Verse. 586 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَمَنْ يَّقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاۗؤُہٗ جَہَنَّمُ خٰلِدًا فِيْھَا وَغَضِبَ اللہُ عَلَيْہِ وَلَعَنَہٗ وَاَعَدَّ لَہٗ عَذَابًا عَظِيْمًا۝۹۳
Waman yaqtul muminan mutaAAammidan fajazaohu jahannamu khalidan feeha waghadiba Allahu AAalayhi walaAAanahu waaAAadda lahu AAathaban AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن يقتل مؤمنا متعمِّدا» بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا عالما بإيمانه «فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه» أبعده من رحمته «وأعد له عذابا عظيما» في النار وهذا مؤوَّل بمن يستحله أو بأن هذا جزاؤه إن جُوزي ولا يدفع في خلف الوعيد لقوله (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة وبينت آية البقرة أن قاتل العمد يقتل به وأن عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها وبينت السنة أن بين العمد والخطأ قتلا يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالبا فلا قصاص فيه بل دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو والعمد أولى بالكفارة من الخطأ.

93

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل العمد، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة البقرة وهو قوله: {أية : يـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } تفسير : [البقرة: 178] فلا جرم ههنا اقتصر على بيان ما فيه من الاثم والوعيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: استدلت الوعيدية بهذه الآية على أمرين: أحدهما: على القطع بوعيد الفساق. والثاني: على خلودهم في النار، ووجه الاستدلال أن كلمة «من» في معرض الشرط تفيد الاستغراق، وقد استقصينا في تقرير كلامهم في سورة البقرة في تفسير قوله: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 81] وبالغنا في الجواب عنها، وزعم الواحدي أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية طرقا كثيرة. قال: وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها إما تخصيص، وإما معارضة، وإما إضمار، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك. قال: والذي أعتمده وجهان: الأول: إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك القصة. والثاني: أن قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } معناه الاستقبال أي أنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد قال: وخلف الوعيد كرم، وعندنا أنه يجوز أن يخلف الله وعيد المؤمنين، فهذا حاصل كلامه الذي زعم أنه خير مما قاله غيره. وأقول: أما الوجه الأول فضعيف، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم، فيسقط هذا الكلام بالكلية، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله: {أية : ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} تفسير : [النساء: 92] فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الاسلام، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه. الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً } تفسير : [النساء: 94] وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف، وعلى هذا التقدير: فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الايمان؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار. الثالث: أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبهذا الطريق عرفنا أن قوله: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } تفسير : [المائدة: 38] وقوله: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا } تفسير : [النور: 2] الموجب للقطع هو السرقة، والموجب للجلد هو الزنا، فكذا ههنا وجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو هذا القتل العمد، لأن هذا الوصف مناسب لذلك الحكم، فلزم كون ذلك الحكم معللا به، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يقال: أينما ثبت هذا المعنى فإنه يحصل هذا الحكم، وبهذا الوجه لا يبقى لقوله: الآية مخصوصة بالكافر وجه. الوجه الرابع: أن المنشأ لاستحقاق هذا الوعيد إما أن يكون هو الكفر أو هذا القتل المخصوص، فإن كان منشأ هذا الوعيد هو الكفر كان الكفر حاصلا قبل هذا القتل، فحينئذ لا يكون لهذا القتل أثر ألبتة في هذا الوعيد، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية جارية مجرى ما يقال: إن من يتعمد قتل نفس فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه، لأن القتل العمد لما لم يكن له تأثير في هذا الوعيد جرى مجرى النفس ومجرى سائر الأمور التي لا أثر لها في هذا الوعيد، ومعلوم أن ذلك باطل، وإن كان منشأ هذا الوعيد هو كونه قتلا عمدا فحينئذ يلزم أن يقال: أينما حصل القتل يحصل هذا الوعيد، وحينئذ يسقط هذا السؤال، فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء. وأما الوجه الثاني: من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، فاذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله، وهذا خطأ عظيم، بل يقرب من أن يكون كفراً، فإن العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال: إن الخلف في الوعيد كرم، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء. وحكى القفال في تفسيره وجها آخر، هو الجواب وقال: الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا، وقد يقول الرجل لعبده: جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، إلا أني لا أفعله، وهذا الجواب أيضاً ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، وثبت بسائر الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء الى المستحقين. قال تعالى: {أية : مَن يَعْمَلُ سُوءا يُجْزَ بِهِ }تفسير : [النساء: 123] وقال: {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } تفسير : [غافر: 17] وقال: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7، 8] بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه يوصل اليهم هذا الجزاء وهو قوله: {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } فإن بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا } فلو كان قوله: {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } إخبارا عن الاستحقاق كان تكرارا، فلو حملناه على الاخبار عن أنه تعالى سيفعل لم يلزم التكرار، فكان ذلك أولى. واعلم أنا نقول: هذه الآية مخصوصة في موضعين: أحدهما: أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص فإنه لا يحصل فيه هذا الوعيد ألبتة. والثاني: القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فانه لا يحصل فيه الوعيد، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] وأيضاً فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد، وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد، وما ذكره في ترجيح عمومات الوعيد قد أجبنا عنه وبينا أن عمومات الوعد راجحة، وكل ذلك قد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 81] المسألة الثانية: نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة، وقال جمهور العلماء: إنها مقبولة، ويدل عليه وجوه: الحجة الأولى: أن الكفر أعظم من هذا القتل فاذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول. الحجة الثانية: قوله تعالى في آخر الفرقان: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يلق أثاماً يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً } تفسير : [الفرقان: 68-70] وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة: فبأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة كان أولى. الحجة الثالثة: قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى، والله أعلم. تم الجزء العاشر، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر، وأوله قول تعالى: {عَظِيماً يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } من سورة النساء. أعان الله على إكماله.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ} «من» شرط، وجوابه {فَجَزَآؤُهُ} وسيأتي. وٱختلف العلماء في صفة المتعمِّد في القتل؛ فقال عطاء والنَّخَعيّ وغيرهما: هو من قَتل بحديدة كالسيف والخنجر وسِنان الرّمح ونحو ذلك من المشحوذ المُعَدّ للقطع أو بما يُعلم أن فيه الموتَ من ثقال الحجارة ونحوها. وقالت فرقة: المتعمّد كل مَن قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك؛ وهذا قول الجمهور. الثانية ـ ذكر الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شِبْهَ العمد وقد اختلف العلماء في القول به؛ فقال ابن المنذر: أنكر ذلك مالك، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ. وذكره الخَطّابِيّ أيضاً عن مالك وزاد: وأما شبه العمد فلا نعرفه. قال أبو عمر: أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد؛ فمن قُتل عندهما بما لا يَقتل مثلُه غالباً كالعَضّة واللّطْمة وضربة السوط والقَضِيب وشبه ذلك فإنه عَمْد وفيه القَوَد. قال أبو عمر: وقال بقولهما جماعة من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كلّه شبهُ العمد. وقد ذُكر عن مالك وقاله ابن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين. قال ابن المنذر: وشبه العمد يُعمل به عندنا. وممن أثبت شِبْهَ العَمْد الشَّعْبيُّ والحَكَم وحمّاد والنَّخَعيّ وقَتادةُ وسفيان الثَّوْرِيّ وأهلُ العراق والشافعيّ، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما. قلت: وهو الصحيح؛ فإن الدماء أحقُّ ما ٱحتِيط لها إذ الأصل صيانتها في أُهُبِها، فلا تُستباح إلا بأمر بيِّن لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال؛ لأنه لمّا كان متردّداً بين العَمْد والخطأ حكم له بشبه العمد؛ فالضرب مقصود والقتل غير مقصود، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القَوَد وتُغلّظ الديّة. وبمثل هذا جاءت السنة؛ روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ألاَ إن دِيَةَ الخطأ شبهِ العمد ما كان بالسوط والعصا مائةٌ من الإبل منها أربعون في بطونها أولادُها » تفسير : . وروى الدّارَقُطْنِيّ عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : العَمْد قَوَد اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قُتل في عِميَّة بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل » تفسير : . وروي أيضاً من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : عقل شبه العمد مغلّظ مثلُ قتل العمد ولا يقتل صاحبه » تفسير : . وهذا نصّ. وقال طاوس في الرجل يصاب في الرِّميا في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة. يُوَدَى ولا يقتل به من أجل أنه لا يُدْرَى مَن قاتله. وقال أحمد بن حنبل: العِميَّا هو الأمرُ الأعمى للعَصَبِيَّة لا تستبين ما وجهُه. وقال إسحاق: هذا في تحارج القوم وقتلِ بعضهم بعضاً. فكأن أصله من التّعمية وهو التلبيس؛ ذكره الدّارَقُطْنِيّ. مسألة ـ واختلف القائلون بشبه العمد في الدية المغلّظة، فقال عطاء والشافعيّ: هي ثلاثون حِقّة وثلاثون جَذَعة وأربعون خَلِفة. وقد رُوي هذا القول عن عمر وزيد ابن ثابت والمغيرة بنِ شعبة وأبي موسى الأشعري؛ وهو مذهب مالك حيث يقول بشبه العمد، ومشهور مذهبه أنه لم يقل به إلا في مثل قصة المُدلجِي بابنه حيث ضربه بالسيف. وقيل: هي مُرَبّعة ربع بنات لبون، وربع حِقاق، وربع جِذاع، وربع بنات مخاض. هذا قول النعمان ويعقوب؛ وذكره أبو داود عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمرة عن عليّ. وقيل: هي مُخمَّسة: عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لَبُون وعشرون ابن لبون وعشرون حِقة وعشرون جذعة؛ هذا قول أبي ثَوْر. وقيل: أربعون جذعة إلى بازل عامها وثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون. ورُوي عن عثمان بن عفان وبه قال الحسن البصريّ وطاوس والزّهرِيّ. وقيل: أربع وثلاثون خَلِفة إلى بازل عامها، وثلاث وثلاثون حِقّة، وثلاث وثلاثون جذعة؛ وبه قال الشعبي والنَّخعِيّ، وذكره أبو داود عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمْرة عن عليّ. الثالثة ـ واختلفوا فيمن تلزمه دية شبِه العمد؛ فقال الحارث العُكَّلي وابن أبي لَيْلَى وابن شُبْرُمة وقَتادة وأبو ثَوْر: هو عليه في ماله. وقال الشّعْبي والنَخْعي والحَكَم والشافعي والثَّوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: هو على العاقلة. قال ابن المنذر: قولُ الشَعْبي أصح؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة. الرابعة ـ أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دِية العمد وأنها في مال الجاني؛ وقد تقدّم ذكرها في «البقرة» وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة؛ واختلفوا فيها في قتل العمد؛ فكان مالك والشافعي يريان على قاتل العمد الكفارة كما في الخطأ. قال الشافعي: إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أوْلى. وقال: إذا شُرع السجود في السهو فَلأن يُشرع في العمد أوْلى، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمُسقط ما قد وجب في الخطأ. وقد قيل: إن القاتل عمدا إنما تجب عليه الكفارة إذا عُفي عنه فلم يقتل، فأما إذا قُتل قَودَا فلا كفارة عليه تُؤخذ من ماله. وقيل تجب. ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله. وقال الثوري وابو ثور وأصحاب الرأي: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى. قال ابن المُنْذِر: وكذلك نقول؛ لأن الكفارات عبادات ولا يجوز التمثيل. وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضاً يُلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، وليس مع مَن فَرض على القاتل عمداً كفارةً حجةٌ من حيث ذُكرت. الخامسة ـ واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأ؛ فقالت طائفة: على كل واحد منهم الكفارة؛ كذلك قال الحسن وعِكرمة والنّخَعي والحارث العُكْلي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: عليهمْ كلهم كفارة واحدة؛ هكذا قال أبو ثور، وحكى ذلك عن الأوزاعي. وفَرَق الزهري بين العتق والصوم؛ فقال في الجماعةَ يرمون بالمَنجنيق فيقتلون رجلا: عليهم كلهم عتق رقبة، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين. السادسة ـ رَوى النّسائي: أخبرنا الحسن بن إسحاق المْرَوزي ـ ثِقةٌ قال حدّثني خالد بن خداش قال حدّثنا حاتم بن اسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بُريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : قتل المؤمن أعظمُ عندالله من زوال الدنيا » تفسير : . وروي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أوّل ما يحاسَب به العبد الصلاة وأوّل ما يُقْضَى بين الناس في الدماء » تفسير : . وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير بن مُطعم عن عبد الله بن عباس أنه سأله سائل فقال: يا أبا العباس، هل للقاتل توبة؟ فقال له ابن عباس كالمتعجّب من مسألته: ماذا تقول! مرتين أو ثلاثاً. ثم قال ابن عباس: ويحك! أنَّىٰ له توبةٰ سمعت نبيّكم صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : يأتي المقتول مُعلِّقاً رأسه بإحدى يديه متلَبِّباً قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دَماً حتى يُوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى ربِّ هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل تَعِسْت ويُذهب به إلى النار » تفسير : . وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما نازلت ربي في شَيءٍ ما نازلته في قتل المؤمن فلم يجبني ». تفسير : السابعة ـ واختلف العلماء في قاتل العمد هل له من توبة؟ فروى البُخاري عن سعيد بن جُبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. وروى النَّسائي عنه قال: سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا. وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: { أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ } تفسير : [الفرقان: 68] قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ}. وروي عن زيد بن ثابت نحوُه، وأن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر؛ وفي رواية بثمانية أشهر ذكرهما النَّسائي عن زيد بن ثابت. وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا: هذا مخصّص عموم قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل؛ فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمداً. وذهب جماعة من العلماء منهم عبد الله بن عمر ـ وهو أيضاً مروي عن زيد وابن عباس ـ إلى أن له توبة. روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد ابن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال ألمن قتل مؤمنا متعمداً توبة؟ قال: لا إلا النار؛ قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أنّ لمن قتل توبةً مقبولة؛ قال: إني لأحسِبه رجلا مُغْضَباً يريد أن يقتل مؤمنا. قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح، وأن هذه الآية مخصوصة، ودليل التخصيص آيات وأخبار. وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مِقْيَس ابن ضبابة؛ وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة؛ فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر؛ فقال بنو النجار؛ والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدّي الدّية؛ فأعطوه مائة من الإبل؛ ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مِقيس على الفهريّ فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتداً؛ وجعل ينشد: شعر : قتلت به فِهرا وحمَّلت عقلَه سُراة بني النجار أربابَ فارِعِ حلَلَتُ به وتْرِي وأدركت ثَورتي وكنت إلى الآوثان أوّلَ راجِعِ تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ « حديث : لا أؤمنه في حل ولا حرم » تفسير : . وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدّين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله؛ { أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ } تفسير : [هود: 114] وقوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } تفسير : [الشورى: 25] وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. والأخذ بالظاهرين تناقض فلا بد من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية «الفرقان» وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض، وذلك أن يحمل مطلق آية «النساء» على مُقَيَّد آية «الفرقان» فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا من تاب؛ لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب. وأما الأخبار فكثيرة كحديث عُبادة بن الصامت الذي قال فيه: « حديث : تُبايعوني على ألاّ تشركوا بالله شيئاً ولا تَزْنُوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفسَ التى حرَم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذبه » تفسير : . رواه الأئمة أخرجه الصحيحان. وكحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي قتل مائة نفس أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه وغيرهما إلى ذلك من الأخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل، ويقرّ بأنه قتل عمداً، ويأتي السلطان الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قوداً، فهذا غير متبع في الآخرة والوعيد غير نافذ عليه إجماعا على مقتضى حديث عُبادة؛ فقد انكسر عليهم ما تعلّقوا به من عموم قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بيّنا، أو تكون محمولة على ما حُكي عن ابن عباس أنه قال: متعمداً معناه مستحلا لقتله؛ فهذا أيضاً يؤول إلى الكفر إجماعاً. وقالت جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب أو لم يتب؛ قاله أبو حنيفة وأصحابه. فإن قيل: إن قوله تعالى: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} دليل على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من الإيمان. قلنا: هذا وعيد، والخلف في الوعيد كرم؛ كما قال: شعر : وإنِّي مَتَى أوعدته أو وعدته لَمُخْلِف إيعادي وَمُنْجِزُ مَوْعِدي تفسير : وقد تقدّم. جواب ثان ـ إن جازاه بذلك؛ أي هو أهل لذلك ومستحقه لعظيم ذنبه. نصّ على هذا أبو مِجْلَز لاحِق بن حُميد وأبو صالح وغيرهما. وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إذا وَعد الله لعبد ثوابا فهو مُنْجِزه وإن أوعد له العقوبة فله المشيئة إن شاء عاقبه إن شاء عفا عنه » تفسير : . وفي هذين التأويلين دَخَل؛ أما الأوّل ـ فقال القشيري: وفي هذا نظر؛ لأن كلام الرب لا يقبل الخُلْف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام؛ فهو إذاً جائز في الكلام. وأما الثاني ـ وإن رُوي أنه مرفوع فقال النحاس: وهذا الوجه الغلط فيه بيّن، وقد قال الله عز وجل:{أية : ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ} تفسير : [الكهف: 106] ولم يقل أحد: إن جازاهم؛ وهو خطأ في العربية لأن بعده {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} وهو محمول على معنى جازاه. وجواب ثالث ـ فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصرّ على الذنب حتى وَافَى ربَّه على الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة الله في كتاب «الناسخ والمنسوخ» أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا هي مُحْكمة. وفي هذا الذي قاله نظر؛ لأنه موضع عمومٍ وتخصيصٍ لا موضع نسخ؛ قاله ٱبن عطية. قلت: هذا حسن؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه. وقال النحاس في «معاني القرآن» له: القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه مُحْكم وأنه يجازيه إذا لم يتب، فإن تاب فقد بيّن أمره بقوله: { أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ } تفسير : [طه: 82] فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: { أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ } تفسير : [الأنبياء: 34] الآية. وقال تعالى: { أية : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } تفسير : [الهمزة: 3]. وقال زهير: شعر : ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا تفسير : وهذا كله يدل على أن الخُلْد يطلق على غير معنى التأبيد؛ فإن هذا يزول بزوال الدنيا. وكذلك العرب تقول: لأخلدنّ فلاناً في السجن؛ والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون. ومثله قولهم في الدعاء: خلّد الله ملكه وأبّد أيامه. وقد تقدّم هذا كله لفظاً ومعنىً. والحمدلله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } بأن يقصد قتله بما يقتل غالباً عالماً بإيمانه {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ } أبعده من رحمته {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } في النار وهذا مُؤَوَّل بمن يستحله أو بأنّ هذا جزاؤه إن جُوزي ولا بِدْعَ في خُلْف الوعيد لقوله: { أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } تفسير : [48:4] وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة وبينت آية البقرة[178:2] أنّ قاتل العمد يقتل به وأنّ عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها وبينت السنة أنّ بين العمد والخطأ قتلاً يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالباً فلا قصاص فيه بل دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو والعمد أولى بالكفارة من الخطأ.

