٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
92
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار، وحرض عليها ذكر بعد ذلك بعض ما يتعلق بهذه المحاربة، فمنها أنه تعالى لما أذن في قتل الكفار فلا شك أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلا يظنه كافرا حربيا فيقتله، ثم يتبين أنه كان مسلما، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية وههنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ازداد وقع حذيفة عنده، فنزلت هذه الآية: الرواية الثانية: أن الآية نزلت في أبي الدرداء، وذلك لأنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئا، فذكر الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : هلا شققت عن قلبه» تفسير : وندم أبو الدرداء فنزلت الآية. الرواية الثالثة: روي أن عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا لأبي جهل من أمه، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وطولا في الأحاديث، فقال أبو جهل: أليس أن محمداً يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك فرجع، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحرث مائة أخرى، فقال للحرث: هذا أخي فمن أنت يا حرث، لله علي إن وجدتك خالي أن أقتلك. وروي أن الحرث قال لعياش حين رجع: إن كان دينك الأول هدى فقد تركته وإن كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه، فشق ذلك على عياش وحلف أن يقتله، فلما دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول ففعل، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر، فلقيه عياش خالياً ولم يشعر باسلامه فقتله، فلما أخبر بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قتلته ولم أشعر باسلامه، فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: قوله تعالى: { وَمَا كَانَ } فيه وجهان: الأول: أي وما كان فيما أتاه من ربه وعهد إليه. الثاني: ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف. المسألة الثالثة: قوله: {إِلا خطأ} فيه قولان: الأول: أنه استثناء متصل، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها: الأول: أن هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى، لأن قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأ} معناه أنه يؤاخذ الانسان على القتل إلا اذا كان القتل قتل خطأ فإنه لا يؤاخذ به. الثاني: أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ، والمعنى أنه ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ. وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا، فههنا يجوز قتله، ولا شك أن هذا خطأ، فانه ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافرا. الثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: وما كان مؤمن ليقتل مؤمناً إلا خطأ، ومثله قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] تأويله: ما كان الله ليتخذ من ولد، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء، إنما ينفي عنه ما لا يليق به، وأيضا قال تعالى: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } تفسير : [النمل: 60] معناه ما كنتم لتنبتوا، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها، فانه تعالى هو القادر على إنبات الشجر. الرابع: أن وجه الاشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل، وهو أن يقال: الاستثناء من النفي إثبات، وهذا يقتضي الاطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال، وذلك محال، إلا أن هذا الاشكال إنما يلزم اذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه، واذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالاثبات، وحينئذ يندفع الاشكال. ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس باثبات قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا صلاة الا بطهور ولا نكاح الا بولي» تفسير : ويقال: لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم. الخامس: قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة: تقدير الآية: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا، الا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا، قال: والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا، الا أن يكون خطأ فإنه لا يخرجه عن كونه مؤمنا. واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن، وهو أصل باطل، والله أعلم. القول الثاني: أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن، ونظيره في القرآن كثير. قال تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً} تفسير : [النساء: 29] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ } تفسير : [النجم: 53] وقال: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً } تفسير : [الواقعة: 25، 26] والله أعلم. المسألة الرابعة: في انتصاب قوله: {خطأ} وجوه: الأول: أنه مفعوله له، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل، إلا لكونه خطأ. الثاني: أنه حال، والتقدير: لا يقتله ألبتة إلا حال كونه خطأ. الثالث: أنه صفة للمصدر. والتقدير: إلا قتلا خطأ. قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ }. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه الله: القتل على ثلاثة أقسام: عمد، وخطأ، وشبه عمد. أما العمد: فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن، وهذا قول الشافعي. وأما الخطأ فضربان: أحدهما: أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما. والثاني: أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار، والأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد. أما شبه العمد: فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه. قال الشافعي رحمه الله: هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب. المسألة الثانية: قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض، بل هو خطأ وشبه عمد، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة، ولا يجب فيه القصاص. وقال الشافعي رحمه الله: إنه عمد محض يجب فيه القصاص. أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه، ثم إن ذلك الوكز يسمى بالقتل، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني: {أية : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأمْسِ } تفسير : [القصص: 19] وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالأمس ليس إلا الوكز، فثبت أن القبطي سماه قتلا، وأيضاً إن موسى صلوات الله عليه سماه قتلا حيث قال: {أية : رَبّى إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } تفسير : [القصص: 33] وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك الوكز، وأيضا إن الله تعالى سماه قتلا حيث قال: {أية : وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } تفسير : [طه: 40] فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول الله تعالى، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل»تفسير : فسماه قتلا، فثبت بهذين الدليلين أنه حصل القتل، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فإن من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا، أو صلبه أو غرقه، أو خنقه ثم قال: ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم، فثبت أنه قتل عمد عدوان، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول. أما النص: فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص، كقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } تفسير : [البقرة: 178] {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } تفسير : [المائدة: 45] {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 33] {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194]. وأما المعقول: فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار. قال تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } تفسير : [البقرة: 179] وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل» تفسير : وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا. والجواب: أن قوله: «قتيل الخطأ» يدل على أنه لا بد وأن يكون معنى الخطأ حاصلا فيه، وقد بينا أن من خنق إنساناً أو ضرب رأسه بحجر الرحا، ثم قال: ما كنت أقصد قتله، فإن كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه. والله أعلم. المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة، وقال الشافعي: يوجب. احتج أبو حنيفة بهذه الآية، فقال قوله: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خطأ} شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط، فيقال له: إنه تعالى قال: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم } تفسير : [النساء: 25] فقوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } ما كان شرطا لجواز نكاح الأمة على قولكم، فكذلك ههنا. ثم نقول: الذي يدل على وجوب الكفارة في القتل العمد الخبر والقياس. أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل، فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار. وأما القياس: فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار، والحاجة الى هذا المعنى في القتل العمد أتم، فكانت الحاجة فيه الى ايجاب الكفارة أتم والله أعلم. وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال: لما وجبت الكفارة في قتل الصيد في الاحرام سوينا بين العامد وبين الخاطىء إلا في الاثم، فكذا في قتل المؤمن، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال: نص الله تعالى هناك في العامد، وأوجبنا على الخاطىء. فههنا نص على الخاطىء، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد الى الاعتاق المخلص له عن النار أشد كان ذلك أولى. المسألة الرابعة: قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزى الرقبة إلا إذا صام وصلى، وقال الشافعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم: يجزى الصبي إذا كان أحد أبويه مسلما. حجة ابن عباس هذه الآية، فإنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة، والمؤمن من يكون موصوفا بالايمان، والايمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع، وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي فلم يكن مؤمنا، فوجب أن لا يجزى. حجة الفقهاء أن قوله: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خطأ} يدخل فيه الصغير، فكذا قوله: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } فوجب أن يدخل فيه الصغير. المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: الدية في العمد المحض وفي شبه العمد مغلظة مثلثة ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وأما في الخطأ المحض فمخففة: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وأما أبو حنيفة فهو أيضاً هكذا يقول في الكل إلا في شيء واحد فإنه أوجب بني مخاض بدلا عن بنات لبون. حجة الشافعي رحمه الله أنه تعالى أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفية الدية فرجعنا في معرفة الكيفية إلى السنة والقياس، فلم نجد في السنة ما يدل عليه. وأما القياس فإنه لا مجال للمناسبات والتعليلات المعقولة في تعيين الأسباب وتعيين الأعداد، فلم يبق ههنا مطمع إلا في قياس الشبه، ونرى أن الدية وجبت بسبب أقوى من السبب الموجب للزكاة، ثم إنا رأينا أن الشرع لم يجعل لبني مخاض دخلا في باب الزكاة، فوجب أن لا يكون لها دخل في باب الدية أيضاً. وحجة أبي حنيفة أن البراءة كانت ثابتة، والأصل في الثابت البقاء، فكانت البراءة الأصلية باقية، ولا يعدل عن هذا الدليل إلا لدليل أقوى منه فنقول: الأول هو المتفق عليه فاعترفنا بوجوبه: وأما الزائد عليه فوجب أن يبقى على النفي الأصلي. والجواب: أن الذمة مشغولة بوجوب الدية، والأصل في الثابت البقاء، وقد رأينا حصول الاتفاق على السقوط بأداء أكثر ما قيل فيه، فوجب أن لا يحصل ذلك السقوط عند أداء أقل ما فيه، والله أعلم. المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: إذا لم توجد الابل، فالواجب إما ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم. وقال أبو حنيفة: بل الواجب عشرة آلاف درهم. حجة الشافعي: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: كانت قيمة الدية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار. وثمانية آلاف درهم، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قام خطيبا. وقال: إن الابل قد غلت أثمانها، ثم إن عمر فرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق أثنى عشر ألفا، وجه الاستدلال أن عمر ذكر ذلك في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد فكان إجماعا. حجة أبي حنيفة: أن الأخذ بالأقل أولى، وقد سبق جوابه. المسألة السابعة: قال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية واجبة على القاتل، قالوا: ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ خطأ} لا شك أنه إيجاب لهذا التحرير، والايجاب لا بد فيه من شخص يجب عليه ذلك الفعل، والمذكور قبل هذه الآية هو القاتل، وهو قوله: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً } فهذا الترتيب يوجب القطع بأن هذا التحرير إنما أوجبه الله تعالى عليه لا على غيره، والثاني: أن هذه الجناية صدرت منه، والمعقول هو أن الضمان لا يجب إلا على المتلف، أقصى ما في الباب أن هذا الفعل صدر عنه على سبيل الخطأ. ولكن الفعل الخطأ قائم في قيم المتلفات وأروش الجنايات، مع أن تلك الضمانات لا تجب إلا على المتلف، فكذا ههنا. الثالث: أنه تعالى أوجب في هذه الآية شيئين: تحرير الرقبة المؤمنة، وتسليم الدية الكاملة، ثم انعقد الاجماع على أن التحرير واجب على الجاني، فكذا الدية يجب أن تكون واجبة على القاتل، ضرورة أن اللفظ واحد في الموضعين. الرابع: أن العاقلة لم يصدر عنهم جناية ولا ما يشبه الجناية، فوجب أن لا يلزمهم شيء للقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : لا تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ }تفسير : [الأنعام: 164] وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } تفسير : [الأنعام: 164] وقال: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } تفسير : [البقرة: 286] وأما الخبر فما روي أن أبا رمثة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابنه فقال عليه الصلاة والسلام: من هذا فقال ابني، قال إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه، ومعلوم أنه ليس المقصود منه الاخبار عن نفس الجناية إنما المقصود بيان أن أثر جنايتك لا يتعدى إلى ولدك وبالعكس، وكل ذلك يدل على أن إيجاب الدية على الجاني أولى من إيجابها عل الغير. الخامس: أن النصوص تدل على أن مال الانسان معصوم وأنه لا سبيل لأحد أن يأخذه منه. قال تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً } تفسير : [النساء: 29] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : كل امرىء أحق بكسبه» تفسير : وقال: «حديث : حرمة مال المسلم كحرمة دمه»تفسير : وقال: «حديث : لا يحل مال المسلم إلا بطيبة من نفسه» تفسير : تركنا العمل بهذه العمومات في الأشياء التي عرفنا بنص القرآن كونها موجبة لجواز الأخذ كما قلنا في الزكوات، وكما قلنا في أخذ الضمانات. وأما في إيجاب الدية على العاقلة فالمعتمد فيه على خبر الواحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز، لأن القرآن معلوم، وخبر الواحد مظنون، وتقديم المظنون على المعلوم غير جائز، ولأن هذا خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى فيرد، ولأنه خبر واحد ورد على مخالفة جميع أصول الشرائع، فوجب رده، وأما الفقهاء فقد تمسكوا فيه بالخبر والأثر والآية: أما الخبر: فما روى المغيرة أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاقلة الضاربة بالغرة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا من سجع الجاهلية، وأما الأثر: فهو أن عمر رضي الله عنه قضى على علي بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة،والله أعلم. المسألة الثامنة: مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل. وقال الأصم وابن عطية: ديتها مثل دية الرجل. حجة الفقهاء أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك، ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل، فكذلك في الدية. وحجة الأصم قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ } وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية، والله أعلم. المسألة التاسعة: انفقوا على أن دية الخطأ مخففة في ثلاث سنين: الثلث في السنة، والثلثان في السنتين، والكل في ثلاث سنين. استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه فيه أحد من السلف فكان إجماعا. المسألة العاشرة: لا فرق في هذه الدية بين أين يقضي منها الدين وتنفذ منها الوصية، ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله تعالى. روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فشهد بعض من الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها، فقضى عمر بذلك، وإذ قد ذكرنا هذه المسائل فلنرجع إلى تفسير الآية فنقول: قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } معناه فعليه تحرير رقبة، والتحرير عبارة عن جعله حرا، والحر هو الخالص، ولما كان الانسان في أصل الخلقة خلق ليكون مالكا للأشياء كما قال تعالى:{أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] فكونه مملوكا يكون صفة تكدر مقتضى الانسانية وتشوشها، فلا جرم سميت إزالة الملك تحريراً، أي تخليصا لذلك الانسان عما يكدر إنسانيته، والرقبة عبارة عن النسمة كما قد يجعل الرأس أيضا عبارة عن نسمة في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق، والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الاسلام عند الفقهاء، وعند ابن عباس لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت، وقد ذكرنا هذه المسألة. وقوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ } قال الواحدي: الدية من الودي كالشية من الوشي، والأصل ودية فحذفت الواو يقال: ودى فلانا فلانا، أي أدى ديته إلى وليه، ثم إن الشرع خصص هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس دون ما يؤدى في بدل المتلفات، ودون ما يؤدى في بدل الاطراف والاعضاء. ثم قال تعالى: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } أصله يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد، ومعنى التصدق الاعطاء قال الله تعالى: {أية : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ } تفسير : [يوسف: 88] والمعنى: إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية. قال صاحب «الكشاف»: وتقدير الآية، ويجب عليه الدية وتسليمها إلى حين يتصدقون عليه، وعلى هذا فقوله: {أَن يَصَّدَّقُواْ } في محل النصب على الظرف، ويجوز أن يكون حالا من أهله بمعنى إلا متصدقين. ثم قال تعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ }. فاعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى: أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية، وذكر في هذه الآية أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا من قوم عدو لنا فعليه تحرير الرقبة وسكت عن ذكر الدية، ثم ذكر بعد أن المقتول إن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وجبت الدية، والسكوت عن إيجاب الدية في هذه الآية مع ذكرها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها يدل على أن الدية غير واجبة في هذه الصورة. إذا ثبت هذا فنقول: كلمة «من» في قوله: {مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } إما أن يكون المراد منها كون هذا المقتول من سكان دار الحرب، أو المراد كونه ذا نسب منهم، والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن المسلم الساكن في دار الاسلام، وجميع أقاربه يكونون كفارا، فاذا قتل على سبيل الخطأ وجبت الدية في قتله، ولما بطل هذا القسم تعين الأول فيكون المراد: وإن كان المقتول خطأ من سكان دار الحرب وهو مؤمن، فالواجب بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة، فأما وجوب الدية فلا. قال الشافعي رحمه الله: وكما دلت هذه الآية على هذا المعنى فالقياس يقويه، أما أنه لا تجب الدية فلأنا لو أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب لاحتاج من يريد غزو دار الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم لا، وذلك مما يصعب ويشف فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو، فالأولى سقوط الدية عن قاتله لأنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكنى في دار الحرب، وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى، لأنه لما صار ذلك الانسان مقتولا فقد هلك إنسان كان مواظبا على عبادة الله تعالى، والرقيق لا يمكنه المواظبة على عبادة الله، فاذا أعتقه فقد أقامه مقام ذلك المقتول في المواظبة على العبادات، فظهر أن القياس يقتضي سقوط الدية، ويقتضي بقاء الكفارة،والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فيه قولان: الأول: أن المراد منه المسلم، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا حال المسلم القاتل خطأ ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل الحرب، ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل العهد وأهل الذمة ولا شك أن هذا ترتيب حسن فكان حمل اللفظ عليه جائزا، والذي يؤكد صحة هذا القول أن قوله {وَإِن كَانَ } لا بد من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدم، والذي جرى ذكره فيما تقدم هو المؤمن المقتول خطأ. فوجب حمل اللفظ عليه. القول الثاني: أن المراد منه الذمي، والتقدير: وإن كان المقتول من قوم بينكم وبينهم ميثاق ومعنى كون المقتول منهم أنه على دينهم ومذهبهم، والقائلون بهذا القول طعنوا في القول الأول من وجوه: الأول: أن المسلم المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمة فهو داخل تحت قوله: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ } فلو كان المراد من هذه الآية هو المؤمن لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وانه لا يجوز، بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكان دار الحرب، فانه تعالى إنما أعاده لبيان أنه لا تجب الدية في قتله، وأما في هذه الآية فقد أوجب الدية والكفارة، فلو كان المراد منه هو المؤمن لكان هذا إعادة وتكرارا من غير فائدة وإنه لا يجوز. الثاني: أنه لو كان المراد منه ما ذكرتم لما كانت الدية مسلمة إلى أهله لأن أهله كفار لا يرثونه. الثالث: أن قوله: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } يقتضي أن يكونوا من ذلك القوم في الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما، فإن كونه منهم مجمل لا يدرى أنه منهم في أي الأمور، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك الوصف زال الاجمال فكان ذلك أولى، وإذا دلت الآية على أنه منهم في كونه معاهدا وجب أن يكون ذميا أو معاهدا مثلهم ويمكن أن يجاب عن هذه الوجوه: أما الأول: فجوابه أنه تعالى ذكر حكم المؤمن المقتول على سبيل الخطأ، ثم ذكر أحد قسميه وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان دار الحرب، فبين أن الدية لا تجب في قتله، وذكر القسم الثاني وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان مواضع أهل الذمة، وبين وجوب الدية والكفارة في قتله، والغرض منه إظهار الفرق بين هذا القسم وبين ما قبله. وأما الثاني: فجوابه أن أهله هم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم. وأما الثالث: فجوابه أن كلمة «من» صارت مفسرة في الآية السابقة بكلمة «في» يعني في قوم عدو لكم، فكذا ههنا يجب أن يكون المعنى ذلك لا غير. واعلم أن فائدة هذا البحث تظهر في مسألة شرعية، وهي أن مذهب أبي حنيفة أن دية الذمي مثل دية المسلم، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المجوسي، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم. واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } المراد به الذمي، ثم قال: {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } فأوجب تعالى فيهم تمام الدية، ونحن نقول: إنا بينا أن الآية نازلة في حق المؤمنين لا في حق أهل الذمة فسقط الاستدلال، وأيضا بتقدير أن يثبت لهم أنها نازلة في أهل الذمة لم تدل على مقصودهم، لأنه تعالى أوجب في هذه الآية دية مسلمة، فهذا يقتضي إيجاب شيء من الأشياء التي تسمى دية، فلم قلتم إن الدية التي أوجبها في حق الذمي هي الدية التي أوجبها في حق المسلم؟ ولم لا يجوز أن تكون دية المسلم مقداراً معينا. ودية الذمي مقداراً آخر، فإن الدية لا معنى لها إلا المال الذي يؤدى في مقابلة النفس، فإن ادعيتم أن مقدار الدية في حق المسلم وفي حق الذمي واحد فهو ممنوع، والنزاع ما وقع إلا فيه، فسقط هذا الاحتجاج،والله أعلم. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وههنا عكس هذا الترتيب، إذ لو أفاده لتوجه الطعن في إحدى الآيتين فصار هذا كقوله: {أية : ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ } تفسير : [البقرة: 58] وفي آية أخرى {أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب} تفسير : [الأعراف: 161] والله أعلم. المسألة الثالثة: في هؤلاء الذين بيننا وبينهم ميثاق قولان: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم أهل الذمة من أهل الكتاب. الثاني: قال الحسن: هم المعاهدون من الكفار. ثم قال تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } أي فعليه ذلك بدلا عن الرقبة إذا كان فقيرا، وقال مسروق إنه بدل عن مجموع الكفارة والدية، والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وقوله: {تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } انتصب بمعنى صيام ما تقدم، كأنه قيل: اعملوا بما أوجب الله عليكم لأجل التوبة من الله، أي ليقبل الله توبتكم، وهو كما يقال: فعلت كذا حذر الشر. فإن قيل: قتل الخطأ لا يكون معصية، فما معنى قوله: {تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ }. قلنا فيه وجوه: الأول: أن فيه نوعين من التقصير، فإن الظاهر أنه لو بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل، ألا ترى أن من قتل مسلما على ظن أنه كافر حربي، فلو أنه بالغ في الاحتياط والاستكشاف فالظاهر أنه لا يقع فيه، ومن رمى إلى صيد فأخطأ وأصاب إنسانا فلو احتاط فلا يرمي إلا في موضع يقطع بأنه ليس هناك إنسان فانه لا يقع في تلك الواقعة، فقوله: {تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } تنبيه على أنه كان مقصرا في ترك الاحتياط. الوجه الثاني في الجواب: أن قوله: {تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } راجع إلى أنه تعالى أذن له في إقامة الصوم مقام الاعتاق عند العجز عنه، وذلك لأن الله تعالى اذا تاب على المذنب فقد خفف عنه، فلما كان التخفيف من لوازم التوبة أطلق لفظ التوبة لارادة التخفيف إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم. الوجه الثالث في الجواب: أن المؤمن إذا اتفق له مثل هذا الخطأ فإنه يندم ويتمنى أن لا يكون ذلك مما وقع فسمى الله تعالى ذلك الندم وذلك التمني توبة. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } والمعنى أنه تعالى عليم بأنه لم يقصد ولم يتعمد حكيم في أنه ما يؤاخذه بذلك الفعل الخطأ، فإن الحكمة تقتضي أن لا يؤاخذ الانسان إلا بما يختار ويتعمد. واعلم أن أهل السنة لما اعتقدوا أن أفعال الله تعالى غير معللة برعاية المصالح قالوا: معنى كونه تعالى حكيما كونه عالما بعواقب الأمور. وقالت المعتزلة: هذه الآية تبطل هذا القول لأنه تعالى عطف الحكيم على العليم، فلو كان الحكيم هو العليم لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وهو محال. والجواب: أن في كل موضع من القرآن ورد فيه لفظ الحكيم معطوفا على العليم كان المراد من الحكيم كونه محكما في أفعاله، فالأحكام والاعلام عائدان إلى كيفية الفعل،والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه عشرون مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} هذه آية من أُمّهات الأحكام. والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاَّ خطأ؛ فقوله: {وَمَا كَانَ} ليس على النّفي وإنما هو على التحريم والنهي، كقوله: { أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحزاب: 53] ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمناً قط؛ لأن ما نفاه الله فلا يجوز وجوده، كقوله تعالىٰ: { أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } تفسير : [النمل: 60]. فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبداً. وقال قتادة: المعنى ما كان له ذلك في عهد الله. وقيل: ما كان له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن ذلك بوجه، ثم استثنى استثناء منقطعاً ليس من الأوّل وهو الذي يكون فيه {إِلاَ} بمعنى {لَكِنِ} والتقدير ما كان له أن يقتله ألَبّتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا؛ هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله. ومن الاستثناء المنقطع قوله تعالىٰ: { أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ } تفسير : [النساء: 157]. وقال النابغة: شعر : وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلاَناً أسائلها عَيَّتْ جواباً وما بالرّبعِ من أحَدِ إلاَّ الأَوَارِيَّ لأْياً ما أبَيِّنُها والنُّؤْيُ كالحَوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ تفسير : فلما لم تكن الأواريّ من جنس أحدٍ حقيقة لم تدخل في لفظه. ومثله قول الآخر: شعر : أمسى سُقَامٌ خَلاءً لا أنيسَ به إلاَّ السباعَ ومر الريح بالغَرَفِ تفسير : وقال آخر: شعر : وبلدةٍ ليس بها أنيسُ إلاَّ اليعافيرُ وإلا العيس تفسير : وقال آخر: شعر : وبعضُ الرجال نخلةٌ لا جَنَى لها ولا ظلَّ إلاَّ أن تُعَدّ من النخل تفسير : أنشده سيبويه؛ ومثله كثير، ومن أبدعه قول جرير: شعر : مِن البِيضِ لم تَظْعن بعيداً ولم تطأ على الأرض إلاَّ ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ تفسير : كأنه قال: لم تطأ على الأرض إلاَّ أن تطأ ذيل البُرْد. ونزلت الآية بسبب قَتلِ عيّاشِ بن أبي ربيعة الحارثَ بن يزيد بن أبي أنيسة العامريّ لحَنّةٍ كانت بينهما، فلما هاجر الحارث مُسْلِماً لَقِيَه عيّاشٌ فقتله ولم يشعر بإسلامه؛ فلما أخبِر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، ولم أشعر بإسلامه حتى قتلتُه فنزلت الآية. وقيل: هو ٱستثناء متصل، أي وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ولا يقتصّ منه إلاَّ أن يكون خطأ؛ فلا يقتص منه، ولكن فيه كذا وكذا. ووجه آخر وهو أن يقدّر كان بمعنى استقرّ ووُجد؛ كأنه قال: وما وُجد وما تقرّر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاَّ خطأ إذ هو مغلوب فيه أحياناً؛ فيجيء الاستثناء على هذين التأويلين غير منقطع. وتتضمن الآية على هذا إعظامَ العَمْد وبشاعة شأنه؛ كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلاَّ ناسياً؟ إعظاماً للعمد والقصد مع حظر الكلام به ألبَتّة. وقيل: المعنى ولا خطأ. قال النحاس: ولا يجوز أن تكون {إِلاَ} بمعنى الواو، ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى؛ لأن الخطأ لا يُحْظَر. ولا يُفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر المسلم فإن المسلم محترم الدم، وإنما خصّ المؤمن بالذكر تأكيداً لحنانه وأخوّته وشفقته وعقيدته. وقرأ الأعمش «خطاء» ممدوداً في المواضع الثلاث. ووجوه الخطأ كثيرة لا تُحصى يربطها عدم القصد؛ مثل أن يَرْمي صفوف المشركين فيصيبَ مسلماً. أو يسعى بين يديه مَن يستحق القتل مِن زان أو محارب أو مرتدّ فطلبه ليقتله فلقِي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ. أو يرمي إلى غرض فيصيب إنساناً أو ما جرى مجراه؛ وهذا مما لا خلاف فيه. والخطأ ٱسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمّد؛ فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء. ويُقال لمن أراد شيئاً ففعل غيره: أخطأ، ولمن فعل غير الصواب: أخطأ. قال ابن المنذر: قال الله تبارك وتعالىٰ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} إلى قوله تعالىٰ: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} فحَكَم الله جل ثناؤه في المؤمن يَقْتُل خطأ بالدّية، وثبتت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وأجمع أهل العلم على القول به. الثانية ـ ذهب داود إلى القِصَاص بين الحرّ والعبد في النّفْس، وفي كل ما يستطاع القصاص فيه من الأعضاء؛ تمسُّكاً بقوله تعالىٰ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} إلى قوله تعالىٰ: { أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ } تفسير : [المائدة: 45]، وقوله عليه السَّلام: « حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم » تفسير : فلم يفرق بين حرّ وعبد؛ وهو قول ابن أبي لَيْلَىٰ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلاَّ في النفس فيُقتل الحرّ بالعبد، كما يقتل العبد بالحرّ، ولا قصاص بينهما في شيء من الجراح والأعضاء. وأجمع العلماء على أن قوله تعالىٰ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أُريد به الأحرار دون العبيد؛ فكذلك قوله عليه السَّلام: « حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم » تفسير : أُريد به الأحرار خاصّة. والجمهور على ذلك وإذا لم يكن قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس فالنّفسُ أحرى بذلك؛ وقد مضى هذا في «البقرة». الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي فعليه تحرير رقبة؛ هذه الكفارة التي أوجبها الله تعالىٰ في كفارة القتل والظِّهار أيضاً على ما يأتي. واختلف العلماء فيما يجزىء منها، فقال ابن عباس والحسن والشَّعْبيّ والنَّخَعِيّ وقَتَادة وغيرهم: الرقبة المؤمنة هي التي صلّت وعَقَلت الإيمان، لا تجزىء في ذلك الصغيرة، وهو الصحيح في هذا الباب قال عطاء ابن أبي رباح: يجزىء الصغير المولود بين مسلمين. وقال جماعة منهم مالك والشافعيّ: يجزىء كل من حُكم له بحكم في الصَّلاة عليه إن مات ودفنه. وقال مالك: ومن صلّىٰ وصام أحبّ إليّ. ولا يجزىء في قول كافة العلماء أعمى ولا مُقْعَد ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ولا أشلّهما، ويجزىء عند أكثرهم الأعرج والأعور. قال مالك: إلاَّ أن يكون عَرَجاً شديداً. ولا يجزىء عند مالك والشافعيّ وأكثر العلماء أقطع إحدى اليدين أو إحدى الرجلين، ويجزىء عند أبي حنيفة وأصحابه. ولا يجزىء عند أكثرهم المجنون المطْبَق ولا يجزىء عند مالك الذي يُجَنّ ويُفيق، ويجزىء عند الشافعيّ. ولا يجزىء عند مالك المُعْتَق إلى سنين، ويجزىء عند الشافعيّ. ولا يجزىء المُدبَّر عند مالك والأوزاعيّ وأصحابِ الرأي، ويجزىء في قول الشافعيّ وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وقال مالك: لا يصح من أعتق بعضه؛ لقوله تعالىٰ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. ومن أعتق البعض لا يُقال حرّر رقبة وإنما حَرّر بعضها. واختلفوا أيضاً في معناها فقيل: أوِجبت تمحيصاً وطهورا لذِنب القاتل، وذنبهُ ترك الاحتياط والتحفّظ حتى هلك على يديه ٱمرؤ مَحْقُون الدّم. وقيل: أوجبت بدلاً من تعطيل حق الله تعالىٰ في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق وهو التنعم بالحياة والتصرّف فيما أحِل له تصرّف الأحياء، وكان لله سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبداً من عباده يجب له من ٱسم العبودية صغيراً كان أو كبيراً حرّاً كان أو عبداً مسلماً كان أو ذِمِّياً ما يتميز به عن البهائم والدّواب، ويُرْتَجَى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يَخْلُ قاتله من أن يكون فوّت منه الاسم الذي ذكرنا، والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن الكفارة. وأي واحد من هذين المعنيين كان، ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمداً مثله، بل أوْلى بوجوب الكفارة عليه منه، على ما يأتي بيانه، والله أعلم. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} الدّية ما يُعْطَى عِوَضاً عن دم القتيل إلى وَلِيّه. {مُّسَلَّمَةٌ} مدفوعة مؤدّاة، ولم يُعيِّن الله في كتابه ما يُعْطَى في الدية، وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقاً، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أُخِذ ذلك من السنة، ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأُصول في الغرامات وضمان المتلفات، والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظاً، ولا أن وِزْر القاتل عليهم ولكنه مواساةٌ مَحْضة. واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوانه. وثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل. ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتولِ بخيبرَ لحُوَيِّصَة ومُحَيِّصة وعبد الرّحمن، فكان ذلك بياناً على لسان نبيّه عليه السَّلام لمُجْمَل كتابه. وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائةً من الإبل. واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل؛ فقالت طائفة: على أهل الذهب ألُف دينار، وهم أهل الشام ومصر والمغرب؛ هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحابِ الرأي والشافعيّ في أحد قوليه، في القديم. ورُوي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقَتادة. وأما أهل الوَرِق فٱثنا عشر ألف درهم، وهم أهل العراق وفارس وخُراسان؛ هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوّم الدية على أهل القُرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الوَرِق إثني عشر ألف درهم. وقال المُزَنِيّ: قال الشافعيّ الدّية الإبل؛ فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم والدنانير على ما قوّمها عمر، ألُف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم على أهل الوَرِق. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ: الدِّية من الورِق عشرة آلاف درهم. رواه الشَّعْبيّ عن عبيدة عن عمر أنه جعل الدَّية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاءِ ألف شاة، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الحُلَل مائتي حُلّة. قال أبو عمر: في هذا الحديث ما يدل على أن الدنانير والدراهم صِنف من أصناف الدّية لا على وجه البدل والقيمة؛ وهو الظاهر من الحديث عن عثمان وعليّ وابن عباس. وخالف أبو حنيفة ما رواه عن عمر في البقر والشاء والحلل. وبه قال عطاء وطاوس وطائفة من التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيّين. قال ابن المنذر: وقالت طائفة دية الحرّ المسلم مائة من الإبل لا دِيَةَ غيرها كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا قول الشافعيّ وبه قال طاوس. قال ابن المنذر: دية الحرّ المسلم مائة من الإبل في كل زمان، كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. واختلفت الروايات عن عمر رضي الله عنه في أعداد الدراهم وما منها شيء يصحّ عنه لأنها مراسيل، وقد عرّفتك مذهب الشافعي وبه نقول. الخامسة ـ واختلف الفقهاء في أسنان دية الإبل؛ فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن مَن قُتِل خطأ فدِيَتُه مائةٌ من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حِقّة، وعشر بني لَبُونتفسير : . قال الخطّابيّ: هذا الحديث لا أعرف أحداً قال به من الفقهاء، وإنما قال أكثر العلماء: دية الخطأ أخماس. كذا قال أصحاب الرأي والثّورِيّ، وكذلك مالك وابن سِيرين وأحمد بن حنبل إلاَّ أنهم اختلفوا في الأصناف، قال أصحاب الرأي وأحمد: خُمُس بنو مخاض، وخمسٌ بنات مخاض، وخمس بنات لبون، وخمس حِقاق، وخمس جِذاع. ورُوي هذا القول عن ابن مسعود. وقال مالك والشافعيّ: خمس حقاق وخمس جذاع وخمس بنات لبون وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون. وحُكي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يَسار والزُّهرِيّ وربيعة والليث بن سعد. قال الخطّابيّ: ولأصحاب الرأي فيه أثر، إلاَّ أن راويه عبد الله بن خِشْف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلاَّ بهذا الحديث. وعدل الشافعي عن القول به؛ لما ذكرنا من العلّة في راويه؛ ولأن فيه بَنِي مَخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصّدقات. وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قصة القَسامة أنه وَدَى قتيل خَيْبَر مائةً من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. قال أبو عمر: وقد روى زيد بن جبير عن خِشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية في الخطأ أخماساً، إلاَّ أن هذا لم يرفعه إلاَّ خِشف بن مالك الكوفيّ الطائي وهو مجهول؛ لأنه لم يروه عنه إلاَّ زيد بن جُبير بن حَرمْل الطائي الجشمي من بني جُشم ابن معاوية أحد ثقات الكوفيين. قلت: قد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ في سننه حديث خِشف بن مالك من رواية حجّاج بن أَرْطاة عن زيد بن جُبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دِيّة الخطأ مائةً من الإبل؛ منها عشرون حِقّة، وعشرون جَذَعة، وعشرون بنات لَبون، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاضتفسير : . قال الدَّارَقْطنِيّ: « هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عِدّة؛ أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه بالسند الصحيح عنه، الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفُتْياه من خِشف بن مالك ونظرائه، وعبد الله بن مسعود أتقىٰ لربّه وأشحّ على دينه من أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بقضاء ويُفتي هو بخلافه؛ هذا لا يتوهّم مثله على عبد الله بن مسعود وهو القائل في مسألة وردت عليه لم يسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ولم يبلغه عنه فيها قول: أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله ورسوله، وأن يكن خطأ فمنّي؛ ثم بلغه بعد ذلك أن فُتْياه فيها وافقَ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثلها، فرآه أصحابه عند ذلك فرِح فرحاً شديداً لم يروه فرح مثله، لموافقة فتياه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن كانت هذه صفته وهذا حاله فكيف يصح عنه أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ويخالفه. ووجه آخر ـ وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكُر بني المخاض لا نعلمه رواه إلاَّ خِشْف بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل مجهول لم يروه عنه إلاَّ زيد بن جُبير بن حَرْمل الجُشَمي، وأهل العلم بالحديث لا يحتجّون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلاً مشهوراً، أو رجلاً قد ٱرتفع عنه اسم الجهالة، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يرْوِي عنه رجلان فصاعداً؛ فإذا كانت هذه صفته ارتفع عنه حينئذٍ اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفاً. فأما من لم يرو عنه إلاَّ رجل واحد وانفرد بخبر وجب التوقّف عن خبره ذلك حتى يوافقه عليه غيره. والله أعلم. ووجه آخر ـ وهو أن حديث خِشْف بن مالك لا نعلم أحداً رواه عن زيد بن جبير عنه إلاَّ الحجاج بن أَرْطاة، والحجاج رجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدّث عمن لم يَلْقه ولم يسمع منه؛ وترك الرواية عنه سفيانُ بن عُيينة ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه، وكفاك بهم عِلماً بالرجل ونُبْلاً. وقال يحيى بن مَعِين: حجاج بن أرطاة لا يُحتجّ بحديثه. وقال عبد الله بن إدريس: سمعت الحجاج يقول لا يَنْبُل الرجل حتى يدع الصَّلاة في الجماعة. وقال عيسىٰ بن يونس: سمعت الحجاج يقول: أخرج إلى الصَّلاة يزاحمني الحمّالون والبقالون. وقال جرير: سمعت الحجاج يقول: أهلكنّي حبّ المال والشرف. وذكر أوجها أُخَر؛ منها أن جماعة من الثقات رَووْا هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فاختلفوا عليه فيه. إلى غير ذلك مما يطول ذكره؛ وفيما ذكرناه مما ذكروه كفايةٌ ودِلالة على ضعف ما ذهب إليه الكوفيون في الدِّية، وإن كان ابن المنذر مع جلالته قد اختاره على ما يأتي. وروى حماد بن سلمة حدّثنا سليمان التيميّ عن أبي مِجْلَز عن أبي عبيدة أن ابن مسعود قال: دِيَة الخطأ خمسة أخماس عشرون حقّة، وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون وعشرون بني لَبُون ذكور. قال الدَّارَقُطْنِي: هذا إسناد حسن ورواته ثقات، وقد رُوي عن علقمة عن عبد الله نحو هذا. قلت: وهذا هو مذهب مالك والشافعيّ أنّ الدية تكون مُخَمّسة. قال الخطّابِيّ: وقد روي عن نفر من العلماء أنهم قالوا دية الخطأ أرباع؛ وهم الشَّعْبِيّ والنّخَعِيّ والحسن البصري، وإليه ذهب إسحاق بن رَاهْوَيه؛ إلاَّ أنهم قالوا: خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حِقة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض. وقد روي ذلك عن عليّ بن أبي طالب. قال أبو عمر: أما قول مالك والشافعيّ فروي عن سليمان بن يَسار وليس فيه عن صحابي شيء؛ ولكن عليه عمل أهل المدينة. وكذلك حكى ابن جريج عن ابن شهاب. قلت: قد ذكرنا عن ابن مسعود ما يوافق ما صار إليه مالك والشافعيّ. قال أبو عمر: وأسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياساً ولا نظراً، وإنما أُخذت ٱتباعاً وتسليماً، وما أخذ من جهة الأثر فلا مدخل فيه للنظر؛ فكلٌّ يقول بما قد صحّ عنده من سلفه؛ رضي الله عنهم أجمعين. قلت: وأما ما حكاه الخطابِيّ من أنه لا يعلم من قال بحديث عمرو بن شعيب فقد حكاه ابن المنذر عن طاوس ومجاهد، إلاَّ أن مجاهداً جعل مكان بنت مخاض ثلاثين جذعة. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. يريد قول عبد الله وأصحاب الرأي الذي ضعفه الدّارقطنِيّ والخطابِيّ، وابن عبد البر قال: لأنه الأقل مما قيل؛ وبحديث مرفوع رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوافق هذا القول. قلت: وعجباً لابن المنذر؟ مع نقده واجتهاده كيف قال بحديث لم يوافقه أهل النقد على صحته ٰ لكن الذهول والنسيان قد يعتري الإنسان، وإنما الكمال لعزة ذي الجلال. السادسة ـ ثبتت الأخبار عن النبيّ المختار محمد صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به. وفي إجماع أهل العلم أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي رِمْثَة حيث دخل عليه ومعه ٱبنه: « حديث : إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه » تفسير : العمدُ دون الخطأ. وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة. واختلفوا في الثلث؛ والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمداً ولا اعترافاً ولا صلحاً، ولا تحمل من دية الخطأ إلاَّ ما جاوز الثلث، وما دون الثلث في مال الجاني. وقالت طائفة: عقل الخطأ على عاقلة الجاني، قلت الجناية أو كثرت؛ لأن من غرِم الأكثر غرِم الأقل. كما عُقل العمد في مال الجاني قلّ أو كثر؛ هذا قول الشافعيّ. السابعة ـ وحكمها أن تكون منجّمة على العاقلة، والعاقلة العصبة. وليس ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها من العاقلة، ولا الإخوة من الأم بعصبة لأخوتهم من الأب والأُم، فلا يعقلون عنهم شيئاً. وكذلك الدّيْوَانُ لا يكون عاقلة في قول جمهور أهل الحجاز. وقال الكوفيون: يكون عاقلة إن كان من أهل الديوان؛ فتنجّم الدية على العاقلة في ثلاثة أعوام على ما قضاه عمر وعليّ؛ لأن الإبل قد تكون حوامل فتضرّ به. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يعطيها دفعة واحدة لأغراض؛ منها أنه كان يعطيها صلحاً وتسديداً. ومنها أنه كان يعجلها تأليفاً. فلما تمهد الإسلام قدّرتها الصحابة على هذا النظام؛ قاله ابن العربيّ. وقال أبو عمر: أجمع العلماء قديماً وحديثاً أن الدّية على العاقلة لا تكون إلاَّ في ثلاث سنين ولا تكون في أقلّ منها. وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال. وأجمع أهل السِّيَر والعلم أن الدّية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة؛ ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديْوان. واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به. وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يداً، وجعل عليهم قتالَ مَن يَلِيهم من العدوّ. الثامنة ـ قلت: ومما ينخرِط في سلك هذا الباب ويدخل في نظامه قَتْلُ الجَنِين في بطن أُمه؛ وهو أن يُضرب بطن أُمه فتُلقِيه حياً ثم يموت؛ فقال كافة العلماء: فيه الدية كاملةً في الخطأ وفي العَمْد بعد القَسامة. وقيل: بغير قسامة. وٱختلفوا فيما به تُعلم حياتُه بعد اتفاقهم على أنه إذا ٱستَهلّ صارخاً أو ٱرتضع أو تنفّس نفساً مُحقَّقة حَيٌّ، فيه الدّية كاملة؛ فإن تحرّك فقال الشافعيّ وأبو حنيفة: الحركة تدلّ على حياته. وقال مالك: لا، إلاَّ أن يقارنها طول إقامة. والذكر والأُنثى عند كافة العلماء في الحُكْم سواء. فإن ألقته مَيّتاً ففيه غُرّة: عبدٌ أو وَلِيدةٌ. فإن لم تُلقه وماتت وهو في جوفها لم يخرج فلا شيء فيه. وهذا كله إجماع لا خلاف فيه. ورُوي عن اللّيث بن سعد وداود أنهما قالا في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ثم خرج الجنين ميتاً بعد موتها: ففيه الغرة، وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها؛ المعتبر حياة أُمه في وقت ضربها لا غير. وقال سائر الفقهاء: لا شيء فيه إذا خرج ميتاً من بطنها بعد موتها. قال الطحاوِيّ محتجاً لجماعة الفقهاء بأن قال: قد أجمعوا والليث معهم على أنه لو ضُرب بطنها وهي حية فماتت والجنين في بطنها ولم يسقط أنه لا شيء فيه؛ فكذلك إذا سقط بعد موتها. التاسعة ـ ولا تكون الغُرة إلا بيضاء. قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : في الجَنِين غُرّةٌ عبدٌ أو أَمة » تفسير : ـ لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بالغُرّة معنى لقال: في الجنين عبد أو أُمة، ولكنه عنى البياض؛ فلا يقبل في الدّية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء. وٱختلف العلماء في قيمتها؛ فقال مالك: تقوّم بخمسين ديناراً أو ستمائة درهم؛ نصفُ عُشْر ديَة الحر المسلم، وعُشر دِية أُمّه الحرة؛ وهو قول ابن شهاب وربيعة وسائر أهل المدينة. وقال أصحاب الرأي: قيمتها خمسمائة درهم. وقال الشافعيّ: سِنّ الغُرّة سبع سنين أو ثمان سنين؛ وليس عليه أن يقبلها مَعِيبة. ومقتضى مذهب مالك أنه مخيّر بين إعطاء غُرّة أو عُشْر دية الأُم، من الذهب عشرون ديناراً إن كانوا أهل ذهب، ومن الوَرقِ ـ إن كانوا أهل ورِق ـ ستمائة درهم، أو خمس فرائض من الإبل. قال مالك وأصحابه: هي في مال الجاني؛ وهو قول الحسن بن حَيّ. وقال أبو حنيفة والشافعيّ وأصحابهما: هي على العاقلة. وهو أصح؛ لحديث المُغيِرة بن شعبة: حديث : أن ٱمرأتين كانتا تحت رجلين من الأنصار ـ في رواية فتغايرتا ـ فضربت إحداهما الأُخرى بعمود فقتلتها، فاختصم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الرجلان فقالا: نَدِي مَن لا صاح ولا أكل، ولا شرب ولا ٱستهلّ، فمثل ذلك يُطَلّ؛ فقال: «أسَجْعٌ كسَجْعِ الأَعْراب»؟ فقضى فيه غُرّةً وجعلها على عاقلة المرأةتفسير : . وهو حديث ثابت صحيح، نصٌّ في موضع الخلاف يوجب الحكم. ولما كانت دِيَةُ المرأة المضروبة على العاقلة كان الجَنين كذلك في القياس والنظر. واحتج علماؤنا بقول الذي قُضي عليه: كيف أغرم؟ قالوا: وهذا يدلّ على أن الذي قُضي عليه معيَّن وهو الجاني. ولو أن دية الجنين قضى بها على العاقلة لقال: فقال الذي قضى عليهم. وفي القياس أن كلّ جانٍ جنايتُه عليه، إلا ما قام بخلافه الدليلُ الذي لا معارِض له؛ مثلُ إجماعٍ لا يجوز خلافه، أو نصِّ سنةٍ من جهة نقل الآحاد العدول لا معارِض لها، فيجب الحكم بها، وقد قال الله تعالى: { أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164]. العاشرة ـ ولا خلاف بين العلماء أن الجنين إذا خرج حَيّاً فيه الكفارة مع الدِّية. واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتاً؛ فقال مالك: فيه الغُرّة والكفارة. وقال أبو حنيفة والشافعيّ: فيه الغُرّة ولا كفارة. واختلفوا في ميراث الغرّة عن الجنين؛ فقال مالك والشافعيّ وأصحابهما: الغُرّة في الجنِين موروثةٌ عن الجنين على كتاب الله تعالى؛ لأنها دية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الغُرّة للأُمّ وحدها؛ لأنها جناية جنى عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية. ومن الدليل على ذلك أنه لم يُعتبر فيه الذكر والأُنثى كما يلزم في الديات، فدلّ على أن ذلك كالعضو. وكان ابن هُرْمُز يقول: دِيتُه لأبويه خاصّةً؛ لأبيه ثلثاها ولأُمّه ثلثها، من كان منهما حَيّاً كان ذلك له، فإن كان أحدهما قد مات كانت للباقي منهما أبا كان أو أما، ولا يرث الإخوة شيئاً. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أصله «أن يتصدّقوا» فأدغمت التاء في الصاد. والتصدّق الإعطاء؛ يعني إلا أن يبرىء الأولياءُ ورثةُ المقتول القاتلين مما أوجب الله لهم من الدية عليهم. فهو استثناء ليس من الأوّل. وقرأ أبو عبد الرحمن ونُبيح «إلا أن تَصَدّقوا» بتخفيف الصاد والتاء. وكذلك قرأ أبو عمرو، إلا أنه شدّد الصاد. ويجوز على هذه القراءة حذف التاء الثانية، ولا يجوز حذفها على قراءة الياء. وفي حرف أُبيّ وابن مسعود «إلا أن يتصدّقوا». وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم؛ لأنه أتلف شخصاً في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلّص آخَرَ لعبادة ربّه وإنّما تسقط الدية التي هي حقّ لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تُتَحَمَّل. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ} هذه مسألة المؤمن يُقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار. والمعنى عند ابن عباس وقتادةَ والسُّدِّي وعكرمَة ومجاهد والنَّخَعِيّ: فإن كان هذا المقتول رجلاً مؤمناً قد آمن وبَقَي في قومه وهم كفرة {عَدُوٍّ لَّكُمْ} فلا دِيَة فيه؛ وإنما كفارته تحرير الرّقبة. وهو المشهور من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة. وسقطت الدّية لوجهين: أحدهما ـ أن أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقوّوا بها. والثاني ـ أن حرمة هذا الذي آمن ولم يُهاجر قليلةٌ، فلا دية؛ لقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } تفسير : [الأنفال: 72]. وقالت طائفة: بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط؛ فسواء كان القتل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه كفارته التحرير ولا دية فيه، إذ لا يصح دفعها إلى الكفار، ولو وجبت الدية لوجبت لبيت المال على بيت المال؛ فلا تجب الدية في هذا الموضع وإن جرى القتل في بلاد الإسلام. هذا قول الشافعيّ وبه قال الأُوزاعيّ والثَّوْريّ وأبو ثَوْر. وعلى القول الأوّل إن قتِل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة. قلت: ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم حديث : عن أُسَامَةَ قال: بعثَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيّة فصبّحنا الحُرَقات من جُهَينة فأدركت رجلاً فقال: لا إلۤه إلاَّ الله؛ فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقال لا إلۤه إلا الله وقتلَته» قال: قلت يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح؛ قال: «أفلا شَققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا»؟. فلم يحكم عليه صلى الله عليه وسلم بِقصاص ولا ديةتفسير : . وروي حديث : عن أُسامة أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعدُ ثلاث مرات، وقال: «أعتق رقبة» ولم يحكم بقصاص ولاديةتفسير : . فقال علماءنا: أما سقوط القصاص فواضح إذ لم يكن القتل عدواناً؛ وأما سقوط الدية فلأوجهٍ ثلاثة: الأوّل ـ لأنه كان أذِن له في أصل القتال فكان عنه إتلاف نفس محترمة غَلَطاً كالخاتن والطبيب. الثاني ـ لكونه من العدوّ ولم يكن له وليٌّ من المسلمين تكون له ديته؛ لقوله تعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} كما ذكرنا. الثالث ـ أن أُسَامَة اعترف بالقتل ولم تقم بذلك بينة ولا تعقل العاقلة اعترافاً، ولعل أُسامة لم يكن له مال تكون فيه الدية. والله أعلم. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} هذا في الذمِّي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة؛ قاله ابن عباس والشَّعْبِيّ والنَّخَغِيّ والشافعيّ. واختاره الطبريّ قال: إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب. وإطلاقه ما قيّد قبلُ يدلّ على أنه خلافه. وقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم أيضاً: المعنى وإن كان المقتول خطأ مؤمناً من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحقّ بدية صاحبهم، فكفارته التحرير وأداء الدية. وقرأها الحسن: «وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ وَهُوَ مُؤْمِنٌ». قال الحسن: إذا قتل المسلم الذميّ فلا كفارة عليه. قال أبو عمر: وأما الآية فمعناها عند أهل الحجاز مردود على قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} ثم قال تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ} يريد ذلك المؤمن. والله أعلم. قال ابن العربيّ: والذي عندي أن الجملة محمولةٌ حملَ المطلق على المقيَّد. قلت: وهذا معنى ما قاله الحسن وحكاه أبو عمر عن أهل الحجاز. وقوله: {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} على لفظ النكرة ليس يقتضي ديةً بعينها. وقيل: هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبيّ عليه السلام عهد على أن يُسلموا أو يؤذَنوا بحرب إلى أجل معلوم: فمن قُتل منهم وجبت فيه الديّة والكفارة ثم نسخ بقوله تعالى: { أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 1]. الرابعة عشرة ـ وأجمع العلماء على أن دِية المرأة على النصف من ديَة الرجل؛ قال أبو عمر: إنما صارت ديتها ـ والله أعلم ـ على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصفَ ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل. وهذا إنما هو في ديّة الخطأ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله عز وجل: { أية : ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } تفسير : [المائدة: 45]. و { أية : ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ } تفسير : [البقرة: 178] كما تقدّم في «البقرة». الخامسة عشرة ـ روى الدَّارَقُطْني من حديث موسى بن عليّ بن ربَاح اللَّخْمِيّ قال: سمعت أبي يقول إن أعمى كان يُنشد (في الموسم) في خلافة عمر (بن الخطاب) رضي الله عنه وهو يقول: شعر : يا أيّها الناسُ ليقِت منكرا هل يَعْقِل الأعمى الصحيحَ المبصِرا خَــرّا معـاً كلاهمـا تكسّــرا تفسير : وذلك أن الأعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر، فوقع الأعمى على البصير فمات البصير؛ فقَضَى عمر بعقل البصير على الأعمى. وقد ٱختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما؛ فرُوي عن ٱبن الزّبير: يضمن الأعلى الأسفل، ولا يضمن الأسفلُ الأعلى. وهذا قول شُرَيح والنَّخعِيّ وأحمد وإسحاق. وقال مالك في رجلين جَرّ أحدهما صاحبَه حتى سقطا وماتا: على عاقلة الذي جَبَذَه الديّة. قال أبو عمر: ما أظُنّ في هذا خلافاً ـ والله أعلم ـ إلا ما قال بعض المتأخّرين من أصحابنا وأصحاب الشافعيّ: يضمن نصف الديّة؛ لأنه مات من فعله، ومن سقوط السَّاقط عليه. وقال الحَكَم وابن شُبْرُمة: إن سقط رجل على رجل من فوق بيت فمات أحدهما، قالا: يضمن الحيّ منهما. وقال الشافعيّ في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا، قال: دية المصدوم على عاقلة الصادم، ودية الصادم هدْر. وقال في الفارِسَيْن إذا اصطدما فماتا: على كل واحد منهما نصفُ ديّة صاحبه؛ لأن كل واحد منهما مات مِن فعل نفسه وفعل صاحبه؛ وقاله عثمان البَتِّي وزُفَر. وقال مالك والأُوزاعيّ والحسن بن حيّ وأبو حنيفة وأصحابه في الفارسَيْن يصطدمان فيموتان: على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته. قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: وكذلك عندنا السفينتان تصطدمان إذا لم يكن النُّوتيّ صرف السفينة ولا الفارس صرف الفرس. وروي عن مالك في السفينتين والفارِسَيْن على كل واحد منهما الضمان لقيمة ما أتلف لصاحبه كاملاً. السادسة عشرة ـ واختلف العلماء من هذا الباب في تفصيل دية أهل الكتاب؛ فقال مالك وأصحابه: هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النصف من ذلك. رُوي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وعمرو بن شعيب وقال به أحمد ابن حنبل. وهذا المعنى قد روى فيه سليمان بن بلال عن عبد الرحمن بن الحارث بن عَيّاش بن أبي ربيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية اليهوديّ والنصرانيّ على النصف من دية المسلمتفسير : . وعبد الرحمن هذا قد روى عنه الثَوْرِيّ أيضاً. وقال ابن عباس والشَّعْبيّ والنَّخَعِيّ: المقتول من أهل العهد خطأً لا تُبالي مؤمناً كان أو كافراً على عهد قومه فيه الدية كديّة المسلم؛ وهو قول أبي حنيفة والثَّوْريّ وعثمان البَتِّي والحسن بن حيّ؛ جعلوا الديات كلَّها سواء؛ المسلم واليهوديّ والنصرانيّ والمجوسيّ والمعاهد والذميّ، وهو قول عطاء والزهريّ وسعيد بن المُسَيِّب. وحجتهم قوله تعالى: {فَدِيَةٌ} وذلك يقتضي الديّة كاملة كديّة المسلم. وعَضَدُوا هذا بما رواه محمد بن إسحاق عن داود بن الحُصَين عن عِكرمة عن ابن عباس في قصة بني قُريظة والنضير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ديتهم سواء دية كاملة. قال أبو عمر: هذا حديث فيه لين وليس في مثله حجة. وقال الشافعيّ: دية اليهوديّ والنصراني ثلثُ دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم؛ وحجته أن ذلك أقل ما قيل في ذلك، والذمة بريئة إلا بيقين أو حجة. وروي هذا القول عن عمر وعثمان، وبه قال ابن المُسَيِّب وعطاء والحسن وعِكرمة وعمرو بن دينار وأبو ثَوْر وإسحاق. السابعة عشرة ـ قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها. {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} أي فعليه صيام شهرين. {مُتَتَابِعَيْنِ} حتى لو أفطر يوماً ٱستأنف؛ هذا قول الجمهور. وقال مَكِّيّ عن الشعبي: إن صيام الشهرين يجزىء عن الدية والعتق لمن لم يجد. قال ابن عطية: وهذا القول وَهَم؛ لأن الديّة إنما هي على العاقلة وليست على القاتل. والطبريّ حكى هذا القول عن مسروق. الثامنة عشرة ـ والحَيْض لا يمنع التتابع من غير خلاف، وأنها إذا طهرت ولم تؤخر وَصَلَتْ باقي صيامها بما سلف منه، لا شيء عليها غير ذلك إلا أن تكون طاهراً قبل الفجر فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها، فإن فعلت استأنفت عند جماعة من العلماء؛ قاله أبو عمر. واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين؛ فقال مالك: وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يُفطر إلا من عذر أو مرض أو حيض، وليس له أن يسافر فيُفطر. وممن قال يبْنِي في المرض سعيد بن المُسِّيب وسليمان بن يَسار والحسن والشّعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس. وقال سعيد بن جُبير والنَّخَعيّ والحكم بن عيينة وعطاء الخراساني: يستأنف في المرض؛ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حَيّ؛ وأحد قولي الشافعي؛ وله قول آخر: إنه يبني كما قال مالك. وقال ابن شُبْرُمة: يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان. قال أبو عمر: حجة من قال يبني لأنه معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد، وقد تجاوز الله عن غير المتعمد. وحجّة من قال يستأنف لأن التتابع فرض لا يسقط لعذر، وإنما يسقط المأثم؛ قياساً على الصلاة؛ لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذر استأنف ولم يَبْن. التاسعة عشرة ـ قوله تعالى: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} نصب على المصدر، ومعناه رجوعاً. وإنما مسّت حاجة المخطىء إلى التوبة لأنه لم يتحرّز وكان من حقه أن يتحفّظ. وقيل: أي فليأت بالصيام تخفيفاً من الله تعالى عليه بقبول الصوم بدلاً عن الرّقَبة؛ ومنه قوله تعالى: { أية : عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 187] أي خفّف، وقوله تعالى: { أية : عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } تفسير : [المزمل: 20]. الموفية عشرين ـ {وَكَانَ ٱللَّهُ} أي في أزله وأبده. {عَلِيماً} بجميع المعلومات. {حَكِيماً} فيما حكم وأبرم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» تفسير : ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام، أو نائبه، وقوله: {إِلاَّ خَطَئاً} قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر:شعر : مِنَ البِيْضِ لَمْ تَظْعَنْ بَعيداً ولَمْ تَطَأْ على الأرض إِلا رَيْطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ تفسير : ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، وهي أسماء بنت مخرمة، وذلك أنه قتل رجلاً يعذبه مع أخيه على الإسلام، وهو الحارث بن يزيد الغامدي، فأضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح، رآه فظن أنه على دينه، فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية. قال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم: نزلت في أبي الدرداء؛ لأنه قتل رجلاً، وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف، فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما قالها متعوذاً فقال له: «حديث : هل شققت عن قلبه؟» تفسير : وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء. وقوله: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم، وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزىء الكافرة، وحكى ابن جرير عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزىء الصغير حتى يكون قاصداً للإيمان، وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، قال: في مصحف أبيّ: فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي، واختار ابن جرير أنه إن كان مولوداً بين أبوين مسلمين، أجزأ، وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلماً، صح عتقه عن الكفارة، سواء كان صغيراً أو كبيراً. قال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله: «حديث : أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» تفسير : قالت: نعم. قال: «حديث : أتشهدين أني رسول الله؟» تفسير : قالت: نعم. قال: «حديث : أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟» تفسير : قالت: نعم. قال: «حديث : أعتقها»تفسير : . وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره، وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أين الله؟» تفسير : قالت: في السماء. قال: «حديث : من أنا» تفسير : قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعتقها، فإنها مؤمنة» تفسير : وقوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} هو الواجب الثاني فيما بين القاتل و أهل القتيل؛ عوضاً لهم عما فاتهم من قتيلهم، وهذه الدية إنما تجب أخماساً، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الحجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ: عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة، لفظ النسائي. قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفاً، كما روي عن علي وطائفة، وقيل: تجب أرباعاً. وهذه الدية على العاقلة، لا في ماله، قال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر من حديث الخاصة، وهذا الذي أشار إليه رحمه الله قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثاً؛ لشبهة العمد. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع يديه وقال: «حديث : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»تفسير : وبعث علياً، فودى قتلاهم، وما أتلف من أموالهم، حتى ميلغة الكلب، وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال. وقوله: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله، إلا أن يتصدقوا بها، فلا تجب. وقوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي: إذا كان القتيل مؤمناً، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير. وقوله: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} الآية، أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة، فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمناً فدية كاملة، وكذا إن كان كافراً أيضاً عند طائفة من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها؛ كما هو مفصل في كتاب الأحكام، ويجب أيضاً على القاتل تحرير رقبة مؤمنة، {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} أي: لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس، استأنف، واختلفوا في السفر، هل يقطع أم لا؟ على قولين. وقوله: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي: هذه توبة القاتل خطأ، إذا لم يجد العتق، صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام، هل يجب عليه إطعام ستين مسكيناً كما في كفارة الظهار؟ على قولين، أحدهما: نعم؛ كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ههنا؛ لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام؛ لما فيه من التسهيل والترخيص، والقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام؛ لأنه لو كان واجباً، لما أخر بيانه عن وقت الحاجة {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} قد تقدم تفسيره غير مرة. ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الفرقان: 68] الآية، وقال تعالى: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} تفسير : [الأنعام: 151] الآية، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء»تفسير : ، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلح» تفسير : وفي حديث آخر: «حديث : لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم»تفسير : ، وفي الحديث الآخر: "حديث : لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار" تفسير : وفي الحديث الآخر «حديث : ومن أعان على قتل المسلم، ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» تفسير : وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمداً، وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس، فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء، وكذا رواه هو أيضاً، ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة به، ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} فقال: ما نسخها شيء. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عون، حدثنا شعبة عن سعيد بن جبير، قال: قال عبد الرحمن بن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية، قال: لم ينسخها شيء، وقال في هذه الآية: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ} تفسير : [الفرقان: 68] إلى آخرها، قال: نزلت في أهل الشرك. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن منصور، حدثني سعيد بن جبير، أو حدثني الحكم عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس عن قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمناً متعمداً، فجزاؤه جهنم، ولا توبة له، فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا من ندم. حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا: حدثنا جرير عن يحيى الجابر عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تاب، وعمل صالحاً، ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمداً، جاء يوم القيامة، أخذه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله، وبيده الأخرى رأسه، يقول: يا رب سل هذا فيمَ قتلني؟» تفسير : وايم الذي نفس عبد الله بيده، لقد أنزلت هذه الآية، فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت يحيى ابن المجبر يحدث عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس: أن رجلاً أتى إليه، فقال: أرأيت رجلاً قتل رجلاً عمداً؟ فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها، الآية، قال: لقد نزلت من آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ثكلته أمه رجل قتل رجلاً متعمداً، يجىء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره ـ أو آخذاً رأسه بيمينه أو بشماله ـ تشخب أوداجه دماً من قبل العرش، يقول: يا رب سل عبدك فيمَ قتلني؟» تفسير : وقد رواه النسائي عن قتيبة، وابن ماجه عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، ويحيى الجابر وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، فذكره، وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة، وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم. وفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي، وحدثنا عبد الله بن جعفر، وحدثنا إبراهيم بن فهد، قالا: حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شرحبيل بإسناده عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجيء المقتول متعلقاً بقاتله يوم القيامة، آخذاً رأسه بيده الأخرى، فيقول: يا رب سل هذا فيمَ قتلني؟ قال، فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، قال: ويجيء آخر متعلقاً بقاتله، فيقول: رب سل هذا فيمَ قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار سبعين خريفاً»تفسير : وقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر العوفي، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان، به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» تفسير : وكذا رواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن صفوان بن عيسى به، وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله ابن جعفر، حدثنا سمويه، حدثنا عبد الأعلى بن مسهر، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا خالد بن دهقان، حدثنا ابن أبي زكريا، قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركاً، أو من قتل مؤمناً متعمداً» تفسير : وهذا غريب جداً من هذا الوجه، والمحفوظ حديث معاوية المتقدم، فالله أعلم، ثم روى ابن مردويه من طريق بقية بن الوليد عن نافع بن يزيد: حدثني ابن جبير الأنصاري عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قتل مؤمناً متعمداً، فقد كفر بالله عز وجل» تفسير : وهذا حديث منكر أيضاً، فإسناده تكلم فيه جداً، قال الإمام أحمد: حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد، قال: أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا: هلما، فأنتما أشب سناً مني، وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء بحديثك، فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فأغارت على قوم، فشد مع القوم رجل، فاتبعه رجل من السرية شاهراً سيفه، فقال الشاد من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، قال: فضربه فقتله، فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولاً شديداً، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل، قال: فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضاً: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه، فقال: «حديث : إن الله أبى على من قتل مؤمناً» تفسير : ثلاثاً ـ ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة، والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله عز وجل، فإن تاب وأناب، وخشع وخضع، وعمل عملاً صالحاً، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن ظلامته، قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ} تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} تفسير : [الفرقان: 68 ـ 70] وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، والله أعلم. وقال تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 53] الآية، وهذا عام في جميع الذنوب؛ من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب، أي: من أي ذلك، تاب الله عليه، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 116] فهذه الآية عامة في جميع الذنوب، ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها؛ لتقوية الرجاء، والله أعلم، وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالماً: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة كما ذكرناه غير مرة، وإذا كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعاً من طريق محمد بن جامع العطار عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة والإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب، وبتقدير دخول القاتل في النار، إما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحاً ينجو به، فليس بمخلد فيها أبداً، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان»تفسير : ، وأما حديث معاوية: «حديث : كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» تفسير : فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين، لا ينتفي وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل؛ لما ذكرنا من الأدلة، وأما من مات كافراً، فالنص أن الله لا يغفر له ألبتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة، فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بد من ردها إليهم، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه والمقذوف، وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك، فلا بد من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها، ونحو ذلك، والله أعلم. ثم لقاتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة، فأما في الدنيا، فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـٰناً} تفسير : [الإسراء: 33] الآية، ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثاً: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، كما هو مقرر في كتاب الأحكام. واختلف الأئمة هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام؟ على أحد القولين؛ كما تقدم في كفارة الخطأ، على قولين: فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم، يجب عليه؛ لأنه إذا وجبت عليه الكفارة في الخطأ، فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس، واعتذروا بقضاء الصلاة المتروكة عمداً، كما أجمعوا على ذلك في الخطأ، وقال أصحاب الإمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر، فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس، ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمداً، فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا تركت عمداً، وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش عن واثلة بن الأسقع، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم، فقالوا: إن صاحباً لنا قد أوجب، قال: «حديث : فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضواً منه من النار» تفسير : وقال أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي، فقلنا له: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب، فقال: «حديث : أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار» تفسير : وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة به، ولفظ أبي داود: عن الغريف الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا له: حدثنا حديثاً ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب، فقال: إن أحدكم ليقرأ، ومصحفه معلق في بيته، فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب، يعني: النار بالقتل، فقال: «حديث : أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً } أي ما ينبغي أن يصدر منه قتل له {إِلاَّ خَطئاً } مخطئاً في قتله من غير قصد {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً } بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالباً { فَتَحْرِيرُ } عتق {رَقَبَةٍ } نسمة {مُؤْمِنَةٍ } عليه {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } مؤدّاة {إِلَىٰ أَهْلِهِ } أي ورثة المقتول {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } يتصدّقوا عليه بها بأن يعفوا عنها وبينت السنة أنها مائة من الإبل عشرون بنت مخاض وكذا بنات لبون وبنون لبون، وحقاق وجذاع وأنها على عاقلة القاتل، وهم عصبته في الأصل والفرع موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربعٌ كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال فإن تعذر فعلى الجاني {فَإن كَانَ } المقتول {مِن قَوْمٍ عَدُوّ } حرب {لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } على قاتله كفارة ولا دية تسلم إلى أهله لحرابتهم {وَإِن كَانَ } المقتول {مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } عهد كأهل الذمّة {فِدْيَةٌ } له {مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ } وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهودياً أو نصرانياً، وثلثا عشرها إن كان مجوسياً {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } على قاتله {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } عليه كفارة ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار وبه أخذ الشافعي في أصح قوليه {تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } مصدر منصوب بفعله المقدر {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بخلقه {حَكِيماً } فيما دبره لهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحزاب: 53] ولو كان هذا النفي على معناه لكان خبراً، وهو يستلزم صدقه، فلا يوجد مؤمن قتل مؤمناً قط؛ وقيل المعنى: ما كان له ذلك في عهد الله، وقيل: ما كان له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن ذلك بوجه، ثم استثنى منه استثناء منقطعاً فقال: إلا خطأ، أي: ما كان له أن يقتله البتة، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه، والزجاج، وقيل: هو استثناء متصل؛ والمعنى: وما ثبت، ولا وجد، ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ إذ هو مغلوب حينئذ، وقيل: المعنى: ولا خطأ. قال النحاس: ولا يعرف ذلك في كلام العرب، ولا يصح في المعنى؛ لأن الخطأ لا يحظر؛ وقيل: إن المعنى: ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده، فيكون قوله خطأ منتصباً بأنه مفعول له، ويجوز أن ينتصب على الحال، والتقدير: لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: إلا قتلاً خطأ، ووجوه الخطأ كثيرة، ويضبطها عدم القصد، والخطأ الاسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد. قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } أي: فعليه تحرير رقبة مؤمنة يعتقها كفارة عن قتل الخطأ، وعبر بالرقبة عن جميع الذات. واختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة، فقيل: هي التي صلت، وعقلت الإيمان فلا تجزىء الصغيرة، وبه قال ابن عباس، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وغيرهم. وقال عطاء بن أبي رباح: إنها تجزىء الصغيرة المولودة بين مسلمين. وقال جماعة منهم مالك، والشافعي: يجزيء كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ولا يجزيء في قول جمهور العلماء أعمى، ولا مقعد، ولا أشلّ، ويجزيء عند الأكثر الأعرج، والأعور. قال مالك: إلا أن يكون عرجاً شديداً. ولا يجزيء عند أكثرهم المجنون، وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع. قوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ } الدية: ما تعطى عوضاً عن دم المقتول إلى ورثته، والمسلمة: المدفوعة المؤداة، والأهل المراد بهم: الورثة، وأجناس الدية، وتفاصيلها قد بينتها السنة المطهرة. قوله: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } أي: إلا أن يتصدّق أهل المقتول على القاتل بالدية، سمي العفو عنها صدقة ترغيباً فيه. وقرأ أبيّ: إلا يتصدقوا، وهذه الجملة المستثناة متعلقة بقوله: {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } أي: فعليه دية مسلمة إلا أن يقع العفو من الورثة عنها. قوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } أي: فإن كان المقتول من قوم عدوّ لكم، وهم الكفار الحربيون، وهذه مسئلة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم، ثم أسلم، ولم يهاجر، وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق على دين قومه، فلا دية على قاتله بل عليه تحرير رقبة مؤمنة. واختلفوا في وجه سقوط الدية، فقيل: وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية، وقيل: وجهه أن هذا الذي آمن، ولم يهاجر حرمته قليلة لقول الله تعالى:{أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ} تفسير : [الأنفال: 72] وقال: بعض أهل العلم إن ديته واجبة لبيت المال. قوله: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } أي: مؤقت أو مؤبد. وقرأ الحسن: "وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ" أي: فعلى قاتله دية مؤداة إلى أهله من أهل الإسلام، وهم ورثته {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } كما تقدم {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي: الرقبة، ولا اتسع ماله لشرائها {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } أي: فعليه صيام شهرين متتابعين، لم يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار، فلو أفطر استأنف، هذا قول الجمهور، وأما الإفطار لعذر شرعي كالحيض ونحوه فلا يوجب الاستئناف. واختلف في الإفطار لعرض المرض. قوله: {تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } منصوب على أنه مفعول له، أي: شرع ذلك لكم توبة، أي: قبولاً لتوبتكم، أو منصوب على المصدرية، أي: تاب عليكم توبة، وقيل: منصوب على الحال: أي: حال كونه ذا توبة كائنة من الله. قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } لما بين سبحانه حكم القاتل خطأ بين حكم القاتل عمداً. وقد اختلف العلماء في معنى العمد، فقال عطاء، والنخعي، وغيرهما: هو القتل بحديدة كالسيف، والخنجر، وسنان الرمح، ونحو ذلك من المحدّد، أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها. وقال الجمهور: إنه كل قتل من قاتل قاصد للفعل بحديدة، أو بحجر، أو بعصى، أو بغير ذلك، وقيده بعض أهل العلم بأن يكون بما يقتل مثله في العادة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ. واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هذا مقام بسطها. وذهب آخرون إلى أنه ينقسم إلى قسمين: عمد، وخطأ ولا ثالث لهما. واستدلوا بأنه ليس في القرآن إلا القسمان. ويجاب عن ذلك بأن اقتصار القرآن على القسمين لا ينفي ثبوت قسم ثالث بالسنة، وقد ثبت ذلك في السنة. وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمداً، فجمع الله له فيها بين كون جهنم جزاء له، أي: يستحقها بسبب هذا الذنب، وبين كونه خالداً فيها، وبين غضب الله عليه، ولعنته له، وإعداده له عذاباً عظيماً. وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا مثل هذا الوعيد وعيد. وانتصاب خالداً على الحال. وقوله: {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } معطوف على مقدّر، يدل عليه السياق، أي: جعل جزاءه جهنم، أو حكم عليه أو جازاه وغضب عليه وأعدّ له. وقد اختلف العلماء هل لقاتل العمد من توبة أم لا توبة له؟ فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها علماء أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } وهي آخر ما نزل، وما نسخها شيء. وقد روى النسائي عنه نحو هذا. وروى النسائي، عن زيد بن ثابت نحوه، وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك ابن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم، عنهم. وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } تفسير : [هود: 114] وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } تفسير : [الشورى: 25]. وقوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48]، قالوا أيضاً: والجمع ممكن بين آية النساء هذه، وآية الفرقان، فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما، وقد اتحد السبب، وهو القتل، والموجب، وهو التوعد بالعقاب. واستدلوا أيضاً بالحديث المذكور في الصحيحين، عن عبادة بن الصامت أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق"تفسير : ، ثم قال: "حديث : فمن أصاب من ذلك شيئاً، فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه" تفسير : وبحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وغيره في الذي قتل مائة نفس وذهب جماعة منهم أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي إلى أن القاتل عمداً داخل تحت المشيئة تاب أو لم يتب. وقد أوضحت في شرحي على المنتقى مستمسك كل فريق. والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك، وهو أعظم الذنوب وأشدّها تمحوه التوبة إلى الله، ويقبل من صاحبه الخروج منه، والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً؟ لكن لا بدّ في توبة قاتل العمد من الاعتراف بالقتل، وتسليم نفسه للقصاص إن كان واجباً، أو تسليم الدية إن لم يكن القصاص واجباً، وكان القاتل غنياً متمكناً من تسليمها، أو بعضها. وأما مجرد التوبة من القاتل عمداً، وعزمه على أن لا يعود إلى قتل أحد من دون اعتراف، ولا تسليم نفس، فنحن لا نقطع بقبولها، والله أرحم الراحمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ } يقول: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {مُّبِيناً وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } الآية. قال: إن عياش بن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه هو وأبو جهل، وهو أخوه لأمه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر. وأوضح من هذا السياق ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يعني: الحارث، فلقيه عياش بالحرّة فعلاه بالسيف، وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فنزلت: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأ} الآية، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: "حديث : قم فحرّر"تفسير : . وأخرجه ابن جرير، وابن المنذر، عن السدّي بأطول من هذا. وقد روي من طرق غير هذه. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلاً من القوم في غنم فحمل عليه بالسيف، فقال لا إله إلا الله، فضربه. وأخرج ابن منده، وأبو نعيم نحو ذلك، ولكن فيه أن الذي قتل المتعوّذ بكلمة الشهادة هو بكر بن حارثة الجهني. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} قال: يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصلى. وكل رقبة في القرآن لم تسمّ مؤمنة، فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانة، وفي قوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } قال: عليه الدية مسلمة إلا أن يتصدّق بها عليه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن قتادة قال: في حرف أبيّ «فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي». وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والبيهقي، عن أبي هريرة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله إن عليّ عتق رقبة مؤمنة، فقال لها: "حديث : أين الله؟"تفسير : فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها: "حديث : فمن أنا؟"تفسير : فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، أي: أنت رسول الله، فقال: "حديث : أعتقها، فإنها مؤمنة"تفسير : . وقد روي من طرق، وهو في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي. وقد وردت أحاديث في تقدير الدية، وفي الفرق بين دية الخطأ ودية شبه العمد ودية المسلم ودية الكافر، وهي معروفة، فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا الموضع. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن إبراهيم النخعي في قوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ } قال: هذا المسلم الذي ورثته مسلمون: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ } قال: هذا الرجل المسلم وقومه مشركون وليس بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } قال: هذا الرجل المسلم، وقومه مشركون، وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد، فيقتل، فيكون ميراثه للمسلمين، وتكون ديته لقومه؛ لأنهم يعقلون عنه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ } يقول: فإن كان في أهل الحرب، وهو مؤمن، فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه، وفي قوله: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } يقول: إذا كان كافراً في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن أبي عياض قال: كان الرجل يجيء فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيقيم فيهم، فتغزوهم جيوش النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيقتل الرجل فيمن يقتل فأنزل الله هذه الآية: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } وليست له دية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي يحيى، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } يعني تجاوزاً من الله لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة: أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه، وفيه نزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير نحوه، وفيه أن مقيس بن صبابة لحق بمكة بعد ذلك، وارتدّ عن الإسلام. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } بعد التي في سورة الفرقان بثمان سنين، وهي قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ } تفسير : [الفرقان: 68] إلى قوله: {أية : غَفُوراً رَّحِيماً } تفسير : [الفرقان: 70]. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن زيد بن ثابت أن قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } نزلت بعد قوله: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ } بستة أشهر. وأخرج ابن المنذر عنه قال: نزلت هذه الآية التي في النساء بعد قوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء }تفسير : [النساء: 116] بأربعة أشهر، والآثار عن الصحابة في هذا كثيرة جدّاً، والحق ما عرّفناك.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً} اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل لأمه قتل الحارث بن زيد من بني عامر بن لؤي، لأنه كان يعذب عياشاً مع أبي جهل واختلف أين قتله، فقال عكرمة ومجاهد: قتله بالحرّة بعد هجرته إلى المدينة وهو لا يعلم بإسلامه، وقال السدي: قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم بإسلامه. والقول الثاني: أنها نزلت في أبي الدرداء حين قتل رجلاً بالشعب فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله، فبدر فضربه ثم وجد في نفسه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أّلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ " تفسير : وهذا قول ابن زيد. فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً} يعني وما أّذِنَ الله لمؤمن أن يقتل مؤمناً. ثم قال: {إلاَّ خَطَأ} يعني أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله الله له، وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ومنه قول جرير: شعر : من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ على الأرض إلاّ ريْط بُردٍ مرحّلِ تفسير : يعني ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد وليس البرد من الأرض. {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} وفيها قولان: أحدهما: أنها لا يجزىء عتقها في الكفارة إلا أن تكون مؤمنة بالغة قد صلت وصامت، وهذا قول ابن عباس، والشعبي، والحسن، وقتادة، وإبراهيم. والقول الثاني: أن الصغيرة المولودة من أبوين مسلمين تكون مؤمنة تجزىء في الكفارة، وهذا قول عطاء، والشافعي. {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} في الدية وجهان: أحدهما: أنها مجملة أخذ بيانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنها معهودة تقدم العمل بها ثم توجه الخطاب إليها فجعل الله الرقبة تكفيراً للقاتل في ماله والدية بدلاً من نفس المقتول على عاقلته. {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} فيه قولان: أحدهما: أي إن كان قومه كفاراً وهو مؤمن ففي قتله تحرير رقبة مؤمنة وليس فيه ديةُ، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن زيد. قال ابن زيد: لا تؤدى إليهم لأنهم يَتَقوُّونَ بها. والثاني: معناه فإن كان من قومٍ عدو لكم يعني أهل حرب إذا كان فيهم مؤمن فَقُتِلَ من غير علم بإيمانه ففيه الكفارة دون الدية سواء كان وارثه مسلماً أو كافراً وهذا قول الشافعي، ويكون معنى قوله: {من قوم إلى قوم}، وعلى القول الأول هي مستعملة على حقيقتها. ثم قال تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنةٍ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: هم أهل الذمة من أهل الكتاب، وهو قول ابن عباس، يجب في قتلهم الدية والكفارة. والثاني: هم أهل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب خاصة، وهذا قول الحسن. والثالث: هم كل من له أمان بذمة أو عهد فيجب في قتله الدية والكفارة، وهو قول الشافعي. ثم قال تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} فيه قولان: أحدهما: أن الصوم بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها دون الدية، وهذا قول الجمهور. والثاني: أنه بدل من الرقبة والدية جميعاً عند عدمها، وهذا قول مسروقٍ. قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} قال ابن جريج: نزلت في مقيس بن صبابة، وقد كان رجل من بني فهر قتل أخاه، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية وضربها علي بني النجار، فقبلها، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيس بن صبابة ومعه الفهري في حاجة فاحتمل مقيس الفهريَّ وكان أَيِّدا فضرب به الأرض ورضخ رأسه بين حجرين ثم ألقى يغني: شعر : قتلت به فِهراً وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَظُنُّهُ أَحْدَثَ حَدَثاً، أَمَا وَاللَّهِ لَئِن كَانَ فَعَلَ لاَ أُؤَمِّنْهُ فِي حِلٍ وَلاَ حَرمٍ فَقُتِلَ عَامَ الفَتْحِ ". تفسير : وروى سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَمَن يَقْتُلْ مَؤْمِناً مُّتَعمِدّاً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ…" تفسير : الآية، فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحاً. قال وأنَّى له التوبة. قال زيد بن ثابت. فنزلت الشديدة بعد الهدنة بستة أشهر، يعني قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} بعد قوله: {أية : وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} تفسير : [الفرقان: 68].
