } أي إن جازاه. قال عليه السلام «حديث : هي جزاؤه إن جازاه»تفسير : والخلود قد يراد به طول المقام. وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى: {أية : ٱ يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى }تفسير : [البقرة: 178]: {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ } أي انتقم منه وطرده من رحمته {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } لارتكابه أمراً عظيماً وخطباً جسيماً. في الحديث «حديث : لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم » تفسير : { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } سرتم في طريق الغزو {فَتَبَيَّنُواْ } «فتثبتوا»: حمزة وعلي وهما من التفعل بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ } «السلم»: مدني وشامي وحمزة وهما الاستسلام. وقيل: الإسلام. وقيل: التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام. {لَسْتَ مُؤْمِناً } في موضع النصب بالقول. وروي أن مرداس بن نهيك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى منعرج من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال «حديث : قتلتموه إرادة ما معه»تفسير : ثم قرأ الآية على أسامة. {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه. والعرض: المال، سمي به لسرعة فنائه. و «تبتغون» حال من ضمير الفاعل في «تقولوا» {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } يغنّمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم، والكاف في «كذلك» خبر «كان» وقد تقدم عليها وعلى اسمها {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم {فَتَبَيَّنُواْ } كرر الأمر بالتبين ليؤكد عليهم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك. {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ } عن الجهاد {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ } بالنصب: مدني وشامي وعلي لأنه استثناء من القاعدين، أو حال منهم. وبالجر عن حمزة صفة للمؤمنين، وبالرفع غيرهم صفة للقاعدين. والضرر المرض أو العاهة من أعمى أعرج أو زمانة أو نحوها {وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } عطف على «القاعدون».» ونفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وإن كان معلوماً، توبيخاً للقاعد عن الجهاد وتحريكاً له عليه ونحوه {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }تفسير : [الزمر: 9] فهو تحريك لطلب العلم وتوبيخ على الرضا بالجهل {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ } ذكر هذه الجملة بياناً للجملة الأولى وموضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل: ما لهم لا يستوون؟ فأجيب بذلك {دَرَجَةً } نصب على المصدر لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل؛ فضلهم تفضلة كقولك «ضربه سوطاً». ونصب {وَكُلاًّ } أي وكل فريق من القاعدين والمجاهدين لأنه مفعول أول لقوله {وَعَدَ ٱللَّهُ } والثاني {ٱلْحُسْنَىٰ } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجـة {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ } بغير عذر {أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَـٰتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } قيل: انتصب «أجراً» بفضل لأنه في معنى أجرهم أجراً و «درجات ومغفرة ورحمة» بدل من «أجراً»، أو انتصب «درجات» نصب «درجة» كأنه قيل: فضلهم تفضيلات كقولك «ضربه أسواطاً» أي ضربات، و «أجراً عظيماً». على أنه حال من النكرة التي هي «درجـات» مقدمة عليها. و«ومغفرة ورحمة». بإضمار فعلهما أي وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة. وحاصله أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجـة وعلى القاعدين بغير عذر بأمر النبي عليه السلام اكتفاء بغيرهم درجـات لأن الجهاد فرض كفاية {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } بتكفير العذر {رَّحِيماً } بتوفير الأجر. ونزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتداً فقتل كافراً {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } يجوز أن يكون ماضياً لقراءة من قرء «توفتهم» ومضارعاً بمعنى تتوفاهم، وحذفت التاء الثانية لاجتماع التاءين. والتوفي: قبض الروح، والملائكة: ملك الموت وأعوانه {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } حال من ضمير المفعول في «توفاهم» أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة {قَالُواْ } أي الملائكة للمتوفّين {فِيمَ كُنتُمْ } أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم؟ ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين. {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ } عاجزين عن الهجرة {فِى ٱلأرْضِ } أرض مكة فأخرجونا كارهين {قَالُواْ } أي الملائكة موبخين لهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا } أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونصب «فتهاجروا» على جواب الاستفهام {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً } خبر «إن» «فأولئك» ودخول الفاء لما في «الذين» من الإبهام المشابه بالشرط، أو «قالوا فيم كنتم» والعائد محذوف أي قالوا لهم، والآية تدل على أن لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره حقت عليه المهاجرة. وفي الحديث «حديث : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة»تفسير : وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } في الخروج منها لفقرهم وعجزهم {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } ولا معرفة لهم بالمسالك. «ولا يستطيعون» صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان. وإنما جاز ذلك ـ والجمل نكرات ـ لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس بشيء بعينه كقوله :شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني .
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ستجدون آخرين} قال ابن عباس: هم أسد وغطفان كانوا من حاضري المدينة فتكلموا بكلمة الإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل منهم يقول له قومه بماذا آمنت يقول آمنت بهذا القرد والعقوب والخنفساء وإذا لقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم إنا على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنها نزلت في بني عبد الدار وكانوا بهذه الصفة {يريدون أن يأمنوكم} يعني يريدون بإظهار الإيمان أن يأمنوكم فلا تتعرضوا لهم {ويأمنوا قومهم} يعني بإظهار الكفر لهم فلا يتعرضوا لهم {كلما ردوا إلى الفتنة} يعني كلما دعوا إلى الشرك {أركسوا فيها} رجعوا إلى الشرك وقادوا إليه منكوسين على رؤوسهم فيه {فإن لم يعتزلوكم} يعني فإن لم يكفوا عن قتالكم حتى يسيروا إلى مكة {ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم} أي ولم يلقوا الصلح ولم يكفوا عن قتالكم {فخذوهم} يعني أسرى {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} يعني حيث أدركتموهم {وأولئكم} يعني أهل هذه الصفة {جعلنا لكم عليهم سطاناً مبيناً} يعني حجة ظاهرة بالقتل والقتال وقيل الحجة الواضحة هي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم بالكفر والعداوة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ...} الآية: لما وصَفَ اللَّه سبحانه المحقِّقين في المْتَارَكَة وإلقاءِ السَّلَم، نَبَّهَ على طائفةٍ مخادِعَةٍ كانوا يريدُونَ الإقامَةَ في مَوَاضِعِهِمْ مع أهليهم، يقُولُونَ لهم: نَحْنُ معكم وعَلَىٰ دينَكُمْ، ويقولُونَ أيضاً للمسلمين: نَحْنُ معَكُمْ، وعلَىٰ دينكم؛ خَبْثَةً منهم وخَديعَةً، وقوله: {إِلَى ٱلْفِتْنِةِ}: معناه: إلى الاِختبارِ، حُكِيَ أنهم كانُوا يَرْجِعُون إلى قومهم، فيقالُ لأحدِهِمْ: قل: رَبِّيَ الخُنْفُسَاءُ، رَبِّيَ العودُ، رَبِّيَ العَقْرَبُ، ونحوه، فيقولُهَا، ومعنى: {أُرْكِسُواْ}: أيْ: رَجَعوا رَجْعَ ضلالةٍ، أي: أُهْلِكُوا في الاختبار بما واقَعُوهُ من الكُفْر، وهذه الآيةُ حَضٌّ علَىٰ قتل هؤلاءِ المُخَادِعِينَ؛ إذا لم يَرْجِعُوا عَنْ حالهم، و {ثَقِفْتُمُوهُمْ}: مأخوذٌ من الثِّقَافِ، أي: ظَفرتُمْ بهم، مَغْلوبينَ متمكَّناً منْهم، والسُّلطانُ: الحُجَّة، قال عكرمةُ: حيثما وقع السلطانُ في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فهو الحُجَّة.