ابن عطية

تفسير : "المتعمد" في لغة العرب القاصد إلى الشيء، واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل، فقال عطاء وإبراهيم النخعي وغيرهما: هو من قتل بحديدة كالسيف أو الخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ المعد للقطع أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقيل الحجارة ونحوه، وقالت فرقة: "المتعمد " كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، وهذا قول الجمهور وهو الأصح، ورأى الشافعي وغيره أن القتل بغير الحديد المشحوذ هو شبه العمد، ورأوا فيه تغليظ الدية، ومالك رحمه الله لا يرى شبه العمد ولا يقول به في شيء، وإنما القتل عنده ما ذكره الله تعالى عمداً وخطأ لا غير، والقتل بالسم عنده عمد، وإن قال ما أردت إلا سكره، وقوله: {فجزاؤه جهنم} تقديره عند أهل السنة، فجزاؤه أن جازاه بذلك أي هو أهل ذلك ومستحقه لعظم ذنبه، ونص على هذا أبو مجلز وأبو صالح وغيرهما وهذا مبني على القول بالمشيئة في جميع العصاة قاتل وغيره، وذهبت المعتزلة إلى عموم هذه الآية، وأنها مخصصة بعمومها لقوله تعالى: {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء 48-116] وتوركوا في ذلك على ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: نزلت الشديدة بعد الهينة، يرد نزلت {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} بعد {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء 48-116] فهم يرون أن هذا الوعيد نافذ حتماً على كل قاتل يقتل مؤمناً، ويرونه عموماً ماضياً لوجهه، مخصصاً للعموم في قوله تعالى: {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48 و 116] كأنه قال: إلا من قتل عمداً. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وأهل الحق يقولون لهم: هذا العموم منكسر غير ماض لوجهه من جهتين، إحداهما ما أنتم معنا مجمعون عليه من الرجل الذي يشهد عليه أو يقر بالقتل عمداً ويأتي السلطان أو الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قوداً، فهذا غير متبع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعاً متركباً على الحديث الصحيح من طريق عبادة بن الصامت، أنه من عوقب في الدنيا فهو كفارة له، وهذا نقض للعموم، والجهة الأخرى أن لفظ هذه الآية ليس بلفظ عموم، بل لفظ مشترك يقع كثيراً للخصوص، كقوله تعالى: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} تفسير : [المائدة:44] وليس حكام المؤمنين إذا حكموا بغير الحق في أمر بكفرة بوجه، وكقول الشاعر [زهير بن أبي سلمى]: [الطويل] شعر : وَمَنْ لا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاَحِهِ يُهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ تفسير : وهذا إنما معناه الخصوص، لأنه ليس كل من لا يظلم يظلم، فهذه جهة أخرى تدل على أن العموم غير مترتب، وما احتجوا به من قول زيد بن ثابت فليس كما ذكروه، وإنما أراد زيد أن هذه الآية نزلت بعد سورة الفرقان، ومراده باللينة قوله تعالى: {أية : ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} تفسير : [الفرقان:68]، وإن كان المهدوي قد حكى عنه أنه قال: أنزلت الآية {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} بعد قوله تعالى: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به} تفسير : [النساء: 48 -116] بأربعة أشهر فإذا دخله التخصيص، فالوجه أن هذه الآية مخصوصة في الكافر يقتل المؤمن، أما على ما روي أنها نزلت في شأن مقيس بن حبابة، حين قتل أخاه هشام بن حبابة رجل من الأنصار، فأخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية، ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر ما، فعدا عليه مقيس فقتله ورجع إلى مكة مرتداً، وجعل ينشد: [الطويل] شعر : قَتَلْتُ بِهِ فِهْراً وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سراةَ بني النَّجَّارِ أربابَ فَارِعِ حَللْتُ بِهِ وِتْرِي وأدْرَكْتُ ثورتي وكنتُ إلى الأوثانِ أَوَّلَ راجِعِ تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أؤمنه في حل ولا في حرم" تفسير : وأمر بقتله يوم فتح مكة، وهو متعلق بالكعبة، وأما أن يكون على ما حكي عن ابن عباس أنه قال {متعمداً} معناه مستحلاً لقتله. فهذا يؤول أيضاً إلى الكفر، وفي المؤمن الذي قد سبق في علم الله أنه يعذبه بمعصيته على ما قدمنا من تأويل، فجزاؤه أن جازاه، ويكون قوله {خالداً} إذا كانت في المؤمن بمعنى باق مدة طويلة على نحو دعائهم للملوك بالتخليد ونحو ذلك، ويدل على هذا سقوط قوله "أبداً" فإن التأبيد لا يقترن بالخلود إلا في ذكر الكفار. واختلف العلماء في قبول توبة القاتل، فجماعة على أن لا تقبل توبته، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وكان ابن عباس يقول: الشرك والقتل مبهمان، من مات عليهما خلد، وكان يقول: هذه الآية مدنية نسخت الآية التي في الفرقان، إذ الفرقان مكية والجمهور على قبول توبته، وروي عن بعض العلماء أنهم كانوا يقصدون الإغلاظ والتخويف أحياناً، فيطلقون: لا تقبل توبة القاتل، منهم ابن شهاب كان إذا سأله من يفهم منه أنه قد قتل قال له: توبتك مقبولة، وإذا سأله من لم يفعل، قال له: لا توبة للقاتل، ومنهم ابن عباس وقع عنه في تفسير عبد بن حميد أن رجلاً سأله أللقاتل توبة؟ فقال له: لا توبة للقاتل وجزاؤه جهنم، فلما مضى السائل قال له أصحابه: ما هكذا كنا نعرفك تقول إلا أن للقاتل التوبة، فقال لهم: إني رأيته مغضباً وأظنه يريد أن يقتل، فقاموا فطلبوه وسألوا عنه، فإذا هو كذلك. وذكر هبة الله في كتاب الناسخ والمنسوخ له: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء:48 - 116] وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر، فإنهما قالا: هي محكمة. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفيما قاله هبة الله نظر، لأنه موضع عموم وتخصيص، لا موضع نسخ، وإنما ركب كلامه على اختلاف الناس في قبول توبة القاتل، والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا} نزلت في مقيس بن صبابة قتل أخاه رجل فهري فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم ديته، وضربها على بني النجار، فقبلها مقيس ثم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع الفهري لحاجة فاحتمل الفهري وضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، فأهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دمه، فقُتل عام الفتح، قال زيد بن ثابت: نزلت الشديدة بعد الهيّنة بستة أشهر، الشديدة {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا}، والهيّنة: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ}تفسير : [الفرقان: 68]، وقيل للرسول في الشديدة: "وإن تاب وآمن وعمل صالحاً" فقال: وأنى له التوبة، رواه ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم} نزلت في مقيس بن صبابة الكناني وكان قد أسلم هو وأخوه هشام فوجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى أخيه مقيس فيقتص منه وأنت لم تعلموه ادفعوا إليه ديته فبلغهم الفهري ذلك فقالوا سمعاً وطاعة لله ولرسوله ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل فانصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال له: تقبل دية أخيك لتكون عليك سبة أقتل الفهري الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية فتغفل الفهري فرماه بصخرة فقتله ثم ركب بعيراً من الإبل وساق بقيتها راجعاً إلى مكة كافراً وقال في ذلك: شعر : قتلت به فهراً وحملت عقله سراة بني النجار أرباب قارع وأدركت ثأري واضطجعت موسداً وكنت إلى الأصنام أول راجع تفسير : فنزلت فيه ومن يقتل مؤمناً متعمداً يعني قاصداً لقتله فجزاؤه جهنم {خالداً فيها} يعني بكفره وارتداده وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عمن أمنه من أهلها فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة {وغضب الله عليه} يعني لأجل كفره وقتله المؤمن متعمداً {ولعنه} يعني طرده عن رحمته {وأعد له عذاباً عظيماً} اختلف العلماء في حكم هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ وهل لمن قتل مؤمناً متعمداً توبة؟ أم لا فروي عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس ألمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة قال لا؟ فتلوت عليه الآية التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر: {أية : ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاّ بالحق} تفسير : [الفرقان: 68] إلى آخر الآية قال هذه آية مكية نسختها آية مدنية، ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم وفي رواية قال اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن فرحلت إلى ابن عباس قال نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء وفي رواية أخرى. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر إلى قوله مهاناً فقال المشركون وما يعني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقد قتلنا النفس التي رحم الله وأتينا الفواحش فأنزل الله تعالى: {أية : إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} تفسير : [الفرقان: 70] إلى آخر الآية زاد في رواية فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له أخرجاه في الصحيحين. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه ناظر ابن عباس في هذه الآية فقال من أين لك أنها محكمة؟ فقال ابن عباس تكاثف الوعيد فيها وقال ابن مسعود إنها محكمة وما تزداد إلاّ شدة وعن خارجة بن زيد قال سمعت زبيد بن ثابت يقول أنزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها بعد التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله بالحق بستة أشهر. أخرجه أبو داود وزاد النسائي في رواية أشهر بثمانية أشهر. وقال زيد بن ثابت لما نزلت هذه الآية التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة وأراد بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء وباللينة آية الفرقان. وذهب الأكثرون من علماء السلف والخلف إلى أن هذه الآية منسوخة واختلفوا في ناسخها. فقال بعضهم نسختها التي في الفرقان وليس هذا القول بالقوي لأن آية الفرقان نزلت قبل آية النساء والمتقدم لا ينسخ المتأخر وذهب جمهور من قال بالنسخ إلى أن ناسخها الآية التي في النساء أيضاً وهي قوله تعالى: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48] وأجاب من ذهب إلى أنها منسوخة عن حديث ابن عباس المتقدم المخرج في الصحيحين بأن هذه الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل ذلك الأمر المذكور في الآية والنسخ لا يدخل الإخبار ولئن سلمنا أنه يدخلها النسخ لكن الجمع بين الآيتين ممكن، بحيث لا يكون بينهما تعارض، وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على تقييد آية الفرقان فيكون المعنى فجزاؤه جهنم إلاّ من تاب وقال بعضهم ما ورد عن ابن عباس إنما هو على سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل فهو كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال إن لم يقتل يقال له لا توبة لك وإن قتل ثم ندم وجاء تائباً يقال له لك توبة وقيل إنه قد روي عن ابن عباس مثله وروي عنه أيضاً أن توبته تقبل وهو قول أهل السنة ويدل عليه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: {أية : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً}تفسير : [طه: 82] ثم اهتدى وقوله إن الله يغفر الذنوب جميعاً وأما السنة فما روي عن جابر بن عبدالله قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "حديث : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ومن مات يشرك به شيئاً دخل النار" تفسير : أخرجه مسلم (ق) عن عبادة بن الصامت قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وفي رواية ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه فبايعناه على ذلك. فصل وقد تعلقت المعتزلة والوعيدية بهذه الآية لصحة مذهبهم على أن الفاسق يخلد في النار وأجاب علماء بأن الآية نزلت في كافر قتل مسلماً وهو مقيس بن صبابة فتكون الآية على هذا مخصوصة. وقيل هذا الوعيد لمن قتل مسلماً مستحلاً لقتله ومن استحل قتل مسلم كان كافراً وهو مخلد في النار بسبب كفره وعن أبي مجلز في قوله تعالى ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم. قال: هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل أخرجه أبو داود. وقيل إن الخلود لا يقتضي التأبيد بل معناه دوام الحالة التي هو عليها ويدل عليه قول العرب للأيام خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها وإذا ذكر الخلود في حق الكفار قرنه بذكر التأبيد كقوله خالدين فيها أبداً فإذا قرن الخلود بهذه اللفظة علم أن المراد منه الدوام الذي لا ينقطع إذا ثبت هذا كان معنى الخلود المذكور في الآية أن الله تعالى يعذب قاتل المؤمن عمداً في النار إلى حيث يشاء الله ثم يخرجه منها بفضل رحمته كرمه. فإنه قد ثبت في أحاديث الشفاعة الصحيحة إخراج جميع الموحدين من النار وقيل إن قاتل المؤمن عمداً عدوانا إذا تاب قبلت توبته بدليل قوله تعالى: {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48] ولأن الكفر أعظم من هذا القتل وتوبة الكافر من كفره مقبولة بدليل قوله: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإذا كانت التوبة من الكفر مقبولة فلأن تقبل من القاتل أولى والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ...} الآية: المتعمِّد في لغة العربِ: القاصِدُ إلى الشيءِ، والجمهورُ أنَّ المتعمِّد كُلُّ مَنْ قَتَلَ، كان القَتْلُ بحديدةٍ أو غيرها، وهذا هو الصحيحُ، ورأْيُ الشافعيِّ وغيره أنَّ القتْلَ بغير الحديدِ المشْحُوذِ هو شِبْهُ العَمْد، ورأَوْا فيه تغليظَ الدِّيَة، ومالكٌ لا يَرَىٰ شِبْهَ العمدِ، ولا يقُولُ به، وإنما القَتْل عنده ما ذَكَرَه اللَّه تعالَىٰ عَمْداً أو خطأً لا غَيْرُ. وقوله تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}، تقديره عنْد أهْلِ السُّنَّة: فجزاؤُه، إنْ جَازَاهُ بذلك، أي: هو أهْلٌ لذلك، ومستحِقُّه؛ لعظيم ذنبه. قال * ع *: ومَنْ أقِيمَ علَيْه الحَدُّ، وقُتِلَ قَوَداً، فهو غَيْرُ مْتَّبَعٍ في الآخرةِ، والوعيدُ غيرُ نافذٍ علَيْه؛ إجماعاً، وللحديثِ الصحيحِ، عن عُبَادة بن الصامت؛ أنَّهُ: «حديث : مَنْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ»تفسير : ، ومعنى الخُلُودِ هنا: مدَّةٌ طويلةٌ، إن جازاه اللَّهُ؛ ويدلُّ علَىٰ ذلك سقُوطُ لَفْظِ التأبيدِ. قال * ع *: والجمهورُ علَىٰ قبولِ توبته، ورُوِيَ عن بعض العلماء؛ أنهم كانُوا يَقْصِدُونَ الإغلاظَ، والتَّخْوِيفَ أحياناً، فيُطْلِقُونَ ألاَّ تُقْبَلَ توبته؛ منهم ابن شِهَابٍ، وابْنُ عَبَّاسٍ، فكان ابْنُ شِهَابٍ، إذا سأله مَنْ يفهم مِنْهُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَ، قال له: تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ، وإذا سأله مَنْ لم يفعلْ، قال: لاَ تَوْبَةَ لِلْقَاتِلِ، وعن ابنِ عَبَّاس نحوه، قال الدَّاوُوديُّ وعن أبي هُرَيْرة؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : وَاللَّهِ، لَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَىٰ قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ مَكْتُوبٌ عَلَىٰ جَبْهَتِهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ»تفسير : ، وعن معاويةَ، أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلاَّ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً، أَوْ مَاتَ كَافِراً»تفسير : ، وعن أبي هريرة؛ أنه سُئِلَ عَنْ قَاتِلِ المُؤْمِنِ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لاَ، وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، لاَ يَدْخُلُ الجَنَّة حَتَّىٰ يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخيَاطِ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَشْرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ إلاَّ كَبَّهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فِي النَّارِ». انتهى.

