٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
95
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في كيفية النظم وجوهاً: الأول: ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في الجهاد أتبع ذلك بيان أحكام الجهاد. فالنوع الأول من أحكام الجهاد: تحذير المسلمين عن قتل المسلمين، وبيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأ كيف، وعلى سبيل العمد كيف، وعلى سبيل تأويل الخطأ كيف، فلما ذكر ذلك الحكم أتبعه بحكم آخر وهو بيان فضل المجاهد على غيره وهو هذه الآية. الوجه الثاني: لما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم من قتل من تكلم بكلمة الشهادة، فلعله يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد لئلا يقع بسببه في مثل هذا المحذور، فلا جرم ذكر الله تعالى في عقيبه هذه الآية وبيّـن فيها فضل المجاهد على غيره إزالة لهذه الشبهة. الوجه الثالث: أنه تعالى لما عاتبهم على ما صدر منهم من قتل تكلم بالشهادة ذكر عقيبه فضيلة الجهاد، كأنه قيل: من أتى بالجهاد فقد فاز بهذه الدرجة العظيمة عند الله تعالى، فليحترز صاحبها من تلك الهفوة لئلا يخل منصبه العظيم في الدين بسبب هذه الهفوة، والله أعلم وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرىء {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ } بالحركات الثلاث في {غَيْرِ } فالرفع صفة لقوله: {ٱلْقَـٰعِدُونَ } والمعنى لا يستوي القاعدون المغايرون لأولي الضرر والمجاهدون، ونظيره قوله: {أية : أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ }تفسير : [النور: 31] وذكرنا جواز أن يكون {غَيْرِ } صفة المعرفة في قوله: {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ } تفسير : [الفاتحة: 7] قال الزجاج: ويجو أن يكون {غَيْرِ } رفعاً على جهة الاستثناء، والمعنى لا يستوي القاعدون والمجهدون إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر، والكلام في رفع المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } تفسير : [النساء: 66] و أما القراءة بالنصب ففيها وجهان. الأول: أن يكون استثناء القاعدين، والمعنى لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، وهو اختيار الأخفش. الثاني: أن يكون نصباً على الحال، والمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم، والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحاً، وهذا قول الزجاج والفرّاء وكقوله: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ } تفسير : [المائدة: 1] وأما القراءة بالجر فعلى تقدير أن يجعل {غَيْرِ } صفة للمؤمنين، فهذا بيان الوجوه في هذه القراءات. ثم ههنا بحث آخر: وهو أن الأخفش قال: القراءة بالنصب على سبيل الاستثناء أولى لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج. روي في التفسير أنه لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين جاء قوم من أولي الضرر فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: حالتنا كما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من طريق؟ فنزل {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ } فاستثناهم الله تعالى من جملة القاعدين. وقال آخرون: القراءة بالرفع أولى لأن الأصل في كلمة {غَيْرِ } أن تكون صفة، ثم أنها وإن كانت صفة فالمقصود والمطلوب من الإستثناء حاصل منها، لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولي الضرر من تلك المفضولية، وإذا كان هذا المقصود حاصلاً على كلا التقديرين وكان الأصل في كلمة {غَيْرِ } أن تكون صفة كانت القراءة بالرفع أولى. المسألة الثانية: الضرر النقصان سواء كان بالعمى أو العرج أو المرض، أو كان بسبب عدم الأهبة. المسألة الثالثة: حاصل الآية: لا يستوي القاعدون المؤمنون الأصحاء والمجاهدون في سبيل الله، واختلفوا في أن قوله: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ } هل يدل على أن المؤمنين القاعدين الأضراء يساوون المجاهدين أم لا؟ قال بعضهم: أنه لا يدل لأنا إن حملنا لفظ {غَيْرِ } على الصفة وقلنا التخصيص بالصفة لا يدل على نفي الحكم عما عداه لم يلزم ذلك، وإن حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي ليس بإثبات لم يلزم أيضاً ذلك، أما إذا حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي إثبات لزم القول بالمساواة. وأعلم أن هذه المساواة في حق الاضراء عند من يقول بها مشروطة بشرط آخر ذكره الله تعالى في سورة التوبة وهو قوله: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } إلى قوله: {أية : إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [التوبة: 91]. وأعلم أن القول بهذه المساواة غير مستبعد، ويدل عليه النقل والعقل، أما النقل فقوله عليه الصلاة والسلام عند انصرافه من بعض غزواته «حديث : لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا مرض العبد قال الله عز وجلّ اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ» تفسير : وذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } تفسير : [التين: 5، 6] أن من صار هرما كتب الله تعالى له أجر ما كان يعمله قبل هرمه غير منقوص من ذلك شيئاً. وذكروا في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : نية المؤمن خير من عمله» تفسير : أن ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير له من عمله الذي أدركه في مدة حياته، وأما المعقول فهو أن المقصود من جميع الطاعات والعبادات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى، فإن حصل الاستواء فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب، وإن كان القاعد أكثر حظاً من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثواباً. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [التوبة: 111] فقدم ذكر النفس على المال، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله: { المجاهدين بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } قدم ذكر المال على النفس، فما السبب فيه؟ وجوابه: أن النفس أشرف من المال، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد، والبائع أخر ذكرها تنبيهاً على أن المضايقة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب. وأعلم أنه تعالى لما بيّـن أن المجاهدين والقاعدين لا يستويان ثم أن عدم الاستواء يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان، لا جرم كشف تعالى عنه فقال: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً } وفي انتصاب قوله {دَرَجَةً } وجوه: الأول: أنه يحذف الجار، والتقدير بدرجة فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل الثاني: قوله {دَرَجَةً } أي فضيلة، والتقدير: وفضل الله المجاهدين فضيلة كما يقال زيد أكرم عمراً إكراماً والفائدة في التنكير والتفخيم. الثالث: قوله {دَرَجَةً } نصب على التمييز. ثم قال: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } أي وكلا من القاعدين والمجاهدين فقد وعده الله الحسنى وقال الفقهاء: وفيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية، وليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين، ولو كان الجهاد واجباً على التعيين لما كان القاعد أهلاً لوعد الله تعالى إياه الحسنى. ثم قال تعالى: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَـٰتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في انتصاب قوله: {أَجْراً } وجهان: الأول: انتصب بقوله: {وَفَضَّلَ } لأنه في معنى قولهم: آجرهم أجراً، ثم قوله: {دَرَجَـٰتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } بدل من قوله: {أَجْراً }. الثاني: انتصب على التمييز و {دَرَجَـٰتٌ } عطف بيان {وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } معطوفان على {دَرَجَـٰتٌ }. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه تعالى ذكر أولاً {دَرَجَةً }، وههنا {دَرَجَـٰتٌ }، وجوابه من وجوه: الأول: المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد، بل بالجنس، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع، وذلك هو الأجر العظيم، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة. الثاني: أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الأضراء بدرجة، ومن القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ } لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين القاعدين الأضراء. الثالث: فضل الله المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة وهي الغنيمة، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل والرحمة والمغفرة. الرابع: قال في أول الآية {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً } ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال والنفس فقط، وإلا حصل التكرار، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهداً على الإطلاق في كل الأمور، أعني في عمل الظاهر، وهو الجهاد بالنفس والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة، كما قال عليه السلام: «حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» تفسير : وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله، ولما كان هذا المقام أعلى مما قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة، وفضيلة هذا الثاني درجات. المسألة الثالثة: قالت الشيعة: دلّت هذه الآية على أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من أبي بكر، وذلك لأن عليا كان أكثر جهاداً، فالقدر الذي فيه حصل التفاوت كان أبو بكر من القاعدين فيه، وعلي من القائمين، وإذا كان كذلك وجب أن يكون عليّ أفضل منه لقوله تعالى: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً } فيقال لهم: إن مباشرة علي عليه السلام لقتل الكفار كانت أكثر من مباشرة الرسول لذلك، فليزمكم بحكم هذه الآية أن يكون عليّ أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يقوله عاقل، فإن قلتم إن مجاهدة الرسول مع الكفار كانت أعظم من مجاهدة علي معهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجاهد الكفار بتقرير الدلائل والبينات وإزالة الشبهات والضلالات، وهذا الجهاد أكمل من ذلك الجهاد، فنقول: فاقبلوا منا مثله في حق أبي بكر، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما أسلم في أول الأمر سعى في إسلام سائر الناس حتى أسلم على يده عثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون، وكان يبالغ في ترغيب الناس في الإيمان وفي الذب عن محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه وبماله، وعلي في ذلك الوقت كان صبياً ما كان أحد يسلم بقوله، وما كان قادراً على الذب عن محمد عليه الصلاة والسلام، فكان جهاد أبي بكر أفضل من جهاد علي فإنما ظهر في المدينة في الغزوات، وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً. والثاني: أن جهاد أبي بكر كان بالدعوة إلى الدين، وأكثر أفاضل العشرة إنما أسلموا على يده، وهذا النوع من الجهاد هو حرفة النبي عليه الصلاة والسلام وأما جهاد علي فإنما كان بالقتل، ولا شك أن الأول أفضل. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلّت الآية على أن نعيم الجنة لا ينال إلا بالعمل لأن التفاوت في العمل لما أوجب التفاوت في الثواب والفضيلة دل ذلك على أن علة الثواب هو العمل، وأيضاً لو لم يكن العمل موجباً للثواب لكان الثواب هبة لا أجراً، لكنه تعالى سماه أجراً، فبطل القول بذلك، فيقال لهم: لم لا يجوز أن يقال: العمل علة الثواب لكن لا لذاته، بل بجعل الشارع ذلك العمل موجباً له. المسألة الخامسة: قالت الشافعية: دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح، لأنا بينا أن الجهاد فرض على الكفاية بدليل قوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } ولو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان القاعد عن الجهاد موعوداً من عند الله بالحسنى. إذا ثبت هذا فنقول: إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين، فلو أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة، ثم إن قوله: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً } يتناول جميع المجاهدين سواء كان جهاده واجباً أو مندوباً، والمشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد، فثبت أن الاشتغال بالجهاد المندوب أفضل من الاشتغال بالنكاح، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها. ثم قال: {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} والضّرَر الزَّمَانة. روى الأئمة واللفظ لأبي داود حديث : عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشِيته السكينة فوقعت فخِذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فما وجدت ثِقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سُرِّي عنه فقال: «اكتب» فكتبت في كَتِف «لا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالمْجَاهِدُونَ فيِ سَبِيلِ ٱللَّهِ» إلى آخر الآية؛ فقام ابن أُم مكتوم ـ وكان رجلاً أعمىٰ ـ لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشِيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرّة الثانية كما وجدت في المرّة الأُولىٰ، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ٱقرأ يا زيد» فقرأت {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} الآية كلها. قال زيد: فأنزلها الله وحدها فألحقتها؛ والذي نفسي بيده لكأنِّي أنظر إلى ملحقها عند صَدْع في كَتِفتفسير : . وفي البخارِي عن مِقسم مولى عبد الله بن الحارث أنه سمع ابن عباس يقول: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عن بدر والخارجون إلى بدر. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذْ قد أضرّت بهم حتى منعتهم الجهاد. وصح وثبت في الخبر أنه عليه السَّلام قال ـ وقد قفل من بعض غزواته: « حديث : إن بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادِياً ولا سِرتم مسِيراً إلاَّ كانوا معكم أُولئك قوم حبسهم العذر » تفسير : . فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي؛ فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساوياً، وفي فضل الله متّسع، وثوابه فضل لا استحقاق؛ فيثيب على النية الصادقة ما لا يثبت على الفعل. وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة. والله أعلم. قلت: والقول الأول أصح ـ إن شاء الله ـ للحديث الصحيح في ذلك «إن بالمدينة رجالاً» ولحديث أبي كبشة الأنماري قوله عليه السَّلام: « حديث : إنما الدنيا لأربعة نفر » تفسير : الحديث وقد تقدم في سورة «آل عمران». ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر: « حديث : إذا مرِض العبد قال الله تعالىٰ: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إليّ ».تفسير : الثانية ـ وقد تمسك بعض العلماء بهذه الآية بأن أهل الديوان أعظم أجراً من أهل التطوع؛ لأن أهل الديوان لما كانوا متملكين بالعطاء، ويصرَّفون في الشدائد، وتروّعهم البعوث والأوامر، كانوا أعظم من المتطوع؛ لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف الكبار ونحوها. قال ابن محيريز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يروّعون. قال مكحول: روعات البعوث تنفِي روعات القيامة. الثالثة ـ وتعلق بها أيضاً من قال: إن الغِنى أفضل من الفقر؛ لذكر الله تعالىٰ المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال. وقد ٱختلف الناس في هذ المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغِنىٰ مذموم؛ فذهب قوم إلى تفضيل الغنى، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز. قال الماوردِيّ: وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر، لأن الفقير تارك والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها. قال الماوردِيّ: وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حدّ الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، وليسلم من مذمة الحالين. قال الماورديّ: وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن: « حديث : خير الأُمور أوسطها » تفسير : . ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال: شعر : ألا عائذا باللَّه من عدم الغِنى ومن رغبةٍ يوما إلى غير مرغب تفسير : الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} قراءة أهل الكوفة وأبو عمرو {غَيْرُ} بالرفع؛ قال الأخفش: هو نعت للقاعدين؛ لأنهم لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير؛ والمعنى لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر؛ أي لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر. والمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء؛ قاله الزجاج. وقرأ أبو حيوة «غيرِ» جعله نعتاً للمؤمنين؛ أي من المؤمنين الذين هم غير أولي الضرر من المؤمنين الأصحاء. وقرأ أهل الحرمين «غير» بالنصب على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين؛ أي إلاَّ أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين. وإن شئت على الحال من القاعدين؛ أي لا يستوي القاعدون من الأصحاء أي في حال صحتهم؛ وجازت الحال منهم؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة، وهو كما تقول: جاءني زيد غير مريض. وما ذكرناه من سبب النزول يدل على معنى النصب، والله أعلم. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} وقد قال بعد هذا: {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} فقال قوم: التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد. وقيل: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أُولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات؛ قاله ابن جريج والسدي وغيرهما. وقيل: إن معنى درجة علوّ، أي أعلىٰ ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح والتقريظ. فهذا معنى درجة، ودرجات يعني في الجنة. قال ابن محيرِيز: سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرِس الجواد سبعين سنة. و {دَرَجَاتٍ} بدل من أجر وتفسير له، ويجوز نصبه أيضاً على تقدير الظرف؛ أي فضلهم بدرجات، ويجوز أن يكون توكيداً لقوله: {أَجْراً عَظِيماً} لأن الأجر العظيم هو الدرجات والمغفرة والرحمة، ويجوز الرفع؛ أي ذلك درجات. و «أجرا» نصب بـ «فضل» وإن شئت كان مصدراً وهو أحسن، ولا ينتصب بـ {فَضَّلَ} لأنه قد استوفى مفعوليه وهما قوله {ٱلْمُجَاهِدِينَ} و {عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ}؛ وكذا «درجة». فالدرجات منازل بعضها أعلى من بعض. وفي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن في الجنة مائة درجةٍ أعدّها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض » تفسير : . {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} {وَكُـلاًّ} منصوب بـ {وَعَدَ} و {ٱلْحُسْنَىٰ} الجنة؛ أي وعد الله كلا الحسنى. ثم قيل: المراد (بكل) المجاهدون خاصة. وقيل: المجاهدون وأُولو الضرر. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : قال البخاري: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء، قال: لما نزلت: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً، فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم، فشكا ضرارته، فأنزل الله: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ}، حدثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، قال: لما نزلت: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ادع فلاناً» تفسير : فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير، فنزلت مكانها: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال البخاري أيضاً: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا: أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى علي: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد، لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان فخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخدي، ثم سري عنه، فأنزل الله: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} تفرد به البخاري دون مسلم، وقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد عن زيد فقال: حدثنا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد ابن ثابت: إني قاعد إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم إذ أوحي إليه، وغشيته السكينة، قال: فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة، قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئاً قط أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سري عنه، فقال: «حديث : اكتب يا زيد» تفسير : فأخذت كتفاً، فقال: «حديث : اكتب {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ} إلى قوله: {أَجْراً عَظِيماً}» تفسير : فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان رجلاً أعمى، فقام حين سمع فضيلة المجاهدين، وقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد، ومن هو أعمى، وأشباه ذلك؟ قال زيد: فوالله ما قضى كلامه ـ أو ماهو إلا أن قضى كلامه ـ غشيت النبي صلى الله عليه وسلم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: «حديث : اقرأ» تفسير : فقرأت عليه: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون} فقال النبي: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ}، قال زيد: فألحقتها،فوالله كأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف، ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به نحوه. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، أنبأنا الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اكتب: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاء عبد الله بن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري، قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله على فخذي حتى خشيت أن ترضها، ثم سري عنه، ثم قال: اكتب: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير ـ وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبد الكريم هو ابن مالك الجزري: أن مقسماً مولى عبد الله بن الحارث أخبره: أن ابن عباس أخبره: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عن بدر، والخارجون إلى بدر، انفرد به البخاري دون مسلم، وقد رواه الترمذي من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} عن بدر، والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؟ فنزلت: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، { وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَـٰتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، هذا لفظ الترمذي. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، فقوله: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} كان مطلقاً، فلما نزل بوحي سريع: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ}، صار ذلك مخرجاً لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد؛ من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ}، وكذا ينبغي أن يكون، كما ثبت في صحيح البخاري من طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه» تفسير : قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: «حديث : نعم حبسهم العذر»تفسير : ، وهكذا رواه أحمد عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس به، وعلقه البخاري مجزوماً، ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه»تفسير : ، قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول الله؟ قال: «حديث : نعم، حبسهم العذر» تفسير : لفظ أبي داود، وفي هذا المعنى قال الشاعر:شعر : يا راحِلِيْنَ إلى البيتِ العَتيقِ لَقَدْ سِرْتُمْ جُسوماً وسِرْنا نحن أَرْواحا إنَّا أقمْنا على عُذْرٍ وعَنْ قَدَرٍ ومَنْ أقامَ على عُذْرٍ فَقَدْ راحا تفسير : وقوله: {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية. قال تعالى: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحساناً منه وتكريماً، ولهذا قال: { دَرَجَـٰتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»تفسير : . وقال الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من رمى بسهم، فله أجره درجة» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: «حديث : أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام».
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } على الجهاد {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ } بالرفع صفة، والنصب استثناء من زمانة أو عمى أو نحوه {وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ } لضرر {دَرَجَةً } فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهدين بالمباشرة {وَكُلاًّ } من الفريقين {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } الجنة {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ } لغير ضرر {أَجْراً عَظِيماً } ويبدل منه.