ابن عادل
تفسير : السِّين في "ستجدون" للاسْتِقْبَال على أصلها، قالوا: ولَيْسَت هنا للاسْتِقْبَال، بل للدَّلالة على الاسْتِمْرَار، وليس بِظَاهِرٍ. قال الكَلْبِي عن أبي صَالحٍِ، عن ابن عبَّاسٍ: هم أسَد وغطَفَان كانوا حَاضِرِي المَدِينَة، تَكَلَّموا بالإسْلام رياءً، وهم غير مُسْلِمِين، فكان الرَّجُل مِنْهُم يقول له قَوْمُه: بماذا أسْلمت؟ فيقول: آمَنْتُ بربِّ القِرْدِ، وبرب العَقْرب والخُنْفُسَاء، وإذا لقوا أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالوا: إنَّا على دينِكُم، يريدون بذلك الأمْن في الفَرِيقَيْن، وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس: هم بَنُو عَبْد الدَّار، كانوا بهذه الصِّفَةِ. {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} فلا تتعرَّضُوا لَهُم، {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} فلا يتعرَّضُوا لَهُم، {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} دعوا إلى الشِّرْك، {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أي: رجَعُوا وعادوا إلى الشِّرْك. وقرأ عبد الله: "ركسوا فيها" ثلاثيَّا مُخَفَّفاً، ونقل ابْنُ جنيٍّ عنه: "ركَّسوا" بالتَّشْديد. وقرأ ابن وثابِ والأعْمِشُ: "رِدوا" بِكَسْر الرَّاء؛ لأن الأصْل: "رددوا" فأدْغِم، وقلبت الكَسْرة على الرَّاء. وقوله: "إلى الفتنة" إلى الكُفْر {أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} أي: فإن لَمْ يكفُّوا عن قِتَالِكُم حَتَّى تسيروا إلى مَكَّة: {وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي: المفاداة والصُّلْح، "ويكفوا أيديهم" ولم يقبضوا أيديهُم من قتالكم، "فخذوهم"، أسرى {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ} أي: وجدتموهم، "وأولئكم" أي: أهل هذه الصِّفة {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي: حُجَّة بيِّنة ظاهرة بالقَتلِْ والقِتَال، وهذه الآيَة تَدُلُّ على أنَّهم إذا اعْتزلُوا قِتَالنا وطَلَبُوا الصُّلحِ مِنَّا، وكفوا أيْديهُم عن إيذائِنا، لم يَجُزْ لنا قِتَالهم، ونَظِيرُه قوله تعالى: {أية : لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} تفسير : [الممتحنة: 8]، وقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} تفسير : [البقرة: 190].
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ستجدون آخرين} الآية. قال: ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} يقول: كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها، وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام، فيتقرب إلى العود والحجر، وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام: قل هذا ربي، للخنفساء والعقرب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ستجدون آخرين...} الآية. قال: حي كانوا بتهامة قالوا: يا نبي الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم فقال {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين بنقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، فقال {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة} يقول: إلى الشرك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} قال: كلما ابتلوا بها عموا فيها.
ابو السعود
تفسير : {سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} هم قومٌ من أسَد وغطَفانَ كانوا إذا أتَوا المدينةَ أسلموا وعاهَدوا ليأْمَنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم ونكَثوا عُهودَهم ليأمَنوا قومَهم، وقيل: هم بنو عبدِ الدارِ وكان ديدنَهم ما ذكر {كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} أي دُعوا إلى الكفر وقتالِ المسلمين {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} قُلبوا فيها أقبحَ قلْبٍ وأشنَعَه وكانوا فيها شراً من كل عدو شرَّيرٍ {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} بالكف عن التعرُّض لكم بوجه ما {وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي لم يُلْقوا إليكم الصُلْحَ والعهدَ بل نَبَذوه إليكم {وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ} أي لم يكفّوها عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ} أي تمكّنتم منهم {وَأُوْلَـئِكُمْ} الموصوفون بما ذُكر من الصفات القبـيحةِ {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} حُجةً واضحةً في الإيقاع بهم قتلاً وسبْـياً لظهور عداوتِهم وانكشافِ حالِهم في الكفر والغدرِ وإضرارِهم بأهل الإسلامِ أو تسلطاً ظاهراً حيث أذِنّا لكم في أخذهم وقتلِهم.