ابن عادل

تفسير : لما ذكر القتْل الخَطَأ، ذكر بعده بيان حُكم قتل العَمْدِ، وله أحكام مِثْل وُجُوب القِصَاص والدِّيَة، وقد ذُكر في سُورة البَقَرة عند قوله - [تعالى] - {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} تفسير : [البقرة: 178] لا جرم اقْتَصَر هَهُنَا على بَيَان الإثْمِ والوَعِيد. وقوله: "معتمداً": حالٌ من فَاعِل "يقتل"، وروي عن الكَسَائِيّ سكون التَّاء؛ كأنه فَرَّ من تَوالِي الحَرَكَات، و "خالداً" نصْبٌ على الحَالِ من محْذُوف، وفيه تقديران: أحدهما: "يجزاها خالداً فيها"، فإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من الضَّمِير المَنْصُوب أو المَرْفُوع. والثاني: "جازاه"، بدليل {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} فعطفَ المَاضِي عليه، فعلى هذا هي حَالٌ من الضَّمِير المنصوب لا غيرُ، ولا يجُوزُ أن تكون حالاً من الهَاءِ في "جزاؤه" لوجهين: أحدهما: أنه مُضَافٌ إليه، [ومَجِيء الحَالِ من المُضَاف إليه] ضعِيفٌ أو مُمْتَنع. والثاني: أنه يُؤدِّي إلى الفَصْلِ بين الحَالِ وصاحبها بأجْنَبِيٍّ، وهو خبرُ المبتدأ الذي هو "جهنم". فصل: سبب نزول الآية نَزَلَت [هذه الآية] في مقيس بن ضبابة الكِنْدِي، وكان قد أسْلَم هو وأخُوه هِشَامٌ، فوجد أخَاه هِشَاماً قَتِيلاً في بَنِي النَّجَّار، فأتى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له [ذلك]، فأرسل رسُول الله صلى الله عليه وسلم معه رَجُلاً من بَنِي فهر إلى بَنِي النَّجَّار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمُرُكم إن عَلِمْتُم قاتل هِشَام بن ضبابة [أن تدفَعُوه] إلى مقيس فيقتصَّ منه، وإن لم تَعْلَمُوه أن تَدْفَعُوا إليْه ديته، فأبلغهم الفِهري ذلك: فَقَالوا: سمعاً وطاعَةً لله ولرسُولِه، ما نَعْلَم له قَاتِلاً ولكنَّا نُؤدِّي ديته، فأعطوهُ مِائة من الإبل، ثم انْصَرَفَا راجِعَيْن إلى المّدِينَة، فأتَى الشَّيْطَان مقيساً فوسْوَس إليه، فقال: تقبل دِيَة أخيك فَتَكُون عليك مَسَبَّة، اقْتُل الذي ركب بَعِيراً منها وسَاقَ بقيَّتِها راجعاً إلى مَكَّة [كَافِراً] فنزل فيه: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} بكفره وارتداده، وهو الَّذِي استثْنَاه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يوم فَتْح مَكَّة عَمَّنْ أمَّنَهُ، فَقُتِل وهو مُتَعَلِّق بأستار الكَعْبَة، {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [أي: طَرَدَهُ عن الرَّحْمَة] {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. فصل: اختلاف العلماء في شبه العمد قال القرطبي: ذكر الله - عز وجل - في كتابه العَمْد والخطأ، ولم يذكر شِبْهَ العَمْد، وقد اختلف العُلَمَاء في القَوْل به: فقال ابن المُنْذِر: وأنكر ذَلِكَ مَالِك؛ وقال: ليس في كِتاب اللَّه إلا العمْدَ والخَطَأ وذكره الخَطَّابي أيضاً عن مَالِك، وزاد: أما شبه العَمْد فلا نَعْرِفُه. قال أبو عمرو: أنكر مَالِك واللَّيْث بن سَعْد شبه العَمْد، فمن قُتِلَ عِنْدَهُمَا بما لا يَقْتُل مثلُه غَالِباً؛ كالعضّة واللَّطْمة، وضرب السَّوْط ونحوه؛ فإنه عَمْد وفيه القَوَد، قال: وهو قول جَمَاعَةٍ من الصَّحَابة والتَّابعين، وذهب جُمْهُور فقهاءِ الأمْصَار إلى أن هذا كُلّه شبع العَمْد. قال ابن المُنْذِر: شبْه العمد يُعْمَل به عِنْدَنا، وممن أثبت شِبْه العَمْد الشَّعْبيُّ، والحَكَم، وحمَّاد، والنَّخعِيُّ، وقتادَةُ، وسُفْيَان الثَّوْريُّ، وأهل العِراقِ والشافعي وأحمد، وذُكِرَ عن مالكٍ، ورُوِيَ عن عُمَر بن الخَطَّاب، وعن عَلِيّ بن أبي طَالِبٍ - رضي الله عنهم أجمعين -. فصل فيمن تلزمه دية شبه العمد أجَمعُوا على أن دِيَة العَمْد في مالِ الجَانِي، ودية الخَطَأ على عاقِلَتِه، واختلفُوا في دية شبه العَمْد: فقال الحَارِث العُكْلِي، وابن أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمة، وقتادة، وأبو ثَوْر [هي] في مال الجَانِي. وقال الشَّعْبي، والنَّخْعِيّ، والحَكَم، والشَّافِعِيّ، والثَّوْرِيّ، وأحْمَد، وأحْمَد، وإسْحاق، وأصحاب الرَّأي: [هي] على العاقلة. قال ابن المُنْذِر: وهو الصَّحِيحُ: لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دِيَة الجَنِين على عاقِلة الضَّارِبَة. فصل اخْتَلَفُوا في حُكْم هذه الآية: [فَرُوِي] عن ابن عبَّاس أن قاتِل المؤمن عَمْداً لا توبةَ لَهُ، فقيل له: أليْس قد قال الله - تعالى - في سورة الفُرْقَان: {أية : وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الفرقان: 68] إلى قوله {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ} تفسير : [الفرقان: 68- 70] فقال: كانت هذه الآيةُ في الجاهِليَّة وذلك أن أناساً من أهْل الشِّرْك [كانوا] قد قَتَلُوا وزَنوا، فأتَوا رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تدعُو إليه لحَسَنٌ، لو تخبرنا أنَّ لما عَمْلِنا كَفَّارة، فنزلت: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ} تفسير : [الفرقان: 68]، إلى قوله {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ} تفسير : [الفرقان: 70] فهذه لأولَئِك، وأما الَّتِي في النِّسَاء؛ فالرَّجل الذي إذا عرف الإسْلام وشرائِعَه، ثم قتل مُسْلماً متعمداً فجزاَؤُه جَهَنَّم. وقال زيْد بن ثابت: لما نزلت الآيةُ التي في الفُرْقَان {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ} تفسير : [الفرقان: 68]، عجبنا من لينها، فلبثْنَا سبْعَة أشْهر ثم نزلت الغَلِيظَة بعد اللَّيِّنَة، [فنزلت] فَنَسَخَتْ الليِّنة، وأراد بالغَلِيِظَة هذه الآية، وباللَّيِّنة أية الفُرقان. وقال ابن عبَّاسٍ: تلك آية مكِّيَّة، وهذه مَدَنيَّة نزلت ولم يَنْسَخْهَا شيء. وذهب أهل السُّنَّة إلى أن قَاتِل المُسْلِم عَمْداً توبته مَقْبُولة؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً} تفسير : [طه: 82]، وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]، وما رُوي عن ابن عبَّاسٍ؛ فهو تَشديد ومُبَالغَة في الزَّجْرِ عن القَتْلِ، وليس في الآيَة متعلِّق لمن يَقُول بالتَّخْليد في النَّار بارتكاب الكبائر؛ لأن الآية نزلَتْ في قَاتِل [وهو] كَافِرٌ، وهو مقيس ابن صبابة، وقيل: إنَّه وعيد لمن قَتَل مُؤمِناً مُسْتَحِلاً [لقتله] بسبب إيمَانهِ، ومن اسْتَحَلَّ قتل أهْل الإيمانِ لإيمانِهِم، كان كافراً مُخَلّداً في النَّارِ. حكي أنَّ عمرو بن عُبَيْد جاء إلى عمرو بن العَلاءِ، فقال: هل يُخِلفُ الله وعده؟ فقال: لا، فقال: ألَيْسَ قد قَالَ - تعالى -: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} فقال أبو عَمْرو: من العَجَم أتَيْت يا أبا عُثْمان: إن العرب لا تَعُدُّ الإخلاَف في الوعيد خُلْفاً وذمَّا وإنَّما تَعُدُّ إخلاف الوَعْد خُلْفاً، وأنشد [شعراً]: [الطويل] شعر : 1864- وإِنَّي مَتَى أوْعَدْتُهُ أوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدي تفسير : والدَّليل على أن غير الشِّرْك لا يُوجِب التَّخْلِيد في النَّارِ، قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ باللَّه شَيْئاً، دخل الجَنَّةَ" تفسير : وروي [عن] عبادة بن الصَّامِتِ - رضي الله عنه -؛ حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَيْلَة العَقَبَة - وحوله عِصَابة من أصْحَابِه -: "بايِعُوني على ألاَّ تُشْرِكُوا باللَّه شَيئاً، ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا أوْلادكم، ولا تأتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونه بين أيْدِيكُم وأرْجُلِكُم، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وفَّى مِنْكُم، فأجْرُه على اللَّه، ومن أصابَ من ذَلِكَ [شيْئاً] فعُوقِبَ في الدُّنْيَا، فهو كَفَّارة له، ومن أصَابَ من ذَلِكَ شَيْئاً ثم سَتَرهُ الله عَلَيْه، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عَاقَبهُ" تفسير : فبايَعْنَاه على ذَلِكَ. وذكر الوَاحِدِي: أن الأصْحَاب سلكوا في الجَوَابِ عن هَذِه الآيَة طُرُقاً كَثِيرة، قال: وأنَا لا أرْتَضِي شَيْئاً منها؛ لأنّ الذي ذَكَرُوا إما تَخْصِيصٌ، وإما معَارَضَة، وإما إضْمار، واللَّفظ لا يَدُلُّ على شيء من ذَلِك، قال: والَّذي اعْتَمَدُوه وجهان: الأول: إجْماع المفسِّرين على أن الآيَة نزلت في كَافِرٍ قتل مُؤْمِناً، ثم ذكر تِلْك القِصَّة. والثاني: أن قوله: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} معناه الاسْتِقْبَال، والتقدير: إنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد، قال: وخُلْفُ الوَعِيد كَرَم. قال ابن الخَطِيب: والوَجْه الأوَّل ضعيفٌ؛ لأن العِبْرة بعُمومِ اللَّفْظ لا بخصوص السَّبَبِ، وأيضاً ثَبَتَ في أصُول الفِقْهِ؛ أن [ترتيب] الحُكْم على الوَصْفِ المُنِاسِب، يدلُّ على كَوْن ذلك الحُكْم علَِّة لذلِك؛ كقوله: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38]، و {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} تفسير : [النور: 2]، دلَّ ذَلِك على أن المُوجِبَ لِقَطْع السَّارِق هو السَّرِقة، وجَلْد الزَّانِي هو الزِّنَى، فكذا ههنا يَدُلَّ على أن المُوجِبَ لهذا الوَعِيد هو القَتْلِ العَمْد، لأنه الوصْفُ المُنَاسِب للحكم، وإذا كان كَذِلك، لم يَبْق لكون الآيَةِ مخْصُوصة بالكَافِر وجْهٌ، وأيضاً فإنه لا يَخْلُو إمَّا أن يكون المُوِجِبُ لهذا الوَعِيد هو الكُفْر دون القَتلِ العَمْد، وإن كَان المُوجبُ هو الكُفْر، وكان الكُفْر حَاصِلاً قبل هذا القَتْل، فحينئذ لا يَكُون للقَتْل أثراً ألْبَتَّة في هذا الوَعِيد، ويكُون هذا الكلام جَارياً مُجْرَى قوله من [يتعمد قَتْل] نفس فجزاؤه جَهَنم خَالِداً فيها؛ لأن القَتْل العَمْد ما لم يكُن له أثر في الوَعِيد، جرى مُجْرَى النَّفْس، وسائر الأمُور التي لا تَأثِير لها في هذا الوَعِيدِ، وذلك بَاطِل، وإن كان المُوجِب لهذا الوعيد [كونه] قَتْلاً عَمْداً، فلزم أن يُقَال: أيْنَمَا حصل القَتْل العَمْد، حصل هذا الوعيد؛ فثبت أن هذا الوَجْه الذي ارتَضَاه الوَاحِدِيّ ليس بِشَيْء. وأما الوجه الثاني: فهو في غَايَة الفَسَادِ؛ لأن الوعيدَ قَسْمٌ من أقْسَام الخَبَر، فإذا جَوَّزْنا الخُلْف فيه على اللَّهِ، فقد جَوَّزْنا الكَذِب على الله - تعالى -، وهذا خَطَأٌ عظيم، بل يَقْرُب من الكُفْرِ؛ لإجماع العُقَلاء على أنَّه - تعالى - منزَّه عن الكَذِب. وحكى القفال في تَفْسِيره وجْهاً آخَر في الجَوَابِ، فقال: الآية تدلُّ على أن جَزَاء القَتْل هو ما ذُكِرَ، لكن لَيْس فيها أنَّه - تعالى - يوصِلُ هذا الجَزَاءَ إلَيْه أم لا، وقد يقُول الرَّجُل لعَبْدِه: جزاؤُكَ أن أفْعَلَ بك كَذَا وكَذَا، إلا أنِّي لا أفعَلُ، وهذا الجوابُ أيضاً ضَعِيفٌ، لأنَّه ثبت بهذه الآيةِ أن جزاء القَتْل العَمْد هو ما ذُكِر، وثبت بسَائر الآيَاتِ أنه - تعالى - يوصل الجَزَاء إلى المسَتحِقِّين؛ قال - تعالى -: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء: 123]، وقال: {أية : وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 8]. قال ابن الخطيب: واعلم أنّا نَقُول [أن] هذه الآيَة مَخْصُوصة في مَوْضِعَيْن: أحدهما: أن يكون القَتْل [العَمْد] غير عُدْوان؛ كما في القِصَاص، فإنه لا يَحْصُل فيه هذا الوعِيد ألْبَتَّة. والثاني: القتل العَمْد العُدْوَان إذا تَاب عنه لا يَحْصُل فيه هذا الوعيد، وإذا ثبت دُخُول التَّخْصِيص فيه في هاتين الصُّورتَيْن فيدخُلُه التَّخْصيص فيما إذا حَصَل العفو فيه؛ بدليل قوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48].