الشوكاني
تفسير : التفاوت بين درجات من قعد عن الجهاد من غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه، وإن كان معلوماً، لكن أراد سبحانه بهذا الإخبار تنشيط المجاهدين ليرغبوا، وتبكيت القاعدين ليأنفوا. قوله: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ } قرأ أهل الكوفة، وأبو عمرو بالرفع على أنه وصف للقاعدين، كما قال الأخفش؛ لأنهم لا يقصد بهم قوم بأعيانهم، فصاروا كالنكرة، فجاز وصفهم بغير. وقرأ أبو حيوة بكسر الراء على أنه وصف للمؤمنين. وقرأ أهل الحرمين بفتح الراء على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين، أي: إلا أولى الضرر، فإنهم يستوون مع المجاهدين. ويجوز أن يكون منتصباً على الحال من القاعدين، أي: لا يستوي القاعدون الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار؛ لأنها أضرّت بهم حتى منعتهم عن الجهاد، وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد، وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله المجاهد بالتضعيف لأجل المباشرة. قال القرطبي: والأوّل أصحّ إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك: «حديث : إن بالمدينة رجالاً ما قطعتم، وادياً، ولا سرتم مسيراً إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر»تفسير : . قال: وفي هذا المعنى ما ورد في الخبر: «حديث : إذا مرض العبد قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ، أو أقبضه إليّ»تفسير : قوله: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً } هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم الاستواء إجمالاً، والمراد هنا: غير أولى الضرر حملاً للمطلق على المقيد، وقال هنا: {دَرَجَةً }، وقال فيما بعد: {دَرَجَـٰتٌ } فقال قوم: التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات، إنما هو مبالغة وبيان تأكيد. وقال آخرون: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولى الضرر بدرجات، قاله ابن جريج، والسدّي، وغيرهما. وقيل: إن معنى درجة علوّاً، أي: أعلى ذكرهم، ورفعهم بالثناء والمدح، ودرجة منتصبة على التمييز، أو المصدرية لوقوعها موقع المرة من التفضيل، أي: فضل الله تفضيلة، أو على نزع الخافض، أو على الحالية من المجاهدين أي: ذوي درجة. قوله: {وَكُلاًّ } مفعول لقوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ } قدّم عليه لإفادته القصر، أي: كل واحد من المجاهدين والقاعدين، وعده الله الحسنى، أي: المثوبة، وهي: الجنة. قوله: {أَجْراً } هو: منتصب على التمييز. وقيل: على المصدرية، لأن فضل بمعنى آجر، فالتقدير آجرهم أجراً. وقيل: مفعول ثان لفضل لتضمنه معنى الإعطاء. وقيل: منصوب بنزع الخافض. وقيل: على الحال من درجات مقدّم عليها، وأما انتصاب درجات ومغفرة ورحمة: فهي بدل من أجراً. وقيل: إن مغفرة ورحمة ناصبهما أفعال مقدّرة، أي: غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة. وقد أخرج البخاري، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه: «حديث : لا يستوي القاعدون من المؤمنين، والمجاهدون في سبيل الله» تفسير : فجاء ابن أم مكتوم، وهو يمليها عليّ، فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي: {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ }. وقد أخرج هذا المعنى عبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث البراء. وأخرجه أيضاً سعيد ابن منصور، وأحمد، وأبو داود، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، من حديث خارجة بن زيد ابن ثابت عن أبيه. وأخرج الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ } عن بدر، والخارجون إلى بدر. وأخرجه عنه أيضاً عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر. وأخرج عبد بن حميد، والطبراني، والبيهقي عنه قال: نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض، وأوجاع، فأنزل الله عذرهم من السماء. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، عن أنس بن مالك قال: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم، ولقد رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً } قال: على أهل الضرر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } قال: الجنة. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال: كان يقال الإسلام درجة، والهجرة درجة في الإسلام، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن محيريز في قوله: {دَرَجَـٰتٌ } قال: الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين سنة. وأخرج نحوه عبد الرزاق في المصنف، عن أبي مجلز. وأخرج البخاري، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين، كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}. في المراغم خمسة تأويلات: أحدها: أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض، وهذا قول ابن عباس والضحاك. ومنه قول نابغة بني جعدة: شعر : كطْودٍ يُلاذ بأركانه... عزيز المراغم والمطلب تفسير : والثاني: مطلب المعيشة، وهو قول السدي، ومنه قول الشاعر: شعر : إلى بلدٍ غير داني المحل... بَعيد المُراغم والمطلب تفسير : والثالث: أن المراغم المهاجر، وهو قول ابن زيد: والرابع: يعني بالمراغم مندوحة عما يكره. والخامس: أن يجد ما يرغمهم به، لأن كل من شخص عن قومه رغبة عنهم فقد أرغمهم، وهذا قول بعض البصريين. وأصل ذلك الرغم وهو الذل. والرّغام: التراب لأنه ذليل، والرُّغام بضم الراء ما يسيل من الأنف. وفي قوله تعالى: {وَسَعَةً} ثلاث تأويلات: أحدها: سعة في الرزق وهو قول ابن عباس. والثاني: يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وهو قول قتادة. والثالث: سعة في إظهار الدين.