القشيري
تفسير : إن من رام الجمع بين الضدين خاب سعيُه، ولم يرتفع عزمُه، فكما لا يكون شخص واحد منافقاً ومسلماً لا يكون شخص واحد مريداً للحق ومقيماً على أحكام أهل العادة. فإن الإرادة والعادة ضدان، والواجب مباينة الأضداد، ومجانبة الأجانب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ستجدون} قوما {آخرين يريدون ان يأمنوكم} اى يظهرون لكم الصلح يريدون ان يأمنوا منكم بكلمة التوحيد يظهرونها لكم {ويأمنوا قومهم} اى من قومهم بالكفر فى السر وهم قوم من اسد وغطفان اذا اتوا المدينة اسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فاذا رجعوا الى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ليأمنوا قومهم {كلما ردوا الى الفتنة} دعوا من جهة قومهم الى قتال المسلمين {اركسوا فيها} عادوا اليها وقلبوا فيها اقبح قلب واشنعه وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير {فان لم يعتزلوكم} بالكف عن التعرض لكم بوجه ما {ويلقوا اليكم السلم} اى لم يلقوا اليكم الصلح والعهد بل نبذوه اليكم {ويكفوا ايديهم} اى لم يكفوها عن قتالكم {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} اى تمكنتم منهم {واولئكم} الموصوفون بما عد من الصفات القبيحة {جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} اى حجة واضحة فى التعرض لهم بالقتل والسبى لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم فى الكفر وغدرهم واضرارهم باهل الاسلام. والاشارة فى الآية الاولى ان الاختلاف واقع بين الامة فى ان خذلان المنافقين هل هو امر من عند انفسهم او امر من عند الله وقضائه وقدره فبين الله بقوله {أية : فما لكم فى المنافقين فئتين} تفسير : [النساء: 88]. اى صرتم فرقتين فرقة يقولون الخذلان فى النفاق منهم وفرقة يقولون من الله وقضائه وقدره {أية : والله أركسهم بما كسبوا} تفسير : [النساء: 88]. يعنى ان الله اركسهم بقدره وردهم بقضائه الى الخذلان بالنفاق ولكن بواسطة كسبهم ما ينبت النفاق فى قلوبهم ليهلك من هلك عن بينة ولهذا مثال وهو ان القدر كتقدير النقاش الصورة فى ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة لتلميذه بالاسرب ووضع التلميذ الاصباغ عليها متبعا لرسم الاستاذ كالكسب والاختيار فالتلميذ فى اختياره لا يخرج عن رسم الاستاذ وكذلك العبد فى اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ولكنه متردد بينهما ومما يؤكد هذا المثال والتأويل قوله تعالى {أية : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} تفسير : [التوبة: 14]. وقال {أية : واصبر وما صبرك إلا بالله} تفسير : [النحل: 127]. وذلك مثل ما ينسب الفعل الى السبب الاقرب تارة والى السبب الابعد اخرى فالاقرب كقولهم قطع السيف يد فلان والابعد كقولهم قطع الأمير يد فلان ونظيره قوله تعالى {أية : قل يتوفاكم ملك الموت} تفسير : [السجدة: 11]. فى موضع {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها} تفسير : [الزمر: 42]. قال ابن نباتة شعر : اذا ما الآله قضى امره فانت لما قد قضاه السبب تفسير : فعلى هذه القضية من زعم ان لا عمل للعبد اصلا فقد عاند وجحد ومن زعم انه مستبد بالعمل فقد اشرك فاختيار العبد بين الجبر والقدر لان اول الفعل وآخره الى الله فالعبد بين طرفى الاضطرار مضطر الى الاختيار فافهم جدا كذا فى التأويلات النجمية. واعلم ان الجبرية ذهبت الى انه لا فعل للعبد اصلا ولا اختيار وحركته بمنزلة حركة الجمادات والقدرية الى ان العبد خالق لفعله ولا يرون الكفر والمعاصى بتقدير الله تعالى ومذهب اهل السنة والجماعة الجبر المتوسط وهو اثبات الكسب للعبد واثبات الخلق الله تعالى واما مشاهدة الآثار فى الافعال من لله تعالى كما عليه اهل المكاشفة فذلك ليس من قبيل الجبر: قال فى المثنوى شعر : كر بيرانيم تير آن نى زماست ما كمان وتير اندازش خداست اين نه جبراين معنىء جباريست ذكر جبارى براى زاريست زارىء ماشد دليل اضطرار خجلت ماشد دليل اختيار
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ستجدون} قوماً {آخرين} منافقين، وهم أسد وغطفان، قَدِمُوا المدينة، وأظهروا الإسلام نفاقًا ورياء؛ إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا على دينك، يريدون الأمن، إذا لقوا قومهم، وقالوا لأحدهم: لماذا أسلمت ومن تعبد؟ فيقول: لهذا القرد ولهذا العقرب والخنفساء، {يريدون} بإظهار الإسلام {أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما رُدوا إلى الفتنة أركسوا فيها}، أي: كلما دُعُوا إلى الكفر رَجَعُوا إليه أقبحَ رد، {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم} أي: ولم يلقوا إليكم المسالمة والصلح، ولم {يكفّوا أيديهم} بأن تعرضوا لكم {فاقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: وجدتموهم، {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا}، أي: تسلطاً {مبينًا} ظاهرًا، لظهور كفرهم وثبوت عداوتهم. الإشارة: النفوس على ثلاثة أقسام: قسم مطلقة العنان في الجرائم والعصيان، وهي النفوس الأمارة، وإليها الإشارة بالآية قبلها، والله أعلم. وقسم مذبذبة؛ تارة تظهر الطاعة والإذعان، تريد أن يأمنها صاحبها، وتارة ترجع إلى الغي والعصيان، مهما دعيت إلى فتنة وقعت فيها، فأم لم تنته عن ذلك، وتكف عن غيها، فالواجب جهادها وقتلها؛ حتى تنقاد بالكلية إلى ربها، وأما النفس المطمئنة فلا كلام معها لتحقق إسلامها، فالواجب الكف عنها وحبها. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : النزول قيل في الذين نزلت فيهم هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد: نزلت في ناس كانوا يأتون النبي (صلى الله عليه وسلم) فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش، ويرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا وها هنا، فأمر الله بقتالهم إن لم يعتزلوا، ويصلحوا. الثاني - قال قتادة: نزلت في حي كانوا بتهامة قالوا: يا نبي الله لا نقاتلك، ولا نقاتل قومنا. وأرادوا أن يأمنوا قومهم ويأمنوا نبي الله فأبى الله عليهم ذلك. فقال: {كلما ردوا إلى الفتنة} يعني إلى الكفر {أركسوا فيها} يعني وقعوا فيها. الثالث - قال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الاشجعي، وكان يأمن في المسلمين بنقل الحديث بين النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمشركين، فنزلت هذه الآية، وقال مقاتل: نزلت في أسد وغطفان. المعنى: وقال أبو العالية معنى قوله: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} يعني كلما ابتلوا بها عموا فيها. وقال قتادة: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه. والفتنة في اللغة هي الاختبار. والاركاس: الرجوع. فمعنى الكلام كلما ردوا إلى الاختبار، ليرجعوا إلى الكفر والشرك رجعوا إليه. وقوله: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم} معناه وان لم يعتزلوكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وهم كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه {ويلقوا إليكم السلم} يعني ولم يستسلموا لكم فيعطوكم المقادة ويصالحوكم ويكفوا أيديهم عن قتالكم {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} يعني حيث أصبتموهم. ثم قال: {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً} يعني حجة ظاهرة. وقال السدي، وعكرمة: السلطان الحجة وقال أبو علي: نزلت في قوم كانوا يظهرون الاسلام، فاذا اجتمعوا مع قريش اظهروا لهم الكفر. وهو قوله: {كلما ردوا إلى الفتنة} يعني الكفر {أركسوا فيها} بمعنى وقعوا فيها، فما داموا مظهرين للاسلام وكافين عن قتال المسلمين، فلا يتعرض لهم. ومتى لم يظهروا الاسلام، وجب قتالهم على ما ذكره الله، ثم قال قوم: الآية منسوخة وان من لم يحارب مع المؤمنين، وجب قتاله. واختار هو أنها غير منسوخة. قال: لأنه لا دليل على ذلك.
