Verse. 587 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِذَا ضَرَبْتُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ فَتَبَيَّنُوْا وَلَا تَقُوْلُوْا لِمَنْ اَلْقٰۗي اِلَيْكُمُ السَّلٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا۝۰ۚ تَبْتَغُوْنَ عَرَضَ الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۡفَعِنْدَ اللہِ مَغَانِمُ كَثِيْرَۃٌ۝۰ۭ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللہُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوْا۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُوْنَ خَبِيْرًا۝۹۴
Ya ayyuha allatheena amanoo itha darabtum fee sabeeli Allahi fatabayyanoo wala taqooloo liman alqa ilaykumu alssalama lasta muminan tabtaghoona AAarada alhayati alddunya faAAinda Allahi maghanimu katheeratun kathalika kuntum min qablu famanna Allahu AAalaykum fatabayyanoo inna Allaha kana bima taAAmaloona khabeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما مر نفر من الصحابة برجل من بني سليم وهو يسوق غنما فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا إلا تقية فقتلوه واستاقوا غنمه «يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم» سافرتم للجهاد «في سبيل الله فتبينوا» وفي قراءة فتثبتوا في الموضعين «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام» بألف أو دونها أي التحية أو الانقياد بكلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام «لست مؤمنا» وإنما قلت هذا تقيه لنفسك ومالك فقتلوه «تبتغون» تطلبون لذلك «عرَضَ الحياة الدنيا» متاعها من الغنيمة «فعند الله مغانم كثيرة» تغنيكم عن قتل مثله لماله «كذلك كنتم من قبل» تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد قولكم الشهادة «فمنَّ الله عليكم» بالاشتهار وبالإيمان والاستقامة «فتبينوا» أن تقتلوا مؤمناً وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فُعل بكم «إن الله كان بما تعملون خبيرا» فيجازيكم به.

94

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ }. أعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبيت فيه لئلا يسفكوا دماً حراماً بتأويل ضعيف، وهذه المبالغة تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي هنا وكذلك في الحجرات {فتثبتوا} من ثبت ثباتاً، والباقون بالنون من البيان، والمعنيان متقاربان، فمن رجح التثبيت قال: إنه خلاف الإقدام، والمراد في الآية التأني وترك العجلة، ومن رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين، فكان التبيين أبلغ وأكمل. المسألة الثانية: الضرب معناه السير فيها بالسفر للتجارة أو الجهاد، وأصله من الضرب باليد، وهو كناية عن الإسراع في السير فإن من ضرب إنساناً كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير. قال الزجاج: ومعنى {ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي غزوتم وسرتم إلى الجهاد. ثم قال تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً}. أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين، ومنه قوله: {أية : وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ } تفسير : [النحل: 87] أي استسلموا للأمر، ومن قرأ {ٱلسَّلَـٰمُ } بالألف فله معنيان: أحدها: أن يكون المراد السلام الذي يكون هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياتكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذاً فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره. والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقتلكم لست مؤمناً، وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة. قال صاحب الكشاف: قرىء {مُؤْمِناً } بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك. المسألة الثالثة: في سبب نزول هذه الآية روايات: الرواية الأولى: أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فذهبت سرية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه وأميرهم غالب بن فضالة، فهرب القوم وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال: قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال أسامة يا رسول الله استغفر لي، فقال: حديث : فكيف وقد تلا لا إله إلا الله! تفسير : قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي وقال: أعتق رقبة. الرواية الثانية: أن القاتل ملحم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه بتحية الإسلام، وكانت بين ملحم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : لا غفر الله لك»تفسير : فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الذنب عنده»تفسير : ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة. الرواية الثالثة: أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال: فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك؟ فقال رسول الله لا تقتله، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي، فقال عليه الصلاة والسلام «حديث : لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد ما تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» تفسير : وعن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح»تفسير : قال القفال رحمه الله: ولا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها، فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته، والله أعلم. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا؟ فالفقهاء قبلوها واحتجوا عليه بوجوه: الأول: هذه الآية فإنه تعالى لم يفرق في هذه الآية بين الزنديق وبين غيره بل أوجب ذلك في الكل. الحجة الثانية: قوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] وهو عام في جميع أصناف الكفرة. الحجة الثالثة: أن الزنديق لا شك أنه مأمور بالتوبة، والتوبة مقبولة على الإطلاق لقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } تفسير : [الشورى: 25] وهذا عام في جميع الذنوب وفي جميع أصناف الخلق. المسألة الخامسة: إسلام الصبي صحيح عند أبي حنيفة، وقال الشافعي لا يصح. قال أبو حنيفة دلّت هذه الآية على صحة إسلام الصبي لأن قوله: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً } عام في حق الصبي، وفي حق البالغ. قال الشافعي: لو صح الإسلام منه لوجب، لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر، وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ» تفسير : الحديث، والله أعلم. المسألة السادسة: قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني: أنا مؤمن أو قال أنا مسلم لا يحكم بهذا القدر بإسلامه، لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو الإسلام وهو الإيمان، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعند قوم لا يحكم بإسلامه، لأنه فيهم من يقول: إنه رسول الله إلى العرب لا إلى الكل، ومنهم من يقول: إن محمداً الذي هو الرسول الحق بعد ما جاء، وسيجيء بعد ذلك، بل لا بدّ وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم. ثم قال تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، يقال: إن الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر، والعرض بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير، وإنما سمي متاع الدنيا عرضاً لأنه عارض زائل غير باق ومنه يسمي المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضاً لقلة لبثه، فقوله: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } يعني ثواباً كثيراً، فنبّه تعالى بتسميته عرضاً على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء، وبقوله: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } على أن ثواب الله موصوف بالدوام والبقاء كما قال: {أية : وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ } تفسير : [مريم: 76]. ثم قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المخاطبين بأولئك الذين ألقوا السلم، وليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوهاً: الأول: أن المراد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم وأموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم، فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر القول، وأن لا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف، هذا هو الذي اختاره أكثر المفسرين، وفي إشكال لأن لهم أن يقولوا: ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء، لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار، وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر. الوجه الثاني: قال سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه، ثم منَّ الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم، فأنتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة، وهذا أيضاً فيه إشكال لأن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم. الثالث: قال مقاتل: المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول الله بكلمة «لا إله إلا الله» فاقبلوا منهم مثل ذلك، وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول، والأقرب عندي أن يقال: إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال، فكأنه قيل لهم: كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام، ثم من الله عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان، فإن الله تعالى يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم يقوي تلك الرغبة في صدورهم، فهذا ما عندي فيه. ثم قال تعالى: {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } وفيه احتمالان: الأول: أن يكون هذا متعلقاً بقوله: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } يعني إيمانكم كان مثل إيمانهم في أنه إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب، أو في أنه كان في ابتداء الأمر حاصلاً بسبب ضعيف، ثم منَّ الله عليكم حيث قوي نور الإيمان في قلوبكم وأعانكم على العمل به والمحبة له. والثاني: أن يكون هذا منقطعاً عن هذا الموضع، ويكون متعلقاً بما قبله، وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا الله، ثم أنه تعالى نهاهم عن هذا الفعل وبين لهم أنه من العظائم قال بعد ذلك {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر. ثم أعاد الأمر بالتبيّـين فقال: {فَتَبَيَّنُواْ } وإعادة الأمر بالتبيين تدل على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } والمراد منه الوعيد والزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار.

القرطبي

تفسير : فـيـه إحـدى عشـرة مسألـة: الأولى ـ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} هذا متصل بذكر القتل والجهاد. والضرب: السَّير في الأرض؛ تقول العرب: ضربت في الأرض إذا سرتَ لتجارة أو غَزْوٍ أو غيره؛ مقترنة بفي. وتقول: ضربت الأرض، دون «في» إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : لايخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدّثان كاشفَيْن عن فَرْجَيْهما فإن الله يمقت على ذلك » تفسير : . وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مَرُّوا في سفرهم برجل معه جمل وغُنَيمة يبيعها فسلّم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فحمل عليه أحدهم فقتله. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شقّ عليه ونزلت الآية. وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال: قال ابن عباس: كان رجل في غُنَيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم؛ فقتلوا وأخذوا غنيمته؛ فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله: {عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تلك الغُنَيمة. قال: قرأ ابن عباس «السلام». في غير البخاري: وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله وردّ عليه غُنيماته. وٱختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر وهو في سِيَر ابن إسحاق ومصنّف أبي داود والإستيعاب لابن عبد البر أن القاتل مُحلِّم بن جَثَّامة، والمقتول عامر بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلّم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله؛ فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقَوْه في بعض تلك الشِّعاب؛ وقال عليه السلام: « حديث : إن الأرض لتقبل من هو شر منه » تفسير : .. قال الحسن: أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألاّ يعودوا. وفي سنن ابن ماجه عن عمران بن حُصين قال: «حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لُحْمَتي على رجل من المشركين بالرمح فلما غَشِيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ إني مسلم؛ فطعنه فقتله؛ فَأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكتُ! قال: «وما الذي صنعت»؟ مرة أو مرتين، فأخبره بالذي صنع. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلاّ شققتَ عن بطنه فعلمتَ ما في قلبه» فقال: يا رسول الله لو شققتَ بطنه أكنت أعلم ما في قلبه؟ قال: «لا فلا أنت قبِلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه». فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيراً حتى مات فدفناه، فأصبح على وجه الأرض. فقلنا: لعل عدوا نبشه، فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض. فقلنا: لعل الغلمان نَعسوا، فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك الشعاب»تفسير : وقيل: إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مِرداس بن نَهِيك الغطَفاني ثم الفَزَارِي من بني مُرة من أهل فَدَك. وقاله ابن القاسم عن مالك.وقيل: كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله؛ ولما عظّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأمر على أُسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله. وقد تقدّم القول فيه. وقيل: القاتل أبو قتادة. وقيل: أبو الدرداء. ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو مُحَلِّم الذي ذكرناه. ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على طريق الائتلاف. والله أعلم. وذكر الثعلبي أن أمير تلك السرِية رجل يقال: له غالب بن فضالة الليثي. وقيل: المقداد. حكاه السهيلي. الثانية ـ قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُواْ} أي تأمَّلوا. و {تَبَيَّنُوا} قراءة الجماعة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وقالا: من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت؛ يقال: تبينت الأمر وتبين الأمر بنفسه، فهو متعدّ ولازم. وقرأ حمزة «فتثبتوا» من التثبت بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة. «وَتَبَيَّنُوا» في هذا أوكد لأن الإنسان قد يتثبت ولا يتبين. وفي «إذا» معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله «فتبينوا». وقد يجازى بها كما قال: شعر : وإذا تُصِبْــك خَصـاصةٌ فَتَجّـمّـلِ تفسير : والجيِّد ألا يُجازى بها كما قال الشاعر: شعر : والنفس راغبةٌ إذا رغَّبتها وإذا تُرَدّ إلى قليل تقنعُ تفسير : والتبين التثبت في القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه، وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} السّلَم والسِّلْم؛ والسّلام واحد، قاله البخاري. وقُرىء بها كلها. واختار أبو عبيد القاسمُ بن سلاّم «السلام» وخالفه أهل النظر فقالوا: «السلم» ههنا أشبه؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم، كما قال عز وجل: { أية : فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ } تفسير : [النحل: 28] فالسلم الاستسلام والانقياد. أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم لست مؤمنا. وقيل: السلام قوله السلام عليكم، وهو راجع إلى الأول لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك. قال الأخفش: يقال فلان سلام إذا كان لا يخالط أحد. والسلم (بشد السين وكسرها وسكون اللام) الصلح. الرابعة ـ وروي عن أبي جعفر أنه قرأ «لست مؤمناً» بفتح الميم الثانية، من آمنته إذا أجَرْتَه فهو مؤمن. الخامسة ـ والمسلم إذا لقِي الكافر ولا عهد له جاز له قتله، فإن قال: لا إله إلا الله لم يجز قتله؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله: فإن قتله بعد ذلك قُتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأوّلوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح، وأن العاصم قولُها مطمئنا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها، ولذلك قال لأسامة: « حديث : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا » تفسير : أخرجه مسلم. أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب؟ وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه. وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظانّ والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر. السادسة ـ فإن قال: سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضاً حتى يعلم ما وراء هذا؛ لأنه موضع إشكال. وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول: جئت مستأمناً أطلب الأمان: هذه أمور مشكلة، وأرى أن يردّ إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام؛ لأن الكفر قد ثبت له فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله، ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله: « حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ». تفسير : السابعة ـ فإن صلى أو فعل فعلاً من خصائص الإسلام فقد اختلف فيه علماؤنا؛ فقال ابن العربي: نرى أنه لا يكون بذلك مسلماً، أمّا أنه يقال له: ما وراء هذه الصلاة؟ فإن قال: صلاة مسلم، قيل له: قل لا إله إلا الله؛ فإن قالها تبين صدقه، وإن أبىّ علمنا أن ذلك تلاعُب، وكانت عند من يرى إسلامه رِدّة؛ والصحيح أنه كفْرٌ أصلي ليس بردّة. وكذلك هذا الذي قال: سلام عليكم، يكلف الكلمة؛ فإن قالها تحقق رشاده، وإن أبى تبين عناده وقتل. وهذا معنى قوله {فَتَبَيَّنُواْ} أي الأمر المشكل، أو «تثبتوا» ولا تعجلوا المعنيان سواء. فإن قتله أحد فقد أتى منهياً عنه. فإن قيل؛ فتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم على مُحلِّم، ونبذه من قبره كيف مخرجه؟ قلنا: لأنه علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنَة التي كانت بينهما في الجاهلية. الثامنة ـ قوله تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي تبتغون أخذ ماله: ويسمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت. قال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الحياة الدنيا عرَض بفتح الراء ومنه: « حديث : الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر » تفسير : . والعرْض (بسكون الراء) ما سوى الدنانير والدراهم؛ فكل عرْضٍ عرَض، وليس كل عرَضٍ عرْضا. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنِى غِنَى النفس » تفسير : . وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه: شعر : تقنّع بما يكفيك واستعمل الرضا فإنك لا تدري أتُصبح أم تُّمسي فليس الغِنَى عن كثرة المال إنما يكون الغنى والفقر من قِبل النفسِ تفسير : وهذا يصحح قول أبي عبيدة: فإن المال يشمل كل ما يُتمول. وفي كتاب العين: العرَض ما نيل من الدنيا؛ ومنه قوله تعالى: { أية : تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الأنفال: 67] وجمعه عروض. وفي المجمل لابن فارس: والعرض ما يعترض الإنسان من مرض أو نحوه وعرّض الدنيا ما كان فيها من مال قلّ أو كُثر. والعرض من الأثاث ما كان غير نقد. وأعرض الشيء إذا ظهر وأمكن. والعرض خلاف الطول. التاسعة ـ قوله تعالى: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} عِدَة من الله تعالى بما يأتي به على وجهه ومن حِلّهِ دون ارتكاب محظور، أي فلا تتهافتوا. {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} أي كذلك كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفاً منكم على أنفسكم حتى منّ الله عليكم بإعزاز الدين وغلبة المشركين، فهم الآن كذلك كل واحد منهم في قومه متربص أن يصل إليكم، فلا يصلح إذ وصل إليكم أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره. وقال ابن زيد: المعنى كذلك كنتم كفرة {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} بأن أسلمتم فلا تنكروا أن يكون هو كذلك ثم يسلم لحينه حين لقِيكم فيجب أن تتثبتوا في أمره. العاشرة ـ استدل بهذه الآية من قال: إن الإيمان هو القول لقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}. قالوا: ولما مُنِع أن يقال لمن قال لا إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول. ولولا الإيمان الذي هو هذا القول لم يعب قولهم. قلنا: إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوّذا فقتلوه. والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله » تفسير : وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط؛ ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدّم في «البقرة» وقد كشف البيان في هذا قوله عليه السلام: « حديث : أفلا شققت عن قلبه » تفسير : ؟ فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأن حقيقته التصديق بالقلب، ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط. واستدل بهذا أيضاً من قال: إن الزندِيق تقبل توبته إذا أظهر الإسلام؛ قال: لأن الله تعالى لم يفرّق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام. وقد مضى القول في هذا في أوّل البقرة. وفيها ردّ على القدرية، فإن الله تعالى أخبر أنه منّ على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق، والقدرية تقول: خلقهم كلهم للإيمان. ولو كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمِنَّة من بين الخلق معنى. الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {فَتَبَيَّنُواْ} أعاد الأمر بالتبيين للتأكيد. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} تحذير عن مخالفة أمر الله؛ أي ٱحفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبِق لكم.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكير وخلف بن الوليد وحسين بن محمد قالوا: حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنماً له، فسلم عليهم، فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} إلى آخرها، ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن إسرائيل به، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أسامة بن زيد، ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم ابن سليمان، كلاهما عن إسرائيل به، وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط، وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيماً؛ لعلل منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا الوجه، ومنها أن عكرمة في روايته عندهم نظر، ومنها أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه، فقال بعضهم: نزلت في محلم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير ذلك، قلت: وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه: أحدها أنه ثابت عن سماك، حدث به عنه غير واحد من الأئمة الكبار، الثاني أن عكرمة محتج به في الصحيح، الثالث أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس، كما قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار،عن عطاء، عن ابن عباس: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} قال: قال ابن عباس: كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} قال ابن عباس: عرض الدنيا تلك الغنيمة، وقرأ ابن عباس: {ٱلسَّلَـٰمَ}، وقال سعيد بن منصور: حدثنا منصور عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: لحق المسلمون رجلاً في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فنزلت: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}. وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة به، وقد... في ترجمة: أن أخاه فزاراً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر أبيه؛ بإسلامهم وإسلام قومهم، فلقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في عماية الليل، وكان قد قال لهم: إنه مسلم، فلم يقبلوا منه، فقتلوه، فقال أبوه: فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ألف دينار، ودية أخرى، وسيرني، فنزل قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. وأما قصة محلم بن جثامة، فقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يعقوب، حدثني أبي عن محمد بن إسحاق، حدثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث ابن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا، حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له، ووطب من لبن، فلما مر بنا، سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله؛ لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرناه الخبر، نزل فينا: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} ـ إلى قوله تعالى ـ {خَبِيرًا} تفرد به أحمد. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثاً، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم، فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سر اليوم وغر غداً، فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ماذاق نسائي، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليستغفر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا غفر الله لك»تفسير : ، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: «حديث : إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم» تفسير : ثم طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه الحجارة، فنزلت: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} الآية. وقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، للمقداد: «حديث : إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل» تفسير : هكذا ذكره البخاري معلقاً مختصراً، وقد روي مطولاً موصولاً، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حماد بن علي البغدادي، حدثنا جعفر بن سلمة، حدثنا أبو بكر بن علي بن مقدم، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سرية فيها المقداد ابن الأسود، فلما أتوا القوم، وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى عليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: «حديث : ادعوا لي المقداد، يا مقداد: أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟» تفسير : قال: فأنزل الله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: «حديث : كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه، فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل»تفسير : . وقوله: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر لكم الإيمان، فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية؛ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا. وقوله: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفاً، وكما قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنفال: 26] الآية، وهذا مذهب سعيد بن جبير لما رواه الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد ابن جبير في قوله: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ} تخفون إيمانكم في المشركين، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير عن سعيد بن جبير في قوله: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ} تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن أبي حاتم: وذكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير: قوله {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ} لم تكونوا مؤمنين {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي: تاب عليكم، فحلف أسامة لا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وقوله: {فَتَبَيَّنُواْ} تأكيد لما تقدم، وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} قال سعيد ابن جبير: هذا تهديد ووعيد.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما مر نفر من الصحابة برجل من بني سليم وهو يسوق غنما فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا إلا تقية فقتلوه واستاقوا غنمه { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ } سافرتم للجهاد {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ } وفي قراءة (فتثبتوا) بالمثلثة في الموضعَين {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ } بألف أو دونها أي التحية أو الانقياد بقوله كلمة الشهادة التي هي إمارة على الإسلام {لَسْتَ مُؤْمِناً } وإنما قلت هذا تقية لنفسك ومالك فتقتلوه {تَبْتَغُونَ } تطلبون بذلك {عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } متاعها من الغنيمة {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } تغنيكم عن قتل مثله لماله {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ } تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرّد قولكم الشهادة {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بالاشتهار بالإيمان والاستقامة {فَتَبَيَّنُواْ } أن تقتلوا مؤمناً وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فُعل بكم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيجازيكم به.