البقاعي

تفسير : ولما ساق تعالى الخطأ مساق ما هو للفاعل منفراً عنه هذا التنفير، ناسب كل المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك، إذ كان ضبط النفس بعد إرسالها شديداً، فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة، وجرت إليه ضغينة وقوت الشبه فيه شدة شكيمة، ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال أصعب من الحمل على الإقدام! وإنما يعرف ذلك من جرب النفوس حال الإشراف على الظفر واللذاذة بالانتقام مع القوى والقدرة فقال: {ومن يقتل مؤمناً} ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوم العزم على ذلك لأجل الإيمان، وهو لا يكون إلا كفراً، وترك الكلام محتملاً زيادة تنفير من قتل المسلم {متعمّداً} أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره {فجزاؤه} أي على ذلك {جهنم} أي تتلقاه بحالة كريهة جداً كما تجهم المقتول {خالداَ فيها} أي ماكثاً إلى ما لا آخر له {وغضب الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له مع ذلك {عليه ولعنه} أي وأبعده من رحمته {وأعد له عذاباً عظيماً *} أي لا تبلغ معرفته عقولكم، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما قبلها وما بعدها من قوله تعالى {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48 و116] لا آية الفرقان فإنها مكية وهذه مدنية. ولما تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة الموجبة للتثبت، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكداً بأنواع التأكيد، وكان ربما التبس الحال؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت جواباً لمن كأنه قال: ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام؟ فقال: {يا أيها الذين أمنوا} مشيراً بأداة البعد والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى الأسنان إلى أن الراسخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب، وما أحسن التفاته إلى قوله تعالى {أية : وحرض المؤمنين} تفسير : [النساء: 84] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون من تحريضه صلى الله عليه وسلم وينقادون لأمره، بما دلت عليه كلمة "إذا" في قوله تعالى: {إذا ضربتم} أي سافرتم وسرتم في الأرض {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله، لأجل وجهه خالصاً {فتبينوا} أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان الأمور والثبات في تلبسها والتوقف الشديد عند منالها، وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم {ولا تقولوا} قولاً فضلاً عما هو أعلى منه {لمن ألقى} أي كائناً من كان {إليكم السلام} أي بادر بأن حياكم بتحية افسلام ملقياً قياده {لست مؤمناً} أي بل متعوذ - لتقتلوه. ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخاً منفراً عن مثل هذا في موضع الحال من فاعل "تقولوا" {تبتغون} أي حال كونكم تطلبون طلباً حثيثاً بقتله {عرض الحياة الدنيا} أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض الزائل، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله؛ روى البخاري ي التفسير ومسلم في آخر كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "حديث : {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} قال: كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم: فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك إلى قوله {عرض الحياة الدنيا}" تفسير : ورواه الحارث بن أبي أسامة عن سعيد بن جبير وزاد {كذلك كنتم من قبل} تخفون إيمانكم وأنتم مع المشركين، {فمنَّ الله عليكم} وأظهر الإسلام {فتبينوا} ثم علل النهي عن هذه الحالة بقوله: {فعند الله} أي الذي له الجلال والإكرام {مغانم كثيرة} أي يغنيكم بها عما تطلبون من العرض مع طيبها؛ ثم علل النهي من أصله بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الذي قتلتموه بجعلكم إياه بعيداً عن الإسلام {كنتم} وبعّض زمان القتل - كما هو الواقع - بقوله: {من قبل} أي قبل ما نطقتم بكلمة الإسلام {فمنّ الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليكم} أي بأن ألقى في قلوب المؤمنين قبول ما أظهرتم امتثالاً لأمره سبحانه وتعالى بذلك، فقوى أمر الإيمان في قلوبكم قليلاً قليلاً حتى صرتم إلى ما أنتم عليه في الرسوخ في الدين والشهرة به والعز، ولو شاء لقسى قلوبكم وسلطهم عليكم فقتلوكم. فإذا كان الأمر كذلك فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الدين من القبول ما فعل بكم، وهو معنى ما سبب عن الوعظ من قوله تأكيداً لما مضى إعلاماً بفظاعة أمر القتل: {فتبينوا} أي الأمور وتثبتوا فيها حتى تنجلي؛ ثم علل هذا الأمر بقوله مرغباً مرهباً: {إن الله} أي المختص بأنه عالم الغيب والشهادة {كان بما تعملون خبيراً *} أي يعلم ما أقدمتم عليه عن تبيين وغيره فاحذروه بحفظ بواطنكم وظواهركم. ولما ناسبت هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد، والتفتت إلى {أية : وحرض المؤمنين}تفسير : [النساء: 84] وإلى آية التحية، فاشتد اعتناقها لهما، وعلم بها أن في الضرب في سبيل الله هذا الخطر، فكان ربما فتر عنه؛ بين فضله لمن كأنه قال: فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم، بقوله: {لا يستوي القاعدون} أي عن الجهاد حال كونهم {من المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان، ليفيد التصريح بتفضيل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد. ولما كان من الناس من عذره سبحانه وتعالى برحمته استثناهم، فقال واصفاً للقاعدين أو مستثنياً منهم: {غير أولي الضرر} أي المانع أو العائق عن الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه، وبهذا بان أن الكلام في المهاجرين؛ وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها عليّ فقال: يا رسول الله! والله لو استطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى؛فأنزل الله عز وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سرى عنه فأنزل الله {غير أولي الضرر}" تفسير : وأخرجه في فضائل القرآن عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : لما نزلت {لا يستوي القاعدون} - الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ادع لي زيداً وليجىء باللوح والدواة والكتف؛ ثم قال: اكتب - فذكره" تفسير : وحديث زيد أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية أبي داود: قال: "كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما وجدت شيئاً أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سرى عنه فقال لي: اكتب، فكتبت في كتف {لا يستوي القاعدون} إلى آخرها؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلاً أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ يا زيد! فقرأت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {غير أولي الضرر} - الآية كلها، قال زيد: أنزلها الله وحدها فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف" ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي وفيه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل". ولما ذكر القاعد أتبعه قسيمه المجاهد بقوله: {والمجاهدون في سبيل الله} أي دين الملك الأعظم الذي من سلكه وصل إلى رحمته {بأموالهم وأنفسهم} ولما كان نفي المساواة سبباً لترقب كل من الحزبين الأفضليبة، لأن القاعد وإن فاته الجهاد فقد تخلف الغازي في أهله، إذ يحيي الدين بالاشتغال بالعلم ونحوه؛ قال متسأنفاً: {فضل الله} أي الذي له صفات الكمال {المجاهدين} ولما كان المال في أول الأمر ضيقاً قال مقدماً للمال: {بأموالهم وأنفسهم} أي جهاداً كائناً بالفعل {على القاعدين} أي عن ذلك وهم متمكنون منه بكونهم في دار الهجرة {درجة} أي واحدة كاملة لأنهم لم يفوقوهم بغيرها، وفي البخاري في المغازي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "حديث : لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر ". تفسير : ولما شرك بين المجاهدين والقاعدين بقوله: {وكلاً} أي من الصنفين {وعد الله} أي المحيط بالجلال والإكرام أجراً على إيمانهم {الحسنى} بين أن القاعد المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل، وهو التمكن من تنفيذ الأمر بسبب هجرته لأرض الحرب وكونه بين أهل الإيمان، وأما القاعد عن الهجرة مع التمكن فليس بمشارك في ذلك، بل هو ظالم لنفسه فإنه ليس متمكناً من تنفيذ الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ولا بالقوة القريبة منه، فقال: {وفضل الله} أي الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه {المجاهدين} أي بالفعل مطلقاً بالنفس أو المال {على القاعدين} أي عن الأسباب الممكنة من الجهاد ومن الهجرة {أجراً عظيماً *} ثم بينه بقوله: {درجات} وعظمها بقوله: {منه} وهي درجة الهجرة، ودرجة التمكن من الجهاد بعد الهجرة ودرجة مباشرة الجهاد بالفعل. ولما كان الإنسان لا يخلو عن زلل وإن اجتهد في العمل قال: {ومغفرة} أي محواً لذنوبهم بحيث أنها لا تذكر ولا يجازى عليها {ورحمة} أي كرامة ورفعة {وكان الله} أي المحيط بالأسماء الحسنى والصفات العلى {غفوراً رحيماً *} أزلاً وأبداً، لم يتجدد له ما لم يكن؛ ثم علل ذلك بأبلغ حث على الهجرة فقال: {إن الذين توفاهم الملائكة} أي تقبض أرواحهم كاملة على ما عندهم من نقص بعض المعاني بما تركوا من ركن الهجرة بما أشارة إليه حذف التاء، وفي الحذف إرشاد إلى أنه إذا ترك من يسعى في جبره بصدقة أو حج ونحوه من أفعال البر جُبر، لأن الأساس الذي تبنى عليه الأعمال الصالحة موجود وهو الإيمان {ظالمي أنفسهم} أي بالقعود عن الجهاد بترك الهجرة والإقامة في بلاد الحرب حيث لا يتمكنون من إقامة شعائر الدين كلها {قالوا} أي الملائكة موبخين لهم {فيم كنتم} أي في أي شيء من الأعمال والأحوال كانت إقامتكم في بلاد الحرب. ولما كان المراد من هذا السؤال التوبيخ لأجل ترك الهجرة {قالوا} معتذرين {كنا مستضعفين في الأرض} أي أرض الكفار، لا نتمكن من إقامة الدين، وكأنهم أطلقوها إشارة إلى أنها عندهم لا تساعها لكثرة الكفار هي الأرض كلها، فكأنه قيل: هل قنع منهم بذك؟ فقيل: لا، لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة، فكأنه قال: فما قيل لهم؟ فقيل: {قالوا} أي الملائكة بياناً لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة إلى موضع يأمنون فيه على دينهم {ألم تكن أرض الله} أي المحيط بكل شيء، الذي له كل شيء {واسعة فتهاجروا} أي بسبب اتساعها كل من يعاديكم في الدين ضاربين {فيها} أي إلى حيث يزول عنكم المانع، فالآية من الاحتباك: ذكر الجهاد أولاً في {وفضل الله المجاهدين} [النساء: 95] دليل عى حذفه ثانياً بعد {ظالمي أنفسهم} [النساء: 97]، وذكر الهجرة ثانياً دليل على حذفها أولاً بالقعود عنها، ولذلك خص الطائفة الأولى بوعد الحسنى. ولما وبخوا على تركهم الهجرة، سبب عنه جزاؤهم فقيل: {فأولئك} أي البعداء من اجتهادهم لأنفسهم {مأواهم جهنم} أي لتركهم الواجب وتكثيرهم سواد الكفار وانبساطهم في وجوه أهل الناس {وساءت مصيراً *} روى البخاري في التفسير والفتن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى {إن الذين توافاهم} [النساء: 97].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جريج وابن المنذر من طريق ابن جريج عن عكرمة ‏"‏أن رجلاً من الأنصار قتل أخاً مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله‏.‏ قال ابن جريج، وقال غيره‏:‏ ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار، ثم بعث مقيساً، وبعث معه رجلاً من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيس الفهري - وكان رجلاً شديداً - فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، ثم ألقى يتغنى‏:‏ شعر : قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب قارع تفسير : فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أظنه قد أحدث حدثاً، أما والله لئن كان فعل لا أومنه في حل ولا حرم، ولا سلم ولا حرب، فقتل يوم الفتح‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ وفيه نزلت هذه الآية ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، وذلك أنه أسلم وأخوه هشام بن ضبابة وكانا بالمدينة، فوجد مقيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار - ومنازلهم يومئذ بقباء - أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك، وإلا فادفعوا إليه الدية‏.‏ فما جاءهم الرسول قالوا‏:‏ السمع والطاعة لله وللرسول، والله ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدي إليه الدية، فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة، عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله، وارتد عن الإسلام وركب جملاً منها وساق معه البقية، ولحق بمكة وهو يقول: في شعر له‏:‏ شعر : قتلت به فهراً وحملت عقله سراة بني النجار أرباب قارع وأدركت ثأري واضطجعت موسداً وكنت إلى الأوثان أول راجع تفسير : فنزلت فيه بعد قتل النفس وأخذ الدية، وارتد عن الإسلام ولحق بمكة كافراً ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً‏}‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس‏.‏ مثله سواء‏. وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأبي جرير والطبراني من طريق سعيد بن جبير قال‏:‏ اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها‏؟‏ فقال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏} ‏ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء‏.‏ وأخرج أحمد وسعيد بن منصور والنسائي وابن ماجه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس. أن رجلاً أتاه فقال‏:‏ أرأيت رجلاً قتل رجلاً متعمداً‏؟‏ قال ‏ {‏فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما‏ً} ‏ قال‏:‏ لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى‏؟‏ قال‏:‏ وأنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ثكلته أمه، رجل قتل رجلاً متعمدا يجيء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره، وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجهُ دماً في قبل العرش، يقول‏:‏ يا رب سل عبدك فيم قتلني ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً يقول‏:‏ يا رب قتلني هذا حتى يدنيه من العرشتفسير : قال‏:‏ فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا هذه الآية ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمدا‏ً}‏ قال‏:‏ ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأنى له التوبة‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير عن سعيد بن جبير قال‏:‏ قال لي عبد الرحمن بن ابزي‏:‏ سل ابن عباس عن قوله ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏}‏ فقال‏:‏ لم ينسخها شيء، وقال في هذه الآية ‏{أية : ‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏}‏ تفسير : ‏[‏الفرقان: 68‏]‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في أهل الشرك‏.‏ وأخرج عبد الحميد والبخاري وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعيد بن جبير أن عبد الرحمن بن أبزى سأله‏:‏ أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في النساء ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏}‏ إلى آخر الآية والتي في الفرقان ‏{أية : ‏ومن يفعل ذلك يلق أثاما‏ً} ‏تفسير : [‏الفرقان: 68‏]‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ فسألته‏؟‏ فقال‏:‏ إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم لا توبة له، وأما التي في الفرقان فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة‏:‏ فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق، وأتينا الفواحش، فما نفعنا الإسلام، فنزلت {أية : إلا من تاب‏}‏ ‏تفسير : [‏الفرقان: 70‏]‏ الآية‏.‏ فهي لأولئك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ نزلت هذه الآية ‏{‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏}‏ بعد قوله ‏{أية : ‏إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحا‏ً} ‏تفسير : [‏الفرقان: 70‏]‏ بسنة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمدا‏ً} ‏ بعد التي في سورة الفرقان بثماني سنين، وهي قوله ‏{أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏} ‏تفسير : [‏الفرقان: 68‏]‏ إلى قوله ‏{أية : ‏غفوراً رحيما‏ً}‏ ‏تفسير : [‏الفرقان: 70‏]‏‏.‏ وأخرج ابن جرير والنحاس والطبراني عن سعيد بن جبير قال‏:‏ سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فقرأت عليه الآية التي في الفرقان ‏{أية : ‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} تفسير : ‏[‏الفرقان: 68‏]‏ فقال هذه الآية مكية نسختها آية مدنية ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمدا‏ً} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن ثابت قال‏:‏ نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر، يعني ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً‏} ‏ بعد ‏{أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به‏} ‏تفسير : [‏النساء: 48‏]‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال‏:‏ نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر، قوله ‏{‏ومن يقتل مؤمناً متعمدا‏ً} ‏ بعد قوله ‏{أية : ‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏} ‏تفسير : [‏الفرقان: 68‏]‏ إلى آخر الآية‏.‏ وأخرج أبو داود وابن جرير والنحاس والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن زيد بن ثابت قال‏:‏ نزلت الآية التي في سورة النساء بعد الآيات التي في سورة الفرقان بستة أشهر‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية في الفرقان ‏{أية : ‏والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏تفسير : [‏الفرقان: 68‏]‏ الآية‏.‏ عجبنا للينها، فلبثنا سبعة أشهر، ثم نزلت التي في النساء ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. ‏ وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك قال‏:‏ بينهما ثماني سنين، التي في النساء بعد التي في الفرقان‏.‏ وأخرج سمويه في فوائده عن زيد بن ثابت قال‏:‏ نزلت هذه التي في النساء بعد قوله ‏{أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 48‏]‏ بأربعة أشهر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، لأن الله يقول ‏ {‏فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ هما المبهمتان‏:‏ الشرك والقتل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏} ‏ قال‏:‏ هي محكمة، ولا تزداد إلا شدة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كردم. أن أبا هريرة، وابن عباس، وابن عمر، سئلوا عن الرجل يقتل مؤمناً متعمدا‏ً؟‏ فقالوا‏:‏ هل تستطيع أن لا تموت، هل تستطيع أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء‏؟‏ أو تحييه‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن ميناء قال‏:‏ كنت جالساً بجنب أبي هريرة إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة‏؟‏ فقال‏:‏ والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق أبي رزين عن ابن عباس قال‏:‏ هي مبهمة، لا يعلم له توبة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال‏:‏ ليس لمن قتل مؤمناً توبة لم ينسخها بشيء‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن ميناء قال‏:‏ كان بين صاحب لي وبين رجل من أهل السوق لجاجة، فأخذ صاحبي كرسياً فضرب به رأس الرجل فقتله، وندم وقال‏:‏ إني سأخرج من مالي، ثم انطلق فاجعل نفسي حبيساً في سبيل الله‏.‏ قلت‏:‏ انطلق بنا إلى ابن عمر نسأله هل لك من توبة‏؟‏ فانطلقا حتى دخلنا عليه، فقصصت عليه القصة على ما كانت، قلت‏:‏ هل ترى له من توبة‏؟‏ قال‏:‏ كل واشرب أف قم عني‏.‏ قلت‏:‏ يزعم أنه لم يرد قتله‏؟‏ قال‏:‏ كذب، يعمد أحدكم إلى الخشبة فيضرب بها رأس الرجل المسلم ثم يقول‏:‏ لم أرد قتله، كذب، كل واشرب ما استطعت أف قم عني‏.‏ فلم يزدنا على ذلك حتى قمنا‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال‏:‏ قتل المؤمن معقلة‏.‏ وأخرج البخاري عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراما‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر عن معاوية. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمدا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن أبي الدرداء. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً، أو من قتل مؤمناً متعمدا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من أعان في قتل مسلم بشطر كلمة، يلقى الله يوم يلقاه مكتوب على جبهته آيس من رحمة الله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة، كتب بين عينيه يوم القيامة‏‏ آيس من رحمة الله ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر عن أبي عون قال‏:‏ إذا سمعت في القرآن ‏ {‏خلودا‏ً} ‏ فلا توبة له‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏نازلت ربي في قاتل المؤمن، في أن يجعل له توبة فأبى عليَّ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو القاسم بن بشران في أماليه بسند ضعيف عن أبي هريرة ‏"‏حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏{‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏}‏ قال‏:‏ هو جزاؤه إن جازاه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقول‏:‏ جزاؤه جهنم إن جازاه، يعني للمؤمن وليس للكافر، فإن شاء عفا عن المؤمن وإن شاء عاقب‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس في قوله ‏{‏فجزاؤه جهنم‏} ‏ قال‏:‏ هي جزاؤه إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي مجلز في قوله ‏ {‏فجزاؤه جهنم‏} ‏ قال‏:‏ هي جزاؤه، فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل‏. ‏ وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله في قوله ‏ {‏فجزاؤه جهنم‏} ‏ قال‏:‏ إن هو جازاه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال‏:‏ جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر، فسمعتهم يقولون ‏ {‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏} ‏ إلى ‏{‏عذاباً عظيماً‏} ‏ قال المهاجرون والأنصار‏:‏ وجبت لمن فعل هذا النار، حتى نزلت ‏{أية : ‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 48‏]‏ فقال المهاجرون والأنصار‏:‏ ما شاء يصنع الله ما شاء، فسكت عنهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن هشام بن حسان قال‏:‏ كنا عند محمد بن سيرين فقال له رجل ‏{‏ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏} حتى ختم الآية فغضب محمد وقال‏:‏ أين أنت عن هذه الآية ‏{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏} قم عني أخرج عني قال‏:‏ فأخرج‏.‏ وأخرج القتبي والبيهقي في البعث عن قريش بن أنس قال‏:‏ سمعت عمرو بن عبيد يقول‏:‏ يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله فيقول لي لم قلت إن القاتل في النار‏؟‏ فأقول أنت قتلته ثم تلا هذه الآية ‏{ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم‏}‏ قلت له‏:‏ وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال لك فإني قد قلت ‏{‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏ من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر قال‏:‏ فما استطاع أن يرد علي شيئا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق قال أتى رجل عمر فقال لقاتل المؤمن توبة قال‏:‏ نعم ثم قرأ ‏{حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قاتل المؤمن قال‏:‏ كان يقال‏:‏ له توبة إذا ندم‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كردم عن ابن عباس قال‏:‏ أتاه رجل فقال‏:‏ ملأت حوضي أنتظر طميتي ترد علي، فلم أستيقظ إلا ورجل أشرع ناقته فتلم الحوض وسال الماء، فقمت فزعاً فضربته بالسيف فقتلته، فقال‏:‏ ليس هذا مثل الذي قال، فأمره بالتوبة‏.‏ قال سفيان‏:‏ كان أهل العلم إذا سئلوا‏؟‏ قالوا‏:‏ لا توبة له‏.‏ فإذا ابتلى رجل قالوا‏:‏ كذبت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عبد الله بن جعفر قال‏:‏ كفارة القتل، القتل‏. وأخرج عبد بن حميد والنحاس عن سعد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول‏:‏ لمن قتل مؤمناً توبة‏.‏ قال‏:‏ فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمناً توبة‏؟‏ قال‏:‏ لا، إلا النار‏.‏ فلما قام الرجل قال له جلساؤه‏:‏ ما كنت هكذا تفتينا، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم‏؟‏ قال‏:‏ إني أظنه رجل يغضب يريد أن يقتل مؤمناً، فبعثوا في أثره، فوجوده كذلك‏.‏ وأخرج النحاس عن نافع وسالم. أن رجلاً سأل عبد الله بن عمر كيف ترى في رجل قتل رجلاً عمداً‏؟‏ قال‏:‏ أنت قتلته‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ تب إلى الله يتب عليك‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال‏:‏ ليس للقاتل توبة إلا أن يقاد منه، أو يعفى عنه، أو تؤخذ منه الدية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سفيان قال‏:‏ بلغنا أن الذي يقتل متعمداً فكفارته أن يقيد من نفسه، أو أن يعفى عنه، أو تؤخذ منه الدية، فإن فعل به ذلك رجونا أن تكون كفارته ويستغفر ربه، فإن لم يفعل من ذلك شيئاً فهو في مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له، فقال سفيان‏:‏ فإذا جاءك من لم يقتل فشدد عليه ولا ترخص له لكي يفرض، وإن كان ممن قتل فسألك فأخبره لعله يتوب ولا تؤيسه‏. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ لأن أتوب من الشرك أحب إليَّ من أن أتوب من قتل المؤمن‏.‏ وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ‏"حديث : ‏من لقي الله لا يشرك به شيئاً، وأدّى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتبساً، وسمع وأطاع، فله الجنة‏.‏ وخمس ليس لهن كفارة‏:‏ الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صابرة تقتطع بها مالاً بغير حق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ إن الرجل ليقتل يوم القيامة ألف قتلة‏.‏ قال أبو زرعة‏:‏ بضروب ما قتل‏.‏ وأخرج ابن شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏والله للدنيا وما فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي والنحاس عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو قال‏:‏ قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا‏‏‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن بريدة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ لا يزل‏ الرجل في فسحة من دينه ما نقيت كفه من الدم، فإذا أغمس يده في الدم الحرام نزع حياؤه‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول‏:‏ يا رب هذا قتلني‏.‏ قال‏:‏ لمَ قتلته‏؟‏ فيقول لتكون العزة لك‏.‏ فيقول‏:‏ فإنها لي‏.‏ ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول‏:‏ يا رب قتلني هذا‏.‏ فيقول الله‏:‏ لمَ قتلت هذا‏؟‏ فيقول‏:‏ قتلته لتكون العزة لفلان‏.‏ فيقول‏:‏ إنها ليست له، بؤ بإثمه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو بن شرحبيل‏.‏ موقوفا‏ً.‏ وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال‏:‏ يجلس المقتول يوم القيامة، فإذا مر الذي قتله قام فأخذه، فينطلق فيقول‏:‏ يا رب سله لمَ قتلني‏؟‏ فيقول‏:‏ فيم قتلته‏؟‏ فيقول‏:‏ أمرني فلان، فيعذب القاتل والآمر‏.‏ وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهم الله جميعاً في النار ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن البراء بن عازب. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال‏:‏ ‏ ‏"‏حديث : قتل بالمدينة قتيل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم من قتله، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال‏: أيها الناس قتل قتيل وأنا فيكم ولا نعلم من قتله، ولو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل امرئ لعذبهم الله إلا أن يفعل ما يشاء ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن جندب البجلي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم، أن يهرقه كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأصبهاني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الأصبهاني عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبَّهم الله على مناخرهم في النار، وأن الله حرم الجنة على القاتل والآمر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن رجل من الصحابة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏قسمت النار سبعين جزءاً‏.‏ للآمر تسعة وستين، وللقاتل جزءاً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن محمد بن عجلان قال‏:‏ كنت بالإسكندرية فحضرت رجلاً الوفاة لم نرَ من خلق الله أحداً كان أخشى لله منه، فكنا نلقنه فيقبل كلما لقناه من سبحان الله والحمد لله، فإذا جاءت لا إله إلا الله أبى، فقلنا له‏:‏ ما رأينا من خلق الله أحداً كان أخشى لله منك، فنلقنك فتلقن حتى إذا جاءت لا إله إلا الله أبيت‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ إنه حيل بيني وبينها، وذلك أني قتلت نفساً في شبيبتي‏.‏ وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن عقبة بن عامر. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من عبد يلقى الله لا يشرك به شيئاً لم يتند بدم حرام إلا أدخل الجنة، من أي أبواب الجنة شاء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري قال‏:‏ كنت جالساً عند سالم بن عبد الله في نفر من أهل المدينة، فقال رجل‏:‏ ضرب الأمير آنفاً رجلاً أسواطاً فمات‏.‏ فقال سالم‏:‏ عاب الله على موسى عليه السلام في نفس كافر قتلها‏.‏ وأخرج البيهقي عن شهر بن حوشب. أن أعرابياً أتى أبا ذر فقال‏:‏ إنه قتل حاج بيت الله ظالماً فهل له من مخرج‏؟‏ فقال له أبو ذر‏:‏ ويحك‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ أحي والداك‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فأحدهما‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك، وما أجد لك مخرجاً إلا في إحدى ثلاث. قال‏:‏ وما هن‏؟‏ قال‏:‏ هل تستطيع أن تحييه كما قتلته‏؟‏ قال‏:‏ لا والله‏!‏ قال‏:‏ فهل تستطيع أن لا تموت‏؟‏ قال‏:‏ لا والله ما من الموت بد، فما الثالثة‏؟‏ قال‏:‏ هل تستطيع أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء‏؟‏ فقام الرجل وله صراخ، فلقيه أبو هريرة فسأله فقال‏:‏ ويحك‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ حيان والداك‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك، ولكن اغز في سبيل الله وتَعَرَّضْ للشهادة فعسى‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً} لمّا بـيّن حُكمَ القتلِ خطأً وفصَّل أقسامَه الثلاثةَ عقّب ذلك ببـيان القتلِ عمداً خلا أن حكمَه الدنيويَّ لما بُـيِّن في سورة البقرةِ اقتُصر هٰهنا على حُكمه الأخرويِّ. روي أن مِقْيَسَ بنَ صُبَابةَ الكِنانيَّ وكان قد أسلم هو وأخوه هشامٌ وجَد أخاه قتيلاً في بني النجارِ، فأتىٰ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وذكر له القصةَ فأرسل عليه السلام معه زبـيرَ بنَ عِياضٍ الفِهريَّ وكان من أصحاب بدرٍ إلى بني النجار يأمرُهم بتسليم القاتلِ إلى مقيسٍ ليقتصَّ منه إن علموه وبأداء الديةِ إن لم يعلموه، فقالوا: سمعاً وطاعةً لله تعالى ولرسوله عليه السلام ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدّي دِيتَه فأتَوْه بمائة من الإبل فانصَرفا راجعَيْن إلى المدينة حتى إذا كانا ببعض الطريقِ أتى الشيطانُ مِقْيَساً فوسوس إليه فقال: أتقبل دِيةَ أخيك فيكونَ مَسَبَّةً عليك؟ اقتُل الذي معك فيكونَ نفساً بنفس وفضلَ الديةِ فتغفّل الفِهريَّ فرماه بصخرة فشدَخَه ثم ركِب بعيراً من الإبل واستاق بقيتَها راجعاً إلى مكةَ كافراً وهو يقول: [الطويل] شعر : قتلتُ به فِهراً وحمَّلْتُ عَقُلَه سَراةَ بني النجارِ أصحابَ قارعِ وأدركتُ ثأري واضطجعتُ موسّدا وكنت إلى الأوثان أولَ راجعِ تفسير : فنزلت، وهو الذي استثناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتحِ ممن أمّنه فقُتل وهو متعلِّقٌ بأستار الكعبةِ، وقوله تعالى: {مُّتَعَمّداً} [النساء، الآية: 93] حالٌ من فاعل يقتل، وروي عن الكسائي سكونُ التاءِ كأنه فر من توالي الحركات {فَجَزَاؤُهُ} الذي يستحقه بجنايته {جَهَنَّمُ} وقولُه تعالى: {خَالِداً فِيهَا} حالٌ مقدرةٌ من فاعل فعلٍ مقدرٍ يقتضيه المقامُ كأنه قيل: فجزاؤه أن يدخُلَ جهنَّم خالداً فيها، وقيل: هو حالٌ من ضمير يجزاها، وقيل: من مفعول جازاه، وأُيّد ذلك بأنه أنسبُ بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغةً، ولا يخفى أن ما يُقدّر للحال أو للعطف عليه حقُّه أن يكون مما يقتضيه المقامُ اقتضاءً ظاهراً ويدل عليه الكلامُ دَلالةً بـينةً، وظاهرٌ أن كونَ جزائِه ما ذُكر لا يقتضي وقوعَ الجزاءِ البتةَ كما ستقف عليه حتى يُقدَّرَ يُجزاها أو جازاه بطريق الإخبارِ عن وقوعه، وأما قولُه تعالى: {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} فمعطوفٌ على مقدر يدل عليه الشرطيةُ دِلالةً واضحةً كأنه قيل بطريق الاستئنافِ تقريراً وتأكيداً لمضمونها: حكمُ الله بأن جزاءَه ذلك وغضِب عليه أي انتقم منه {وَلَعَنَهُ} أي أبعده عن الرحمة بجعل جزائِه ما ذكر، وقيل: هو وما بعده معطوفٌ على الخبر بتقدير أنّ، وحملُ الماضي على معنى المستقبلِ كما في قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [الكهف، الآية 99. ويس، الآية 51. والزمر، الآية 68. وق، الآية 20] ونظائرِه أي فجزاؤُه جهنمُّ وأن يغضَبَ الله عليه الخ {وَأَعَدَّ لَهُ} في جهنم {عَذَاباً عَظِيماً} لا يقادَر قَدْرُه ولِما ترى في الآية الكريمةِ من التهديد الشديدِ والوعيد الأكيدِ وفنونِ الإبراق والإرعادِ وقد تأيدت بما رُوي من الأخبار الشِّداد كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : والذي نفسي بـيده لَزَوالُ الدُّنيا عند الله أهونُ من قتلِ مؤمن» تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لو أن رجلاً قُتل بالمشرق وآخَرُ رضِي بالمغرب لأَشرَك في دمه» تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أعان على قتل مؤمنٍ ولو بشَطْر كلمةٍ جاء يوم القيامةِ مكتوبٌ بـين عينيه آيسٌ من رحمة الله تعالى» تفسير : وبنحو ذلك من القوارع تمسكت الخوارجُ والمعتزلةُ بها في خلود مَنْ قتل المؤمنَ عمداً في النار ولا مُتمَسَّك لهم فيها إلا لِما قيل من أنها في حق المستحِلِّ كما هو رأيُ عِكرِمةَ وأضرابِه بدليل أنها نزلت في مقيسِ بنِ ضبابةَ الكِناني المرتدِّ حسبما مرت حكايتُه فإن العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ بل لأن المرادَ بالخلود هو المكثُ الطويلُ لا الدوامُ لتظاهر النصوصِ الناطقةِ بأن عصاةَ المؤمنين لا يدوم عذابُهم، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنه لا توبةَ لقاتل المؤمنِ عمداً) وكذا ما روي عن سفيانَ أن أهلَ العلم كانوا إذا سُئلوا قالوا: لا توبةَ له ــ محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظِ وعليه يُحمل ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبـي عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : أبىٰ الله أن يجعل لقاتل المؤمنِ توبة» تفسير : كيف لا وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأله: ألِقاتلِ المؤمنِ توبةٌ؟ قال: لا، وسأله آخَرُ؟ ألقاتل المؤمن توبةٌ؟ فقال: نعم، فقيل له: قلت لذلك كذا ولهذا كذا، قال: كان الأولُ لم يقتُلْ بعد فقلت ما قلت كيلا يقتُلَ وكان هذا قد قتل فقلت له ما قلت لئلا يـيأسَ، وقد روي عنه جوازُ المغفرةِ بلا توبة أيضاً حيث قال في قوله تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء، الآية 93] الآيةُ، هي جزاؤُه فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ورُوي مرفوعاً عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : هو جزاؤُه إن جازاه» تفسير : وبه قال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ وبكرُ بنُ عبدِ اللَّه المزني وأبو صالح قالوا: قد يقول الإنسانُ لمن يزجُره عن أمر إن فعلتَه فجزاؤُك القتلُ والضربُ ثم إن لم يجازِه بذلك لم يكن ذلك منه كذباً، قال الواحدي: والأصلُ في ذلك أن الله عز وجل يجوزُ أن يُخلِفَ الوعيدَ وإن امتنع أن يُخلِف الوعد. بهذا وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنسٍ رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو مُنجِزُه له، ومن أوعده على عمله عِقاباً فهو بالخيار» تفسير : والتحقيقُ أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكورِ لأنه إخبارٌ منه تعالى بأن جزاءَه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك. كيف لا وقد قال الله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى، الآية 40] ولو كان هذا إخباراً بأنه تعالى يجزي كلَّ سيئةٍ بمثلها لعارضه قوله تعالى: {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى، الآية 30. والمائدة، الآية 15].