الجنابذي
تفسير : {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} استيناف وتنبيه على حال المختدعين وبيان لحكمهم {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} خدعة {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} وفاقاً حال كونهم {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} اى القتال معكم فالجملة حال اوستيناف جواب سؤال مقدّر {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} انقلبوا عن اظهار الوفاق الى القتال معكم {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ} عطف على المنفىّ {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} تسلّطاً ويداً او حجّة لغدرهم.
اطفيش
تفسير : {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ}: هم أسد وغطفان، قاله ابن عباس، وعنه هم بنو عبد الدار، وكانت القبائل الثلاث عند المدينة، تكلموا بكلمة الاسلام رياء للمؤمنين، وهم فى الباطن مشركون، يقول للرجل قومه: بماذا آمنت؟ فيقول: بهذا العقرب والقرد والخنفساء، وقيل: اذا رجع أحد الى قومه قيل له: قل رب الخنفساء، رب القرد، رب العقرب، فيقولها. وقيل: كان حى بالحجاز يقولون: يا نبى الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، كانوا أتوا المدينة ويقولون للمسلمين: إنا على دينكم ليأمنوا الفريقين كما قال الله جل وعلا: {يُرِيدُونَ أَن يَأمَنُوكُمْ}: باظهار الاسلام. {وَيَأمَنُوا قَوْمَهُمْ}: بالكفر كلما أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فاذا رجعوا الى قومهم باقى غطفان وأسد وعبد الدار، كفروا ونكثوا عهودهم، وكلما طلبهم قومهم أو غيرهم قتال المسلمين أو الكفر أجابوا له كما قال: {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا}: وقرىء أركسوا بالبناء للمفعول، وترك الهمزة، وكلتا القراءتين واحدة فى المعنى، أى كلما ردوا الى الفتنة أى القتال أو الشرك قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو. وعن مجاهد كان أناس من أهل مكة يأتون النبى فيسلمون عليه رياء، ثم يرجعون الى قريش فيركسون فى الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمروا بقتالهم ان لم يعتزلوا ويكفوا. {فَإِن لَّم يَعْتَزِلُوكُمْ}: يعتزلوا قتالكم، وذلك أنه اذا ندبوا الى قتال المسلمين قاتلوا مع من ندبهم سرا. {وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفٌّوا أَيْدِيَهُمْ}: أى أنفسهم عن مضرتكم بأى وجه ما، لما كان اليد أعظم ما يعمل به، استعمل لفظها فى مطلق ما يعمل به كالقلب يبغض به الاسلام، واللسان ينطق بالكفر، والطعن فى الدين، أو ان لم يعتزلوكم فيذهبوا الآن لمكة، وحيث شاءوا بلا قتال، ويلقوا اليكم الصلح، ويكفوا أيديهم عن قتالكم بعد ذلك أينما كانوا. {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلطَانًا مُّبِيناً}: حجة ظاهرة فى التعرض لهم بالأخذ والقتال بظهور غدرهم وكفرهم، ويجوز أن يكون المعنى تسلطا ظاهرا حيث أذن لكم فى قتالهم، قال عكرمة: كلما وقع السلطان فى كتاب الله عز وجل فهو الحجة.
اطفيش
تفسير : {سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ} هم أسد، وغطفان، وبنو عبد الدار، كانوا حول المدينة تكلموا بالإسلام نفاقا ورئاء، يقول لهم قومهم، بم آمنتم؟ فيقولون بهذا القرد، والعقرب، والخنفساء، وإذا لقوا الصحابة قالوا إنا على دينكم، والسين للاستقبال لأنهم لم يطلعوا عليهم إلا بعد نزول قوله تعالى: {ستجدون آخرين}، فلا حاجة إلى أن يقال هى للاستمرار، أو للاستقبال فى استمرار العمل لا فى ابتدائه وقيل الآية فى المنافقين {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} لا يخافوا من قتالكم بإظهار الإسلام لكم {وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} بالكفر المتحقق فى قلوبهم {كُلَّ مَا رُدُّوا} طلبهم المشركون بقتال المؤمنين وعبادة الأصنام {إلَى الْفِتْنَة} قتال المسلمين أو الشرك {أَرْكِسُوا} قلبوا، أقبح قلب، كقلب على الرأس لا ما دونه كرد لجانب أو وراء {فِيهَا} أركسهم الله فيها بالخذلان والشيطان بالوسوسة {فَإن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} لم يتركوا التعرض لكم بسوء كإعانة العدو ودلالته على ما يضركم ومده بمال {وَيُلْقُوا} لم يلقوا {إِلَيْكُمْ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا} ولم يكفوا {أَيْدِيَهُمْ} عن قتالكم {فَخُذُوهُم} بالأسر والسبي والغنم {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أدركتموهم {وَأُوْلَئِكُم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِم سُلْطَاناً} تسلطا بإغرائنا عليهم وتقويتنا لكم {مُّبَيِناً} ظاهراً إن باشرتم قتالهم وحجة ظاهرة حيث علقنا قتالكم إياهم وسبيهم وغنمهم وأسرهم بالغدر إن صدر منهم.