ابن عطية
تفسير : في قوله: {لا يستوي} إبهام على السامع هو أبلغ من تحديد المنزلة التي بين المجاهد والقاعد، فالمتأمل يمشي مع فكرته ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما، و {القاعدون} عبارة عن المتخلفين، إذ القعود هيئة من لا يتحرك إلى الأمر المقعود عنه في الأغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة، "غيرُ أولي الضرر" برفع الراء من غير، وقرأ الأعمش وأبو حيوة " غيرِ" بكسر الراء فمن رفع جعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه، كما هي عنده صفة في قوله تعالى: {أية : غير المغضوب} تفسير : [الفاتحة:7] بجر غير صفة، ومثله قول لبيد: [الرمل] شعر : وَإذَا جُوزِيتَ قِرْضاً فاجْزِهِ إنَّما يُجْزَى الْفَتى غَيْرَ الْجَمَلْ تفسير : قال المؤلف: كذا ذكره أبو علي، ويروى ليس الجمل، ومن قرأ بنصب الراء جعله استثناء من القاعدين، قال أبو الحسن: ويقوي ذلك أنها نزلت بعدها على طريق الاستثناء والاستدراك. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد يتحصل الاستدراك بتخصيص القاعدين بالصفة، قال الزجّاج: يجوز أيضاً في قراءة الرفع أن يكون على جهة الاستثناء، كأنه قال: "لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر" فإنهم يساوون المجاهدين. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مردود، لأن {أولي الضرر} لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر، قال: ويجوز في قراءة نصب الراء أن يكون على الحال، وأما كسر الراء فعلى الصفة للمؤمنين، وروي من غير طريق أن الآية نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون} فجاء ابن أم مكتوم حين سمعها، فقال: يا رسول الله هل من رخصة؟ فإني ضرير البصر فنزلت عند ذلك {غير أولي الضرر} قال الفلتان بن عاصم كنا قعوداً عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه، وكان إذا أوحي إليه دام بصره مفتوحة عيناه وفرغ سمعه وبصره لما يأتيه من الله، وكنا نعرف ذلك في وجهه، فلما فرغ قال للكاتب: اكتب {لا يستوي القاعدونَ من المؤمنين والمجاهدون} إلى آخر الآية. قال: فقام الأعمى، فقال: يا رسول الله ما ذنبنا؟ قال: فأنزل الله على رسوله، فقلنا للأعمى: إنه ينزل عليه، قال: فخاف أن ينزل فيه شيء فبقي قائماً مكانه يقول: أتوب على رسول الله حتى فرغ رسول الله، فقال الكاتب: اكتب {غير أولي الضرر} وأولو الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد. قاله ابن عباس وغيره. وقوله تعالى {بأموالهم وأنفسهم} هي الغاية في كمال الجهاد. ولما كان أهل الديوان متملكين بذلك العطاء يصرفون في الشدائد وتروعهم البعوث والأوامر. قال بعض العلماء: هم أعظم أجراً من المتطوع لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف الكبار ونحوها. واحتج بهذه الآية المظهرة لفضل المال من قال: إن الغنى أفضل من الفقر وإن متعلقة بها لبين. وفسر الناس الآية على أن تكملة التفضيل فهيا بـ " الدرجة" ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وتأكيد وبيان، وقال ابن جريج الفضل بدرجة هو على القاعدين من أهل العذر. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: لأنهم مع المؤمنين بنياتهم كما قال النبي عليه السلام في غزوة تبوك "حديث : إن بالمدينة رجالاً ما قطعنا وادياً ولا سلكنا جبلاً ولا طريقاً إلا وهم معنا حبسهم العذر" تفسير : قال ابن جريج. والتفضيل "بالأجر العظيم والدرجات" هو على القاعدين من غير أهل العذر، و {الحسنى} الجنة، وهي التي وُعدها المؤمنون، وكذلك قال السدي وغيره. وقال ابن محيريز: "الدرجات" هي درجات في الجنة، سبعون، ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، وقال بهذا القول الطبري ورجحه، وقال ابن زيد: "الدرجات" في الآية هي السبع المذكورات في سورة براءة، فهي قوله تعالى: {أية : ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله} تفسير : [التوبة: 120] الآيات فذكر فيها الموطىء الغائظ للكفار، والنيل من العدو، والنفقة الصغيرة والكبيرة، وقطع الأودية والمسافات. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه، لكن يجمعها بذل النفس والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، فالأقوال كلها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس. ونصب {درجات} إما على البدل من الأجر، وإما على إضمار فعل على أن تكون تأكيداً للأجر، كما تقول: لك عليَّ ألف درهم عرفاً، كأنك قلت أعرفها عرفاً.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} الآية (خ) عن زيد بن ثابت قال: "أملى عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم": {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ فقال: والله يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله عز وجل غير أولى الضرر (ق) عن البراء بن عازب: حديث : لما نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً فجاء بكتف فكتبها وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} وفي رواية أخرى: لما نزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين قال النبي صلى الله عليه وسلم "ادعوا فلاناً فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله" وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله أنا ضرير فنزلت مكانها لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله تفسير : هذه الرواية الثانية أخرجها ابن الأثير في كتابه جامع الأصول، وأضافها إلى البخاري ومسلم ولم أجدها في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي. وفي هذه الآية فضل الجهاد في سبيل الله والحث عليه فقوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} يعني لا يعدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من المؤمنين المجاهدين في سبيل الله غير أولي الضرر يعني أولى الزمانة والضعف في البدن والبصر فإنهم يساوون المجاهدين