القشيري

تفسير : كما يُحرَّم قتلُ غيرك يحرَّمُ قتلُ نفسك عليك، ومن اتَّبعَ هواه سعى في دَمِ نفسه، ومن لم ينصح مريداً بحسنِ وعظِه ولم يُعِنْه بهمته فقد سعى في دمِه، وهو مأخوذ بحاله وخليق بأن تكون له عقوبة الأذية بألا يتمتع بما ضنّ به على المريدين من أحواله: ولقد قال - سبحانه -: يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له (خادماً).

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن يقتل مؤمنا} حال كون ذلك القاتل {متعمدا} فى قتله اى قاصدا غير مخطىء ـ روى ـ ان مقيس بن صبابة الكنانى كان قد اسلم هو واخوه هشام فوجد اخاه قتيلا فى بنى النجار فأتى رسول الله عليه السلام وذكر له القصة فارسل عليه السلام معه الزبير بن عياض الفهرى وكان من اصحاب بدر الى بنى النجار يأمرهم بتسليم القاتل الى مقيس ليقتص منه ان علموه وباداء الدية ان لم يعلموه فقالوا سمعا وطاعة لله تعالى ولرسوله عليه السلام ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدى ديته فاتوه بمائة من الابل فانصرفا راجعين الى المدينة حتى اذا كانا ببعض الطريق اتى الشيطان مقيسا فوسوس اليه فقال أتقبل دية اخيك فتكون مسبة عليك اى عارا اقتل هذا الفهرى الذى معك فتكون نفس مكان نفس وتبقى الدية فصلة فرماه بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا من الابل وساق بقيتها الى مكة كافرا وهو يقول شعر : قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بنى النجار اصحاب قارع وادركت ثارى واضطجعت موسدا وكنت الى الاوثان اول راجع تفسير : فنزلت الآية وهو الذى استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ممن آمنه فقتل وهو متعلق باستار الكعبة: ونعم ما قيل شعر : هركه كند بخود كند كرهمه نيك وبد كند تفسير : {فجزاؤه} الذى يستحقه بجنايته {جهنم} وقوله تعالى {خالدا فيها} حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه مقام الكلام فكأنه قيل فجزاؤه ان يدخل جهنم خالدا فيها {وغضب الله عليه} عطف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل بطريق الاستئناف تقريرا وتأكيدا لمضمونها حكم الله بان جزاءه ذلك وغضب عليه اى انتقم منه {ولعنه} اى ابعده عن الرحمة بجعل جزآئه ما ذكر {واعد له} فى جهنم {عذابا عظيما} لا يقادر قدره. واعلم ان العبرة بعموم اللفظ دون خصوص السبب والكلام فى كفر من استحل دم المؤمن وخلوده فى النار حقيقة فاما المؤمن اذا قتل مؤمنا متعمدا غير مستحل لقتله فلا يكفر بذلك ولا يخرج من الايمان فان اقيد ممن قتله كذلك كان كفارة له وان كان تائبا من ذلك ولم يكن مقادا كانت التوبة ايضا كفارة له لان الكفر اعظم من هذا القتل فاذا قبلت توبة الكافر فتوبة هذا القاتل اولى بالقبول وان مات بلا توبة ولا قود فامره الى الله تعالى ان شاء غفر له وارضى خصمه وان شاء عذبه على فعله تم يخرجه بعد ذلك الى الجنة التى وعده بايمانه لان الله تعالى لا يخلف الميعاد فالمراد بالخلود فى حقه المكث الطويل لا الدوام مع ان هذا اخبار منه تعالى بان جزاءه ذلك لا بانه يجزيه بذلك كيف لا وقد قال الله عز وجل {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورى: 40]. ولو كان هذا اخبارا بانه تعالى يجزى كل سيئة مثلها لعارضه قوله تعالى {أية : ويعفو عن كثير} تفسير : [الشورى: 30]. وقد يقول الانسان لمن يزجره عن امر ان فعلته فجزاؤك القتل والضرب ثم ان لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا فهذا التشديد والتغليظ الذى هو سنة الله تعالى لا يتعلق بالقاتل التائب ولا بمن قتل عمدا بحق كما فى القصاص بل يتعلق بمن لم يتب وبمن قتل ظلما وعدوانا وفى الحديث "حديث : لزوال الدنيا اهون على الله من قتل امرىء مسلم " .تفسير : وفيه "حديث : لو ان رجلا قتل بالمشرق وآخر رضى بالمغرب لاشترك فى دمه " .تفسير : وفيه "حديث : من اعان على قتل مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى " .تفسير : وفيه "حديث : ان هذا الانسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه " .تفسير : وقد روى ان داود عليه السلام اراد بنيان بيت المقدس فبناه مرارا فكلما فرغ منه تهدم فشكا الى الله تعالى فاوحى الله اليه ان بيتى هذا لا يقوم على يدى من سفك الدماء فقال داود يا رب ألم يك ذلك القتل فى سبيلك قال بلى ولكنهم أليسوا من عبادى فقال يا رب فاجعل بنيانه على يدى فاوحى الله اليه ان اومر ابنك سليمان يبينه والغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النشأة الانسانية وان اقامتها اولى من هدمها ألا ترى الى اعداء الدين انه قد فرض الله فى حقهم الجزية والصلح ابقاء عليهم. وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : "أتدرون من المفلس" قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال "ان المفلس من امتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا واكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل انقضاء ما عليه اخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح فى النار " .تفسير : وفى الحديث "حديث : اول ما يحاسب عليه العبد الصلاة واول ما يقضى بين الناس فى الدماء ثم يحاسب العبد ويقضى عليه فى حق زكاته وغيرها هل منعها او اداها " .تفسير : الى غير ذلك من الاحوال الجزئية. ثم اعلم ان المقتول اذا اقتص منه الولى فذلك جزاؤه فى الدنيا وفيما بين القاتل والمقتول الاحكام باقية فى الآخرة لان الولى وان قتله فانما اخذ حق نفسه للتشفى ودرء الغيظ فاما المقتول فلم يكن له فى القصاص منفعة كذا فى تفسير الحدادى ولا كفارة فى القتل العمد لقوله عليه السلام "حديث : خمس من الكبائر لا كفارة فيهن الاشراك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وقتل النفس عمدا واليمين الغموس " .تفسير : والولى مخير بين ثلاث فى القتل العمد القصاص والدية والعفو وذلك لان فى شرع موسى عليه السلام القصاص وهو القتل فقط وفى دين عيسى عليه السلام العقل او العفو فحسب وفى ملتنا للتشفى القصاص وللترفه الدية وللتكرم العفو وهو افضل: قال السعدى قدس سره شعر : بدى رابدى سهل باشد جزا اكر مردى احسن الى من اسا تفسير : والاشارة فى الآية ان القلب مؤمن فى اصل الفطرة والنفس كافرة فى اصل الخلقة وبينهما عداوة جبلية وقتال اصلى وتضاد كلى فان فى حياة القلب موت النفس وفى حياة النفس موت القلب فلما كانت نفوس الكفار حية كانت قلوبهم ميتة فسماهم الله الموتى ولما كانت نفس الصديق ميتة وقلبه حيا قال النبى عليه السلام "حديث : من اراد ان ينظر الى ميت يمشى على وجه الارض فلينظر الى الصديق " .تفسير : فالاشارة فى قوله {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} الى القلب والنفس يعنى النفس الكافرة اذا قتلت قلبا مؤمنا متعمدا للعداوة الاصلية باستيلاء صفاتها البهيمية والسبعية والشيطانية على القلب الروحانى وغلبة هواها عليه حتى يموت القلب بسمها القاتل {فجزاؤه} اى جزاء النفس {جهنم} وهى سفل عالم الطبيعة {خالدا فيها} لان خروج النفس عن سفل الطبيعة انما كان بحبل الشريعة والتمسك بحبل الشريعة انما كان من خصائص القلب المؤمن كقوله تعالى {أية : ثم رددناه اسفل سافلين الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تفسير : [التين: 5]. فالايمان والعمل الصالح من شأن القلب وصنيعه فاذا مات القلب وانقطع عمله تخلد النفس فى جهنم سفل عالم الطبيعة ابدا {وغضب الله عليه ولعنه} بان يبعدها ويطردها عن الحضرة والقربة ويحرمها من ايصال الخير والرحمة اليها بخطاب ارجعى الى ربك {واعد له عذابا عظيما} هجرانا عن حضرة العلى العظيم وحرمانا من جنات النعيم كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا} مستحلاً لقتله {فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغَضِبَ الله عليه ولعنه} أي: طرده {وأعد له عذابًا عظيمًا}، وقولُنا: مستحلاً لقتله، هو أحد الأجوبة عن شبهة المعتزلة القائلين بتخليد عصاة المؤمنين في النار. ومن جُملتهم: قاتل النفس. ومذهب أهل السنة: أنه لا يخلد إلا الكافر، ويؤيد هذا الجواب سبب نزول الآية، لأنها نزلت في كافر، وهو ( مَقِيس بن ضُبَابة الكناني)؛ وَجَدَ أخَاه هشامًا قَتَيلاً في بني النجر ـ وكان مُسلمًا ـ فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسَل مَعهُ رجلاً من بني فهرِ، وقال له: "حديث : ائت بني النّجار، وقُل لهم: إن عَلمتُم قاتِل هِشَامٍ فادفَعُوهُ لمقيس يَقتَصُّ مِنه، وإن لِمَ تَعلمُوا فادفَعُوا إليه الدَّيةَ "تفسير : . فقالوا: سمعًا وطاعة، لم نَعلَم قاتِله، فجمعوا مائة من الإبل، فأخذها، ثم انصرفا راجعَين إلى المدينة، فوسوس إليه الشيطان، وقال: أيَّ شيء صَنَعتَ؟ تَقبلُ ديةَ أخيكَ فتكونُ عليك سُبَّة، اقتل الرجلَ الذِي مَعكَ فتكُونَ نفسٌ مكانَ نَفسٍ وفَضلُ الدِّيَة، فَقَتَلَه وأخذ الدِّية، فنزلت فيه الآية. أو يكون الخلود عبارة عن طول المكث، والجمهور على قبول توبته، خلافًا لابن عباس، ونُقِل عنه أيضًا قبولها، ولعله تعالى استغنى عن ذكر التوبة هنا اكتفاء بذكرها في الفرقان، حيث قال: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} تفسير : [الفُرقان:68]، ثم قال: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ} تفسير : [مريَم:60]. وأما من قال: إن تلك منسوخة بهذه فليس بصحيح؛ لأن النسخ لا يكون في الأخبار. أو فجزاؤه إن جُوزِي، ولا بِدع في خلف الوعيد لقوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النَّساء:48]؛ لأن الوعيد مشروط بعدم العفو، لدلائل منفصلة اقتضت ذلك كما هو مشروط بعدم التوبة أيضًا، والحاصل: أن الوعد لا يخلف لأنه من باب الامتنان، والوعيد يصح إخلافه، بالعفو والغفران، كما في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَن وَعَدَه الله ـ عز وجل ـ على عملٍ ثوابًا فهو منجزه له لا محالة، ومَن أوعَدَه على عمل عقابًا فهو بالخيار، إن شاءَ عَفَا عنه، وإن شاء عَاقَبه"تفسير : .هـ. ذكره في القوت. فَتَحَصَّل أن القاتل لا يُخلَّد على المشهور إلاَّ إذا كان مستحلاً، وهذا أيضًا ما لم يقتص منه، وأما إذا اقتُص منه فالصحيح أنه يسقط عنه العقاب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَن أصَابَ ذَنبًا فعُوقِبَ بِه في الدنيا فَهُوَ له كَفَّارَةٌ" تفسير : . وبه قال الجمهور، وكذلك إذا سَامَحَهُ ورثةُ الدم: لأنه حق ورثوه. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإيمان محلة القلوب، فالقلب هو المتصف بالإيمان حقيقة. فالمؤمن الحقيقي هو القلب، فمن قتله بتتبع الشهوات، وتراكم الغفلات، فجزاؤه نار القطيعة في سجن الأكوان، والبعد عن عرفان الشهود والعيان، وفي الحِكَم: "سبب العذاب وجود الحجاب، وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهة الكريم". والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية ان من يقتل مؤمناً متعمداً يعني قاصداً إلى قتله ان جزاؤه جهنم خالداً فيها أي مؤبداً في جهنم وغضب الله عليه. وقد بينا ان غضب الله هو ارادة عقابه، والاستخفاف به. {ولعنه} معناه أبعده من ثوابه ورحمته {وأعد له عذاباً عظيماً} يعني لا يعلمون قدر مبلغه لكثرته واختلفوا في صفة قتل العمد، فعندنا أن من قصد قتل غيره بما يقتل مثله في غالب العادة سواء كان بحديدة حادة كالسلاح أو مثقلة من حديد أو خنق أو سم أو إحراق أو تفريق أو موالات ضرب بالعصا حتى يموت أو بحجارة ثقيلة فان جميع ذلك عمد يوجب القود، وبه قال ابراهيم، وعبيد بن عمير، والشافعي، وأصحابه، واختاره الطبري. وقال قوم: لا يكون قتل العمد إلا ما كان بحديد. ذهب إليه سعيد ابن المسيب، وابراهيم، والشافعي في رواية أخرى، وطاووس وأبو حنيفة وأصحابه غير أن عندنا أنه إذا قتله بغير حديدة فلا يستقاد منه إلا بحديدة. وقال الشافعي يستقاد منه بمثل ما قتل به فأما القتل شبيه العمد فهو ان يضربه بعصا أو غيرها مما لم تجر العادة بحصول الموت عنده، فاذا مات منه، كان شبيه العمد، وفيه الدية مغلظة في مال القاتل خاصة لا يلزم العاقلة. وقد بينا اختلاف الفقهاء في مسائل الخلاف في هذه المسألة. واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة مخلد في نار جهنم. وأنه اذا قتل مؤمناً، فانه يستحق الخلود، ولا يعفى عنه بظاهر اللفظ. ولنا أن نقول: ما أنكرتم أن يكون المراد بالآية للكفار ومن لا ثواب له أصلا. فأما من هو مستحق للثواب، فلا يجوز أن يكون مراداً بالخلود أصلا، لما بيناه فيما مضى من نظائره. وقد روى أصحابنا أن الآية متوجهة إلى من يقتل المؤمن لايمانه، وذلك لا يكون إلا كافراً. وقال عكرمة، وابن جريج: إن الآية نزلت في انسان بعينه ارتد ثم قتل مسلماً، فانزل الله تعالى فيه الآية، لأنه كان مستحلا لقتله، على أنه قد قبل: إن قوله: {خالداً فيها} لا يفهم من الخلود في اللغة الاّ طول اللبث، فأما البقاء ببقاء الله، فلا يعرف في اللغة، ثم لا خلاف أن الآية مخصوصة بمن لا يتوب، لأنه إن تاب فلا بد من العفو عنه اجماعاً، وبه قال مجاهد. وقال ابن عباس: لا توبة له ولا إذا قتله في حال الشرك ثم أسلم وتاب. وبه قال ابن مسعود، وزيد بن ثابت والضحاك. ولا يعترض على ما قلناه قول من يقول ان قاتل العمد لا يوفق للتوبة، لأن هذا القول إن صح فانما يدل على أنه لا يختار التوبة. ولا ينافي ذلك القول بأنها لو حصلت، لا زالت العقاب. وإذا كان لا بد من تخصيص الآية واخراج التائبين عنها، جاز لنا أن نخرج منها من يتفضل الله عليه بالعفو على أن ظاهر الآية يتضمن أن جزاءه جهنم فمن أين أن ذلك لا بد من حصوله، وان العفو لا يجوز حصوله؟ وهذا قول أبي مجلز وأبي صالح. ولا يدفع ذلك قوله: {وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} لأن ذلك اخبار عن انه مستحق لذلك، فمن أين حصوله لا محالة؟ وقال الجبائي: الجزاء عبارة عما يفعل، وما لا يفعل لا يسمى جزاء. ألا ترى أن الأجير اذا استحق الاجرة على من استأجره، لا يقال في الدراهم التي مع المستأجر انها جزاء عمله؟! وانما يسمى بذلك اذا أعطاه إياها. وهذا ليس بشيء، لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل، أو لم يفعل الا ترى أنا نقول: جزاء من فعل الجميل أن يقابل عليه بمثله، وان كان ما فعل بعد؟ وانما يراد أنه ينبغي أن يقابل بذلك. ونقول: من استحق عليه القود، أو حد من الحدود إن جزاء هذا أن يقتل، أو يقام عليه الحد. ولو كان الامر على ما قالوه، لوجب ألا يكون الخلود في النار جزاء للكفار، لأنه لم يقع بعد، ولا يصح أن يقع، لأن ما يوجد منه لا يكون إلا متناهياً وانما لم يقل في الدراهم، إنها جزاء لعمله، لأن ما يستحقه الاجير في الذمة لا يتعين في دراهم معينة. وللمستأجر أن يعطيه منها، ومن غيرها. فلذلك لم توصف هذه المعينة بانها جزاء للعمل، ثم لنا أن نعارض بآيات الغفران، كقوله: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }تفسير : وقوله: {أية : إن الله يغفر الذنوب جميعاً } تفسير : وقوله: {أية : إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم}.تفسير : وإذا تعارضا، وقفا وبقينا على جواز العفو عقلا. وقال الجبائي والبلخي: الآية نزلت في أهل الصلاة. لأنه تعالى بين في الآية الأولى حكم قتل الخطأ من الدية، والكفارة. وذلك يختص أهل الصلاة، ثم عقب ذلك بذكر قتل العمد منهم. وهذا ليس بصحيح، لأن لزوم الدية في الخطأ يتناول المسلم، والمعاهد. وأما الكفارات فان عندنا تلزمهم أيضاً لأنهم متعبدون بالشرائع. ولو سلمنا ان الآية الاولى تختص المسلمين، لم يلزم ان تختص الثانية بهم، بل لا يمتنع ان يراد بها الكفار على وجه الخصوص أو الكفار، والمسلمين على وجه العموم. غير انا قد علمنا انه لا يجوز ان يراد بها من هو مستحق الثواب، لأن الثواب دائم. ولا يجوز مع ذلك أن يستحق العقاب الدائم مع ثبوت بطلان الاحباط، لاجماع الآية على خلافه.