ابن عطية
تفسير : قال جمهور المفسرين: معنى هذه الآية: وما كان في إذن الله وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمناً بوجه، ثم استثنى منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكون فيه إلا بمعنى لكن، والتقدير لكن الخطأ قد يقع. وهذا كقول الشاعر [الهذلي]: [البسيط] شعر : أَمْسى سَقَامُ خَلاءً لاَ أَنيسَ بِهِ إلاّ السِّباعُ وإلاَّ الرّيحُ بِالغُرَفِ تفسير : قال القاضي أبو محمد: سقام اسم واد، والغرف شجر يدبغ بلحائه، وكما قال جرير: [الطويل] شعر : مِنَ البِيضِ لَمْ تَظْغَنْ بَعيداً وَلَمْ تَطَأْ على الأرْضِ إلاّ ريطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ تفسير : وفي هذا الشاهد نظر، ويتجه في معنى الآية وجه آخر، وهو أن تقدر {كان} بمعنى استقر ووجد، كأنه قال، وما وجد ولا تقرر ولا ساغ {لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً} ، إذ هو مغلوب فيه أحياناً، فيجيء الاستثناء على هذا غير منقطع, وتتضمن الآية على هذا إعظام العمد وبشاعة شأنه، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسياً، إعظاماً للعمد والقصد مع خطر الكلام به البتة, وقرأ الزهري "خطا" مقصوراً غير مهموز، وقرأ الحسن والأعمش مهموزاً ممدوداً، وقال مجاهد وعكرمة والسدي وغيرهمحديث : نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة المخزومي حين قتل الحارث بن يزيد بن نبيشة، وذلك أنه كان يعذبه بمكة، ثم أسلم الحارث وجاء مهاجراً فلقيه عياش بالحرة، فظنه على كفره فقتله، ثم جاء فأخبر النبي عليه السلام فشق ذلك عليه ونزلت الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم فحرر" تفسير : وقال ابن زيد: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان يرعى غنماً وهو يتشهد فقتله وساق غنمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية وقيل: نزلت في أبي حذيفة اليمان حين قتل خطأ يوم أحد، وقيل غير هذا، والله أعلم, وقوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً} الآية، بيّن الله تعالى في هذه الآية حكم المؤمن إذا قتل المؤمن خطأ، وحقيقة الخطأ أن لا يقصده بالقتل، ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى، يربطها عدم القصد، قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم: "الرقبة المؤمنة" هي الكبيرة التي قد صلت وعقلت الإيمان، ولا يجزىء في ذلك الصغير، وقال عطاء بن أبي رباح: يجزىء الصغير المولود بين المسلمين، وقالت جماعة منهم مالك بن أنس: يجزىء كل من يحكم له بحكم الإسلام في الصلاة عليه إن مات ودفنه، قال مالك: ومن صلى وصام أحب إليّ، وأجمع أهل العلم على أن الناقص النقصان الكثير كقطع اليدين أو الرجلين أو الأعمى لا يجزىء فيما حفظت، فإن كان النقصان يسيراً تتفق له معه المعيشة والتحرف، كالعرج ونحوه ففيه قولان، و {مسلمة} معناه مؤادة مدفوعة، وهي على العاقلة فيما جاز ثلث الدية، و {إلا أن يصدقوا} يريد أولياء القتيل، وقرأ أبي بن كعب "يتصدقوا" وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وعبد الوارث عن أبي عمرو "تصدقوا" بالتاء على المخاطبة للحاضر، وقرأ نبيح العتري "تصدقوا "بالتاء وتخفيف الصاد، و "الدية" مائة من الإبل على أهل الإبل عند قوم، وعند آخرين على الناس كلهم، إلا أن لا يجد الإبل أهل الذهب والفضة، فحينئذ ينتقلون إلى الذهب والفضة، يعطون منها قيمة الإبل في وقت النازلة بالغة ما بلغت، واختلف في المائة من الإبل، فقال علي بن أبي طالب: هي مربعة، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وقال عبد الله بن مسعود: مخمسة، عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكراً، ولبعض الفقهاء غير هذا الترتيب، وعمر بن الخطاب وغيره يرى الدية من البقر مائتي بقرة. ومن الغنم ألفي شاة، ومن الحلل مائة حلة، وورد بذلك حديث عن النبي عليه السلام في مصنف أبي داود، والحلة ثوبان من نوع واحد في كلام العرب، وكانت في ذلك الزمن صفة تقاوم المائة من الإبل، فمضى القول على ذلك، وأما الذهب فهي ألف دينار، قررها عمر ومشى الناس عليها، وأما الفضة فقررها عمر اثني عشر ألفاً، وبه قال مالك، وجماعة تقول: عشرة آلاف درهم. وقوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم} الآية. المعنى عند ابن عباس وقتادة والسدي وإبراهيم وعكرمة وغيرهم، فإن كان هذا المقتول خطأ رجلاً مؤمناً، قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدو لكم، فلا دية فيه، وإنما كفارته تحرير الرقبة، والسبب عندهم في نزولها أن جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تمر بقبائل الكفار فربما قتل من قد آمن ولم يهادر، أو من قد هاجر ثم رجع إلى قومه، فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار، فنزلت الآية، وتسقط الدية عند قائلي هذه المقالة لوجهين، أولهما أن أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع الدية إليهم يتقوون بها، والآخر أن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية فيه، واحتجوا بقوله تعالى: {أية : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} تفسير : [الأنفال:72] وقالت فرقة: بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط، فسواء كان القتيل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه، لم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه، كفارته التحرير ولا دية فيه، لأنه لا يصح دفعها إلى الكفار. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقائل المقالة الأولى يقول: إن قتل المؤمن في بلد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة، وقوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} المعنى عند الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم وغيرهم وإن كان هذا المقتول خطأ مؤمناً من قوم معاهدين لكم، فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم، فكفارته التحرير وأداء الدية، وقرأ الحسن "وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن" وقال ابن عباس والشعبي وإبراهيم أيضاً. المقتول من أهل العهد خطأ لا يبالي كان مؤمناً أو كافراً على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم والتحرير، واختلف على هذا في دية المعاهد، فقال أبو حنيفة وغيره: ديته كدية المسلم، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال مالك وأصحابه: دينه على نصف دية المسلم، وقال الشافعي وأبو ثور: ديته على ثلث دية المسلم، وقوله تعالى: {فمن لم يجد} الآية يريد عند الجمهور فمن لم يجد العتق ولا اتسع ماله له فيجزيه "صيام شهرين" متتابعين في الأيام لا يتخللها فطر، وقال مكي عن الشعبي: "صيام الشهرين" يجزىء عن الدية والعتق لمن لم يجدها، وهذا القول وهم، لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل، والطبري حكى القول عن مسروق، و {توبة} نصب على المصدر معناه رجوعاً بكم إلى التيسير والتسهيل.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} نزلت في عياش بن أبي ربيعة، قتل الحارث بن يزيد وكان يعذب عياشاً ثم أسلم الحارث وهاجر فقتله عياش بالحرة وهو لا يعلم بإسلامه، أو قتله يوم الفتح خارج مكة، وهو لا يعلم إسلامه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} أي ما أذن الله له لمؤمن {إِلاَّ خَطَئًا} استثناء منقطع. {رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} بالغة قد صَلَّت، وصامت، لا يجزي غيرها، أو تجزى الصغيرة المتولدة من مسلمين. {وَدِيَةٌ} كانت معلومة معهودة، أو هي مجملة أخذ بيانها من السنة. {مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ} كان قومه كفاراً فلا دية فيه، أو كان في أهل الحرب فقتله من لا يعلم إيمانه فلا دية فيه مسلماً كان وارثه أو كافراً فيكون "مِنْ" بمعنى "في" قاله الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه ـ {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} أهل الذمة من أهل الكتاب، فيهم الدية والكفارة، أو أهل عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب خاصة، أو كل من له أمان بذمة أو عهد ففيه الدية والكفارة. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الرقبة، صام بدلاً من الرقبة وحدها عند الجمهور، أو الصوم عند العدم بدل من الدية والرقبة قاله مسروق.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ} الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله فخرج هارباً إلى المدينة وتحصن في أطم من أطامها والأطم الحصن فجزعت أمه لذلك جزعاً شديداً، وقالت لابنها الحارث وأبي جهل ابني هشام وهما أخوا عياش بن أبي ربيعة لأمه والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتيان به فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أوتوا المدينة فأتوا عياشاً وهو في الأطم فقالوا: أنزل فإن أمك لم يؤوها سقف بعدك وقد حلفت لا تأكل ولا تشرب حتى ترجع إليها ولك عهد تالله علينا أن نكرهك على شيء يحول بينك وبين دينك. فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوه بنسعة وجلده كل واحد منهم مائة جلدة ثم قدموا به على أمه فلما أتاها قالت لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به ثم تركوه موثقاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت عليه لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقالته وقال والله لألقاك خالياً إلاّ قتلتك ثم إن عياشاً أسلم بعد ذلك وهاجر وأسلم الحارث بن زيد من بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضراً يومئذٍ ولم يشعر بإسلامه فبينا عياش يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث فقتله فقال لهم ناس: ويحك يا عياش أي شيء صنعت إنه قد أسلم فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إنه كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزل وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومعنى الآية وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ألبتة وما كان له سبب جواز قتله وقيل معناه ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه وعهد إليه ففيه تحريم قتل المؤمن من كل وجه وقوله تعالى إلاّ خطأ استثناء منقطع معناه لكن إن وقع خطأ فتحرير رقبة. وقيل معناه ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً البتة إلاّ أن يخطئ المؤمن فكفارة خطئه ما ذكر من بعد والخطأ فعل الشيء من غير قصد وتعمد {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} يعني فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة {ودية مسلمة إلى أهله} أي وعليه دية كاملة مسلمة إلى أهل القتيل الذين يرثونه {إلاّ أن يصدقوا} يعني إلاّ أن يتصدق أهل القتيل على القاتل بالدية ويعفو عنه {فإن كان} يعني المقتول {من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} أراد أنه إذا كان رجل مسلم في دار الحرب وهو منفرد مع قوم كفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية عليه الكفارة وقيل المراد منه إنه إذا كان المقتول مسلماً في دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار وأهله الذين يرثونه في دار الحرب وهم حرب للمسلمين ففيه كفارة ولا دية لأهله وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين فكان فيه الكفارة تحرير رقبة مؤمنة دون الدية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي عهد {فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} يعني أنه إذا كان المقتول كافراً معاهداً أو ذميماً فتجب فيه الدية والكفارة {فمن لم يجد الرقبة} فصيام شهرين متتابعين أي فعليه صيام شهرين متتابعين بدلاً عن الرقبة {توبة من الله} يعني جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ {وكان الله عليماً} يعني بمن قتل خطأ {حكيماً} يعني فيما حكم به عليه من الدية والكفارة. فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل المسألة الأولى: في بيان صفة القتل: قال الشافعي: القتل على ثلاثة أقسام: عمد وشبه عمد وخطأ، أما العمد المحض فهو أن يقصد قتل إنسان بما يقتل به غالباً فقتل به ففيه القصاص عند وجود التكافؤ أو دية حالة مغلظة في مال القاتل. وأما شبه العمد فهو أن يقصد ضرب إنسان بما لا يقتل بمثله غالباً مثل أن ضربه بعصا خفيفة أو رماه بحجر صغير فمات فلا قصاص عليه وتجب عليه دية مغلظة على عائلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. وأما الخطأ المحض فهو أن لا يقصد قتله بل قصد شيئاً آخر فأصابه فمات منه فلا قصاص عليه وتجب فيه دية مخففة على عاقلته مؤجلاً إلى ثلاث سنين ومن صور قتل الخطأ أن يقصد رمي مشرك أو كافر فيصيب مسلماً أو يقصد قتل إنسان يظنه مشركاً بأن كان عليه لباس المشركين أو شعارهم فالصورة الأولى خطأ في الفعل والثانية خطأ في القصد. المسألة الثانية: في حكم الديات: فدية الحر المسلم مئة من الإبل فإذا عدمت الإبل فتجب قيمتها من الدراهم أو الدنانير في قول وفي قول بدل مقدر وهو ألف دينار أو أثنا ألف درهم ويدل على ذلك ما روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص. قال كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم قال وكانت دية أهل الكتاب يومئذٍ على النصف من دية المسلم فكانت كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيباً فقال إن الإبل قد غلت فقرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة قال: وترك دية أهل الكتاب فلم يرفعها فيما رفع من الدية أخرجه أبو داود فذهب قوم إلى أن الواجب في الدية مائة من الإبل وألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو قول عروة بن الزبير والحسن البصري وبه قال الشافعي وذهب قوم إلى أنها من الإبل أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي ودية المرأة نصف دية الذكر الحر ودية أهل الذمة والعهد ثلث دية المسلم إن كان كتابياً وإن كان مجوسياً فخمس الثلث ثمانمائة درهم وهو قول سعيد بن المسيب. وإليه ذهب الشافعي وذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دية المسلم روي ذلك عن ابن مسعود وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وقال قوم دية الذمي نصف دية المسلم وهو قوم عمر بن عبدالعزيز وبه قال مالك وأحمد والأصل في ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : دية المعاهد نصف دية الحر" تفسير : أخرجه أبو داود وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين" تفسير : وهم اليهود والنصارى أخرجه النسائي فمن ذهب إلى أن دية أهل الذمة ثلث دية المسلم أجاب عن هذا الحديث بأن الأصل في ذلك كان النصف ثم رفعت زمن عمر دية المسلم، ولم ترفع دية الذمي فبقيت على أصلها وهو قدر الثلث من دية المسلمين والدية في قتل العمد وشبه العمد مغلظة فتجب ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون في بطونها أولادها. وهذا قول عمر وزيد بن ثابت وبه قال عطاء وإليه ذهب الشافعي لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقه ثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد العقل"تفسير : . أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وعن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال: "حديث : ألا وإن قتيل العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة" تفسير : وفي رواية أخرى "حديث : ألا إن كل قتيل خطأ العمد أو شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل فيها أربعون في بطونها أولادها"تفسير : أخرجه النسائي وذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وهذا قول الزهري وربيعة وإليه ذهب مالك وأحمد وأصحاب الرأي. وأما دية الخطأ فمخففة وهي أخماس بالاتفاق غير أنهم اختلفوا في تقسيمها فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وهذا قول عمر بن عبدالعزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة وبه قال مالك والشافعي وأبدل قوم أبناء اللبون ببنات المخاض يرون ذلك عن ابن مسعود وبه قال أحمد وأصحاب الرأي والدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة وهم العصيات من الذكور ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبها على العاقلة ودية الأعضاء والأطراف حكمها مبين في كتب الفقه ودية أعضاء المرأة على النصف من دية أعضاء الرجل والله أعلم. المسألة الثالثة: في حكم الكفارة: الكفارة إعتاق رقبة مؤمنة وتجب في مال القاتل سواء كان المقتول مسلماً أو معاهداً رجلاً كان أو امرأة حراً كان أو عبداً فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين فالقاتل إن كان واجداً للرقبة أو قادراً على تحصيلها بوجود الثمن فاضلاً عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه فعليه الإعتاق. ولا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم فمن عجز عن الرقبة أو عن تحصيل ثمنها فعليه صوم شهرين متتابعين فإن أفطر يوماً متعمداً في خلال الشهرين أو نسي النية أو نوى صوماً آخر وجب عليه استئناف الشهرين وإن أفطر يوماً بعذر مرض أو سفر هل ينقطع التابع؟ اخلتف العلماء فيه فمنهم من قال ينقطع التتابع وعليه استئناف الشهرين وهو قول النخعي وأظهر قولي الشافعي لأنه أفطر مختاراً. ومنهم من قال لا ينقطع التتابع وعليه أن يبني وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي ولو حاضت المرأة في خلال الشهرين فطرت أيام الحيض ولا ينقطع التتابع فإذا طهرت بنت لأنه أمر كتبه الله على النساء ولا يمكن الاحتراز عنه فإن عجز عن الصوم فهل ينتقل عنه إلى الإطعام فيطعم ستين مسكيناً ففيه قولان: أحدهما أنه ينتقل إلى الإطعام كما في كفارة الظهار. والثاني لا ينتقل لأن الله تعالى لم يذكر له بدلاً فقال فصيام شهرين متتابعين توبة من الله فنص على الصوم وجعل ذلك عقوبة لقتل الخطأ والله أعلم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {فتثبتوا} من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف. والباقون {فتبيّنوا} من التبين {السلم} مقصوراً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل. الباقون بالألف. {غير} بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف. الباقون {غير} بالرفع {الذين توفاهم} مشددة التاء: البزي وابن فليح. الوقوف: {إلاّ خطأ} ج {يصدقوا} ط لابتداء حكم آخر. {مؤمنة} ط لذلك {مؤمنة} ج {متتابعين} ز لاحتمال كون {توبة} مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له. {من الله} ط {حكيماً} 5 {عظيماً} 5 {مؤمناً} ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً {الدنيا} ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء. {كثيرة} ط {فتبينوا} ط {خبيراً} 5 {وأنفسهم} الأول ط {درجة} ط {الحسنى} ط {عظيماً} 5 لا لأن ما بعده بدل / {ورحمة} ط {رحيماً} 5 {فيم كنتم} ط {في الأرض} ط {فتهاجروا فيها} ط لتناهي الاستفهام بجوابه. {جهنم} ط {مصيراً} 5 للاستثناء. {سبيلاً} 5 لا {عنهم} ط {غفوراً} 5 {وسعة} ط {على الله} ط {رحيماً} 5 {من الصلاة} ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر {كفروا} ط {مبيناً} 5. التفسير: لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه كافراً حربياً فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلماً، ذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة وأمثالها في هذه الآيات. أما سبب النزول فقد روى عروة بن الزبير حديث : أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلاّ بعد أن قتلوه. فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك زاد وقع حذيفة عنده تفسير : ونزلت الآية. وقيل: نزلت في أبي الدرداء؛ حديث : وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلاّ الله فقتله وساق غنمه. ثم وجد في نفسه شيئاً فذكر الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: هلا شققت عن قلبه؟ وندم أبو الدرداءتفسير : . والذي عليه أكثر المفسرين ما ذكره الكلبي حديث : أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هارباً إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمها، ثم أتى أُطُماً من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعاً شديداً وأقسمت لا تأكل ولا تشرب ولا يؤوبها سقف حتى يرجع. فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في ألأطم فقالا: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؟ انصرف وبرّ بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما. فلما أخرجاه من المدينة وأوثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به. ثم تركوه موثقاً في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت الآن فيه. فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي - يعني أبا جهل - فمن أنت يا حارث؟ لله عليّ، إن وجدتك خالياً أن أقتلك. ثم إن عياشاً أسلم بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة واسلم الحرث بعده وهاجر وليس عياش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟ إنه قد أسلم. فرجع عياش إلى / رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني لم اشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت تفسير : {وما كان لمؤمن} أي ما صح له ولا استقام، أو ما كان له فيما أتاه من ربه وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك. والغرض بيان أن حرمه القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف {إلا خطأ} إلاّ لهذا العذر وبهذا السبب فيكون مفعولاً له، أو إلاّ في حال الخطأ أو إلاّ قتلاً خطأ. قال أبو هاشم - وهو أحد رؤساء المعتزلة -: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيبقى مؤمناً إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذٍ مؤمناً. {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير} فعليه إعتاق {رقبة} أي نسمة مؤمنة. والحر العتيق الكريم لأنّ الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العيبد ومنه عتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه. وعبر عن النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: "فلان يملك كذا رأساً من الرقيق". {ودية مسلمة إلى أهله} الدية من الودي كالشية من الوشي. والأصل ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف والأعضاء والمراد بالأهل الورثة {إلاّ أن يصدقوا} أي يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد. والتصدق الإعطاء والمراد ههنا العفو ومحله النصب على الظرف أو الحال والعامل.{مسلمة} أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلاّ زمان التصدق أو إلاّ متصدقين. وههنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد وخطأ وشبه عمد. اما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان جارحاً أو لم يكن. وأما الخطأ فضربان: أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلماً، والثاني أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار. فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد. وأما شبه العمد فهو أن يضربه مثلاً بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت منه فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب. الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلاً تحت الآية فيجب في الدية والكفارة ولا يجب فيه القصاص. وقال الشافعي: إنه عمد محض يجب فيه القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل فبقوله تعالى لموسى: {أية : وقتلت نفساً فنجيناك من الغم} تفسير : [طه:40] يعني القبطي إذ وكزه موسى فقضى عليه. وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ماجنا، وإذا ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: {أية : كتب عليكم القصاص في القتلى} تفسير : [البقرة:178] وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار غير معتبر. حجة أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : ألا إِنَّ قتيل العمد / والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " تفسير : هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيراً أو كبيراً، وأجيب بأن العصا والسوط يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعه جبل ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله. الثالثة قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط. وقال الشافعي: يوجبها لما روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار. وأيضاً نص الله تعالى على الكفارة في قتل الصيد عمداً في الحرم وفي الإحرام فأوجبها على الخاطىء بالاتفاق، فههنا نص على الخاطىء فبأن نوجبه على العامد كان أولى لأنه لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الإحياء عمداً لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقاً، ولتحقيق هذا المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل كهرم وعمى وجنون. الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزىء الرقبة إلاّ إذا صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة. والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي. وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً لأن حكمه حكم المؤمن. الخامسة أنه تعالى أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها وإنما عرفت من السنة. عن عمرو بن حزم حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن أن في النفس مائة من الإبلتفسير : . وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة. وبه قال مالك لما روي عن ابن مسعود حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في دية الخطأ بمائة من الإبل تفسير : وفصلها كما ذكرنا. وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية. وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب للزكاة. واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها. ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة / الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ينكره أحد فكان إجماعاً. ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف دية الخطأ فإنها تكون على العاقلة لما روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرة بحجر، ويروى بعمود فسطاط. فقتلتها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتلة. وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى. وجهات التحمل ثلاث: القراب والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب وهم الإخوة وبنوهم. وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ويراعى الترتيب في العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلاّ شاركهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وقال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضاً تجب على القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضاً عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على التحرير. وأيضاً الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر الإتلافات. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة على ذلك. السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك في الدية. وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: {ومن قتل مؤمناً}. السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رفع قيمتها. وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفاً. الثامنة لا فرق بين هذه الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله لما روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه. فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك. وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القائل. وعن شريك: لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف الجماعة. واعلم أنّ الله تعالى ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ثم قال: {فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} وسكت عن الدية. فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما قبلها وفيما بعدها وهو قوله: {وإن كان من قوم من بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} / يدل على عدم وجوب الدية ههنا. ثم المعنيّ بقوله: {من قوم عدوّ لكم} إما أن يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية ألبتة فتعين الأول. وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم. وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى لأنه أهلك إنساناً مواظباً على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة عليها. أما قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} ففيه قولان: أحدهما أنّ المراد الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب. وعن الحسن هم المعاهدون ومنه الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب. وعن الحسن هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: {فإن كان من قوم عدوّ لكم} والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا ههنا. واعترض عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأنّ المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: {من قتل مؤمناً خطأ} إلاّ أنه أفرد المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وههنا لا غرض في الإفراد فيكون تكراراً محضاً. وأيضاً لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهماً مجملاً لأنه لا يدري أنه منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما. وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين المعاهدين تنصيصاً على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيهاً على التسوية بينه وبين المسلم المقتول في دار الإسلام. وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل "من" بمعنى "في" كما في الآية المتقدمة عليه. وههنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي مثل دية المسلم لقوله تعالى: {وإن كان} أي المقتول {من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية} وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة. ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضاً يجوز أن يكون المراد بالدية الثانية مقداراً مغايراً للأول، وههنا سؤال وهو أنه لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟ ويمكن أن يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب / بين التحرير والدية، وأيضاً ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله تعالى. ويترتب على التحرير قوله: {فمن لم يجد} أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين. ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم؟ الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب. وأما الشهران فهما هلاليان ألبتة. نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين. والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوماً منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلاّ أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية {توبة من الله} أي شرع لكم ما شرع قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته. ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه. ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفاً منه لأن التخفيف من لوازم التوبة. {وكان الله عليماً} بأنه لم يقصد ولم يتعمد {حكيماً} محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد. وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة. ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر ههنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار. وأجيب بوجهين: الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمناً. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حديث : أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رسولاً من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة؟ اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية. فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها وساق بقتيها راجعاً إلى مكة كافراً وجعل يقول في شعره: *قتلت به فهراً وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارغ* *وأدركت ثأري واضطجعت مؤسداً * وكنت إلى الأوثان أول راجع . تفسير : فنزلت الآية فيه {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} ثم أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة فأدركه الناس بالسوق فقتلوه. الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم. وضعف الوجه الأول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟ وإذا لا أثر للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جارياً مجرى قول القائل "إنّ من تنفس لجزاؤه جهنم" وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر. وإذا جاز الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض المصلحة؟ وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع. قال القفال: الآية تدل على أنّ جزاء القتل العمد هو ما ذكر. وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلاّ أني لا أفعله. ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضاً لدلالة سائر الآيات كقوله: {أية : من يعمل سوءاً يجز به} تفسير : [النساء:123] {أية : ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} تفسير : [الزلزلة:8] على أنه يوصل الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: {وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً} صريح في أنه تعالى سيفعل به ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع. ولتأكد هذه المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة. وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له. وحمله الجمهور على التغليظ والتشديد وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة حتى الشرك. هذا عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلاّ الشرك لقوله تعالى: {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء:48]. ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا} لتفعل ههنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوّكوا فيه عن غير روية {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} وهو والسلم بمعن الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام. قال السدي:حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهرب ثقة بإسلامه، فقتله أسامة واستاق غنماً كانت معه. فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبره فقال: قتلت رجلاً يقول لا إله إلاّ الله. فقال: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل. فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلاّ الله؟ قال: فما زال يردّدها عليّ أقتلت رجلاً وهو يقول لا إله إلاّ الله حتى تمنيت لو أنّ إسلامي / كان يومئذٍ فنزلت الآية تفسير : . وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك. وقال الحسن: حديث : إنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا يتطرّفون فلقوا المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم. قال: يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً. قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟ قال: لم؟ قال: لتنظر أصادق هو أم كاذب. قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟ قال: ويلك إنك لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه. قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره. قال: ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أوثلاثاً. فلما رأو أنّ الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارةتفسير : . قال الحسن: إنّ الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا. وعن سعيد بن جبير قال: حديث : خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في غنيمة له فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاّ الله. فقتله المقداد. فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلاّ الله؟ فقال: ودّ لو فرّ بأهله وماله. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فنزلتتفسير : . قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته. وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " تفسير : قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية. وقال أبو حنيفة: إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية. وقال الشافعي: لا يصح وإلاّ لوجب عليه لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " تفسير : وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه. ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحصل الجزم بإسلامه لأنّ منهم من يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمداً الذي هو الرسول الحق المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق. {تبتغون عرض الحياة الدنيا} قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء. يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر / يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضاً لأنه عارض زائل غير باقٍ، ومنه العرض لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين {فعند الله مغانم كثيرة} يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوّذاً به لتأخذوا ماله. وقيل: يريد ما أعدّ لعباده من حسن الثواب في الآخرة {كذلك كنتم من قبل} اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دمائكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم {فمنّ الله عليكم} بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن صرتم أعلاماً فيه، فعيلكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم. واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر؟ وعن سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن قومه {فمنّ الله عليكم} بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم. وأورد عليه أن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم. وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه. وقيل: إنّ قوله: {فمنّ الله عليكم} منقطع عما تقدمه. وذلك أن القوم لما نهاهم عن قتل من تكلّم بلا إله إلاّ الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن الإضمار خلاف الإظهار فقال: {إنّ الله كان بما تعملون خبيراً} وفيه من الوعيد ما فيه. ولما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علّتهم ويزيد رغبتهم، أو نقول: لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب خللاً في هذا المنصب الجليل فقال: {لا يستوي القاعدون} عن زيد بن ثابت قال: حديث : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} ولم يذكر {أولى الضرر} فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟ قال زيد: فتغشّى النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه الوحي فاتكأ على فخذي؛ فوالذي نفس بيده لقد ثقل عليّ حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون} فكتبتهاتفسير : . رواه البخاري. والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم الأهبة. من قرأ {غير} بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو / على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير صفة للمعرفة كما سبق في تفسير {أية : غير المغضوب عليهم} تفسير : [الفاتحة:7] وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين. قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعأً على جهة الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدين، إلاّ أولي الضرر فإنه يساوون المجاهدين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من بعض غزواته "حديث : لقد خلفتم بالمدينة أقوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مرض العبد قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " تفسير : . ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال. وذكروا في معنى قوله: "حديث : نية المؤمن أبلغ من عمله " تفسير : أنّ ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير من عمله الذي أدركه في مدة حياته. قيل: إنه قدّم ذكر النفس على المال في قوله: {أية : إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} تفسير : [التوبة:111] وههنا أخر لأنّ النفس أشرف من المال. فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أنّ الرغبة فيها أشد، والبائع أخر تنبيهاً على أنّ المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلاّ في آخر الأمر. وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته فيجاهد كقوله: {أية : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} تفسير : [الزمر:9] تحريكاً للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم. ثم إن عدم الاستواء يحتمل الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: {فضل الله المجاهدين} كأنه قيل: مالهم لا يستوون؟ فأجيب بذلك. وانتصب {درجة} على المصدر لأن الدرجة بدل على التفضيل. وقيل: حال أي ذوي درجة. وقيل: بنزع الخافض أي بدرحة. وقيل: على الظرف أي في درجة {وكلا} وكل فريق من القاعدين والمجاهدين {وعد الله الحسنى} أي المثوبة الحسنى وهي الجنة. قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية إذ لو كان واجباً على التعيين لم يكن القاعد أهلاً للوعد. وانتصب {أجراً} بفضل لأنّ التفضيل يدل على الأجر. وههنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولاً درجة وثانياً درجات؟ وأجيب بأن اللام في قوله أوّلاً على القاعدين للعهد والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانياً على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو / فرض كفاية. وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة. وقيل: المراد بالدرجة والغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة. قيل: المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال. واستدلت الشيعة ههنا بأنّ علياً رضي الله عنه أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته. أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفاً والاحتياج إلى المدد شديداً، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً. والحق أنه لا تدل الآية إلاّ على تفضيل المجاهدين على القاعدين، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا. قالت المعتزلة: ههنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجراً. وأجيب بأنّ العمل على الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشاعر ذلك العمل موجباً له. قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله: {وفضل الله المجاهدين} عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح. ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال: {إنّ الذين توفاهم} وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا. عن عكرمة عن ابن عباس قال: حديث : كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآيةتفسير : . ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة. قال الجمهور: معنى {تتوفاهم} تقبض أرواحهم عند الموت. ولا منافاة بينه وبين قوله: {أية : الله يتوفّى الأنفس} تفسير : [الزمر:42] {أية : قل يتوفاكم ملك الموت} تفسير : [السجدة:11] لأنه تعالى هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه. وعن الحسن: {توفاهم الملائكة} أي يحشرونهم إلى النار. أما قوله: {ظالمي أنفسهم} فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً. والظلم قد يراد به الشرك {أية : إنّ الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان:13] فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة. وقد يراد به المعصية {أية : فمنهم ظالم لنفسه} تفسير : [فاطر:32] فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار / الإسلام حين كانت الهجرة فريضة. وفي خبر "إنّ" وجوه: الأول {قالوا فيم كنتم} والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم. الثاني {فأولئك} فيكون {قالوا} حالاً من الملائكة بتقدير "قد". الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا. ثم فسر الهلاك بقوله: {قالوا فيم كنتم} أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم: {كنا مستضعفين} اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء. ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. فسئل لم عدّ الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل التكليف؟ وأجيب بأنّ المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله. سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه. وقوله: {لا يستطيعون} قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين. وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأنّ المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر. والمعنى أنّ العاجزين هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم عن المهاجرة. ومعنى {لا يهتدون سبيلاً} لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلّهم على الطريق. وإنما قال سبحانه: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} بكلمة الإطماع تنبيهاً على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأنّ الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على تأويل غير سديد. ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب العبد. وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب. فالجزم بالعفو حاصل إلا أنّه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلاّ مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه أيضاً يخرج مما قلنا: {وكان الله عفوأً غفوراً} قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفاً بهذه الصفة، أو أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره. وأيضاً لو قال إنه عفو غفور كان / إخباراً عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه فكان أدل على كونه حقاً وصدقاً. قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة. قال ابن عباس في رواية عطاء: حديث : كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب إليهم: {إِنّ الذين توفاهم الملائكة} الآية. فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه - وكان شيخاً كبيراً - احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق. فحمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات حميداً. فبلغ خبره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً فأنزل الله تعالى فيه: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً} تفسير : أي مذهباً ومهرباً ومضطرباً قاله الفراء. وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأنّ الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة. ويمكن أن يقال: إنّ من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه. واعلم أنه سبحانه لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأوّل أن يكون له في وطنه نوع رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {ومن يهاجر} كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر فلا تخف فإنّ الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب السنية في مهاجرك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويصير سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها سبب سعة رزقه وعيشه. المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله سبحانه عنه بقوله: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} قال بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فمحال. والصحيح أن المراد من قصد طاعة / ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المريض إذا عجز عما كان يفعله من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ" تفسير : . وأيضاً من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب. وأيضاً لا تكون الآية جواباً عن قول الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجراً. قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط. قال تعالى: {أية : فإذا وجبت جنوبها} تفسير : [الحج:36] أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة "على" يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع ألبتة لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم. واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، وُردَّ بأن قسم الغنيمة يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر. {وكان الله غفوراً رحيماً} يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين. ومما يفتقر المجاهد إليه معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم قال: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} يقال: قصر صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى. ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلاّ أنه ليس صريحاً في أن التخفيف في كمية الركعات أو كيفية أدائها. والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: حديث : فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكمتفسير : . وعنه أيضاً أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيمان مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا الرأي بقوله: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فإن خوف فتنة العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما. حجة الجمهور ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: حديث : قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا وقال الله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم}؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقتهتفسير : . فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده حديث ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟" وأيضاً القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فحمل الكلام على ما لا يلزم من التكرار أولى. أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت على غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم وأكثرها لم يخل عن خوف قتال الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز القصر في حالة الأمن ولا في حالة الخوف بسبب آخر، على أن / كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة. ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: {لا جناح عليكم} مشعر بعدم الوجوب، ولما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت. وأتممت وصمت وأفطرت. فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّتفسير : . وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه. وقال أبو حنيفة: القصر واجب فإنّ صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما روي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً صلى ركعتين، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاقبلوا صدقته" تفسير : وظاهر الأمر للوجوب. وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا} قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه. وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر. وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسداً لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال عاقل. وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعاً لا على أن الإتمام غير جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق عليه لفظ القصر. ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في القصر لإطلاق قوله: {وإذا ضربتم في الأرض} وجمهور الفقهاء على أن السفر المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر. وقال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ. وقال الحسن: مسيرة ليلتين. وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام. وهو قول أبي حنيفة قياساً على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عوّلوا على ما روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفانتفسير : . والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل أثنا عشر ألف قدم وهي أربعة / آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة. قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر. وقال أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن. {إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً} يريد أن العدواة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر منهم. التأويل: ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً. وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة. {من قتل مؤمناً} أي قلباً مؤمناً: {فتحرير رقبة مؤمنة} وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات {ودية مسلمة إلى أهله} يعني يسلم العاقلة - وهو الله تعالى - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية {فإن كان} القتيل بالتجلي {من قوم عدوّ لكم} أي من صفات النفس {وهو مؤمن} أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: {فتحرير رقبة مؤمنة} وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل. {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه {فدية مسلمة} على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: {أية : إلاّ ما رحم ربي} تفسير : [يوسف:53] وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين. {فمن لم يجد} رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: {فصيام شهرين متتابعين} أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته. فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى. قال قائلهم: شعر : لقد صام طرفي عن شهود سواكم وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم ويبدو هلال الصب حين يراكم تفسير : {توبة من الله} جذبة منه. {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر {فجزاؤه جهنم} وهي سفل عالم الطبيعة. {إذا ضربتم في سبيل الله} بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة {فتبينوا} عن حال المريد في الرد والقبول {ولا تقولوا} له {لست مؤمناً} صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال {تبتغون عرض الحياة الدنيا} أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه {كذلك كنتم} ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة {فمنّ الله عليكم} بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم {إن الذين توفاهم الملائكة} هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها {فيم كنتم} في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟ أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟ {مستضعفين} عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى {ألم تكن أرض الله} أي أرض القلب {واسعة} فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية {لا يستطيعون حيلة} في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال {ولا يهتدون سبيلاً} إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر. {ومن يهاجر} عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية {يجد} في أرض الإنسانية {مراغماً} متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر {وسعة} في تلك العوالم من رحمة الله: {أية : ورحمتي وسعت كل شيء} تفسير : [الأعراف:156] "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجل وأكبر.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً...} الآية: قال جمهورُ المفسِّرين: معنى الآية: وما كان في إذْنِ اللَّه، وفي أمره للمؤمن أن يَقْتُلَ مؤمناً بوَجْهٍ، ثم استثنَى ٱستثناءً منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكُونُ فيه «إلاَّ» بمعنى «لَكِنْ»، والتقديرُ: لَكِنِ الخطأُ قدْ يَقَعُ، ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ وَجْهٌ آخر، وهو أنْ تقدَّر «كَانَ» بمعنى «ٱسْتَقَرَّ»، و «وُجِدَ»؛ كأنه قال: وما وُجِدَ، ولا تقرَّر، ولا سَاغَ لمؤْمِنٍ أنْ يقتُلَ مؤمناً إلا خطأً؛ إذ هو مغلوبٌ فيه، فيجيءُ الاستثناءُ على هذا متَّصلاً، وتتضمَّن الآية على هذا إعْظَامَ العَمْد، وبَشَاعَةَ شأنه. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأً...} الآية: حقيقةُ الخَطَإ ألاَّ يقصده بالقَتْلِ، ووجوهُ الخَطَإ كثيرةٌ لا تحصَىٰ، يربطها عَدَمُ القَصْد. قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الرَّقَبَةُ المؤمنةُ: هي الكَبِيرَةُ الَّتي قَدْ صَلَّتْ وعَقَلَتِ الإيمان، وقالَتْ جماعة، منهم مالكُ بْنُ أنَسٍ: يجزىءُ كُلُّ مَنْ يُحْكَم له بحُكْم الإسلام في الصلاة عليه، إنْ مات، قال مالك: ومَنْ صلَّىٰ وصَامَ أحَبُّ إلَيَّ، ولا يجزىءُ ذو العَيْب الكثِيرِ؛ كَأقْطَعِ اليَدَيْنِ، أو الرجْلَيْن، أو الأعمَىٰ؛ إجماعاً فيما عَلِمْتُ، و {مُّسَلَّمَةٌ}: معناه: مؤَدَّاة مدفوعةٌ، وهي على العاقلةِ فيما جَاوَز ثُلُثَ الدية، و {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ}: يريدُ: أولياءَ القَتِيلِ، وقوله: {فإنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لكم وهو مؤمن...} الآية: أيْ: وإنْ كان هذا المقتولُ خطأً مؤمناً قَدْ آمَنَ، وبَقِيَ في قَوْمِهِ، وهم كَفَرَةٌ عدُوٌّ لكم، فلا ديةَ فيه، وإنما كفَّارته تحريرُ الرَّقَبة؛ قاله ابنُ عَبَّاس وغيره، وسقَطَتِ الديةُ عندهم؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ أولياء المقتولِ كُفَّار، فلا يصحُّ دفع الديةِ إلَيْهم. والآخر: قلَّة حُرْمَة هذا المقتولِ، فلا دِيَةَ فيه. واحتجُّوا بقوله تعالَىٰ:{أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا}تفسير : [الأنفال:72]. وقالت فرقةٌ: بل الوجْهُ في سقوط الدِّية أنَّ الأولياء كُفَّار فقطْ، وسواءٌ قُتِلَ بين أظْهُر المسلمين، أو بَيْن قومه الكُفَّار؛ لأنه لا يصحُّ دفعها إلى الكفَّار. قال * ع *: وقائِلُ المقالة الأولَىٰ يقول: إن قُتِلَ المؤمنُ في بَلَدِ المسلمينَ، وقومُهُ حَرْبٌ، ففيه الديةُ لبَيْتِ المالِ والكَفَّارة. وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ...} الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المقتولُ من أهل العَهْدِ خطأً لا نُبَالِي، كانَ مؤْمناً أو كافراً، علَىٰ عهد قومِهِ فيهِ الدِّيَةُ والتَّحْرير. وقوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ...} الآية، أي: فَمَنْ لم يَجِدِ الرقَبَةَ ولا ٱتَّسَعَ ماله لشرائها، فيجزيه صيامُ شَهرَيْنِ متتابعةِ الأيَّامِ، لا يتخلَّلها فِطْرٌ، و {تَوْبَةً}: نصْبٌ على المَصْدر، ومعناه: رجُوعاً بكُمْ إلى التَّيْسير والتَّسْهيل.