الشوكاني

تفسير : هذا متصل بذكر الجهاد والقتال والضرب: السير في الأرض، تقول العرب ضربت في الأرض: إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول ضربت الأرض بدون "في": إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يخرج رجلان يضربان الغائط"تفسير : . قوله: {فَتَبَيَّنُواْ } من التبين وهو التأمل، وهي قراءة الجماعة إلا حمزة، فإنه قرأ: «فتثبتوا» من التثبت. واختار القراءة الأولى أبو عبيدة، وأبو حاتم قالا: لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالثبت، وإنما خصّ السفر بالأمر بالتبين، مع أن التبين والتثبت في أمر القتل واجبان حضراً، وسفراً بلا خلاف؛ لأن الحادثة التي هي سبب نزول الآية كانت في السفر، كما سيأتي. قوله: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ } وقرىء "السلام"، ومعناهما واحد. واختار أبو عبيدة السلام. وخالفه أهل النظر، فقالوا: السلم هنا أشبه؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم. والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً، فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل: هما بمعنى: الإسلام، أي: لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام، أي: كلمته، وهي: الشهادة لست مؤمناً. وقيل: هما بمعنى التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام، أي: لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم، فقال السلام عليكم: لست مؤمناً. والمراد: نهى المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه، ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذاً، وتقية. وقرأ أبو جعفر: {لَسْتَ مُؤْمِناً } من أمنته: إذا أجرته فهو مؤمن. وقد استدلّ بهذه الآية على أن من قتل كافراً بعد أن قال لا إله إلا الله قتل به؛ لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما سقط القتل عمن وقع منه ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم تأوّلوا وظنوا أن من قالها خوفاً من السلاح لا يكون مسلماً؛ ولا يصير بها دمه معصوماً، وأنه لا بد من أن يقول هذه الكلمة، وهو مطمئن غير خائف، وفي حكم التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول أنا مسلم، أو أنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآية داخلان تحت القول الأوّل. قوله: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } الجملة في محل نصب على الحال، أي: لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعاً إلى القيد والمقيد لا إلى القيد فقط، وسمي متاع الدنيا عرضاً؛ لأنه عارض زائل غير ثابت. قال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء. وأما العرض بسكون الراء، فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، وليس كل عرض بالفتح عرضاً بالسكون. وفي كتاب العين: العرض ما نيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى: {أية : تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الأنفال: 67] وجمعه عروض. وفي المجمل لابن فارس: والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه. وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قلّ أو أكثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد. قوله: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } هو تعليل للنهي، أي: عند الله مما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور مغانم كثيرة تغتنمونها، وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد، واغتنام ماله {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } أي: كنتم كفاراً، فحقنت دماؤكم لما تكلمتم بكلمة الشهادة، أو كذلك كنتم من قبل، تخفون إيمانكم عن قومكم خوفاً على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز دينه، فأظهرتم الإيمان وأعلنتم به، وكرّر الأمر بالتبين للتأكيد عليهم لكونه واجباً لا فسحة فيه ولا رخصة. وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له، فقال السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له، فسلم عليهم، فقالوا ما سلم علينا إلا ليتعوّذ منا، فعدوا عليه، فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي، عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع، ووطب من لبن، فلما مرّ بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه فقتله، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ } الآية. وفي لفظ عند ابن إسحاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من حديث [ابن] أبي حدرد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمحلم: "حديث : أقتلته بعد ما قال آمنت بالله؟"تفسير : فنزل القرآن. وأخرج ابن جرير، من حديث ابن عمر أن محلماً جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليستغفر له، فقال: لاغفر الله لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شرّ من صاحبكم، ولكنّ الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه في جبل، وألقوا عليه الحجارة، فنزلت: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ} الآية. وأخرج البزار، والدارقطني في الإفراد، والطبراني، والضياء في المختارة، عن ابن عباس أن سبب نزول الآية: أن المقداد بن الأسود قتل رجلاً بعد ما قال لا إله إلا الله. وفي سبب النزول روايات كثيرة، وهذا الذي ذكرناه أحسنها. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } قال: تستخفون بإيمانكم، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، يعني: الذين قتلوه بعد أن ألقى إليهم السلام، وفي لفظ "تكتمون إيمانكم من المشركين" {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } فأظهر الإسلام فأعلنتم إيمانكم {فَتَبَيَّنُواْ } قال: وعيد من الله ثان. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } قال: كنتم كفاراً حتى منّ الله عليكم بالإسلام، وهداكم له.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ}. الآية. قيل إنها نزلت في رجل كانت معه غُنَيْمَاتُ لقيته سريَّة لرسول الله صلى الله عليهم وسلم، فقال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبدر إليه بعضهم فقتله، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : لِمَ قَتَلْتَهُ وَقَدْ أَسْلَمَ" تفسير : قال إنما قالها تعوذاً، قال: "حديث : هَلاَّ شَقَقْتَ عَن قَلْبِهِ" تفسير : ثم حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله وردّ عليهم غنمه. واختلف في قاتله على خمسة أقاويل: أحدها: أنه أسامة بن زيد، وهو قول السدي. والثاني: أنه المقداد، وهو قول سعيد ابن جبير. والثالث: أبو الدرداء، وهو قول ابن زيد. والرابع: عامر بن الأضبط الأشجعي، وهو قول ابن عمر. والخامس: هو محلِّم بن جثامة الليثي. ويقال إن القاتل لفظته الأرض ثلاث مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌ مِّنهُ وَلَكنَّ اللَّهَ جَعَلهُ لَكُم عِبْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِأَن تُلْقْى عَلَيهِ الحِجَاَرةُ ". تفسير : {كَذَلِكَ كنتُم مِّن قَبْلُ} أي كفاراً مثلهم. {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} يعني بالإسلام.

ابن عطية

تفسير : تقول العرب: ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره مقترنة بـ "في"، وتقول: ضربت الأرض دون "في" إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قول - النبي عليه السلام: "حديث : لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن الله يمقت على ذلك" تفسير : , وسبب هذه الآية: أن سرية من سرايا رسول الله لقيت رجلاً له جمل ومتيع، وقيل غنيمة، فسلم على القوم، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، فشق ذلك على رسول الله ونزلت الآية فيه، واختلف المفسرون في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر - وهو في سيرة ابن إسحاق وفي مصنف أبي داود وغيرهما: أن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط، والحديث بكماله في المصنف لأبي داود، وفي السير وفي الاستيعاب، وقالت فرقة: القاتل أسامة بن زيد، والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني، وقالت فرقة: القاتل أبو قتادة، وقالت فرقة: القاتل غالب الليثي، والمقتول مرداس، وقالت فرقة: القاتل هو أبو الدرداء، ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم بن جثامة. وقرأ جمهور السبعة {فتبينوا} وقرأ حمزة والكسائي "فتثبتوا" بالثاء مثلثة في الموضعين وفي الحجرات، وقال قوم: "تبينوا" أبلغ وأشد من "تثبتوا"، لأن المتثبت قد لا يتبين، وقال أبو عبيد: هما متقاربان. قال القاضي أبو محمد: والصحيح ما قال أبو عبيد، لأن تبين الرجل لا يقتضي أن الشيء بان له، بل يقتضي محاولة اليقين، كما أن ثبت تقتضي محاولة اليقين، فهما سواء، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وابن كثير في بعض طرقه، "السَّلَم" بتشديد السين وفتحه وفتح اللام، ومعناه: الاستسلام أي ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم، وقرأ بقية السبعة "السلام" يريد سلم ذلك المقتول على السرية، لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك، قال الأخفش: يقال: فلان سلام إذا كان لا يخالط أحداً، وروي في بعض طرق عاصم "السِّلْم" بكسر السين وسكون اللام وهو الصحيح، والمعنى المراد بهذه الثلاثة يتقارب، وقرأ الجحدري "السَّلْم" بفتح السين وسكون اللام، والعرض: هو المتيع والجمل، أو الغنيمة التي كانت للرجل المقتول، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو حمزة واليماني "لست مؤمَناً" بفتح الميم، أي لسنا نؤمنك في نفسك، وقوله تعالى: {فعند الله مغانم كثيرة} عدة بما يأتي به الله على وجهه ومن حله دون ارتكاب محظور أي فلا تتهافتوا. واختلف المتأولون في قوله تعالى: {كذلك كنتم من قبل} فقال سعيد بن جبير: معناه كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينكم، وإظهار شريعتكم، فهم الآن كذلك، كل واحد منهم خائف من قومه، متربص أن يصل إليكم فلم يصلح إذا وصل أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره، وقال ابن زيد: كذلك كنتم كفرة فمنّ الله عليكم بأن أسلمتم، فلا تنكروا أن يكون هو كافراً ثم يسلم لحينه حين لقيكم، فيجب أن يتثبت في أمره، ويحتمل أن يكون المعنى إشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جاهليتكم لا تتثبتون، حتى جاء الله بالإسلام ومنّ عليكم، ثم أكد تبارك وتعالى الوصية بالتبين، وأعلم أنه خبير بما يعمله العباد، وذلك منه خبر يتضمن تحذيراً منه تعالى، لأن المعنى {إن الله بما تعملون خبيراً}، فاحفظوا نفوسكم، وجنبوا الزلل الموبق بكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِذَا ضَرَبْتُمْ} حديث : لقيت سرية للرسول صلى الله عليه وسلم رجلاً معه غنيمات، فسلم عليهم، وآتى بالشهادتين، فقتله أحدهم، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "لم قتلته، وقد أسلم؟" فقال: إنما قالها متعوذاً، قال: "هلا شققت عن قلبه؟" ثم وداه الرسول صلى الله عليه وسلم ورد على أهله غنمه، قتله أُسامة بن زيد، أو المقداد، أو أبو الدرداء أو عامر بن الأضبط، أو محلم بن جثامة، ويقال: لفظت الأرض قاتله ثلاث مرات، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه، ولكن الله ـ تعالى ـ جعله لكم عبرة"، وأمر أن تُلقى عليه الحجارة تفسير : {كَذَلِكَ كُنتمُ} كفاراً فَمَنَّ الله ـ تعالى ـ عليكم بالإسلام.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} الآية قال ابن عباس: حديث : نزلت في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك وكان من أهل فدك لم يسلم من قومه غيره فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي فهربوا منه، وأقام ذلك الرجل المسلم فلما رأى الخيل خاف أن لا يكونوا مسلمين فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد هو الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فعرف أنهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول لا إله إلاّ الله محمد صلى الله عليه وسلم السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد بسيفه فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً، وكان قد سبقهم الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أقتلتموه إرادة ما معه؟" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد هذه الآية. فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله فقال "كيف أنت بلا إله إلاّ الله؟" يقولها ثلاث مرات قال أسامة فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكررها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلاّ يومئذٍ ثم استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اعتق رقبة تفسير : وروى أبو ظبيان حديث : عن أسامة قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح فقال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفاً أم لا؟ تفسير : وفي رواية عن ابن عباس قال مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم فسلم عليهم، فقالوا إنما سلم عليكم ليتعوذ منكم فقاموا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} يعني إذا سافرتم إلى الجهاد فتبينوا من البيان يقال تبينت الأمر إذا تأملته قبل الإقدام عيه وقرئ فتثبتوا من التثبت وهو خلاف العجلة والمعنى فقفوا وتثبتوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وتعرفوا حقيقة الأمر الذي تقدمون عليه {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} يعني التحية يعني لا تقوموا لمن حياكم بهذه التحية أنه إنما قالها تعوذا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا عنه واقبلوا منه ما أظهره لكم وقرئ السلم بفتح السين من غير ألف ومعناه الاستسلام والانقياد أي استسلم وانقاد لكم وقال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وقيل السلام والسلم بمعنى واحد أي لا تقولوا لمن سلم عليكم {لست مؤمناً} يعني لست من أهل الإيمان فتقتلوه بذلك قال العلماء: إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية أو حي من العرب شعار الإسلام يجب إن يكفوا عنهم ولا يغيروا عليهم لما روي عن عصام المزني قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً أو سرية يقول لهم إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً أخرجه أبو داود والترمذي: وقال أكثر الفقهاء لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن لا يحكم بأيمانه لأنه يدعي أن الذي هو عليه إيمان ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فعند بعض العلماء لا يحكم حتى يتبرأ من دينه الذي كان عليه ويعترف أنه دين باطل وذلك لأن بعض اليهود يزعم أن محمداً رسول العرب خاصة لا أنه رسول إلى كافة الخلق؛ فإذا اعترف أنه رسول إلى كافة الخلق وأن كان عليه من التهود أو التنصر باطل صح إسلامه وحكم بصحته وقوله تعالى: {تبتغون عرض الحياة الدنيا} يعني تطلبون الغنيمة التي هي من حطام الدنيا سريعة النفاد والذهاب وعرض الدنيا منافعها ومتاعها {فعند الله مغانم كثيرة} أي غنائم كثيرة من رزقه يغنمكوها يغنيكم بها عن قتل من يظهر الإسلام ويتعوذ به. وقيل معناه فعند الله ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن {كذلك كنتم من قبل} يعني كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلام فقلتم له لست مؤمناً فقتلتموه كنتم أنتم من قبل يعني من قبل أن يعز الله دينه كنتم تستخفون أنتم بدينكم كما استخفى هذا الذي قتلتموه بدينه من قومه حذراً على نفسه منهم، وقيل معناه كذلك كنتم تأمنون في قومكم بهذه الكلمة فلا تحقروا من قالها ولا تقتلوه وقيل معناه كذلك كنتم من قبل مشركين {فمن الله عليكم} يعني بالإسلام والهداية فلا تقتلوا من قال لا إله إلاّ الله وقيل معناه من عليكم بإعلان الإسلام بعد الإختفاء، وقيل من عليكم بالتوبة {فتبينوا} أي ولا تعجلوا بقتل مؤمن وهو تأكيد للأمر بالتبين {إن الله كان بما تعملون خبيراً} يعني فلا تتهاونوا في القتل وكونوا متحرزين من ذلك محتاطين فيه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ...} الآية: تقُولُ: ضَرَبْتُ في الأرضِ؛ إذا سرْتَ لتجارةٍ أو غَزْوٍ، أو غيره، مقترنةً بـ «في»، وضربْتُ الأرْضَ، دون «فِي»؛ إذا قصَدتَّ قضاء الحاجَةِ. وقال * ص *: ضربتم، أي: سافرتم. قال * ع *: وسببُ هذه الآية؛ أنَّ سريَّةً مِنْ سَرَايَا رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لقيَتْ رجُلاً له جَمَلٌ، ومُتَيَّعٌ، وقيلَ: غُنَيْمَةٌ، فسلَّم على القَوْمِ، وقال: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَحَمَلَ علَيْهِ أحدُهُمْ، فَقَتَلَهُ، وٱختلف في تَعْيين القَاتِلِ والمَقْتُولِ في هذه النازلة، والذي عليه الأكثر، وهو في سِيَر ابْنِ إسحَاقَ، وفي مُصنَّفِ أبي دَاوُد وغيرهما؛ أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، والمقتولَ عَامِرُ بن الأَضْبطِ، ولا خلافَ أنَّ الذي لَفَظَتْهُ الأرْضُ، حِينَ مات، هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَة، وقرأ جمهورُ السَّبْعة: «فَتََبَيَّنُوا»، وقرأ حمزة والكسائيُّ: «فَتَثَبَّتُوا» (بالثاء المثلَّثة) في الموضعَيْن هنا، وفي «الحُجُرَات»، وقرأ نافعٌ وغيره: «السَّلَمَ»، ومعناه: الاِستسلام، أي: ألْقَىٰ بيده، واستسلَم لكُمْ، وأظهر دعوتكَم، وقرأ باقي السبعة: «السَّلاَمَ» (بالألف)، يريد: سلاَمَ ذلك المَقْتُولِ على السَّريَّة؛ لأن سلامَهُ بتحيَّة الإسلام مُؤْذِنٌ بطاعَتِهِ، وٱنقيادِهِ، وفي بَعْضِ طرق عاصم: «السِّلْمَ» ـــ بكسر السين المشدَّدة، وسكونِ اللامِ ـــ، وهو الصُّلْح، والمعنَى المرادُ بهذه الثلاثةِ مُتَقَارِبٌ، وقرىء: «لَسْتَ مُؤْمَناً» ـــ بفتح الميم ـــ أي: لَسْنَا نُؤَمِّنُكَ. وقوله تعالى: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}: عِدَةٌ منه سبحانه بما يأْتِي به مِنْ فَضْله؛ من الحلال دون ٱرتكَابِ محْظُورٍ، أي: فلا تتهافَتُوا. وٱختُلِفَ في قوله: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ}. فقال ابنُ جُبَيْرٍ: معناه: كذلكَ كُنْتُمْ مستخْفِينَ مِنْ قومكم بإسلامِكُمْ، فَمَنَّ اللَّه عليكم بإعزازِ دينِكم، وإظهارِ شَرِيعتكم، فَهُمُ الآنَ كذلك كلُّ واحدٍ منهم خَائِفٌ مِنْ قومه، متربِّصٌ أَنْ يَصِلَ إلَيْكم، فلم يصْلُحْ إذا وَصَل أنْ تَقْتُلُوه حتَّىٰ تتبيَّنوا أَمْرَهُ، وقال ابنُ زَيْدٍ: المعنى: كَذَلِكَ كُنْتُمْ كَفَرةً، فَمنَّ اللَّهُ علَيْكُمْ بِأنْ أسلَمْتُمْ، فلا تُنْكِرُوا أَنْ يكُونَ هو كافراً، ثم يسلم لِحِينه، ثم وَكَّد تبارَكَ وتعالَىٰ الوصيَّةَ بالتبيُّن، وأعلم أنَّه خبيرٌ بما يعمَلُه العبادُ، وذلك منه خَبَرٌ يتضمَّن تحذيراً منه سبحانه، أي: فٱحفظوا أنْفُسَكم، وجَنِّبوا الزَّلَل المُوبِقَ لكم.