الالوسي
تفسير : {سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} هم أناس كانوا يأتون النبـي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا نبـي الله تعالى صلى الله عليه وسلم ويأمنوا قومهم فأبـى الله تعالى ذلك عليهم ـ قاله ابن عباس ومجاهد ـ وقيل: الآية في حق المنافقين {كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} أي دعوا إلى الشرك ـ كما روي عن السدي ـ وقيل: إلى قتال المسلمين {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، يروى عن ابن عباس أنه كان الرجل يقول له قومه: بماذا آمنت؟ فيقول: آمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } بالكف عن التعرض لكم بوجه مّا {وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي ولم يلقوا إليكم الصلح والمهادنة {وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ} أي ولم يكفوا أنفسهم عن قتالكم. {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ} أي وجدتموهم وأصبتموهم حيث تمكنتم منهم، وعن بعض المحققين إن هذه الآية مقابلة للآية الأولى، وبينهما تقابل إما بالإيجاب والسلب، وإما بالعدم والملكة لأن إحداهما عدمية والأخرى وجودية وليس بينهما تقابل التضاد ولا تقابل التضايف لأنهما على ما قرروا لا يوجدان إلا بين أمرين وجوديين فقوله سبحانه: {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} مقابل لقوله تعالى: {أية : فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} تفسير : [النساء: 90] وقوله جل وعلا: {وَيُلْقُواْ} مقابل لقوله عز شأنه: {أية : وَأَلْقَوْاْ} تفسير : [النساء: 90] وقوله جل جلاله: {وَيَكُفُّواْ} مقابل لقوله عز من قائل: {أية : فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ} تفسير : [النساء: 90] والواو لا تقتضي الترتيب، فالمقدم مركب من ثلاثة أجزاء في الآيتين، وهي في الآية الأولى الاعتزال وعدم القتال وإلقاء السلم فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط، وجزاؤه عدم التعرض لهم بالأخذ والقتل كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 90] وفي الآية الثانية عدم الاعتزال وعدم إلقاء السلم وعدم الكف عن القتال، فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط، وجزاؤه الأخذ والقتل المصرح به بقوله سبحانه: {فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ}. ومن هذا يعلم أن {وَيَكُفُّواْ} بمعنى لم يكفوا عطف على المنفي لا على النفي بقرينة سقوط النون الذي هو علامة الجزم، وعطفه على النفي والجزم بأن الشرطية لا يصح لأنه يستلزم التناقض لأن معنى {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} إن لم / يكفوا، وإذا عطف {وَيَكُفُّواْ} على النفي يلزم اجتماع عدم الكف والكف، وكلام الله تعالى منزه عنه، وكذا لا يصح كون قوله سبحانه: {وَيَكُفُّواْ} جملة حالية أو استئنافية بيانية أو نحوية لاستلزام كل منهما التناقض مع أنه يقتضي ثبوت النون في {يكفوا} على ما هو المعهود في مثله، وأبو حيان جعل الجزاء في الأول: مرتباً على شيئين وفي الثانية: على ثلاثة، والسر في ذلك الإشارة إلى مزيد خباثة هؤلاء الآخرين، وكلام العلامة البيضاوي ـ بيض الله تعالى غرة أحواله ـ في هذا المقام لا يخلو عن تعقيد، وربما لا يوجد له محمل صحيح إلا بعد عناية وتكلف فتأمل جداً {وَأُوْلَٰـئِكُمْ} الموصوفون بما ذكر من الصفات الشنيعة. {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} أي حجة واضحة فيما أمرناكم به في حقهم لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وخباثتهم، أو تسلطاً لا خفاء فيه من حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم.
ابن عاشور
تفسير : هؤلاء فريق آخر لا سَعْيَ لهم إلاّ في خُوَيْصْتِهِم، ولا يعبأون بغيرهم، فهم يظهرون المودّة للمسلمين ليأمنوا غزوهم، ويظهرون الودّ لقومهم ليأمنوا غائلتهم، وما هم بمخلصين الودّ لأحد الفريقين، ولذلك وصفوا بإرادة أن يأمنوا من المؤمنين ومن قومهم، فلا هَمّ لهم إلاّ حظوظ أنفسهم، يلتحقون بالمسلمين في قضاء لبانات لهم فيظهرون الإيمانَ، ثم يرجعون إلى قومهم فيرتدّون إلى الكفر، وهو معنى قوله: {كُلَّما رُدّوا إلى الفتنة أُرْكسُوا فيها} [النساء: 91]. وقد مر بيان معنى (أركسوا) قريباً. وهؤلاء هم غَطفان وبنُو أسد ممن كانوا حول المدينة قبل أن يخلص إسلامهم، وبنو عبد الدار من أهل مكة، كانوا يأتون المدينة فيظهرون الإسلام ويرجعون إلى مكة فيعبدون الأصنام. وأمرْ الله المؤمنين في معامَلة هؤلاء ومُعَامَلَة الفريق المتقدّم في قوله: {أية : إلاّ الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق}تفسير : [النساء: 90] أمرٌ واحد، وهو تركهم إذا تركوا المؤمنين وسالموهم، وقتالُهم إذا ناصبوهم العَداء، إلاّ أن الله تعالى جعل الشرط المفروض بالنسبة إلى الأوّلين: أنّهم يعتزلون المسلمين، ويلقون إليهم السلم، ولا يقاتلونهم، وجعل الشرط المفروض بالنسبة إلى هؤلاء أنّهم لا يعتزلون المسلمين، ولا يلقون إليهم السلم، ولا يكفّون أيديهم عنهم، نظراً إلى الحالة المترقبّة من كلّ فريق من المذكورين. وهو افتنان بديع لم يبق معه اختلاف في الحكم ولكن صرّح باختلاف الحالين، وبوصف ما في ضمير الفريقين. والوجدان في قوله: {ستجدون آخرين} بمعنى العثور والإطّلاع، أي ستطَّلعون على قوم آخرين، وهو من استعمال وَجد، ويتعدّى إلى مفعول واحد، فقوله: {يريدون} جملة في موضع الحال، وسيأتي بيان تصاريف استعمال الوجدان في كلامهم عند قوله تعالى: {أية : لتَجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا} تفسير : في سورة المائدة (82). وجيء باسم الإشارة في قوله: وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً} لزيادة تمييزهم. (والسلطان المبين) هو الحجّة الواضحة الدالّة على نفاقهم، فلا يُخْشَى أن ينسب المسلمون في قتالهم إلى اعتداء وتفريق الجامعة.