الجنابذي

تفسير : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} تهديد بما لم يهدّد به احداً من اصحاب الكبائر، والتّعمّد المورث للوعيد الشّديد كما فى الاخبار ان يقتله من جهة ايمانه عالماً به لا ان يقتله لغضبٍ او جدلٍ او حقدٍ له من جهة اخرى فانّه وان كان عمداً فهو من وجه خفىٍ مشوب بالخطأ، ومن قتل مؤمناً من جهة ايمانه كان كمن قتل صاحبه ومن قتل صاحبه وهو الامام لاخلاص هل له من النّار ولا توبة له، اولا يوفّق للتّوبة كما فى الاخبار، ولذلك ورد انّ غيبة المؤمن اشدّ من الزّنية، او من سبعين زنيةً، او من سبعين زنيةً تحت الكعبة، وفى بعض الاخبار مع المحارم، والسّرّ ما ذكرنا، فانّ ذكر المؤمن بالسّوء من جهة ايمانه ذكر صاحبه بالسّوء وذكر الامام بالسّوء من اكبر الكبائر.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. ذكروا عن ابن عباس أنه سئل عن قاتل المؤمن فقال: ذلك قفل ضلَّ مفتاحه. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن رجلاً سأل رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان قتل، فشدّد عليه، ثم قال: هل أحد من والديك حيّ؟ قال: نعم، أمي. قال: ويلك، برها واحملها فإن دخل الابعد النار فأبعد من أبعده الله، أو كالذي قال له. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن هذه الآية مدنية، والتي في البقرة مدنية ما نسختها من آية. ذكروا أن رجلاً أتى إلى ابن عباس فقال: ما تقول فيمن قتل مؤمناً؟ قال: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. فقال: ما كنت تعرف: (أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) تفسير : [طه:82] قال: وَأنى له الهدى، ثكلته أمه، والذي نفس ابن عباس بيده لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : ثكلته أمه رجلاً الذي قتل مؤمناً متعمداً يجيء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه، ممسكاً رأسه بيده الأخرى، تشخب أوداجه دماً في قبل العرش يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني. وأيم الله لقد نزلت هذه الآية في عهد نبيكم وما نسختها من أية، وما نزل بعدها برهان . تفسير : ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء .

اطفيش

تفسير : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤمِناً}: أى موحدا بغير حق، وافيا بدين الله، أو غير واف، وقيل: موحدا سعيدا عند الله، علم أنه من السعداء بالوحى أو لم يعلم، والصحيح الأول. {مُّتَعَمِّداً}: حديث : نزلت فى مقيس بن ضبابة الكنانى، كان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشاما قتيلا فى بنى النجار، ولم يظهر قاتله، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله عليه وسلم معه رسولا من بنى فهر وقال له: ائت بنى النجار، وأقرئهم منى السلام وقل لهم: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ان علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه الى مقيس بن ضبابة فيقتص منه، وان لم تعلموا له قاتلا، فادفعوا اليه ديته، فبلغ الفهرى رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم، فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله، والله لا نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدى ديته، فأعطوه مائة من الابل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة. فبينما هما فى الطريق وسوس اليه الشيطان فألقى اليه حمية الجاهلية وقال لنفسه: أى شىء صنعته، تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة، اقتل هذا الفهرى الذى معك، فتكون نفس بنفس، وتبقى الدية فضلا لى، فتغفل الفهرى فرماه بصخرة فقتله، ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها، ورجع الى مكة كافرا فنزل: {وَمَن يَقْتُل} الى قوله: {عَذَابًا عَظِيماً} وأنشد لعنه الله فى ذلك: *قتلت به فهرا وحملت عقلــــــــــــه * سراة بنى النجار أرباع قارع* *وأدركت ثأرى واضطجعت موسدا * وكنت الى الأصنام أول راجع* تفسير : دل الحديث على حسن طاعة بنى النجار، وسائر الأنصار لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ووثوقه بهم حتى انه أقرأ السلام مع رسوله، مع ما قيل له: انه وجد فيهم مؤمن قتيل، وهم تحت حكمه لا يداريهم، اذ علم أنهم لا يمتنعون من تسليم القاتل أو من الدية، ودل أيضا أن الأصل فى القتل العمد اذا أمرهم أن يدفعوا القاتل ليقتص منهم، ولم يقل: ان كان متعمدا حتى انه ان لم يبين خطؤه حكم عليه بالعمد، وذلك لأنه لم يعترف بالقتل، وان اعترف وادعى الخطأ ولا بينة فقولان، والبسط فى شرح النيل. وفيه أن الدية مائة من الابل، وتقدم الكلام فيها، ودية العمد ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة فى بطونها أولادها، هذا قول عمر، وزيد بن ثابت، وعطاء، والشافعى. روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل متعمدا دفع الى أولياء المقتول فان شاءوا قتلوا وان شاءوا أخذوا الدية وهى ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم " تفسير : وعن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم حديث : أنه خطب النبى صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال: "ألا وان قتيل العمد بالسوط والحجر مائة من الابل منها أربعون ثنية الى بازل عامها كلهن خلفة "تفسير : أى كل الأربعين ولم تذكر الدية هنا، والعتق هنا، فانهما لا بد منهما ان لم يقتل تغليظا عليه، كأنه لا ينفعه ذلك، وقد ذكر الدية والقصاص فى البقرة. {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}: أبدا. {وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ}: أى علم مصيره نار جهنم أو لم يكن عنده مرضيا مقبول العمل، ولم أفسره بالعذاب لذكره بعد وذكر جهنم قبل. {وَلَعَنَهُ}: أبعده عن الجنة والسعادة. {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}: فى قبره ومحشره، وفى جهنم قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لزوال الدنيا أهون على الله من قتل أمرىء مسلم "تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : لو أن رجلا قتل بالمشرق والآخر راض فى المغرب لأشرك فى دمه "تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن هذا الانسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه " تفسير : وقال: "حديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله " تفسير : وقال: "حديث : لو أن أهل السماوات والأرض اشتركوا فى دم مؤمن لأكبهم الله فى النار جميعا "تفسير : وذلك كله مقيد بعدم التوبة. فان تاب قبلت توبته، ولو صادف بعمده من هو سعيد عند الله لقوله تعالى: {أية : ولا يقتلون النفس التى حرم الله }تفسير : الى قوله: {أية : الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } تفسير : وقوله تعالى: {أية : وانى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } تفسير : وقوله تعالى: {أية : ان الله يغفر الذنوب جميعا }تفسير : ولا سيما أنها نزلت فى قتل حمزة رضى الله عنه، وقد كان حكمه أن يكون كحكم من نص الله على سعادته. وقد روى عن ابن عباس أنه: من تعمد قتل مؤمن وتاب قبلت توبته، ويدل على قبولها ما روى حديث : أن رجلا قتل عمدا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فشدد عليه، ثم قال له: "هل أحد من والديك حى؟" قال: نعم أمى، قال: "ويلك برها واحملها " تفسير : رواه ابن عباس فقال: فان دخل الأبعد النار فأبعد الله من أبعده فانظر كيف جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم المخرج طاعة أمه وبرها، ولو كان لا توبة له لم يجعل ذلك له. ولعل ذلك تمثيل لأن يقصد خطاب قبول التوبة، وانظر الى قول ابن عباس: فان دخل النار فجاء، بصيغة الشك، فلو كان للنار جزما ولا تقبل توبته لم يقل، فان دخل النار، وانما شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا عليه لعظم قتل المؤمن، وللمبالغة فى الزجر، وبيان صعوبة المخرج، ثم بين بعد أن له توبة، وكأنه يقول: يعسر توفيقه للتوبة النصوح، وليس يقنط، ولعل التلويح الى تعسر توبته وصحتها هو حكمه عدم التقيد بعدم التوبة فى تلاوة الآية، مع أن القيد مراد ان شاء الله. ويدل على أن المراد للتشديد والزجر بمبالغة لا الاقناط، على أنه ان تاب قبلت توبته، ما روى عن سفيان بن عيينه، وابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: ان لم يقتل يقال له لا توبة لك، وان قتل ثم ندم وجاء تائبا يقال له: تلك توبة، وكذا روى عن ابن عباس وابن شهاب أنه اذا سألهما من يفهم عنهما قالا له: توبتك تقبل، واذا سألهما من لا يفهم قالا: لا توبة للقاتل. وعلى هذا يحمل ما يروى عن أبى هريرة أنه سئل: هل له توبة؟ فقال: لا والله الذى لا إله إلا هو حتى يدخل الجمل فى سم الخياط، ويدل أيضا على أن له توبة ما رواه عبادة بن الصامت، حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجلس فقال: "تبايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التى حرم الله الا بالحق ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصونى فى معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله فأمره الى الله ان شاء عفا عنه وان شاء عذبه" فبايعناه على ذلكتفسير : ، وتقدم فى السورة حديث:حديث : يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار "تفسير : وتقدم تأويله بما يصلح مع دخول قتل المؤمن عمدا فيه. ومعلوم أن الاخبار لا يدخله النسخ على الصحيح، وآية الفرقان الا من تاب اخبار، ولا يصح ما روى أنها منسوخة بهذه الآية فى جنب قتل النفس بغير حق، ان كانت مؤمنة، وأيضا لا يصار الى النسخ اذا أمكن الجمع بحمل فى المطلق على المقيد، فالمطلق هذه الآية، والمقيد آية الفرقان، فكأنه قال هنا: وأعد له عذابا عظيما الا من تاب، فلا دخول نار له، ولا غضب عليه، ولا لعنة ولا عذاب. وما روى عن ابن عباس من أن قبول توبة القاتل للمؤمن عمدا فى الفرقان منسوخ بهذه الآية النازلة بعدها بستة أشهر عند زيد بن ثابت، وعنه بثمانية أشهر، لعله لم يصح عينه أو يحمل على خوف، وأن تكون ناسخة هذا ولو كان خلاف الظاهر، لكن سهل المصير اليه لما مر عنه أيضا أنه تقبل توبته، وأما احتجاجى بأن الخير لا يدخل النسخ، فقد تذكرت ان التحقيق لن يدخله اذا كان حكما لا مجرد اخبار، فغاية أن يخبر أن كذا جائز، ثم يقول: انه لا يجوز، فهذا كقولك: الآن تم أوان جوازه، فقد يقول تقبل توبته، ثم يقول هنا لا تقبل بمعنى أنه من تقدم قتله تقبل، وأما الآن وما بعد فلا هذا مجرد بحث فى النسخ. وأما تحقيق المسألة فتوبة القاتل للمؤمن عمدا تقبل، نعم يكون قتله سببا للابعاد عن الكبائر، ويتعسر توفيقه للتوبة النصوح، وجملة ما روى فى نسخها أن ابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت قالوا: هذه مدنية نسخت آية الفرقان مكية، وأن أهل الكوفة اختلفوا، فرحل سعيد بن المسيب الى ابن عباس، فأجابه بذلك، وأن ابن مسعود قال: لا تزداد الا شدة، ولا يصح ذلك الا على ظن النسخ، والا على اجتهاده، حمله على ذلك الزجر عن قتل المؤمن عمدا، وهذا على بن أبى طالب يقول كما قال أصحابنا ان توبته مقبولة، فروى أنه قال ابن عباس: من أين لك أن آية النساء أحكمت على ظاهرها، أى لم تقيد بعدم التوبة، فما أجابه ابن عباس رضى الله عنه الا بأن قال: ان الوعيد قد تكاثف، يعنى جهنم، والغضب واللعن والعذاب العظيم. فأنت خبير أن هذا غير حجة، وأن ابن عباس انما أراد الزجر كما يدل عليه ما روى أنه قرأ عليه السائل: {أية : وانى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى }تفسير : فقال له ابن عباس: وان له الهدى، فتراه استبعد عنه الهدى ولم يقنطه، بل أشار الى عسر هداه، فلو اهتدى بالتوبة النصوح لقبل، ثم قال: والذى نفس ابن عباس بيده، لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ثكلت رجلا قتل مؤمنا متعمدا أمه جاء يوم القيامة بيمينه ممسكا رأسه بيده الأخرى تشخب أوداجه دما يقول: رب سل هذا فيما قتلنى"تفسير : وايم الله لقد نزلت الآية هذه فى عهد نبيكم وما نسختها آية وما نزل بعدها برهان يعنى أن وعيدها باق لم ينسخ ولم يعن أنه لا تقبل توبته، ويدل على قبول توبته قوله تعالى: {أية : إِن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }تفسير : وان الشرك أعظم الذنوب وهو مغفور بالتوبة، فكيف لا تقبل توبة القاتل عمدا. وقيل: ان هذه الآية منسوخة بآية الفرقان، وفيه أن آية الفرقان نزلت قبلها، ولعله نزلت آية الفرقان بعدها، وباقى الفرقان بعدها، وفيه أيضا أنه كيف ينسخ العام الخاص. وقيل: هذه منسوخة بقوله تعالى: { أية : إِن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }تفسير : على أنها نزلت بعدها، ولو تقدم موضعها من السورة، وقيل: آية النساء فيمن قتل مؤمنا استحلالا، وانما قال هذا من يزعم أن أصحاب الكبائر المصرين يجوز أن لا يدخل النار، فخرج الآية على المشرك باستحلال القتل، وأما على طريق الحق فلا حاجة لذلك، لأن المشرك تقبل توبته، والفاسق تقبل توبته، فلتقيد بعدم التوبة، والقوم لما منعوا خلود الموحد فى النار، حملوا الخلود على المكث الطويل، وجعلوها فى الموحد، أو حملوا الآية على القاتل استحلالا، فأبقوا الخلود على معنى الدوام، وجمهور الأمة يقولون بقبول توبته.