لأن العذر أقعدهم عن الجهاد (م) حديث : عن جابر قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بالمدينة رجالاً ماسرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلاّ كانوا معكم حبسهم المرض" تفسير : (خ) حديث : عن أنس قال: "رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلاّ وهم معنا حبسهم العذر" تفسير : (خ) عن ابن عباس قال لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إليها. وقوله تعالى: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} يعني فضيلة في الآخرة قال ابن عباس: أراد بالقاعدين هنا أولي الضرر فضل الله المجاهدين على أولي الضرر درجة لأن المجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية وأولو الضرر لهم نية ولم يباشروا الجهاد فنزلوا عن المجاهدين درجة {وكلاًّ} يعني كلاًّ من المجاهدين والقاعدين {وعد الله الحسنى} يعني الجنة بإيمانهم {وفضل الله المجاهدين} يعني في سبيل الله {على القاعدين} يعني الذين لا عذر لهم ولا ضرر {أجراً عظيماً} يعني ثواباً جزيلاً. ثم فسر ذلك الأجر العظيم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ...} الآية: في قوله تعالَىٰ: {لاَ يَسْتَوِي} إبهامٌ على السَّامعِ، وهو أبْلَغُ من تحديدِ المَنْزِلَةِ التي بَيْنَ المجاهد والقاعِدِ، فالمتأمِّل يَمْشِي مع فِكْرته، ولا يَزَالُ يتخيَّل الدرَجَاتِ بينهما، والقاعدُونَ عبارةٌ عن المتخلِّفين. قلْتُ: وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخطيبِ بسنده، عن عليِّ بن أبي طالبٍ (رضي اللَّه عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ أَعْلاَهَا الحُلَلُ، ومِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ بُلْقٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسَرَّجَةٌ مُلْجَمَةٌ بالدُّرِّ واليَاقُوت، لاَ تَرُوثُ، وَلاَ تَبُولُ، ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ؛ فتطِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، فَيَقُولُ الَّذِينَ أَسْفَلَ مِنْهُمْ: يأهْلَ الجَنَّة، ناصِفُونا، يا ربِّ، ما بَلَّغَ هؤلاءِ هذه الكرامَةَ؟! فَيَقُولُ اللَّه تعالَىٰ: إنهم كانُوا يَصُومُونَ، وكُنْتُمْ تُفْطِرُونَ، وَكَانُوا يقُومُونَ باللَّيْلِ وَكُنْتُمْ تَنَامُونَ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ، وَكُنْتُمْ تَبْخَلُونَ، وَكَانُوا يُجَاهِدُونَ العَدُوَّ وَكُنْتُمْ تَجْبُنُونَ»تفسير : . انتهى. وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو وحمزة: «غَيْرُ» - بالرفع - صفةً للقاعدين، وقرأ نافعٌ وغيره: «غَيْر» - بالنصب - ٱستثناءً من القاعدينَ، ورُوِيَ من غيرِ مَا طَرِيقٍ؛ أنَّ الآية نزلَتْ: «لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ»، فجاء ابنُ أمِّ مكتومٍ، حين سمعها، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ رُخْصَةٍ، فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ، فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ}، قَالَ الفَلَتَانُ بْنُ عَاصِمٍ (رضي اللَّه عنه)؛ كُنَّا قُعُوداً عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل علَيْه، وكان إذَا أُوحِيَ إلَيْهِ، دَامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْنَاهُ، وفَرَّغَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ لِمَا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لِلْكَاتِبِ: ٱكْتُبْ: «لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ...» إلَى آخر الآية، قال: فقام الأعمَىٰ، فقَاَل: يا رسُولَ اللَّهِ، مَا ذَنْبُنَا؟ قَالَ: فأنزلَ اللَّهُ علَىٰ رسولِهِ، فقلْنا للأعْمَىٰ: إنه يَنْزِلُ عليه، قال: فَخَافَ أنْ ينزلَ فيه شيْءٌ، فبقيَ قائماً مكانَهُ، يقولُ: أَتُوبُ إلَىٰ رسُولِ اللَّهِ، حتَّىٰ فَرَغَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ للكَاتِبِ: ٱكْتُبْ: {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ}، وأهْلُ الضررِ: هم أهل الأعذار، إذ قد أضرَّت بهم؛ حتى منعتهم الجهَادَ؛ قاله ابنُ عَبَّاس وغيره. وقوله تعالى: {بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}، هي الغايةُ في كمالِ الجهَاد، قال ابن جُرَيْجٍ: الفَضْلُ بدرجةٍ هو على القَاعِدِينَ مِنْ أهْل العذر. قال * ع *: لأنهم مع المؤمنين بنيَّاتهم؛ كما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحيحِ. قال ابنُ جُرَيجٍ: والتفضيلُ بالأجْر العظيمِ والدرجاتِ هُوَ على القَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ عُذْر، و {ٱلْحُسْنَىٰ}: الجنةُ التي وَعَدَهَا اللَّهُ المؤمِنِينَ؛ وكذلك قال السُّدِّيُّ وغيره. وقال ابنُ مُحَيْرِيزٍ: الدرجاتُ: هي درجاتٌ في الجنَّةِ سَبْعُونَ ما بَيْنَ الدرجَتَيْنِ حُضْرُ الجَوَادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً، قُلْتُ: وفي «صحيح البُخاريِّ»، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ: «حديث : إنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَإذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَٱسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ؛ وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ»تفسير : . انتهى. وقال ابن زَيْدٍ: الدرجاتُ في الآيةِ هي السَّبْعُ المذكورةُ في «بَرَاءَةَ» في قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ } تفسير : [التوبة:120] الآية. قال * ع *: ودرجاتُ الجهادِ، لَوْ حُصِرَتْ، أكْثَرُ من هذه، لكنْ يَجْمَعُها بذْلُ النفْسِ، والاعتمالُ بالبَدَنِ والمالِ في أنْ تكُونَ كَلمةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، ولا شَكَّ أنَّ بحَسَب مراتِبِ الأعمال ودرجاتِهَا تكُونُ مراتِبُ الجَنَّة ودرجاتُها، فالأقوالُ كلُّها متقاربةٌ، وباقي الآية وَعْدٌ كريمٌ وتأنيسٌ.