القطان
تفسير : ثقفتموهم: وجدتموهم. السلطان المبين: الحجة الواضحة. ستجدون طائفة أخرى منافقة شريرة كالطائفة السابقة، لكنها ليست مرتبطة بميثاق ولا متصلة بقوم لهم معكم ميثاق. وهؤلاء فريق من المنافقين كانوا يُظهرون الإسلام للرسول وأصحابه ليأمنوا القتل والسباء. اما الحقيقة فإنهم كفار. يعلم ذلك منهم قومهم. وكان هؤلاء يأتون النبي فيُسْلِمون رياءً ثم يرجعون الى قريشٍ فيرتكسون في الأوثان، يريدون ان يأمنوا ههنا وههنا. {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} كلما دعاهم قومهم الى الشِرك بالله ارتدّوا، فصاروا مشركين مثلهم. فأمر الله بقتالهم ان لم يصلُحوا.. أي إذا لم يعتزلوكم ويلتزموا الحياد على الأقل: خُذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم فلا علاج لهم غير ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {آخَرِينَ} {كُلَّ مَا} {وَأُوْلَـٰئِكُمْ} {سُلْطَاناً} (91) - وَهُنَاكَ فِئَةٌ مُنَافِقَةٌ، يُظْهِرُونَ لِلنَّبِيِّ وَأصْحَابِهِ الإِسْلاَمَ، لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأمْوالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، وَيُصَانِعُونَ الكُفَّارَ فِي البَاطِنِ، فَيَعْبُدُونَ مَعَهُمْ مَا يَعْبُدُونَ لِيَأمَنُوا بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَهُمْ فِي البَاطِنِ مَعَ أولَئِكَ، وَكُلَّمَا دُعُوا إلى الشِّرْكِ (الفِتْنَةِ) أوْغَلُوا فِيهِ وَانْهَمَكُوا، وَتَحَوَّلُوا إليهِ أقْبَحَ تَحوُّلٍ، فَهَؤُلاَءِ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِقِتَالِهِمْ إلى أنْ يَعْتَزِلُوا القِتَالَ، وَيَقْبَلُوا بِالصُّلْحِ وَالمُهَادَنَةِ، وَيُلْقُوا إلى المُسْلِمِينَ زِمَامَ المُسَالَمَةِ وَالمُهَادَنَةِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلمُؤْمِنِينَ سُلْطَاناً وَاضِحاً عَلَى قِتَالِهِمْ. حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ - حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. سُلْطَاناً مُبِيناً - بُرْهَاناً وَاضِحاً. يُلْقُوا إِلَيكُمْ السَّلَمَ - يُلْقُوا إلَيكُمْ زِمَامَ المُهَادَنَةِ وَالمُسَالَمَةِ. أُرْكِسُوا فِيهَا - قُلِبُوا فِي الفِتْنَةِ أَشْنَعَ قَلْبٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تبدأ هذه الآية بفعل يتحدث عن المستقبل: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ}. معنى ذلك أن المسلمين لحظة نزول هذه الآية لم يكونوا قد وجدوا مثل هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم الحق، ولو لم يحدث للمعاصرين لنزول القرآن أن وجدوا مثل هؤلاء ماذا كانوا يقولون عن هذا الخبر؟. لو لم يجدوا مثل هؤلاء القوم لتشككوا في القرآن. وسبحانه يوضح أني عين معكم، وعين لكم، أخبرتكم بما حدث واختلفتم فيه، وأخبركم بما لم يصل إلى أذهانكم وعلمكم فلا تختلفوا فيه، وهذا دليل على أنكم في رعايتي وفي عنايتي. {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} وهؤلاء القوم هم قوم من بني أسد وعطفان، وكانوا على مشارف المدينة، وكانوا يقابلون المسلمين فيقولون: "نحن معكم"، والحقيقة أنهم عاجزون عن مواجهة أي معسكر. ولذلك يصفهم القرآن: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا}. وهؤلاء كلما جاءهم الاختبار {أُرْكِسُواْ فِيِهَا}. أي فشلوا في الاختبار، فعناصرهم الإيمانية لم تقو بعد، ومازالوا في حيرة من أمرهم. وعندما جاءتهم الفتنة لتصهرهم وتكشف ما في أعماقهم ازدادت حيرتهم، فالفتنة هي اختبار، وليست الفتنة شيئاً مذموماً، وعندما يقال: إن فلانا في فتنة فعلى المؤمن أن يدعو بالنجاح فيها، فالفتنة ليست مصيبة تقع، ولكن المصيبة تقع إذا رسب الإنسان في الفتنة. ونعلم أن الفتنة مأخوذة من الأمر الحسي، فتنة الذهب وكذلك الحديد: فتنة الذهب هي صهر الذهب في البوتقة حتى ينصهر؛ فتطفو كالزبد كلُّ العناصر الشائبة المختلطة بالذهب، وكذلك الحديد، يتم صهره حتى تنفصل الذرات المتماسكة بعضها عن بعض. ويطفو الخبث. ونعرف أن الحديد أنواع: فالحديد الزهر شوائبه ظاهرة فيه وسهل الكسر. بينما نجد الحديد الصلب بلا خبث فهو صلب. وفتنة الذهب والحديد تكشف عن المعادن الغريبة المختلطة به. ونقلت كلمة "الفتنة" من المحسات إلى المعاني، وصارت الفتنة هي الاختبار الذي ينجح فيه الإنسان أو يرسب، فهي ليست ضارة في ذاتها، ولكنها ضارة لمن يرسب فيها. وهكذا كان تنبؤ القرآن الذي يخبر المسلمين بأمر قوم على حدودهم، تجعلهم الفتنة لا يقوون على الإيمان، أي فكلما دعاهم قومهم إلى الشرك وقتال المسلمين رُدُّوا على أعقابهم وانقلبوا على رءوسهم أقبح قلب وأشنعه وكانوا شرّاً من كل عدو عليكم، ويشرح القرآن كيفية سلوك المؤمنين تجاه هؤلاء المرتكسين والمنقلبين في الفتنة: {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} ونلحظ أن الحق أمر بتأمين من لجأوا بضعفهم على الرغم من نفاقهم إما إلى المسلمين وإما إلى حلفاء المسلمين حين قال في الآية السابقة: {أية : فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 90]. وهذا إنصاف وتنبيه إلهي من الحق ألا يسمع أحد صوت حفيظته ويفترس قوماً ضعفاء. أما الذين يحاولون التمرد والاستسلام لصوت الكفر وإيقاع الأذى بالمسلمين، ولم يلقوا بالسلم للمسلمين ويكفوا أيديهم عنهم، هؤلاء يأتي فيهم الأمر الإلهي: خذوهم واقتلوهم. وجعل الله للمسلمين على هؤلاء السلطانَ المبين. والسلطان - كما نعرف - هو القوة، والقوة تأخذ لونين: هناك قوة تقهر الإنسان على الفعل كأن يأتي واحد ويأمر إنساناً بالوقوف فيقف، وكأنْ يأمر القويُّ الضعيفَ بالسجود فيسجد. وهذا سلطان القوة الذي يقهر القالب، لكنه لا يقدر على قهر القلب أبداً. والسلطان الثاني هو سلطان الحجة، وقوة المنطق وقوة الأداء والأدلة التي تقنع الإنسان أن يفعل. والفارق بين سلطان القوة وسلطان الحجة أن سلطان القوة قد يقهر الإنسان على السجود، لكن سلطان الحجة يجعل الإنسان يسجد بالاقتناع. والسلطان المبين الذي جعله الله للمؤمنين على المنافقين الذين يقاتلون المؤمنين، هذا السلطان يمكن لكم أيها المسلمون قوة تفعلون بها ما تريدون من هؤلاء ما داموا حاولوا القتال وإلحاق الأذى بالمسلمين، فالحزم والعدل هو أخذهم بالعنف. وحتى نفهم معنى السلطان جيداً فلنتذكر الجدل الذي سيحدث في الآخرة بين الشيطان والذين اتبعوا الشيطان، سنجد الشيطان يقول: لقد أغويتكم، هذا صحيح، وأنتم اتبعتموني، فأنتم المسئولون عن ذلك، فلم يكن لي عليكم من سلطان قوة أو سلطان إقناع: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]. وبعد