ابن عادل
تفسير : كما رَغَّب في مُقَاتَلة الكُفَّار، ذكر بَعْدَهَا ما يتعلَّق بالمُحَارَبَة، ولا شَكَّ أنَّه قد يَتَّفِقُ أن يرمي الرَّجُلُ رجُلاً يَظُنُّه كافراً حَرْبِيَّا فيقْتُلهُ، ثم يتبين أنَّه مُسْلِمٌ، فذكر الله - تعالى - حكْم هَذِهِ الوَاقِعَة. قوله - تعالى -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن}. قد تقدَّم الكلام في نَظِير هذا التَّركيب عند قوله - تعالى -: {أية : مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} تفسير : [البقرة: 114]. وقوله: {إِلاَّ خَطَئاً} فيه أرْبَعة أوجُه: أحدُها: أنه اسْتثنَاء منقَطِع - وهو قولُ الجُمْهُور - إنْ أُريد بالنَّفِي معناه، ولا يجُوزُ أن يكُون مُتَّصِلاً، إذ يصير المَعْنَى: إلا خَطَأ فله قَتْلُه. والثاني: أنه مُتصلٌ إنْ أُريد بالنَّفْي التحريمُ، ويَصِير المَعْنَى: إلا خطأ بأن عَرَفَه أنَّه كَافر فَقَتَله، ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً. الثالث: أنه استِثْنَاء مُفَرَّغ، ثم في نَصْبِه ثلاثة احْتِمَالاتٍ: الأوَّل: أنه مَفْعُول له، أي: ما يَنْبَغِي له أن يَقْتُلَه [لعلَّة من الأحْوَالِ، إلا للخَطَأ وحده. الثاني: أنه حَالٌ، أي: ما يَنْبَغي له أن يَقْتُله] في حال من الأحْوَالِ، إلا في حَالِ الخَطَأَ. الثالث: أنه نَعْتُ مَصْدَرٍ محذُوف، أي: إلا قَتْلاً خَطَأ، ذكر هذه الاحْتمَالات الزَّمَخْشَرِيُّ. الرابع: من الأوْجه: أن تكون "إلا" بمعنى "ولا" والتقدير: وما كان لمُؤمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤمِنَاً عَمْداً ولا خَطَأ، ذكره بعضُ أهْلِ العِلْم، حكى أبُو عُبَيْدة عن يُونُس قال: سألتُ رُؤبة بن العَجَّاج عن هَذِه الآيَةِ، فقال: "ليس أنْ يَقْتُلَهُ عَمْداً ولا خَطَأ" فأقام "إلاَّ" مقامَ الوَاوِ؛ وهو كقول الشَّاعِر: [الوافر] شعر : 1862- وَكُلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلاَّ الْفَرْقَدَانِ تفسير : إلا أن الفَرَّاء ردَّ هَذا القَوْلَ؛ بأن مثل ذلك لا يجُوزُ، إلا إذا تقدَّمه استِثْنَاءٌ آخر، فيكونُ الثَّانِي عطفاً عليه: كقوله: [البسيط] شعر : 1863- مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ دَارُ الْخَلِيفَةِ إلاَّ دَارُ مَرْوَانَا تفسير : وهذا رَأي الفراء، وأمَّا غَيْرُه، فيزعم أنَّ "إلا" تكون عَاطِفَة بمعنى الوَاوِ من غَيْر شَرْطِ، وقد تقدَّم تَحْقِيقٌ هذا في قوله: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [البقرة: 150]. وقرأ الجُمْهُور: "خطأ" مهموزاً بوزْنِ "نبأ"، والزهري: "خَطَا" بوزن "عَصَا"، وفيها تخريجان: أحدُهُمَا: أنه حَذَف لام الكَلِمَة تَخْفِيفاً، كما حَذَفُوا لام دَم، ويد أخ وبابها. والثاني: أنه خَفَّف الهَمْزَة بإبدالها ألفاً، فالتقت مع التَّنْوين؛ فَحُذِفت لالتِقَاء السَّاكِنيْن، كما يُفْعَل ذلك بِسَائِر المَقْصُور، والحسن قرأ: "خَطَاءً" بوزن "سَمَاء". فصل ذكر المُفسِّرون في سَبَبِ النَّزُول وُجُوهاً: أحدها: روى عُرْوة بن الزُّبَيْر: أن حُذيْفَة بن اليَمَان قَاتَل مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْم أُحُد فأخْطَأ المُسْلِمَون، وظَنُّوا أن أبَاهُ اليَمَان وَاحداً من الكُفَّار، فضَرَبُوه بأسْيَافِهم، وحُذَيْفَة يَقُول: إنَّه أبي، فلم يَفْهَمُوا قولَه إلا بعد أنْ قَتَلُوه، فقال حُذَيْفَة: يَغْفِر اللَّه لكم وهو أرحم الرَّاحِمِين، فلما سَمِعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ذلك، ازْدَاد وَقْع حُذَيْفَة عِنْدَه، فَنَزَلَت هَذِه الآية. وثانيها: أن أبا الدَّرْدَاءِ كان في سَرِيَّة، فَعدل إلى شِعْبٍ لحاجة [فوجد] رجُلاً في غَنَم لَهُ، فحمل [عليه] بالسَّيْف، فقال الرَّجُل لا إله إلا اللَّه، فقتلَه وسَاقَ غَنَمَهُ، ثم وَجَد في نَفْسه شَيْئاَ فذكر الوَاقِعة للرَّسُول - عليه الصَّلاة والسلام - فقال النَّبِيُّ - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : هَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه" تفسير : وندم أبُو الدَّرْدَاءِ، فنزلت الآية. ثالثها: نزلت في عيَّاش بن أبي رَبِيعَة المَخْزُومِيَّ، وكان أخَاً أبِي جَهْل من أمِّه: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يُظهر إسلامَه لأهله فخرج هارباً إلى المدينة، وتحصّن في أطم من آطامها، فجزعت أمه لذلك جزعاً شديداً وقالت لابنها الحارث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشاً وهو في الأطم، قالا له: إنزل فإنّ أمك لم يُؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت ألاّ تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ولك عهد الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعةٍ فجلده كل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمّه فلما أتاها قالت: والله لا أُحِلّكَ من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هُدى لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إن عياشاً ألم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضراً يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينما عياش يسير بظهر قباء إذْ لقي الحارث فقتله، فقال الناس: ويحك أي شيء قد صنعت؟! إنه قد أسلم، فرجع عياش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية. فصل تفسير قوله - تعالى -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} قوله: {وَمَا كَانَ [لِمُؤْمِنٍ}] قيل: معناه: ما كانَ لَهُ فيما أتاه من رَبَّه وعهد إلَيْه، وقيل: ما كَانَ لَهُ في شَيْءٍ من الأزمِنة ذلك، والمَقْصُود: بَيَان أنّ حُرْمَة القَتْل كانت ثَابِتَة من أوَّل زمان التَّكْلِيف. وقوله: "إلا خطأ" فعلى القَوْل بأنَّهُ مُتَّصِلٌ؛ ذكروا وُجُوهاً: أحدها: أن هذا الاستِثْنَاء مَعْنَاه: أن الإنْسَان يُؤاخذ عن القَتْل، إلا إذا كان القَتْل قتْل خَطَأ، فإنَّه لا يُؤاخَذُ به. وثانيها: أنه استْثْنَاء صَحِيحٌ على ظاهر اللِّفْظِ، والمعنى: ليس لِمُؤمِنٍ أن يَقْتُل مُؤمِناً ألْبَتَّةَ إلا عند الخَطَأ، وهو ما إذا رأى عليه شِعَار الكُفَّار، أو وَجَدهُ في عَسْكَرهم فظنه مُشْرِكاً. فَحيِنئذٍ يَجُوز قَتلُه. ثالثها: أن في الكَلاَم تَقْدِيماً وتأخِيراً، والتقدير: ومَا كَانَ لِمُؤمِن أن يَقْتُل مُؤمِناً إلا خَطَأ؛ كقوله - [تعالى] -: {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} تفسير : [مريم: 35] أي: وما كان اللَّه ليتَّخِذَ من وَلَدٍ؛ لأنَّه - تعالى - لا يُحَرِّم عليه شَيْءٌ، إنَّما يُنْفَى عنه ما لا يَلِيقُ بِهِ. قال القُرْطُبِي: قوله: {وَمَا كَانَ} لَيْس على النَّفِي، وإنَّما هو على التَّحْرِيم والنَّهِي؛ كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 53] ولو كانت على النَّفْي، لما وُجِد مُؤمِنٌ قَتل مُؤمِناً [قط]؛ لأن ما نفَاه اللَّه لا يجُوز وُجُودهُ؛ كقوله {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} تفسير : [النمل: 60]، معناه: ما كُنْتُم لِتُنْبِتُوا؛ لأنه - تعالى - لم يُحرَّم عليهْم أنْ يُنْبِتُوا الشجر، إنما نَفَى عَنْهُمْ أن يمكنهم إنْبَاتُهَا، فإنه - تعالى - هو القَادِرُ على إنْبَاتِ الشَّجَرِ. ورابعها: أن وجْه الإشْكَال في اتِّصَال هذا الاستِثْنَاء أن يُقَال: الاستثناء من النَّفْي إثْبات، وهذا يَقْتَضِي الإطْلاق في قَتْل المُؤمِن في بَعْضِ الأحْوالِ، وذلك محَالٌ؛ لأن ذلِكَ الإشْكَال إنَّما يَلْزَمُ إذا سَلَّمْنا أنَّ الاستثناء من النَّفْيِ إثْبَات، وذلك مُخْتَلف فيه بين الأصُوليِّين، والصَّحيحُ أنَّه لا يَقْتَضِيه؛ لأن الاستِثْنَاء يَقْتَضِي نَفْيَ الحُكْمِ عن المُسْتَثْنَى، لا صَرْف المحكوم به عنه، وإذا كان تَأثِير الاستثناء في صَرْف الحُكْم فقط، بقي المستثْنَى غَيْر محكوم عليه، لا بالنَّفْيِ ولا بإثْبَات، وحينئذ يَنْدَفِع الإشْكَال، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ الاستثناء في المَنْفِيِّ ليس بإثْبَاتٍ، قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا صَلاَةَ إلاَّ بطَهُورٍ ولا نِكَاحَ إلاَّ بولِيِّ" تفسير : ويقال: لا مُلْكَ إلا بالرِّجَالِ، ولا رِجَال إلاَّ بالمَالِ، والاستثناء في هذه الصور لا يُفيد أن يكون الحُكْم المُسْتَثْنَى من النَّفْي إثْبَاتاً. وخامسها: قال أبُو هَاشِم: وتقدير الآيَة: وما كان لِمُؤمِنٍ أنْ يَقْتُل مُؤمِناً [إلاَّ] أن يقتله خَطَأ فيبقى حينئذٍ مُؤمناً، فإن قَتْل المُؤمن يُخْرِجُه عن كوْنِه مُؤمِناً إلاَّ يَكُون خَطَأ، فإنَّه لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مُؤمناً، وهذا بِنَاء على أصْلِهِم، وهو أنَّ الفَاسِق عند المُعْتَزِلةِ لَيْسَ بمُؤمِن، وهو أصْلٌ [فاسدٌ] وباطل. وإن قُلنا: إنه استِثْنَاء مُنْقطعٌ، فهو لمعنى لكن، ونظائره كثيرة، قال - تعالى -: {أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً} تفسير : [النساء: 29]. وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} تفسير : [النجم: 32] وقال: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} تفسير : [الواقعة: 25، 26]. فصل قال القُرْطُبِي: ذهب دَاوُد إلى وُجُوب القِصَاصَ بين الحُرِّ والعِبْد، في النَّفْس وفي الأعْضَاءِ، لقوله - تعالى -: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ} تفسير : [المائدة: 45] إلى قوله: {أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ} تفسير : [المائدة: 45] ولقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : المُؤمِنُون تتكَافَأ دِمَاؤهُم" تفسير : ولم يفرق بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدِ. قال أبُو حنِيفَة [وأصْحَابُه]: لا قِصَاص بين الأحْرَار والعَبِيد إلا [في] النَّفْسِ، فيُقتل الحُرُّ بالعَبْدِ كما يقتل العَبْدُ بالْحُرِّ، ولا قِصَاص بينهما في الجِرَاح والأعْضَاء، وأجمع العُلَمَاءُ على أنَّ قوله - تعالى -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً} أنَّه لم يَدْخُل فيه العَبِيدُ، وإنما أريد به: الأحْرار؛ فكذلك قوله - عليه السلام -: "حديث : المُؤمِنُون تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُم" تفسير : أريد به الأحْرَار خَاصَّة، والجُمْهُور على ذلك، وإذا لم يَكُن قِصَاصٌ بين العَبيد والأحْرار فيما دُونَ النَّفْسِ، فالنفس أحْرَى بذلك، وقد مَضَى هذا في البَقَرَةِ. قوله: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} "خطأ" إما مَنْصُوب على المَصْدَر، أي: قتلاً خطأ، وإما على [أنَّه] مصدرٌ في مَوْضِع [الحال] أي ذا خَطَأٍ أو خاطئاً والفَاءُ في قوله: "فتحرير" جوابُ الشَّرْطِ، أو زائِدَةٌ في الخَبَر إن كَانَت "من" بمعنى الَّذِي، وارتِفَاعُ "تحرير": إمَّا على الفَاعِليَّةِ، أي: فيجبُ عليْه تَحْرِير، وإمَّا على الابتدائِيَّة، والخبر مَحْذُوف أي: فعليه تحرير أو بالعكس، أي: فالوَاجِبُ تَحْرِيرُ، والتحرير عبارةٌ عن جَعْلِهِ حُرَّا والحُرُّ هو الخَالِصُ، ولما كان الإنْسَان في أصْلِ الخلقة خُلِقَ لِيَكُون مالكاً للأشْيَاءِ، لقوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29] فكونه مَمْلُوكاً صفة تُكَدَّر مقتضى الإنْسَانِيَّة، فسميت إزالة المُلْكِ تَحْرِيراً، أي: تخليصاً لذلك الإنْسَان عما يُكَدِّر إنْسَانيَّتَهُ، والرَّقبة عبارَةٌ عن النَّسَمَة في قولهم: "فُلان يَمْلِك كَذَا رَأساً من الرَّقِيق". والدِّيَةُ في الأصْلِ مَصْدر، ثم أطلِقَ على المَالِ المَأخُوذ في القتل، ولذلك قال: {مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ}، والفعلُ لا يُسَلَّمُ بل الأعْيَان، تقول: وَدَى يَدِي دِيَةً ووَدْياً، كوشَى يَشِي شِيَةٌ، فحذفت فَاءُ الكَلِمَة، ونَظِيرُه في الصَّحيح اللام: "زِنة" و "عِدة"، و "إلى أهله" متعلِّق بـ "مسلمة" تقول: سَلَّمت إليه كَذَا، ويجُوزُ أن يكون صِفَةً لـ "مسلمة" وفيه ضَعْفٌ. فصل الخلاف في القصاص للقتل العمد معنى [الآية] فِعلية إعْتاق رقبة مُؤمِنَة كَفَّارة وَدِية كَامِلَة {مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي: إلى أهْل القتيل الذين يَرِثُونه، "إلا أن [يصدقوا". أي:] يتصدَّقُوا بالدِّيَة فيَعفوا ويَتْركُوا الدِّيَة، واختلفوا في قتل العمد: فقال أبو حنيفة: لا يُوجِب الكَفَّارة؛ لهذه الآيَة فقال: "ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير [رقبة"] شرط لوجوب الكَفَّارةِ كونه خطأ، وعند انتفاء الشَّرْط لا يَحْصل المَشْرُوط. وقال الشَّافِعِيُّ: تجب الكفَّارة؛ لما رَوَى واثِلة بن الأسْقَع، قال: أتَيا رسُول الله صلى الله عليه وسلم في صَاحِب لَنَا أوجب النَّار بالقَتْلِ، فقال: أعْتِقُوا عنه يَعْتِقُ اللَّه بِكُلِّ عُضْوٍ منه عَضْواً منه [من النَّار] ولأن الكَفَّارة في قَتْل الصَّيْد في الحَرَمِ والإحْرَام، يستوي فيه العَامِدُ والخَاطِئُ [إلا] في الإثْمِ فَكَذَا في قَتْل المُؤمِنِ. فصل قال ابن عبَّاسٍ، والحَسَن، والشَّعْبي، والنَّخْعِي: لا تجزئ الدِّيَة إلا إذا صَام وصَلَّى، لأنه وَصَفَها بالإيمَانِ، والإيمانُ: إمَّا التَّصْديقُ، وإمَّا العَمَلُ، وإمَّا المجْمُوع والكل فائِتٌ عن الصَّبي. وقال الشَّافِعِي ومالك والأوزاعِي وأبُو حنيفة: يُجْزئ الصَّبِيُّ إذا كَانَ أحَد أبويه مُسْلِماً، لأنَّ قوله: "ومن قتل مؤمناً [خطأ]" يَدْخُل فِيه الصَّغير فَكَذَا قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} يدخل فيه الصَّغيرُ. فصل قال أبو بَكْر الأصم: وجمهور الخَوَارج: الدِّيَة واجبةٌ على القَاتِلِ لوجُوهٍ: الأوَّل: لأنَّ قوله: "فتحرير رقبة" والمراد: إيجَابُها على القَاتِل لا عَلَى غَيْره بإجْمَاعٍ فكذا الدِّيَة؛ لأن اللَّفْظَ في الموضعَيْن وَاحِدٌ. الثاني: أن الجِنَايَة إنَّما صَدَرت مِنْهُ، والضَّمَان لا يَجِبُ إلاَّ على المُتْلِفِ، أقصى ما في البَاب أنَّ هذا الفِعْل صَدَر عنه على سَبيل الخَطَأ، والفِعْل الخَطَأ في قِيم المُتْلَفَاتِ وأروش الجنايَاتِ، قائم مقام العَمْد، وتلك لا تَجِب إلا على المُتْلِف فكذا هَهُنَا. الثالث: أن العَاقِلَة لم يصْدر عَنْهم خيانة، فلا يَجبُ عليْهم شَيْء؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام:164] وقال: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} تفسير : [الأنعام: 164] وقال: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286] حديث : ورُوِيَ أنَّ أبا رَمْثة دَخَل على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ومَعَهُ ابْنُه، فقال - عليه الصلاة والسلام - من هذا؟ فقال ابْني، فقال: "إنَّه لا يَجِنِي عَلَيْك ولا تَجْنِي عليه" تفسير : ومَعْلُوم أنَّه ليس المَقْصُود الإخْبَار عن نَفْسِ الجِنَايَة، إنَّما المَقْصُود: بيان [أن] أثر جَنَايتكَ [لا] يَتَعَدَّى إلى وَلَدِكَ وبالعكس. الرابع: إن النُّصُوص تدلُّ على أن مالَ الإنْسَان مَعْصُوم [وأنه] لا سبيل لأحَدٍ أن يأخُذَه منه، قال - تعالى -: {أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 29]. وقال عليه الصلاة والسلام: حديث : كُلُّ امْرِئ أحَقُّ بِكَسْبِه تفسير : وقال: "حديث : حرمة مال المسلم كحرمة دمه" تفسير : وقال: "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس" تفسير : تركنا هذه النُّصُوص في الأشْيَاءِ الَّتِي عرفنا بنصّ القُرْآن كَوْنَها مُوجِبَة لجوازِ الأخذ كالذَّكَوَات، وأخذ الضَّمَانات، وأمّا الدِّيَة على العَاقِلَة، فالمُعْتَمَد فيه عَلَى خَبَرِ الواحِدِ، وتَخْصِيصُ عُمُوم القُرْآنِ بخير الوَاحِدِ لا يجُوزُ؛ لأن القُرآن مَعْلُوم وخبر الوَاحِدِ مَظْنُون، ولا يَجُوزُ تقديم المَظْنُونِ على المَعْلُومِ؛ ولأن هذا خَبَر وأحِدٍ وَرَدَ فيما تَعُمُّ به البَلْوَى؛ ولأنَّه خبر وَاحِدٍ ورد على مُخَالَفَةِ أصُولِ الشَّريعةِ فوجب رَدُّه، واحتجَّ الفُقَهَاءِ بما حديث : رُوِيَ [عن] المُغيرةِ أنَّ امْرَأة ضَرَبَتْ بَطْن امْرَأةٍ، فالقَت جَنيناً ميّتاً، فَقَضَ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم على عَاقِلَة الضَّارِبَة بالغِرَّة، فقام حَمْل بن مَالِك فقال: كَيْفَ نَدِي من لا شَرِبَ ولا أكَل، ولا صَاحَ ولا اسْتَهَلَّ، ومثل ذَلِكَ يُطِل، فقال - عليه الصلاة والسلام -: هذا من سَجْع الجاهِليّة . تفسير : وعن عمر- رضي اللَّه عَنْه - قُضِيَ عَلَى عَليَّ - رضي الله عنه - بأن يعقل عن مَوْلى صَفية بنت عَبْد المُطَّلِب حين جَنَى موْلاَهَا، وعَلِيٌّ كان ابْن أخِي صَفِيَّة وقضى للزُّبَيْر بمِيِيراثِها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الدِّيَة إنَّما تِجِبُ عَلَى العَاقِلَة. فصل مذهب الفُقَهَاء أنَّ دِيَة المرأة نِصْف دِيَة الرَّجُل، وقال الأصَمُّ وابْنُ عَطِيّة: ديتُها على مِثْلُ دِيَةِ الرَّجُل، واحْتَجَّ الفقهاء بأن عَليَّا، وعُمَر، وابن مَسْعُود قَضَوْا بذلك؛ ولأن المرأة في المِيراث والشَّهَادَةِ على النِّصْفِ من الرَّجُلِ، فكذلك في الدِّيَة، واستدل الأصَمُّ بهذه الآيَة قوله - تعالى -: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} وأجْمَعُوا على أنَّ هذه الآية دَخَلَ فيها حُكْم الرَّجُل والمرأة فوجب أن يكون الحُكْم ثَابِتاً فِيَها بالسويّة. قوله: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} فيه قولان: أحدهما: أنه اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع. والثاني: أنه متصلٌ. قال الزمخشري: "فإن قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّق "أن تصدقوا" وما مَحَلُّه؟ قلت: تَعَلَّق بـ "عليه" أو بـ "مسلمة" كأنه قِيلَ: وتَجِبُ عليه الديَّة أو يُسَلِّمُهَا إلا حِين يتصدَّقُون عليه، ومَحَلُّها النَّصْب على الظَّرْف، بتقدير حذف الزَّمَانِ، كقولهم: "اجلس ما دام زَيْدٌ جالِساً"، ويجُوز أن يكُون حَالاً من "أهله" بِمَعْنَى إلا مُتصدِّقين". وخطَّأه أبو حيَّان في هذين التَّخْرِيجين. أما الأوّل: فلأنَّ النَّحْويَّين نَصُّوا على مَنْع قِيَام "أنْ" وما بعدها مقامَ الظَّرْف، وأنَّ ذلك ما تَخْتَصُّ به "ما" المَصْدَرِيّةُ، لو قلت: "آتيك أن يَصِيحَ الدِّيكُ" أي: وقت صِيَاحه، لم يَجُز. وأما الثَّانِي: فنصَّ سِيبوَيْه على مَنْعِه أيضاً، قال في قَوْلِ العرب: "أنْت الرَّجُل أن تُنَازِلَ، أو أنْ تُخَاصِم" أي: أنْتَ الرَّجُل نزالاً ومُخَاصَمَة: "إنَّ انْتِصَابِ هذا انْتِصَابُ المَفْعُول من أجْلِه، لأنَّ المُسْتَقْبَل لا يَكُون حالاً" فكونُه مُنْقَطعاً هو الصَّوابُ. وقال أبو البَقَاءِ: "وقيل: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنَى: فعليه دِيَةٌ في كُلِّ حَالٍ، إلا في حال التَّصَدُّق عَلَيْه بِهَا". والجُمْهُور على "يصدقوا" بتشديد الصَّاد، والأصل: يتصدَّقوا، فأدْغمت التَّاء في الصَّاد، ونُقِل عن أبيِّ هذا الأصل قِرَاءةً، وقرأ أبو عمرو في رِوَاية عَبْد الوَارِثِ - وتُعْزى للحَسَن وأبي عَبْد الرَّحْمَن -: "تصدقوا" بِتَاءِ الخِطَاب، والأصل: تتصَدَّقُوا بتَاءَيْن، فأدغمت الثَّانِية، وقُرئ: "تَصْدُقوا" بتاء الخِطَاب وتَخْفِيف الصَّاد، وهي كالَّتِي قَبْلَها، إلا أنَّ تَخْفِيفَ هذه بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْن: الأولَى أو الثَّانِية على خِلاف في ذلك، وتَخْفيف الأولَى بالإدْغَام. قوله [- تعالى -]: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} لما ذكر أوَّلاً أنَّ قتل المُؤمِن خَطَأ [فيه] تحرِيرُ رَقَبَة، وتَسْلِيم الدِّيَة، ذكر هُنَا أنَّ من قَتَل خَطَأ من قَوْم عَدُوٍّ لنا فَعَلَيْه تَحْرِير الرقبة، وسَكَت عن الدِّيَة، ثم ذَكَر بعده إنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم ميثَاقٌ، وجَبت الدِّيَةُ، فالسُّكُوت عن إيجَاب الدِّيَة هنا وإيجَابُها فِيمَا [قبل هذه الآية] وفيما بعد يدُلُّ على أنَّ الدِّيَة غير وَاجِبَة في هَذِه الصُّورَة، وإذا ثبت هذا، فَنَقُولُ: قوله - تعالى -: {مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} إمَّا أن يَكُون المُرادُ مِنْهُ كَوْن هذا المَقْتُول من سُكَّان دَارِ الحَرْب، أو كَوْنه ذا نَسَبٍ منْهُم. والثاني بَاطِلٌ؛ لانعقاد الإجْمَاع على أن المُسْلِمَ السَّاكن في دَارِ الإسْلام، وجَميع أقارِبِه كُفَّار، فإذا قُتِلَ خَطَأ، وجبت الدِّيَة في قَتْلِه، فتعيَّن الأوَّل، وهو كَوْن المَقْتُولِ خَطأ من سُكَّان دَارِ الحَرْبِ وَهُو مُؤمِنٌ، فتجب [فيه] كَفَّارة بلا دِيَة. قال الشَّافِعِي: كما دَلَّت هذه الآيَةُ على هَذَا المَعْنَى، فالقياس يُقَوِّيه فأمَّا أنَّه لا تَجِبُ الدِّية، فلأنَّا لو أوْجَبْنا الدِّيَة في قَتْل المُسْلِم السَّاكِن في دَارِ الحَرْب، لاحْتَاج مَنْ يريدُ غَزْوَ دَارِ الحَرْب، إلى أنْ يَبْحَث عَنْ كُلِّ أحدٍ أنه هَلْ هُوَ من المُسْلِمِيِن أمْ لا، وذَلِكَ مما يَصْعب وَيشقُّ، فيفضي إلى اْحترازِ النَّاسِ عن الغَزْوِ، فالأوْلَى سُقُوط الدِّيَة عن قاتِله؛ لأنَّه الذي أهْدَر دَمَ نَفْسِه باخْتِيَار السُّكْنَى في دَارِ الحَرْب، وأمَّا الكَفَّارة فإنَّها حَقُّ الله - تعالى -؛ لأنَّه قَتَل إنْسَاناً مُؤمِناً مُواظِبَاً على عِبَادة اللَّه - تعالى -، وقيل: المُرادُ منه: إذا كان المَقْتُولُ مُسْلِماً في دَارِ الإسلامِ، وهو من نَسَبِ قوم كفارٍ، [وأقاربه] في دار الحرب - حربٍ للمسلمين - ففيه الكَفَّارةُ بِلا دِيَة [لأهله]، وكان الحَارِثُ بن زَيْد من قوم كُفَّار حربٍ للمسلمين، وكان فيه تَحْرِير رَقَبة، ولم يَكُن فيه دِيَة؛ لأنَّه لم يَكُن بين قَوْمِه وبَيْن المُسْلِمِين عَهْد. قوله: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} فيه قولان: أحدهما: أن المُرادَ مِنْه: المُسْلِم؛ لأنَّه - تعالى - ذكر أوّلاً حال المُسْلِم القَاتِل خَطَأً، ثم ذكر حال المُسْلِم المَقْتُول خَطَأ إذا كان بَيْنَ أهْل الحَرْب، ثم ذكر حال المُسْلِم [المَقْتُول خَطَأ] إذا كان بين أهْلِ العهد وأهْل الذِّمَّة، ويؤكَّدُه قوله: "وإن كان" فلا بُدَّ من إسْنادِه إلى شَيْء تقدَّم ذِكْرُه وهو المُؤمِنُ المَنْقُول خَطَأ. الثاني: أن المُرَاد منه: الذمي أو المُعاهد، وهؤلاء طَعَنُوا في القَوْل الأوَّل من وُجُوه: أحدها: أن المُسْلِم المَقْتُول خَطَأ سواءٌ كَانَ من أهْل الحَرْب أو من أهل الذِّمَّة، فهو دَاخِلٌ تحت قوله: "ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة [مؤمنة] ودية مسلمة إلى أهله" فلو كان المُرَاد من هذه الآية هو المُؤمِن، لكان هذا عَطْفاً للشَّيْء على نَفْسِه، وهُو لا يجُوز، بِخِلاف ما إذا كَانَ المُؤمِن المَقْتُول من سُكَّان دَارِ الحَرْبِ، فإنه - تعالى - إنما أعَادَهُ لبَيَانِ أنَّه لا تَجِبُ الدِّيَة في قَتْلِه، فأمَّا هَهُنَا فَقَدْ أوْجَب الدِّيَة والكَفَّارة، فلو كان المُرادُ هو المُؤمِن، لكان تِكْرَاراً من غير فَائِدَةٍ، وأنه لا يجُوزُ. ثانيها: لو كان المُرادُ ما ذكَرْتُم لما كانَت الدِّيَة مُسَلَّمَة إلى أهله؛ لأنَّ أهْلَه كُفَّار لا يَرِثُونَهُ. ثالثها: أن قوله: ["وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق"] يقتضي أن يكُونوُا مِنْ ذلك القَوْم في الوَصْفِ الذي وقع التَّنْصيص عليه، وهو حُصُول المِيثاقِ بَيْنَهُمَا، فإن كَوْنَه منهم مُجْمَل، لا يَدْرِي أنَّه مِنْهُم في أيِّ الأمُور، وإذا حَملنَاه على كَوْنهِ منهم في ذلِك الوَصْفِ، زال الإجْمَال فكان ذَلِك أوْلَى، وإذا دَلَّت الآيَة على أنَّه منهم في كَوْنهِ مُعَاهداً، [وجب أن يكون مُعَاهداً أو ذمِّيّاً] مثلهم، ويمكن أن يُجَابَ عن هَذِه الأوجه: أمَّا الأوَّل: فلأن اللَّه - تعالى - ذكر حُكْم المُؤمِن المَقْتُول خَطَأ السَّاكِن في دَارِ الحَرْبِ، وبيَّن أنَّ الدِّية لا تَجِبُ في قَتْلِه، وذكر القِسْم الثَّانِي، وهو المُؤمِنُ المَقْتُول خَطَأ السَّاكن بين أهْلَ الذِّمَّة، وبيَّن وُجُوب الدِّيَة، والكَفَّارة في قَتْلِه، والغَرَضُ منه: إظْهَار الفرق بَيْنَهُ وبين القِسْم الذي قَبْلَه. والجَوَابُ عن الثَّانِي: أن أهْلَه هم المُسْلِمُون الَّذِين تُصْرف الدية إليهم. وأما الثالث: فإن كَلِمَة "من" صَارَت مُفَسرة في الآيَة السَّابِقة؛ بمعنى "في"، يعني: في قوم عَدُوٍّ لكم، فكذا هَهُنَا، وفائِدَة هذا البَحْث تَظْهَر في مَسْألة شرعِيّة، وهي أنَّ أبَا حَنِيفَة يرى أنَّ دِيَة الذِّمِّي مثل دِيَة المُسْلِم. وقال الشافعي: دية اليَهُودِيّ والنَّصْرَاني ثُلْث دِيَة المجوسي، وقال غيره: نِصْف دِيَة المُسْلِم. واحتج أبُو حَنيفَة بقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} والمرادُ به: الذِّمِّي، ثم قال: "فدية" فأوْجَبَ فيهم تمام الدِّيَة. وجَوَابُه: أن نَقُول: هذه الآية نَزَلَت في المُؤمِنِين كما بَيَّنَّا فَسَقط استدلاَلُه، وبتقدير أن تَكُونَ نَزَلَت في أهْل الذِّمَّة، فإنما وَجَبَ [فيها] مسمَّى دِيَة، ولكن لم يُبَيِّن مِقْدَارَها، فلم قُلْتُم بأنَّ الدِّية التي أوجَبها في حَقِّ المُسْلِمِ، بل لِكُلِّ دَيةٍ مقدارٌ مُعَيَّن، فإن الدِّية هي المالُ المأخوذ الَّذي يؤدِّى في مقابَلَةِ النَّفْسِ. فإن قيل: لِمَ قدَّم تَحْرِير الرَّقَبَة على الدِّيَة في الأولى، وهَهُنا عَكَسَ؟ الجواب: أن الوَاوَ لا تُفِيد الترْتِيب، فتصيرُ كَقَوْله: {أية : وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً [وَقُولُواْ حِطَّةٌ}تفسير : ] [البقرة: 58]، وفي آية أخرى: {أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} تفسير : [الأعراف: 161]. فصل والكفَّارة تكُون بإعْتَاق رَقَبَةٍ مؤمِنةٍ سواء كان المَقْتُول مُسْلِماً أو مُعاهِداً، رجلاً كان أو امْرأةً، حرًّا كان أو عَبْداً، وتكُون في مَالِ القاتِل. قوله - تعالى -: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}. قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} مفعولُه مَحْذُوفٌ: أي: فَمَنْ لم يَجِدْ رَقَبة، وهي بِمَعْنَى وجدان الضَّالّ، فلذلك تَعَدَّتْ لِوَاحِدٍ، وقوله: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} ارتفاعه على أحَدِ الأوْجه المذكُورة في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وقد مَرَّ، أي: فعليه صِيَامُ، أو: فيجبُ عليه صِيَامُ، أو فواجبه صِيَام. قال أبُو البَقَاءِ، ويجُوزُ في غَيْر القُرْآنِ النَّصْبُ على "فليصم صوم شهرين". وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاسْتِعمَال المعروفَ في ذَلِكَ أنْ يُقَالَ: "صمت شهرين ويومين"، ولا يَقولون: صُمْتُ صومَ - ولا صِيَامَ - شَهْرَين. فصل إذا كان وَاجِداً للرقبة، أو قادراً على تَحْصِيلَها بِثَمَنِها، فاضِلاً عن نَفَقَتِه ونَفَقَة عِيَاله وحاجته من مَسْكَنٍ ونحوه، فعليه الإعْتَاق، ولا يَجُوز له الصَّوْم، فإن عَجَز عن ذَلِك فعليْه صَوْم شَهْرين مُتَتابِعَيْن، فإن أفْطَر يوماً مُتَعَمِّداً في خلال الصَّوْم، أو نَوَى صَوْماً أخَر، وجب عليه الاستِئْنَاف، فإن أفْطَرَ بعُذْرٍ مُرَخَّصٍ، أو سَفَرٍ، أو حيض: فقال النَّخْعِيُّ، والشافعي في أظهر قَوْليه: يَنْقَطِع التَّتابُع، وعليه الاستِئْنَاف. وقال سعيد بن المسيَّب، والحَسَن، والشَّعْبِي: لا يَنْقَطِع، ولو حَاضَت المَرْأة، لم ينقطع التَّتَابُع، لأنَّه لا يُمْكِنُ الاحتِرَازُ عنه؛ قال مَسْروقُ: فإن الصَّوْم بدلٌ من مَجْمُوع الكَفَّارَةِ والدِّيَة. فصل: فيما إذا عجز عن الصوم هل يطعم؟ إذا عَجَز عن الصَّوْم هل يُطْعِم ستِّين مِسْكِيناً فيه قولان: أحدهما: يطعم كالظِّهَار. والثاني: لا؛ لأن المُشَرِّع لم يذكر له بَدَلاً. قوله: "توبة" في نَصْبه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنه مَفْعُول من أجْلِه، تقديره: شَرَعَ ذلك توبةً منه. قال أبو البَقَاءِ: ولا يجُوز أن يَكُون العَامِل: "صوم" إلا على حَذْف مُضَافٍ، أي: لوقوعِ تَوْبَة [من الله] أو لحُصُول توبة [من الله]. يعني: أنه إنما احْتَاج إلى تَقْدِير ذلك المُضَافِ، ولم يقل إن العَامِل هو الصِّيَام؛ لأنه اختلَّ شَرْطٌ من شروطِ نَصْبه؛ لأنَّ فاعلَ الصِّيَام غيرُ فاعل التَّوبة. الثاني: أنها مَنْصُوبةٌ على المَصْدَر أي: رجُوعاً منه إلى التَّسْهِيل، حيث نَقَلكم من الأثْقَلِ إلى الأخَفِّ، أو توبة مِنْه، أي: قَبُولاً منه، مِنْ تاب عَلَيْه، إذا قبل تَوْبته، فالتقدير: تابَ عليكم تَوْبَةً [مِنْه]. الثالث: أنها مَنْصُوبةٌ على الحَالِ، ولكن على حَذْفِ مُضَافٍ، تقديره: فَعَليه كذا حالَ كَوْنِهِ صَاحِبَ توبةٍ، ولا يجُوز ذلك من غَيْر تَقْدِير هذا المضافِ؛ لأنك لو قُلْتَ: "فعليه صِيَامُ شهريْنِ تَائِباً من الله" لم يَجُزْ، و "من الله" في مَحَلِّ نَصْب؛ لأنه صِفَةٌ لـ "توبة" فيتعلَّقُ بمحْذُوف. فإن قيل: الخَطَأ لا يَكُون مَعْصِية، فما مَعْنَى قوله: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ}. فالجواب من وجوه: الأول: أنَّ فيه نَوْعاً من التَّقْصِير، فإنَّ الظَّاهِر أنَّه لو بَالَغ في الاحْتِيَاطِ والاسْتِكْشَافِ لما تعذر عليه الفعل، ألا تَرَى أن من قَتَل مُسْلِماً يظنه حَرْبيَّا، فلو بالغ في الاستكشَاف، فالظَّاهر أنَّه لَمْ يقَعْ فيه، ومن رمى صَيْداً فأصَاب إنْسَاناً، فلو احتاطَ ولم يَرْمِ إلاَّ في مَوْضع يَقْطَع بأنه ليس هُناك إنْسَان، فإنَّه لا يقع في تلك الواقعة؛ فقوله: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} تنبيه على أنه كَانَ مُقَصِّراً في ترك الاحْتِيَاطِ. وثانيها: أن قوله: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} راجعٌ إلى أنَّه - تعالى - أذِن لَهُ في إقََامة الصَّوْم مقامَ الإعْتَاقِ عند العَجْزِ عنه؛ لأن اللَّه - تعالى - إذا تَابَ على المُذْنِبِ، فقد خَفَّفَ عَنْه، فلما كان التَّخْفِيف من لَوَازِم التَّوْبَة، أطلف لَفْظَ "التوبة" لإرادة التَّخْفِيف؛ إطلاقاً لاسْمِ المَلْزُوم على اللاَّزِم. وثالثها: أن المُؤمِن إذا اتَّفق له مِثْل هذا الخَطِأ، فإنه يَنْدَم ويتمنَّى ألاَّ يكون ذلك ممَّا وقَع، فسمَّى الله ذلك النَّدم والتَّمنِّي تَوْبَة. ثم قال - تعالى -: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بأنَّه لن يقْصِد "خطأً" لما حَكَم بِهِ عَلَيْه، ولم يؤاخِذُهُ بذلك الفَعْل الخَطَأ، فإن الحِكْمَة تقتضي ألاّ يُؤاخذ الإنْسَان إلا بما يَتَعَمَّد. قال أهل السُّنَّة: أفعال اللَّه - تعالى - غير معلَّلَةٍ برعاية المَصَالِحِ، ومعنى كونه "حكيماً": كونه عَالِماً بعواقِبِ الأمُور. قال المعتزلة: هذا بَاطِلٌ؛ لأنه - تعالى - عطف الحَكيم على العَلِيم، فَلَوْ كان الحَكِيم هو العليم، لكان عَطْفَاً للشَّيْء على نَفْسِه، وهو مُحَالٌ. الجواب: أن كل موضع في القُرْآن [ورد فيه] الحكِيم معْطُوفاً على العَلِيم - كان المُراد من الحَكِيم: كونه مُحْكَماً في الفِعْل، فالإتقان، والإحْكَام، عائِدٌ إلى كيفيَّة الفعلِ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} يقول: ما كان له ذلك فيما آتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} قال: المؤمن لا يقتل مؤمناً. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحرث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنزلت {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...} الآية. فقرأها عليه ثم قال له: قم فحرر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} قال: عياش بن أبي ربيعة: قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه هو وأبو جهل، وهو أخوه لأمه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر كما هو، وكان عياش هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً، فجاءه أبو جهل وهو أخوه لأمه فقال: إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها - وهي أميمة بنت مخرمة - فاقبل معه فربطه أبو جهل حتى قدم به مكة، فلما رآه الكفار زادهم كفراً وافتتاناً فقالوا: إن أبا جهل ليقدر من محمد على ما يشاء، ويأخذ أصحابه فيربطهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي في قوله {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...} الآية. قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، كان قد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عياش أخا أبي جهل، والحارث بن هشام لأمهما، وكان أحب ولدها إليها، فلما لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم شق ذلك عليها، فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، فأقبل أبو جهل والحارث حتى قدما المدينة، فأخبرا عياشا بما لقيت أمه، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع، وأعطياه موثقاً أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه. فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقاً، وجلداه نحو من مائة جلدة، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة، فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه، فقدما به مكة فلم يزل محبوساً حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم، وعياش لا يعلم بإسلام الكناني، فضربه عياش حتى قتله. فأنزل الله {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} فيتركوا الدية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إن عياش بن أبي ربيعة المخزومي كان حلف على الحارث بن يزيد مولى بني عامر بن لؤي ليقتلنه، وكان الحارث يومئذ مشركاً، وأسلم الحارث ولم يعلم به عياش، فلقيه بالمدينة فقتله، وكان قتله ذلك خطأ. وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه "أن الحارث بن زيد كان شديداً على النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء وهو يريد الإسلام وعياش لا يشعر، فلقيه عياش بن أبي ربيعة فحمل عليه فقتله، فأنزل الله {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} . وأخرج ابن جريرحديث : عن ابن زيد في الآية قال: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كانوا في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلاً من القوم في غنم له، فحمل عليه السيف، فقال: لا إله إلا الله. فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم، ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إلا شققت عن قلبه؟! فقال: ما عسيت أجد. هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء؟! فقال: فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه. قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: فكيف بلا إله إلا الله! قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: فكيف بلا إله إلا الله حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} حتى بلغ {إلا أن يصدقوا} قال: إلا أن يضعوها ". تفسير : وأخرج الروياني وابن منده وأبو نعيم معاً في المعرفة عن بكر بن حارثة الجهني قال: "كنت في سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقتتلنا نحن والمشركون، وحملت على رجل من المشركين فتعوذ مني بالإسلام فقتلته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب وأقصاني، فاوحى الله إليه {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...} الآية. فرضي عني وأدناني". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {فتحرير رقبة مؤمنة} قال: يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصام وصلى، وكل رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانة، وفي قوله {ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} قال: عليه الدية مسلمة إلا أن يتصدق بها عليه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: في حرف أبي {فتحرير رقبة مؤمنة} لا يجري فيها صبي. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي في سننه عن أبي هريرة "حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة. فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها: من أنا؟ فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، أي أنت رسول الله فقال: اعتقها فإنها مؤمنة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: "حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إن علي رقبة مؤمنة وعندي أمة سوداء. فقال: ائتني بها، فقال: أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: اعتقها ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد عن رجل من الأنصار "حديث : أنه جاء بأمة له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة اعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: تؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال: اعتقها فإنها مؤمنة ". تفسير : وأخرج الطيالسي ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات حديث : عن معاوية بن الحكم السلمي "أنه لطم جارية له فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم ذلك قال: فقلت: يا رسول الله أفلا اعتقها؟ قال: بلى، ائتني بها. قال: فجئت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: إنها مؤمنة فاعتقها ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله {ودية مسلمة} قال: "بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها مائة من الإبل". وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن ابن مسعود قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة". وأخرج أبو داود وابن المنذر عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألفاً". وأخرج ابن المنذر عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وفيه وعلى أهل الذهب ألف دينار، يعني في الدية". وأخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئاً لم يحفظه محمد بن إسحاق". وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله {ودية مسلمة} قال: موفرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله {مسلمة إلى أهله} قال: المسلمة التامة. وأخرج ابن المنذر عن السدي {مسلمة إلى أهله} قال: تدفع {إلا أن يصدقوا} إلا أن يدعوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {مسلمة إلى أهله} أي إلى أهل القتيل {إلا أن يصدقوا} إلا أن يصدق أهل القتيل، فيعفوا ويتجاوزوا عن الدية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {ودية مسلمة} يعني يسلمها عاقلة القاتل إلى أهله إلى أولياء المقتول {إلا أن يصدقوا} يعني إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فهو خير لهم، فأما عتق رقبة فانه واجب على القاتل في ماله. وأخرج ابن جرير عن بكر بن الشرود قال: في حرف أبي "إلا أن يتصدقوا". وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله {ودية مسلمة إلى أهله} قال: هذا المسلم الذي ورثته مسلمون {وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} قال: هذا الرجل المسلم وقومه مشركون، وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد فيقتل، فيكون ميراثه للمسلمين وتكون ديته لقومه لأنهم يعقلون عنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} يقول: فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه، وفي قوله {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} يقول: إذا كان كافراً في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس {وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} قال: هو المؤمن يكون في العدو من المشركين، يسمعون بالسرية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفرون ويثبت المؤمن فيقتل ففيه تحرير رقبة. وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس {فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن} قال: يكون الرجل مؤمناً وقومه كفار، فلا دية له ولكن تحرير رقبة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن أبي عياض قال: كان الرجل يجيء فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون فيقيم فيهم، فتغزوهم جيوش النبي صلى الله عليه وسلم، فيقتل الرجل فيمن يقتل. فأنزلت هذه الآية {وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} وليست له دية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس في قوله {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} قال: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يرجع إلى قومه فيكون فيهم وهم مشركون، فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غارة، فيعتق الذي يصيبه رقبة، وفي قوله {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} قال: كان الرجل يكون معاهداً وقومه أهل عهد، فيسلم إليهم ديته، ويعتق الذي أصابه رقبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} قال: نزلت في مرداس بن عمرو، وكان أسلم وقومه كفار من أهل الحرب، فقتله أسامة بن زيد خطأ {فتحرير رقبة مؤمنة} ولا دية لهم لأنهم أهل الحرب. وأخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} قال: من أهل العهد وليس بمؤمن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن زيد {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} قال: وهو مؤمن. وأخرج ابن جرير عن الحسن {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} قال: هو كافر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} قال: عهد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب {وإن كان بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} قال: بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم، ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم، وأن الله أمر بتسليم دية المعاهد إلى أهله، وجعل معها تحرير رقبة مؤمنة. وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين، وكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيباً فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية. وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه عن أبي بكرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام، وما من عبد يقتل نفساً معاهدة إلا حرم الله عليه الجنة ورائحتها أن يجدها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجه والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قتل قتيلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا من قتل معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد خفر ذمة الله ولا يرح ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً ". تفسير : وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: دية أهل الكتاب أربعة آلاف درهم، ودية المجوس ثمانمائة. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} قال: من لم يجد عتقاً في قتل مؤمن خطأ. قال: وأنزلت في عياش بن أبي ربيعة قتل مؤمناً خطأ. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {فمن لم يجد} قال: فمن لم يجد رقبة فصيام شهرين. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {فمن لم يجد فصيام شهرين} قال: الصيام لمن لا يجد رقبة، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق أنه سئل عن الآية التي في سورة النساء {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} صيام الشهرين عن الرقبة وحدها أو عن الدية والرقبة؟ قال: من لم يجد فهو عن الدية والرقبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد. أنه سئل عن صيام شهرين متتابعين؟ قال: لا يفطر فيها ولا يقطع صيامها، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامها جميعاً، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستون مسكيناً لكل مسكين مد. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {فصيام شهرين متتابعين} تغليظاً وتشديداً من الله قال: هذا في الخطأ تشديد من الله. وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله {توبة من الله} يعني تجاوزاً من الله لهذه الأمة حين جعل في قتل الخطأ كفارة ودية {وكان الله عليماً حكيماً} يعني حكم الكفارة لمن قتل خطأ، ثم صارت دية العهد والموادعة لمشركي العرب منسوخة، نسختها الآية التي في براءة {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتوارث أهل ملتين ".
ابو السعود
تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} أي وما صح له ولا لاقَ بحاله {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} بغير حقَ فإن الإيمانَ زاجرٌ عن ذلك {إِلا خطأ} فإنه ربما يقع لعدم دخولِ الاحترازِ عنه بالكلية تحت الطاقةِ البشريةِ، وانتصابُه إما على أنه حالٌ أي وما كان له أن يقتلَ مؤمناً في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ أو على أنه المفعولُ له أي وما كان له أن يقتله لعِلّة من العلل إلا للخطأ أو على أنه صفةٌ للمصدر أي إلا قتلاً خطأً، وقيل: إلا بمعنى ولا، والتقديرُ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأً، وقيل: {مَا كَانَ} نفيٌ في معنى النهي، والاستثناءُ منقطِعٌ أي لكنْ إن قتله خطأً فجزاؤُه ما يُذكر، والخطأُ ما لا يقارِنه القصْدُ إلى الفعل أو إلى الشخص، أو لا يُقصد به زُهوقُ الروحِ غالباً أو لا يقصد به محظورٌ كرمي مُسلمٍ في صف الكفارِ مع الجهل بإسلامه، وقرىء خَطاءً بالمد وخَطاً كعصا بتخفيف الهمزة. روي أن عياشَ بنَ أبـي ربـيعةَ وكان أخا أبـي جهلٍ لأمّه أسلم وهاجر إلى المدينة خوفاً من أهله وذلك قبل هجرةِ النبـي عليه الصلاة والسلام فأقسمَتْ أمُّه لا تأكلُ ولا تشربُ ولا يَأْويها سقفٌ حتى يرجِع فخرج أبو جهل ومعه الحارثُ بنُ زيدِ بنِ أبـي أنيسةَ فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذُّروة والغارب وقال: أليس محمدٌ يحثُّك على صلة الرحِمِ؟ انصرِفْ وبَرَّ أمَّك وأنت على دينك حتى نزل وذهب معهما فلما فسَحا من المدينة كتَفاه وجلَده كلُّ واحد منهما مائةَ جلدةٍ فقال للحارثِ: هذا أخي فمن أنت يا حارث؟ لله علي إن وجدتك خالياً أن أقتلَك، وقدِما به على أمه فحلفت لا يُحَلُّ كِتافُه أو يرتدَّ ففعل بلسانه ثم هاجر بعد ذلك، وأسلم الحارثُ وهاجر فلقِيَه عياشُ بظهر قُباءَ ولم يشعُرْ بإسلامه فأنحىٰ عليه فقتله ثم أُخبر بإسلامه فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلتُه ولم أشعُرْ بإسلامه فنزلت {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي فعليه أو فجزاؤُه تحريرُ رقبةٍ أي إعتاقُ نسمةٍ عبّر عنها بها كما يعبّر بالرأس {مُؤْمِنَةٍ} أي محكومٌ بإسلامها وإن كانت صغيرة {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} مؤدّاةٌ إلى ورثته يقتسِمونها كسائر المواريثِ لقول الضحاك بنِ سفيانَ الكِلابـيّ: كتب إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يأمُرني أن أُورّث امرأةَ أشيمَ الضبابـيّ من عقْل زوجِها {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي إلا أن يتصدق أهلُه عليه سمِّي العفوُ عنها صدقةً حثاً عليه وتنبـيهاً على فضله، وعن النبـي عليه الصلاة والسلام: «حديث : كلُّ معروفٍ صدقةٌ» تفسير : وقرىء إلا أن يتصدقوا وهو متعلقٌ بعليه أو بمُسلّمة أي تجب الديةُ أو يسلّمها إلى أهله إلا وقت تصدقِهم عليه فهو في محل النصبِ على الظرفية أو إلا حالَ كونِهم متصدِّقين عليه فهو حالٌ من الأهل أو القاتلِ {فَإن كَانَ} أي المقتولُ {مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ} كفارٍ محاربـين {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ولم يَعْلم به القاتلُ لكونه بـين أظهُرِ قومِه بأن أسلم فيما بـينهم ولم يفارقْهم أو بأن أتاهم بعدما فارقهم لِمُهمَ من المهمات {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي فعلى قاتله الكفارةُ دون الديةِ إذ لا وِراثة بـينه وبـين أهلِه لأنهم محارَبون {وَإِن كَانَ} أي المقتولُ المؤمنُ {مِن قَوْمٍ} كفرَة {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ} أي عهدٌ مؤقتٌ أو مؤبدٌ {فَدِيَةٌ} أي فعلى قاتله ديةٌ {مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} من أهل الإسلامِ إن وجدوا. ولعل تقديمَ هذا الحكمِ هٰهنا مع تأخيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الديةِ تحاشياً عن توهّم نقضِ الميثاقِ {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} كما هو حكمُ سائرِ المسلمين، ولعل إفرادَه بالذكر مع اندراجه في حكم ما سبق من قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً} الخ، لبـيان أن كونَه فيما بـين المعاهَدين لا يمنع وجوبَ الديةِ كما منعه كونُه فيما بـين المحارَبـين، وقيل: المرادُ بالمقتول الذميُّ أو المعاهَدُ لئلا يلزَمَ التكرارُ بلا فائدةٍ ولا التوريثُ بـين المسلمِ والكافر، وقد عرفت عدمَ لزومِهما {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أي رقبةً ليُحرِّرها بأن لم يملِكْها ولا ما يُتوصّل به إليها من الثمن {فَصِيَامُ} أي فعليه صيامُ {شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} لم يتخللْ بـين يومين من أيامهما إفطارٌ {تَوْبَةً} نُصب على أنه مفعولٌ له أي شُرع لكم ذلك توبةً أي قَبولاً لها، من تاب الله عليه إذا قبِل توبتَه، أو مصدرٌ مؤكدٌ لفعل محذوفٍ، أي تاب عليكم توبةً، وقيل: على أنه حالٌ من الضمير المجرورِ في عليه بحذف المضافِ أي فعليه صيامُ شهرين حالَ كونِه ذا توبةٍ، وقولُه تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لتوبةً أي كائنةً منه تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بجميع الأشياءِ التي من جملتها حالُه {حَكِيماً} في كل ما شرَع وقضىٰ من الشرائع والأحكامِ التي من جملتها ما شرعه في شأنه.