الالوسي

تفسير : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً} بأن يقصد قتله بما يفرق الأجزاء، أو بما لا يطيقه ألبتة عالماً بإيمانه، وهو نصب على الحال من فاعل {يَقْتُلْ}. وروي عن الكسائي أنه سكن التاء وكأنه فر من توالي الحركات {فَجَزَاؤُهُ} الذي يستحقه بجنايته {جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} أي ماكثاً إلى الأبد، أو مكثاً طويلاً إلى حيث شاء الله تعالى، وهو حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل: فجزاؤه أن يدخل جهنم خالداً. وقال أبو البقاء: هو حال من الضمير المرفوع أو المنصوب في يجزاها المقدر، وقيل: هو المنصوب لا غير ويقدر جازاه، وأيد بأنه أنسب بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغة، ومنع جعله حالاً من الضمير المجرور في {فَجَزَاؤُهُ} لوجهين، أحدهما: أنه حال من المضاف إليه، وثانيهما: أنه فصل بين الحال وذيها بخبر المبتدأ، وقوله سبحانه: {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} عطف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل: بطريق الاستئناف تقريراً لمضمونها حكم الله تعالى بأن جزاءه ذلك ـ وغضب عليه ـ أي انتقم منه على ما عليه الأشاعرة {وَلَعَنَهُ} أي أبعده عن رحمته بجعل جزائه ما ذكر، وقيل: هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير أن وحمل الماضي على معنى المستقبل أي فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله تعالى عليه الخ {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} لا يقادر قدره. والآية ـ كما أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن جبير ـ نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني أنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار فانطلق إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر ـ ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء ـ أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية فلما جاءهم الرسول قالوا: السمع والطاعة لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم والله تعالى ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدّي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة، وبينهما ساعة عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله وارتد عن الإسلام، وفي رواية أنه ضرب به الأرض وفضخ رأسه بين حجرين وركب جملاً من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة، وهو يقول في شعر له:شعر : قتلت به فهراً وحملت عقله سراة بني النجار أرباب (قارع) وأدركت ثأري واضجعت موسدا وكنت إلى الأوثان أول راجع تفسير : فنزلت هذه الآية مشتملة على إبراق وإرعاد وتهديد وإبعاد، وقد تأيدت بغير ما خبر ورد عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد والنسائي عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : كل ذنب عسى الله تعالى أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً، تفسير : وأخرج ابن المنذر / عن أبـي الدرداء مثله، وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أعان على دم امرىء مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله تعالى»تفسير : ، وأخرجا عن البراء بن عازب «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار»تفسير : ، وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار، وإن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر»تفسير : ، واستدل بذلك ونحوه من القوارع المعتزلة على خلود من قتل مؤمناً متعمداً في النار، وأجاب بعض المحققين بأن ذلك خارج مخرج التغليظ في الزجر لا سيما الآية لاقتضاء النظم له فيها كقوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ} تفسير : [آل عمران: 97] في آية الحج، حديث : وقول صلى الله عليه وسلم للمقداد بن الأسود ـ كما في «الصحيحين» حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب ـ «لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال»تفسير : ، وعلى ذلك يحمل ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : نازلت ربـي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى عليَّ»تفسير : وما أخرجه عن سعيد بن عينا أنه قال: «كنت جالساً بجنب أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط». وشاع القول بنفي التوبة عن ابن عباس، وأخرجه غير واحد عنه وهو محمول على ما ذكرنا، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول: لمن قتل مؤمناً توبة فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمناً توبة؟ قال: لا إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم؟! قال: إني أظنه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك، وكان هذا أيضاً شأن غيره من الأكابر فقد قال سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له فإذا ابتلى رجل قالوا له: تب، وأجاب آخرون بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم، وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله أنه قال: (فجزاؤه جهنم إن هو جازاه)، وروي مثله بسند ضعيف عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، قيل: وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه لم يكن ذلك منه كذباً، والأصل في هذا على ما قال الواحدي: إن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار» تفسير : «ومن أدعية الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم: يا من إذا وعد وفا، وإذا توعد عفا»، وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد، ولم تعده نقصاً كما يدل عليه قوله:شعر : وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي تفسير : واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب لإظهار الكرم، فلم لا يجوز في القصص والأخبار لغرض من الأغراض، وفتح ذلك الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها. / والقائلون بالعفو عن بعض المتوعدين منهم من زعم أن آيات الوعيد إنشاء، ومنهم من قال: إنها أخبار إلا أن هناك شرطاً محذوفاً للترهيب فلا خلف بالعفو فيها، وقال شيخ الإسلام: «والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه [بذلك] كيف لا وقد قال عز وجل: {أية : وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} تفسير : [الشورى:40] ولو كان هذا إخباراً بأنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه: {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}تفسير : [الشورى: 30] وهذا مأخوذ من كلام أبـي صالح وبكر بن عبد الله، واعترضه أبو علي الجبائي بأن ما لا يفعل لا يسمى جزاءاً ألا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة فالدراهم التي عند مستأجره لا تسمى جزاءاً ما لم تعط له وتصل إليه؟ وتعقبه الطبرسي «بأن هذا لا يصح لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل أم لم يفعل، ولهذا يقال: جزاء المحسن الإحسان وجزاء المسيء الإساءة، وإن لم يتعين المحسن والمسيء حتى يقال: فعل ذلك معهما أو لم يفعل، ويقال لمن قتل غيره: جزاء هذا أن يقتل، (وهو كلام صادق وإن لم يفعل القتل) وإنما لا يقال للدراهم: إنها جزاء الأجير لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة لا في الدراهم المعينة، فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها». واعترض بأنا سلمنا أنه لا يلزم في الجزاء أن يفعل إلا أن كثيراً من الآيات كقوله تعالى: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء: 123] {أية : وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 8] يدل على أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين البتة، وفي الآية ما يشير إليه؛ ولا يخفى ما فيه لأن الآيات التي فيها أنه تعالى يوصل الجزاء إلى مستحقه كلها في حكم آيات الوعيد والعفو فيه جائز، فلا معنى للقول بالبت، ومن هنا قيل: إن الآية لا تصلح دليلاً للمعتزلة مع قوله تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} تفسير : [النساء: 48]. وقد أخرج البيهقي عن قريش بن أنس قال: «كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول: يؤتى بـي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالى فيقول لي: لم قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول أنت قلته ثم تلا هذه الآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً} الخ فقلت له: وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال لك فإني قد قلت: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} تفسير : [النساء: 48] فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ قال: فما استطاع أن يرد عليَّ شيئاً»، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال: «جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر فسمعتهم يقولون لما نزلت {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً} الآية: قال المهاجرون والأنصار وجبت لمن فعل هذا النار حتى نزلت {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الخ، فقال المهاجرون والأنصار يصنع الله تعالى ما شاء» وبآية المغفرة ردّ ابن سيرين على من تمسك بآية الخلود وغضب عليه وأخرجه من عنده وكون آية الخلود بعد تلك الآية نزولاً بستة أشهر، أو بأربعة أشهر ـ كما روي عن زيد بن ثابت ـ لا يفيد شيئاً، ودعوى النسخ في مثل ذلك مما لا يكاد يصح كما لا يخفى، وأجاب بعض الناس بأن حكم الآية إنما هو للقاتل المستحل وكفره مما لا شك فيه فليس ذلك محلاً للنزاع، ويدل عليه أنها نزلت في الكناني حسبما مرت حكايته، وقد روى عن عكرمة وابن جريج وجماعة أنهم فسروا {مُّتَعَمّداً} بمستحلاً؛ واعترض بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وبأن تفسير المتعمد بالمستحل مما لا يكاد يقبل إذ ليس هو معناه لغة ولا شرعاً فإن التزم المجاز فلا دليل عليه وسبب النزول لا يصلح أن يكون دليلاً لما علمت الآن على أنه يفوت التقابل بين هذا القتل المذكور في هذه الآية والقتل المذكور في الآية السابقة وهو الخطأ الصرف، وقيل: إن الاستحلال يفهم من تعليق القتل بالمؤمن لأنه مشتق؛ وتعليق الحكم بالمشتق / يفيد علية مبدأ الاشتقاق، فكأنه قيل: ومن يقتل مؤمناً لأجل إيمانه ولا شك أن من يقتله لذلك لا يكون إلا مستحلاً فلا يكون إلا كافراً فيخرج هذا القاتل عن محل النزاع وإن لم يعتبر سبب النزول، واعترض بأن المؤمن وإن كان مشتقاً في الأصل إلا أنه عومل معاملة الجوامد، ألا ترى أن قولك كلمت مؤمناً مثلاً لا يفهم منه أنك كلمته لأجل إيمانه؟ ولو أفاد تعليق الحكم بالمؤمن العلية لكان ضرب المؤمن وترك السلام عليه والقيام له كقتله كفراً ولا قائل به، واعتبار الاشتقاق تارة وعدم اعتباره أخرى خارج عن حيز الاعتبار فليفهم، ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم القتل العمد الأخروي، ولم يذكر حكمه الدنيوي اكتفاءاً بما تقدم في آية البقرة. [178].

ابن عاشور

تفسير : هذا هو المقصود من التشريع لأحكام القتل، لأنّه هو المتوقّع حصوله من الناس، وإنّما أخرّ لتهويل أمره، فابتدأ بذكر قتْل الخطأ بعنوان قوله: {أية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ}تفسير : [النساء: 92]. والمتعمّد: القاصد للقتل، مشتقّ من عَمَد إلى كذا بمعنى قَصد وذهب. والأفعال كلّها لا تخرج عن حالتي عمد وخطأ، ويعرف التعمّد بأن يكون فعلاً لا يفعله أحد بأحد إلاّ وهو قاصد إزهاق روحه بخصوصه بما تُزهق به الأرواح في متعارف الناس، وذلك لا يخفى على أحد من العقلاء. ومن أجل ذلك قال الجمهور من الفقهاء: القتل نوعان عمد وخطأ، وهو الجاري على وفق الآية، ومن الفقهاء من جعل نوعاً ثالثاً سمّاه شبه العمد، واستندوا في ذلك إلى آثار مروية، إن صحّت فتأويلها متعيّن وتحمل على خصوص ما وردت فيه. وذكر ابن جرير والواحدي أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ مِقْيَساً بنَ صُبَابة وأخاه هشام جاءا مسلمَين مهاجرين فوُجِد هشامٌ قتيلاً في بني النجّار، ولم يُعرف قاتله، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء أخيه مِقْيَسٌ مائةٌ من الأبل، دية أخيه، وأرسل إليهم بذلك مع رجل من فهِر فلمّا أخَذ مقيس الإبلَ عدَا على الفهري فقتله، واستاق الإبل، وانصرف إلى مكة كافراً، وأنشد في شأن أخيه:شعر : قتلتُ به فهِراً وحَمَّلْتُ عقلَه سُراة بني النجّار أرْبابَ فَارِع حلَلْتُ به وِتْري وأدركتُ ثأرتي وكنتُ إلى الأوثانِ أوّلَ راجع تفسير : وقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة، فقتِل بسوق مكة. وقوله: {خالداً فيها} مَحْمَلهُ عند جمهور علماء السنّة على طول المُكث في النار لأجل قتل المؤمن عمداً، لأنّ قتل النفس ليس كفراً بالله ورسوله، ولا خلودَ في النار إلاّ للكفر، على قول علمائنا من أهل السنّة، فتعيّن تأويل الخلود بالمبالغة في طول المكث، وهو استعمال عربي. قال النابغة في مرض النعمان بن المنذر:شعر : ونحن لديه نسأل الله خُلْدَه يَرُدّ مَلْكاً وللأرضِ عامِرا تفسير : ومحمله عند من يُكفّر بالكبائر من الخوارج، وعند من يوجب الخلود على أهل الكبائر، على وتيرة إيجاب الخلود بارتكاب الكبيرة. وكلا الفريقين متّفقون على أنّ التوبة تَرِد على جريمة قتل النفس عمداً، كما تَرِد على غيرها من الكبائر، إلاّ أنّ نَفراً من أهل السنّة شذّ شذوذاً بيّنا في محمل هذه الآية: فروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس: أنّ قاتل النفس متعمّداً لا تقبل له توبة، واشتهر ذلك عن ابن عباس وعُرف به، أخذاً بهذه الآية، وأخرج البخاري أنّ سعيد بن جبير قال: آيةٌ اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلتُ فيها إلى ابن عباس، فسألتُه عنها، فقال: نزلت هذه الآية {ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها} الآية. هي آخر ما نزل وما نسخَها شيء، فلم يأخذ بطريق التأويل. وقد اختلف السلف في تأويل كلام ابن عباس: فحمله جماعة على ظاهره، وقالوا: إنّ مستنده أنّ هذه الآية هي آخر ما نزل، فقد نَسخَت الآياتِ التي قبلها، التي تقتضي عموم التوبة، مثل قوله: {أية : إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 116]، فقاتل النفس ممن لم يشأ الله يغفر له ومثل قوله {أية : واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}تفسير : [طه: 82]، ومثل قوله: {أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلاّ مَن تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً}تفسير : [الفرقان: 68، 69]. والحقّ أنّ محلّ التأويل ليس هو تقدّمَ النزول أو تأخُّره، ولكنّه في حمل مطلق الآية على الأدلّة التي قيّدت جميع أدلّة العقوبات الأخروية بحالة عدم التوبة. فأمّا حكم الخلود فحمله على ظاهره أو على مجازه، وهو طولُ المدّة في العقاب، مسألة أخرى لا حاجة إلى الخوض فيها حين الخوضِ في شأن توبة القاتل المتعمّد، وكيف يُحرم من قبول التوبة، والتوبةُ من الكفر، وهو أعظمُ الذنوب مقبولة، فكيف بما هو دونه من الذنوب. وحمل جماعة مراد ابن عبّاس على قصد التهويل والزجر، لئلاّ يجترىء الناس على قتل النفس عمداً، ويرجون التوبة، ويَعْضُدون ذلك بأنّ ابن عباس رُوي عنه أنّه جاءه رجل فقال: «ألِمَنْ قتل مؤمناً متعمّداً توبة» فقال: «لاَ إلاّ النار»، فلمّا ذهب قال له جلساؤه «أهكذا كنت تفتينا فقد كنت تقول إنّ توبته مقبولة» فقال: «إنّي لأحْسِبُ السائل رجلاً مغضَباً يريد أن يقتل مؤمناً»، قل: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك. وكان ابن شهاب إذا سألَه عن ذلك من يَفْهَم مِنْه أنّه كان قَتل نفساً يقول له: «توبتُك مقبولة» وإذا سأله من لم يقتل، وتوسّم من حاله أنّه يحاول قتلَ نفس، قال له: لا توبةَ للقاتل. وأقول: هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفسّرين كما علمت، وملاكه أنّ ما ذكره الله هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحدّ المألوف من الإغلاظ، فرأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل، لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلودَ حقيقة، بخلاف بقية آي الوعيد، وكأنّ هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في اعتبار هذه الآية محكمةً أو منسوخة، لأنّهم لم يجدوا مَلْجأ آخرَ يأوُون إليه في حملها على ما حُملت عليه آيات الوعيد: من محامِل التأويل، أو الجمعِ بين المتعارضات، فآووا إلى دَعوى نسخِ نصّها بقوله تعالى في سورة الفرقان (68، 69): {أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} تفسير : إلى قوله {إلاّ من تاب} لأنّ قوله: ومن يفعل ذلك إمّا أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة، فإذا كان فاعل مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمداً أجدر، وإمّا أن يراد فاعل واحدة منها فالقتل عمداً مما عُدَّ معها. ولذا قال ابن عباس لسعيد بن جبير: إنّ آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء. ومن العجب أن يقال كلام مثل هذا، ثم أن يُطال وتتناقله الناس وتمرّ عليه القرون، في حين لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة. وذهب فريق إلى الجواب بأنّها نُسخت بآية: {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48]، بناء على أنّ عموم {من يشاء} نَسَخ خصوصَ القتل. وذهب فريق إلى الجواب بأنّ الآية نزلت في مِقْيَسٍ بن صُبابة، وهو كافر ــــ فالخلود لأجل الكفر، وهو جواب مبني على غلط لأنّ لفظ الآية عامّ إذ هو بصيغة الشرط فتعيّن أنّ «من» شرطية وهي من صيغ العموم فلا تحمل على شخص معيّن؛ إلاّ عند من يرى أنّ سبب العامّ يخصّصه بسببه لا غيرُ، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه. وهذه كلّها ملاجىء لا حاجة إليها، لأنّ آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها، حتّى بلغت حدّ النصّ المقطوع به، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلّها حتّى الكفر. على أنّ تأكيد الوعيد في الآية إنّما يرفع احتمال المجاز في كونه وعيداً لا في تعيين المتوعّد به وهو الخلود. إذ المؤكّدات هنا مختلفة المعاني فلا يصحّ أن يعتبر أحدها مؤكّداً لمدلول الآخر بل إنّما أكَّدت الغرض. وهو الوعيد، لا أنواعه. وهذا هو الجواب القاطع لهاته الحيرة. وهو الذي يتعيّن اللجأ إليه، والتعويل عليه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 93- إن من يقتل مؤمنا قتلاً عدواناً متعمداً مستحلاً ذلك القتل، يكون جزاؤه الذى يكافئ جريمته أن يدخل جهنم ويستمر فيها، ويغضب اللَّه عليه ويطرده من رحمته وقد أعد اللَّه له فى الآخرة عذاباً عظيماً، فإن هذه أكبر جريمة فى الدنيا. 94- الاحتراس من قتل المؤمن واجب فى حال الغزو، فإذا سافرتم مجاهدين فى سبيل اللَّه - تعالى - فتعرفوا شأن الذين تقاتلونهم قبل القتال، أهم أسلموا أو لا يزالون على الشرك؟ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام وشارة الأمن لست مؤمناً، تريدون بذلك الأموال والغنائم، بل اقبلوا منهم السلام، فإن اللَّه أعدَّ لكم مغانم كثيرة. وأنتم - أيها المؤمنون - كنتم على الكفر قبل ذلك وهداكم اللَّه، فتبينوا أمر الذين تلقونهم. وأن الله عليم علماً دقيقاً لا يخفى عليه شئ، وأنه محاسبكم بمقتضى علمه. 95- وإن الجهاد مع هذا الاحتراس فضله عظيم جداً، فلا يستوى الذين يقعدون عن الجهاد فى منازلهم والذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم، فقد جعل اللَّه للمجاهدين درجة رفيعة فوق الذين قعدوا إلا إذا كان القاعدون من ذوى الأعذار التى تمنعهم من الخروج للقتال، فإن عذرهم يرفع عنهم الملامة ومع أن المجاهدين لهم فضل ودرجة خاصة بهم، فقد وعد اللَّه الفريقين المنزلة الحسنى والعاقبة الطيبة.