ابن عادل
تفسير : كما رَغَّبَ في الجِهَادِ، أتْبَعَ ذلِك ببَيَانِ أحْكَام الجِهَاد، ومن أحْكَامه: التَّحْذِير عن قَتْل المُسْلِمِين على سبيل العَمْدِ والخَطَأ وعلى تأويل الخَطَأ، ثم أتْبَعَهَ بحُكْم آخر؛ وهو بَيان فَضْل المُجَاهِد على غَيْرِه. وقيل: لما عاتبهم على قَتْل المتكَلِّم بالشَّهادة، فلعَلَّه وَقَعَ في قُلُوبهم أن الأوْلى الاحْتِرَاز عن الجِهَادِ؛ للوقوع في مِثْل هذا المَحْذُورِ فذكر عَقِبه فَضْل المُجَاهد على غَيْره؛ إزالَة لهذه الشُّبْهَة. قوله {غير أولي الضرر} قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو وحَمْزَة وعَاصِم: "غير" بالرفع، والباقون: بالنَّصْب، والأعْمَش: بالجرِّ. والرَّفع على وجهَيْن: أظهرهما: أنه على البَدَل من "القاعدون" وإنما كان هذا أظْهَر؛ لأن الكَلاَم نفي، والبدلُ معه أرْجَحُ؛ لما قُرِّر في علم النَّحْو. والثاني: أنه رَفْعٌ على الصِّفَة لـ "القاعدون"، ولا بد من تأويل ذلك؛ لأن "غير" لا تتعَرَّفُ بالإضَافَة، ولا يَجُوز اختِلاَفُ النَّعت والمَنْعُوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله: إمَّا بأن القاعِدِين لَمَّا لم يَكُونوا نَاساً بأعْيَانِهِم، بل أُرِيد بهم الجَنْسُ، أشْبَهوا النَّكِرة فَوُصِفوا كما تُوصَف، وإمَّا بأن "غير" قد تَتَعَرَّف إذا وقَعَت بين ضِدَّين، وهذا كما تَقَدَّم في إعْرَاب {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} تفسير : [الفاتحة: 7] في أحَد الأوْجُه، وهذا كلُّه خُرُوج عن الأصُول المقرَّرة، فلذلك اخْتِير الأوّل؛ ومثله: [الرمل] شعر : 1866- وَإذا أقْرِضْتَ قَرْضَاً فَاجْزِهِ إنَّمَا يَجْزِي الْفَتَى غَيْرُ الْجَمَلْ تفسير : برفع "غير" كذا ذكره أبو عَلِيّ، والرِّوَاية: "لَيْسَ الجَمَلْ" عند غَيْره. وقال الزَّجَّاج: ويجُوزُ أن يكُون "غير" رفعاً على جِهَة الاستِثْنَاءِ، والمعنى: لا يَسْتَوِي القَاعِدُون من المُؤمنين والمُجَاهِدُون، إلا أولي الضَّرَر فإنَّهم يساوون المُجَاهِدِين، أي: الذين أقعدهم عن الجِهَاد الضَّرر، والكَلامُ في رفع المُسْتَثْنَى بعد النفي قد تقدم عِند قوله: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [النساء: 66]. والنَّصْب على [أحد] ثلاثة أوْجُه: [الأوّل]: النَّصْبُ على الاستِثْنَاء من "القاعدون" [وهو الأظهر؛ لأنه المحدَّثُ عَنْهُ، والمعنى: لا يَسْتَوِي القَاعِدُون] إلا أولِي الضَّرَر، وهو اخْتِيَار الأخْفَش. والثاني: من "المؤمنين" وليس بِوَاضِح. والثالث: على الحَالَ من "القاعدون" [والمعنى: لا يستوي القاعدون] في حَالِ صِحَّتهم والمُجَاهِدُون؛ كما يُقَال: جاءَني زيد غير مَرِيضٍ، أيك جاءني زَيْد صَحِيحاً، قاله الزَّجَّاج والفرَّاء؛ وهو كقوله: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} تفسير : [المائدة: 1]. والجرُّ على الصفَة للمؤمنين وتأويله كما تقدم في وجه الرفع على الصفة. قال الأخْفَش القراءة بالنَّصْب على الاستثنَاء أوْلَى؛ لأن المَقْصُود منه استِثْنَاء قوم لم يَقْدرُوا على الخُروج؛ كما روي في التَّفْسير أنه لما ذَكَر الله - تعالى - فضيلة المُجَاهِدِين، جاء قَوْمٌ من أولي الضرر، فقالوا للنَّبي صلى الله عليه وسلم: حالتنا كما تَرَى، ونحن نَشْتَهِي الجِهَاد، فهل لنا من طَرِيقٍ؟ فنزل {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} فاستثناهم الله - تعالى -. وقال آخرون: القِرَاءة بالرَّفع أولى؛ لأن الأصْل في كلمة "غَيْر" أن تكون صفة، ثم إنها وإن كانت صِفَة، فالمقصُود والمَطْلُوب من الاستثناء حاصِل؛ لأنَّها في كلتا الحَالتَيْن أخْرَجت أولي الضَّرر من تلك المَفْضُولِيَة، وإذا كان هذا المَقْصُود حَاصِلاً على كلا التقديرين، وكان الأصل في كلمة "غير" أن تَكُون صفة، كانت القراءة بالرَّفْع أوْلَى. فالضَّرر النُّقْصَان، سواء كان بالعَمَى أو العَرَج أو المَرَض، أو بسبب عَدَمِ الأهْبَة. فصل روى ابن شهاب عن سَهْل بن سعد السَّاعِدِي - رضي الله عنه -؛ أنه قال: حديث : رأيتُ مَرْوَان بن الحكم جَالِساً في المَسْجِد، فأقَبْلت حَتَّى جلست إلى جَنْبِه، فأخبرنا أن زَيْد بن ثَابتٍ - رضي الله عنه - أخبره؛ أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم أملَى عَلَيه "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله"، قال: فجاء ابنُ أمِّ مَكْتُوم وهو يُمْلِيها عليَّ، فقال: يا رسُول الله، لو أستطيعُ الجِهَاد لجَاهَدتُ، وكان رجلاً أعْمَى، فأنزل الله - تعالى - عليه وفخذُهُ على فَخْذِي، فثقلتْ عليّ حَتَّى خِفْتُ أن ترضَّ فَخذِي، ثم سري عنهتفسير : ، فأنزل الله: {غير أولي الضرر} في فضل الجهاد والحثِّ عليه. روى أنس - رضي الله عنه -؛ حديث : أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم لمّا رَجَع من غَزْوَة تَبُوك، فَدَنَا من المَدِينَة فقال: "إن في المَدِينَة لأقْوَاماً ما سرتُمْ من مسيرٍ ولا قَطَعْتُم من وَادٍ وإلا كَانُوا مَعَكُم فيه، قالوا: يَا رسُول الله وَهُم بالمَدِينَة؟ قال: نعم وهم بالمدينة حبَسهم العذر"تفسير : ، وروى مقسم عن ابْن عبَّاس؛ قال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} عن بَدْر، والخَارِجُون إلى بدر. وقوله: {في سبيل الله بأموالكم} كلا الجارَّيْن متعلِّق بـ "المُجَاهِدُون" و "المُجَاهِدُون" عَطْف على القَاعِدُون. فصل اخْتَلَفُوا في هذه الآية: هل تَدُلُّ على أن المُؤمنين القَاعِدِين الضْراء، يُسَاوُون المجاهدين أم لا؟. قال بعضهم: لا تدل؛ لأنا إن حملنا لفظ "غَيْر" على الصفَة، وقلنا: [إن] التَّخْصِيص بالصِّفَة لا يدل على نَفْي الحُكْم عمّا عَدَاه، لم يلزم ذلك، وإن حَمَلْنَاه على الاستِثْنَاء، وقلنا: [إن] الاستثناء من النَّفي ليس بإثْبَات، لم يلزم أيضاً ذلك، أمَّا إذا حَمَلْنَاه على الاستثناء وقلنا: الاستثناء من النَّفْي إثبات، لزم القَوْل بالمُسَاوَاة. واعلم أن هذه المُسَاواة في حق الأضْرَاء، عند من يَقُول