أن تكلم الحق عن القتال ومشروعيته، وقتال المنافقين، وقتال الآخرين. نجد الكلام يصل إلى موضوع القتل. فأوضح لهم: المسألة أنني أنا الذي عملت البنيان الآدمي، والحياة أنا الذي أهبها، وليس من السهل لباني البنيان أن يحرض على هدمه، إنما أنا أحرض على هدم هؤلاء الذين يقاتلونكم؛ لكي يسلم باقي البنيان لكم، وإياكم أن تجترئوا على بنيانات الناس، فملعون من يهدم بنيان الله؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وهو الذي يأخذ الحياة، وحياة الناس ليست ملكاً لهم؛ فحياة الإنسان نفسه ليست ملكاً لنفسه، ولذلك فمن يقتل واحداً، عُدْواناً دون حق نقتص منه، وأما إن كان ذلك قد قتل خطأ فنأخذ منه الدية، وتنتهي المسألة. لكن قاتل نفسه تحرم عليه الجنة. إذن فقبل أن يقول لي: لا تقتل غيرك قال لي: إياك وأن تقتل نفسك. إذن فسبحانه ليس بغيور فقط على الناس منك، بل يغار عليك أيضاً من نفسك، ولذلك فحين شرع سبحانه القصاص في القتل شرعة ليحميك لا ليجرئك على أن تقتل، أما عندما يأمر سبحانه: أن من قَتَلَ يُقتل. فهو يقسط ويعدل، والقصد من هذا الحفاظ على حياتين؛ لأنك إن علمت أنك إن قَتَلْتَهُ قُتِلْت لا تقتل. وما دمت لا تقتل فقد حميت حياتين حياة من كنت ستقتله وحياتك من أن يُقتص منك وهذا هو معنى قوله: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [البقرة: 179]. إذن فالذي يتفلسف ويقول: هذه بشاعة وكذا وكذا نقول له: الذي يشرع القصاص أيريد أن يَقتل؟ لا، بل يريد أن يحمي حياتك؛ لأن القاتل عندما يعلم أنه إن قَتَلَ يُقتل فلا يقتل، وما دام لا يقتل نكون قد حافظنا على حياته وحياة الآخر. إذن فقوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} قول صدق. وعندما تكلم الحق عن القتال والقتل ينبهنا: إياكم وأن تجترئوا بسبب هذه المسائل على دماء الناس ولا على حياتهم؛ لذلك يتكلم سبحانه عن القتل المحظور في الإيمان والإسلام ويقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً...}.
الأندلسي
تفسير : {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} الآية، لما ذكر صفة الملحقين في المتاركة المجدين في إلقاء السلم فيه على طائفة أخرى مخادعة يريدون الإِقامة في مواضعهم مع أهليهم يقولون: لهم نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون للمسلمين كذلك إذا وفدوا. قيل: كانت أسد وغطفان بهذه الصفة فنزلت فيهم، قاله مقاتل. {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي ظفرتهم بهم لقوله تعالى: {أية : إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً}تفسير : [الممتحنة: 2] وما دلت عليه هذه الآية من موادعة الكفار وترك قتلهم منسوخ بآية السيف التي في براءة. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} الآية، كان عياش ابن أبي ربيعة قد أسلم وهاجر فتحيل أبو جهل وكان عياش أخاه لامه والحارث بن زيد بن انيسة حتى أخرجاه من المدينة فجلده كل واحدة منهما مائة جلدة وأتيا به إلى أمه لمكة فحلف عياش أنه إن ظفر بالحارث ليقتلنّه فأسلم الحارث ولقيه عياش بظهر قبا فقتله ولم يشعرْ بإِسلامه فنزلت. و{إِلاَّ خَطَئاً} استثناء ظاهره الانقطاع لأن قتل المؤمن على قسمين العمد: وهو لا يجوز البتة ومتوعد عليه بالخلود في النار. والخطأ: وهو متجاوز عنه في الآخرة لكن يجب على القاتل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من الأحكام قيل: وانتصب خطأ على أنه مفعول من أجله أو نصباً على الحال أو نعتاً لمصدر محذوف تقديره إلا قتلاً خطأ. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} التحرير الاعتاق والعتيق الكريم لأن الكرم في الاحرار كما أن الكرم في العبيد ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير لكرامها وحُرّ الوجه أكرم موضع منه. والرقبة: عبر بها عن النسمة كما عبر بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأساً من الرقيق. والظاهر أن كل رقبة اتصفت بأن يحكم لها بالإِيمان منتظم تحت قوله: رقبة مؤمنة، انتظام عموم البدل فيندرج فيها من ولد بين مسلمين ومن أحد أبويه مسلم صغيراً كان أو كبيراً، ومن سباه مسلم من دار الحرب قبل البلوغ. وإطلاق الرقبة المؤمنة لا يدع إلا على من تسمت مؤمنة من غير اعتبار بشرط آخر. والظاهر أن وجوب التحرير والدية على القاتل لأنه مستقراً في الكتاب والسنة من فعل شيئاً يلزم فيه أمر من الغرامات بمثل الكفارات إنما يجب ذلك على فاعله. قوله: {وَدِيَةٌ} أصله مصدر تقول: وداه يديه ديّة وذلك عبارة عما يغرم في قتل الخطأ ولم يأت في كتاب الله مقدار الدية ولا من أي شيء تكون وللفقهاء من ذلك اختلاف كثير وينبغي أن نرجع في تفسير الدية إلى ما تثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى مسلمة إلى أهله أي موادة مدفوعة إلى أهل المقتول، أو إلى أوليائه الذي يرثونه يقتسمونها كالميراث لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية، وإذا لم يكن له وارث فهي لبيت المال. وقال الشريك: لا يقضي من الدية دين ولا ينفذ منها وصية. وقال ابن مسعود: يرث كل وارث منها غير القاتل. ومعنى قوله: إلا أن يصدقوا، إلا أن يعفو وارثه عن الدية فلا دية. وجاء بلفظ التصدق تنبيهاً على فضيلة العفو وحضاً عليه فإِنه جار مجرى الصدقة في استحقاق الثواب الآجل دون طلب العرض العاجل وهذا حكم من قتل في دار الاسلام خطأ. وفيه قوله: إلا أن يصدقوا، دليل على جواز البراءة من الدين بلفظ الصدقة، ودليل على أنه لا يشترط القبول في الابراء خلافاً لزفر فإِنه قال: لا يبرأ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة. والظاهر أن الجماعة إذا اشتركوا في قتل رجل خطأ ليس عليهم كلهم إلا كفارة واحدة لعموم قوله: ومن قتل وترتيب تحرير رقبة واحدة ودية على ذلك وبه قال أبو ثور: وحكى عن الأوزاعي وقال الحسن وعكرمة والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: على كل واحد منهم الكفارة. وهذا الاستثناء قيل منقطع وقيل متصل. قال الزمخشري: فإِن قلت: لم تعلق أن يصدقوا وما محله؟ قلت: تعلق بعليه أو بمسلمة. كأنه قيل: ويجب عليه الدية أو يسلمها إلا حين يتصدقون عليه ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم: اجلس ما دام زيد جالساً. ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى إلا متصدقين. "انتهى". وكلا التخريجين خطا اما جعْل ان مع ما بعدها ظرفاً فلا يجوز نص النحويون على ذلك وإنه مما انفردت به ما المصدرية ومنعوا أن تقول أجيئك أن يصيح الديك، تريد وقت صياح الديك. وإما أن ينسبك منها مصدر فتكون في موضع الحال فنصبوا أيضاً على أن ذلك لا يجوز. قال سيبويه: في قول العرب: أنت الرجل أن تنازل أو ان تخاصم، في معنى: أنت الرجل نزالا وخصومة ان انتصاب هذا انتصاب المفعول من أجله لأن المستقبل لا يكون حالاً فعلى هذا الذي قررناه يكون كونه استثناء منقطعاً هو الصواب. {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} قال ابن عباس وجماعة: المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلاً مؤمناً قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدو لكم فلا دية فيه وإنما كفارته تحرير رقبة والسبب عندهم في نزولها أن جيوش المسلمين كانت تمر بقبائل الكفر فربما قتل من آمن ولم يهاجر أو من قد هاجر ثم رجع إلى قومه فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار فنزلت الآية. {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} الآية، قال الحسن وجماعة: إن كان المقتول خطأ مؤمناً من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم فكفارته التحرير وأداء الدية إليهم. وقال النخعي: ميراثه للمسلمين. وقال ابن عباس وجماعة: المقتول من أهل العهد خطأ كان مؤمناً أو كافراً على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم والتحرير واختلف على هذا في دية المعاهد. فقال أبو حنيفة وغيره: ديته كدية المسلم وروى ذلك عن أبي بكر وعمر وقال مالك وأصحابه: نصف دية المسلم. وقال الشافعي وأبو ثور: ثلث دية المسلم. والظاهر أن قتل المؤمن خطأ تارة يكون في دار الإِسلام، وتارة في دار الحرب، وتارة في دار المعاصرين. وأطلق في قوله: وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق المراد تقييد المقتول بالإِيمان كما قيد فيما قبله فحمل المطلق على المقيد فيما قبل. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} يعني رقبة ولا ما يتوصل به إلى تملكها وأعوزت الدية، فالواجب عليه صوم شهرين متتابعين لا يتخللهما فطر، فلو عرض حيض لم يعد قطعاً بإِجماع المرض المانع من الصوم كالحيض. {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية، نزلت في مقيس بن صبابة حين قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من الأنصار فأخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر فقتله مقيس ورجع إلى مكة مرتداً وجعل ينشد: شعر : قتلت به فهراً وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارغ حللت به وترى وأدركت ثورتي وكنت إلى الأوثان أولى راجع تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا أومنه في حل ولا في حرم وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة تفسير : . والظاهر تخليد هذا القاتل في النار، وتأول أهل السنة على أن يكون القاتل استحل قتل المؤمن فيكون بذلك كافراً، أو على أن معنى قوله: فجزاؤه جهنم أي فجزاؤه أن جازاه. وقالت المعتزلة بظاهر هذه الآية وهو تخليد من قتل مؤمناً متعمداً في النار دائماً قالوا: وهذه الآية نزلت بعد قوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] فخصت العموم كأنه قال: ويغفر لمن يشاء إلا من قتل مؤمناً متعمداً فلا يغفر له.
الجيلاني
تفسير : {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} من الكفار {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} بإظهار الهدنة والمحبة والاستسلام {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} عن شركم وقتالكم، هم أعداء لكم لا تغفلوا عنهم وعن هجومهم بغتة؛ إذ هم {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} إلى الكفر والعداوة {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} وعادوا إليها وصاروا على ما كانوا، بل أشد منه {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} إظهاراً لودادتكم {وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} تخديعاً وتأميناً {وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ} عن قتالكم تغريراً لكم حتى يتهيئوا أسبابهم {فَخُذُوهُمْ} وأسروهم {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} حيث وجدتموهم في داركم أو دارهم {وَأُوْلَـٰئِكُمْ} المغرورون بخداعهم {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ} على أخذهم وقتلهم {سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 91] حجة واضحة، فعليكم ألاَّ تعبئوا بدعواهم، ولا تغتروا بصلحهم وكفهم، وإلقائهم السلم؛ إذ هم من غاية بغضهم معكم يريدون أن يخدعوكم وينتهزوا الفرصة لمقتكم. {وَمَا كَانَ} أي: ما صح وجاز {لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} لا قصداً واختياراً مطلقاً {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي: لزم عليه شرعاً تحرير رقبة متصفة بالإيمان، محكومة به؛ ليكون كفارة مسقطة لحق الله {وَ} لزم عليه أيضاً {دِيَةٌ} كاملة {مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} ورثته الذين يرثون منه حفظاً لحقوقهم، وجبراً لما انكسر من قلوبهم {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي: يسقطوا حقوقهم متصدقين {فَإِن كَانَ} المقتول {مِن} عداد {قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} عداوة بينة {وَهُوَ} أي: المقتول {مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي: فالواجب على القاتل تحرير رقبة مؤمنة فقط، إذ لا مواساة مع أهله، ولا وراثة لهم منه {وَإِن كَانَ} المؤمن المقتول {مِن قَوْمٍ} ذوي ذمة {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} عهد وثيق {فَدِيَةٌ} أي: فاللازم حينئذ دية كاملة {مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ} حفظاً للميثاق ومواساة معهم رجاء أن يؤمنوا؛ إذ سر المواثيق والعهود الواقعة بين أهل الإيمان والكفر إنما هو المواسة والمداراة معهم ملاطفة؛ رجاء أن يرغبوا بالإيما طوعاً {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} لإسقاط حق الله وجبر ما انكسر من حدوده {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} رقبة مملوكة ولا ما يتوصل به إلأيها {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} فعليه أن يصوم شهرين كاملين على التوالي بلا فصل كسراً لما جرأه على هذا الخطأ، وليكون {تَوْبَةً} مقبولة عند الله مكفرة لخطئه ناشئة {مِّنَ} خوف {ٱللَّهِ} وخشيته لاجترائه على تخريب بيته {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع بصمائر عباده {عَلِيماً} بحاله وقت إنابته ورجوعه {حَكِيماً} [النساء: 92] فيما أمره وحكم عليه لإزالة ما عليه وما صدر عنه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):