ابن عادل

تفسير : لما نهى عن قتل المُؤمِن، أمر المُجَاهِدِين بالتَّثَبُّت في القتل؛ لئلاَّ يسْفِكُوا دماً حَرَاماً بتأويل ضَعِيفٍ، والضَّرْب في الأرْض مَعْنَاه: السَّيْر فيها بالسَّفر للتِّجَارة والجِهَاد، وأصْله من الضَّرْب باليَدِ، وهو كِنَايَة عن الإسْرَاع في السَّيْر، فإن من ضَرَب إنْسَاناً، كانت حَرَكة يَدِهِ عند ذلك الضَّرْب سَرِيعَة. قال الزَّجَّاج: معنى {ضربتم في سبيل الله}: إذا غَزَوْتُم وسِرْتُم إلى الجِهَاد. قال القُرْطُبي: تقول العَرَب: ضَرَبْتُ في الأرْضِ، إذا سِرْتَ لتِجَارَةٍ أو غزوٍ أو غيره مُقْتَرِنَة بفي، وتقول: ضَرَبْت الأرْض دون "في" إذا قَصَدْت قَضَاء حَاجَة الإنْسَان؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا يَخْرُجُ الرَّجُلان يضربان الغَائِطَ يتحدَّثَان، كَاشِفين عن فَرْجَيْهما، فإن الله يَمْقُتُ على ذَلِكَ" تفسير : وفي "إذا" مَعْنَى الشَّرْط، فلذلك دَخَلَت الفَاءُ في قوله: "فتبينوا" وقد يُجَازى بها كقوله: [الكامل]. شعر : 1865أ-.................... وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ تفسير : والجيِّد ألا يُجَازى بها لقول الشَّاعر: [الكامل] شعر : 1865ب- والنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إذَا رَغَّبْتَهَا وإذَا تُرَدُّ إلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ تفسير : قوله: "فتبينوا": قرأ الأخوان من التَّثبُّت، والباقُون من البَيَان، هما متقاربان؛ لأن مَنْ تَثبت في الشَّيْء تَبَيَّنه، قاله أبو عبيد، وصحَّحه ابن عطيَّة. وقال الفَارِسيّ: "التثبُّت هو خِلاَف الإقْدام والمُرَاد التَّأنِّي، والتَّثَبُّت أشد اخْتِصَاصاً بهذا المَوْضِع؛ بدل عليه قوله: {أية : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} تفسير : [النساء: 66] أي: أشدٌّ وَقْعَاً لهم عَمَّا وُعِظوا به بألاَّ يُقْدِمُوا عليه" فاختارَ قراءة الأخوين. وعكس قومٌ فرجَّحوا قراءة الجماعة، قالوا: لأن المتثبِّت قد لا يَتَبيَّن، وقال الرَّاغب: لأنه قلَّ ما يكون إلا بَعْدَ تثبُّت، وقد يَكُون التَّثبُّت ولا تبيُّنَ، وقد قُوبِل بالعَجَلة في قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : التبيُّن من الله والعَجَلُة من الشيطان"تفسير : . وهذا يُقَوِّي قراءة الأخَوَيْن أيضاً، و "تَفَعَّل" في كلتا القراءتين بمعنى اسْتَفْعَل الدال على الطَّلب، أي: اطلبوا التثَبُّت أو البيان. وقوله: "لمن ألقى" اللام للتَّبْلِيغ هنا، و "من" مَوْصُولة أو مَوْصُوفة، و "ألقى" هنا ماضي اللَّفْظِ، إلا أنه بمعنى المُسْتقبل، أي: لمن يُلْقَي، لأنَّ النهيَ لا يكونُ عمّا وقع وانْقَضَى، والمَاضِي إذا وقع صِلَة، صَلح للمُضِيِّ والاسْتِقْبَال. وقرأ نافع وابن عَامِر وحَمْزة: "السَّلَم" بفتح السِّين واللام من غير ألف، وباقي السَّبْعَة: "السَّلام" بألف، ورُوي عن عَاصِمٍ: "السَّلْم" بكسر السِّين وسكون اللام، فأما "السَّلام" فالظَّاهِر أنه التَّحيّة. والمعنى: لا تُقُولوا لمن حَيَّاكم بهذه التَّحِيّة إنه إنَّما قَالَها تَعَوُّذَاً فتُقْدِمُوا عليه بالسَّيْف لتأخذوا مَالَه، ولكن كُفُّوا عَنْهُ، واقْبَلُوا منه ما أظْهَرَهُ. وقيل: مَعْنَاه: الاستسْلام والانْقياد، والمعنى: لا تَقُولوا لمن اعْتَزَلَكُم ولم يقاتلكم: لَسْتَ مُؤمِناً، وأصْل هذا من السَّلامة؛ لأن المعتزل عن النَّاس طالبٌ للسَّلامة. والسّلامةُ والسَّلَمُ - بفتحهما - الانقِيَاد فقط، وكذا "السِّلْم" بالكسر والسُّكُون، وقرأ الجَحْدري بفتحها وسُكُون اللام، وقد تَقَدَّم [القول فيها] في البقرة، والجُمْلَة من قوله: "لست مؤمناً" في محل نَصْب بالقَوْل؛ والجُمْهُور على كَسْر الميم الثَّانِية من "مؤمناً" اسم فاعل، وأبو جعفر بفتحها اسم مَفْعُول، أي: لا نُؤمِّنك في نَفْسِك، وتُرْوَى هذه القِرَاءة عن عَلِيٍّ وابن عبَّاس ويَحْيَى ابن يَعْمُر. قوله: "تبتغون" في محل نَصْبٍ على الحَالِ من فَاعِل "يقولوا" أي: لا تَقُولوا ذلك مُبْتَغِين. فصل ذَكُروا في سَبَب النُّزُول روايتين: الأولى: أن الآية نزلت في حديث : رجُلٍ من بَنِي مُرَّة بن عَوْف، يقال له: مرداس بن نهيك رَجُل من أهْل فدك، أسْلَم ولم يُسْلِم من قومِهِ غيره، فَسَمِعُوا [بسرية] رسول الله صلى الله عليه وسلم تُريدهم، وكان على السَّريَّة رجُلٌ يقال له: غَالِبُ بن فَضَالَة اللَّيْثي، فهربوا وأقَام الرَّجُل؛ لأنَّه كان مُسْلِماً، فلما رأى الخيل خَافَ أن يكُونُوا من غَيْر أصْحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [فألْجأ غَنَمَه إلى عاقُول من الجَبَل وصعد هو الجبل، فلَّما تلاحَقُوا وكثروا، سَمِعَهُم يكَبِّرون، فلما سمع التكبير، عَرَف أنهم من أصْحَاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم فكَبَّر ونَزَل] وهو يقول: لا إله إلا الله [محمد رسُول الله]، السلام عليكم، فتغشّاه أسَامةُ بن زيْدٍ فَقَتَلَهُ واسْتاق غَنَمه، ثم رَجَعُوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فوجَدَ عليه وَجْداً شديداً، وقد [كان] سَبَقَهُم قبل ذلك الخَبَر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قتلتموه إرادة ما معه؟" ثم قرأ الآية على أُسَامَة بن زَيْد، فقال: يا رسول الله، اسْتَغْفِرْ لي، فقال: فكيف تَصْنَعُ بلا إله إلا اللَّه؟ قال أسامة: فما زال يُعِيدُها حتى وَدِدْت أنِّي لم أكُنْ أسْلَمت إلاّ يَومْئذٍ، ثم استَغْفَر لي وقال: "أعتق رقبة ". تفسير : ورَوَى أبو ظبيان حديث : عن أسَامة؛ قال: قلت يا رسُول اللَّهِ؛ إنما قَالَها خوْفاً من السِّلاح، قال: "أفَلا شَقَقْتَ عن قَلْبِه، حَتَّى تَعْلَم أقالَهَا أمْ لا ". تفسير : الثانية: روى عِكْرمة عن ابن عبَّاسٍ؛ قال: مرَّ رجلٌ من بَنِي سليم على نَفَرٍ من أصْحَاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه غَنَمٌ له فسلَّم عليهم، قالوا: ما سلَّم عليكم إلا ليتعوذ مِنْكُم، فقاموا فقتلُوه وأخَذُوا غَنَمَه، فأتَوْا بها إلى رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأنزل اللَّهُ هَذِه الآيَة: الثالثة: حديث : أن المِقْدَاد بن الأسْوَد وقعت له وَاقِعَة مثل وَاقِعَة أُسَامة، قال: فقلت يا رسول اللَّه، أرأيت إن لَقِيتُ رجُلاً من الكُفَّار يقاتِلُنِي، فَضَربَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيْف، ثم لازمني بشجرةٍ، ثم قال: أسْلَمْتُ لله - تعالى -، أفأقاتِلُه يا رسُول الله بَعْد ذَلِك؟ فقال رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لا تَقْتُلْهُ، فقال: يا رسُول الله إنه قَطَعَ يَدِي، فقال - عليه الصلاة والسلام -: لا تَقَتْلُه، فإن قَتَلْتَهُ، فإنه بمنزِلَتِك بعد أن تَقْتُلَهُ، وأنت بِمَنْزِلَِتِه قبل أن يَقُول كَلِمَتَهُ التي قَالَها . تفسير : فصل قال أكثر الفُقَهاء: لو قال اليَهُودِي والنَّصْرَاني: أنا مُؤمِنٌ أو أنا مُسْلِمٌ، لا يحكم بإسلامهِ بهذا القَدْرِ، لأن مَذْهَبَه أن الَّذِي هو عليه هو الإسْلام وهو الإيمانِ، ولو قال: لا إله إلا اللَّه محمَّدٌ رسُول الله، فعِنْد قوم [لا يحكَمُ بإسلامهِ]؛ لأن فيهم من يَقُول: إنه رسُولُ الله إلى العَرَب لا إلى الكُلِّ، وفيهم من يَقُول: إنَّ محمَّداً الذي هو الرسُول الحَقُّ لم يجىء بَعْدُ وسيجيء بَعْد ذَلِك؛ بل لا بُد بأن يعْتَرِف بأنَّ الَّذِي كان عَلَيْه بَاطِلٌ، وأن الدِّين الموْجُود بين المُسْلِمِين هو الحَقُّ والفَرْضُ. قال أبُو عبيدة جميع متاع الدُّنْيَا عَرَضٌ بفتح الرَّاء، يقال: إن الدُّنْيَا عَرَضٌ حاضر يأخُذُ منها البَرُّ والفَاجِرُ، والعَرْض بسُكُون الرَّاءِ ما سِوَى الدَّرَاهِم والدَّنَانِير، وإنما سُمي مَتَاعُ الدُّنْيا عَرَضاً؛ لأنه عَارِض زائل باقٍ، ومنه سَمَّى المتكلِّمُون ما خَالفَ الجَوْهَر من الحَوَادِث عَرَضاً؛ لقلة لَبْثهِ. قوله - تعالى -: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} يعني: ثواباً كثيراً، وقيل: مغانم كثيرة لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ المُؤمِن، والمَغَانِم: جمع مَغْنَم، وهو يصلح للمَصْدَر والزَّمَان والمَكَان، ثم يُطْلَق على ما يُؤخَذُ من مال العَدُوِّ في الغَزْوِ؛ إطلاقاً للمَصْدَر على اسْمِ المَفْعُول، نحو: "ضَرْب الأمِير". قوله: "كذلك" هذا خبر لـ "كان" قُدِّم عليها وعَلَى اسْمِها، أي: كُنتم من قَبْل الإسْلام مثلَ مَنْ أقْدَمَ ولم يَتَثَبَّتْ، وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المُخَاطبين بأولَئِك الَّذِين ألْقوا السَّلم، وليس فيه بَيَانٌ للمُشَبَّه فيما إذا قِيلَ: المُرَادُ أنكم أوَّل ما دَخَلْتُم في الإسْلام، فبمجرّد ما سُمعَتْ من أفْواهِكم كَلِمة الشَّهَادة، حقنت دماؤكم وأمْوالُكُم من غير تَوقِيفٍ ذلك على حُصُول العِلْمِ بأن قَلْبكُم موافِقٌ لما في ضمائِركم فعليكُم بأن تَفْعَلُوا بالدَّاخلين في الإسْلامِ كمَا فُعِل بكم، وأن تَعْتَبروا ظَاهِر القَوْل، وألاَّ تقولوا إن إقْدامَهُم على الإسلام لأجْلِ الخَوْف من السَّيْف، هذا إخْبَار أكثر المُفسِّرين، وفيه إشْكَالٌ؛ لأن لهم أن يَقُولوا: ما كان إيمانُنَا مثل إيمان هَؤلاء؛ لأنا آمَنَّا عن الطواعِيَة والاخْتِيَار، وهؤلاء أظْهَرُوا الإيمَان تحت ظلال السُّيُوف، فكيف يُمْكِن تشبيه أحَدهما بالآخر!. قال سعيد بن جُبَيْر: المُرَاد أنكم كُنْتُم تكْتُمون إيمانَكُم عن قَوْمِكم؛ كما أخْفَى هذا الدَّاعِي إيمانَهُ عن قومه، ثم مَنَّ الله عَلَيْكُم بإعْزَازكم حتى أظْهَرْتُم دينكم، فأنتُم عامِلُوهم بمثل هذه المُعَامَلَة، وهذا أيضاً فيه إشْكَالٌ؛ لأن إخْفَاء الإيمَانِ ما كان عامّاً فيهم. قال مُقاتل: المراد كذلك كُنْتُم من قبل الهِجْرَة حين كُنْتُم فيما بين الكُفَّار، تأمَنُون من أصْحَاب رسُول الله بكَلِمَة "لا إله إلا الله" فأقْبَلُوا منهم مثل ذلِك. وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول. [قال ابن الخطيب] والأقْرَبُ أن يُقَال: إنَّ من يَنْتَقِل من دينٍ إلى دينٍ، فَفِي أول الأمْر يَحْدُث ميلٌ قليل بسبب ضعيفٍ، ثم لا يَزَال ذلك المَيْل يتأكد ويتَقَوَّى إلى أن يَكْمُل ويستحكم ويَحْصُل الانْتِقَال؛ فكأنه قيل لهم: كُنْتم في أول الأمْرِ إنما حَدَث فِيكُم ميلٌ ضعيف بأسْبَابٍ ضعيفةٍ إلى الإسْلام، ثم مَنَّ الله عَلَيْكُم بالإسْلام بتَقْوِيَة ذلك المَيْل وتأكِيد النَّفْرة عن الكُفْر؛ فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم مَيْل ضَعِيف إلى الإسْلامِ بسببِ هذا الخَوْفِ، فاقبلوا منهم هذا الإيمَان، فإن الله - تعالى - يؤكد حلاوة الإيمَانِ في قُلُوبهم، ويقوِّي تلك الرَّغْبَة في صُدُورهم. قوله - تعالى -: {قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} الظَّاهِر أن هذه الجُمْلَة من تَتِمَّة قوله: {كذلك كنتم من قبل} فهي مَعْطُوفة على الجُمْلَة قَبْلَها، والمعنى: إيمانُكُم كان مِثْل إيمانِهِم، في أنَّه إنَّما عرف منكم بِمُجَرَّد القَوْل اللِّسَاني، دون ما في القلب، أو [في] أنه كان في ابْتِدَاء الأمْرِ حاصلاً بِسَببٍ ضَعِيفٍ، ثم مَنَّ الله عَلَيْكم: حيث قوى نُورَ الإيمَانِ في قُلُوبِكُم، وحَبَّبَه لكم وأثابكم عَلَى العَمَل بِهِ. وقلي: بل هي من تَتِمَّة قوله: "تبتغون" عَرَض الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ وذلك لأنَّ القَوْم لما قَتَلُوا من تكَلَّم بلا إله إلا الله، ثم إنَّه - تعالى - نهاهُم عن هذا الفِعْل وبيَّن أنه من العَزَائِم؛ قال بَعْدَه: "فمن الله عليكم" أي: منَّ عليكم بأن قَبِل تَوْبَتَكُم من ذَلِك الفعْلِ المنكَر، ثم أعَاد الأمْر بالتَّبْيين؛ مبالَغَة في التَّحْذِير، فقال: "فتبينوا" قُرِئت كالتي قَبْلَها، فقيل: هي تأكيد لَفْظِي للأولى. وقيل: ليست للتأكيد؛ لاخْتِلاَف متعلّقهما، فإنَّ تقدير الأوّل: "فتبيَّنوا في أمْر مَنْ تَقْتُلُونَه"، وتقدير الثَّانِي: فتبينوا نِعْمَة الله أو تثبَّتوا فيها، والسِّيَاقُ يدل على ذلك، ولأنَّ الأصل عدم التأكيد. قوله: {إن الله كان بما تعملون خبيراً} والجُمْهُور على كَسْرِ هَمْزة "إن الله"، وقرئ بفَتْحها على أنَّها معمُولة لـ "تبينوا"، أو على حذْف لاَم العِلَّةِ، وإن كان قد قُرِئ بالفَتْح مع التَثَبُّت، فيكونُ على لام العِلَّة لا غير. والمُرادُ منه: الوَعِيد والزَّجْر عن إظْهَار خلافِ ما في الضَّمِير. فصل: فيما إذا دخل الغزاة بلداً ووجدوا شعار الإسلام إذا رأى الغُزَاةُ في بلد أو قرية شعارَ الإسلام، فعليهم أن يَكُفُّوا عنهم، فإنّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم كان إذا غَزَا قوماً، فإن سَمِع أذاناً كفّ عنهم، وإن لم يَسْمَع، أغار عليهم. وَروي عن ابن عِصَام عن أبيه؛ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بَعَثَ سرِيّةً قال: "حديث : إذا رَأيْتُم مسْجِداً أو سَمِعْتُم أذاناً، فلا تَقْتُلُوا أحداً".

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له فقال‏:‏ السلام عليكم‏.‏ فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا‏}‏ إلى قوله ‏{‏عرض الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ تلك الغنيمة‏.‏ قال‏:‏ قرأ ابن عباس ‏ {‏السلام‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له، فسلم عليهم، فقالوا‏:‏ ما سلم علينا إلا ليتعوّذ منا، فعمدوا له فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏"‏‏. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال‏‏ ‏"‏بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم الحرث بن ربعي أبو قتادة، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له وقطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط ‏‏حديث : عن أبي حدرد الأسلمي عن أبيه نحوه، وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:"أقتلته بعدما قال‏:‏ آمنت بالله‏؟‏‏!فنزل القرآن"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثاً، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال‏:‏ لا غفر الله لك‏.‏ فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له فقال‏:‏ إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه في جبل وألقوا عليه الحجارة، فنزلت ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏. واخرج البزار والدارقطني في الأفراد والطبراني عن ابن عباس قال‏‏ ‏"‏حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله‏.‏ فأهوى إليه المقداد فقتله‏.‏ فقال له رجل من أصحابه‏:‏ أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله‏؟‏‏!‏ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا‏:‏ يا رسول الله إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد‏.‏ فقال‏: ادعوا إليَّ المقداد، فقال‏:‏ يا مقداد أقتلت رجلاً يقول لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدا‏ً؟ فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏كذلك كنتم من قبل‏} ‏ قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد‏: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فاظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر قال‏:‏ أنزلت هذه الآية ‏{‏ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام‏} ‏ في مرداس‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏كان الرجل يتكلم بالإسلام، ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها حيه - يعني قومه - وأمام الرجل لا يخاف المؤمنين من أجل أنه على دينهم، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام، فيقولون‏:‏ لست مؤمناً وقد ألقى السلم فيقتلونه، فقال الله تعالى ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا‏} ‏ إلى ‏{‏تبتغون عرض الحياة الدنيا‏} ‏ يعني تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجدتم معه، وذلك عرض الحياة الدنيا فإن عندي مغانم كثيرة، والتمسوا من فضل الله‏.‏ وهو رجل اسمه مرداس خلى قومه هاربين من خيل بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليها رجل من بني ليث اسمه قليب حتى إذا وصلت الخيل سلّم عليهم فقتلوه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بديته، ورد إليهم ماله، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا‏} ‏ قال‏:‏ هذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم‏.‏ ففر أصحابه فقال مرداس‏:‏ إني مؤمن وعلى متبعكم‏.‏ فصبحته الخيل غدوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فتلقاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله في شأنه ‏ {‏ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً‏} ‏ لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يحيي بعضهم بعضاً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله تعالى ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال ‏"حديث : ‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة، فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنم له وجمل أحمر، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل إليهم فقال‏:‏ السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خير ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون‏:‏ يا رسول الله لو رأيت أسامة ولقيه رجل فقال الرجل‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم، فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال‏: كيف أنت ولا إله إلا الله‏؟ فقال‏:‏ يا رسول الله إنما قالها متعوذاً تعوذ بها‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه‏.‏‏.‏‏.‏‏! فأنزل الله خبر هذا، وأخبر إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول ‏ {‏تبتغون عرض الحياة الدنيا‏} ‏ فلما بلغ ‏ {‏فمن الله عليكم‏} ‏ يقول‏:‏ فتاب الله عليكم، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الحسن‏ ‏"‏حديث : أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون، فلقوا أناساً من العدو فحملوا عليهم فهزموهم، فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاع، فلما غشيه بالسنان قال‏:‏ إني مسلم، إني مسلم‏.‏ فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقاتل‏: أقتلته بعد أن قال إني مسلم‏؟‏‏!‏‏ يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً‏. قال‏: أفلا شققت عن قلبه‏؟ قال‏:‏ لمَ يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ لتعلم أصادق هو أو كاذب‏!‏ قال‏:‏ وكنت عالم ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إنما كان يعبر عنه لسانه، إنما كان يعبر عنه لسانه‏. قال‏:‏ فما لبث القاتل أن مات، فحفر له أصحابه، فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره‏.‏ قال الحسن‏:‏ فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كم دفناه، مرتين أو ثلاثة، كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا‏} ‏ أهل الإسلام إلى آخر الآية‏.‏ قال الحسن‏:‏ أما والله ما ذاك أن تكون الأرض تجن من هو شر منه، ولكن وعظ الله القوم أن لا يعودوا ‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله ‏ {‏ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً‏} ‏ قال‏:‏ ‏ ‏"‏حديث : بلغني أن رجلاً من المسلمين أغار على رجل من المشركين، فحمل عليه فقال له المشرك‏:‏ إني مسلم أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال للذي قتله‏:‏ أقتله وقد قال لا إله إلا الله‏؟‏‏!‏ فقال وهو يعتذر‏:‏ يا نبي الله إنما قال متعوّذاً وليس كذلك‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: فهلا شققت عن قلبه‏!‏ ثم مات قاتل الرجل فقبر، فلفظته الأرض، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته حتى فعل ذلك به ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران‏. قال معمر‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ إن الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة ‏"‏‏.‏ ‏ تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق أبي الضحى عن مسروق. أن قوماً من المسلمين لقوا رجلاً من المشركين ومعه غنيمة له، فقال‏:‏ السلام عليكم، إني مؤمن‏.‏ فظنوا أنه يتعوّذ بذلك فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله ‏ {‏ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا‏} ‏ تلك الغنيمة‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير قال‏:‏ ‏"‏خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمروا برجل فيه‏ غنيمة له، فقال‏:‏ إني مسالم‏.‏ فقتله ابن الأسود، فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ‏ {‏ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ الغنيمة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء، فذكر من قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، ونزل القرآن ‏{‏وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ‏} ‏ فقرأ‏.‏‏.‏‏.‏ حتى بلغ إلى قوله ‏ {‏إن الله كان بما تعلمون خبيراً‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا‏ً} ‏ قال‏:‏ راعي غنم لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه السلام عليكم إني مؤمن‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا‏ً} ‏ قال‏:‏ حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله لست مؤمناً كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه، فلا تردوا عليه قوله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي رجاء والحسن. أنهما كانا يقرآن ‏"‏ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم‏"‏ بكسر السين‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد وأبي عبد الرحمن السلمي. أنهما كانا يقرآن ‏ {‏لمن ألقى إليكم السلام‏}‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏كذلك كنتم من قبل‏} ‏ قال‏:‏ تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه‏.‏ وفي لفظ‏:‏ تكتمون إيمانكم من المشركين ‏ {‏فمنّ الله عليكم‏} ‏ فأظهر الإسلام، فاعلنتم إيمانكم ‏ {‏فتبينوا‏} ‏ قال‏:‏ وعيد من الله مرتين‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏كذلك كنتم من قبل‏} ‏ قال‏:‏ كنتم كفاراً حتى منّ الله عليكم بالإسلام وهداكم له‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق ‏{‏كذلك كنتم من قبل‏} ‏ لم تكونوا مؤمنين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن النعمان بن سالم أنه كان يقول‏:‏ نزلت في رجل من هذيل‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏فتبينوا‏} ‏ بالياء‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي‏حديث : عن أسامة قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال‏:‏ لا إله إلا الله فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"‏قال لا إله إلا الله وقتلته‏؟‏‏! قلت‏:‏ يا رسول الله إنما قالها فرقاً من السلاح‏.‏ قال‏: ألا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا‏.‏‏.‏‏! فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ‏" ‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن جعفر بن برقان قال‏:‏ حدثنا الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال‏: "‏بلغني‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أسامة بن زيد على جيش‏.‏ قال أسامة‏:‏ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أحدثه فقلت‏:‏ فلما انهزم القوم أدركت رجلاً فأهويت إليه بالرمح، فقال‏:‏ لا إله إلا الله فطعنته فقتلته‏.‏ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏: ويحك يا أسامة‏.‏‏.‏‏!‏ فكيف لك بلا إله إلا الله‏؟‏ ويحك يا أسامة‏.‏‏.‏‏!‏ فكيف لك بلا إله إلا الله‏؟ فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته واستقبلت الإسلام يومئذ جديداً، فلا والله‏‏ أقاتل أحداً قال لا إله إلا الله بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال‏:‏ قال أسامة بن زيد‏:‏ لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبدا‏ً.‏ فقال سعد بن مالك‏:‏ وأنا - والله - لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً‏.‏ فقال لهما رجل‏:‏ ألم يقل الله ‏{أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 193‏]‏ فقالا‏:‏ قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن عقبة بن مالك الليثي قال‏:‏‏ ‏"‏حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فغارت على قوم، فأتبعه رجل من السرية شاهراً فقال الشاذ من القوم‏:‏ إني مسلم، فلم ينظر فيما قال فضربه فقتله، فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال فيه قولاً شديداً، فبلغ القاتل‏.‏ فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل‏:‏ والله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل‏.‏ فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته ثم قال أيضا‏ً:‏ يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل‏.‏ فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته ثم لم يصبر فقال الثالثة‏:‏ والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل‏.‏ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه فقال‏: إن الله أبى عليّ لمن قتل مؤمناً ثلاث مرارا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات ‏‏‏حديث : ‏عن المقداد بن الأسود قال‏:‏ قلت"يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين بضربتين فقطع يدي، فلما علوته بالسيف قال‏:‏ لا إله إلا الله أضربه أم أدعه‏؟‏ قال‏: بل دعه‏.‏ قلت‏:‏ قطع يدي‏!‏ قال‏: إن ضربته بعد أن قالها فهو مثلك قبل أن تقتله، وأنت مثله قبل أن يقولها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبرانيحديث : عن جندب البجلي قال: "‏‏إني لعند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه بشير من سريته، فأخبره بالنصر الذي نصر الله سريته، وبفتح الله الذي فتح لهم‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله بينا نحن نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى، إذ لحقت رجلاً بالسيف، فلما خشي أن السيف واقعه، وهو يسعى ويقول‏:‏ إني مسلم، إني مسلم‏.‏ قال‏:‏ فقتلته‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله إنما تعوّذ‏.‏ فقال‏:‏ فهلا شققت عن قلبه فنظرت أصادق هو أم كاذب‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ لو شققت عن قلبه ما كان علمي هل قلبه إلا مضغة من لحم‏!‏ قال‏:‏ لا ما في قلبه تعلم ولا لسانه صدقت قال‏:‏ يا رسول الله استغفر لي‏.‏ قال‏: لا أستغفر لك‏. فمات ذلك الرجل، فدفنوه فأصبح على وجه الأرض، ثم دفنوه فأصبح على وجه الأرض ثلاث مرات، فلما رأوا ذلك استحيوا وخزوا مما لقي، فاحتملوه فألقوه في شعب من تلك الشعاب ‏".