القشيري
تفسير : خفَّف أمْرَ الخطأ على فاعله حتى حَمَّل موجب قتل الخطأ على العاقلة؛ فالخواص عاقلة المستضعفين من الأمة، وأهل المعرفة عاقلة المريدين، والشيوخ عاقلة الفقراء؛ فسبيلُهم أن يحْمِلوا أثقال المستضعفين فيما ينوبهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كان لمؤمن} اى وما صح له ولا لاق بحاله {ان يقتل مؤمنا} بغير حق فان الايمان زاجر عن ذلك {الا خطأ} اى ليس من شأنه ذلك فى حال من الاحوال الا حال الخطأ فانه ربما يقع لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية فالمؤمن مجبول على ان يكون محلا لان يعرض له الخطأ كثيرا والخطأ ما لا يقارنه القصد الى الفعل او الى الشخص او لا يقصد به زهوق الروح غالبا او لا يقصد به محظور كرمى مسلم فى صف الكفار مع الجهل باسلامة ـ روى ـ ان عياش بن ابى ربيعة وكان اخا ابى جهل لامه اسلم وهاجر الى المدينة خوفا من اهله وذلك قبل هجرة النبى عليه السلام فاقسمت امه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع فخرج ابو جهل ومعه الحارث بن زيد بن ابى انيسة فاتياه وهو فى اطم اى جبل ففتل منه ابو جهل فى الذروة والغارب وقال أليس محمد يحثك على صلة الرحم انصرف وبرّ امك ولك علينا ان لا نكرهك على شىء ولا نحول بينك وبين دينك حتى نزل وذهب معهما فلما بعدا من المدينة شدا يديه الى خلف بحبل وجلده كل واحد منهما مائة جلدة فقال للحارث هذا اخى فمن انت يا حارث لله على ان وجدتك خاليا ان اقتلك وقدما به على امه فحلفت لا يحل وثاقة حتى يرجع عن دينه ففعل بلسانه مطمئنا قلبه على الايمان ثم هاجر بعد ذلك واسلم الحارث وهاجر فلقيه عياش لظهر قبا فانحنى عليه فقتله ثم اخبر باسلامه فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتلته ولم اشعر باسلامه فنزلت {ومن قتل مؤمنا خطأ} صغيرا كان او كبيرا {فتحرير رقبة} اى فعليه اعتاق نسمة عبر عن النسمة بالرقبة كما يعبر عنها بالرأس {مؤمنة} محكوم باسلامها سواء تحققت فيها فروع الايمان وثمراته بان صلت وصامت او لم يتحقق فدخل فيها الصغير والكبير والذكر والانثى وهذا التحرير هو الكفارة وهى حق الله تعالى الواجب على من قتل مؤمنا مواظبا على عبادة الله تعالى والرقيق لا يمكنه المواظبة على عبادة الله تعالى فاذا اعتقه فقد اقامه مقام ذلك المقتول فى المواظبة على العبادات {ودية مسلمة الى اهله} اى مؤداة الى ورثته يقتسمونها كسائر المواريث بعد قضاء الدين منها وتنفيذ الوصية واذا لم يبق وارث فهى لبيت المال لا المسلمين يقومون مقام الورثة كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : انا وارث من لا وارث له " .تفسير : {الا ان يصدقوا} اى يتصدق اهله عليه سمى العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله وفى الحديث "حديث : كل معروف صدقة " .تفسير : وهو متعلق بعليه المقدر عند قوله {ودية مسلمة} او بمسلمة اى تجب الدية ويسلمها الى اهله الا وقت تصدقهم عليه لان الدية حق الورثة فيملكون اسقاطها بخلاف التحرير فانه حق الله تعالى فلا يسقط بعفو الاولياء واسقاطهم. واعلم ان الدية مصدر من ودى القاتل المقتول اذا اعطى وليه المال الذى هو بدل النفس وذلك المال يسمى الدية تسمية بالمصدر والتاء فى آخرها عوض عن الواو المحذوفة فى الاول كما فى العدة وهى اى الدية تسمية بالمصدر والتاء فى آخرها عوض عن الواو المحذوفة فى الاول كما فى العدة وهى اى الدية فى الخطأ من الذهب الف دينار ومن الفضة عشرة آلاف درهم وهى على العاقلة فى الخطأ وهم الاخوة وبنوا الاخوة والاعمام وبنوا الاعمام يسلمونها الى اولياء المقتول ويكون القاتل كواحد من العاقلة يعنى يعطى مقدار ما اعطاه واحد منهم لانه هو الفاعل فلا معنى لاخراجه ومؤاخذة غيره وسميت الدية عقلا لانها تعقل الدماء اى تمسكه من ان يسفك الدم لان الانسان يلاحظ وجود الدية بالقتل فيجتنب عن سفك الدم فان لم تكن له عاقلة كانت الدية فى بيت المال فى ثلاث سنين فان لم يكن ففى ماله {فان كان} اى المقتول {من قوم عدو لكم} كفار محاربين {وهو مؤمن} ولم يعلم به القاتل لكونه بين اظهر قومه بان اسلم فيما بينهم ولم يفارقهم بالهجرة الى دار الاسلام او بان اسلم بعدما فارقهم لمهم من المهمات {فتحرير رقبة مؤمنة} اى فعلى قاتله الكفارة دون الدية اذ لا وراثة بينه وبين اهله لكونهم كفارا ولانهم محاربون {وان كان} اى المقتول المؤمن {من قوم} كفرة {بينكم وبينهم ميثاق} اى عهد موقت او مؤبد {فدية} اى فعلى قاتله دية {مسلمة الى اهله} من اهل الاسلام ان وجدوا {وتحرير رقبة مؤمنة} كما هو حكم سائر المسلمين {فمن لم يجد} اى رقبة لتحريرها بان لم يملكها ولا ما يتوصل به اليها وهو ما يصلح ان يكون ثمنا للرقبة فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وسائر حوائجه الضرورية من المسكن وغيره {فصيام} اى فعليه صيام {شهرين متتابعين} وايجاب التتابع يدل على ان المكفر بالصوم لو افطر يوما فى خلال شهرين او نوى صوما آخر فعليه الاستئناف الا ان يكون الفطر بحيض او نفاس او نحوهما مما لا يمكن الاحتراز عنه فانه لا يقطع التتابع والاطعام غير مشروع فى هذه الكفارة بدليل الفاء الدالة على ان المذكور كل الواجب واثبات البدل بالرأى لا يجوز فلا بد من النص {توبة} كائنة {من الله} ونصبه على المفعول له اى شرع لكم ذلك توبة اى قبولا لها من تاب الله عليه اذا قبل توبته. فان قيل قتل الخطأ لا يكون معصية فما معنى التوبة. قلت ان فيه نوعا من التقصير لان الظاهر انه لو بالغ فى احتياط لما صدر عنه ذلك. فقوله توبة من الله تنبيه على انه كان مقصرا فى ترك الاحتياط {وكان الله عليما} بحاله اى بانه لم يقصد القتل ولم يتعمد فيه {حكيما} فيما امر فى شأنه. والاشارة فى قوله تعالى {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} ان تربية النفس وتزكيتها ببذل المال وترك الدنيا مقدم على تربيتها بالجوع والعطش وسائر المجاهدات فان حب الدنيا رأس كل خطيئة وهى عقبة لا يقتحمها الا الفحول من الرجال كقوله تعالى {أية : فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة} تفسير : [البلد: 11-13] الآية. وان اول قدم السالك ان يخرج من الدنيا وما فيها. وثانية ان يخرج من النفس وصفاتها كما قال (دع نفسك وتعال) والامساك عن المشارب كلها من الدنيا والآخرة على الدوام انما هو بجذبة من الله تعالى واعطائه القابلية لذلك: كما قيل شعر : دادحق را قابليت شرط نيست بلكه شرط قابليت دادحق تفسير : ـ حكى ـ ان اولاد هارون الرشيد كانوا كانوا زهادا لا يرغبون فى الدنيا والسلطنة فلما ولد له ولد قيل له ادخله فى بيت من زجاج يعيش فيه مع التنعم والترنم والاغانى حتى يليق للسلطنة ففعل فلما كبر كان يوما يأكل اللحم فوقع عظم من يده فانكسر الزجاج فرأى السماء والعرض فسأل عنهما فاجابوا على ما هو فطلب منهم ان يخرجوه من البيت فلما خرج رأى ميتا وجاء اليه وتكلم له فلم يتكلم فسأل عنه فقالوا هو ميت لا يتكلم وقال وانا اكون كذلك قالوا كل نفس ذائقة الموت فتركهم وذهب الى الصحراء فذهبوا معه فاذا خمسة فوارس جاؤا اليه ومعهم فرس ليس عليه احد فاركبوه واخذوه وغابوا وليس كل قلب يصلح لمعرفة الرب كما ان كل بدن لا يصلح لخدمته ولهذا قال تعالى {وكان الله عليما} اى بمن يصلح للجذبة والخدمة. قال الصائب شعر : درسر هرخام طينت نشته منصور نيست هرسفالى را صداى كاسه فغفور نيست تفسير : وهذا لا يكون بالدعوى فان المحك يميز الجيد والزيوف وعالم الحقيقة لا يسعه القيل والقال ألا يرى ان من كان سلطانا اعظم لا يرفع صوته بالتكلم لانه فى عالم المحو وكان امر سليمان عليه السلام لآصف بن برخيا باتيان عرش بلقيس مع انه فى مرتبة النبوة لذلك اى لما انه كان فى عالم الاستغراق فلم يرد التنزل وقوله عليه السلام "حديث : لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل " .تفسير : اشارة الى تلك المرتبة اللهم اجعلنا من الواصلين الى جناب قدسك والمتنعمين فى محاضر قولك وانسك.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وما كان لمؤمن} النفي هذا بمعنى النهي، كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ}تفسير : [الأحزَاب:53]، و {إلا خطًأ}: استثناء منقطع، و {خطأ}: حال، أو مفعول من أجله، أو صفة لمصدر محذوف، أي: لا يحل له أن يقتل مؤمنًا في حال من الأحوال، لكن إن وقع خطّأ فحكمه ما يأتي، وقيل: متصل. انظر ابن جزي: أو: إلا قتلا خطّأ، و {إلا أن يصدقوا}: حال، أي: إلا حال تصدقهم، و {توبة}: مفعول من أجله، أي: شرع ذلك لأجل التوبة. أو، مصدر، أي: تاب عليكم توبة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما كان} ينبغي {لمؤمن أن يقتل مؤمنًا} مثله، أي: هو حرام عليه، {إلاَّ} أن يقتله {خطًأ} بأن ظنه كافرًا، أو رمى غيرَه فصادفه. والآية نزلت بسب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد، وكان الحارث يعذبه على الإسلام، ثم أسلم الحارث، وهاجر، ولم يعلم عياشُ بإسلامه، فقتله. ثم ذكر حُكمه فقال: {ومن قتل مؤمنًا خطًأ فتحرير رقبة} أي: فعليه تحرير رقبة {مؤمنة} سالمة من العيوب، ليس فيها شوب حرية، تكون من مال القاتل، {ودِيَةٌ مُسلَّمة} أي: مدفوعة {إلى أهله} وهي على العاقلة كما بيَّن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وهي عند مالك: مائة من الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، وأثنا عشر ألف درهم، على أهل الوَرِق، مقسطة على ثلاث سنين، فإن لم تكن العاقلة فعلى بيت المال، وتقسم على أهله، على حسب المواريث، إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل فتسقط، أي: تسمع فيها الورثة أو القتيل قبل موته. {فإن كان} المقتول {من قوم عدو لكم} أي: محاربين لكم، {وهو} أي: المقتول {مؤمن} فعلى القاتل {تحرير رقبة مؤمنة} ولا دية؛ لأنهم محاربون فيتقووا بها على المسلمين، ورأى مالك أن الدية في هذا واجبة لبيت المال، {وإن كان} المقتول مؤمنًا وهو {من قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي: عقد الصلح أو الذمة، فعلى القاتل {دية مُسَلَّمة إلى أهله}، وعليه أيضًا {تحرير رقبة مؤمنة} كفارة لخطئه. فإن كان غير مؤمن فلا كفارة فيه. وفيه نصف دية المسلم، {فمن لم يجد} الرقبة، أو لم يقدر عليها؛ فعليه {صيام شهرين متتابعين} عوضًا من العتق، جعل الله ذلك {توبة من الله} على القاتل لتفريطه. {وكان الله عليمًا} بما فرض، {حكيمًا} فيما قدَّر ودبَّر. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الحقّ ـ جلّ جلاله ـ قد رغَّب في إحياء النفوس، حسًا ومعنًى، ونهى عن قتلها حسًا ومعنًى، وما ذلك إلى لخصوص محبة له فيها، ومزيد اعتناء له بشأنها؛ فليس في الوجود أعز من الله من مظهر هذا الآدمي إن استقام في العبودية لربه، فهو قلب الوجود، ومن أجله ظهر كل موجود، وهو المنظور إليه من هذا العالم السفلي، والمقصود بالخطاب التكليفي: جزئي وكلي، فهو المقصود من بيت القصيد، وهو المحبوب إليه، دون سائر العبيد، قال تعالى: {أية : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسي} تفسير : [طه:41]. ومعنى إحيائها حسًّا: إنقاذها من الهلاك الحسّي، ومعنى إحيائها معنّى: إنقاذها من الهلاك المعنوي كالجهل والغفلة، حتى تحيا بالعلم والإيمان واليقظة، ومعنى قتلها حسًا: إهلاكها، ومعنى قتلها معنًى: إيقاعها في المعاصي والكفر وحملها على ذلك، وكذلك إهانتها وذلها، ولذلك قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : لَعنُ المُؤمن كَقَتَلهِ "تفسير : . فأمر من قتله خطًأ أن يُحيي نفسًا أخرى من مقابلتها بإخراجها من موت إهانة الرق، فإن لم يقدر، فليحيي نفسه بقتل صولتها بالجوع حتى تنكسر، فتحيا بالتوبة واليقظة، ويُجبر كسر أهل المقتول بالدية المُسَلَّمة.
الطوسي
تفسير : المعنى والاعراب: قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} معناه لم يأذن الله، ولا أباح لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيما عهده إليه، لأنه لو أباحه وأذن فيه ما كان خطأ. والتقدير إلا أن يقتله خطأ، فان حكمه هكذا على ما ذكر. فذهب إلى هذا قتادة وغيره. وقوله: {إلا خطأ} استثناء منقطع - في قول أكثر المفسرين - وتقديره إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، وليس ذلك مما جعل الله له، ومثله قول الشاعر: شعر : من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ على الارض إلا ريط برد مرجل تفسير : والمعنى لم تطأ على الارض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس ذيل البرد من الارض. وقد ذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، ولا نطول باعادتها. وتقدير الآية: إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس ذلك مما جعل الله له. وقال قوم: الاستثناء متصل والمعنى: لم يكن للمؤمن أن يقتل متعمداً مؤمناً. ومتى قتله متعمداً لم يكن مؤمناً فان ذلك يخرجه من الايمان، ثم قال: {إلا خطأ} ومعناه إن قتله له خطأ لا يخرجه من الايمان. ثم أخبر تعالى بحكم من قتل من المؤمنين مؤمناً خطأ، فقال: {ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة}. ومعناه فعليه تحرير رقبة مؤمنة. يعني مظهرة للايمان وظاهر ذلك يقتضي أن تكون بالغة ليحكم لها بالايمان وذلك في ماله خاصة. {ودية مسلمة إلى أهله} تؤديها عنه عاقلته إلى أولياء المقتول إلا أن يصدق أولياء المقتول حينئذ تسقط عنهم. وموضع (أن) من قوله: {إلا أن يصدقوا} نصب، لأن المعنى فعليه ذلك إلا أن يصدقوا النزول: وقيل: إن الآية نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي: أخي أبي جهل، لأنه كان أسلم، وكان قد قتل رجلا مسلماً بعد اسلامه، وهو لا يعلم باسلامه. وهذا قول مجاهد، وابن جريج، وعكرمة، والسدي. وقالوا: المقتول هو الحارث بن يزيد بن أبي نبشية العامري. ولم يعلم أنه اسلم، وكان أحد من رده عن الهجرة، وكان يعذب عياشاً مع أبي جهل، قتله بالحرة بعد الهجرة. وقيل: قتله بعد الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم باسلامه. ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر (ع). وقال ابن زيد: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله! فبدر فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكر ذلك له، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): ألا شققت عن قلبه فقال: ما عسيت أن أجد! هل هو إلا دم أو ماء؟ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه قال كيف بي يا رسول الله؟ قال: فكيف بلا إله إلا الله؟! قال فكيف بي يا رسول الله؟ قال: وكيف بلا إله إلا الله؟! حتى تمنيت أن يكون ذلك اليوم مبتدأ إيماني، ثم نزلت هذه الآية والذي ينبغي أن يعول عليه ان ما تضمنته الآية حكم من قتل خطأ ويجوز في سبب نزول الآية كل واحد مما قيل. المعنى: وقال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والحسن، وقتادة: الرقبة المؤمنة لا تكون إلا بالغة قد آمنت وصامت وصلت. فأما الطفل فانه لا يجزي ولا الكافر. وقال عطاء: كل رقبة ولدت في الاسلام فهي تجزي. والاول أقوى، لأن المؤمن على الحقيقة لا يطلق إلا على بالغ عاقل مظهر للايمان ملتزم لوجوب الصوم والصلاة، إلا أنه لا خلاف أن المولود بين مؤمنين يحكم له بالايمان، فبهذا الاجماع ينبغي أن يجزي في كفارة قتل الخطأ. وأما الكافرة والمولود بين كافرين فانه لا يجزي بحال. والدية المسلمة إلى أهل القتيل هي المدفوعة إليهم موفرة غير منتقصة حقوق أهلها منها {إلا أن يصدقوا} معناه يتصدقوا فادغمت التاء في الصاد لقرب مخرجها وفي قراءة أبي {إلا أن يتصدقوا}. وقوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} يعني إن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم هم أعداء لكم مشركون وهو مؤمن، فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة. واختلفوا في معناه، فقال قوم: إذا كان القتيل في عداد قوم أعداء وهو مؤمن بين أظهر هم لم يهاجر، فمن قتله فلا دية له. وعليه تحرير رقبة مؤمنة، لأن الدية ميراث، وأهله كفار لا يرثونه. هذا قول ابراهيم، وابن عباس، والسدي، وقتادة، وابن زيد، وابن عياض. وقال آخرون: بل عنى به أهل الحرب من يقدم دار الاسلام فيسلم ثم يرجع إلى دار الحرب إذا مر بهم جيش من أهل الاسلام فهرب قومه وأقام ذلك المسلم فيهم فقتله المسلمون، وهم يحسبونه كافراً. ذكر ذلك عن ابن عباس في رواية أخرى. وقوله: {فإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} ومعناه إن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم وبينهم أيها المؤمنون ميثاق أي عهد وذمة وليسوا أهل حرب لكم {فدية مسلمة إلى أهله} تلزم عاقلة قاتله. وتحرير رقبة على القاتل كفارة لقتله. واختلفوا في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن أم كافر؟ فقال قوم: هو كافر إلا أنه يلزم قاتله دية، لأن له ولقومه عهداً. ذهب إليه ابن عباس، والزهري، والشعبي، وابراهيم النخعي، وقتادة، وابن زيد. وقال آخرون: بل هو مؤمن، فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين، لأنهم أهل ذمة. روي ذلك أيضاً عن ابراهيم والحسن. وهو المروي في أخبارنا. إلا أنهم قالوا: يعطي ديته ورثته المسلمين دون الكفار. والميثاق هو العهد. وقد بيناه فيما مضى. والمراد ها هنا الذمة، وغيرها من العهود وبه قال السدي والزهري، وابن عباس والخطأ هو ان تريد شيئاً فتصيب غيره. وهو قول ابراهيم، وأكثر الفقهاء. والدية الواجبة في قتل الخطأ مئة من الابل ان كانت العاقلة من أهل الابل - بلا خلاف - وان اختلفوا في أسنانها فقائل يقول. هي أرباع: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون. روي ذلك عن علي (ع). وقال آخرون: هي أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنت مخاض. وينسب ذلك إلى ابن مسعود. وروى الأمرين معا أصحابنا. وقال قوم: هي أرباع غير أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنو لبون. روي ذلك عن عثمان وزيد بن ثابت. قال الطبري: هذه الروايات متكائة. والاولى التخيير. ولا يحمل على العاقلة صلح، ولا اقرار، ولا ما كان دون الموضحة. وأما الدية من الذهب فالف دينار، ومن الورق عشرة آلاف درهم. وقال بعضهم: اثني عشرألفاً والاول عندنا هو الاصح. ودية عمد الخطأ مئة من الابل مغلظة اثلاثاً - وروي أرباعاً - ثلث بنت لبون، وثلث حقة، وثلث جذعة. وتستأدى في سنين. ودية الخطأ في ثلاث سنين. ودية العمد إذا تراضوا بها في سنة. وأما دية أهل الذمة فقال قوم: هي دية المسلم سواء. ذهب اليه أبو بكر، وعثمان، وابن مسعود، وابراهيم، ومجاهد، والزهري، وعامر الشعبي، واختاره الطبري، وأبو حنيفة وأصحابه. وقال قوم: على النصف من دية المسلم. ذهب إليه عمرو بن شعيب رواه عن عمر بن الخطاب وبه قال عمر بن عبد العزيز. وقال قوم: هي على الثلث من دية المسلم ذهب إليه سعيد بن المسيب، والشافعي غير أنها أربعة آلاف واختلاف الفقهاء قد ذكرناه في الخلاف. وأما دية المجوسي فلا خلاف أنها ثمانمئة وكذلك عندنا دية اليهودي والنصراني. {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً} يعني فمن لم يجد الرقبة المؤمنة كفارة عن قتله المؤمن لاعتباره فعليه صيام شهرين متتابعين. واختلفوا في معناه: فقال قوم: مثل ما قلناه ذهب إليه مجاهد. وقال آخرون: {فمن لم يجد} الدية فعليه. صوم الشهرين عن الدية والرقبة. وتأويل الآية فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولا دية يسلمها إلى أهلها فعليه صوم شهرين متتابعين، ذهب إليه مسروق والاول هو الصحيح، لأن دية قتل الخطأ على العاقلة، والكفارة على القاتل باجماع الأمة على ذلك. وصفة التتابع في الصوم أن يتابع الشهرين لا يفصل بينهما بافطار يوم. وقال أصحابنا: إذا صام شهراً وزيادة ثم أفطر اخطأ وجاز له البناء. وقوله: {توبة من الله} نصب على القطع. ومعناه رجعة من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة بايجاب صوم الشهرين المتتابعين توبة {وكان الله عليماً حكيماً} معناه لم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه حكيماً بما يقضي فيهم. ويدبره. وقال الجبائي: انما قال: {توبة من الله} تعالى بهذه الكفارة التي يلتزمها بدرء عقاب القاتل. وذمه لأنه يجوز أن يكون عاصياً في السبب، وإن لم يكن عاصياً في القتل من حيث أنه رمى في موضع هو منهي عنه بأن يكون رجمة، وإن لم يقصد القتل وهذا ليس بشيء لأن الآية عامة في كل قاتل خطأ، وما ذكره ربما اتقق في الآحاد. والزام دية قتل الخطأ العاقلة ليس هو مؤاخذة البريء بالسقيم، لأن ذلك ليس بعقوبة بل هو حكم شرعي تابع للمصلحة. ولو خلينا والعقل ما أوجبناه. وقيل: إن ذلك على وجه المواساة والمعاونة.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} ما صحّ وما لاق بحاله {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} بغير حقّ {إِلاَّ خَطَئاً} استثناء من لازمه اى فيعذّب على كلّ حال الاّ خطأ {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً} {فَ} عليه {تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} كفّارة له {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} لئلاّ يهدر دم امرء مسلم {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} يتصدّقوا بالعفو فانّ التّصدّق يطلب على كلّ معروف {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ} من عطف التّفصيل على الاجمال {فَ} عليه {تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} من غير دية لعدم السّبيل للكافر على المسلم {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} {فَ} عليه {دِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ} حفظاً للميثاق {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} قدّم الدّية ههنا للاهتمام ببيانها فانّه يتراءى ان لايكون لهم كفّاراً عليه دية مسلّماً، واخّرها فى الآية السّابقة لانّها حقّ النّاس والتّحرير حقّ الله {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} رقبة ولا ثمنها {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} سبب توبة من الله {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بوضع الاحكام {حَكِيماً} يضعها على غايات محكمة.
الأعقم
تفسير : {وما كان لمؤمن} وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله {أن يقتل مؤمناً} ابتداء غير قصاص {إلا خطأ} إلا على وجه الخطأ والآية نزلت في عياش بن ربيعة وكان أخاً لأبي جهل لأنه أسلم وهاجر خوفاً من قومه قبل هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا دخلت تحت سقف حتى يرجع فخرج أبو جهل ومعه الحارث بن زيد وقال أبو جهل: ليس محمد يحثك على صلة الرحم انصرف وترى أمك وانت على دينك، حتى نزل وذهب معهما فلما خلفا المدينة كفتاه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة فقال عياش للحارث: هذا أخي فمن أنت يا حارث؟ لله عليَّ إن وجدتك خالياً لأقتلنّك، وقدما به على أمه فحلفت لا يحل كفاته حتى يرتد فقعد ثم هاجر بعد ذلك واسلم الحارث وهاجر ولقيه عياش بظهر قبا ولم يشعر باسلامه فقتله ثم خبر بإسلامه فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: قتلته ولم اشعر بإسلامه، فنزلت {فتحرير رقبة} فعليه تحرير رقبة والتحرير العتق والمراد رقبة مؤمنة كل رقبة كانت على علم الإسلام، وعن الحسن لا يجوز إلاّ رقبة قد صلّت وصامت ولا يجزي الصغير، وقاس عليها الشافعي كفارة الطهارة واشترط الايمان {مسلمة الى اهله} مراده إلى اهله يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينهما وبين سائر التركة {الاّ أن يصدقوا} عليه بالدية، ومعناه العفو لقوله: {أية : إلاّ أَن يعفون} تفسير : [البقرة: 237] ونحوه وأن يصدقوا وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : كل معروف صدقة" تفسير : {فان كان من قوم عدو لكم} من قوم كفار أهل حرب وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم ولم يفارقهم فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على قاتله لأهله شيء لأنهم كفار محاربون {وان كان من قوم} كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين واهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من المسلمين {فمن لم يجد} رقبة فعليه {صيام شهرين متتابعين توبة من الله} قبولاً من الله ورحمة منه إذا قبل توبته {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم} الآية نزلت في قيس وجد اخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى بني النجار فدفعوا ديته فلما انصرف ومعه الفهري فقتله ورجع إلى مكة وخبره يطول. قال جار الله: وفي هذه الآية من التهديد والايعاد والارعاد امر عظيم، ومن ثم روي عن ابن عباس: ان توبة قاتل المؤمن عمداً توبة غير مقبولة، وفي الحديث: "حديث : لزوال اهل الدنيا أهون على الله من قتل امرءٍ مسلم" تفسير : وفيه "حديث : لو قتل رجل بالمشرق وآخر راضي في المغرب لأشرك في دمه" تفسير : وعن سفيان: كانوا اهل العلم إذا سُئلوا قالوا: لا توبة له، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ان من اعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" تفسير : قال جار الله: العجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون ما في هذه الأحاديث العظيمة ثم يطمعون بالعفو عن قاتل المؤمن {أية : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}تفسير : [محمد: 24].
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً}. قال الحسن: ما كان لمؤمن، فيما فرض الله عليه من حق أخيه المؤمن، أن يقتل مؤمنا. إلا خطأ. أي إلا أن يكون قتله إياه خطأ لم يتعمَّده. وقال بعضهم: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه في عهد الله الذي عهده إليه. وقال إن عياش بن أبي ربيعة كان قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه مع أبي جهل في اتباع عيّاشٍ النبيَّ، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر كما كان. قال: {وَمَن قَتَلَ مُؤمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. قال بعضهم: {رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ} مَن عَقَل دينَه. وأخبرت عن الحسن أنه قال: لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت، ليست صغيرة. قوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} أي: إلى أولياء المقتول. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : العقل على العصبة والدية على الميراث تفسير : . العقل على العصبة، يعني دية الخطأ. ذكروا عن سعيد بن المسيب قال: إن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب تطلب ميراثها من دية زوجها، فقال عمر: أيكم سمع من رسول الله في هذا شيئاً. فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: أشهد أَنِّي كتب إِلَيَّ رسولُ الله عليه السلام أن أورِث امرأة الضَّبَابي من دية زوجها؛ فوَرَّثها عمر. قال هذا في قتل الخطأ. فأما في قتل العمد فهو إلى العصبة، فإن رضوا بالدية كانت لهم دون غيرهم من أهل الميراث. ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدية مائة بعير، يعني دية الخطأ، فمن ازداد بعيراً فهو من أهل الجاهلية . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هي أخماس: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقّة، وعشرون بني لبون ذكوراً، وعشرون جذعة. قوله: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا} أي إلا أن يصدّق أولياء المقتول فيتجاوزوا عن الدية. قال الحسن: وذلك لِمَا حضّ الله عليه عباده من الخير، وليس بواجب عليهم. قوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ}. قال الحسن: كان الرجل يُسلِم وقومه حرب، فيقتله رجل من المسلمين خطأ ففيه تحرير رقبة مؤمنة ولا دية لقومه. وإن كان في قومه، وهو مؤمن لا يظهر لقومه الإِسلام، وهو فيهم بالتقية، فلا يعطون دية. {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. كان بين النبي وبين قوم من مشركي العرب عهد إلى أجل معلوم؛ فمن قتل منهم في ذلك العهد دفع إلى أوليائه الدية، وعلى قاتله عتق رقبة. قال: فما كان من عهد بين النبي وبين مشركي العرب فهو منسوخ، نسخه القتال. وما كان من عهد بين المسلمين وبين المشركين من غير العرب وأهل الذمة يودون الجزية فقتل منهم رجل، ففيه الدية لأوليائه وعتق رقبة مؤمنة. قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ} أي تجاوزا من الله {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بخلقه، حكيماً في أمره. وقال بعضهم: وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ولا دية لأهله من أجل أنهم كفار، ليس بينهم وبين رسول الله عهد ولا ذمة. ذكروا عن بعضهم أنه قال: من أصاب دماً خطأً فكتمه لقي الله به عمداً.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ}: ما جاز له شرعا ولا عقلا وما لاق حاله. {أَن يَقْتُلَ مُؤمِناً}: موحدا لم يظهر منه اسرار الشرك. {إِلا خَطَئاً}: مثل أن يرمى مشركا فيصيب مؤمنا أو يرمى صيدا أو يعمل فى حاجة له فيصيب مؤمنا، أو رمى مشركا فى علمه، فاذا هو مؤمن، وذلك فى القتل ابتداء، وأما القتل قصاصا أو لزنى أو موجب قتل فمعلوم جوازه من الآى الآخر، ونصب خطأ على أنه مفعول لأجله، أو حال أى ذا خطأ أو مخطئا، أو كان نفس الخطأ لتمحص الحال عن شوب شىء ما من العمد، أو مفعول مطلق أى الا قتل خطأ أو الا قتل خطأ على النعت بالمصدر، ولا يخفى أنه لا يقال: انه يحل قتل المؤمن خطأ، بدليل أن عليه الدية والكفارة، فما صح المعنى الا على أن يقال ما لاق بمؤمن قتل مؤمنا الا خطأ. وقيل: النفى بمعنى النهى والاستثناء منقطع، أى لا تقتل أيها المؤمن مؤمنا آخر، لكن ان قتله خطأ فلا ذنب عليه، بل يلزمه ما يلزمه ومن قتل مؤمنا خطأ.. الخ، وهذا هو اللازم له. وفى هذا القول بعض تكليف ارتكبه قائله ليتخلص به عما يتوهم من أنه يجوز القتل خطأ، وقرىء خطاء بالمد، وقرىء خطى كفتى قلبا للهمزة ألفا تخفيفا، وروى أن عياش بن أبى ربيعة، وكان أخا أبى جهل لأمه قد أسلم وهاجر خوفا من قومه الى المدينة، وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب، ولا يؤويها سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحارث بن زيد بن أبى أنيسة، فأتياه فتلطف له أبو جهل وقال: أليس محمد يحثك على صلة الرحم، فانصرف وبر أمك، وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما فلما فسحا عن المدينة كتفاه وجلده كل واحد مائة جلدة، فقال للحارث: هذا أخى، فمن أنت يا حارث لله ان وجدتك خاليا أن أقتلك. وقدما به على أمه فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد ففعل، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياش بظهر قباء، ولم يشعر باسلامه فقتله، ثم أخبر باسلامه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته ولم أشعر باسلامه، فنزلت الآية، وخص المؤمن بالذكر فى قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} لأنه المعتبر الخائف من عقاب الله تعالى، الذى يتأثر بكلام الله جل وعلا، وكذا خص المقتول فى الذكر بكونه مؤمنا، لعظم شأنه، والا فالذمى والمعاهد لا يجوز قتلهما أيضا الا أن كان قد أخطأ القاتل، كما ذكر المشرك بعد. وقيل: أن الحارث أيضا أخ لعياش لأمه كأبى جهل، وانهما لما أتيا عياشا أخبره بما قالت أمه، من كونها لا تأكل ولا تشرب ولا يضلها سقف حتى يرجع، وأعطياه عهد الله لا يكرهانه على ما يحول بينه وبين دينه، وأنه لما وصل مكة حلفت أمه لا يحل حتى يرتد وتركوه فى الشمس حتى ارتد لهم، وأن الحارث أتاه بعد ذلك فقال له: إن كنت على هدى فقد تركته الآن، وان كان ضلالة فقد كنت على ضلالة، فغضب عياش لقوله هذا فحلف لا يلقاه خاليا الا قتله، فقتله بظاهر قباء، فسأل فنزل على حد ما مر. {وَمَن قَتَلَ مُؤمِناً خَطَئاً}: كضربه رجلا مشركا فى علمه، فاذا هو مؤمن، وضربه فى صف الكفار، وموافقة مؤمن فيهم، ورثته مسلمون كان معهم قهرا، أو قصده بظنه منهم، وكرمى صيد وغيره مما يجوز له فتصادف ضربته أحدا وكضربه أحدا بما لا يتوهم القتل، ولم يقصد قتله فى قول، ومن الخطأ عمد الطفل وما يتوهم من عمد المجنون. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ}: أى فعليه تحرير رقبة مؤمنة، وهذا عندى أولى من أن يقدر فالواجب تحرير رقبة مؤمنة، لأن تقدير على ومجرورها يفيد الوجوب، ويستأنفه، بخلاف تقدير فالواجب تحرير، فانه يليق ولو علمنا وجوب كفارة مطلقا ولا نعلم ما هى، أو نعلم وجوب شىء ولا نعلم ما هو، فانما يصح هذا بتكلف أنه يفهم مما قبله وجوب شىء ما، وكذا ما أشبه ذلك، ومعنى مؤمنة موحدة بأن جلبت مشركة فوحدت. وسواء لأن كانت موافقة أو مخالفة، عاصية الله أو مطيعة، أو جلبت فولدت ولد ابلغ موافقا، أو مخالفا غير مشرك، ومن قال: ولد المشرك يتولى وهو قول معاذ بن جبل أجاز عتقه، ولكن يمونه المعتق الى أن يبلغ، وان كان أبو الطفل مؤمنا فهو مؤمن، وان كان مشركا وأسلمت أمه فهو مؤمن. وقال ابن عباس والحسن والشعبى والنخعى: لا تجزى الا رقبة قد صلت وصامت، لأن الايمان اما التصديق واما العمل، وأما المجموع، والكل فائت عن الصبى، والعمل بلا ايمان لا يعتبر. قال الشيخ هود رضى الله عنه: أخبرت عن الحسن أنه لا تجزى رقبة قد صلت وصامت، ليست بصغيرة. قال مالك: يجزى كل من يحكم له بحكم الاسلام فى الصلاة ان مات، قال: ومن صلى وصام أحب الىَّ. والتحرير الاعتاق سمى بهما اخراج العبد من العبودية، لأن معناهما التخليص، ولأن الحر والعتيق الكريم، والكرم فى الأحرار، فتحرير العبد تصييره من أصحاب الكرم، كما أن اللوم فى العبيد وليس الكرم فى العطاء فقط، ولا اللوم فى تركه فقط، ومن ذلك عتاق الخيل لكرامها وحر الوجه أكرم موضع منه، يعاد اللئيم عبد، وفلان عبد الفعل أى لئيم، والمراد بالرقبة ما يشمل العبد والأمة، وذلك من تسمية الشىء باسم جزئه. {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}: أى أهل المؤمن المقتول، أى ورثته تعطيها عاقلة القاتل ان حكم عليه بدون اقراره، وانما قال: تجب عليه الدية، لأنه يجب عليه جمعها من عاقلته، ولو كان لا يعطى معهم، وقيل: يعطى منابه، وليس عليه جمعها، وصححوا الأول لأنه صلى الله عليه وسلم جعلها على العاقلة، وتحمل الآية أيضا على الخطأ الذى تعقله العاقلة، كما اذا اعترف القاتل خطأ وبسط ذلك فى الفروع، والآية دلت على الأول، والسنة بينت أنها على العاقلة اذا كان القتل خطأ يقسمها الورثة على قدر ارثهم وللوصية قبلهم ثلثها، وللغرماء استيفاء ديونهم منها قبل الوصية وقبل الارث. وعن شريك: لا يقضى من الدية دين، ولا تنفذ وصية، وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها. قال الضحاك بن سفيان الكلابى: كتب الىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنى أن أورث امرأة أشيم الضبابى من عقل زوجها. قال سعد بن المسيب: جاءت امرأة الى عمر بن الخطاب تطلب ميراثها من دية زوجها، فقال عمر: أيكم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا شيئا، فقال الضحاك بن سفيان الكلابى فقال: أشهد أنى كتب الىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم الضبابى دية من زوجها. فورثها عمر. هذا فى قتل الخطأ، وأما فى قتل العمد، فانما هو الى العصبة، فان رضوا بالدية كانت لهم دون غيرهم من أهل الميراث، وفى رواية قضى عمر بدية فجاءت امرأة تطلب ميراثها من عقله، فقال: لا أعلم لك شيئا انما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فقال الضحاك الى آخر ما مر بلفظه، وترث من دية العمد، وهو الصحيح عندهم، كما ترث من الخطأ، وكذا الزوج كمن لا يملك القتل لو قتل عمدا وان لم تكن العاقلة ففى بيت المال، وان لم يكن فعلى القاتل، وكذا كل ضرب أو قطع أو مضرة فى البدن، كان أرشها ثلث الدية أو أكثر، وكانت خطأ فانها على العاقلة، ولفظ دية من باب عدة وزنة يقال: وداه يديه دية، أعطاه ما يلزم على القتل أو قطع العضو أو نحو ذلك، كوعده يعده غدة، ووزنه يزنه زنة. {إِلا أَن يَصَّدَقُوا}: الا بتصديق أهل المقتول الوارثون له على القاتل بترك الدية كلها، فليس عليه شىء منها، أو بترك بعضها، فيسقط عنه ما تركوا له، وسمى العفو عن الدية أو بعضها تصدقا حثا على العفو، وتنبيها على فضله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : كل معروف صدقة أمرك بمعروف صدقة ونهيك عن منكر صدقة وارشاد الضال صدقة "تفسير : وذكر أشياء. والاستثناء منقطع أى لكن التصدق مندوب اليه، وأجاز ابن الحاجب أن يكون الاستثناء متصلا فى مثل هذا من الاثبات مع عدم ذكر المستثنى منه اذا فهم من الكلام، نحو: زيد يكرم الناس الا حال غضبه، ويقرىء الا يوم الجمعة أى كل حال الا حال غضبه، وكل يوم الا يوم الجمعة، فالتقدير هنا على الاتصال: ودية مسلمة الى أهله كل حال الا التصدق، أى الا حال التصدق، فان يتصدقوا فى تأويل اسم منصوب على الاستثناء، على حذف مضاف من ظرف محذوف، كما رأيت، وان شئت فقدر مسلمة فى كل حال الى أهله الا أن يتصدقوا، أى الا فى حال أن يتصدقوا، وزعم بعض أنه يجوز كون أن يصدقوا حالا فى تأويل مصدر مؤول بحذف مضاف، أو باسم الفاعل، وأن صاحب الحال أهله أى الا ذوى تصدق أو متصدقين. ويجوز نصبه على الظرفية، وقد ينوب عن مكان مصدرى أو ذلك فى ظرف الزمان يكثر أى الا تصدقهم، أى زمان تصدقهم والحالية ضعيفة لأن المصدر يقدر مضاف للفاعل، كما أن الواو فى الآية فاعل، والمضاف للضمير معرفة الا أن يقدر ناوين تصدقهم أو عازمين على تصدقهم، أو قدروه بلا اضافة، أو التزموا أن يقدر بالاضافة، لأنه اذا أول بالوصف تحمل الوصف ضميرا، ولم يكن به معرفة، ويصدقوا أصله أن يتصدقوا كما قرأ به أبى، أبدلت التاء صادا وأدغمت فى الصاد. ودية الخطأ فى ثلاث سنين، سواء كان خطأ محضا كما مر، أو شبه عمد كضربه بعصا أو حجر صغير لا يقتل بمثله غالبا، فالضرب عمد والقتل غير العمد، الا أن الخطأ المحض ديته مخففة، وشبه العمد مغلظة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مكة عام الفتح: "حديث : دية قتيل العمد وشبه العمد بالسوط والعصا مائة من الابل فيها أربعون فى بطونها أولادها " تفسير : وقيل: الدية المغلظة خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وبه قال الزهرى، وربيعة، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأى، فهى أرباع. وأما دية الخطأ المحض وهى المخففة، فأخماس باتفاق، فقال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهرى، وربيعة، ومالك، والشافعى: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وقال ابن مسعود، وأحمد وأصحاب الرأى كذلك، الا أنهم جعلوا عشرين ابن لبون بدل بنات مخاض. {فَإِن كَانَ}: المقتول. {مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ}: فقط، ولا دية على قاتله خطأ، لأنه من قوم معادين للمسلمين بالشرك، وانما لم تكن له دية، لأنه لا وراثة بينه وبينهم لشركه وحكم الدية الارث، وهم لا يرثونه، ووجه ذلك أنه قهره المشركون أن يكون معهم فى صفهم أو جاء اليهم لأمر، أو كان معهم فى بلدهم وأسلم ولم يعلم قاتله باسلامه ولم تكن له الدية لما مر، ولأنه عرض نفسه للقتل بعدم الهجرة، أو بالكون معهم حال القتال، ولأنه لا قائل بأنه يلزم من يقاتل أهل دار الحرب أن يبحث فيهم واحدا واحدا، وبذلك قال الشافعى. وقيل فى المسلم المخالط أنه له الدية، لأنه تعالى قال: {مِن قَوْمٍ} ولم يقل فى قوم وبه قال أبو حنيفة، فان لم يكن له وارث مسلم فلبيت المال والفقراء ان لم يكن، وفى الحديث: "حديث : أنا وارث من لا وارث له " تفسير : فكذا من قتل فى دار الاسلام، وورثته كفار ولم تسقط الكفارة، وهى التحرير مثلا لأنها حق الله تعالى. وعن الحسن: كان الرجل يسلم وقومه حرب فيقتله رجل من المسلمين خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ولا دية لقومه، وان كان فى قومه وهو مؤمن لا يظهر لقومه الاسلام وهو فيهم بالتقية، فلا يعطون دية، وفسر بعضهم الآية بأن يكون المقتول فى دار الاسلام وهو مسلم، وهو من قوم كفار لا وارث له مسلم، فلا دية له، لأنه تورث والكافر لا يرث المسلم، وقيل لبيت المال كما مر، وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين، فكان فيه الكفارة تحرير رقبة دون الدية. {وَإِن كَانَ}: المقتول. {مِن قَوْمٍ}: مشركين. {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ}: وهو مشرك. {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ}: وهى دية الخطأ، وقد مرت، ولكن دية الكتابى المعاهد ثلث دية المسلم، وكذا دية الذمى ثلث دية المسلم، ودية المجوسى المعاهد والذمى خمس الثلث، وهو ثمانمائة درهم، وان شئت فقال ثلثا عشر الدية، وذلك قول سعيد بن المسيب والشافعى، وقيل: عن ابن مسعود وسفيان الثورى وأصحاب الرأى دية الذمى والمعاهد مطلقا كدية المسلم، ودية المسلم مائة من الابل، فاذا عدمت الابل فقيمتها دنانير أو دراهم بلغت ما بلغت، وقيل: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة ألف درهم، وكانت دية أهل الكتاب يومئذ على النصف من دية المسلم، حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: ان الابل قد غلت، ففرض على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتى بقرة، وعلى أهل الشياه ألفى شاة، وعلى أهل الحلل مائتى حلة، وترك دية أهل الكتاب لم يرفعها. أخرجه أبو داود. فذهب قوم الى أن الواجب فى الدية مائة من الابل، أو ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم، وهو قول عروة بن الزبير، والحسن البصرى، وبه قال مالك والشافعى، وقال قوم: مائة من الابل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وهو قول سفيان الثورى، وأصحاب الرأى. ودية المرأة نصف دية الذكر من أهل دينها، وعن عمر بن عبد العزيز، ومالك، وأحمد: دية الذمى نصف دية المسلم، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : دية المعاهد نصف دية المسلم، تفسير : أخرجه النسائى فيمن ذهب الى أن دية الذمى ثلث دية المسلم، أجاب بأن الأصل كان نصف ثم رفع زمان عمر الى ثلث دية المسلم، ولم يرفع دية الذمى فبقى على أصلها وهو ثلث دية المسلم. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ}: رقبة فى قتل مؤمن أو مشرك له ميثاق. {فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ}: لا فصل بين أيام شهر أو بين شهرين الا ما لا يمكن التحرز عنه وهو الحيض والنفاس، فاذا طهرت بعد طلوع الفجر، وأصبحت من الغد مفطرة فذلك فصل، فلا يجزيها ما مضى، وان أفطر ناسيا لم ينقطع التتابع وأجزاءه وأبدل اليوم، وقيل: لا بدل، وان أفطر بمرض أو سفر انقطع ولم يجزه عندنا ما صام، وعند النخعى والشافعى فى أظهر قوليه، وقال فى قوله الآخر، وسعيد بن المسيب، والحسن: أنه يجزيه، وان خاف الموت بمرض أو جوع فأفطر صح له ما صام، وان قطع بذاك لصوم آخر فذلك قطع فلا يجزيه ما مضى. ومن وجد له ما يعتق به، أو ملك رقبة لم يجزه الصوم، ولو لم يكن عنده مسكن ونفقة عياله، وما لا بد منه فليعتق ويكسب لذلك، وان كان له مسكن ونفقة توكل وما يلبس العيال بنفسه أو يدهن به لا دراهم فلا يبع ذلك، بل يصوم الا ان كانت الزيادة على ذلك تحصل به الرقبة، ومن لم يجد العتق ولا الصوم لم يجزه الا طعام لستين مسكينا عندنا، وعند غيرنا، وقال قوم من غيرنا: يجزيه قياسا على الظهار وهو مرجوح قولى الشافعى. {تَوْبَةً مِّنَ اللهِ}: مصدر مؤكد لغيره، كقولك: ابنى أنت حقا: أى تاب الله عليه توبة، وذلك أن أصل ما حرم الله المؤاخذة لفاعله ولو خطأ، فسمى تلهفه عن الخطأ توبة، كأنه عصى بخطئه فتاب منه، وأيضا لو بالغ لم يخطىء بحسب الظاهر، أو معنى توبة من الله تخفيف منه، اذ يلزم من توبة الله على من أذنب تحقيقا أنه قد خفف عنه، ثم أنه من قتل خطأ فكتم أو أنكر فذنبه كذنب العمد. قال الشيخ هود: ذكروا عن بعضهم أنه قال: من أصاب دما خطأ فكتمه، لقى الله به عمدا، أو مفعول لأجله أى شرع الله ذلك توبة من الله أو حال من القاتل خطأ، أى فعليه صيام شهرين متتابعين ذا توبة من الله، وعلى كل فمن الله نعت لتوبة. {وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا}: بخلقه وأحوالهم، ومنهم قاتل الخطأ. {حَكِيماً}: فيما دبر لهم من الأحكام، ومنها حكم قاتل الخطأ من الكفارة والدية.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} ما ثبت له شرعا ولا عقلا، وإذا كان كذلك فما ينبغى له {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} موحداً وذميَّا أو معاهداً أو مستأجراً، أو من لم يدع إلى الإسلام بغير حق، أما إذا كان بحق كما إذ قتل لقتله من يقتل به، أو لقطع الطريق، أو لبغيه، أو رجم لإحصانه مع الزنى، أو نحو ذلك فحق {إِلاّ خَطَأً} إلا قتل خطأ أو خاطئا أو للخطأ أو لكن الخطأ إن وقع فعليه التحرير أو الصوم، والخطأ الفعل مع عدم القصد إليه أو إلى الشخص، أو لا يقصد به القتل فى المعتاد كضرب بيد أو عصا أو لا يقصد به محظور كضربه فى صيد وقعت على غيره، وكرمى مسلم فى صف الكفار بلا علم به وقد حضر معهم أسيراً وليس بقاتل، وقتل طفل أو مجنون بغيره، ونائم وساقط على غيره، وسكران حيث يعذر بسكره، والآية فى عباس ابن أبى ربيعة المخزومى، أخى أبى جهل لأمه، إذ قتل الحرث بن زيد فى طريقه ولم يدر أنه أسلم، وبسط ذلك، أن عياشا أسلم وحلفت أمه لا يظلهما سقف حتى تراه، فأخذه أبو جهل والحرث بن هشام من المدينة لتراه بعهد موثق أن يخلياه، فجلداه فى الطريق مائة، وأعانهما رجل من كنانة فحلف عياش أن يقتله، وقتله بعد إسلامه ولم يدر عياش بإسلامه {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً} موحداً، ويلتحق به الذمى، ومن قتل قبل دعاء إلى الإسلام أو مستأجراً، أو معاهداً {خَطَأً} ومثله شبه العمد، وهو كالخطأ فى العاقلة والأجل، وقد يدخل فى الخطأ وهو الضرب بما لا يقتل غالبا عمدا بلا قصد قتل {فَتَحْرِيرُ} فعليه تحرير أو فالواجب عليه تحرير، أو وجب عليه تحرير، وهو جعله حرا {رَقَبَةٍ} أمة أو عبد{مُؤْمِنَةِ} وأجاز بعض غير المؤمنة، وترده الآية، كما زعم بعض أنه يجزى إعتاق كتابى صغير أو مجوسى كبير، وتسمية الإنسان رقبة تسمية بالجزء، وقد صار ذلك حقيقة عرفية، كما يعبر عنه بالوجه، وكما يعبر عن المركوب بالرأس والظهر {وَدِيَةٌ مُّسَلَمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ورثته، والدية مصدر ودى كوعد عدة، ثم أطلق على المال المأخوذ فى القتل وما دونه من الجباية فى البدن، وإنما كان المعنى، أن عليه الدية مع أنها على عاقلته، لأنه يجمعها منها، ولكن لا يعطى معهم عَلَى ما فى الفروع، وفى قول يعطى منابه ولا يجمعها، ولأنه السبب، وإن شئت فلا تقدر لفظ عليه، بل قل في الواجب تحرير رقبة مؤمنة، أى فى ماله، ودية مسلمة إلى أهله أى عَلَى العاقلة، وتخلص منها ديون القتيل ووصيته، أو ترد للثلث والباقى للورثة، كميراثهم حتى الأزواج الكلاليون، وكذلك فى العمد، قال الضحاك بن سفيان الكلابى: كتب إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنى، أن أورث امرأة أشيم الضبابى من عقل زوجها، وقال أبو محمد، لا تأخذ الزوج من دية زوجها المقتول عمداً، ولا تعقل العاقلة إلا الخطأ، وإن لم تكن العاقلة فبيت المال، وإن لم يكن فالقاتل، وقيل لا تقضى الديون والوصية من الدية، بل هى للورثة وليس كذلك، وتجزى الرقبة ولو غير بالغة فيقوم بما لا بد لها منه حتى تبلغ، وقيل لا يجزى عتق الصبى أو الصبية {إلآّ أَن يَصَّدَّقُوا} يتصدقوا بترك الدية أو بعضها، والاستثناء منقطع أى لكن تصدقهم خير لهم، وإما إن يجعل المصدر ظرف زمان عَلَى معنى إلا وقت تصدقهم، فلا يجوز لأن المصدر النائب عن الزمان هو المصدر الصريح أو المؤول بما المصدرية لا بأن، وهى عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة على ثلاث سنين، ثلث كل عام عَلَى العاقلة سواء، وقيل عَلَى الغنى نصف دينار، وعَلَى المتوسط ربع دينار، ولا شىء على الفقير والبسط فى الفروع {فَإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَّكُمْ} مشركين أو موحدين حل قتالهم لبغيهم أو نحوه {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} كان فى المشركين نسبا وسكنى أو سكنى، أسلم ولم يهاجر ولم يجعل لنفسه علامة ولا خبرا، أو دخل من خارج كذلك وقتله من لم يعلم بإسلامه {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} موحدة، ولا دية له، لأنه هدر دمه بكونه فيهم، بحيث يعد أنه منهم، ولا سيما إن أسلم ولم يهاجر قبل نسخ الهجرة، فإن ذلك من موانع الإرث، وقال أبو حنيفة: له الدية إن دخل إلى المشركين لأمر مهم، لقوله تعالى: {وإن كان من قوم}، ولم يقل فيهم {وَإن كَان مِن قوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} عهد، كأهل ذمتكم المعاهد لمدة، وفى معنى ذلك المستأمن والمستجير {فَـ} على القاتل {دِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إَلَى أَهْلِهِ} وهم أهل شرك، وهى ثلث دية المسلم، إن كان يهوديا أو نصرانيا أو صابئا، وثمانمائة درهم إن كان مجوسيا ثلثا عشر دية المسلم، والوثني وغيره من المشركين ستمائة، وقال مالك والشافعي دية الكتابى نصف دية المسلم، وقال الشافعى دية المجوس ثلثا عشر دية المسلم، ودية المؤمن المقتول لأهله المشركين، على أنها غير إرث، ومن نزلها كالإرث قال لبيت المال {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةً مُّؤْمِنَةِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ} فى تلك المسائل رقبة مؤمنة بشراء ولا إرث ولا هبة، ولا بعوض ما، أو وجدها ولم يجد ما يشتريها به فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وسائر حوائجه الضرورية من المسكن ونحوه {فَصِيامُ شَهْرِينَ مُتَتَابِعَيْنِ} فإن اختل التتابع ولو بأمر ضرورى كخوف الموت بالجوع أو بنية صوم آخر استأنف إلا إن فطرت بحيض أو نفاس فلا تستأنف، وقيل فى كل ما لا يمكن التحرز عنه كموت بجوع وقتل جبار ومرض أنه لا يخل بالتتابع، وإن لم يستطع الصوم فلا إطعام عليه عندنا، وفى أصح الشافعى، وله قول بالإطعام إذا لم يستطع الصوم حملا لهذا الإطلاق على التقييد فى الظهار، والذى عندي أن الحمل فى الأوصاف لموصوف واحد لا في الأصول وهنا الأصول إذ ما هنا قتل، وماهنا لك ظهار، وأصحابنا اعتبروا الصفة وجعلوا الموصوف الكفارة، فحملوا العتق فى الظهار على العتق فى القتل، فخصوه بالمؤمنة كما فى القتل، بقى أنه إذا لم لم يستطع الصوم نواه، وأوصى به، أو أخبر عليه ولا كفارة فى العمد، والشافعى يقول هو أولى بها من الخطأ، وعن الضحاك الصيام لمن لم يجد رقبة، وأما الدية يبطلها شىء {تَوْبَةً مِّنَ اللهِ} الأصل تاب الله عليه توبة، من الأثقل، وهو التحرير، إلى الأخف وهو الصوم، أو تاب الله عليكم توبة، بمعنى قبل الله توبتكم، بمعنى أنه ساهلكم بالأيسر، وإلا فالخطأ لا ذنب فيه، فيتاب منه أو عد إهمال الحذر ذئبا يتاب منه، وشرع الله ذلك توبة منه وعد ندم الخاطىء توبة جائية من الله له {وَكانَ اللهُ علِيماً} بحاله أنه لم يتعمد {حَكِيماً} فى قضائه وقدره إذ لم يعاقبه عقاب المتعمد متقنا لأمره لكمال علمه، روى أنه صلى الله عليه وسلم أرسل رجلا من بنى فهر إلى بنى النجار مع قيس بن ضبابة، وقد وُجد أخوه قتيلا فيهم، وقال أقرئهم السلام، وقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أحيه ليقتله، وإلا فديته عليكم، فقالوا: سمعا وطاعة لله ورسوله، والله لا نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدى ديته، فأعطوه مائة بعير، فرجعنا إلى المدينة، فقال: قبول دية أخى عار، ولكن أقتل الفهرى نفسا بنفس، والدية زائدة ففعل، وساق الإبل إلى أن مات مرتدا فنزل قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِناً} موحداً ولو كان عند الله شقياً {مُتَعَمِّداً فَجَزَآؤهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ} قضى الله عليه بالشقوة {عَلَيْهِ} عطف فعليه على اسمية أوعلى حكم عليه بذلك مقدراً{وَلَعَنَهُ} أبعده عن رحمته فلا ينالها أبدا أو ذمه إلى الملائكة {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاياً عَظِيماً} فى قبره وحشره، وموقفه، وضرب الملائكة والزقوم، والزمهرير، وذلك كله غير الإحراق بالنار، والمراد بقوله {فجزاؤه جنهم}، إلا إن تاب، لقوله تعالى {أية : وإنى لغفار لمن تاب} تفسير : [طه: 82]، وقوله تعالى: {أية : إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} تفسير : [الفرقان: 70]، ولأنه إذا كان يغفر للمشرك فأولى أن يغفر للقاتل عمداً إن تاب، ولا يقال قوله إلا من تاب عنه، وقوله: {أية : لا يقتلون النفس التى حرم الله} تفسير : [الفرقان: 68]، شامل للمؤمنة، فالتوبة من قتل النفس المؤمنة مقبولة، ولو قتلت عمداً، ولا يقبل قول غير هذا، روى البيهقى ذلك عن ابن عباس وروى البخارى ومسلم عنه: أنه لا تقبل توبته، فإما أن يريد التشديد على من يناسبه هذا التشديد به فيكف به ولا ييأس، ويقصد بفتوى القبول من سأله وناسبته، وإما أن يريد بنفى القبول من قتله استحلالا كما فسر بعض به الآية، إلا أن فى هذا نظراً فإن مستحله مرتد، وتوبته تقبل كما تقبل توبة المشرك، وخالدا حال من هاء جزاؤه، لأن المضاف صالح للعمل، وهو مصدر، فيكون عامله وعامل الخبر واحداً، وهو جزاء فينتفى الفصل بأجنبى أو من هاء فجزاؤه مقدرا، أو من ضميره المستتر، وقاتل العمد يقتل ولا كفارة عليه، وإن عفى عنه أو أعطى الدية فعليه كفارة القتل، قال ابن عباس رضى الله عنهما، مرت سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأميرها غالب بن فضالة الليثى بمرداس بن نهيك من أهل فدك، ونسبه فى بنى سليم مع بعض قومه ولم يسلم من قومه سواه وهربوا، وأقام وألجأ غنمه إلى عاقول الجبل، ولما تلاحقت الخيل سمع تكبيرهم فعرف أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل، ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليكم، فتركه المقداد، فقتله أسامة بن زيد بسيفه وساق غنمه، ولما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبقهم الخبر، فوجد عليه وجداً شديداً، وقال صلى الله عليه وسلم: أقتلتموه إرادة ما معه، وقرأ على أسامة ما نزل فى ذلك من قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا} الخ، فقال يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح، وتعوذاً لغنمه، فقال: حديث : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم، أقالها لذلك نفاقا! فقال: استغفر لى يا رسول الله، فقال: كيف أنت بلا إله إلا الله، كيف أنت بلا إله إلا الله، كيف أنت بلا إله إلا الله ثلاثا، قال أسامة، وددت أنى لم أسلم إلا يومئذ ثم استغفر لى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال اعتق رقبةتفسير : ، ونزلت أيضاً فى محلم بن جثامة، إذ مر به رجل على قعود معه متيّع ووطب من لبن، فسلم بتحية الإسلام فقتله محلم، وأخذ متيعه، وكان بينه وبين الرجل شىء من العداوة كما رواه أحمد والطبرانى، وابن المنذر وغيرهما عن عبد الله بن أبى حدود الأسلمى، قال عبد الله بن أبى حذره لما رجعنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية وذكر ابن عمر: أن محلما قعد فى بردين بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له، فقال لا غفر الله لك، فقام يتلقى دموعه ببرديه فما مضت ساعة حتى مات، ودفنوه فلفظته الأرض، فأخبروه صلى الله عليه وسلم بذلك فقال حديث : إن الأرض تقبل مع هو شر منه، ولكن أراد الله أن يعظكم بهتفسير : ، وألقوا عليه الحجارة تحت جبل، وروى أنهم أعادوا له قبراً، فلفظه أيضا، روى أنهم ألقوه بعد ذلك فى غار، وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله قالها متعوداً، قال: أفلا شققت عن قلبه؟ قال: لمَ يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادق هو أم كاذب، قال: كنت عالما ذلك يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: إنما كان يبين عنه لسانه"تفسير : ، وكان قول لا إله إلا الله عنواناً على الإسلام، ومتضمناً لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم على عهده صلى الله عليه وسلم لفشو الشرك وتضمن هذه الجملة الوحدانية. {إِذَا ضَرَبْتُمْ} سافرتم {فِى سَبِيلِ اللهِ} للجهاد {فَتَبَيَّنُوا} تثبتوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وتعرفوا ما تقدمون عليه {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقى إلَيْكُمُ السَّلاَمَ} الانقياد للإيمان ولو تحت السيف {لَستَ مُؤْمِناً} فقتلوه، تقولون، بل أردت بكلمة الشهادة نجاة نفسك ومالك، وفى قلبك شرك فإن الغيب لله، وأنه قد يقولها لتنجيه ذلك ثم يستمر عليها من بعد {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا} مالها كغنم مرداس، فيتغلب عليكم قول لست مؤمناً {فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَة} لأن عند الله مغانم كثيرة تغنيكم عن قتل من لا يستحق القتل لما له أى ما يغنم، وأصل المغنم المصدر أو المكان أو الزمان، ثم يطلق على ما يؤخذ من مال العدو قهراً {كَذَلِكَ} الرجل الذى ألقى إليكم السلام {كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} تلقون السلام، فيقبل منكم بظارهه فتعصم دماؤكم وأموالكم، ولا تكلفون سرائركم، فمنكم مخلص ومنكم غير مخلص، ثم أخلص كما قال {فَمَنَّ اللهُ عَلْيكُمْ} بالاستقامة، ومنهم من خالف ذلك، وحسابه إلى الله، إما أن يفتضح فى الدنيا أو فى الآخرة، أو كذلك كنتم مشركين، ثم منَّ الله عليكم بالإسلام وزيادة إعلان الإسلام بعد خفائه {فَتبَيَّنُوا} أن تقتلوا مؤمناً، وعاملوا بالظاهر كما عوملتم، فإبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل مؤمن، وإيمان المكره يصح، وهذا تأكيد للأول، أو تبينوا نعمة الله وتثبتوا فيها، فهو تأسيس وهو أولى {إنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} لا يفوته جزاؤكم وعن سعيد بن المسيب، مر المقداد بن الأسود فى سرية، فمر برجل فى غنيمة له، فقال: إنى مسلم، فقتله المقداد، وأخذ غنيمته، فذكروا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : قتلته وهو مسلم؟"تفسير : فقال المقداد: ودلو فر بأهله ومات فنزلت الآية.
الالوسي
تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} شروع في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين والمنافقين، وقيل: لما رغب سبحانه في قتال الكفار ذكر إثره ما يتعلق بالمحاربة في الجملة أي ما صح له وليس من شأنه {أَن يَقْتُلَ} بغير حق {مُؤْمِناً } فإن الإيمان زاجر عن ذلك {إِلاَّ خَطَئاً} فإنه مما لا يكاد يحترز عنه بالكلية وقلما يخلو المقاتل عنه، وانتصابه إما على أنه حال أي ما كان له أن يقتل مؤمناً في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، أو على أنه مفعول له أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ فالاستثناء في جميع ذلك مفرغ وهو استثناء متصل على ما يفهمه كلام بعض المحققين، ولا يلزم جواز القتل خطأ شرعاً حيث كان المعنى أن من شأن المؤمن أن لا يقتل إلا خطأ. وقال بعضهم: الإستثناء في الآية منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر، وقيل: إلا بمعنى ولا، والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ، وقيل: الإستثناء من مؤمن أي إلا خاطئاً، والمختار مع الفصل الكثير في مثل ذلك النصب، والخطأ ما لا يقارنه القصد إلى الفعل أو الشخص، أو لا يقصد به زهوق الروح غالباً، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه، وقرىء ـ خطاء ـ بالمد ـ وخطا ـ بوزن عمى بتخفيف الهمزة، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أن عياش بن أبـي ربيعة المخزومي ـ وكان أخا أبـي جهل والحرث بن هشام لأمهما ـ أسلم وهاجر إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وكان أحب ولد أمه إليها فشق ذلك عليها فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، فأقبل أبو جهل والحرث حتى قدما المدينة فأخبرا عياشاً بما لقيت أمه، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع وأعطياه ـ موثقاً أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمداً إليه فشداه وثاقاً وجلداه نحواً من مائة جلدة، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه فقدما به مكة فلم يزل محبوساً حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم، وعياش لا يعلم بإسلامه فضربه حتى قتله فأخبر بعد بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فنزلت، وروي مثل ذلك عن مجاهد وعكرمة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد «حديث : أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلاً من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله فبدر فضربه، / ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبـي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟! فقال: كيف بـي يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فكيف بلا إله إلا الله؟! وتكرر ذلك ـ قال أبو الدرداء ـ فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إسلامي ثم نزل القرآن»تفسير : . {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي فعليه ـ (أي فواجبه) تحرير رقبة ـ والتحرير الإعتاق؛ وأصل معناه جعله حراً أي كريماً لأنه يقال لكل مكرم حر، ومنه حر الوجه ـ للخد ـ وأحرار الطير، وكذا تحرير الكتاب من هذا أيضاً، والمراد بالرقبة النسمة تعبيراً عن الكل بالجزء، قال الراغب: إنها في المتعارف للمماليك كما يعبر بالرأس والظهر عن المركوب، فيقال: فلان يربط كذا رأساً وكذا ظهراً {مُؤْمِنَةٍ} محكوم بإيمانها وإن كانت صغيرة، وإلى ذلك ذهب عطاء، وعن ابن عباس والشعبـي وإبراهيم والحسن لا يجزىء في كفارة القتل الطفل ولا الكافر، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال في حرف أبـي: (فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبـي)، وفي الآية رد على من زعم جواز عتق كتابـي صغير أو مجوسي كبير أو صغير، واستدل بها على عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حسب الميراث، فقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة» عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها، ويقضي منها الدين وتنفذ الوصية ولا فرق بينها وبين سائر التركة، وعن شريك لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها؛ وذلك خلاف قول الجماعة، وتجب الرقبة في مال القاتل، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله. {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي يتصدق أهله عليه، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه، وقد أخرج الشيخان عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل معروف صدقة» تفسير : وهو متعلق بعليه المقدَّر قبل، أو ـ بمسلمة ـ أي فعليه الدية أو يسلمها في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بها فحينئذ تسقط ولا يلزم تسليمها، وليس فيه ـ كما قيل ـ دلالة على سقوط التحرير حتى يلزم تقدير عليه آخر قبل قوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} فالمنسبك في محل نصب على الإستثناء، وقال الزمخشري: إن المنسبك في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف، وتعقبه أبو حيان بأن كلا التخريجين خطأ لأن {أَنْ} والفعل لا يجوز وقوعهما حالاً، ولا منصوباً على الظرفية ـ كما نص عليه النحاة ـ وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع {أنْ} وصلتها موقع ظرف الزمان بقوله:شعر : فقلت لها لا تنكحيه فإنه لأول سهم (أن) يلاقي مجمعا تفسير : أي لأول سهم زمان ملاقاته، وابن مالك ـ كما قال السفاقسي ـ يقدر في الآية والبيت حرف الجر أي بأن يصدقوا وبأن يلاقي، وقرأ أبـي ـ إلا أن يتصدقوا. {فَإن كَانَ} أي المقتول خطأ {مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ} أي كفار يناصبونكم الحرب {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه بأن أتاهم بعد (أن أسلم) لمهم، أو بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، والآية نزلت ـ كما قال ابن جبير ـ في مرداس بن عمرو لما قتله خطأ أسامة بن زيد {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ لا وراثة بينه وبين أهله {وَإِن كَانَ} / أي المقتول المؤمن ـ ما روي عن جابر بن زيد ـ {مِن قَوْمٍ} كفار {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ} أي عهد مؤقت أو مؤبد {فِدْيَةٌ} أي فعلى قاتله دية {مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} من أهل الإسلام إن وجدوا، ولا تدفع إلى ذوي قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين إذ لا يرث الكافر المسلم، ولعل تقديم هذا الحكم ـ كما قيل ـ مع تأخير نظيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشياً عن توهم نقض الميثاق {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} كما هو حكم سائر المسلمين، ولعل إفراده بالذكر ـ كما قيل ـ أيضاً مع اندراجه في حكم ما سبق في قوله سبحانه: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً} الخ لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما منعه كونه بين المحاربين. وقيل: المراد بالمقتول هنا أحد أولئك القوم المعاهدين فيلزم قاتله تحرير الرقبة، وأداء الدية إلى أهله المشركين للعهد الذي بيننا وبينهم، وروي ذلك عن ابن عباس والشعبـي وأبـي مالك، واستدل بها على أن دية المسلم والذمي سواء لأنه تعالى ذكر في كل الكفارة والدية فيجب أن تكون ديتهما سواءاً كما أن الكفارة عنهما سواء. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن شهاب قال: بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم؛ وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن دية أهل الكتاب كانت على عهد النبـي صلى الله عليه وسلم النصف من دية المسلمين وبذلك أخذ مالك. وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشرها، وزعم بعضهم وجوب الدية أيضاً فيما إذا كان المقتول من قوم عدو لنا وهو مؤمن لعموم الآية الأولى، وأن السكوت عن الدية في آيته لا ينفيها، وإنما سكت عنها لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهله لأنهم كفار بل تكون لبيت المال، فأراد أن يبين بالسكوت أن أهله لا يستحقون شيئاً، وقال آخرون إن الدية تجب في المؤمن إذا كان من قوم معاهدين، وتدفع إلى أهله الكفار وهم أحق بديته لعهدهم، ولعل هؤلاء لا يعدون ذلك إرثاً إذ لا يرث الكافر ـ ولو معاهداً ـ المسلم كما برهن عليه. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن {فَصِيَامُ} أي فعليه صيام {شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} قال مجاهد: لا يفطر فيهما ولا يقطع صيامهما، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامهما جميعاً، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستين مسكيناً لكل مسكين مدّ، رواه ابن أبـي حاتم. وأخرج عنه أيضاً أنه قال: فمن لم يجد دية أو عتاقة فعليه الصوم، وبه أخذ من قال: إن الصوم لفاقد الدية والرقبة يجزيه عنهما، والاقتصار على تقدير الرقبة مفعولاً ـ هو المروي عن الجمهور ـ وأخرج ابن جرير عن الضحاك أنه قال: الصيام لمن لم يجد رقبة، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء، ثم قال ـ وهو الصواب ـ لأن الدية في الخطأ على العاقلة والكفارة على القاتل، فلا يجزىء صوم صائم عما لزم غيره في ماله، واستدل بالآية من قال: إنه لا إطعام في هذه الكفارة، ومن قال: ينتقل إليه عند العجز عن الصوم قاسه على الظهار وهو أحد قولين للشافعي رحمه الله تعالى، وبذكر الكفارة في الخطأ دون العمد، من قال: أن لا كفارة في العمد، والشافعي يقول: هو أولى بها من الخطأ {تَوْبَةً} نصب على أنه مفعول له أي شرع لكم ذلك توبة أي قبولاً لها من تاب الله تعالى عليه إذا قبل توبته، وفيه إشارة إلى التقصير بترك الاحتياط. / وقيل: التوبة هنا بمعنى التخفيف أي شرع لكم هذا تخفيفاً عليكم، وقيل: إنه منصوب على الحالية من الضمير المجرور في ـ عليه ـ بحذف المضاف أي فعليه صيام شهرين حال كونه ذا توبة، وقيل: على المصدرية أي تاب عليكم توبة، وقوله سبحانه: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة أي توبة كائنة من الله تعالى. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بجميع الأشياء التي من جملتها حال هذا القاتل {حَكِيماً} في كل ما شرع وقضى من الأحكام التي من جملتها ما شرع وقضى في شأنه.
ابن عاشور
تفسير : انتقالُ الغرض يعيد نشاط السامع بتفنّن الأغراض، فانتقل من تحديد أعمال المسلمين مع العدوّ إلى أحكام معاملة المسلمين بعضهم مع بعض: من وجوب كفّ عُدوان بعضهم على بعض. والمناسبة بين الغرض المنتقل منه والمنتقَل إليه: أنّه قد كان الكلام في قتال المتظاهرين بالإسلام الذين ظهر نفاقهم، فلا جرم أن تتشوف النفس إلى حكم قتل المؤمنين الخلّص وقد روي أنّه حدث حادثُ قتلِ مُؤمن خطأ بالمدينة ناشىء عن حزازات أيّام القتال في الشرك أخطأ فيه القاتل إذ ظنّ المَقتول كافراً. وحادثُ قتل مؤمن عمداً ممّن كان يظهر الإيمان، والحادث المشار إليه بقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا}تفسير : [النساء: 94] وأنّ هذه الآيات نزلت في ذلك، فتزداد المناسبة وضوحاً لأنّ هذه الآية تصير كالمقدمة لما ورد بعدها من الأحكام في القتل. هَوّل الله تعالى أمر قتل المسلم أخاه المسلم، وجعله في حَيّز ما لا يكون، فقال: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً} فجاء بصيغة المبالغة في النفي، وهي صيغة الجحود، أي ما وُجد لمؤمن أن يقتل مؤمناً في حال من الأحوال إلاّ في حال الخطأ، أو أن يَقتُل قَتْلاً من القتل إلاّ قَتْل الخطأ، فكان الكلام حصراً وهو حصر ادّعائي مراد به المبالغة كأنّ صفة الإيمان في القاتل والمقتول تنافي الاجتماع مع القتل في نفس الأمر منافاة الضدّين لقصد الإيذان بأنّ المؤمن إذا قتل مؤمناً فقد سُلب عنه الإيمان وما هو بمؤمن، على نحو «ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» فتكون هذه الجملة مستقلّة عمّا بعدها، غير مراد بها التشريع، بل هي كالمقدّمة للتشريع، لقصد تفظيع حال قتل المؤمنِ المؤمنَ قتلاً غيرَ خطإ، وتكون خبرية لفظاً ومعنًى، ويكون الاستثناء حقيقيّاً من عموم الأحوال، أي ينتفي قتل المؤمن مؤمناً في كلّ حال إلاّ في حال عدم القصد، وهذا أحسن ما يبدو في معنى الآية. ولك أن تجعل قوله: {وما كان لمؤمن} خبراً مراداً به النهي، استعمل المركّب في لازم معناه على طريقة المجاز المرسل التمثيلي، وتجعل قوله: {إلاّ خطئاً} ترشيحاً للمجاز: على نحو ما قرّرناه في الوجه الأوّل، فيحصل التنبيه على أنّ صورة الخطأ لا يتعلّق بها النهي، إذ قد عَلم كلّ أحد أنّ الخطأ لا يتعلّق به أمر ولا نهي، يعني إن كان نوع من قتل المؤمن مأذوناً فيه للمؤمن، فهو قتل الخطأ، وقد عُلم أنّ المخطىء لا يأتِي فعلَه قاصداً امتثالاً ولا عصياناً، فرجع الكلام إلى معنى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً قتلاً تتعلّق به الإرادة والقصدُ بحال أبداً، فتكون الجملة مبدأ التشريع، وما بعدها كالتفصيل لها؛ وعلى هذين الوجهين لا يشكل الاستثناء في قوله: {إلاّ خطئاً}. وذهب المفسّرون إلى أنّ {ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً} مراد به النهي، أي خبر في معنى الإنشاء فالتجأوا إلى أنّ الاستثناء مُنقطع بمعنى (لَكِن) فراراً من اقتضاء مفهوم الاستثناء إباحةَ أن يقتل مؤمن مؤمناً خطأ، وقد فهمت أنّه غير متوهّم هنا. وإنّما جيء بالقيد في قوله: {ومن قتل مؤمناً خَطَئاً} لأنّ قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً} مراد به ادّعاء الحصر أو النهيُ كما علمتَ، ولو كان الخبر على حقيقته لاستغنى عن القيد لانحصار قتل المؤمن بمقتضاه في قتل الخطأ، فيستغنى عن تقييده به. روى الطبري، والواحدي، في سبب نزول هذه الآية: أنّ عيّاشاً بن أبي ربيعة المخزومي كان قد أسلم وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان أخَاً أبي جهل لأمّه فخرج أبو جهل وأخوه الحارث ابن هشام والحارث بن زيد بن أبي أنيسة في طلبه، فأتوه بالمدينة وقالوا له: إنّ أمّك أقسمت أن لا يُظلِهَّا بيت حتّى تراك، فارجع معنا حتّى تنظر إليك ثم ارجع، وأعطوه موثقاً من الله أن لا يُهجوه، ولا يحولوا بينه وبين دِينه، فخرج معهم فلمّا جاوزوا المدينة أوثقوه، ودخلوا به مكة، وقالوا له «لا نحلّك من وثاقك حتّى تكفر بالذي آمنت به». وكان الحارثُ بنُ زيد يجلده ويعذّبه، فقال عيّاش للحارث «والله لا ألقاك خالياً إلاّ قتلتك» فبقي بمكة حتّى خرج يوم الفتح إلى المدينة فلقي الحارث بن زيد بقُباء، وكان الحارثُ قد أسلم ولم يَعلم عياش بإسلامه، فضربه عياشٌ فقتله، ولما أعلم بأنّه مسلم رجع عيّاش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي صنع فنزلت: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً} فتكون هذه الآية قد نزلت بعد فتح مكة. وفي ابن عطية: قيل نزلت في اليمان، والد حذيفة بن اليمان، حين قتله المسلمون يوم أحُد خطأ. وفي رواية للطبري: أنّها نزلت في قضية أبي الدرداء حين كان في سريّة، فعدل إلى شعب فوجد رَجلاً في غنم له، فحمَل عليه أبو الدرداء بالسيف، فقال الرجل «لا إلٰه إلاّ الله» فضربَه فقتله وجاء بغنمه إلى السرية، ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنزلت الآية. وقوله: {فتحرير رقبة} الفاء رابطة لِجواب الشرط، و(تحرير) مرفوع على الخبرية لمبتدأ محذوف من جملة الجواب: لظهور أنّ المعنى: فحكمهُ أو فشأنه تحرير رقبة كقوله: {أية : فصبر جميل}تفسير : [يوسف: 18]. والتحرير تفعيل من الحُريّة، أي جعل الرقبة حرّة. والرقبة أطلقت على الذات من إطلاق البعض على الكلّ، كما يقولون، الجزية على الرؤوس على كل رأس أربعة دنانير. ومن أسرار الشريعة الإسلامية حرصها على تعميم الحرية في الإسلام بكيفية منتظمة، فإنّ الله لمّا بعث رسوله بدين الإسلام كانت العبودية متفشيّة في البشر، وأقيمت عليها ثروات كثيرة، وكانت أسبابها متكاثرة: وهي الأسر في الحروب، والتصيير في الديوان، والتخطّف في الغارات، وبيع الآباء والأمّهات أبناءهُمْ، والرهائن في الخوف، والتداين. فأبطل الإسلام جميع أسبابها عدا الأسر، وأبقى الأسر لمصلحة تشجيع الأبطال، وتخويف أهل الدعارة من الخروج على المسلمين، لأنّ العربي ما كان يتقيّ شيئاً من عواقب الحروب مثل الأسر، قال النابغة:شعر : حذاراً على أن لا تُنال مَقادتي ولا نِسْوَتي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرا تفسير : ثم داوَى تلك الجراحَ البشرية بإيجاد أسباب الحرية في مناسبات دينية جمّة: منها واجبة، ومنها مندوب إليها. ومن الأسباب الواجبة كفّارة القتل المذكورة هنا. وقد جُعلت كفّارة قتل الخطأ أمرين: أحدهما تحرير رقبة مؤمنة، وقد جعل هذا التحرير بَدلاً من تعطيل حقّ الله في ذات القتيل، فإنّ القتيل عبد من عباد الله ويرجى من نسله من يقوم بعبادة الله وطاعة دينه، فلم يَخْل القاتل من أن يكون فوّت بقتله هذا الوصف، وقد نَبهتْ الشريعة بهذا على أنّ الحرية حياة، وأنّ العبودية موت؛ فمن تسبّب في موت نفس حيّة كان عليه السعي في إحياء نفس كالميتة وهي المستعبَدة. وسنزيد هذا بياناً عند قوله تعالى: {أية : وإذ قال مُوسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً} تفسير : في سورة المائدة (20)، فإنّ تأويله أنّ الله أنقذهم من استعباد الفراعنة فصاروا كالملوك لا يحكمهم غيرهم. وثانيهما الدية. والديّةُ مال يدفع لأهل القتيل خطأ، جبراً لمصيبة أهله فِيه من حيوان أو نقدين أو نحوهما، كما سيأتي. والدية معروفة عند العرب بمعناها ومقاديرها فلذلك لم يفصّلها القرآن. وقد كان العرب جعلوا الدية على كيفيات مختلفة، فكانت عوضاً عن دم القتيل في العمد وفي الخطأ، فأمّا في العمد فكانوا يتعيّرون بأخذها. قال الحَماسي:شعر : فلَوْ أنّ حَيّا يقبل المال فدية لَسُقْنَا لهم سَيْباً من المال مُفْعَما ولكن أبى قومٌ أصيب أخُوهُمُ رِضَى العارِ فاخْتاروا على اللبن الدّما تفسير : وإذا رضى أولياء القتيل بدية بشفاعة عظماء القبيلة قدروها بما يتراضون عليه. قال زهير:شعر : تُعفَّى الكلوم بالمِئينَ فأصبحت يُنجِّمُها مَن ليس فيها بمجرم تفسير : وأمّا في الخطأ فكانوا لا يأبون أخذ الدية، قيل: إنّها كانت عشرة من الإبل وأنّ أوّل من جعلها مائة من الإبل عبد المطلب بن هاشم، إذ فدى ولده عبد الله بعد أن نذر ذبحه للكعبة بمائة من الإبل، فجرت في قريش كذلك، ثمّ تبعهم العرب، وقيل: أوّل من جعل الدية مائة من الإبل أبو سيارة عُمَيْلَةُ العَدواني، وكانت ديَة المَلِك ألفاً من الإبل، ودية السادة مائتين من الإبل، وديّة الحليف نصف دية الصّميم. وأوّل من وُدِي بالإبل هو زيد بن بكر بن هوازن. إذ قتله أخوه معاوية جدّ بني عامر بن صعصعة. وأكثر ما ورد في السنّة من تقدير الدية من مائة من الإبل مُخمسَّة أخماساً: عشرون حقّة، وعشرون جَذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون. ودية العمد، إذا رضي أولياء القتيل بالدية، مربَّعة: خمسٌ وعشرون من كلّ صنف من الأصناف الأربعة الأوّل. وتغلَّظ الدية على أحد الأبوين تغليظاً بالصنف لا بالعدد، إذا قتل ابنَه خطأ: ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة، أي نوقاً في بطونها أجنّتُها. وإذا كان أهل القتيل غير أهل إبل نقلت الدية إلى قيمة الإبل تقريباً فجعلت على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنّه جعل الديّة على أهل البَقر مائتي بقرة، وعلى أهل الغنم ألفيَ شاةٍ. وفي حديث أبي داود أنّ الدية على أهل الحُلل، أي أهل النسيج مثل أهل اليمن، مائة حلّة. والحلّة ثوبان من نوع واحد. ومعيار تقدير الديات، باختلاف الأعصار والأقطار، الرجوع إلى قيمة مقدارها من الإبل المعيّن في السُّنَّة. ودية المرأة القتيلة على النصف من دية الرجل. ودية الكتابي على النصف من دية المسلم. ودية المرأة الكتابية على النصف من دية الرجل الكتابي. وتدفع الدية منجّمة في ثلاث سنين بعد كلّ سنة نجم، وابتداء تلك النجوم من وقت القضاء في شأن القتل أو التراوض بين أولياء القتيل وعاقلةِ القاتل. والدية بتخفيف الياء مصدر وَدَي، أي أعطى، مثل رمَى، ومصدره وَدْي مثل وعد، حذفت فاء الكلمة تخفيفاً، لأنّ الواو ثقيلة، كما حذفت في عِدّة، وعوّض عنها الهاء في آخر الكلمة مثل شِيَة من الوشي. وأشار قوله: {مسلَّمَةٌ إلى أهله} إلى أنّ الدية ترضية لأهل القتيل. وذُكر الأهل مجملاً فعُلم أنّ أحقّ الناس بها أقرب الناس إلى القتيل، فإنّ الأهل هو القريب، والأحقّ بها الأقرب. وهي في حكم الإسلام يأخذها ورثة القتيل على حسب الميراث إلاّ أنّ القاتل خطأ إذا كان وارثاً للقتيل لا يرث من ديته. وهي بمنزلة تعويض المتلفات، جعلت عوضاً لحياة الذي تسبّب القاتلُ في قتله، وربما كان هذا المعنى هو المقصود من عهد الجاهلية، ولذلك قالوا: تَكايُل الدّماء، وقالوا: هُما بَوَاء، أي كفآن في الدم وزادوا في دية سادتهم. وجَعَل عفوَ أهل القتيل عن أخذ الدية صدقة منهم ترغيباً في العفو. وقد أجمل القرآن من يجب عليه دفع الدية وبيّنته السنّة بأنّهم العاقلة، وذلك تقرير لِما كان عليه الأمر قبل الإسلام. والعاقلة: القَرابة من القبيلة. تجب على الأقرب فالأقرب بحسب التقدّم في التعصيب. وقوله: {فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن} الآية أي إن كان القتيل مؤمناً وكان أهله كفاراً، بينَهم وبين المسلمين عداوة، يقتصر في الكفّارة على تحرير الرقبة دون دفع دية لهم، لأنّ الدية: إذا اعتبرناها جبَراً لأولياء الدم، فلمّا كانوا أعداء لم تكن حكمة في جبر خواطرهم، وإذا اعتبرناها عِوضاً عن منافع قتيلهم، مثل قيم المتلفات، يَكون منعُها من الكفّار؛ لأنّه لا يرث الكافر المسلم، ولأنّا لا نعْطيهم مالَنا يَتقوون به علينا. وهذا الحكم متّفق عليه بين الفقهاء، إن كان القتيل المؤمن باقياً في دار قومه وهم كفّار فأمّا إن كان القتيل في بلاد الإسلام وكان أولياؤه كفّاراً، فقال ابن عبّاس، ومالك، وأبو حنيفة: لا تسقط عن القاتل ديته، وتُدفع لبيت مال المسلمين. وقال الشافعي، والأوزاعي، والثَّوري: تسقط الدية لأنّ سبب سقوطها أنّ مستحقيها كفّار. وظاهر قوله تعالى: {وإن كان من قوم عدوّ} أنّ العبرة بأهل القتيل لا بمكان إقامته، إذ لا أثر لمكان الإقامة في هذا الحكم ولو كانت إقامته غير معذور فيها. وأخبر عن {قوم} بلفظ {عدوّ} وهو مفرد، لأنّ فَعولاً بمعنى فاعل يكثر في كلامهم أن يكون مفرداً مذكَّراً غيرَ مطابق لموصوفه، كقوله: {أية : إنّ الكافرين كانُوا لكم عدوّاً مبيناً}تفسير : [النساء: 101] {أية : لا تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء}تفسير : [الممتحنة: 1] {أية : وكذلك جعلنا لكلّ نبي عدوّاً شياطين الإنس}تفسير : [الأنعام: 112]، وامرأة عدوّ وشذّ قولهم عَدوّة. وفي كلام عمر بن الخطاب في «صحيح البخاري» أنّه قال للنسوة اللاتي كنّ بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلمّا دخل عمر ابتدرن الحجاب لمّا رأينه «يا عدوّات أنفُسِهِنُّ». ويجمع بكثرة على أعداء، قال تعالى: {أية : ويوم نحشر أعداء الله إلى النار}تفسير : [فصلت: 19]. وقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي إن كان القتيل المؤمن. فجعل للقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق، أيّ عهدٌ من أهل الكفر، ديةَ قتيلهم المؤمننِ اعتداداً بالعهد الذي بيننا ــــ وهذا يؤذن بأنّ الدية جبر لأولياء القتيل، وليست مالاً موروثاً عن القاتل، إذ لا يرث الكافر المسلم، فلا حاجة إلى تأويل الآية بأن يكون للمقتول المؤمن وارثٌ مؤمنٌ في قوم معاهدَين، أو يكون المقتول معاهداً لا مؤمناً، بناء على أنّ الضمير في «كان» عائد على القتيل بدون وصف الإيمان، وهو تأويل بعيد لأنّ موضوع الآية فيمن قَتل مؤمناً خطأ. ولا يهولنّكم التصريح بالوصف في قوله: {وهو مؤمن} لأنّ ذلك احتراس ودفع للتوهّم عند الخبر عنه بقوله: {من قوم عدوَ لكم} أن يَظُنَ أحد أنّه أيضاً عدوّ لنا في الدّين. وشرط كون القتيل مؤمناً في هذا لحكم مدلول بحَمْل مطلقه هنا على المقيَّد في قوله هنالك {وهو مؤمن}، ويكون موضوع هذا التفصيل في القتيل المسلم خطأ لتصدير الآية بقوله: {ومن قَتَل مؤمناً خطئاً}، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة. وذهبت طائفة إلى إبقاء المطلق هنا على إطلاقه، وحملوا معنى الآية على الذمّي والمعاهَد، يُقتل خطأ فتجب الدية وتحريرُ رقبة، وهو قول ابن عباس، والشعبي، والنخعي، والشافعي، ولكنّهم قالوا: إنّ هذا كان حكماً في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين المسلمين صلح إلى أجل، حتّى يسلموا أو يؤذَنوا بحَرب، وإنّ هذَا الحكم نسِخ. وقوله: {فصيام شهرين متتابعين} وصف الشهران بأنّهما متتابعان والمقصود تتابع أيامهما. لأنّ تتابع الأيام يستلزم توالي الشهرين. وقوله: «توبة من الله» مفعول لأجله على تقدير: شرع الله الصيام توبة منه. والتوبة هنا مصدر تاب بمعنى قبل التوبة بقرينة تعديته بـــ (من)، لأنّ تاب يطلق على معنى ندم وعلى معنى قبل منه، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : إنما التوبة على الله}تفسير : [النساء: 17] في هذه السورة، أي خفّف الله عن القاتل فشرع الصيام ليتوب عليه فيما أخطأ فيه لأنّه أخطأ في عظيم. ولك أن تجعل {توبة} مفعولاً لأجله راجعاً إلى تحرير الرقبة والدية وبَدلِهِما، وهو الصيام، أي شرع الله الجميع توبة منه على القاتل، ولو لم يشرع له ذلك لعاقبهُ على أسباب الخطأ، وهي ترجع إلى تفريط الحذر والأخذ بالحزم. أو هو حال من «صيام»، أي سببَ توبة، فهو حال مجازية عقلية.