القطان

تفسير : وردت الحالات الثلاث المتقدمة في قتل الخطأ. أما الآن فنحن أمام القتل العمد. وهو أكبر جريمة في الدنيا، وكبيرةٌ لا تكفّر عنها دية ولا عتق. وانما جزاء مرتكبها عذابُ جهنم الأليم، والطرد من رحمة الله. وفي ذاك تهديد ووعيد لمن أقدم على هذه الجريمة واقترف هذا الذنب العظيم الذي قرنه الله تعالى بالشِرك به في كثير من الآيات. منها قوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الفرقان:68]. والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً، فمن ذلك ما ورد في الصحيحين عن ابن مسعود قال: "حديث : قال رسول الله أولُ ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ". تفسير : وفي حديث الترمذي والنّسائي عن ابن عمرو: "حديث : لَزوالُ الدنيا أهونُ عند الله من قتلِ رجل مسلم ". تفسير : ان من قتل مؤمنا متعمّدا مستحلاًّ ذلك القتل، فجزاؤه على جريمته البشعة ان يدخل جهنم خالداً فيها، إنه يستحق غضب الله وأن يطرده الله من رحمته، وقد اعد له عذابا عظيماً. قال ان القيّم: لما كان الظلم والعدوان منافَيين للعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله، وأنزل كتبه ـ فهو من أكبر الكبائر عند الله، ودرجتُه في العظمة بحسب مفسدته في نفسه. لذا صار قتل الانسان المؤمن من أقبح الظلم وأشده. وقد قال بعض العلماء ومنهم ابن العباس: ان القاتل عامداً متعمداً لا تُقبل توبته، وسيخلَّد في النار. وقال آخرون: إذا تاب ورجع الى الله تُقبل توبته، لأنه تعالى يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. وهذا هو الذي يتمشى مع قواعد الاسلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَالِداً} (93) - وَإذا عَرَفَ الرَّجُلُ الإِسْلاَمَ وَشَرَائِعَهُ، ثُمَّ قَتَلَ رَجُلاً مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً قَتْلَهُ، مُسْتَحِلاًّ ذَلِكَ القَتْلَ، فَجَزَاؤُهُ عِنْدَ اللهِ جَهَنَّمُ يَبْقى مُخَلَّداً فِيهَا، وَيَلْعَنُهُ اللهُ، وَيُبْعِدُهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيَجْعَلُهُ فِي النَّارِ فِي عَذابٍ أليمٍ. وَلِلْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ آراءَ فِي تَوْبَةِ قَاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْداً: 1- ابْنُ عَبَّاسٍ وَفَرِيقٌ مِنَ السَّلَفِ - يَرَوْنَ أنَّ قَاتِلَ المُؤْمِنِ لاَ تَوْبَةَ لَهُ إِطْلاقاً، وَيَبْقَى فِي النَّارِ خَالِداً. وَيَسْتَنِدُونَ فِي ذَلِكَ إلى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلاّ الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِراً، أوِ الرَّجُلَ يَقْتُلُ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً"تفسير : . وَإلى قَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أعَانَ عَلَى قَتْلِ امرىءٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ: آيس مِنْ رَحْمَةِ اللهِ"تفسير : . وَإلى قَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَوْ أنَّ الثَقَلَيْنِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ لأكَبَّهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ، وَإنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلَى القَاتِلِ وَالآمِرِ بِهِ"تفسير : . 2- وَيَرَى فَرِيقٌ آخَرُ أنَّ الخُلُودَ يَعْنِي المُكْثَ الطَّوِيلَ لاَ الدَّوَامَ، لِظَاهِرِ النُّصُوصِ القَاطِعَةِ عَلَى أنَّ عُصَاةَ المُؤْمِنينَ لاَ يَدُومُ عَذَابُهُمْ. وَمَا فِي الآيَةِ إخْبَارٌ مِنَ اللهِ أنَّ جَزَاءَهُ ذَلِكَ، لاَ أنَّهُ يَجْزِيهِ بِذَلِكَ حَتْماً، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}، تفسير : فَلَوْ كَانَ المُرَادُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْزِي كُلَّ سَيِّئَةٍ بِمْثِلِهَا لَعَارَضَهُ قَوْلُهُ جَلَّ شَأنُهُ: {أية : وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ}، تفسير : فَالمُرَادُ بِذَلِكَ أنَّ هَذا هُوَ جَزَاؤُهُ إنْ أرَادَ اللهُ مُجَازَاتَهُ. 3- وَيَرى فَرِيقٌ ثَالِثٌ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ يَتَعَلَّقُ بِالقَاتِلِ المُسْتَحِلِّ لِلْقَتْلِ، وَحُكْمُهُ مِمَّا لاَ شَكَّ فِيهِ. وَقَدْ فَسَّرَ عكْرَمَةُ وَابْنُ جُرَيجٍ (مُتَعَمِّداً) بـ (مُسْتَحِلاًّ) فِي الآيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والقتل هنا لمؤمن بعمد، فالأمر إذن مختلف عن القتل الخطأ الذي لا يدري به القاتل إلا بعد أن يقع. وجزاء القاتل عمداً لمؤمن هو جهنم، وليس له كفارة أبداً. هكذا يبشع الحق لنا جريمة القتل العمد. لأن التعمد يعني أن القاتل قد عاش في فكرة أن يقتل، ولذلك يقال في القانون: "قتل عمد مع سبق الإصرار". أي أن القاتل قد عاش القتل في تخيله ثم فعله، وكان المفروض في الفترة التي يرتب فيها القتل أن يراجعه وازعه الديني، وهذا يعني أن الله قد غاب عن باله مدة التحضير للجريمة، وما دام قد عاش ذلك فهو قد غاب عن الله، فلو جاء الله في باله لتراجع، وما دام الإنسان قد غاب باله عن الله فالله يغيبه عن رحمته. {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} وقالوا في سبب هذه الآية: إن واحداً اسمه مِقْيَسْ بن ضبابة كان له أخ اسمه هشام، فوجد أخاه مقتولاً في بني النجار، وهم قوم من الأنصار بالمدينة. فلما وجد هشاماً قتيلاً ذهب مِقْيَس إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بالخبر، فأرسل معه رجلاً من بني فهر وكتب إليهم أن يدفعوا إلى مِقْيَس قاتل أخيه، فقال بنو النجار والله ما نعلم له قاتلا، ولكننا نؤدي الدية فأعطوه مائة من الأبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مِقْيَس على الفِهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة مرتدّاً وجعل ينشد: شعر : قتلت به فِهراً وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع حللت به وترى وأدركت ثورتي وكنت إلى الأوثان أول راجع تفسير : فلما بلغ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أهدر دمه. ومعنى "أهدر دمه" أباح دمه، أي أن مَن يقتله لا عقاب عليه، إلى أن جاء يوم الفتح فَوُجد "مقيس" متعلقاً بأستار الكعبة ليحتمي بها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. وهنا نجد أكثر من مرحلة في العذاب: جزاء جهنم، خُلود في النار، غَضب من الله، لعنة من الله، إعداد من الله لعذاب عظيم. فكأن جهنم ليست كل العذاب؛ ففيه عذاب وفيه خلود في النار وفيه غضب وفيه لعنة ثم إعداد لعذاب عظيم. وهذا ما نستعيذ بالله منه. فبعضنا يتصور أن العذاب هو جهنم فحسب، وقد يغفل بعض عن أن هناك ألواناً متعددة من العذاب. وفي الحياة نرى إنساناً يتم حبسه فنظن أن الحبس هو كل شيء، ولكن عندما وصل إلى علمنا ما يحدث في الحبس عرفنا أن فيه ما هو أشر من الحبس. وهنا وقفة وقف العلماء فيها: هل لهذا القاتل توبة؟ واختلف العلماء في ذلك، فعالم يقول: لا توبة لمثل هذا القاتل. وعالم آخر قال: لا، هناك توبة. وجاء سيدنا ابن العباس وجلس في جماعة وجاء واحد وسأله: أللقاتل عمداً توبة؟ قال ابن العباس: لا. وبعد ذلك بمدة جاء واحد وسأل ابن العباس: أللقاتل عمداً توبة؟ فقال ابن العباس: نعم. فقال جلساؤه: كيف تقول ذلك وقد سبق أن قلت لا، واليوم تقول نعم. قال ابن العباس: سائلي أولاً كان يريد أن يقتل عمداً، أما سائلي ثانياً فقد قتل بالفعل، فالأول أرهبته والثاني لم أقَنِّطه من رحمة الله. وكيف فرق ابن العباس بين الحالتين؟ إنها الفطنة الإيمانية والبصيرة التي يبسطها الله على المفتي. فساعة يوجد النبي صلى الله عليه وسلم في صحابته يسأله واحد قائلاً: "أي الإسلام خير"؟ فيقول صلوات الله عليه: "حديث : تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" تفسير : ويسأله آخر فيجيبه بقوله: "حديث : من سلم المسلمون من لسانه ويده" تفسير : وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يجيب كل سائل بما يراه أصلح لحاله أو حال المستمع، ويجيب كل جماعة بما هو أنفع لهم.. ويسأله عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: حديث : أي الأعمال أفضل؟ فيقول صلوات الله وسلامه عليه: "الصلاة على ميقاتها. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: أن يسلم الناس من لسانك" . تفسير : ونعرف أن آية القتل العمد تتطلب المزيد من التفكر حول نصها "فجزاءه جهنم خالداً فيها". وهل الخلود هو المكث طويلاً أو على طريقة التأبيد.. بمعنى أن زمن الخلود لا ينتهي؟ ولو أن زمن الخلود لا ينتهي لما وصف الحق المكث في النار مرة بقوله: {أية : خَالِدِينَ فِيهَا} تفسير : [آل عمران: 88]. ومرة أخرى بقوله: {أية : خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : [النساء: 169]. هذا القول يدل على أن لفظ التأبيد في "أبداً" فيه ملحظ يزيد على معنى الخلود دون تأبيد. وإذا اتحد القولان في أن الخلود على إطلاقه يفيد التأبيد، وأن {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفيد التأبيد أيضاً، فمعنى ذلك أن اللفظ "أبداً" لم يأت بشيء زائد. والقرآن كلام الله، وكلام الله منزه عن العبث أو التكرار. إذن لا بد من وقفة تفيدنا أن الخلود هو المكث طويلاً، وأن الخلود أبداً هو المكث طويلاً طولاً لا ينتهي، وعلى ذلك يكون لنا فهم. فكل لفظ من القرآن محكم وله معنى. ثم إن كلمة "خالدين" حين وردت في القرآن فإننا نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في خلود النار: {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [هود: 105-107]. فكأن الحق سبحانه وتعالى استثنى من الخلود: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} تفيد أن الخلود عندهم تنتهي. ما دام هناك استثناء؛ فالاستثناء لا بد له من زمن، والزمن مستثنى من الخلود وعلى ذلك لا يكون الخولد تأبيدياً. وعلينا أن نتناول الآيات بهذه الروح، وفي هذه المسألة نجد وقفة لعالم من أعلام العقائد في العصر العباسي هو عمرو بن عبيد، وكان عمرو من العلماء الذين اشتهروا بالمحافظة على كرامة العلم وعزة العلماء لدرجة أن خليفة ذلك الزمان قال عنه وسط بعض المنتسبين إلى العلم:"كلهم طالب صيد إلا عمرو بن عبيد" وقد كانت منزلته العلمية عالية ونفسه ذات عزة إيمانية تعلو على صغائر الحياة. وكان عمرو بن عبيد دقيق الرأي، ويحكى عنه قيس بن أنس هذه الحكاية: كنت في مجلس عمرو بن عبيد فإذا بعمرو بن عبيد يقول: "يؤتى بي يوم القيامة فيقال لي: لم قلت بأن قاتل العمد لا توبة له. قال: فقرأت الآية: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} وكان يجب أن يلتفت عمرو بن عبيد إلى أن الإلهام الذي جاءه أو الرؤيا التي أراها له الله بأنه سوف يؤتي به يوم القيامة ليسأل لماذا أفتى بألا توبة لقاتل العمد، كان يجب أن يلتفت إلى أن ذلك يتضمن أن لقاتل العمد توبة؛ لأن سؤاله عن ذلك يوم القيامة يشير إلى عتاب في ذلك. نقول ذلك لنعرف أنَّ الحق سبحانه وتعالى جعل فوق كل ذي علم عليما.. ولكنَّ عمرا ذكر ما جاء في قول الحق: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}. وقال قيس بن أنس: وكنت أصغر الجالسين سناً، فقلت له: لو كنت معك لقلت كما قلت: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} وقلت أيضاً: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]. قال قيس: فوالله ما رد على عمرو بن عبيد ما قلت: ومعنى ذلك موافقة عمرو بن عبيد. ماذا تفيد هذه؟. تفيد ألا نأخذ كلمة {خَالِداً فِيهَا} بمعنى التأبيد الذي لا نهاية له؛ لأن الله قد استثنى من الخلود في آية أخرى. والحق سبحانه وتعالى بعد أن شرح حكم القتل العمد والقتل الخطأ، بحث العلماء ووجدوا أن هناك قتلاً اسمه "شبه العمد" أي أنه لا عمد ولا خطأً، كأن يأتي إنسان إنساناً آخر ويضربه بآلة لا تقتل عادة فيموت مقتولاً، وهنا يكون العمد موجوداً، فالضارب يضرب، ويمسك بآلة ويضرب بها، وصادف أن تقتل الآلة التي لا تقتل غالبا، وقال العلماء: القتل معه لا به، فلا قصاص، ولكن فيه دية. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح: بعد ما حدث وحدثتكم عن القتل بكل صوره وألوانه سواء أكان القتل مباحا كقتل المسلمين الكافرين في الحرب بينهما، أم القتل العمد، أم القتل الخطأ، أم القتل شبه العمد، لذلك ينبهنا: يجب أن تحتاطوا في هذه المسألة احتياطاً لتتبينوا أين تقع سيوفكم من رقاب إخوانكم، فيقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} مباشراً على قتله إرادة واختياراً، والعمد على الوجه من إمارات الاستحلال {فَجَزَآؤُهُ} أي: جزاء المستحل ووبال وزره لا يسقط عنه لا بالتحرير ولا بالدية، ولا بالصوم والصدقة، بل جزاؤه {جَهَنَّمُ} البعد عن جوار الله يصير {خَٰلِداً فِيهَا} مؤبداً إلى ما شاء الله {وَ} مع خلوده في نار الخذلان والحرمان {غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أي: أخذه وأخزاه بأنواع الخزي والمذلة {وَلَعَنَهُ} طرده عن حضوره، وأسقطه عن مرتبة خلافته {وَأَعَدَّ لَهُ} أي: هيأ له {عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93] بحيث لا يصغو معه، ولا ينظر إليه أبداً. نعوذ بك من غضبك وسخطك يا أرحم الراحمين. ومن عظم أمر القتل عند الله، وإزالة الحياة التي حصل من نفخ الروح الذي أضافه لنفسه، أمر سبحانه على المؤمنين الذين يقصدون بالقتال والجهاد رضاء الله وإعلاء دينه ترويج توحيده بالتبيين والتفتيش فيه على وجه المبالغة؛ حتى لا يؤدي إلى تخريب بنائه وإبطال صنيعه، فقال منادياً: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم {إِذَا ضَرَبْتُمْ} سافرتم للجهاد {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لإعلاء كلمة توحيده، وانتصار دين نبيه {فَتَبَيَّنُواْ} فاطلبوا بيان الأمر والحال من كل من استقبل عليكم، ولا تبادروا إلى قتل بلا تفتيش حالة {وَ} خصوصاً {لاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} الإطاعة والانقياد {لَسْتَ مُؤْمِناً} بل كافراً مداهناً خائفاً تبادر علينا بالإطاعة حفظاً لدمك ومالك حال كونكم {تَبْتَغُونَ} تطلبون بهذا القول {عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} أي: متاعها التي هي حطام زائلة، وأثاث باطلة {فَعِنْدَ ٱللَّهِ} لكم إن امتثلتم لأمره ورضيتم {مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} مما تتلذذ به نفوسكم يغنيكم عن حطام الدنيا ومزخرفاتها، بادروا إليها، ولا تميلوا إلى لذاتها الفانية. {كَذٰلِكَ} أي: مثل ما ألقى إليكم السلم {كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} أي: قبل رسوخكم على الإيمان واطمئنانكم على شعائر الإسلام تفوهتم بكلمتي الشهادة، وأظهرتم الإيمان والإطاعة لحفظ دمائكم وأموالكم {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} بالتمكن والاطمئنان والعزيمة الصحيحة والاستقامة في شعائر الإسلام، {فَتَبَيَّنُواْ} أيضاً عن حالهم، واقبلوا منهم قالوا كما قبل الله منكم من قبل؛ رجاء أن ينكشفوا بما انكشفتم {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع بسرائركم وضمائركم {كَانَ} في سباق علمه {بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأغراض المؤدية إلى الحطام الدنيوية {خَبِيراً} [النساء: 94] علمياً لا يعزب عن علمه وخبرته شيء. روي أن سرية من أصحاب رسول الله غزت أهل فدك، فهربوا وبقي لها مرداس اعتماداً على إسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ عنمه إلى شعب الجبل وصعد عليه، فلما تلاحقوا كبَّروا وكبَّر أيضاً، ونزل وقال: لا إله إلى الله محمد رسول الله السلام عليكم يا أصحاب رسول الله، مرحباً بكم وبقدومكم فقتله أسامة، واستاق غنمه، فنزلت.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : تقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن، وأن القتل من الكفر العملي، وذكر هنا وعيد القاتل عمدا، وعيدا ترجف له القلوب وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول. فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار. فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته. وهذا الوعيد له حكم أمثاله من نصوص الوعيد، على بعض الكبائر والمعاصي بالخلود في النار، أو حرمان الجنة. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في تأويلها مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار ولو كانوا موحدين. والصواب في تأويلها ما قاله الإمام المحقق: شمس الدين بن القيم رحمه الله في "المدارج" فإنه قال - بعدما ذكر تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها فقال: وقالت فِرقَة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه. وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص. فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات، اعتبارًا بمقتضي العقاب ومانعه، وإعمالا لأرجحها. قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما. وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقا وأمرا، وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ويقاومه، ويكون الحكم للأغلب منهما. فالقوة مقتضية للصحة والعافية، وفساد الأخلاط وبغيها مانع من عمل الطبيعة، وفعل القوة والحكم للغالب منهما، وكذلك قوى الأدوية والأمراض. والعبد يكون فيه مقتض للصحة ومقتض للعطب، وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه، فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له. ومِنْ هنا يعلم انقسام الخلق إلى مَنْ يدخل الجنة ولا يدخل النار، وعكسه، ومَنْ يدخل النار ثم يخرج منها ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه. ومن له بصيرة منورة يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله، حتى كأنه يشاهده رأي عين. ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه، وربوبيته وعزته وحكمته وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ونسبة ذلك إليه نسبة ما لا يليق به إليه، فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره. وهذا يقين الإيمان، وهو الذي يحرق السيئات، كما تحرق النار الحطب، وصاحب هذا المقام من الإيمان يستحيل إصراره على السيئات، وإن وقعت منه وكثرت، فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله في عدد أنفاسه، وهذا من أحب الخلق إلى الله. انتهى كلامه قدس الله روحه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 223 : 49 : 5 - سفين عن المغيرة بن النعمن عن سعيد بن جبير عن بن عباس {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} قال، ليس لقاتل المؤمن توبة. ما نسختها آية منذ نزلت. [الآية 93].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} [93] 134- أنا محمد بن المُثنى، نا محمد، نا شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أَبْزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} فسألته، فقال: لم ينسخها شيء، وعن هذه الآية {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الفرقان: 68] قال: أُنزلت في أهل الشرك. 135- أنا أزهر بن جميل، نا خالد بن الحارث، نا شعبة، عن المغيرة بن نعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} فرحلت إلى ابن عباس فسألته فقال: لقد نزلت في آخر ما نزلت ما نسخها شيء.

همام الصنعاني

تفسير : 617- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً}: [الآية: 93]، قال: ليس لِقاتِلِ مُؤْمنٍ تَوْبَةً، إلاَّ أنْ يسْتَغْفِرَ الله. 618- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم قال: بينهما ثماني سنين التي في النساء بعد التي في الفرقان. 619- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُييْنة، عن أبي الزناد، قال: سمعت رجُلاً يحدث خارجة بن زيد، قال: سمعت أباك في هذا المكان بمِنَى، يقول: نزلت الشديدة بعد الهيِّنة، قال: أراه قال بسِتَّة أشهر يعني {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً}: [الآية: 93]، بعد: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}تفسير : : [الآية: 116].