ابو السعود

تفسير : {يأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إثرَ ما بـيّن حكمَ القتلِ بقسميه وأن ما يُتصوّر صدورُه عن المؤمن إنما هو القتلُ خطأً شرَعَ في التحذير عما يؤدي إليه من قلة المبالاةِ في الأمور {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي سافرتم في الغزو، ولِمَا في إذا من معنى الشرطِ صُدِّر قولُه تعالى: {فَتَبَيَّنُواْ} بالفاء، فاطلُبوا بـيانَ الأمرِ في كل ما تأتوُن وما تذرون ولا تعجَلوا فيه بغير تدبرٍ ورويّة، وقرىء فتثبّتوا أي اطلُبوا إثباته وقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ} نهيٌ عما هو نتيجةٌ لترك المأمورِ به وتعيـينٌ لمادّة مُهمّةٍ من الموادّ التي يجب فيها التبـيـينُ، وقرىء السِّلْمَ بغير ألف وبكسر السين وسكون اللام أي لا تقولوا بغير تدبرٍ لمن حياكم بتحية الإسلامِ أو لمن ألقىٰ إليكم مقاليدَ الاستسلام والانقيادِ {لَسْتَ مُؤْمِناً} وإنما أظهرتَ ما أظهرتَ متعوِّذاً بلِ اقبَلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه، وقرىء مُؤمَناً بالفتح أي مبذولاً لك الأمانُ، وهذا أنسبُ بالقراءتين الأخيرتين، والاقتصارُ على ذكر تحيةِ الإسلامِ في القراءة الأولى مع كونها مقرونةً بكلمتي الشهادةِ كما سيأتي في سبب النزول للمبالغة في النهي والزجرِ والتنبـيهِ على كمال ظهورِ خطئِهم ببـيان أن تحية الإسلامِ كانت كافيةً في المُكافّة والانزجارِ عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونةٌ بهما، وقوله تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} حال من فاعل لا تقولوا منبىءٌ عما يحمِلُهم على العَجَلة وتركِ التأنّي لكن لا على أن يكون النهيُ راجعاً إلى القيد فقط كما في قولك: لا تطلُبَ العلمَ تبتغي به الجاهَ، بل إليهما جميعاً أي لا تقولوا له ذلك حالَ كونِكم طالبـين لمالِه الذي هو حُطامٌ سريعُ النفادِ، وقولُه تعالى: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} تعليلٌ للنهي عن ابتغاء مالِه بما فيه من الوعد الضِّمني كأنه قيل: لا تبتغوا مالَه فعند الله مغانمُ كثيرةٌ يُغنِمُكموها فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه، وقولُه تعالى: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} تعليلٌ للنهي عن القول المذكورِ، ولعل تأخيرَه لما فيه من نوع تفصيل ربما يُخِلُّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم، مع ما فيه من مراعاة المقارنةِ بـين التعليلِ السابقِ وبـين ما عُلِّل به كما في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } تفسير : [آل عمران، الآية 106] الخ، وتقديمُ خبرِ كان للقصر المقيّدِ لتأكيد المشابهةِ بـين طرفي التشبـيهِ، وذلك إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ والفاء في فمن للعطف على كنتم أي مثلَ ذلك الذي ألقى إليكم السلامَ كنتم أيضاً في بدء إسلامِكم لا يظهرُ منكم للناس غيرُ ما ظهر منه لكم من تحية الإسلامِ ونحوِها فمنّ الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبةَ وعصَم بها دماءَكم وأموالَكم ولم يأمُرْ بالتفحُّص عن سرائركم، والفاءُ في قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُواْ} فصيحةٌ أي إذا كان الأمرُ كذلك فاطلُبوا بـيانَ هذا الأمرِ البـيِّنِ وقيسوا حالَه بحالكم وافعلوا به ما فُعل بكم في أوائلِ أمورِكم من قَبول ظاهرِ الحالِ من غير وقوفٍ على تواطُؤِ الظاهِرِ والباطنِ، هذا هو الذي تقتضيه جزالةُ التنزيلِ وتستدعيه فخامةُ شأنِه الجليلِ، و{مِنْ} حسِبَ أن المعنى أولُ ما دخلتم في الإسلام سُمعت من أفواهكم كلمةُ الشهادةِ فحصَّنَتْ دماءَكم وأموالَكم ــ من غير انتظارِ الاطلاعِ على مواطأة قلوبِكم لألسنتكم فمنّ الله عليكم بالاستقامة والاشتهارِ بالإيمان والتقدّمِ فيه، وأنْ صِرْتم أعلاماً فيه، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فُعل بكم وأن تعتبروا ظاهِرَ الإسلامِ في الكف ولا تقولوا الخ ــ فقد أبعدَ عن الحق، لأن المرادَ كما عرفتَ بـيانُ أن تحصينَ الدماءِ والأموالِ حُكمٌ مترتِّبٌ على ما فيه المماثلةُ بـينه وبـينهم من مجرد التفوُّه بكلمة الشهادةِ وإظهارِ أن ترتُّبَه عليه في حقهم يقتضي ترتبه عليه في حقه أيضاً إلزاماً لهم وإظهاراً لخطئهم، ولا يخفىٰ أن ذلك إنما يتأتّىٰ بتفسيرٍ منه تعالى عليهم المترتب على كونهم مثلَه بتحصين دمائِهم وأموالِهم حسبما ذكر حتى يظهرَ عندهم وجوبُ تحصينِ دمِه ومالِه أيضاً بحكم المشاركةِ فيما يوجبه، وحيث لم يفعل ذلك بل فسّره به لم يبقَ في النظم الكريمِ ما يدل على ترتب تحصينِ دمائِهم وأموالِهم على ما ذكر فمِنْ أين له أن يقول: فحصَّنَتْ دماءَكم وأموالَكم حتى يتأتى البـيانُ وارتكابُ تقديرِه بناءً على اقتضاء ما ذُكر في تفسير المنِّ إياه بناءً على أساس واهٍ؟ كيف لا وإنما ذِكرُه بصدد التفسيرِ وإن كان أمراً متفرعاً على ما فيه المماثلةُ مبنياً عليه في حقهم لكنه ليس بحكم أريد إثباتُه في حقه بناءً على ثبوته في حقهم كالتحصين المذكورِ حتى يستحقَّ أن يُتعرَّض له ولا بأمر له دخلٌ في وجوب اعتبارِ ظاهرِ الإسلامِ من الداخلين فيه حتى يصِحَّ نظمُه في سلك ما فُرِّع عليه قولُه: فعليكم أن تفعلوا الخ. وحملُ الكلامِ على معنى أنكم في أول الأمرِ كنتم مثلَه في قصور الرتبة في الإسلام فمنّ الله عليكم وبلغتم هذه الرتبةَ العاليةَ منه فلا تستقصروا حالتَه نظراً إلى حالتكم هذه بل اعتدّوا بها نظراً إلى حالتكم السابقةِ ــ يردُّه أن قتلَه لم يكن لاستقصار إسلامِه بل لتوهم عدمِ مطابقةِ قلبِه للسانه فإن الآيةَ الكريمةَ «حديث : نزلت في شأن مِرْداسِ بنِ نهيكٍ من أهل فدَكٍ وكان قد أسلم ولم يُسلمْ من قومه غيرُه فغزتْهم سريةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم غالبُ بنُ فَضالةَ الليثي فهربوا وبقيَ مرداسٌ لثقته بإسلامه فلما رأى الخيلَ ألجأ غنمَه إلى عاقول من الجبل وصعِد فلما تلاحقوا وكبّروا كبّر وقال: لا إلٰه إلا الله محمدٌ رسول الله السلامُ عليكم فقتله أسامةُ بنُ زيدٍ واستاق غنمَه فأخبروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فوجَد وجْداً شديداً وقال: "قتلتموه إرادةَ ما معه" فقال أسامةُ: إنه قال بلسانه دون قلبِه وفي رواية إنما قالها خوفاً من السلاح، فقال عليه الصلاة والسلام: "هلا شقَقْتَ عن قلبه" وفي رواية "أفلا شقَقْتَ عن قلبه" ثم قرأ الآيةَ على أسامةَ فقال: يا رسولَ الله استغفِرْ لي، فقال: "كيف بلا إلٰه إلا الله" قال أسامة: فما زال عليه الصلاة والسلام يعيدُها حتى ودِدتُ أن لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ، ثم استغفرَ لي وقال: "أعتِقْ رقبة"»تفسير : . وقيل: «حديث : نزلت في رجل قال: يا رسول الله كنا نطلُب القومَ وقد هزمهم الله تعالى فقصَدْتُ رجلاً فلما أحسَّ بالسيف قال: إني مسلمٌ فقتلتُه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أقتلتَ مسلماً؟ قال: إنه كان متعوّذاً، فقال عليه الصلاة والسلام: "أفلا شقَقْتَ عن قلبه"» تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمال الظاهرةِ والخفيةِ وبكيفياتها {خَبِيراً} فيجازيكم بحسبها إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌّ فلا تتهاونوا في القتل واحتاطوا فيه، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها بطريق الاستئنافِ وقرىء بفتح إن على أنها معمولُه لِتَبَـيَّنوا أو على حذف لامِ التعليل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ} [الآية: 94]. قال: إذا سافرتم فاطلبوا أولياء الله وتثبتوا أن لا تفوتكم مشاهدتهم، فإنها الفوائد فى الأسفار وموضع التثبت والاستقامة.

القشيري

تفسير : عَاشِرُوا الناسَ على ما يُظْهِرُون من أحوالهم، ولا تَتَفَرَّسوا فيهم بالبطلان؛ فإنَّ مُتَوَلِّيَ الأسرار الله. هذا إذا كان غرضٌ فاسدٌ يحملكم عليه من أحكام النَفْس، فأمَّا من كان نظرُه بالله ولم يَنْسَتِرْ عليه شيءٌ فَلْيَحْفَظْ سِرَّ الله فيما كوشِفَ به، ولا يظهر لصاحبه ما أراد الله فيه.