الواحدي
تفسير : {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً} ألْبَتَّةَ {إلاَّ خطأ} إلاَّ أنَّه قد يخطىء المؤمن بالقتل {ومَنْ قتل مؤمناً خطأ} مثل أن يقصد بالرَّمي غيره فأصابه {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} إلى جميع ورثته {إلاَّ أن يصدقوا} أَيْ: يعفوا ويتركوا الدية {فإن كان} المقتول {من قوم} حربٍ لكم وكان مؤمناً {فتحرير رقبة مؤمنة} كفارةً للقتل، ولا دية، لأنَّ عصبته وأهله كفَّار فلا يرثون ديته {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} كأهل الذِّمة فتجب فيه الدِّية والكفَّارة {فمن لم يجد} الرَّقبة {فصيام شهرين متتابعين توبة من الله} أَيْ: ليقبل الله توبة القاتل حيث لم يبحث عن المقتول وحاله، وحيث لم يجتهد حتى لا يخطىء. {ومَنْ يقتل مؤمناً متعمداً...} الآية. غلَّظ الله وعيد قاتل المؤمن عمداً للمبالغة في الرَّدع والزَّجر. {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم} أَيْ: سرتم {في الأرض فتبيَّنوا} أَيْ: تأنَّوا وتثَّبتوا. نزلت في رجلٍ كان قد انحاز بغنمٍ له إلى جبلٍ، فلقي سريةً من المسلمين عليهم أسامة بن زيد، فأتاهم وقال: السَّلام عليكم، لا إله إلاَّ الله، محمد رسول الله، وكان قد أسلم، فقتله أسامة واستاقوا غنمه، فنزلت نهياً عن سفك دم مَنْ هو على مثل هذه الحالة، وذلك أنَّ أسامة قال: إنَّما قالها مُتعوِّذاً، فقال الله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} أَيْ: حيَّاكم بهذه التَّحيَّة {لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا} أَيْ: متاعها من الغنائم {فعند الله مغانم كثيرة} يعني: ثواباً كبيراً لمَنْ ترك قتل مَنْ ألقى إليه السَّلام. {كذلك كنتم من قبل} كُفَّاراً ضُلالاً كما كان هذا المقتول قبل إسلامِهِ، ثمَّ منَّ الله عليكم بالإِسلام كما منَّ على المقتول، أَيْ: إنَّ كلَّ مَنْ أسلم ممَّن كان كافراً فبمنزلة هذا الذي تعوَّذ بالإِسلام قُبِلَ منه ظاهرُ الإِسلام، ثمَّ أعاد الأمر بالتبيُّن فقال: {فتبينوا إنَّ الله كان بما تعملون خبيراً} أَي: علم أنَّكم قتلتموه على ماله، ثمَّ حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله، وردَّ عليهم غنمه، واستغفر لأسامة، وأمره بعتق رقبةٍ. {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر} أي: الأصحَّاء الذين لا علَّة بهم تضرُّهم وتقطعهم عن الجهاد. لا يستوي هؤلاء {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين} من أهل العذر {درجةً}؛ لأنَّ المجاهدين باشروا الطَّاعة، والقاعدين من أهل العذر قصدوها، وإن كانوا في الهمَّة والنيَّة على قصد الجهاد، فمباشرة الطَّاعة فوق قصدها بالنِّيّة {وكلاً} من المجاهدين والقاعدين المعذورين {وعد الله الحسنى} الجنَّة {وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين} من غير عذرٍ {أجراً عظيماً}. {درجاتٍ منه} أَيْ: منازلَ بعضُها فوقَ بعضٍ، من منازل الكرامة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 92- إن تقسيم المنافقين ذلك التقسيم للاحتياط، حتى لا يُقْتَل مؤمن على ظن أنه منافق، لأن قتل المؤمن لا يجوز إلا أن يقع ذلك خطأ غير مقصود، وفى حال قتل المؤمن خطأ إن كان يعيش فى ولاية الدولة الإسلامية تدفع الدية لأهله تعويضاً عما فقدوه، وتعتق رقبة مؤمنة ليعوض جماعة المؤمنين عما فقدت، لأن عتق الرقبة المؤمنة إحياء لها بالحرية، فكأنه يكتفى بتحرير رقبة مؤمنة ليعوض المؤمنين عن فقده وإن كان ينتمى لقوم بينهم وبين المسلمين معاهدة سلم، فإنه يجب تحرير رقبة مؤمنة، وتسليم الدية لأهل المقتول، لأنهم لعهدهم لا يتخذونها لإيذاء المسلمين، وإذا كان القاتل خطأ لا يجد رقبة مؤمنة يعتقها، فإنه يصوم شهرين متتابعين لا يفطر يوما فيهما، لأن ذلك يكون تهذيباً لنفسه وتربية لها على الاحتراس، واللَّه - سبحانه وتعالى - عليم بالنفوس والنيات، حكيم يضع العقوبات فى مواضعها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إلا خطأ: أي إلا قتلاً خطأ وهو أن لا يتعمد قتله كأن يرمي صيداً فيصيب إنساناً. رقبة: أي مملوك عبداً كان أو أمة. مسلمة: مؤداة وافية. إلا أن يصدقوا: أي يتصدقوا بها على القاتل فلا يطالبوا بها ولا يأخذوها منه. ميثاق: عهد مؤكد بالأيمان. متعمداً: مريداً قتله وهو ظالم له. معنى الآيتين: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة قتال المنافقين متى يجوز ومتى لا يجوز ناسب ذكر قتل المؤمن الصادق في إيمانه خطأ وعمداً وبيان حكم ذلك فذكر تعالى في الآية الأولى [92] أنه لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا في حال الخطأ أما في حال العمد فلا يكون ذلك منه ولا يتأتى له وهو مؤمن لأن الإِيمان نور يكشف عن مدى قبح جريمة قتل المؤمن وما وراءها من غضب الله تعالى وعذابه فلا يقدم على ذلك اللهم إلا في حال الخطأ فهذا وارد وواقع، وحكم من قتل خطأ أن يعتق رقبة ذكراً كانت أو أنثى مؤمنة وأن يدفع الديّة لأولياء القتيل إلا أن يتصدقوا بها فلا يطالبوا بها ولا يقبلونها والدية مائة من الإِبل، أو ألف دينار ذهب، أو إثنا عشر ألف درهم فضة. هذا معنى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} فإن كان القتيل مؤمناً ولكن من قوم هم عدو للمسلمين محاربين فالواجب على القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، إذ لا تعطى الدية لعدو يستعين بها على حرب المسلمين وإن كان القتيل من قوم كافرين وهو مؤمن أو كافر ولكن بيننا وبين قومه معاهدة، على القاتل تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله، فمن لم يجد الرقبة صام شهرين متتابعين فذلك توبته لقوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} عليماً بما يحقق المصلحة لعباده حكيماً في تشريعه فلا يشرع إلا ما كان نافعاً غير ضار، ومحققاً للخير في الحال والمآل. هذا ما دلت عيله الآية الأولى أما الثانية [93] فإنها بنيت حكم من قتل مؤمناً عمداً عدواناً، وهو أن الكفارة لا تغني عنه شيئاً لما قضى الله تعالى له باللعن والخلود في جهنم إذ قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} إلا أن الدية أو القصاص لازمان ما لم يعف أولياء الدم فإن عفو عن القصاص ورضوا بالدية أعطوها وإن طالبوا بالقصاص اقتصوا إذ هذا حقهم وأما حق الله تعالى فإن القتيل عبده خلقه ليعبده فمن قتله فالله تعالى رب العبد خصمه وقد توعده بأشد العقوبات وأفظعها، والعياذ بالله تعالى وذلك حقه قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان أن المؤمن الحق لا يقع منه القتل العمد للمؤمن. 2- بيان جزاء القتل الخطأ وهو تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله. 3- إذا كان القتيل مؤمناً وكان من قوم كافرين محاربين فالجزاء تحرير رقبة ولا دية. 4- إذا كان القتيل من قوم بين المسلمين وبينهم ميثاق فالواجب الدية وتحرير رقبة. 5- من لم يجد الرقبة صام شهرين متتابعين. 6- القتل العمد العدوان يجب له أحد شيئين القصاص أو الدية حسب رغبة أولياء الدم وإن عفوا فلهم ذلك وأجرهم على الله تعالى، وعذاب الآخرة وعيد إن شاء الله أنجزه وإن شاء عفا عنه.
القطان
تفسير : تحرير رقبة: عتق عبد رقيق مؤمن. الدية: مبلغ من المال يدفعه القاتل لأهل القتيل. في هذه الآية الكريمة أحكام لعلاقات المسلمين بعضهم ببعض، وفيها أحكام تتناول ثلاثة حالات من القتل الخطأ. وهو المفروض ان يكون بين المسلمين، لأن المسلم لا يجوز ان يقتل أخاه المسلم أبداً، ولا قَتْلَ إلا في حدٍّ أو قَصاص. فالحالة الأولى: أن يقع القتل خطأً على مؤمن أهلُه مؤمنون في دار الاسلام. في هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة، وان تؤدى دِيَة، أي مبلغ من المال (حدّده النبي بمائة من الإبل أو ألف دينار) إلى اهل القتيل لتسكن ثائرة نفوسهم، وتعوّضهم عما فقدوه من نفع المقتول. هذا الا اذا عفا أهله وعفّوا عن الدية، وهو أقرب الى جو التعاطف والتسامح في المجتمع الاسلامي. وأما عِتق الرقبة فإنه تعويضٌ للمجتَمع المسلم عن القتيل المفقود، فمن أعدم نفساً مؤمنة تكون كفّارته أن يوجِد نفسا. والعتقُ كأنه إيجادٌ من جديد. فالإنسان حر، ولا يكمل وجوده إلا مع حريته. وفي هذه دليل كبير على ان الإسلام جاء ليحرّر لا ليسترقّ. وهنا معنى قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ}. والحالة الثانية: ان يقع القتل خطأ على مؤمن في دار الحرب وأهلُه محاربون للإسلام. وفي هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قُتلت، لكنه لا يجوز أداء الدية لقومه المحاربين، خشية ان يستعينوا بها على قتال المسلمين. ولا مجال هنا لاسترضاء أهل القتيل لأنهم أعداء للمسلمين. وهذا معنى قوله تعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. والحالة الثالثة: ان يقع القتل على رجل قومُه معاهدون للاسلام. وهنا يجب تحرير رقبة مؤمنة، ودفع الدية كاملة الى أهله. فالله سبحانه قد حرَّم قتل المعاهد كما حرم قتل المؤمن. ويقول بعض المفسّرين في هذه الحالة الثالثة اذا كان المقتول خطأ هو المؤمن فقط، وجبت الدية وعتق الرقبة. فمن لم يجد رقبة يفتديها أو عجز مالُه عن ذلك وجَبَ عليه صيام شهرين متتابعين، وذلك من باب "توبة من الله" شرعها لكم، ليتوب عليكم ويطهّر نفوسَكم من التهاون الذي يفضي إلى القتل الخطأ. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} والله عليم بأحوال النفوس وما يطهّرها، حكيم فيما شرعه من الاحكام والآداب التي تضمن إرشادكم الى سعادة الدارين.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَطَئاً} {مِّيثَاقٌ} (92) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: لاَ يَنْبَغِي لِلمُؤْمِن، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ، أنْ يَقْتُلَ أخَاهُ المُؤْمِنَ مُتَعَمِّداً، لأنَّ الإِيمَانَ يَمْنَعُهُ مِن اجْتِراحِ هَذِهِ الكَبِيرَةِ، لَكِنْ قَدْ يَقَعُ القَتْلُ مِنْهُ عَنْ خَطأ دُونَ قَصْدِ إزْهَاقِ الرُّوحِ، وَقَدْ يَقَعُ مِنْهُ ذَلِكَ أيْضاً عَن تَهَاوُنٍ أوْ عَدَمِ عِنَايَةٍ أوْ نِسْيَانٍ ... فَإِذا قَتَلَ مُؤْمِنٌ مُؤْمِناً خَطَأ، كَأنْ أَرَادَ رَمْيَ صَيْدٍ فَأصَابَ شَخْصاً فَقَتَلَهُ فَحُكْمُهُ كَالآتِي: - إذا قَتَلَ المُؤْمِنُ مُؤْمِناً خَطَأ فَعَلَيهِ أنْ يَدْفَعَ الدِيَةَ إلَى أهْلِ القَتِيلِ، إلاّ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ هَؤُلاَءِ، وَيَتَصَدَّقُوا عَلَيهِ بِهَا، وَعَلَيهِ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً. - إذَا كَانَ المَقْتُولُ مُؤْمِناً وَلَكِنَّهُ مِنْ قَوْمٍ أعْدَاءٍ، فَعَلَى القَاتِلِ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَفَّارَةَ عَمَلِهِ، وَلاَ تُدْفَعُ لأهْلِهِ دِيَةٌ لِكَيْلاَ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ. - إذَا كَانَ المَقْتُولُ مُؤْمِناً مِنْ قَومٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمِ القَاتِلِ مِيثَاقٌ، وَعَهْدٌ عَلَى عَدَمِ القِتَالِ، فَعَلَيهِ أَنْ يَدْفَعَ إليهِم الدِيَةَ، وَعَلَيهِ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً. فَإذا لَمْ يَجِدِ القَاتِلُ الدِيَةَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِ قِيمَتِهَا، أوْ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ إيجَادَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يَشْتَرِيها.. فَعَلَيهِ أنْ يَصُومَ شَهْرِينِ مُتَتَابِعَيْنِ، لاَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا إفْطَارٌ بِدُونِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنْ أفْطَرَ بِدُونِ عُذْرٍ كَانَ مَا صَامَهُ قَبْلاً بَاطِلاً، وَعَلَيهِ أنْ يُعِيدَ الصِّيَامَ مِنْ جَدِيدٍ حَتَّى يُتِمَّ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ. وَذَلِكَ تَكْفِيرٌ مِنْهُ عَنْ ذَنْبِهِ. وَكَانَ اللهُ عَليماً بِمَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ، حَكِيماً فِي شَرْعِهِ لَهُمْ مَا يُصْلِحُهُمْ.
الثعلبي
تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك إنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر رسول الله إلى المدينة وأسلم معه، ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله، وأن يبلغ أهل مكة إسلامه، فخرج هارباً من مكة إلى المدينة، ثم قدمها فكان أطماً من آطامها فتحصن فيه، فجزعت لذلك امه جزعاً شديداً، حين بلغها إسلامه، وخروجه إلى المدينة، فقالت: لابنها الحرث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه، والله لايظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرج في طلبه وخرج معهم الحرث ابن زيد بن أبي أنيسة من الكعبة إلى المدينة، فأتوا بالمدينة، فاتوا عياشاً وهو في الأطم "يعني الجبل" فقالا له: إنزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وقد حَلفت أن لا تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها. ذلك عهد الله علينا ان لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له خرج اليهم ثم حلفوا بالله، فنزل إليهم فأخرجوه من المدينة، ثم أوثقوه بنسع فجلده كل رجل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه وهي أسماء بنت مخرمة، فلما دخل قالت: والله لا أفكك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به. ثم تركوه متروكاً موثقاً في الشمس ماشاء الله ثم أعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحرث بن زيد، فقال له: ياعياش هذا الذي كنت عليه، فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كانت ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقاله، وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلاّ قتلتك، ثم أن حارثاً بعد ذلك أسلم وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وكان عياش يؤمئذ حاضراً، ولم يشعر باسلامه فبينا عياش حاضر إذ لقي الحرث بن زيد ولما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء [صنعت] إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد كان أمري وأمر الحرث ماقد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته، فنزل عليه قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} أي لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً وليس معنى قوله {وَمَا كَانَ} على النفي وإنما هو على التحريم والنهي كقوله {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 53]. ولو كان ذلك على النفي لما وجدت مؤمناً قتل مؤمناً قط لأنّ ما نفى الله لم يجز وجوده. كقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} تفسير : [النمل: 60] ولايقدر العباد على إنبات شجرها البتة. وقوله تعالى {إِلاَّ خَطَئاً} عندنا ليس من الأول للمعنى. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} البتة إلاّ أن المؤمن قد يخطىء في القتل وكفّارة خطأه ما ذكر بعده. قال أبو عبيدة: العرب تستثني الشيء من الشيء فليس منه على اختصار وضمير، أي ليس مؤمناً على حال، إلاّ أن يقتل مخطئاً فإن قتله مؤمناً فعليه، كذا وكذا، ومثله قوله {أية : ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ} تفسير : [النجم: 32] واللمم ليس من الكبائر ومعناه إلاّ أن يلم بالفواحش والكبائر أي يقرب منها. ومثله قول جرير: شعر : من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ على الأرض إلاّ ذيل برد مرجّل تفسير : فكأنه قال: لم يطأ على الأرض إلاّ أن يطأ ذيل البرد فليس هو من الأرض. وقال أبو خراش الهذلي: شعر : أمست سقام خلاء لا أنيس به إلاّ السباع ومرّ الريح بالغرف تفسير : الغرف متجر يعمل فيها الغرابيل، وسقام واد لهذيل وكان أبو عمر الهذلي يرتع ذلك ومثله قول الشاعر: شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلاّ اليعافير وإلاّ العيس تفسير : يقول: إلاّ أن يكون بها اليعافير والعيس. وقال بعضهم: إلاّ ههنا معنى لكن فكأنه قال {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} ولا عمداً إلاّ بحال. لكن إن قتله خطأ فكذا وكذا وهذا كقوله {أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً}تفسير : [النساء: 29] معناه لكن تجارة عن تراض منكم. وقوله {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي فعليه تحرير أي إعتاق {رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. قال المفسرون: المؤمنة المصلية المدركة التي حصّلت الإيمان، فإذا لم تكن المؤمنة جبرها الصغيرة المولود فما فوقه ممن ليس بها زمانة {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} أي كاملة إلى أهل القتيل الذين يرثهم ويرثونه {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية. {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} الآية على القاتل ولا دية لأهل القتيل، لأنهم كفار محاربون ومالهم في المسلمين وليس بينهم وبين الله عهد، ولا ذمّة وذلك ان الرجل كان يسلم ولا يسلم من تبعه غيره وقومه حرب للمسلمين فيصيبه الرجل. وروى حمّاد عن عطاء بن السائب عن ابن عباس قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيمرّ بهم جيش من جيش النبي صلى الله عليه وسلم [فيقتل فيمن يقتل فيعتق قاتله رقبة ولا دية له] فنزلت هذه الآية {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} وليست له دية، وكان الحرث بن زيد قتل مؤمناً من قوم كانوا حرباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه تحرير رقبة ولم يكن فيه دية ولكنّه لم يكن بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قومه عهد ثم قال {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} أي عهد فأصبتم رجلاً منهم {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} على الفاعل {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الرقبة {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} لا تفرق بين صيامه {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} وجعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بمن قتله خطئاً {حَكِيماً} فيمن حكم عليه. والدية في الخطأ، مائة من الإبل، عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقّة، وعشرون جذعة، ويكلف العاقلة غير إبله وجعل دونها، وإن لم يكن في بلده إبل كلّف إبل أقرب البلدان إليه، فإن أعوزت الإبل فقيمتها بالدنانير أو بالدراهم كما قوّمها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وكان قد كلف الأعرابي الذهب والورق لأنه لم يجد الإبل ويؤخذ ذلك من القروي لإعواز الإبل. فقال الشافعي في القديم: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثنا عشر ألف درهم. وأما [اسنان] المغلظة في شبه العمد والعمد إذا ردَّ إلى الدية ليربطون خلفه، [......] حقّه، وثلاثون جذعة. {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية نزلت في معين بن ضبابة الكناني، وذلك إنه وجد أخاه هشام بن ضبابة قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأرسل معه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني فهر، فقال له: أيت بني النجار؟ وأقرأهم السلام وقل لهم: إن رسول الله يأمركم ان علمتم قاتل هشام بن ضبابة فيقتص منه وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا له ديته فأبلغهم الفهري ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله والله ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدي ديته قال: فأعطوه مائة من الإبل ثم إنصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب غَرَّهُ الشيطان قال: فوسوس إليه، فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخاك فيكون عليك سبّة أقتل الذي معك فيكون نفساً مكان نفس ومعك الدية. قال: فغفل معين الفهري فرماه بصخرة فشدخ رأسه، ثم ركب بعيراً منها وساق بقيّتها راجعاً إلى مكة كافراً، فجعل يقول في شعره: شعر : قتلت به فهراً وحملت عقله سراة بني النجار،أرباب فارع وأدركت ثاري واضطجعت موسّداً وكنت إلى الأوثان،أوّل راجع تفسير : قول فيه {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} بكفره، وارتداده عن الإسلام. حكم هذه الآية فقالت الخوارج والمعتزلة: إنّها نزلت في المؤمن إذا قتل مؤمناً وهذا الوعيد لاحق به. وقالت المرجئة: إنّها نزلت في كافر قتل مؤمناً، فأما المؤمن إذا قتل مؤمناً فإنه لايدخل النار. وقالت طائفة من أصحاب الحديث، إنها نزلت في مؤمن قتل مؤمناً وواعد عليه مالبث إلاّ أن يتوب أو يستغفر. وقالت طائفة منهم: كل مؤمن قتل مؤمناً فهو خالد في النار غير مؤيد ويخرج منها بشفاعة وجزاء وزعموا انه لا توبه لمن قتل مؤمناً متعمداً. وعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً فإنه لايكفر بفعله ولا يخرج عن الإيمان، إلاّ إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال والديانة. فأما إذا لم يفعله على جهة الاستحلال والديانة فإنّ ديته قتيلاً ممن قتله وذلك كفارة له، فإن كان تائباً من ذلك ولم يكن منقاداً ممن قيل كانت التوبة لهذا كفارة له. وإن خرج من الدنيا بلا توبة ولا [قود] فأمره إلى الله إن شاء غفر له وأرضى خصمه بما شاء، وإن شاء عذبه على فعله ثم يخرجه بعد ذلك إلى الجنة التي وعدها إن شاء الله لايخلف وعداً وترك المجازاة بالوعيد يكون تفضلاً، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والدليل على أن المؤمن لايصير بقتله المؤمن كافراً ولا خارجاً من الإيمان أنّ الله تعالى حين ذكر إيجاب القصاص سمّى القاتل مؤمناً بقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178]. والقصاص لايكون إلاّ في قتل العمد فسمّاهم مؤمنين وآخى بينهم كقوله: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} تفسير : [البقرة: 178] فلم يرد به إلاّ أخوة الإيمان، والكافر لايكون أخاً للمؤمن. ثم قال {أية : ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} تفسير : [البقرة: 178] وذلك لا يلحق الكفار ثم أوجب على المعتدين بعد ذلك عذاباً أليماً بقوله {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 178]. ولم يرد مع مثلها الغضب، ولا التخليد في النار ولا يسمى هذا العذاب ناراً، والعذاب قد يكون ناراً وقد يكون غيرها في الدنيا، ألا ترى إلى قوله {أية : يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة: 14] يعني القتل والأسر، والدليل عليه قوله {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} تفسير : [المائدة: 6] مخاطباً المقاتلين فخاطب به المصلين ولو كان القتل يخرجهم من الإيمان، لجاز مخاطبتهم به لذلك قال الله {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجر: 9] واقتتال الطائفتين كان على العمد أو على الخطأ، والدليل عليه أيضاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يبلّغ أصحابه على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وعلى مافي القرآن ممن فعل من ذلك شيئاً، فكان عليه أجراً فهو كفارة له، ومن كفر بالله فأمره إلى الله عز وجل إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ولو كان القاتل خارجاً عن الإسلام. لم يكن لقول النبي صلى الله عليه وسلم معنى، وروي أنّ مؤمناً قتل مؤمناً متعمّداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأمر القاتل بالايمان من فعله ولو كان [كافراً] أو خارجاً عن الإيمان. لأمره أولاً بالإيمان. وقال: لطالب الدم أتعفو؟ قال: لا ثم قال أتأخذ الدية؟ قال: لا، فأمره بقتله ثم أعاد عليه مرتين أو ثلاثة حتى قبل الدية ولم يحكم على القاتل بالكفر، ولو كان ذلك كفراً لبينهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن بكفر كان قد حَرُمَ بها أهله عليه، ولم يجز على الرسول الإغفال عنه لأنه الناصح، الشفيق، المبعوث بالتأديب والتعليم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: "حديث : ثلاثة من أهل الإسلام. الكفّ عمّن قال: لا اله إلاّ الله لا نكفره بذنب [ولا نخرجه من الإسلام بعمل]، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن تقوم الساعة، والإيمان بالأقدار ". تفسير : ودليل آخر على إن القاتل لا يصير كافراً بالقتل وهو أن الكفر من الجحود وأيضاً الشرك اضافة، والقاتل لم يجحد ولم قبول الفرائض ولا أضاف إلى الله شركاء، ولو جاز أن يكون كافراً من لم يأت بالكفر فجاز أن يكون مؤمناً من لم يأت بالإيمان [......]. وقد تكلفت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية. وقيل: إن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً يدخل في النار مؤبداً لأنّ الله تعالى قال: {خَالِداً فِيهَا}. يقال لهم: إن هذه الآية نزلت في كافر قتل مؤمناً متعمداً. وقد ذكرنا القصة فيه وسياق الآية وروايات المفسرين [لها] على أنّا لو سلمّنا إنّها نزلت في مؤمن قتل مؤمناً متعمداً، فإنا نقول لهم: لِمَ قلتم إن الخلود هو التأبيد، خبرونا عن قول الله {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} تفسير : [الأنبياء: 34] فما معنى الخلد ههنا في النار، يقولون: إنه المراد به التأبيد في الدنيا. والدنيا تزول وتفنى. ومثله قوله {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 34] وكذلك قوله {أية : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} تفسير : [الهمزة: 3] إنما يعني في الدنيا أفتقولون إنّه أراد به التأبيد؟ فإن قالوا: لا ولابد منه، فيقال لهم: قد ثبت أن معنى الخلود هو معنى التأبيد، فكذلك يقول العرب: لأُودعنَّ فلاناً في السجن، أفتقولون إنه أراد به التأبيد والسجن ينقطع ويفنى؟ وكذلك المسجون يدخل ويخرج منه فإن قالوا: إن الله لما قال: {أية : وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 6] دَلَّ على كفره لأن الله لا يغضب إلاّ على من كان كافراً أو خارجاً من الإيمان. قلنا: إن هذه الآية لاتوجب عليه الغضب لأن معناه {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} ان يغضب عليه ويلعنه، وما ذكر الله من شيء وجعله جزاء لشيء فليس يكون ذلك واجباً كقوله {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [المائدة: 33] وكم محارب لله ولرسوله لم يحلّ به شيء من هذه المعاني. إلى أن فارق الدنيا. {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]. ولم يقل: أجزي بكل سيئة بسيئة مثلها. ولو كان المعنيان في ذلك سواء لم يكن إذاً لقوله {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [المائدة: 15] معنى، فكذلك ههنا. ولو كان ذلك على معنى الوجوب. كان لقوله {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 29] ووجدنا في لغة العرب. إنه إذا قال القائل: جزاؤه كذا ثم لم يجازه لم يكن كاذباً، وإذا قال: أجزيه، ولم يفعل كان كاذباً، فعلم أن منهما فرضاً واضحاً يدل على صحة هذا التأويل. ما روى العلاء بن المسيب عن عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس. قوله {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] أي في جزائه إن شاء عذبه وان شاء غفر له. وروى شعبة عن يسار عن أبي صالح قال: فهو جزاؤه إن جازاه فهو جزاؤه. روى الحجاج بن الأسود عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} قال: جزاؤه إن جازاه (قال: فليس) قوله {وغضب عليه ولعنه} من الأفعال الماضية. ومتى قلتم أن المراد منه: فجزاؤه ذلك أن جازاه كان من الأفعال المستقبلة؟ يقال لهم: قد يرد الخطاب بصفة الماضي والمراد المستقبل. وهو قوله {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} تفسير : [الكهف: 99] . {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ} تفسير : [الكهف: 47] {أية : وَقَالَ قَرِينُهُ} تفسير : [ق: 23] كل ذلك يكون مستقبلاً، وقد يرد بلفظ المستقبل، والمراد به الماضي كقوله {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [البروج: 8]. بمعنى إلاّ ان آمنوا، ومثله كثير، وقد قيل في تأويل هذه الآية: إن هذا الوعيد {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} مستحلاً لقتله، وأما قوله: من زعم أنه لا توبة له فأنه خارج من الكتاب والسنّة. وذلك يغفر الله لهم الذنوب. وأمر بالتوبة منها فقال {أية : وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [النور: 31] ونحوه من الآيات. ولم يفصل بين ذنب وذنب، وإذا كان الله قابل التوبة من الكفر فقبول التوبة من القتل أولى.. قال الله {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} تفسير : [الفرقان: 68] إلى قوله {أية : وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} تفسير : [الفرقان: 70] وقال إخوة يوسف {أية : ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 9] ثم قال {أية : وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} تفسير : [يوسف: 9] يعني بالتوبة وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم أمن كل ذنب يقبل التوبة؟ فقال: نعم، فإن قيل: فلم يقولون في الاخبار التي وردت أنّ القاتل لا توبة له؟ قيل: تأويلها إن صح الخبر بها على أنه إذا لم يرتكب ذنباً ولم يستغفر الله منه ويدل على هذا ما حدّث: خالد بن دهقان عن أبي زكريا قال: سمعت أم [الدرداء] تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كل ذنب عسى الله أن يغفر إلاّ من مات مشركاً أو قتل مؤمناً متعمداً ". تفسير : قال خالد بن دهقان: فقال هاني بن كلثوم: سمعت محمود بن ربيع يحدّث عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قتل مؤمناً ثم اغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ". تفسير : قال خالد: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: اغتبط بقتله، قال: هم الذين يقتتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدى ولا يستغفر الله منه أبداً. سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لا أعلم للقاتل توبة إلاّ أن يستغفر الله. وروى أبو الأشهب عن سليمان بن علي الكلبي عن الحسن أنه قرأ هذه الآية {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [المائدة: 32] إلى قوله {أية : جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 32]. هات يا أبا سعيد، أي علينا كما كانت على بني إسرائيل. فقال: إي والله الذي لا اله إلاّ هو ما جعل دماء بني اسرائيل أكرم من دمائنا، فإن قيل: فما تقولون فيما روى سفيان عن المغيرة بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] قال: ما [نسخها] شيء. وروى الحجاج عن ابن جريج عن القاسم بن أبي [بزة] أنه سأل سعيد: هل لمن قتل مؤمناً من توبة؟ فقال: لا، فنزلت عليه الآية {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} تفسير : [الفرقان: 68] إلى قوله {أية : إِلاَّ مَن تَابَ} تفسير : [الفرقان: 70]. قال سعيد: فقرأها عليّ ابن عباس [كما قرأتها] عليّ فقال: هذه مكّية نسختها أي مدنية التي في سورة النساء. وروى أبو الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه زيد بن ثابت قال: لما نزلت هذه الآية التي في الفرقان {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} تفسير : [الفرقان: 68] إلى قوله {أية : إلاَّ مَن تَابَ} تفسير : [الفرقان: 70] عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت في سورة النساء {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} الآية فنسخت الغليظة اللينة يقال: إن الغليظة نزلت بعد اللينة بستة أشهر. نقول ومن الله التوفيق: إن قول المفسرين واختلافهم في الآيتين أيهما أنزلت قبل، وقوله: إن واحدة منها ناسخة والأخرى منسوخة فلا فائدة منه إذ ليس سليماً سبيل الناسخ والمنسوخ، لأن النسخ لايقع في الأخبار، وإنما يقع في الأحكام والآيتان جميعاً [خبر أنّ]. فإن تكن الآية التي أنزلت في النساء أولاً فإنها مجملة لم يستوف حكمها بالنص. وفسر حكمها في الآية التي في الفرقان. وإن كانت هي في الفرقان نزلت متقدمة. ثم أُنزلت التي في النساء فإنه استغنى بتفسير ما في القرآن عن إعادة تفسيرها في النساء والله أعلم. وأما قول من زعم أن من وافى القيامة وهو مرتكب الكبائر. وهو مؤمن لم يضره ذلك فإنه (رادّ) لكتاب الله تعالى لأن الله تعالى قال {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48]، فلم يطلق المغفرة لما دون الشرك بل ردّه إلى المشيئة ليعلم إن منه ما يكون مغفوراً أي ما يكون صاحبه معذوراً ثمّ يخرج من النار فلا يؤبد فيها، ويؤيد ذلك. قضية الشفاعة وغيرها. فدلت هذه الدلائل على بطلان قول الوعيدية والمرجئة، وصحة قولنا، فهذا حكم الآية. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: حديث : نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف بن سعد [بن ذبيان] يقال له: مرداش بن نهيك وكان من أهل فدك وكان مسلماً لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم وكان على السرية يومئذ رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي فهربوا وأقام الرجل لأنهُ كان على دين المسلمين. فلما راى الخيل خاف أن تكون من غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول في الجبل وصعد هو إلى الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبّرون، فلما سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبّر فنزل وهو يقول: لا اله إلاّ الله محمد رسول الله السلام عليكم فتغشاه أُسامة بن زيد بن حارثة فقتله وأخذوا غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً. وقد كان سبقهم قبل ذلك الخبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قتلتموه إرادة ما معه" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على اسامة بن زيد فقال: يا رسول الله استغفر لي وقال: "فكيف بلا اله إلاّ الله" قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. قال أُسامة: فما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلاّ يومئذ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد، ثلاث مرات. فقال: إعتق رقبة . تفسير : وبمثله قال قتادة، وروى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه غنم فسلّم عليهم فقالوا: ما سلم عليكم إلاّ متعوّذاً، فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. وروى المبارك عن الحسن حديث : أنّ أُناساً من المسلمين لقوا أُناساً من المشركين فحملوا عليهم فهزموهم قال: فشدَّ رجل منهم وتبعه رجل وأراد متاعه فلما غشيه بالسيف. قال: إني مسلم إنّي مسلم وكذّبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه. قال: وكان والله قليلاً نزراً. قال: فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقتلته بعد ما زعم أنه مسلم، فقال: يا رسول الله إنما قالها متعوذاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فهلاّ شققت عن قلبه؟". قال: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لتنظر صادقاً كان أو كاذباً" قال أو كنت أعلم ذلك يا رسول الله؟ قال: "إنما ينبىء عنه لسانه" قال: فما لبث القاتل أن مات ودفن فأصبح. وقد وضع إلى جنب قبره، ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أو ثلاثاً فلما رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأرض لا تقبله أخذوا رجله وألقوه في بعض تلك الشعاب، قال: فأنزل الله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية . تفسير : قال الحسن: أما ذاك ما كان أن تكون الأرض [تحبس] من هو شر منه ولكن وعظاً لقوم أن لا يعودوا إلى مثل فعله. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي إذا سرتم في الأرض مجاهدين {فَتَبَيَّنُواْ} يعني المؤمن من الكافر، ومن قرأ بالتاء والثاء أي قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} لأن تحية المؤمن السلام بها يتعارفون وبها يحيي بعضهم بعضاً. قال: ابن سيرين: إنما قال: (إليكم) لأنه سلّم عليهم رجل فقتلوه ومن قرأ السّلام فمعناه المقادة يعني يطلبون بذلك الغنم والغنيمة وسلب وعرض الدنيا منافعها ومتاعها، ويقال: العرض ماسوى الدراهم والدنانير {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} يعني ثواباً كثيراً لمن ترك قتل المؤمن {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} تأمنون في قومكم من المؤمنين بلا اله إلاّ الله قبل الهجرة فلا تخيفوا من قالها، فنهاهم أن يخيفوا أحداً بأمر كانوا يأمنون بمثله وهم في قومهم {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} بالهجرة {فَتَبَيَّنُواْ} أن تقتلوا مؤمناً {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الخير والشر {خَبِيراً}. روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}، قال: حرّم الله على المؤمن أن يقول لمن عهد أن لا اله إلاّ الله: لست مؤمناً، كما حرّم عليهم الميتة فهو آمن على ماله ودمه فلا يردّوا عليه قوله (وهو مؤمن). زعم ابن [سيرين] هو القول بهذه الآية. وقالوا لما قال الله {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} منعهم من قبلهم بعد اظهارهم الإسلام ولم يكن ذلك إلاّ قولهم فلولا أن الإيمان هو القول، وذلك أن القوم لما شكّوا في حال أصله كان هذا القول منه تعوذاً؟ فقتلوه والله تعالى لم يجعل إلى عبده غير الحكم بالظاهر. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلاّ الله" تفسير : وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط». ألا ترى أنّ المنافقين كانوا يقولون هذا القول. ثم لم يكن ذلك ايماناً منهم. وقد تبين من معنى هذه الآية ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هلا شققت عن قلبه" تفسير : فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأنّ حقيقة التصديق بالقول، ولكن ليس للعبد حكم إلاّ على ما سمعه منه فقط، وفي هذه الآية ردٌّ على أهل القدر وهو أنّ الله تعالى أخبر أنه منَّ على المؤمنين من بين جميع الخلق. ممن خصّهم بالتوفيق فصاروا مخصوصين بالإيمان وأنّ الله لو خلق الخلق كلّهم للإيمان. كما زعمت القدرية فما معنى اختصاصهم بالمنة من بين الخلق كلّهم، وبالفصل بينهم وبين من قال إنّ المتنعم في الإيمان بالله إذ كانوا مساوين لغيرهم في جميع المعاني فأقروا ولم يعاندوا كما عاند غيرهم منع مساواتهم لهم في جميع المعاني. {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين عن غيرهم في الجهاد أتى عبد الله بن أم مكتوم وعبد الله بن جحش الأسدي وليس الأزدي وهما عميان فقال: يا رسول الله ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين فأمر بالجهاد وحالنا على ماترى ونحن نلبي الجهاد فهل لنا من رخصة فنزل {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} في البصر فهم من الذين جاهدوا مع المجاهدين لزمانتهم. وروى مجاهد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لما نزلت هذه الآية {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال ابن أم مكتوم: اللهم أنزل عذري، فنزلت (غير أولي الضرر) فوضعت بينهم وكان بَعد ذلك يغزو ويقول إدفعوا إليّ اللواء ويقول: أقيموني بين الصفين فإني لا [استطيع] أن أفرّ. معمر عن ابن شهاب عن زيد بن ثابت قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي وقد أملى عليّ {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فعرض ابن أم مكتوم قال: فبقيت فخذ رسول الله على فخذي حتى كادت تتحطّم ونزلت عليه {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} وبقية الآية {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عن الغزو أو الجهاد، الذين هم غير أولي الضرر وهم أولي الزمانة والضعف في الدين والبصر، والضرر مصدر، يقال: رجل ضرير من الضرر. وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أولي. الضرر. {وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} أي ليس المؤمنين القاعدون عن الجهاد من غيرهم والمؤمنون المجاهدون غير أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الضرر أقعدهم عنه والضرر رفع على نعت القاعدين، ونُصِبَ على الاستثناء {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} أي فضيلة {وَكُـلاًّ} يعني المجاهد والقاعد {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} ومن يجاهد [الجنّة، وزاد] من فضل المجاهدين فقال {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} قال: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في سبيل الله درجة، والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الجهاد درجة. وقال ابن [محيريز] في هذه الآية: هي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدد [حضر الفرس الجواد المضمر] سبعين خريفاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : جاء هذا القول بعد أن تكلم سبحانه عن القتال لتثبيت أمر الدعوة، ولما كان القتال يتطلب قتل نفس مؤمنة نَفْساً كافرة، ناسب ذلك أن يتكلم الحق سبحانه عن القتل. والقتل - كما نعلم - محاولة إزهاق روح الحي بنقض بنيته. والحي وإن لم ننقض بنيته حين يأتي أجله يموت. إذن فنقض البنية من الإنسان الذي يريد أن يقضي على إنسان عملٌ غايتُه إنهاء الحياة، فلا يظنن ظان أن القاتل الذي أراد أن ينقض بنية شخص يملك أن ينهي حياته، ولكنه يصادف انقضاء الحياة، فالذي ينهي الحياة هو الحق سبحانه وتعالى. ولذلك قلنا: إن الجزاء إنما وقع على القاتل لا لأنه أمات القتيل ولكن لأن القاتل تعجل في أمر استأثر الله وحده به، والقتيل ميت بأجله، فالحق سبحانه وتعالى هو الذي استخلف الإنسان في الكون، والاستخلاف شرحه الحق في قوله: {أية : وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} تفسير : [هود: 61]. فالله هو الذي جعل الإنسان خليفة في الكون ليعمر هذا الكون، وعمارة الكون تنشأ بالتفكير في الارتقاء والصالح في الكون، فالصالح نتركه صالحاً، وإن استطعنا أن نزيد في صلاحه فلنفعل. الأرض - على سبيل المثال - تنبت الزرع، وإن لم يزرعها الإنسان فهو يجد زرعاً خارجاً منها، والحق يريد من الإنسان أن ينمي في الأرض هذه الخاصية فيأتي الإنسان بالبذور ويحرث الأرض ويزرعها. فهذا يزيد الأمر الصالح صلاحاً. وهذا كله فرع وجود الحياة. إذن فالاستخلاف في الأرض لإعمارها يتطلب حياة واستبقاء حياة للخليفة. وما دام استبقاء الحياة أمراً ضرورياً فلا تأتي أيها الخليفة لخليفة آخر مثلك لتنهي حياته فتعطل إحياءه للأرض واستعماره لها. فالقتال إنما شُرع للمؤمنين ضد الكافرين؛ لأن حركة الكافرين في الحياة حركات مفسدة، ودرء المفسدة دائماً مقدم على جلب المصلحة. فالذي يفسد الحياة يقاتله المؤمنون كي ننهي الحياة فيه، ونُخَلِّص الحياة من معوق فيها. إذن فيريد الحق أن تكون الحياة لمن تصلح الأرض بحياته. والكافرون يعيثون في الأرض فساداً، ويعيشون على غير منهج، ويأخذون خير الضعيف ليصيروا هم به أقوياء، فشرع الله القتال إما ليؤمنوا فيخضعوا للمنهج، وإما ليخلص الحياة من شرهم. فإذا ما وجه الإنسان القتل لمؤمن - وهو في ذاته صالح للاستعمار في الحياة - يكون قد جنى على الحياة، وأيضاً لو قتل الإنسان نفسه يكون قد جنى على الحياة كذلك، لماذا؟ لأنه أفقد الحياة واحداً كان من الممكن أن يعمر بحركته الأرض. فإن اجترأ على حياته أو على حياة سواه فلا بد أن نؤدبه. كيف؟ قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} تفسير : [يونس: 27]. والتشريع الإسلامي وضع للقاتل عن سبق إصرار وترصد عقاباً هو القتل. وبذلك يحمي التشريع الحياة ولا ينمي القتل، بل يمنع القتل. إذن، فالحدود والقصاصات إنما وضعت لتعطي الحياة سعة في مقوماتها لا تضييقا في هذه المقومات، والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن القتال المشروع أراد أن يوضح لنا: إياكم أن تتعدوا بهذه المسألة، وتستعملوا القتال في غير الأمر المشروع، فإذا ما اجترأ إنسان على إنسان لينهي حياته في غير حرب إيمانية شرعية فماذا يكون الموقف؟ يقول التشريع: إنه يقتل، وكان يجب أن يكون في بالك ألا تجترئ على إزهاق حياة أحد إلا أن يكون ذلك خطأ منك، ولكن إن أنت فعلت خطأ نتج عنه الأثر وهو القتل. فماذا يكون الأمر؟ هناك منفعل لك وهو القتيل وأنت القاتل ولكن لم تكن تقصده، هما - إذن - أمران: عدم القصد في ارتكاب القتل الخطأ، والأمر الثاني هو حدوث القتل. يقول التشريع في هذه المسألة: إن القاتل بدون قصد قد أزهق حياة إنسان، وحياة هذا الإنسان لها ارتباطات شتى في بيئته الإيمانية العامة، وله ارتباطاته ببيئته الأهلية الخاصة كعائلته، العائلة له أو العائل لها أو الأسرة أو الأقرب من الأسرة وهو الأصل والفرع، فكم دائرة إذن؟ دائرة إيمانية عامة، ودائرة الأهل في عمومها الواسع، ودائرة الأسرة، ودائرة خصوصية الأسرة في الأصل والفرع. وحين تنهي حياة إنسان في البيئة الإيمانية العامة فسوف تتأثر هذه البيئة بنقصان واحد مؤمن خاضع لمنهج الله ومفيد في حركته؛ لأن الدائرة الإيمانية فيها نفع عام. لكن دائرة الأهلية يكون فيها نفع خاص قليلاً والدائرة الأسرية نجد أن نفعه فيها كان خاصا بشكل ما، وفي الأصل والفرع نجده نفعا مُهِمّاً وخاصاً جداً. إذن فهذا القتل يشمل تفزيعاً لبيئة عامة ولبيئة أسرة ولبيئة أصل وفرع. ولذلك أريد أن تلاحظوا في أحداث الحياة شيئا يمر علينا جميعا، ولعل كثيراً منا لا يلتفت إليه، مع أنه كثير الحدوث، مثلاً: إذا كنا جالسين في مجتمع وجاء واحد وقال: "فلان مات"، وفي هذا المجتمع أناس يعرفونه معرفة عامة. وآخرون يعرفونه معرفة خاصة ولهم به صلة، وأناس من أهله، وفيه والد الميت أو ابنه، انظروا إلى أثر النعي أو الخبر في وجوه القوم، فكل واحد سينفعل بالقدر الذي يصله ويربطه بمن مات. فواحد يقول: "يرحمه الله" وثانٍ يتساءل بفزع: "كيف حدث ذلك"؟ وثالث يبكي بكاء مراً، ورابع يبكي جارياً ليرى الميت. والخبر واحد فلماذا يتعدد أثر وصدى الانفعالات، ولماذا لم يكن الانفعال واحداً؟ نقول: إن الانفعال إنما نشأ قهراً بعملية لا شعورية على مقدار نفع الفقيد لمن ينفعل لموته؛ فالذي كان يلتقي به لِمَاماً ويسيراً في أحايين متباعدة يقول: "رحمه الله". والذي كان يجالسه كل عيد يفكر في ذكرياته معه، وحتى نصل إلى أولاده فنجد أن المتخرج الموظف وله أسرة يختلف انفعاله عن الخريج حديثاً أو الذي يدرس، أو البنت الصغيرة التي مازالت تتلقى التعليم، هؤلاء الأولاد يختلف تلقيهم للخبر بانفعالات شتى، فالابن الذي له أسرة وله سكن يتلقى الخبر بانفعال مختلف عن الابن الذي مازال في الدراسة، وانفعال الابنة التي تزوجت ولها أسرة يختلف عن انفعال الابنة التي مازالت لم تجهز بعد. إذن فالانفعال يحدث على مقدار النفعية، ولذلك قد نجدها على صديق أكثر مما نجدها على شقيق. وقالوا: من أحب إليك، أخوك أم صديقك؟. قال: النافع. إذن تلقى خبر انتهاء الحياة يكون مختلفاً، فالحزن عليه والأسف لفراقه إنما يكون على قدر إشاعة نفعه في المجتمع. وهناك واحد يكون وطنه أسرته يعمل على قدر نفعها، وواحد يكون وطنه عائلته وقريته، وواحد وطنه أمته. وواحد وطنه العالم كله. إذن فعندما يفجع المجتمع في واحد فالهِزة تأتي على قدر وطنه، وعندما يفاجأ الناس بواحد يُقتل عن طريق الخطأ فالفاعل معذور. ولكن عذره لم يمنع أن تعدى فعله وأن الآخر قد قتل؟. فالأثر قد حصل، وتحدث الهزة للأقرب له في الانتفاع، ولأن القتل خطأ فلن يتم القصاص من القاتل، ولكن عليه أن يدفع دية، وهذه الدية توزع على الناس الذين تأثروا بفقدان حياته؛ لأن هناك قاعدة تقول: "بسط النفع وقبض الضر". إنك ساعة ترى شيئاً سينفعك فإن النفس تنبسط، وعندما ترى شيئاً سيضرك فإن النفس تنقبض. وعندما يأتي للإنسان خبر موت عزيز عليه فإن نفسه تنقبض، وساعة يأتيه من بعد ذلك خير وهو حصوله على جزء من دية القتيل فالنفس تنبسط، وبذلك يتم علاج الأثر الحادث عن القتل الخطأ. والدية بحكم الشرع تأتي من العاقلة، وبشرط ألا تؤخذ من الأصول والفروع، فلا تجتمع عليهم مصيبة فقد إنسان على يد أحد من أصولهم أو فروعهم وهم بذلك يفزّعون فلا يجمع عليهم هذا الأمر مع المشاركة في الدية. كأن التشريع أراد أن يعالج الهزة التي صنعها انحراف بعلاج هو وقاية من رد الفعل فيحقق التوازن في المجتمع. فمن يقتل خطأ لا يقتص منه المجتمع ولكن هناك الدية. ومن أجل إشاعة المسئولية فالقاتل لا يدفعها، ولكن تدفعها العاقلة؛ لأن العاقلة إذا ما علمت أن من يجني من أهلها جناية وأنّها ستتحمل معه فإنها تعلِّم أفرادها في صيانة حقوق غيرهم؛ لأن كل واحد منها سيدفع، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع. والحق سبحانه وتعالى يعلمنا أن نستبعد أن يقتل مؤمن مؤمناً إلا عن خطأ، فلا يستقيم أن يحدث ذلك عمدا فيقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} ومعنى هذا أن مثل هذا القتل لا يصح أن يحدث عن قصد؛ لأن اللُّحمة - بضم اللام - الإيمانية تمنع هذا. لكن إن حدث هذا فما العلاج؟. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ}. ولا يذكر سبحانه هنا القصاص، فالقصاص قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} تفسير : [البقرة: 178]. والقصاص حق الولي فله أن يعفو أو أن يأخذ الدية، كأن يقول: عفوت عن القصاص إلى الدّية. ويجب أن نفرق بين الحد وبين القصاص. فالقصاص حق الولي، والحد حق الله. وللولي أن يتنازل في القصاص، أما الحدود فلا يقدر أحد أن يتنازل عنها، لأنها ليست حقاً لأحد ولكنها حق الله. إذن فالقتل الخطأ قال فيه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} وهنا قد نسأل: وماذا يستفيد أهل المجنى عليه بالقتل من تحرير رقبة مؤمنة؟. هل يعود ذلك على أهل القتيل ببسط في النفعية؟. قد لا تفيدهم في شيء، لكنها تفيد المجتمع؛ لأن مملوك الرقبة وهو العبد أو الأمة هو مملوك لسيده، والسيد يملك حركة العبد، ولكن عندما يكون العبد حرّاً فهو حر الحركة؛ فحركة العبد مع السيد محدودة، وفي حريته حركة مفيدة للمجتمع. إذن فالقبض الذي حدث من قتل نفس مؤمنة يقابلها بسط في حرية واحد كان محكوماً في حركته فنقول له: انطلق في حركتك لتخدم كل مجتمعك. ويريد الحق بذلك أن يفتح مصرفاً لحرية الأرقاء ضمن المصارف الكثيرة التي جعلها الإسلام لذلك. وبعد هذا القول {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} لكي تصنع البسط في نفوس أهله ليعقب القبض نتيجة خبر القتل. ولذلك نجد أسرة قد فجعت في أحد أفرادها بحادثة وعاشوا الحزن أياماً ثم يأخذون الأوراق ويصرفون بها الدية أو التعويض، مما يدل على أن في ذلك شيئاً من السلوى وشيئاً من التعزية وشيئاً من التعويض، ولو كانت المسألة مزهوداً فيها لقالوا: "نحن لا نريد ذلك"، ولكن ذلك لا يحدث. وبعد ذلك نجد الذي فقد حياة حبيب لا يظل في حالة حزن ليفقد حياة نفسه، ففي الواقع يكون الحزن من الحزبين على نفسه بمقدار ما فات عليه من نفع عندما قُتل له القتيل، والحزين إنما حزن لأن القتيل كان يثري حياته، فلما مات صارت حياة النفع منه بلا إثراء. ولو رأينا إنساناً يحزن لفقد واحد وقلنا له: احتفظ بجثمانه لمدة أسبوع لترتوي من أشواقك إليه، وبعد ذلك نأخذه منك لندفنه أيرضى؟. لن يرضى أبداً بذلك. أو نقول للحزين: "لن نقدم لك طعاماً لمدة أسبوع لأنك في حالة حزن هنا لن يوافق الحزين، وزوجة الفقيد تذرف عيناها الدمع وتبكي عليه لكنها تأكل وتشرب. إذن فالمسألة يجب أن تكون واضحة لاستقبال أقضية الحق وهي أقضية لا تنقض نواميس الله في الكون. وبعد ذلك يريد الحق أن يشيع التعاطف بين الناس، فإذا قال أهل القتيل لأهل القاتل: نحن لا نريد دية، لأن مصيبتكم في القتيل مثل مصيبتنا فيه، وكلنا إخوة فما الذي يجري في المجتمع؟. الذي يحدث من النفع هو أضعاف أضعاف ما تؤدية الدية، إذن فهذا تربيب للدية، فساعة يعرف الطفل في العائلة أنه كان مطلوباً منهم دية لأن أباه قد قَتَل، وعفا أهل القتيل فلم يأخذوا الدِّية، هذا الطفل سيعرف عندما يَشِبُّ ويعقل الأمور أن كل خير عند أسرته ناتج من هذا العفو وهذه العفّة، فيحدث الود. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يربب إشاعة المودة والصفاء والنفعية. فإذا ما حزن واحد لفقدان إنسان بالقتل الخطأ قد يأخذ الدية فينتفع، وإن لم يأخذها فهو ينتفع أكثر؛ لذلك يقول الحق: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ}. وهذا ما يحدث إذا ما قتل مؤمن مؤمناً خطأ في بيئة إيمانية، ولكن ما الذي يحدث عندما يتم قتل مؤمن لواحد من قوم أعداء والمقتول مؤمن ويعيش بين الكفار؟. ها نحن أولاء نرى عدالة التشريع الإلهي، وحتى نزداد يقيناً بأن الله هو رب الجميع؛ لذلك قال الحق: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي كان المقتول من قوم في حالة عداء مع المسلمين فهو لا يستحق الدية؛ لأنه يحيا في قوم كافرين. هكذا نجد التشريع هنا قد شرع لثلاث حالات: شرع لواحد في البيئة الإيمانية، وشرع لواحد مؤمن في قوم هم أعداء للمؤمنين، وشرع لواحد قد قُتل وهو من قوم متحالفين مع المسلمين. وكل واحدة لها حكم، والحكم في حالة أن يكون القتيل من قوم بينهم وبين المسلمين عداء وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة، وذلك للتعويض الإيماني فينطلق عبد كان محدود الحركة لأنّ هناك مَن مات وانتهت حركته، وفي هذا تعويض للمجتمع عندما تشيع حركة العبد. وماذا نفعل في الدية؟ لا يأخذون الدية؛ لأن الدية موروثة، وهم من الكفار وليس بين الكفار والمسلمين توارث أي فليس هنا دية. وعندما ننظر إلى قول الحق: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} نجد أن كلمة "عدو" مفردة في ذاتها، ولكنها تشمل كل القوم، وفي اللغة نقول: "هو عدو" و "هما عدو" و "هم عدو" وإن تنوعت عداوتهم فهم أعداء، ولكن عندما يتحد مصدر العداء فهم عدو واحد. والحق يقول: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} ولم يورد سبحانه هنا الدية لأن القوم على عداء للإسلام فلا دية لهم؛ لأنه لا توارث. ويقول الحق: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} فإذا أعطى المسلمون قوماً عهداً من العهود فلا بد من الوفاء. هذا الوفاء يقتضي تسليم دية لأهله؛ لأن هذا احترام للعهد، وإلا فما الفارق بيننا وبينهم... والدية - كما نعلم - تدفعها العاقلة، ويقول الحق في بيان حق الله في أمر القتل الخطأ: {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي فمن لم يجد الرقبة أو لم يتسع ماله لشرائها فصيام الشهرين بكل أيامهما، فلا يفصل بينهما إلا فاصل معذر كأن يكون القاتل - دون قصد - على مرض أو على سفر. وبمجرد أن ينتهي المرض أو السفر فعليه استكمال الصوم. ولماذا هذا التتابع الحكمي؟. لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يجعل هذه المسألة شاغلة لذهن القاتل، وما دامت تشغل ذهنه فالصيام لا بد أن يكون متتابعاً، فلو لم يكن الصيام متتابعاً لأصابت القاتل غفلة. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ}. ولماذا قال الحق: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ}؟. والتوبة - كما نعرف - قد تكون من العبد فنقول: "تاب العبد". وقد تسند التوبة إلى الحق فيقال: "تاب الله عليه" ومراحل التوبة ثلاث: حين يشرع الله التوبة نقول: تاب الله على العباد فشرع لهم التوبة فلا أحد يتوب إلا من باطن أن الله شرع التوبة؛ لأنه لو لم يشرع الله التوبة لتراكمت على العباد الذنوب والخطايا. وتشريع التوبة هو تضييق شديد لنوازع الشر، فلو لم يشرع الله التوبة لكان كل من ارتكب ذنباً يعيث في الأرض بالفساد، فحين شرع الله التوبة عصم المجتمع من الأشرار. فلأنه شرّع التوبة، فهو - سبحانه - يتوب، هذه هي المرحلة الأولى. وما دام الله قد شرع التوبة فالمذنب يتوب، هذه هي المرحلة الثانية، وساعة شرع الله التوبة ويتوب المذنب فالله يقبل التوبة، هذه هي المرحلة الثالثة. وهكذا نرى دقة القرآن حين قال: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [التوبة: 118]. وبعد أن يتوبوا فإن الله يقبل التوبة عن عباده. إذن فالتوبة الأولى من الله تشريع. والتوبة الثانية من الله قبول، والوسط بينهما هي توبة الإنسان. ويذيل الحق الآية: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} فسبحانه يشرع التشريع الذي يجعل النفوس تحيا في مُناخ طبيعي وفي تكوينها الطبيعي، فلو تصورنا أن إنساناً قد قُتل خطأ وتركنا أهل المقتول بلا ترضية فلن يستفيد المجتمع الإيماني من قتله. إذن فالعلم من الله بالنفس البشرية جعل من قتل خطاً يُفيد المجتمع الإيماني بتحرير رقبة، فيزيد المجتمع إنساناً حراً يتحرك حركة إيمانية؛ لذلك اشترط الحق أن تكون الرقبة مؤمنة، حتى نضمن أن تكون الحركة في الخير، فنحن لا نحرر رقبة كافرة؛ لأن الرقبة الكافرة عندما تكون مملوكة لسيد فشرها محصور، لكن لو أطلقناها لكان شرها عاماً. وبعد تحرير الرقبة هناك الدية لننثرها على كل مفزع في منفعته فيمن قُتل، ولا نأخذها من أصول القاتل وفروعه، فلا نجمع عليهم مصيبتين القتل الذي قام به أصلهم أو فرعهم؛ لأن ذلك - لا شك - سيصيبهم بالفزع والخوف عن والاشفاق على مَن جنى منهم. وأن يشتركوا في تحمل الدية. وذلك العمل ناشيء عن حكمه. فإذا كان الذي يضع الأشياء في موضعها هو خالقها، فلن يوجد أفضل من ذلك لتستقيم الأمور. وفي المجال البشرى نجد أن أي آلة من الآلات - على سبيل المثال - مكونة من خمسين قطعة، وكل قطعة ترتبط بالأخرى بمسامير أو غير ذلك، وما دامت كل قطعة في مكانها فالآلة تسير سيراً حسناً، أما إذا توقفت الآلة فإننا نستدعي المهندس ليضع كل قطعة في مكانها، وكل شيء حين يكون في موضعه فالآلة تمشي باستقامة، وكل حركة في الوجود مبنية على الحكمة لا ينشأ فيها فساد؛ فالفساد إنما ينشأ من حركات تحدث بدون أن تكون على حكمة. والحكمة مقولة بالتشكيك، فهناك حكيم وهناك. أحكم. وقديماً - على سبيل المثال - كنا نرى الأسلاك الكهربائية دون عوازل فكان يحدث منها "ماس" كهربائي. وعندما اكتشفنا العوازل استخدمناها وعدلنا من تصنيعنا للأشياء. وكنا نجد الأسلاك في السيارة - مثلاً - ذات لون وحجم واحد، فكان يحدث الارتباك عند الإصلاح، لكن عندما تمت صناعة كل سلك بلون معين، فسهل هذا عملية الإصلاح. فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، فما بالنا حين يكون من يضع الشيء في موضعه هو خالقنا؟ لن نجد أفضل ولا أحسن من ذلك. فإذا ما رأينا خللاً في المجتمع فلنعلم أن هناك شيئاً قد ناقض حكمة الله. وعندما نبحث عن العطب سوف نجده، تماماً مثلما تبحث عن العطب في أي آلة وتأتي لها بالمهندس الذي يصلحها. ويجب أن نرده إلى من خلق المجتمع، ونبحث عن علاج الخلل بحكم من أحكام الله. ولذلك أرشدنا الحق إلى أننا إن اختلفنا في شيء فلنرده إلى الله وإلى الرسول حتى لا نظل في تعب. وبعد ذلك يتكلم الحق عن القتل العمد، وقد يقول قائل: أما كان يجب أن يحدثنا الله عن القتل العمد أولاً؟ ونقول: الحق لو تكلم عن القتل العمد أولاً لكان ذلك موحياً أنه يحدث أولاً، ولكن الحق يوضح: لا يصح أن تأتي هذه على خيال المؤمن. ويسأل سائل: لماذا لم يقل الحق: "وما كان لمسلم". ونقول: يجب أن ننتبه إلى أن الحق نادى المؤمن لأن الإيمان عمل قلبي، ولهذا كان النداء للمؤمنين ولم يكن النداء للمسلمين؛ لأن الإسلام أمر ظاهري، فقد يقتل إنسان يتظاهر بالإسلام إنساناً مؤمناً. لهذا نادى الحق بالنداء الذي يشمل المظهر والجوهر وهو الإيمان. وحين يشرع الحق فلا بد أن يأتي بالجزاء والعقاب للذي يقتل عمداً. وهو يقول: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: أَسلم عياش بن أَبي ربيعة، وهاجر إِلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فجاءَه أَبو جهل بن هشام، وهو أَخوه لأمه، ورجل آخر معه. فقال: إِن أُمك تناشدك رحمها وحقها، أَن ترجع إِليها، وهي أَسماءُ بنت مخربة. فأَقبل معهما فربطاه حتى قدما به مكة، فكانا يعذبانه. فلما رآهما الكفار زادهم ذلك كفراً وافتتاناً. وقالوا: إِن أَبا جهل ليقدر من محمد صلى الله عليه وسلم، على ما شاءَ ويأْخذ أَصحابه، فأَسلم ذلك الرجل، الذي كان مع أَبي جهل، فقتله عياش ولا يعلم بإِسلامه فأَنزل الله، عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} [الآية: 92]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن / 16و / أَبي نجيح، عن مجاهد قال: لقي المسلمون راعي غنم فقال لهم: السلام عليكم، إِني مؤمن. فلم يقبلوا ذلك منه، فقتلوه وأَخذوا غنمه، فنزل فيهم: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} [الآية: 94].
الصابوني
تفسير : [6] جريمة القتل وجزاؤها في الإسلام التحليل اللفظي {فَتَحْرِيرُ}: التحرير من الحرية، وهو كما قال الراغب: جعل الإنسان حراً، وإخراج العبد من الرق إلى الحرية يسمى تحريراً، والحر في الأصل: الخالص، وسمي الإنسان حراً لأنه تخلّص مما يكدّر إنسانيته، ومنه قوله تعالى: {أية : نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} تفسير : [آل عمران: 35] أي مخلصاً للعبادة. الدية: ما تعطى عوضاً عن دم القتيل إلى وليه، قال في "اللسان": الدية حق القتيل، والهاء عوض عن الواو، تقول: وديتُ القتيل أدية دية إذا أعطيت ديته. وفي "التهذيب": ودى فلان فلاناً إذا أدّى ديته إلى وليه، وأصل الدية ودية فحذفت الواو، كما قالوا: شية من الوشي. وقد خصص الشرع هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس، دون ما يؤدي في المتلفات وبدل الأطراف. {مُّسَلَّمَةٌ}: أي مدفوعة ومؤداة إلى أهل القتيل. {يَصَّدَّقُواْ}: أي يتصدقوا عليهم بالدية فأدغمت التاء في الصاد، والمعنى إلا أن يعفوا ويسقطوا حقهم في الدية، وسمي صدقة لأنه معروف وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل معروف صدقة ". تفسير : {مِّيثَاقٌ}: أي عهد وذمة، قال الراغب: الميثاق عقد مؤكد بيمين وعهد. {ضَرَبْتُمْ}: الضرب له معان: منها الضرب باليد، والعصا، والسيف، ومنها الضرب في الأرض بمعنى السفر، وسمي به لأن المسافر يضرب دابته بالعصا لتسير به، أو لأنه يضرب برجليه الأرض في سيره. ومعنى الآية: إذا سافرتم في سبيل الله لجهاد أعدائكم. {فَتَبَيَّنُواْ}: التبين طلب بيان الأمر، والمراد التأني واجتناب العجلة، ومنه البينة أي تثبتوا وتحققوا قال تعالى: {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} تفسير : [الحجرات: 6]. {ٱلسَّلاَمَ}: السّلام والسّلْم بمعنى واحد وهو إلقاء السلاح والاستسلام، ومعنى الآية: لا تقولوا لمن انقاد لكم واستسلم لست مؤمناً فتقتلوه ابتغاء متاع الدنيا. {عَرَضَ}: سمي متاع الحياة الدنيا عَرضاً لأنه عارض زائل غير ثابت، وكل شيء يقل لبثه يسمى عرضاً وفي الحديث: "حديث : الدنيا عَرضٌ حاضر، يأكل منها البر والفاجر ". تفسير : وفي "اللسان": العَرض بالتحريك متاع الدنيا وحطامها وفي التنزيل {أية : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} تفسير : [الأعراف: 169] وعرض الدنيا ما كان من مال قلّ أو كثر. {مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}: المغانم جمع مغنم وهو ما يغنمه الإنسان من عدوه، والمراد به هنا الفضل الواسع والرزق الجزيل قال الطبري: المعنى: "لا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم لست مؤمناً فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا، فإن عند الله مغانم كثيرة من رزقه وفواضل نعمه". المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: "ما كان من شأن المؤمن ولا ينبغي له أن يقدم على قتل مؤمنٍ، إلا إذا وقع هذا القتل خطأ، فإذا حصل ووقع القتل بطريق الخطأ، فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلّمة إلى أهل القتيل تدفعها عاقلته، إلاّ إذا عفوا عنه وأسقطوا الدية باختيارهم فلا تجب حينئذٍ، وإذا كان المقتول مؤمناً وأهله من أعدائهم فالواجب على قاتله عتق رقبة مؤمنة، ولا تجب الدية لأهله لأنهم أعداء محاربون، فلا يعطون من أموال المسلمين ما يستعينون به على قتالهم وأما إذا كان المقتول معاهداً أو ذمياً، فالواجب في قتله كالواجب في قتل المؤمن، دية مسلّمة إلى أهله تكون عوضاً عن حقهم، وعتق رقبة مؤمنة كفارة عن حق الله تعالى، فمن لم يجد الرقبة التي يحررها فعليه صوم شهرين قمريين متتابعين، توبة من الله على عباده المذنبين وكان الله عليماً بما يصلح الناس حكيماً في تشريعه. ثم بين تعالى حكم قتل المؤمن عمداً، وغلّظ في العقوبة لأن جرمه عظيم، ولم يذكر له كفارة بل جعل عقابه أشد عقاب توعّد به الكافرين، وهو الخلود في جهنم، واستحقاق غضب الله ولعنته، عدا العذاب الشديد الذي أعده الله له يوم القيامة. وقد ختم الله هذه الآيات الكريمة بأمر المؤمنين إذا خرجوا مجاهدين في سبيل الله أن يتثبتوا في قتل من أشكل عليهم أمره، فلم يعلموا هل هو مسلم أم كافر؟ فلا يقدموا على قتله إلا بعد التحقق من كفره، وأمّا إذا استسلم وأظهر الإسلام فلا يحل قتله، طمعاً في متاع الدنيا الزائل، وقد ذكّرهم بأنهم كانوا مشركين كفاراً فمنّ الله عليهم بالهداية إلى الإسلام، وكفى بها نعمة!! سبب النزول 1 - روي أن (عيّاش بن أبي ربيعة) - وكان أخاً لأبي جهل من أمه - أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، فأقسمت أمه ألا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه (الحارث بن يزيد) فأتياه، فقال أبو جهل: أليس محمد يأمرك بصلة الرحم؟ انصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك، فرجع فلما دنوا من مكة قيّدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحارث مائة أخرى، فقال للحارث: هذا أخي فمن أنت؟ لله عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، فلما دخل على أمه حلفت ألا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول، ففعل ثم هاجر بعد ذلك. وأسلم الحارث بن يزيد وهو لا يعلم بإسلامه، فلقيه عياش خالياً فقتله، فلما أُخبر أنه كان مسلماً ندم على فعله، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت هذه الآية {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}. ب - وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "مرّ رجل من بني سليم ينفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم علينا إلاّ ليتعوذ منا، فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ...}. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ}، وقرأ حمزة والكسائي (فتثبتوا) بالثاء. 2 - قرأ الجمهور {لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} بفتح السين مع الألف، وقرأ نافع وحمزة (السّلم) من غير ألف. 3 - قرأ الجمهور {لَسْتَ مُؤْمِناً} بكسر الميم الثانية وقرأ عكرمة (لست مُؤمناً) بفتح الميم من الأمَان. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً...} أن يقتل في محل رفع اسم كان، ولمؤمن خبره وقوله (إلاّ خطأً) استثناء منقطع والمعنى: لكن إن قتل خطأً فحكمه كذا، ومثّل له الطبري بقول الشاعر: شعر : من البيضِ لم تَظْعنْ بعيداً ولم تَطَأْ على الأرض إلاّ ريط بُرْد مُرحّل تفسير : ثانياً قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً} خطأً صفة لمفعول مطلق محذوف تقديره قتلاً خطأً، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال تقديره: قتله خاطئاً. ثالثاً: قوله تعالى: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} توبة مفعول لأجله أي شرع لكم ذلك توبة منه. رابعاً: قوله تعالى: {لَسْتَ مُؤْمِناً} مؤمناً خبر ليس والجملة مقول القول، وجملة (تبتغون عرض الحياة) في محل نصب على الحال من فاعل تقولوا أي لا تقولوا ذلك مبتغين عرض الحياة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: النفي في مثل هذا الموطن يسمى (نفي الشأن) وهو أبلغ من نفي الفعل كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 53] وقوله: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} تفسير : [التوبة: 17] فهو استبعاد للفعل بطريق البرهان كأنه يقول: ليس من شأن المؤمن من حيث هو مؤمن أن يقتل أحداً من أهل الإيمان، إذ لا يتصور أن يصدر منه مثل هذا الفعل لأن إيمانه - وهو الحاكم على تصرفه وإرادته - يمنعه من اجتراح القتل عمداً، ولكنه قد يقع منه ذلك خطأً. اللطيفة الثانية: في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مجاز مرسل علاقته (الجزئية) أطلق الرقبة وقصد به المملوك من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] وهو مجاز مشهور. اللطيفة الثالثة: التعبير بهذا الأسلوب اللطيف {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} وتسمية العفو بالصدقة، فيه حثٌ على فضيلة العفو، وتنبيه الأولياء إلى أنّ عفوهم عن القاتل، وعدم أخذ الدية هو في نفسه صدقة وهو من مكارم الأخلاق التي يرغب فيها الإسلام. اللطيفة الرابعة: وردت عقوبة قتل المؤمن عمداً في غاية التغليظ والتشديد {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} فقد حكمت الآية على القاتل بعقوبات ثلاث: 1 - الخلود في جهنم 2 - واستحقاق الغضب واللعنة 3 - والعذاب الشديد الذي أعده الله له في الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الشريف: "حديث : لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن" تفسير : وفي الحديث أيضاً: "حديث : من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيسٌ من رحمة الله" تفسير : ولهذا أفتى ابن عباس بعدم قبول توبة القاتل. قال صاحب "الكشاف": "والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس يمنع التوبة، ثم يطمعون في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبةٍ {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24]"؟ اللطيفة الخامسة: الخلود في جهنم لقاتل المؤمن محمول على من استحلّ قتله، أو المراد بالخلود طول المكث لأن أهل اللغة استعملوا لفظ الخلود بمعنى طول المدة والبقاء قال زهير: شعر : ألا لا أرى على الحوادث باقياً ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا تفسير : والعرب تقول: خلّد الله ملكه، وتقول: لأخلدّن فلاناً في السجن، مع أنه لا شيء في الدنيا يدوم. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي أنواع القتل، وفي أيها تجب الكفارة؟ أوجب الله تعالى (القصاص) في القتل في آية البقرة {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178] وأوجب (الدية والكفارة) في القتل الخطأ في الآية التي معنا، فيعلم أنّ الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد لا الخطأ. ذهب مالك رحمه الله إلى أن القتل إمّا عمد، وإمّا خطأ، ولا ثالث لهما، لأنه إما أن يقصد القتل فيكون عمداً، أو لا يقصده فيكون خطأ، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ. وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن القتل على ثلاثة أقسام (عمد، وخطأ، وشبه عمد). أما العمد: فهو أن يقصد قتله بما يفضي إلى الموت كسيفٍ، أو سكين، أو سلاح، فهذا عمد يجب فيه القود (القصاص) لأنه تعمد قتله بشيء يقتل في الغالب. وأما الخطأ: فهو ضربان: أحدهما: أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فيصيب مسلماً. والثاني: أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار فيقتله، والأول خطأ في الفعل والثاني خطأ في القصد. وأما شبه العمد: فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت فيه، أو يلطمه بيده، أو يضربه بحجر صغير فيموت، فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب. قال القرطبي: "وممن أثبت شبه العمد الشعبي، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وروينا ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو الصحيح، فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها، فلا تستباح إلاّ بأمر بيّن لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال لأنه لما كان متردداً بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود، والقتل غير مقصود، فيسقط القَود وتغلّظ الدية، وبمثل هذا جاءت السنة، روى أبو داود من حديث (عبد الله بن عمرو) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها ". تفسير : حجة الجمهور: وحجة الجمهور في إثبات (شبه العمد) أن النيات مغيبة عنا لا اطلاع لنا عليها، وإنما الحكم بما ظهر، فمن ضرب آخر بآلة تقتل غالباً حكمنا بأنه عامد، لأن الغالب أن من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالباً كان متردّداً بين العمد والخطأ، فأطلقنا عليه شبه العمد، وهذا بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر، إذ هو في الواقع إمّا عمد، وإمّا خطأ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب، وأشبه الخطأ من جهة أن الآلة لا تقتل غالباً، ولما لم يكن عمداً محضاً سقط القود، ولما لم يكن خطأ محضاً لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل وجبت فيه دية مغلّظة. واستدلوا بالحديث السابق وبما رواه أحمد، وأبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: "حديث : ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه الدية مغلّظة.." تفسير : الحديث. الحكم الثاني: ما هو القتل العمد، وما هي عقوبته؟ القتل العمد يوجب القصاص، والحرمان من الميراث، والإثم وهذا باتفاق الفقهاء، أما الكفارة فقد أوجبها الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة لا كفارة عليه وهو مذهب الثوري. قال الشافعي: إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى. وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى، وحيث لم تذكر في العمد فلا كفارة. قال ابن المنذر: "وما قاله أبو حنيفة به نقول، لأن الكفارات عبادات وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضاً يلزمه عباد الله إلا بكتابٍ، أو سنة، أو إجماع، وليس مع من فرض على القاتل عمداً كفارةً حجةٌ من حيث ذكرت". وقد اختلفوا في معنى العمد وشبه العمد على أقوال كثيرة أشهرها ثلاثة: 1- العمد ما كان بسلاح أو ما يجري مجراه مثل الذبح، أو بكل شيء محدّد أو بالنار وما سوى ذلك من القتل بالعصا أو بحجر صغيراً كان أو كبيراً فهو شبه العمد، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله. 2 - العمد كل قتلٍ من قاتل قاصد للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، بما يقتل مثله في العادة، وشبه العمد ما لا يقتل مثله، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. 3 - العمد ما كان عمداً في الضرب، والقتل، وشبه العمد ما كان عمداً في الضرب، خطأ في القتل أي ما كان ضرباً لم يقصد به القتل وهذا قول الشافعي رحمه الله. الترجيح: ما ذهب إليه (أبو حنيفة) رحمه الله من جعل كل قتلٍ بغير الحديد شبه عمد ضعيفٌ، فإن من ضرب رأس إنسان بمثل (حجر الرحى) فقتله وادّعى أنه ليس عامداً كان مكابراً، والمصلحة تقضي بالقصاص في مثله، لأن الله شرع القصاص صوناً للأرواح عن الإهدار، وما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد الشافعي هو الأصح والله أعلم. الحكم الثالث: ما هي شروط الرقبة وعلى مَن تجب؟ أوجب الله في القتل الخطأ أمرين: 1 - عتق رقبة مؤمنة. ب - ودية مسلّمة إلى أهله. فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن: لا تجزئ الرقبة إلاّ إذا صامت وصلّت. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يجزئ الغلام والصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً. ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان إحداهما تجزئ، والأخرى لا تجزئ إلا إذا صامت وصلت. حجة الأولين: أن الله تعالى شرط الإيمان، فلا بدّ من تحققه، والصبي لم يتحقق منه ذلك. وحجة الجمهور: أن الله تعالى قال: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً} فيدخل فيه الصبي، فكذلك يدخل في قوله {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}. قال ابن كثير: "والجمهور أنه متى كان مسلماً صح عتقه عن الكفارة سواءً كان صغيراً أو كبيراً". وقد اتفق الفقهاء على أن الرقبة على القاتل، وأما الدية فهي على العاقلة. الحكم الرابع: على مَن تجب الدية في القتل الخطأ؟ اتفق الفقهاء على أن الدية على عاقلة القاتل، تحملها عنه على طريق المواساة، وتلزم العاقلة في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها، والعاقلة هم عصبته (قرابته من جهة أبيه). قال في "المغني": "ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة". وقال ابن كثير: "وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله قال الشافعي: لم أعلم مخالفاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وهذا الذي أشار إليه رحمه الله قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: "حديث : اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها (غرة) عبدٌ أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها ". تفسير : تنبيه: فإن قيل: كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته والله تعالى يقول: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} تفسير : [الأنعام: 164] ويقول: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]. فالجواب: أن هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره، لأن الدية على القاتل، وتحميل (العاقلة) إيّاها من باب المعاونة والمواساة له، وقد كان هذا معروفاً عند العرب وكانوا يعدونه من مكارم الأخلاق، والنبي صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، والمعاونة والمواساة والتناصر وتحمل المغارم، كل هذا ممّا يقوّي الألفة ويزيد في المحبة فلذلك أقره الإسلام. الحكم الخامس: كم هو مقدار الدية في العمد والخطأ؟ اتفق العلماء على أن الدية في الخطأ تجب على العاقلة، وهي مائة من الإبل تؤخذ نجوماً على ثلاث سنين وتجب أخماساً لما رواه ابن مسعود قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة". وأما دية شبه العمد فهي مثلّثة (أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة) وتجب على العاقلة أيضاً، وأما دية العمد فما اصطلح عليه عند أبي حنيفة ومالك على المشهور في قوله، وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد، وتجب على مال القاتل. قال القرطبي: "أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد، وأنها في مال الجاني". وقال ابن الجوزي: "والدية للنفس ستة أبدال: من الذهب ألف دينار، ومن الورق (الفضة) اثنا عشر ألف درهم، ومن الإبل مائة، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، وفي الحلل مائتا حلة، فهذه دية الذكر الحر المسلم، ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك". وهذا قول جمهور الفقهاء ووافقهم أبو حنيفة في ذلك إلا أنه قال في الفضة عشر آلاف درهم لا تزيد. الحكم السادس: هل للقاتل عمداً توبة؟ ذهب بعض العلماء إلى أن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما. روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: "اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقالت: نزلت هذه الآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخر ما نزل وما نسخها شيء". وروى النسائي عنه قال: "سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في [الفرقان: 68] {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ}تفسير : قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ}. وروى ابن جرير بسنده عن (سالم بن أبي الجعد) قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كُفّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يجيء يوم القيامة معلّقاً رأسُه بإحدى يديه - إما بيمينه أو بشماله - آخذاً صاحبه بيده الأخرى، تشخب أوداجه حيال عرش الرحمٰن يقول: يا رب سل عبدك هذا علام قتلني؟ فما جاء نبيٌ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم ". تفسير : وذهب الجمهور إلى أن توبة القاتل عمداً مقبولة، واستدلوا على ذلك ببضعة أدلة نلخصها فيما يلي: أولاً: إن الكفر أعظم من القتل العمد، فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة عن القتل أولى بالقبول. ثانياً: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] يدخل فيه القتل وغيره. ثالثاً: قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ...}تفسير : [الفرقان: 68] إلى قوله {أية : إِلاَّ مَن تَابَ} تفسير : [الفرقان: 70] وهي نصٌ في الباب. رابعاً: حديث "الصحيحين" "حديث : بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق... ثم قال: فمن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ". تفسير : خامساً: حديث مسلم في الشخص الذي قتل مائة نفس.. إلخ. قال العلامة الشوكاني: "والحقّ أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً؟ والله أحكم الحاكمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون". ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - سفك دم المؤمن من الكبائر التي توجب الخلود في النار. 2 - القتل الخطأ فيه الكفارة والدية وليس فيه القصاص. 3 - إذا عفا أهل القتيل سقطت الدية عن القاتل دون الكفارة. 4 - الكفارة عتق رقبة مؤمنة فإذا لم يجد فصيام شهرين متتابعين. 5 - لا يجوز التعجل بقتل إنسان لمجرد الشبهة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن المؤمن أنه لا يقتل مؤمناً بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} [النساء: 92]، والإشارة فيها: إن ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلا إن قتل خطأ، وذلك أن الروح إذا خلصت عن حجب صفات البشرية تتجلى الروح للقلب فتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية وتحيى بالصفات الحميدة النورانية، وتطمئن إلى ذكر الله لاطمئنان القلب به؛ ففي بعض الأحوال تتأيد الروح بوارد روح قدس رباني، وتتجلي في تلك الحالة الروح للقلب، فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي روح القدس الرباني، ويجعل جبل النفس الكافر دكاً {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً} [النساء: 92]؛ أي: قلباً مؤمناً، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]؛ وهي رقبة السر الروحاني، فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات، {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} [النساء: 92]؛ يعني: يسلم العاقلة وهو الله تعالى دية القلب إلى أهله؛ وهم أوصافه الحميدة الروحانية من جمالات الألطاف لتصير الأوصاف بها أخلاق ربانية، {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} [النساء: 92]؛ يعني: إلا أن يتصدق الأوصاف الروحانية القلبية هذه الرتبة على فقراء ومساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية {فَإِن كَانَ} [النساء: 92] لمعنى القتيل بالتجلي، {مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} [النساء: 92] أي: صفة من صفات النفس، وهي عدو لكم {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 92]؛ يعني: هذه الصفة بأنوار الروح القدس دون أخواتها من الصفات، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]؛ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا، ولا دية لأهل القتيل وهم لهم بقية أوصاف النفس؛ لأنهم كفار يخربون القلب وأوصافه، {وَإِن كَانَ} [النساء: 92]؛ يعني: القتيل {مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ} [النساء: 92]، وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً، أو ترك المحاربة مع القلب وأوصافه باطناً، {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} [النساء: 92] على عاقلة الرحمة، {إِلَىۤ أَهْلِهِ} [النساء: 92]، إلى أهل تلك الصفة المقتولة وهم بنية صفات النفس، كما قال تعالى: {أية : إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53]، {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]؛ وهي رقبة القلب محررة عن رق الكونين، {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [النساء: 92]؛ يعني رقبة مؤمنة من القلب والروح والسر؛ لتحرير رقابهم عن رق ما سوى الله، {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92]؛ يعني: فعليه الإمساك عن مشارب العالمين على التتابع والدوام، مراقباً قلبه لا يدخله شيء من الدنيا والآخرة، مراعياً وقته لا يفوته طرفة عين، بحيث لو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم بالإمساك، ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى كما قال قائلهم: شعر : وحق له لما اعتراه نواكم لقد صام طرفي عن شهود سواكم ويبدو هلال الصب حين يراكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم تفسير : وفي قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 92]، إشارة أخرى؛ وهي أن تربية النفس وتزكيتها ببذل المال وترك الدنيا مقدمة على تربيتها بالجوع والعطش وسائر المجاهدات، فإن: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"، وهو عقبة لا يقتحمها إلا الفحول من الرجال، كقوله تعالى: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} تفسير : [البلد: 11-13]، وإن أول قدم السالك أن يخرج من الدنيا وما فيها، وثانية أن يخرج من النفس وصفاتها، كما قال: دع نفسك وتعالى، وقال تعالى: {أية : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 149]، وفي قوله: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 92]، إشارة إلى: إن الإمساك عن المشارب كلها من الدنيا والآخرة على الدوام، وهي جذبة من الله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 92] في الأزل {عَلِيماً} [النساء: 92] بمن يصلح لهذه الجذبة، { حَكِيماً} [النساء: 92] فيما اختارها يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم أخبر عن قصد قتل المؤمن بالعمل بقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} [النساء: 93]، والإشارة فيها: إن القلب مؤمن من أصل الفطرة، والنفس كافرة في أصل الخلقة، وبينهما عداوة جبلية وقتال أصلية وتضاد كلية، فإن في حياة النفس موت القلب، وفي حياة القلب موت النفس، فلما كان نفوس الكفار حية كانت قلوبهم ميتة، فسماهم الله تعالى الموتى، كما قال تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [النمل: 80]، ولما كانت نفس الصديق رضي الله عنه ميتة وقلبه حياً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر رضي الله عنه"تفسير : ، فالإشارة في قوله تعالى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} [النساء: 93]؛ أي: القلب والنفس؛ يعني: النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية باستيلاء صفاتها البهيمية والسبعية والشيطانية على القلب الروحاني، وغلبت هواها عليه حتى يموت القلب، فإنها سمها القاتل، {فَجَزَآؤُهُ} [النساء: 93]؛ أي: جزاء النفس {جَهَنَّمُ} [النساء: 93]؛ وهي سفل عالم الطبيعة، {خَٰلِداً فِيهَا} [النساء: 93]؛ لأن خروج النفس عن سفل الطبيعة إنما كان بحبل الشريعة، والتمسك بحبل الشريعة إنما كان من خصائص القلب المؤمن بالله، كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ}تفسير : [التين: 5-6]، فالإيمان والعمل الصالح من شأن القلب وصنيعته، فإذا مات القلب وانقطع عمله تخلد النفس في جهنم سفل الطبيعة أبداً، {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93]، بأن يبعدها ويطردها عن الحضرة والقربة، ويحرمها عن إيصال الخير والرحمة إليها بخطاب {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28]، {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93]، عن حضرة العلي العظيم والحرمات عن جنات النعيم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي: يمتنع ويستحيل أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن، أي: متعمدا، وفي هذا الإخبارُ بشدة تحريمه وأنه مناف للإيمان أشد منافاة، وإنما يصدر ذلك إما من كافر، أو من فاسق قد نقص إيمانه نقصا عظيما، ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك، فإن الإيمان الصحيح يمنع المؤمن من قتل أخيه الذي قد عقد الله بينه وبينه الأخوة الإيمانية التي من مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى، وأي أذى أشد من القتل؟ وهذا يصدقه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". فعلم أن القتل من الكفر العملي وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله. ولما كان قوله: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا } لفظا عاما لجميع الأحوال، وأنه لا يصدر منه قتل أخيه بوجه من الوجوه، استثنى تعالى قتل الخطأ فقال: { إِلا خَطَأً } فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل غير آثم، ولا مجترئ على محارم الله، ولكنه لما كان قد فعل فعلا شنيعًا وصورته كافية في قبحه وإن لم يقصده أمر تعالى بالكفارة والدية فقال: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً } سواء كان القاتل ذكرًا أو أنثى حرًّا أو عبدًا، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلا أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا، كما يفيده لفظ "مَنْ" الدالة على العموم وهذا من أسرار الإتيان بـ "مَنْ"في هذا الموضع، فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول: فإن قتله، ولكن هذا لفظ لا يشمل ما تشمله "مَنْ". وسواء كان المقتول ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، كما يفيده التنكير في سياق الشرط، فإن على القاتل { تحرير رقبة مؤمنة } كفارة لذلك، تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء. ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة؛ لأن المقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: { تحرير رقبة } ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير. فتأمل ذلك فإنه واضح. وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد. { مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } جبرًا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ما ترك، الميت، فالدية داخلة فيما ترك وللدية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه. وقوله: { إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا } أي: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت. { فَإِنْ كَانَ } المقتول { مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ } أي: من كفار حربيين { وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } أي: وليس عليكم لأهله دية، لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم. { وَإِنْ كَانَ } المقتول { مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق. { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } الرقبة ولا ثمنها، بأن كان معسرا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة، { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم. { تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ } أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ. { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، في أي وقت كان وأي محل كان. ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيء، بل كل ما خلقه وشرعه فهو متضمن لغاية الحكمة، ومن علمه وحكمته أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة، وأخرجها من الوجود إلى العدم، فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية للخلق إلى الحرية التامة، فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربا إلى الله. ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذا الموضع لعدم المناسبة. بخلاف الظهار، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك. ومن حكمته أن وجبت على العاقلة في قتل الخطأ، بإجماع العلماء، لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد [ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرًا من تحميلهم] ويخف عنهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين. ومن حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم، بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل.
همام الصنعاني
تفسير : 605- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}: [الآية: 92]، قال: هو المسلم يكون في المشركين فيقتله المؤمن ولا يدري، ففيه عتق رقبةٍ وليست له دِيَّةٌ. 616- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن الزّهري في قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ}: [الآية: 92]، قال: هو المعاهد. 620- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوري، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيم قال: كل شيء في القرآن {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}: [الآية: 92]، قال: الذي قد صلّى، وما لم تكن مؤمنة فتجزئه ما لم يُصَلِّ. 621- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}: الآية: 92]، قال: الرّجلُ المؤمن يكون في العدو منا لمشركين فيقتله المسلم ولا يَعْلَم، فإنه يَعْتق رقبة وليس عليه دِية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):