البقلي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} اذا سلكتم مسالك المقامات بين يدى الله تعالى لطلب مشاهدة الله وسرتم باسراركم فى اسرار صفاته وانوار ذاته تبيوا حقائق كل مقام بعرفان وبرهان وذوق وايقان وثبتوا واستقيموا فى ظهور جلال الله لئى تقعوا فى تفقرقة التلوين ولا تعقوا فى التشبيه فى معارك مكريات الالتباس لان هناك ظهور الذات فى لباس الصفات وظهر الصفات فى لباس الافعال قيل اذا سافرتم اطلبوا اولياء الله وتثبتوا ان لا يفوتكم مشاهدتهم فانه الفوائد فى الاسفار وموضع التثبت والاستقامة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} نزلت الآية فى شان مرداس بن نهيك من اهل فدك وكان اسلم ولم يسلم من قومه غيره و"حديث : كان عليه السلام بعث سرية الى قومه كان عليها غالب بن فضالة الليثى فلما وصلت السرية اليهم هربوا وبقى مرداس ثقة باسلامة فلما وصلوا فدك كبروا وكبر مرداس معهم وكان فى سفح جبل ومعه غنمه فنزل اليهم وقال لا اله الا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله اسامة بن زيد وساق غنمه فاخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فوجد وجدا شديدا وقال "قتلتموه ارادة ما معه وهو يقول لا اله الا الله" فقال اسامة انه قال بلسانه دون قلبه وفى رواية انما قالها خوفا من السلاح فقال عليه السلام "هلا شققت عن قلبه فنظرت أصادق هو ام كاذب" ثم قرأ الآية على اسامة فقال يا رسول الله استغفر لى فقال "فكيف بلا اله الا الله" قال اسامة فما زال صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت ان لم اكن اسلمت الا يومئذ ثم استغفر لى وامر برد الاغنام وتحرير رقبة مؤمنة " .تفسير : والمعنى ايها المؤمنون {اذا ضربتم فى سبيل الله} اى سافرتم وذهبتم للغزو من قول العرب ضربت فى الارض اذا سرت لتجارة او غزو او نحوهما {فتبينوا} التفعل بمعنى الاستفعال الدال على الطلب اى اطلبوا بيان الامر فى كل ما تأتون وما تذرون ولا تعجلوا فيه بغير تدبر وروية {ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام} اى لمن حياكم بتحية الاسلام {لست مؤمنا} وانما اظهرت ما اظهرت متعوذا بل اقبلوا منه ما اظهره وعاملوه بموجبه {تبتغون عرض الحيوة الدنيا} حال من فاعل لا تقولوا منبىء عما يحملهم على العجلة وترك التأنى لكن لا على ان يكون النهى راجعا الى القيد فقط كما فى قولك لا تطلب العلم تبتغى به الجاه بل اليهما جميعا اى لا تقولوا له ذلك حال كونكم طالبين لماله الذى هو حطام سريع النفاد وعرض الدنيا ما يتمتع به فيها من المال نقدا كان او غيره قليلا كان او كثيرا يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وتسميته عرضا تنبيه على انه سريع الفناء قريب الانقضاء {فعند الله مغانم كثيرة} تغنيكم عن قتل امثاله لماله وهو تنبيه على ان ثواب الله تعالى موصوف بالدوام والبقاء {كذلك} اى مثل ذلك الذى القى اليكم السلام {كنتم} انتم ايضا {من قبل} اى فى مبادى اسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من تحية الاسلام ونحوها {فمن الله عليكم} بان قبل منكم تلك الرتبة وعصم بها دماءكم واموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. الفاء للعطف على كنتم {فتبينوا} الفاء فصيحة اى اذا كان الامر كذلك فاطلبوا بيان هذا الامر البين وقيسوا حاله بحالكم وافعلوا ما فعل بكم فى اوائل اموركم من قبول ظاهر الحال من غير وثوق على تواطئ الظاهر والباطن {ان الله كان بما تعملون} من الاعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها {خبيرا} فيجازيكم بحسبها ان خيرا فخير وان شرا فشر فلا تتهافتوا فى القتل واحتاطوا فيه. قال الامام الغزالى رحمه الله الخبير هو الذى لا تعزب عنه الاخبار الباطنة ولا يجرى فى الملك والملكوت شىء ولا تحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن الا ويكون عنده خبر وهو بمعنى العليم لكن العلم اذا اضيف الى الخفايا الباطنة سمى خبرة ويسمى صاحبه خبيرا وحظ العبد من ذلك ان يكون خبيرا بما يجرى فى عالمه وعالمه قلبه وبدنه والخفايا التى يتصف القلب بها من الغش والخيانة والطواف حول العاجلة واضمار الشر واظهار الخير والبخل باظهار الاخلاص والافلاس عنه ولا يعرفها الا ذو خبرة بالغة قد خبر نفسه ومارسها وعرف مكرها وتلبيسها وخدعها فحاربها وتشمر لمعاداتها واخذ الحذر منها فذلك من العباد جدير بان يسمى خبيرا انتهى كلام الامام: قال السعدى شعر : نمى تازد اين نفس سركش جنان كه عقلش تواند كرفتن عنان كه بانفس وشيطان بر آيد بزور مصاف بلنكان نبايد زمور تفسير : ودلت الآية على ان المجتهد قد يخطىء كما اخطأ اسامة وان خطأه قد كان مغتفرا حيث لم يقتص منه وعلى ان الذكر اللسانى معتبر كما ان ايمان المقلد صحيح لكن ينبغى للمؤمن ان يترقى من الذكر اللسانى الى الذكر القلبى ثم الى الذكر الروحى ويحصل له التعين والمعرفة ويخلص من ظلمة الجهل ويتنور بنور المعرفة لان الانسان يموت كما يعيش. عن ابن عباس "حديث : ان جبريل عليه السلام جاء الى النبى عليه السلام فقال يا محمد ان ربك يقرئك السلام وهو يقول مالى اراك مغموما حزينا قال عليه السلام "يا جبريل طال تفكرى فى امتى يوم القيامة" قال أفى امر اهل الكفر ام اهل الاسلام فقال "يا جبريل فى امر اهل لا اله الا الله محمد رسول الله" فاخذ بيده حتى اقامه الى مقبرة بنى سلمة ثم ضرب بجناحه الايمن على قبر ميت قال قم باذن الله فقام الرجل مبيض الوجه وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله فقال جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم ضرب بجناحه الايسر فقال قم باذن الله فخرج رجل مسود الوجه ارزق العينين وهو يقول واحسرتاه واندامتاه فقال له جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم قال يا محمد على هذا يبعثون يوم القيامة وعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تموتون كما تعيشون وتبعثون كما تموتون" تفسير : هركسى آن درود عاقبت كار كه كشت. والاشارة فى الآية الى البالغين الواصلين بالسير الى الله ان {يا ايها الذين آمنوا} ووفقوا لمجرد الايمان بالغيب {اذا ضربتم فى سبيل الله} يعنى سرتم بقدم السلوك فى طلب الحق حتى صار الايمان ايقانا والايقان احسانا والاحسان عيانا والعيان غيبا وصار الغيب شهادة والشهادة شهودا والشهود شاهدا والشاهد مشهودا وبهما اقسم الله بقوله {أية : وشاهد ومشهود} تفسير : [البروج: 3]. فافهم جدا وهذا مقام الشيخوخية {فتبينوا} عن حال المريدين وتثبتوا فى الرد والقبول وفى قوله {ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مؤمنا} اشارة الى ارباب الطلب فى البدء والارادة اى اذا تمسك احد بذيل ارادتكم والقى اليكم السلام بالانقياد والاستسلام لكم فلا تقولوا لست مؤمنا اى صادقا مصدقا فى التسليم لاحكام الصحبة وقبول التصرف فى المال والنفس على شرط الطريقة ولا تردوه ولا تنفروه بمثل هذه التشديدات وقولوا له كما امر الله موسى وهارون عليهما السلام {أية : فقولا له قولا لينا} تفسير : [طه: 44]. فما انتم اعز من الانبياء ولا المريد المبتدئ اذل من فرعون ولا يهولنكم امر رزقه فتجتنبون منه طلبا للتخفيف والى هذا المعنى اشار بقوله {تبتغون عرض الحيوة الدنيا} فلا تهتموا لاجل الرزق {فعند الله مغانم كثيرة} من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب {كذلك كنتم من قبل} اى كذلك كنتم ضعفاء فى الصدق والطلب محتاجين الى الصحبة والتربية بدواء الارادة {فمن الله عليكم} بصحبة المشايخ وقبولهم اياكم والاقبال على تربيتكم وايصال رزقكم اليكم وشفقتهم وعطفهم عليكم {فتبينوا} ان تردوا صادقا اهتماما لرزقه او تقبلوا كاذبا حرصا على تكثير المريدين {ان الله كان} فى الازل {بما تعملون} اليوم من الرد والقبول والاحتياج الى الرزق الذى تهتمون له {خبيرا} بتقدير امور قدرها فى الازل وفرغ منها كما قال عليه السلام "حديث : ان الله فرغ من الخلق والرزق والاجل " .تفسير : وقال "حديث : الضيف اذا نزل نزل برزقه واذا ارتحل ارتحل بذنوب مضيفه " .تفسير : كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {السَّلم} بالقصر: الانقياد والاستسلام، وبالمد: التحية. وجملة {تبتغون}: حال من الواو، مشعرة بما هو الحامل على العجلة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم} أي: سافرتم وسرتم تجاهدون {في سبيل الله}، {فتبينوا} الأمور وتثبتوا فيها ولا تعجلوا، فإن العجلة من الشيطان، {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم} أي: الانقياد والاستسلام، أو سلَّم عليكم تحية الإسلام، {لست مؤمنًا}؛ إنما فعلت ذلك متعوذًا خائفًا، فتقتلونه طمعًا في ماله، {تبتغون عرض الحياة الدنيا} وحطامها الفاني، {فعند الله مغانمُ كثيرة} وَعَدَكُم بها، لم تقدروا الآن عليه، فاصبروا وازهدوا فيما تَشُكُّون فيه حتى يأتيكم ما لا شهبةَ فيه، {كذلك كنتم من قبل} هذه الحال، كنتم تخفون إسلامكم خوفًا من قومكم، {فمنَّ الله عليكم} بالعز والنصر والاشتهار {فتبينوا} وتثبتوا ولا تعَجلَوا، وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل اللهُ بكم، حيث حفظكم وعصمكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنًا بأنهم إنما دخلوا فيه اتقاء وخوفًا، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل مؤمن، وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر. ثم هدَّدهم بقوله {إن الله كان بما تعملون خبيرًا} مطلعًا على قصدكم، فلا تتهافتوا في القتل، واحتاطوا فيه. رُوِي أن سريةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم غزت أهل فَدَك فهربوا، وبقي مرداسُ ثقًة بإسلامه، لأنه كان مسلمًا وحده، فلما رأى الخيلَ ألجأ غَنَمه إلى عاقول من الجبل، وصعد عليه، فلما تلاحقوا وكَبَّروا، كَبَّر ونزل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامةُ، واستاق غنمه، فنزلت الآية. فلما أُخبر ـ عليه الصلاة والسلام ـ وَجِدَ وجدًا شديدًا، وقال لأسامة: "حديث : كيف بلا إله إلا الله، إذا جاءت يوم القيامة؟!"تفسير : قالها ثلاثًا، حتى قال أسامة: ليتني لم أكن أسلمتُ إلا يومئٍذ، ثم استغفرَ له بعدُ، وقال له: " حديث : اعتق رقبة " تفسير : وقيل: نزلت في المقداد، مرَّ برجل في غنمه فأراد قتله، فقال: لا إله إلا الله، فقتله وظفر بأهله وماله، وقيل: القاتل: مُحلِّم بن جَثَامة، والمقتول: عامرُ بن الأضبط. والله تعالى أعلم. الإشارة: يستقاد من الآية: الترغيب في خَصلتين ممدوحتين وخصوصًا عند الصوفية: الأولى: التأني في الأمور والرزانة والطمأنينة، وعدم العجلة والخفة والطيش. وفي الحديث: "حديث : من تَأنَّى أصابَ أو كادَ، ومَن استعجَّلَ أخطَأ أو كَادَ"تفسير : . ولا يُقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، ويفهم عن الله أنه مراد الله في ذلك الوقت. والثانية: حُسْن الظن بعباد الله كافة، واعتقاد الخير فيهم، وعدم البحث عما اشتمل عليه بواطنهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: " حديث : أُمِرتُ أن أحكم بالظواهر والله يتولى السرائر"تفسير : . وقال لأسامة: "حديث : هلاّ شققت عن قلبه"تفسير : ، حين قَتَلَ من قال: لا إله إلا الله، أو لغيره. وفي الحديث: " حديث : خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حُسن الظن بالله، وحُسن الظنِّ بعباد الله، وخصلتان ليس فوقهما من الشر شيء: سوء الظن بالله، وسوء الظن بعباد الله" تفسير : . والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة، والحجة: قرأ أهل المدينة، وابن عباس، وخلف {السلم} بغير الف. الباقون بالف. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما فتثبتوا (بالثاء) من الثبوت في الموضعين ها هنا وفي الحجرات الباقون {فتبينوا} من التبين. وقرئ من طريق النهرواني لست مؤمناً - بفتح الميم الثانية - الباقون بكسرها وبه قرأ أبو جعفر محمد بن علي (ع) على ما حكاه البلخي. فمن قرأ بالثاء من الثبوت. فانما اراد التثبت الذي هو خلاف العجلة. ومن قرأ بالياء والنون، أراد من التبيين الذي هو النظر، والكشف عنه حتى يصح. والمعنيان متقاربان، لأن المثبت متبين، والمتبين مثبت. ومن قرأ {السلم} بلا الف أراد الاستسلام. ومنه قوله: {أية : وألقوا إلى الله يومئذ السلم } تفسير : أي استسلموا. وقوله: {ورجلاً سلماً} أي مستسلماً. وروى أبان عن عاصم بكسر السين. والمعنى خلاف الحرب. ومن قرأ بالف ذهب إلى التحية. ويحتمل أن يكون المراد لا تقولوا لمن اعتزلكم وكف عن قتالكم: لست مؤمناً. قال أبو الحسن: يقولون: انما فلان سلام إذا كان لا يخالط أحداً. المعنى: خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين الذين إذا ضربوا في الارض بمعنى ساروا فيها للجهاد وأن يتأنوا في قتال من لا يعلمون كفره، ولا ايمانه، وعن قتل من يظهر الايمان وان ظن به الكفر باطناً. ولا يعجلوا حتى يبين لهم أمرهم فانهم ان بادروا ربما أقدموا على قتل مؤمن. ولا يقتلوا من استسلم لهم، وكف عن قتالهم، واظهر انه اسلم. وألا يقولوا لمن هذه صورته: لست مؤمناً، فيقتلوه طلب عرض {الحياة الدنيا} يعني متاع الحياة الدنيا الذي لا بقاء له. فان عند الله مغانم كثيرة وفواضل جسيمة فهو خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه. النزول: واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال عمر بن شبة: نزلت في مرداس رجل من غطفان، غشيتهم خيل المسلمين، فاستعصم قومه في الجبل، وأسهل هو مسلماً مستسلماً، فاظهر لهم اسلامه، فقتلوه، وأخذوا ما معه. وقال أبو عمر والواقدي، وابن اسحاق. نزلت في عامر بن الاضبط الاشجعي لقيته سرية لأبي قتادة فسلم عليه فشد محلم بن جثامة فقتله لاحنة كانت بينهم، ثم جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) وسأل ان يستغفر له فقال النبي (صلى الله عليه وسلم)حديث : لا غفر الله لكتفسير : . وانصرف باكياً فما مضت عليه سبعة أيام حتى هلك فدفن، ثم لفظته الارض فجاؤا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأخبروه فقال (ع): إن الارض تقبل من هو شر من محلم صاحبكم، لكن الله أراد أن يعظم من حرمتكم، ثم طرحوه بين صد في جبل، والقوا عليه الحجارة، فنزلت الآية. وقال ابن عباس: لحق ناس رجلا في غنيمة له، فقال السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنمه. فنزلت الآية. قال ابن عباس: فكان الرجل يسلم في قومه، فاذا غزاهم أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهرب أصحابه وقف، وأظهر تحية الاسلام (السلام عليكم) فيكفون عنه، فلما خالف بعضهم، وقتل من أظهر ذلك نزلت فيه الآية وبه قال السدي: وقال الرجل السلام عليكم، أشهد ان لا إله إلا الله، وان محمداً رسول الله. فشد عليه أسامة بن زيد وكان أمير القوم، فقتله، فنزلت الآية. وقال قوم: كان صاحب السرية المقداد. وقال آخرون: ابن مسعود. وكل واحد من هذه الاسباب يجوز أن يكون صحيحاً، ولا يقطع بواحد منها بعينه. والذي يستفاد من ذلك أن من اظهر الشهادتين لا يجوز لمؤمن أن يقدم على قتله، ولا إذا أظهر ما يقوم مقامها من تحية الاسلام. المعنى: وقوله. {كذلك كنتم من قبل} اختلفوا في معناه، فقال قوم: كما كان هذا الذي قتلتموه بعدما القى إليكم السلام مستخفياً من قومه بدينه خوفاً على نفسه منهم، كُنتم أنتم مستخفين باديانكم من قومكم حذراً على أنفسكم فمن الله عليكم، ذهب إليه سعيد بن جبير وقال ابن زيد معناه كما كان هذا المقتول كافراً فهداه الله، كذلك كنتم كفاراً، فهداكم الله. وبه قال الجبائي. وقال المغربي: معناه كذلك كنتم أذلاء آحاداً إذا صار الرجل منكم وحده، خاف أن يختطف. وقوله: {فمن الله عليكم} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال سعيد بن جبير: فمن الله عليكم باظهار دينه، واعزاز أهله حتى أظهرتم الاسلام بعد ما كنتم تكتمونه من اهل الشرك. وقال السدي: معناه تاب الله عليكم {فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيراً} معناه انه كان عليماً بما تعملونه قبل أن تعملوه. قال البلخي في الآية دلالة على أن المجتهد لا يضل، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يضلل مقداداً ولا تبرأ منه. ومن قرأ {لست مؤمناً} بفتح الميم الثانية، قال: معناه لا تقولوا لمن استسلم لكم لسنا نؤمنك. وهو وجه حسن.

الجنابذي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ} بارجلكم الارض {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} اى سافرتم فى الجهاد تأديب للمجاهدين باصلاح النّيّة فى الجهاد حتّى لا يغلب الهوى على امر الله {فَتَبَيَّنُواْ} فبالغوا فى طلب ظهور الامر من الكفر والايمان ممّن تلاقونه وقرئ فتثبّتوا بمعنى التأنّى والتّأمّل والمقصود واحد يعنى لا تعجلوا فى القتل قبل التيقّن بكفرهم {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} وقرئ السّلم يعنى الانقياد والتّسليم او تحيّة الاسلام اظهاراً لاسلامه بشعار الاسلام {لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} اى لا تنكروا اسلامه لابتغاء ماله بقتله بل تبيّنوا أمره فان ظهر اثر الصّدق فلا تقتلوه {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} اى لا تقولوا ذلك ولا تقتلوه فانّكم ان لا تقولوا تستحقّوا مغانم اكثر من غنيمته من الله فعند الله مغانم كثيرة مبذولة لمن امتثل امره ونهيه فأقيم السّبب مقام الجواب {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} كافرين ومتزلزلين ومظهرين للاسلام بالسنتكم من غير علمٍ بمواطاة القلوب {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} بالتّحقّق بالايمان والاشتهار به {فَتَبَيَّنُواْ} كرّره للتّأكيد وللاشارة إلى انّ امتثال امر الله يقتضى التّبيّن والمقايسة الى انفسكم ايضاً تقتضى التبيّن {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فاحتاطوا فى افعالكم وفى نيّاتكم، والآية ان وردت فى اسامة بن زيد وقتله يهودياً وعدم اعتنائه باظهاره الشّهادتين فهو عامٌ لا اختصاص له بالقتل ولا بالسّفر.

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين امنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} "حديث : الآية نزلت في رجل من أهل فدك اسلم لم يسلم من قومه غيره لقيته سرية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه غنيمات له فقال: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا مسلم، فبدر اليه بعضهم فقتله، فلما اخبروا بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "لم قتلته وقد أسلم؟" قال: انما قالها متعوداً، فقال: "هل شققت عن قلبه؟" ثم حمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ديّته الى اهله ورد عليهم غنمه واختلفوا في اسم القاتل فقيل: هو أسامة، قال أسامة يا رسول الله استغفر لي قال: "فكيف بلا إله إلا الله" قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت اني لم أكن اسلمت إلا يومئذ ثم استغفر لي وقال اعتق رقبة" تفسير : رواه في الكشاف، وأما الذي رواه شهاب الذين أحمد بن مفضل رحمه الله وذكره في الحاكم حديث : وروي أيضاً في النزول أن اسم القاتل يحكم وكان بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيمن بعث فلقيه عامر بن الاصبط فحياه بتحية الاسلام وكان بينهما احنّة فرماه بسهم فقتله فلما جاء الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جلس بين يديه فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا غفر الله لك" وما مضت ساعة حتى مات ودفنوه فلفظته الأرض فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ان الارض تقبل من هو شر منه ولكن الله اراد أن يعظم حرمتكم" تفسير : فلما نزلت الآية حلف أسامة لا يقتل رجلاً قال لا إله إلا الله {تبتغون عرض الحياة الدنيا} تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد فهو الذي يدعوكم الى ترك التثبيت {فعند الله مغانم كثيرة} تغتنم عن قتل رجل يظهر الاسلام {كذلك كنتم من قبل} أول ما دخلتم الإِسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دماؤكم وأموالكم {فمنّ الله عليكم} بالاستقامة والاشهار بالإِيمان والتقدم وإن صبرتُم على ما فيه فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الاسلام كما فعل بكم وأن تعتبروا ظاهر الاسلام {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} لما نزلت الآية في فضل الجهاد جاء ابن أم مكتوم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: قد نزلت في الجهاد وما علمت وأنا لا الجهاد فهل لي رخصة؟ فنزل {غير أولي الضرر} روي ذلك عن ابن عباس يعني أولي العذر {والمجاهدون في سبيل الله} يعني الذين جاهدوا في سبيل الله ونصروا نبيَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} أي منزلة {وكلا وعد الله الحسنى} يعني المؤمنين القاعدين لعذر، والحسنى قيل: كل خير، وقيل: الحسنة {وفضل الله المجاهدين على القاعدين} غير أولي الضرر {أجراً عظيماً درجات منه} قيل: منازل بعضها أعلى من بعض منازل الكرامة لأن النعم على مراتب بعضها أعلى من بعض، وقيل: هي الدرجات.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} ذكر بعضهم أنهم نزلت في شأن مرداس رجل من غطفان. ذكر لنا أن نبي الله بعث جيشاً عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وبه أناس من غطفان. وكان مرداس منهم؛ ففر أصحابه، فقال لهم مرداس: إني مؤمن وإني غير متابعكم. فصبَّحته الخيل غدوة. فلما لقوه سلّم عليهم، فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع؛ فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}. لأن تحية المؤمنين السلام، بها يتعارفون، وبها يلقى بعضهم بعضاً، وهي تحية أهل الجنة. {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}. وذلك في تفسير الحسن أن رجلاً من المشركين لما غشيه المسلم في سيره، ومعه متاع له فرغب فيه وهو على حمار له فذهب ليقتله فقال: إني مسلم فلقيه فقتله، فأخذ متاعه فأنزل الله هذه الآية: {فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} يعطيكموها... إلى آخر الآية. {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ} أي ضُلاَّلاً {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} بالإِسلام وهداكم له. وقال الحسن: كذلك كنتم من قبل مشركين مثلهم فأعطيتم ما أعطاكم فقبل منكم، فهلاَّ قبلتموه منهم. {فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. قوله: {لاَّ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَر وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}. ذكروا عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية: حديث : لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله جاء ابن أم مكتوم إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله، أنا كما ترى، كان أعمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعوا لي زيداً وليأتني باللوح أو الكتف. فأنزل الله: {غَيْرُ أُوْلي الضَّرَرِ} تفسير : ، فأنزل الله عذره. وقال الحسن: هو كقوله: (أية : لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ) تفسير : [الفتح:17]. قوله: {فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ} أي المجاهد والقاعد {وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى} والحسنى الجنة. وعد الله المجاهدين من المؤمنين الجنة. وهذه نزلت بعد ما صار الجهاد تطوّعاً. {وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : من أقام الصلاة وآتى الزكاة ومات لا يشرك بالله فإن حقاً على الله أن يغفر له، جاهد أو قعد . تفسير : وفي قوله: {فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ} ذكروا عن عطاء أنه قال: من جهَّز غيره بمال في سبيل الله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف، ومن خرج بنفسه وماله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف وبكل ضعف سبعون ألف ضعف، و (أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ) تفسير : [المائدة:27].

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ}: سافرتم للجهاد. {فِى سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا}: لا تعجلوا فى القتل والغنم اذا رأيتم أمرا مشتبها حتى يتبين الكافر من المؤمن، وقرأ حمزة والكسائى فتثبتوا فى المؤمنين والحجرات، والمعنى واحد والتفعل فى القراءتين للطلب. {وَلا تَقُولُوا لِمَن أَلقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ}: وقرىء السلم باسكان اللام بعد فتح السين، وبعد كسرها، وقرىء السلام بألف بعد اللام، والمراد بذلك كله الانقياد للايمان، بأن نطق بكلمة الشهادة، وقال: محمد رسول الله، يجوز أن يكون السلام بمعنى السلام عليكم اذ كانت هذه تحية المؤمنين دون المشركين، فاذا قيلت فلا تعجلوا على قائلها بالقتل. {لَسْتَ مُؤمِنًا}: انما ألقيت ذلك الينا نفاقا لتنجى نفسك ومالك، وقرأ عاصم بفتح الميم الثانية، أى لا نؤمنك ولست فى الأمان منا، بل احملوه على ظاهر كلامه، فاذا رأوا فى بلد أو فى حى من أحياء العرب شعار الاسلام وجب أن يكفوا عنهم، ولا يغيروا عليهم، كما روى عن عصام المزنى، حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا بعث جيشا أو سرية يقول لهم: "اذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا "تفسير : وان قال يهودى أو نصرانى أنا مؤمن لم يحكم بايمانه بل يقال له: ما ايمانك؟ فان جاء به تاما خلى، وان قال: محمد رسول الله لم يحكم بايمانه لعله أراد رسول الله الى العرب خاصة، فان قال: الى الناس كلهم، وان دين اليهودية والنصرانية باطل فهو مؤمن. {تَبتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}: تطلبون حطام الدنيا السريع الزوال، والجملة حال من واو تقولوا، والعجلة بالقتل والغنم حيث الشبهة حرام، أريد حطام الدنيا أو لم يرد، لكن الغالب فى حال المستعجل بالقتل والغنم ارادة حال الدنيا، والقيد الجارى مجرى الغالب لا مفهوم له ان أردتم عرض الحياة الدنيا. {فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرةٌ}: وعدها لكم تغنيكم عن قتل المؤمن، وأخذ ماله، فاطلبوها بالوجه الحلال، ولا تحرموها بالتعدى، أو عند الله ثواب عظيم، فليكن هو المقصود بجهادكم لكثرته ونفاسته ودوامه، وعلى هذا سمى ثواب الله غنيمة لمشاكلة لفظ الغنيمة المفهوم مما قبل. {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ}: أى كما كان من ألقى اليكم السلام مستخفيا فى قومه بايمانه، مقهورا فيهم، غير مشتهر بايمانه حتى يقتل لعدم العلم بتحقق ايمانه، أو بايمانه، كذلك كنتم بعد اسلامكم، وقبل عزة الاسلام. قال سعيد بن جبير: قيل: أو كما طلب هذا الأمان بكلمة الاخلاص، كذلك كنتم تأمنون بها فى قومكم، فلا تقتلون فكيف تقتلون من أمن اليكم بها أو كما يزعم الزاعم أن مظهر التوحيد، وانما حد اتقاء كذلك كان ظاهركم التوحيد، فتركتم له، أو كما كان مشركا فى زعم الزاعم، كذلك كنتم مشركين تحقيقا فأسلمتم، فهلا تبينون اذا رأيتم شعار الايمان، فلعله قد أسلم لحينه، قال ابن زيد بهذا الأخير. {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ}: باظهار الاسلام لعزة أهله، وكثرتهم، أو منَّ الله عليكم بالهدى الى الاسلام والتوبة. {فَتَبَيَّنُوا}: اطلبوا البيان بترك العجلة الى القتل والسلب، حيث لاحت أمارة الايمان، كرر للتأكيد، أى فافعلوا بالداخلين فى الاسلام ما فعل بكم حين دخلتم، فلأن تخطئوا فى ترك المشرك لشبهة أفضل فى السلامة من أن تخطئوا فى قتل مؤمن، فاحتاطوا فان ابقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرىء مسلم. {إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}: لا يخفى عنه قصدكم بالقتال المال، وتساقط من يتساقط عليه من وجه لا يحل، فالله يعاقب على ذلك فاحذروا عقابه. قال سعيد بن المسيب: حديث : خرج المقداد بن الأسود فى سرية، فمر برجل فى غنيمة له فقال: انى مسلم فقتله المقداد، وأخذ غنيمته، فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال: قتلته وهو مسلم. فقال له المقداد: ود لو أقر بأهله وماله، فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ} الى قوله: {خَبِيراً} تفسير : وروى أنه لما أراد المقداد قتله حين التقيا قال: لا اله الا الله، فترك المقداد قتله، فقتله أسامة، وأخذ غنيمته الى آخر ما مر بلفظه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: حديث : نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ} الى قوله {خَبِيراً} فى رجل من بنى مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك، وهى قرية بخيبر، لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم، وكان على السرية غالب بن فضالة الليثى، فهربوا منه، وأقام ذلك الرجل، وقد هرب قومه وقال لهم: انى لا أتابعكم انى مؤمن، ولما رأى الخيل خاف أن لا يكونوا مسلمين، فألجأ غنمه الى عاقول من الجبل، يعنى الى غار. ويروى ألجأ غنيمته الى سفح الجبل، ولعل الغار فى سفحه، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون، فعرف أنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل، وهو يقول: أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد بسيفه، واستاق غنمه، ثم رجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أى حزن من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقتلتموه ارادة ما معه؟" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد هذه الآية، فقال أسامة: قتلت يا رسول الله، انما قالها خوفا من السلاح، فقال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا؟" فقال أسامة: استغفر لى يا رسول الله، فقال: "كيف أنت بلا اله الا الله" يقولها ثلاث مرات قال أسامة: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكررها حتى وددت أنى لم أكن أسلمت الا يومئذ، ثم استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اعتق رقبة واردد الغنيمة لأهلها . تفسير : وعن ابن عباس أيضا: حديث : مر رجل من بنى سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم فسلم عليهم فقالوا: انما سلم ليتعوذ منكم، فقاموا اليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . تفسير : وفى رواية أن سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيت رجلا له جمل ومتيع، وقيل: غنيمة، فسلم على القوم وقال: لا اله الا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، والذى عليه الأكثر، وهو فى سيرة بن اسحاق ومصنف أبى داود وغيره، أن القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط، ولا خلاف أن الذى لفظته الأرض حين مات ودفن هو محلم بن جثامة القاتل ظلما. قال ابن أبى حدرد: حديث : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أضم فى نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربيعى، ومحلم بن جثامة، فخرجنا حتى اذا كنا ببطن أضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشعرى على بعير له، معه متيع له، ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الاسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، فأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه الخبر فنزلت عليه فينا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ} الآيةتفسير : ، وقرأ أبو عمرو بن العلاء: {لِمَنْ ألقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ} لهذا الحديث. قال عروة بن الزبير، عن أبيه، عن جده: حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، ثم عمد الى ظل شجرة، فجلس تحتها وهو بحنين، فقام اليه الأقرع بن حابس، وعيينه بن حصن يختصمان فى عامر بن الأضبط الأشجعى، وعيينه يطلب دم عامر، وهو يومئذ رأس غطفان، والأقرع ابن حابس يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف فتداولا الخصومة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نسمع، وسمعنا عيينه يقول: والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة ما أذاق نسائى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بل تأخذون الدية خمسون فى سفرنا هذا، وخمسون اذا رجعنا" وهو يأبى ثم قبلوا الدية، ثم قال: أين صاحبكم يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رجل آدم طويل عليه حلة له، قد كان تهيأ للقتل فيها، حتى جلس بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا محلم بن جثامة، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة ثلاثا" فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه. قال الحسن: فوالله ما مكث محلم بن جثامة الا سبعا حتى مات، فلفظته والذى نفس الحسن بيده الأرض، ثم دفن، فلفظته الأرض، ولما غلب قومه رضموا عليه بالحجارة حتى واروه، فبلغ رسول الله شأنه فقال: "والله ان الأرض لتنضم على شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم فى جرم ما بينكم بما أراكم منه" . تفسير : وفى الآية والأحاديث المذكورة دليل على صحة ايمان المكره فى الحكم، اذ لم ينصت الى هؤلاء الصحابة، اذ قالوا: ان الذين قتلناه لم يسلم الا خوفا على ماله ونفسه، وانهم اجتهدوا، والمجتهد قد يخطىء ولا يغر ما أخطأ فيه اجتهاده، لأنه لم يقدهم لأولياء المقتول ان كانوا مؤمنين ولم يعطهم الدية.

الالوسي

تفسير : {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} شروع في التحذير عما يوجب الندم من قتل من لا ينبغي قتله. {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي سافرتم للغزو على ما يدل عليه السباق والسياق {فَتَبَيَّنُواْ} أي فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون ولا (تعملوا) فيه من غير تدبر وروية، وقرأ حمزة وعلي وخلف ـ فتثبتوا ـ أي فاطلبوا ثبات الأمر ولا تعجلوا فيه، والمعنيان متقاربان، وصيغة التفعيل بمعنى الاستقبال، ودخلت الفاء لما في {إِذَا} من معنى الشرط كأنه قيل: إن غزوتم فتبينوا {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ} أي حياكم بتحية الإسلام ومقابلها تحية الجاهلية ـ كأنعم صباحاً وحياك الله تعالى ـ وقرأ حمزة وخلف وأهل الشام ـ السلم ـ بغير ألف، وفي بعض الروايات عن عاصم أنه قرأ ـ السلم ـ بكسر السين وفتح اللام، ومعناه في القرائتين الاستسلام والانقياد، وبه فسر بعضم {ٱلسَّلَـٰمَ} أيضاً في القراءة المشهورة، واللام على ما قال السمين: للتبليغ، والماضي بمعنى المضارع، و(من) موصولة أو موصوفة، والمراد النهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين مادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين والتثبيت، وتقييد ذلك بالسفر لأن عدم التبيين كان فيه لا لأنه لا يجب إلا فيه، والمعنى لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه: {لَسْتَ مُؤْمِناً} وإنما فعلت ذلك خوف القتل بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه. وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهما وأبـي جعفر القاري أنهم قرؤوا {مُؤْمِناً} بفتح الميم الثانية أي مبذولاً لك الأمان. {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال وشيك الانتقال، والجملة في موضع الحال من فاعل {تَقُولُواْ} مشعراً بما هو الحامل لهم على العجلة، والنهي راجع إلى القيد والمقيد، وقوله تعالى: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} تعليل للنهي عن القيد بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل: لا تبتغوا ذلك العرض القليل الزائل فإن عنده سبحانه وفي مقدوره مغانم كثيرة يغنمكموها فيغنيكم عن ذلك، وقوله سبحانه: {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} تعليل للنهي عن المقيد باعتبار أن المراد منه ردّ إيمان الملقي لظنهم أن الإيمان العاصم ما ظهرت على صاحبه دلائل تواطىء الباطن والظاهر ولم تظهر فيه، واسم الإشارة إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فيه حيز الصلة، والفاء في {فَمَنْ} للعطف على {كُنتُمْ} وقدم خبرها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة كأنه قيل: لا تردّوا إيمان من حياكم بتحية الإسلام وتقولوا إنه ليس بإيمان عاصم ولا يعد المتصف به مؤمناً معصوماً لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة ومجرد التحية لا يدل عليه، فإنكم كنتم أنتم في مبادىء إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها، ولم يظهر منكم ما تظنونه شرطاً مما يدل على التواطؤ، / ومجرد أن الدخول في الإسلام لم يكن تحت ظلال السيوف لا يدل على ذلك فمنّ الله تعالى عليكم بأن قبل ذلك منكم ولم يأمر بالفحص عن تواطؤ ألسنتكم وقلوبكم، وعصم بذلك دماءكم وأموالكم، فإذا كان الأمر كذلك {فَتَبَيَّنُواْ} هذا الأمر ولا تعجلوا وتدبروا ليظهر لكم أن ظاهر الحال كاف في الإيمان العاصم حيث كفى فيكم من قبل، وأخر هذا التعليل على ما قيل لما فيه من نوع تفصيل ربما يخلّ تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم مع ما فيه من مراعاة المقارنة بين التعليل السابق وبين ما علل به، أو لأن في تقديم الأول إشارة ما إلى ميل القوم نحو ذلك العرض، وأن سرورهم به أقوى، ففي تقديمه تعجيل لمسرتهم، وفيه نوع حط عليهم ـ رفع الله تعالى قدرهم ورضي المولى عز شأنه عنهم ـ أو لأنه أوضح في التعليل من التعليل الأخير وأسبق للذهن منه، ولعله لم يعطف أحد التعليلين على الآخر لئلا يتوهم أنهما تعليلا شيء واحد أو أن مجموعهما علة، وقيل: موافقة لما علل بهما من القيد والمقيد حيث لم يتمايزا بالعطف، وقيل: إنما لم يعطف لأن الأول تعليل للنهي الثاني بالوعد بأمر أخروي لأن المعنى لا تبتغوا عرض الحياة الدنيا لأن عنده سبحانه ثواباً كثيراً في الآخرة أعده لمن لم يبتغ ذلك، وعبر عن الثواب ـ بالمغانم ـ مناسبة للمقام، والتعليل الثاني للنهي الأول ليس كذلك، وذكر الزمخشري وغيره في الآية ما رده شيخ الإسلام بما يلوح عليه مخايل التحقيق، وقال بعض الناس فيها: إن المعنى كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفياً بدينه في قومه خوفاً على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بدينكم حذراً من قومكم على أنفسكم، فمنّ الله تعالى عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعدما كنتم تكتمونه من أهل الشرك فتبينوا نعمة الله تعالى عليكم، أو تبينوا أمر من تقتلونه، ولا يخفى أن هذا ـ وإن كان بعضه مروياً عن ابن جبير ـ غير واف بالمقصود على أن القول بأن المخاطبين كانوا مستخفين بدينهم حذراً من قومهم في حيز المنع اللهم إلا أن يقال: إن كون البعض كان مستخفياً كاف في الخطاب، وقيل: إن قوله سبحانه: {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} منقطع عما قبله، وذلك أنه تعالى لما نهى القوم عن قتل من ذكر أخبرهم بعد بأنه منّ عليهم بأن قبل توبتهم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبيين مبالغة في التحذير، أو أمر بتبيين نعمته سبحانه شكراً لما منّ عليهم به ـ وهو كما ترى ـ. واختلف في سبب الآية، فأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حميد وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له فسلم عليهم فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت». وأخرج ابن جرير عن السدي قال: «حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر فآوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل عليهم فقال: السلام عليكم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبـي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيراً ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه فجعل القوم يحدثون النبـي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله لو رأيت أسامة وقد لقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيف أنت ولا إله إلا الله؟! فقال يا رسول الله إنما قالها متعوذاً يتعوذ بها فقال عليه الصلاة والسلام: هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟!»تفسير : ثم نزلت الآية. / وأخرج عن ابن زيد أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، وذكر من قصته مثل ما ذكر من قصة أسامة، والاقتصار على ذكر تحية الإسلام على هذا ـ مع أنها كانت مقرونة بكلمة الشهادة ـ للمبالغة في النهي والزجر، والتنبيه على كمال ظهور خطئهم ببيان أن التحية كانت كافية في المكافة والانجزار عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونة بتلك الكلمة الطيبة، واستدل بالآية وسياقها على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد يخطىء وإن خطأه مغتفر، وجه الدلالة على الأول أنه مع ظن القاتلين أن إسلام من ذكر لخوف القتل وهو إكراه معنى أنكر عليهم قتله فلولا صحة إسلامه لم ينكر، ووجه الدلالة على الثاني أنه أمر فيها بالتبيين المشعر بأن العجلة خطأ. ووجه الدلالة على الثالث مأخوذ من السياق وعدم الوعيد على ترك التبيين، وذهب بعضهم إلى أنه لا عذر في ترك التثبت في مثل هذه الأمور، وأن المخطىء آثم، واحتج على ذلك بما أخرجه ابن أبـي حاتم والبيهقي عن الحسن «حديث : أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون فلقوا ناساً من العدو فحملوا عليهم فهزموهم فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاعه فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم إني مسلم فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام للقاتل: أقتلته بعد ما قال: إني مسلم؟! قال: يا رسول الله إنما قالها متعوذاً قال: أفلا شققت عن قلبه؟! قال: لم يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادق هو أو كاذب؟ قال: كنت عالم ذلك يا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: إنما كان يبين عنه لسانه إنما كان يعبر عنه لسانه، قال: فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره، قال الحسن فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: دفناه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك لا تقبله الأرض فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجله فألقيناه في بعض تلك الشعاب» تفسير : فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران»تفسير : ووجه الدلالة في هذا على الإثم ظاهر، وأجيب بأن هذا القاتل لعله لم يفعل ذلك لكون المقتول غير مقبول الإسلام عنده بل لأمر آخر، واعتذر بما اعتذر كاذباً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد وابن المنذر والطبراني وجماعة عن عبد الله بن أبـي حدرد الأسلمي قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود معه متيع له ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه فقتله وأخذ متيعة فلما قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الخ، والظاهر أن الرجل المبهم في خبر الحسن هو هذا الرجل المصرح به في هذا الخبر، وهو يدل على أن القتل كان لشيء كان في القلب من ضغائن قديمة، وإنما قلنا: إن هذا هو الظاهر لما في خبر ابن عمر حديث : أن محلما بن جثامة لما رجع جاء النبـي صلى الله عليه وسلم في بردين فجلس بين يديه عليه الصلاة والسلام ليستغفر له فقال: لا غفر الله تعالى لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت ساعة حتى مات ودفنوه فلفظته الأرض فجاءوا النبـي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله تعالى أراد أن يعظكم، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة، تفسير : فإن الذي يميل القلب إليه اتحاد القصة، واعترض على القول بعدم الوعيد بأن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}/ يستفاد منه الوعيد أي أنه سبحانه لم يزل ولا يزال بكل ما تعملونه من الأعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها، ويدخل في ذلك التثبيت وتركه دخولاً أولياً مطلع أتم اطلاع فيجازيكم بحسب ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والجملة تعليل بطريق الاستئناف، وقرىء بفتح {أّنَّ} على أنه معمول ـ لتبينوا ـ أو على حذف لام التعليل.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي خوطب به المؤمنون، استقصاء للتحذير من قتل المؤمن بذكر أحوالٍ قد يُتساهَل فيها وتعرِض فيها شبهٌ. والمناسبة ما رواه البخاري، عن ابن عبّاس، قال: حديث : كان رجل في غُنَيْمَة له فلَحقِه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَتُه، فأنزل الله في ذلك هذه الآية. وفي رواية وقال: لا إلٰه إلاّ الله محمد رسول الله. وفي رواية أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حمل ديته إلى أهله وردّ غُنَيْمتَه واختلف في اسم القاتل والمقتول، بعد الاتّفاق على أنّ ذلك كان في سريّة، فروى ابن القاسم، عن مالك: أنّ القاتل أسَامة بن زيد، والمقتول مِرْدَاس بن نَهِيك الفَزَاري من أهل فَدَكَ، وفي سيرة ابن إسحاق أنّ القاتل مُحلَّم من جَثامة، والمقتول عامر بن الأضْبط. وقيل: القاتل أبو قتادة، وقيل أبو الدرداء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وبّخ القاتل، وقال له: «فَهَلاّ شققت عن بَطْنه فعلمتَ ما في قلبه»»تفسير : . ومخاطبتهم بــــ {أيها الذين آمنوا} تلوّح إلى أنّ الباعث على قتل من أظهر الإسلام منهي عنه، ولو كان قصْد القاتل الحرصَ على تحقَّق أنّ وصف الإيمان ثابت للمقتول، فإنّ هذا التحقّق غيرُ مراد للشريعة، وقد ناطت صفة الإسلام بقول: «لا إلٰه إلاّ الله محمد رسول الله» أو بتحية الإسلام وهي «السلام عليكم». والضرب: السير، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض} تفسير : في سورة آل عمران (156). وقوله: في سبيل الله ظرف مستقرٌ هو حال من ضمير {ضربتم} وليس متعلّقاً بــــ «ضربتم» لأنّ الضرب أي السيّر لا يكون على سبيل الله إذ سبيل الله لقب للغزو، ألا ترى قوله تعالى: {وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزىًّ} الآية. والتبيّن: شدّة طلب البيان، أي التأمّل القويّ، حسبما تقتضيه صيغة التفعّل. ودخول الفاء على فِعل «تبيّنوا» لما في (إذا) من تضمّن معنى الاشتراط غالباً. وقرأ الجمهور: {فتبيّنوا} ــــ بفوقية ثم موحّدة ثم تحتيّة ثم نون ــــ من التبيّن وهو تفعّل، أي تثبّتوا واطلبوا بيان الأمور فلا تعجلوا فتتّبعوا الخواطر الخاطفة الخاطئة. وقرأه حمزة، والكسائي، وخَلف: {فتثبّتوا} ــــ بفاء فوقية فمثلّثة فموحّدة ففوقيّة ــــ بمعنى اطلبوا الثابت، أي الذي لا يتبدّل ولا يحتمل نقيض ما بَدَا لَكم. وقوله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمناً} قرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، وخلف «السَّلَم» ــــ بدون ألف بعد اللام ــــ وهو ضدّ الحرْب، ومعنى ألقى السلَم أظهره بينكم كأنّه رماه بينهم، وقرأ البقية «السَّلام» ــــ بالألف ــــ وهو مشترك بين معنى السلم ضدّ الحرب، ومعنى تحية الإسلام، فهي قول: السلام عليكم، أي من خاطبَكم بتحية الإسلام علامةً على أنّه مسلم. وجملة {لست مؤمناً} مَقول {لا تقولوا}. وقرأ الحمهور: {مؤمناً} ــــ بكسر الميم الثانية ــــ بصيغة اسم الفاعل، أي لا تنْفوا عنه الإيمان وهو يظهره لكم، وقرأه ابن وردان عن أبي جعفر ــــ بفتح الميم الثانية ــــ بصيغة اسم المفعول، أي لا تقولوا له لست مُحصّلاً تأمينَنَا إياك، أي إنّك مقتولا أو مأسُور. و{عرض الحياة}: متاح الحياة، والمراد به الغنيمة فعبّر عنها بــــ {عرض الحياة} تحقيراً لها بأنّها نفع عارض زائل. وجملة {تبتغون} حالية، أي ناقشتموه في إيمانه خشيَة أن يكون قصَد إحراز ماله، فكان عدمُ تصديقه آئلاً إلى ابتغاء غنيمة ماله، فأوخذوا بالمآل. فالمقصود من هذا القيد زيادة التوبيخ، مع العلم بأنّه لو قال لمن أظهر الإسلام: لستَ مؤمناً، وقتَله غير آخذ منه مالاً لكان حكمه أوْلى ممّن قصَد أخذ الغنيمة، والقيد ينظر إلى سبب النزول، والحكمُ أعّم من ذلك. وكذلك قوله: {فعند الله مغانم كثيرة} أي لم يحصر الله مغانمَكم في هذه الغَنيمة. وزاد في التوبيخ قوله: {كذلك كنتم من قبل} أي كنتم كفّاراً فدخلتم الإسلام بكلمة الإسلام، فلو أنّ أحداً أبى أن يصدّقكم في إسلامكم أكان يُرضيكم ذلك. وهذه تربية عظيمة، وهي أن يستشعر الإنسان عند مؤاخذته غيره أحْوالاً كان هو عليها تساوي أحوال مَن يؤاخذه، كمؤاخذة المعلّم التلميذ بسوء إذا لم يقصّر في إعمال جهده. وكذلك هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم فيعتادون التشديد عليهم وتطلّب عثراتهم، وكذلك ولاة الأمور وكبار الموظّفين في معاملة من لنظرهم من صغار الموظّفين، وكذلك الآباء مع أبنائهم إذا بلغت بهم الحماقة أن ينتهروهم على اللعب المعتاد أو على الضجر من الآلام. وقد دلّت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بثّ الثقة والأمان بين أفراد الأمّة، وطرح ما من شأنه إدخال الشكّ لأنّه إذا فتح هذا الباب عسر سَدّه، وكما يتّهم المتّهمُ غيرَه فللغير أن يتّهم مَن اتّهمه، وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تُظلّ الصادق والمنافق، وانظر معاملة النبي ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ المنافقين معاملة المسلمين. على أنّ هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفي أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة، إذ لا يلبثون أن يألفوه، وتخالط بشاشتُه قلوبَهم، فهم يقتحمونه على شكّ وتردّد فيصير إيماناً راسخاً، وممّا يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين بهم. ومن أجل ذلك أعاد الله الأمرَ فقال: {فتبَيّنوا} تأكيداً لـــ (تبينّوا) المذكورِ قبْله، وذيَّله بقوله: {إنّ الله كان بما تعملون خبيراً} وهو يجمع وعيداً ووعداً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا ضربتم: خرجتم تضربون الأرض بأرجلكم غزاة ومسافرين. فتبينوا: فتثبتوا حتى لا تقتلوا مسلماً تحسبونه كافراً. السلم: الإِستسلام والانقياد. تبتغون: تطلبون. منّ الله عليكم: بالهداية فاهتديتم وأصبحتم مسلمين. معنى الآية الكريمة: روي أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا فلقوا رجلاً يسوق غنماً من بني سليم فلما رآهم سلم عليهم قائلاً السلام عليكم فقالوا له ما قلتها إلا تقيّة لتحفظ نفسك ومالك وقتلوه فنزلت هذه الآية {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يريد خرجتم مسافرين للغزو والجهاد {فَتَبَيَّنُواْ} ممن تلقونهم في طريقكم هل هم مسلمون فتكفوا عنهم أو كافرين فتقاتلوهم، {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} أعلن إسلامه لكم بالشهادة أو بالسلام {لَسْتَ مُؤْمِناً} فتكذبونه في دعواه الإِسلام لتنالوا منه: {تَبْتَغُونَ} بذلك {عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} أي متاعها الزائل فإن كان قصدكم الغنيمة فإن عند الله مغانم كثيرة فأطيعوه وأخلصوا له النية والعمل يرزقكم ويغنمكم خير ما تأملون وترجون وقوله {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} أي مثل هذا الرجل الذي قتلتموه رغبة في غنمه كنتم تستخفون بإيمانكم خوفاً من قومكم {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} بأن أظهر دينه ونصركم فلم تعودوا تخفون دينكم. وعليه فتبينوا مستقبلاً، ولا تقتلوا أحداً حتى تتأكَّدوا من كفره وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} تذييل يحمل الوعد والوعيد، الوعد لمن أطاع والوعيد لمن عصى إذ لازم كونه تعالى خبيراً بالأعمال أنه يحاسب عليه ويجزي بها، وهو على كلِّ شيء قدير. هداية الآية من هداية الآية: 1- مشروعية السير في سبيل الله غزوا وجهاداً. 2- وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ. 3- ذم الرغبة في الدنيا لا سيما إذا كانت تتعارض مع التقوى. 4- الاتعاظ بحال الغير والاعتبار بالأحداث المماثلة.

القطان

تفسير : الضرب في الارض: السير فيها بالسفر، للجهاد او التجارة. في سبيل الله: الجهاد. تبيَّنوا: تثَّبتوا تأنّوا. ألقى اليكم السلم: استسلم وانقاد. عرض الحياة الدنيا: حطام الدنيا من مال وغيره. مغانم: جمع مَغْنَم: رزق وفضل كثير، وما يغننم في الحرب. بعد أن بيّن الله في الآيات السابقة أحكام قتل الخطأ والقتل العمد ينبّه المؤمنين ويحذرهم في هذه الآية من نوع قتلِ خطأٍ كان يحصل أحياناً. فيأمر المسلمين اذا خرجوا غزاة ألا يبدأوا بقتال أحدٍ أو قتله حتى يتثبتوا من واقعه، وعليهم ان يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان، فمن نطَقَ بالشهادتين في تلك الحال قُبل منه. روى البخاري والترمذي عن ابن عباس قال: "حديث : مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي وهو يسوق غنماً له فسلّم عليهم، فقالوا ما سلّم علينا الا ليتعوّذ منا، فعمدوا اليه فقتلوه وأتَوا بغنمه النبيّ، فنزلت الآية"تفسير : . ومعناها: "يا أيها الذين آمنوا إذا ذهبتم للجهاد فاحترِسوا ان تقتلوا المؤمنين وأنتم لا تعلمونهم. ان عليكم أن تتثبَّتوا في قتل من اشتبه أمره عليكم لتعلموا أمسلم هو أم كافر". ولا تقولوا لمن استسلم لكم ولم يقاتلكم وأظهرَ لكم الاسلام إنك لست بمؤمن، فتقتلوه طمعاً في ما معه من حطام الدنيا.. إن عند الله ارزاقاً كثيرة لكم ونعماً لا تحصى. لقد كنتم على الكفر قبل ان هداكم الله بمنّه وكرمه، فكونوا على بينة من الأمر الذي تُقدِمون عليه. لا تأخذوا بالظن، فالإسلام يكتفي بظاهر القول. وليس لكم ان تفتشوا عما في القلوب. إن الله تعالى خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء. وفي هذا الآية وعيد لنا وتحذير شديد من الوقوع في مثل هذا الخطأ. وهو أشدُّ في حال من نحكم بتكفير من يخالفنا من اهل القِبلة. أما الحرب من أجل الغنائم فقط فأمرٌ مرفوض. قراءات: قرأ حمزة والكسائي "فتثبتوا" بالتاء والثاء في الموضعين، والباقون فتبينوا كما هو هنا. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة "ألقى اليكم السلم" بدون ألف.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلسَّلاَمَ} {ٱلْحَيَاةِ} (94) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ إلَى ضَرْبٍ آخَرَ مِنْ ضُرُوبِ القَتْلِ خَطَأً، كَأنْ يَحْصَلَ أَثْنَاءَ سَفَرٍ، أوْ غَزْوٍ فِي سَبيلِ اللهِ إلى أرْضِ المُشْرِكِينَ، بَعْدَ أنْ كَانَ الإِسْلاَمُ قَدِ انْتَشَرَ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ مِنَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَكَانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يُحَاوِلُونَ الاتِّصَالَ بِإخْوانِهِم المُسْلِمِينَ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ بِأنْ لاَ يَحْسَبُوا كُلَّ مَنْ وَجَدُوهُ، فِي أرْضِ الكُفْرِ كاَفِراً، وَأَنْ يَتَرَيَّثُوا فِي الحُكْمِ عَلَيهِ حَتَّى يَفْحَصُوا أَمْرَهُ وَيَتَبَيَّنُوهُ. (وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إِثْرَ حَادِثٍ وَقَعَ لُغُزَاةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ سُلَيْمِ يَرْعَى غَنَماً فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِتَحِيَّةِ الإِسْلاَمِ، فَقَالُوا إِنَّهُ لاَ يُسَلِّمُ عَلَينا إلا لِيَتَعَّوذَ مِنَّا، فَعَمَدُوا إليهِ فَقَتَلُوهُ وَأتوا بِغَنَمِهِ إلى النَّبِيِّ). وَيَقُولُ تَعَالَى: إذَا كُنْتُمْ تُجَاهِدُونَ فِي أرْضِ الأعْدَاءِ فَتَبَيَّنُوا، وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيكُمْ، وَيُظْهِرُ لَكُمْ إسْلاَمَهُ، لَسْتَ مُسْلِماً، وَتَقْتُلُونَهُ رَغْبَةً مِنْكُمْ فِي الاسْتِحْواذِ عَلَى المَغْنَمِ مِنْهُ، فَعِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا رَغِبْتُمْ فِيهِ مِنْ عَرَضِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، الذي حَمَلَكُمْ عَلَى قَتْلِ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الذِي ألْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ، وَأظْهَرَ لَكُمُ الإِيمَانَ، فَتَغَافَلْتُمْ عَنْهُ وَاتَّهَمْتُمُوهُ بِالمُصَانَعَةِ وَالتَّقِيَّةِ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرِّزْقِ الحَلاَلِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ مَالِ هَذا. وَقَدْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ، فِي مِثْلِ حَالِ هَذَا الرَّجُلِ الذِي يُسِرُّ إسْلاَمَهُ، وَيُخْفِيهِ عَنْ قَوْمِهِ، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ بِالعِزِّ وَالنَّصْرِ، وَهَدَاكُمْ إلى الإِسْلاَمِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، لاَ يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنَ البَوَاعِثِ التِي حَفَزَتْكُمْ عَلَى فِعْلِ مَا فَعَلْتُمُوهُ. ضَرَبْتُمْ - سَافَرْتُمْ. السَّلاَمَ - الاسْتِسْلاَمَ أوْ تَحِيَّةَ الإِسْلاَمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فيأيها المؤمنون حين تضربون في سبيل الله فتبينوا وتثبتوا فلا تعمل سيوفكم أو رماحكم أو سهامكم إلا بعد أن تتثبتوا: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. إذن فهذه آية تجمع بين كل المعاني، ففيها الحكم وحيثيته والمراد منه، وسبحانه يبدأها بقوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}، والخطاب الإيماني حيثية الالتزام بالحكم، فلم يقل: "يا أيها الناس إذا ضربتم فتبينوا"، ولكنه قال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ}، فهو يطلب المؤمنين به بحكم لأنهم آمنوا به إلهاً، وما داموا قد آمنوا فعليهم اتباع ما يطلبه الله. فحيثية كل حكم من الأحكام أن المؤمن قد آمن بمن أصدر الحكم، فإياك أيها المؤمن أن تقول: "ما العلة" أو "ما الحكمة" وذلك حتى لا تدخل نفسك في متاهة. ولا نزال نكرر هذه المسألة، لأن هذه المسألة تطفو في أذهان الناس كثيراً، ويسأل بعضهم عن حكمة كل شيء، ولذلك نقول: الشيء إذا عرفت حكمته صرت إلى الحكمة لا إلى الآمر بالحكم. ونرىالآن المسرفين على أنفسهم الذين لا يؤمنون بإله، أو يؤمنون بالله ولكنهم ارتكبوا الكبائر من شهادة زور، إلى ربا، إلى شرب خمر، وعندما يحلل الأطباء للكشف عن كبد شارب الخمر - على سبيل المثال - نجده قد تليف، وأن أي جرعة خمر ستسبب الوفاة. هنا يمتنع عن شرب الخمر. لماذا امتنع؟. لأنه عرف الحكمة. وقد يكون قائلها له مجوسياً، فهل كان امتناعه عن الحكم تنفيذاً لأمر إلهي؟. لا، ولكن المؤمن يمتنع عن الخمر لأنها حرمت بحكم من الله والمؤمن ينفذ كل الأحكام حتى في الأشياء غير الضارة، فمن الذي قال: إن الله لا يحرم إلا الشيء الضار؟ إنه قد يحرم أمراً تأديباً للإنسان. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد الزوج يقول لزوجه: إياك أن تعطي ابننا بعضاً من الحلوى التي أحضرتها. هو يحرم على ابنه الحلوى لا لأنها ضارة، ولكنه يريد تأديب الابن والتزامه. والحق يقول: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160]. فالذي يذهب إلى تنفيذ حكم الله إنما يذهب إليه لأن الله قد قاله، لا لأن حكمة الحكم مفيدة له، فلو ذهب إنسان إلى الحكم من أجل فائدته أو ضرره فإن الإيمان يكون ناقصاً، والله يدير في كثير من الأوقات حكمته في الأحكام حتى يرى الإنسان وجهاً من الوجوه اللا نهائية لحكمة الله التي خفيت عليه، فيقول الإنسان: أنا كنت أقف في حكمة كذا، ثم بينت لي الأحداث والأيام صدق الله فيما قال. وهذا يشجع الإنسان أن يأخذ أحكام الله وهو مسلِّم بها. والحق يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} والإيمان هو الحيثية، يا من آمنت بي إلهاً قادراً حكيماً.. اسمع مني ما أريده منك: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} والضرب - كما نعرف - هو انفعال الجارحة على شيء آخر بعنف وقوة. وقوله: {أية : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النساء: 101]. معناها أن الحياة كلها حركة وانفعال، ولماذا الضرب في الأرض؟. لأن الله أودع فيها كل أقوات الخلق، فحين يحبون أن يُخرجوا خيراتها؛ يقومون بحرثها حتى يهيجوها، ويرموا البذور، وبعد ذلك الرّي. ومن بعد ذلك تخرج الثمار، وهذه هي عملية إثارة الأرض. إذن كل حركة تحتاج إلى شدة ومكافحة، والحق يقول: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [المزمل: 20]. وما دامت المسألة ضرباً في الأرض فهي تحتاج إلى عزم من الإنسان وإلى قوة. ولذلك يقال: الأرض تحب من يهينها بالعزق والحرث. وكلما اشتدت حركة الإنسان في الأرض أخرجت له خيراً. والضرب في سبيل الله هو الجهاد، أو لإعداد مقومات الجهاد. والحق سبحانه يقول لنا: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} تفسير : [الأنفال: 60]. فالإعداد هو أمر يسبق المعارك، وكيف يتم الإعداد؟ أن نقوم بإعداد الأجسام، والأجسام تحتاج إلى مقومات الحياة. وأن نقوم بإعداد العُدُد. والعدد تحتاج إلى بحث في عناصر الأرض، وبحث في الصناعات المختلفة لنختار الأفضل منها. وكل عمليات الإعداد تطلب من الإنسان البحث والصنعة. ولذلك يقال في الأثر الصالح: "إن السهم الواحد في سبيل الله يغفر الله به لأربعة". لماذا؟. لأن هناك إنساناً قام بقطع الخشب الذي يتم منه صناعة السهم وصقله، وهناك إنسان وضع للسهم الريش حتى يطيره إلى الإمام، وهناك واضع النَّبْل، وهناك من يرمي السهم بالقوس. والحق يريد منا أن نكون أقوياء حتى يكون الضرب منا قويا، فيقول: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} ونعرف أن الضرب في سبيل الله لا يكون في ساعة الجهاد فقط، ولكن في كل أحوال الحياة؛ لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. و "تبينوا" تعني ألا تأخذوا الأمور بظواهرها فلا تمضوا أمراً أو تعملوا عملاً إلا إذا تثبتم وتأكدتم حتى لا يصيب المؤمنون قوماً بظلم. ولهذا الأمر قصة، حديث : كان هناك رجل اسمه "محلِّم بن جَثّامة"، وكان بينه وبين آخر اسمه "عامر بن الأضبط الأشجعي" إحن - أي شيء من البغضاء - وبعد ذلك كان "محلم" في سرية، وهي بعض من الجند المحدود العدد وصادف "عامراً الأشجعي"، وكان "عامر" قد أسلم، لذلك ألقى السلام إلى "محلّم" فقال "محلم": إن عامراً قد أسلم ليهرب مني. وقتل محلم عامراً. وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله الرسول: ولماذا لم تتبين؟. ألم يلق إليك السلام، فكيف تقول إنه يقول: "السلام عليكم" لينقذ نفسه من القتل؟ فقال: "محلّم": استغفر لي يا رسول الله. وإذا ما قال أحد لرسول الله: استغفر لي يا رسول الله.. فرسول الله ببصيرته الإيمانية يعرف على الفور حالَ طالبِ الاستغفار، فإن قال رسول الله: "غفر الله لك" فهو يعلم أنه كان معذوراً، وإن لم يقل رسول الله ذلك، فيعرف طالب الاستغفار أنه مذنب. ولأن بين "محلم" و "عامر" إحنا وعداوات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحلم: "لا غفر الله لك"؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن الإحَنَ والبغضاء هي التي جعلته لا يدقق في أمر "عامر". وقال الرواة: ومات محلّم بعد سبعة أيام من هذه الحادثة، ودفنوه فلفظته الأرض. فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: "إن الأرض تقبل مَن هِو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة" . تفسير : وعندما كانت تأتي آية مخالفة لنواميس الدنيا المفهومة للناس فالنبي يريد ألا يفتتن الناس في هذه الآيات، ومثال ذلك عندما مات إبراهيم ابن النبي.. انكسفت الشمس.. وقال الناس: انكسفت الشمس من أجل ابن رسول الله. ولكن لأن المسألة مسألة عقائد فقد وضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف: عن المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله ". تفسير : لقد قالوا ذلك تكريماً لرسول الله وابنه إبراهيم، ولكن الرسول يريد أن يصحح للناس مفاهيمهم وعقائدهم. وكذلك عندما لفظت الأرض "محلم" حتى لا يفتتن أحد ولا يقولن أحد. إن كل من لا تلفظه الأرض هو حسن العمل، فهناك كفار كثيرون قد دفنوا ولم يلفظوا. لذلك قال رسول الله: إن الأرض قبلت من هو شر من "محلم" ولكن الله أراد أن يعظ الناس حتى لا يعودوا لمثلها، ولو لم يقل ذلك، فماذا كان يحدث؟. قد تحدث هِزة قليلة في جزئية ولظن الناس وقالوا: إن كل من لم تلفظه الأرض فهو حسن العمل، ولكان أبو جهل في حال لا بأس به، وكذلك الوليد بن المغيرة. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع مثل هذه الأمور في وضعها الصحيح؛ لذلك قال: إن الأرض تقبل من هو شر من "محلم"، ولكن الله أراد أن يعظ القوم ألاّ يعودوا. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}. وعلى ذكر ذلك قال لي أخ كريم: كنت أسمع إحدى الإذاعات وأخطأوا وقالوا (فتثبتوا) بدل من (فتبينوا) في قوله الحق: {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} تفسير : [الحجرات: 6]. وأقول: هذه قراءة من القراءات، والمعاني دائماً ملتقية، فـ "تبين" معناها "طلب البيان ليَثبت". ونعرف أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف، وكتابة القرآن كانت بغير نقط وبغير شكل، وهذا حال غير حالنا؛ حيث نجد الحروف قد تم تشكيلها بالفتحة والضمة والكسرة. ونحن نعرف أن هناك حروفاً مشتبهة الصورة. فـ "الباء" تتشابه مع كل من "الياء"، والـ "نون" والـ "تاء" والـ "ثاء"، ولم تكن هذه النقط موجودة، ولم تكن هذه العلامات موجودة قبل الحجاج الثقفي، وكانوا يقرأون من ملكة العربية ومن تلقين واتباع للوحي، ولذلك: "فتبينوا" ممن تتكون؟ تتكون من: "الـ "فاء" ولم يحدث فيها خلاف، والـ "تاء" وبقية الحروف هي الـ "باء" والـ "ياء" والـ "نون". وكل واحدة من هذه الأحرف تصلح أن تجعلها "تثبتوا" بوضع النقاط أو تجعلها "تبينوا"، إنه خلاف في النقط. ولو حذفنا النقط لقرآناها على أكثر من صورة، والذي نتبعه في ذلك هو ما ورد عن الوحي الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك عندما جاءوا بشخص لم يكن يحفظ القرآن وأحضروا له مصحفاً ليقرأ ما فيه فقال: (صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة). ولم يحدث خلاف في الـ "صاد" ولكن حدث خلاف في الـ "باء" فهي صالحة لتكون باءً أو نوناً، وكذلك "الغين" يمكن أن تكون "عيْناً" وقراءة هذه الآية في قراءة "حفص". {أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} تفسير : [البقرة: 138]. وعندما قرأها الإنسان الذي لا يجيد حفظ القرآن قال: (صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة). والمعنى واحد. ولكن قراءة القرآن توقيفية، واتباع للوحي الذي نزل به جبريل - عليه السلام - من عند الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح لأحد أن يقرأ القرآن حسب ما يراه وإن كانت صورة الكلمة تقبل ذلك وتتسع له ولا تمنعه، ولذا قالوا: أن للقراءة الصحيحة أركانا هي: 1 - أن تكون موافقة لوجه من وجوه اللغة العربية. 2 - أن تكون موافقة لرسم أحد المصاحف العثمانية. 3 - أن يصح إسنادها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق يقيني متواتر لا يحتمل الشك. وهذه الضوابط نظمها صاحب طيبة النشر فقال: شعر : وكل ما وافق وجه نحو وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان تفسير : وقوله تعالى: {أية : قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} تفسير : [الأعراف: 156]. هذه هي قراءة "حفص" وقرأ الحسن: (قال عذابي أصيب به من أساء). صحيح أن كلمة "أساء" وهي من الإساءة فيها ملحظ آخر للمعنى، لكن القراءة الأخرى لم تبعد بالمعنى، وعلى ذلك فكلمة "فتبينوا" تُقْرَأُ مرة "فتثبتوا" ومرة تقرأ "فتبينوا"، سواء في هذه الآية التي نحن بصددها، أو في الآية التي يقول فيها الحق: {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} تفسير : [الحجرات: 6]. و "التبين" القصد منه التثبت، والتبين يقتضي الذكاء والفطنة فيرى ملامح إيمان من ألقى إليه بالسلام: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} تفسير : [النساء: 94]. فالمسلم يجب أن يفطن كيلا يأخذ إنساناً بالشبهات، ولذلك نجد النبي يحزم الأمر مع أسامة بن زيد الذي قتل واحداً بعد أن أعلن هذا الواحد إسلامه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فكيف بلا إله إلا الله. هل شققت عن قلبه ". تفسير : ويقول إسامة للرسول: لقد قال الشهادة ليحمي نفسه من الموت. وتكون الإجابة: هل شققت قلبه فعرفت، فكيف بلا إله إلا الله؟! فلقول: "لا إله إلا الله" حرمة. وقد روى أن الذي نزلت فيه هذه الآية هو محلم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير ذلك. عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} وقال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}. وأهل العلم بالله يقولون: نجاة ألف كافر خير من قتل مؤمن واحد بغير حق. وجاء في بعض الروايات الأخرى أنه المقداد، وذلك فيما رواه البزار بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله: إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال: ادعوا لي المقداد. يا مقداد أقتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلأا الله غدا؟ قال: فأنزل الله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} و "ألقي إليكم السلام" يعني جاءكم مستسلماً، أو قال تحية المسلمين، وليس من حق أن يلقي الاتهام بعدم الإيمان على من جاء مسلماً، أو يقول بتحية الإسلام. وكلمة "عرض" إذا ما سمعناها، فلنعلم أنها في المعنى اللغوي: كل ما يعرض ويزول وليس له دوام أو استقرار أو ثبات. ونحن البشر أعراض؛ لأنه ليس لنا دوام أبداً، ويقال: إن الإنسان عرض إذا ما قاس الواحد منا نفسه بالنسبة للكون؛ لأن الكون لا يتم بناؤه على الإنسان؛ فالكون كله الذي نراه هو عرض وسيأتي يوم ويزول. والعرض بالنسبة للإنسان أن الواحد منا قد يرى نفسه صحيحاً أو سقيماًَ، هنا تكون الصحة عرضاً وكذلك المرض، وكذلك السمنة والنحافة، ولون البشرة إذا ما لوحته الشمس قد يتغير أبيض إلى أسمر، وكذلك الغنى والفقر. وكل شيء يمكن أن يذهب في الإنسان ويجيء هو عرض بالنسبة للإنسان، ويكون الإنسان جوهراً بالنسبة له. فإذا قسنا الإنسان بالنسبة إلى ثابت عنه، فالإنسان عرض، فهذا أمر نسبي، وإلاّ فكل شيء عرض، وكل شيء زائل {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. وعرض الحياة الدنيا هنا هو أن يطمع القاتل فيما يملكه الذي يلقي السلام، وقد يكون عرض الحياة الدنيا - هنا - هو كبرياء نفس الإنسان عندما ينتقم من إنسان بينه وبينه إحن أو بغضاء. وعندما نجد كلمة "عرض" وهذا العرض في "الحياة الدنيا" نفهم - إذن - أنه عرض فيما لا قيمة له. ولذلك نجد الشاعر يعبر عن مشاعر الإنسان حينما يحزن لفقدان شيء كان عنده، وينسى الإنسان أنه هو شخصياً معرض للموت، أي للذهاب عن الدنيا فيقول: شعر : نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة فكيف آسي على شيء لها ذهبا تفسير : وكذلك عرض الحياة الدنيا. ونفهم كلمة "دنيا" على أساس الاشتقاق، فهي من "الدنو" ومقابله " العلو" ومقابل "الدنيا" هو "العليا". ومن يُقَوِّم عرض الحياة الدنيا التقويم الصحيح فهو يملك الذكاء والحكمة والفطنة؛ لذلك لا يأخذ هذا العرض ممن سيقتله عندما يلقي إليه بالسلام؛ لأنه يستخدم البصيرة الإيمانية ويأخذ الحياة الدنيا ممن خلقها. والعاقل حتى لو أراد الحياة الدنيا فهو يطلبها من صاحب الحياة كلها، ولا يأخذها من إنسان مثله، فالحياة الدنيا لا تنفعه؛ بدليل أنه معرض للقتل. {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} والحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب النفس البشرية التي خلقها، ويعلم تعلقها بالأشياء التي تنفعها أو تطيل نفعها، مثال ذلك: أنّ الإنسان يكون سعيداً إذا ما ملك غداءه، وتكون سعادته أكثر إذا امتلك الغداء والعشاء، ويكون أكثر سعادة واطمئنانا عندما يملك في مخزن طعامه ما يقيت شهراً أو عاماً، ويكون أكثر إشراقاً عندما يمتلك أرضاً يأخذ منها الرزق، ويمتلكها أولاده من بعده. إذن فالإنسان يحب الحياة لنفسه، ويحب امتداد حياته في غيره، ولذلك يحزن الإنسان عندما لا يكون له أولاد؛ فهو يعرف أنه ميت لا محالة، لذلك فهو يتمنى أن تكون حياته موصولة في ابنه، وإن جاء لابنه ابن وصار للإنسان حفيد فهو يسعد أكثر؛ لأن ذكره يوجد في جيلين. ونقول لمثل هذا الإنسان: لنفرض أنك ستحيا ألف جيل، لكن ماذا عن حالتك في الآخرة، أَلاَ تُنَشِّئ ولدك على الصلاح حتى يدعو لك؟ ولذلك يفاجئ الحق النفس البشرية التي تهفو إلى المغانم، ويكشفها أمام صاحبها، فيأتي بالحكم الذي يُظهر الخواطر التي تجول في النفس ساعة سماع الحكم. وعندما أراد سبحانه أن يُحرم دخول المشركين البيت الحرام، وسبحانه يعلم خفايا النفوس؛ لأن المشركين حين يدخلون البيت الحرام بتجاراتهم وأموالهم إنما يدخلون مكة من أجل موسم اقتصادي يبيعون فيه البضائع التي يعيشون من ريعها وربحها طوال العام. وساعة يحرم سبحانه دخول المشركين إلى البيت الحرام، يعلم أن أهل الحرم ساعة يسمعون هذا الحكم سيتذكرون مكاسبهم من التجارة، فقال: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28]. وقبل أن يقول أهل الحرم في أنفسهم: وكيف نعيش ونصرف بضائعنا؟، يتابع سبحانه: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [التوبة: 28]. وبذلك يكشف الحق أمام النفوس خواطرها الدفينة؛ فهو العليم بأن الحكم ساعة ينزل ما الذي سيحدث في أذهان سامعيه؛ فهو خالقهم، ولذلك فلا أحد له من بعد ذلك تعليق! وقوله الحق: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ينطبق في كل عصر وفي كل زمان. ويقول الحق بعد ذلك: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}. فسبحانه الرزّاق الوهاب. ولذلك أنا أحب أن يزين الناس أماكنهم ومساكنهم بلوحات فنية مكتوب عليها: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [التوبة: 28]. وكذلك قول الحق: {أية : تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} تفسير : [النساء: 94]. لعل ذلك يمس قلوب من بيدهم الأمر، فيلتفتوا إلى الله. وبعد ذلك يقول الحق: {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. وفي هذا دعوة لأن يمر من نزل فيهم القرآن بتاريخهم القريب ويسترجعوا ماضيهم، فلماذا يتهم المسلم أخاه الذي يلقي السلام بأنه مازال كافراً ولا يفكر أن الذي ألقى إليه السلام هو إنسان يستر إسلامه بين أهله لأنهم كفار؟ وكان المسلم يمر بهذه الحالة عند بداية الإسلام؛ كان المسلم يستر إسلامه عن أهله الذين كانوا كافرين. وكان المسلمون الأوائل قلة مستذلة تداري إيمانها، فهل سلط الله عليهم أحداً يجترئ على التفتيش على النوايا؟ إذن فمثلما حدث لكم قدروه لإخوانكم. {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} والحق يمن عليهم بأنهم صاروا أهل رفعة بكلمة الإسلام، وصار المسلم منهم يمشي عزيز الجانب ولا يجرؤ واحد أن يوجه إليه أي شيء. ويأتي سبحانه هنا بكلمة "فتبينوا" مرة أخرى بعد أن قالها في صدر الآية. وكان مقصوداً بها ألا يقتل مسلم إنساناً ألقى السلام لمجرد أن المسلم يفكر في المسألة الاقتصادية، وها هوذا يعيد سبحانه كلمة "تبينوا"، لقد جاءت أولاً كتمهيد للحيثية، وهي قوله: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وتأتي هاهنا نتيجة للحيثية {فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. وسبحانه حين يشرع لا يشرع عن خلاء، لكنه خبير بكل ما يصلح النفس الإنسانية، ولا يعتقدن أحد أنه خلقنا ثم هدانا إلى الإيمان ليخذلنا في نظام الحياة، بل خلقنا وأعطانا المنهج لنكون نموذجاً، وليرى الناس جميعاً أن الذي يحيا في رحاب المنهج تدين له الدنيا. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. كأن الحق يقول: إياك أن تستر بلباقتك شيئاً وتخلع عليه أمراً غير حقيقي؛ لأن الذي تطلب جزاءه هو الرقيب عليك والحسب، ويعلم المسألة من أولها إلى آخرها. فالذي قتل إنساناً ألقى إليه السلام، لم يقتله لأنه لم يُسلم، ولكن لأن بينهما إحناً وبغضاء، وعليه أن يعرف أن الله عليم بما في النفوس. ويريد الحق أن يتثبت المؤمن من نفسه حين يوجهها إلى قتل أحد يشك في إسلامه أو في إيمانه، وحسبه من التيقن أن يبدأه صاحبه بالسلام، ويُذَكّر الحق سبحانه المؤمنين بأنهم كانوا قبل ذلك يستخفون من الناس بالإيمان وكانوا مستترين. فإذا كنتم أيها المؤمنون قد حدث لكم ذلك فاحترموا من غيركم أن يحصل منه ذلك، وثقوا تمام الثقة أن الله عليم خبير، لا يجوز عليه - سبحانه - ولا يخفي عليه أن يدس أحدكم الإحن النفسية ليُبرر قتل إنسان مسلم كانت بينه وبين ذلك المسلم عداوة. وبعد أن تكلم الحق عن قتال المؤمنين للكافرين، وبعد أن تكلم عن تحريم قتل المؤمن للمؤمن حتى لا يفقد المؤمنون خلية الإيمان، بل تكون حياة كل مؤمن خيراً للحركة الإيمانية في الأرض، لذلك علينا أن نحافظ على حياة كل فرد مؤمن لأنه سيساعدنا في اتساع الحركة الإيمانية، فإن حدث أن قتل مؤمن مؤمناً خطأ، فقد بين سبحانه وتعالى الحكم في الآية رقم 92 من سورة النساء. وبعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين الفارق بين من قعد عن الجهاد في سبيل الله ومن جاهد فقال سبحانه: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} معناهُ المَقادَةُ.

الأندلسي

تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية، ذكروا أشياء في نزول هذه الآية فضمنها أنه ظهر لهم رجل اعتقدوه كافراً فتلفظ بما يدل على إسلامه من كلمة الشهادة أو غيرها فقتلوه فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه لما توعد من قتل مؤمناً متعمداً بما وعد أمر بالتثبت في قتل من يظن به أنه كافر وقد أعلم بظهور الاسلام. وقرىء فتثبتوا وفتبينوا في الموضعين وفي الحجرات. {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} هذه عدة بما يسن الله تعالى لهم من الغنائم على وجهها من حل دون ارتكاب محظور بشبهة وغير تثبت وفي الكلام حذف تقديره لست مؤمناً فتقتلوه تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والكاف في كذلك للتشبيه أي كنتم مثل الذي ألقى إليكم السلم فمنّ الله عليكم بالإِسلام. {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ} الآية، نزلت من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود والتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما غير أولي الضرر فسببها قول ابن أم مكتوم كيف بمن لا يستطيع الجهاد ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما رغب المؤمنين في القتال في سبيل الله أعداء الله الكفار قسمهم إلى قاعد ومجاهد، وذكر عدم التساوي بينهما. وقرىء غير بالرفع صفة لقوله: القاعدون أو بدل منه وبالجر صفة لقوله: من المؤمنين، وبالنصب على الاستثناء، كأنه قال: إلا أولي الضرر فهو استثناء من القاعدون. وقيل: استثناء من قوله: من المؤمنين، وقيل: انتصب على الحال. {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ} الآية، الظاهر أن المفضل عليهم هم القاعدون غير أولي الضرر لأنهم هم الذين نفى التسوية بينهم فذكر ما امتازوا به عليهم وهو تفضيلهم عليهم بدرجة فهذه الجملة بيان للجملة الأولى جواب سؤال مقدر كأن قائلاً قال: ما لهم لا يستوون؟ فقيل: فضل الله المجاهدين والمفضل عليهم هنا درجة هم المفضل عليهم. أخيراً درجات وما بعدها وهم القاعدون غير أولي الضرر وتكرار التفضيلين باعتبار متعلقهما، فالتفضيل الأول بالدرجة هو ما يؤتى في الدنيا من الغنيمة والتفضيل الثاني هو ما يخولهم في الآخرة فنبه بإِفراد الأول وجمع الثاني على أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير، وقيل: المجاهدون تتساوى رتبهم في الدنيا بالنسبة إلى أحوالهم كتساوي القائلين بالنسبة إلى آخذ سلب من قتلوه وتساوى نصيب كل واحد من الفرسان ونصيب كل واحد من الرجال، وهم في الآخرة متفاوتون بحسب إيمانهم فلهم درجات بحسب استحقاقهم، فمنهم من يكون له الغفران، ومنهم من يكون لهم الرحمة فقط. فكان الرحمة أدنى المنازل والمغفرة فوق الصحة ثم بعد الدرجات على الطبقات وعلى هذا نبه بقوله: هم درجات عند الله ومنازل الآخرة تتفاوت.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عمن يسلم إذا ألقى السلم بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 94]، والإشارة فيها إلى البالغين الواصلين بالسير إلى الله تعالى؛ أي: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 94]، وما قنعوا على مجرد الإيمان بالغيب، {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 94]؛ يعني: بل سرتم بقدم السلوك في طلب الحق، حتى صار الإيمان إيقاناً، والإيقان إحساناً، والإحسان عياناً، والعيان غيباً، وصار الغيب شهادة، والشهادة شهوداً، والشهود شاهداً، والشاهد مشهوداً، وبهما اقسم الله تعالى بقوله {أية : وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} تفسير : [البروج: 3]، فافهم جيداً، وهذا مقام الشيخوخة {فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94] عن حال المريدين وتثبتوا في الرد والقبول، وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} [النساء: 94]، وألقي إليكم السلام بالانقياد والاستسلام، فلا تقولوا: ألست مؤمناً؟ أي: صادقاً مصدقاً في التسليم لأحكام الصحبة، وقبول التصرف في المال والنفس بشرط الطريقة، ولا تردوه ولا تنفروه بمثل هذه الشدائد، وقوله كما أمر الله موسى وهارون عليهما السلام {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}تفسير : [طه: 44]، فما أنتم أعز من الأنبياء، ولا المريد المبتدئ أذل من فرعون، ولا يهونكم أمر رزقه فتجتنبون منه للتخفيف، وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} [النساء: 94]، فلا تهتموا لأجل الرزق {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94]، {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق: 2-3]، {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} [النساء: 94]؛ أي: كذلك كنتم ضعفاء بالصدق والمطلب محتاجين إلى الصحبة والتربية والإرادة من قبل، {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم والإقبال على تربيتكم وإيصال رزقكم إليهم وشفقتهم وعطفهم عليكم، {فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94]، أن تردوا صادقاً اهتماماً لرزقه، وتقبلوا كاذباً حرصاً على كثير المريدين، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} [النساء: 94] في الأزل، {بِمَا تَعْمَلُونَ} [النساء: 94] اليوم من الرد والقبول والاحتياج إلى الرزق تهتمون له، {خَبِيراً} [النساء: 94]، فدبر الأمور وقدرها في الأزل وفرغ منها، كما قال: صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تعالى فرغ من الخلق والخلق والرزق والأجل ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الضيف إذا نزل، نزل برزقه، وإذا ارتحل، ارتحل بذنوب مضيفه ". تفسير : ثم أخبر عن فضل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد بقوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] إلى قوله: {أية : غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 96]. والإشارة فيها: ألاَّ يستوي القاعدون عن طلب الحق، وإن كانوا أولي العذر من المؤمنين العالمين المتقين، {وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 95] في طلب الحق القائمون في أداء حقوق الطلب، {بِأَمْوَٰلِهِمْ} [النساء: 95]؛ أي: بترك الدنيا {وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء: 95]؛ أي: ببذل الوجود في طلب المعبود، {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} [النساء: 95]، غير بالرفع صفة المجاهدين؛ يعني: في الله حق جهاده ولا يرون ضرر الجهاد وضرراً على أنفسهم من بذل المال والأنفس، يدل عليه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ}تفسير : [النساء: 65]، ثم قال تعالى: { فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء: 95]؛ يعني: فضلهم بفضيلة الولاية، والتوفيق لبذل المال والنفس على القاعدين يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} تفسير : [التوبة: 46]، وذلك القيل ما كان من طريق القوم الخذلاء لما خذلهم الله تعالى ولم يوفقهم للقيام، كما قيل لهم: {أية : ٱقْعُدُواْ}تفسير : [التوبة: 46]، وقوله تعالى: {عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً} [النساء: 95]؛ يعني: للمجاهدين فضيلة درجة الولاية على القاعدين، ثم عمم القول في المجاهد والقاعد بلا عذر، فقال تعالى: {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} [النساء: 95]؛ يعني: الجنة فيما بين الواصلين البالغين والطالبين المنقطعين بعذر، وعوام المؤمنين القاعدين عند الطلب بلا عذر، ثم خص المجاهدين بالانفراد في نيل الدرجات والوصول إلى القربات، فقال تعالى: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ} [النساء: 95] بعد الطالبين والواصلين مطلقاً، {عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ} [النساء: 95]؛ يعني: المنقطعين بعذر أو بغير عذر مطلقاً، {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 95]، وعظم الأجر على قدر مراتب الطالبين والواصلين، وخصهم بدرجات منه لا من غيره، فقال تعالى: {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ} [النساء: 96]؛ أي: قربات منه، {وَمَغْفِرَةً} [النساء: 96] منه لبعضهم؛ وهو أن يتجلى بصفة الغفران لهم فيكونوا مستورين بصفاته لا منتفيِّن بصفاته عن صفاتهم، لا فانين عن ذواتهم بذاته. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 96]؛ يعني: يكون الله تعالى بذاته غفوراً، والغفور للمبالغة؛ يعني: كثير الغفران لبعضهم حتى يغنيهم عن ذواتهم ويبعثهم برحمة ذاته تعالى وتقدس، فافهم واغتنم هذا الجهاد الكبر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البيِّنة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟ فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمَّا لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنًّا أنه يستكفي بذلك قتلَهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله: { وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } أي: فلا يحملنكم العرض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى. وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها. ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان - على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال: { فَتَبَيَّنُوا } . فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذا من القتل وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } فيجازي كُلا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} [94] 136- أنا محمد بن عبد الله بن يزيد، نا سفيان، عن عمروـ سمع عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا في غُنَيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيمته، فأنزل الله عز وجل {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} تلك الغُنيمة.

همام الصنعاني

تفسير : 622- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}: [الآية: 94]، قال: حديث : بلغني أنَّ رجلاً من المسلمين أغار على رَجُلٍ من المشركين فحمل عليْه فقال له المشرك: إني مسلم لا إلَه إلا الله فقتله المسلم بعد أنْ قالَها، فبلغ ذلِكَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال للذي قتله: أَقَتَلْتَهُ، وقد قالَ: لا إلَه إلاَّ الله؟ قالَ وهو يعتذر: يا نبي الله إنما قالها متعوذاً وليس كذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فَهَلاَّ شققتَ عن قلبِه؟ ثم مات قاتل الرجل فقُبِرَ فَلَفَظْتهُ الأرض، فذُكِرَ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأمَرهُم أن يعيدوه، ثم لفظته، فأمرهم أن يعيدوه، ثم لفظته الأرض حتى فَعِلَ ذلك ثَلاثَ مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الأرض قد أبت أن تَقْبَلَهُ فَأَلْقُوهُ في غار من الغيرانِ". قال: مَعْمَر: وقال بعضهم: إن الأرض لَتَقْبَلُ مَنْ هو شَرٌّ منه، ولكنَّ الله جعله لكم عِبْرَةً . تفسير : 625- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنة، عن عَمْرو، عن عطاء، عن ابن عبَّاسٍ قال: لحق ناسٌ من المسلمين رَجُلاً في غُنَيْمَةٍ، فقال: السلام عليكم فَقَتَلُوهُ وأخذوا غُنَيْمَته فنزلت فيه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}: [الآية: 94]، قال: كان ابن عباس يقرأها {ٱلسَّلاَمَ ... تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا}: [الآية: 94]: غُنَيْمَتُه. 626- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابنُ جُرَيْج، قال أخبرنا عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ}: [الآية: 94] تسْتخْفُونَ بإيمانكم كما استخفَى هذا الراعي بإيمانِهِ. 627- قال ابن جُرَيْج: وأخبرني عبد الكريم أن مقسماً مَوْلَى عبد الله بن الحارث، أخبره أنَّ ابن عباس أخْبَرهُ، قال: لا يسْتوِي القاعدُونَ مِنَ المؤمنين عنْ بدر والخارجون إلَيْها.