بها مَشْرُوطة بشَرْط آخر ذكره الله - تعالى - في سُورة التَّوْبة، وهو قوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} تفسير : [التوبة: 91] إلى قوله: {أية : إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [التوبة: 91]، ويدل على المُسَاواة ما تقدَّم في حَدِيث غزوة تَبُوكٍ. وتقرير ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إن بالمدِينَةِ قَوْماً ما سلكتُم وادِياً إلاَّ كَانُوا مَعَكُم"تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : إذا مَرِض العَبْدُ قال الله - تعالى -: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ ". تفسير : وقال المُفَسَِّرون في قوله - تعالى -: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [التين: 5، 6]؛ أن من صَار هرماً، كتب له أجْر عمله قبل هرمه غير مَنْقُوص، وقالوا في تَفْسِير قوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : نِيَّة المُؤْمِن خَيْرٌ من أجْر عَمَلِهِ"تفسير : : إن المُؤْمِن يَنْوِي الإيمان والعمل الصَّالح، لو عاش لهذا لا يحصَّل له ثواب تلك النِّيَّة أبداً. قوله - تعالى -: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} لما بيَّن [تعالى] أن المُجاهدين والقاعِدين لا يَسْتَويان، ثم إن عَدَم الاسْتِوَاء يَحْتَمل الزِّيَادة والنُّقْصَان، لا جرم بَيَّنَه الله - تعالى -. قوله: "درجةً" في نصبه أربعة [أوْجُه:] أحدها: أنها مَنْصُوبة على المَصْدر؛ لوقوع "درجة" موقع المَرَّة من التَّفْضِيل؛ كأنه قيل: فَضَّلهم تَفْضيلة، نحو: "ضَرَبْتُه سَوْطاً" وفائدة التنكير التَّفْخِيم. الثاني: أنها حَالٌ من "المُجَاهِدِين" أي: ذوي درجة. الثالث: مَنْصُوبة انتصابَ الظَّرْف، أي: في دَرَجَةٍ ومَنْزِلة. الرابع: انْتِصَابها على إسْقَاط الجَارِّ أي: بِدَرَجة. فلما حُذِف الجَارُّ، وَصَل الفِعْل فعَمِل، وقيل: نُصِب على التَّمْيييز. قوله: {وكلاًّ وعد الله الحسنى} "كلاًّ" مَفْعُول أول لـ "وَعَد" مُقَدماً عليه، و "الحُسْنَى" مفعول ثان، وقرئ: "وكُلٌّ" على الرَّفْع بالابتداء، والجُمْلَة بعده خبره، والعَائِد مَحْذُوف، أي: وعده؛ وهذه كَقِرَاءة ابن عامر في سورة الحديد: {أية : وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الحديد: 10]. والمعنى: كلاًّ من القاعِدِين والمُجاهِدِين، فقد وَعَدَه الله الحُسْنَى. قال الفُقَهَاء: وهذا يَدُلُّ على أن الجِهَاد فرض كِفَايَةٍ، وليس على كُلِّ واحدٍ بِعَيْنِه؛ لأنه - تعالى - وعد القاعِدِين الحُسْنَى كما وعَد المُجَاهِدِين، ولو كان الجِهَادُ واجِباً على كلِّ أحدٍ على التَّعْيين، لما كان القَاعِدُ أهْلاً لوعد اللَّه إيَّاه الحُسْنَى. وقيل: أراد بـ "القَاعِدِين" هنا: أُولِي الضَّرَر، فضَّل الله المُجَاهِدِين عليهم دَرَجَة؛ لأن المُجَاهِد باشَر الجِهَاد مع النِّيَّة، وأولُو الضَّرر لهم نِيَّة بلا مُبَاشَرة، فنزلوا عَنْهُم درجَة وعلى هذا نزول الدَّلالة. قوله - تعالى -: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} في انتصاب "أجراً" أربعة أوجُه: أحدها: النَّصْب على المَصْدَر من مَعْنَى الفِعْل الذي قَبْلَه لا من لَفْظِه؛ لأن مَعْنَى "فَضَّلَ الله": آجرَ؛ فهو كقوله: أجْرُهُم أجْرٌ، ثم قوله - تعالى -: {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ [وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} بدل من قوله: "أجْراً". الثاني: أنه انْتَصَب على إسْقَاط الخافِضِ، أي: فضلهم بأجْر. الثالث: النَّصْب على أنَّه مَفْعُول ثاني؛ لأنه ضَمَّن فضَّل معنى أعْطَى، أي: أعْطَاهم أجراً تفضلاً مِنْه. الرابع: أنه حالٌ من درجات]. قال الزمخشري: "وانتصب "أجْراً" على الحَالِ من النّكرة التي هي "دَرَجَاتٍ" مقدَّمةً عليها" وهو غير ظَاهِر؛ لأنه لو تأخَّر عن "دَرَجَاتٍ" لم يَجُز أن يَكُون نعتاً لـ "دَرَجَاتٍ" لعدم المطابقة؛ لأنَّ "درجات" جَمْع، و "أجْراً" مفرد، كذا ردَّه بعضهم، وهي غَفْلَة؛ فإنَّ "أجراً" مَصْدرٌ، والأفْصَحُ فيه يُوَحَّدَ ويُذَكَّر مطلقاً، [وقيل: انتصَب على التَّمْيِيز، و "دَرَجَاتٍ" عَطْف بَيَان]. قوله - تعالى - "درجات" فيه سِتَّة أوجه: الأربعة المذكورة في "دَرَجَة". والخامس: أنه بدلٌ من "أجْراً". السادس ذكره ابن عَطِيَّة أنه منصوبٌ بإضْمَار فعلٍ، على أن يكون تَأكِيداً للأجْرِ، كما تقول: "لك عليَّ ألفُ دِرْهَمٍ عُرْفاً" كأنك قُلْت: أعْرِفُها عُرْفاً، وفيه نظر، و "مغفرة ورحمة" عطف على "دَرَجَاتٍ"، ويجُوز فيهما النَّصْب بإضْمَار فِعْلِهِما [تَعْظِيماً]، أي: وغَفَرَ لهم مَغْفِرَةً، ورحِمَهُم رَحْمَةً. فأن قيل: إنه - تعالى - لِمَ ذَكَرَ أولاً "دَرَجَة" وهَهُنَا "دَرَجَاتٍ"؟ فالجواب من وُجوه: أحدها: ليس المُرَاد بالدَّرجة الوَاحِدَةَ بالعَدَدِ، بل الوَاحِد بالجِنْسِ، فيدْخُل تحته الكَثير بالنَّوْعِ. وثانيها: أن المُجَاهِد أفضَل [بالضَّرُورة] من القَاعِد المَضْرُور [بدرجَة] ومن القَاعِد الصَّحيح [بدَرَجَات] وهذا على القَوْل بعدم المُسَاواةِ بين المُجَاهِدِين والأضِرّاء. وثالثها: فضَّلَ المُجَاهِدِين في الدُّنْيَا بدرجَة وَاحِدة، وهي الغَنِيمَة، وفِي الآخِرة بدرجَات كَثيِرة في الجَنَّة. ورابعها: أن المُرَاد بـ "المُجَاهِدين" في الأولى: المُجَاهِدِين بأمْوَالِهِم وأنفُسِهِم، وههنا المراد بـ "المُجَاهِدِين": من كان مُجَاهِدَاً على الإطْلاق في كُلِّ الأمُور، وأعْنِي: في عمل الظَّاهِرِ؛ كالجهاد بالنفس والمَالِ والحج، وعلى العباداتِ كُلِّها، وفي أعْمَال القلُوب وهو أشرف أنْوَاعِ الجِهَاد؛ لأنه صَرْف القَلْبِ من الالْتِفَات إلى غَيْر الله إلى الاستغَراقِ في طَاعَةِ اللَّه. فصل ذكر المفَسِّرون معنى "الدرجات". قال ابن جبير في هذه الآيَةِ هي سَبْعُونَ دَرَجَة، ما بَيْن كل دَرَجَتَيْن عَدْو الفَرَسِ الجَوادِ المضمر سَبْعين خريفاً. وقيل: الدَّرَجَاتِ هي الإسْلام والهِجْرَةِ والجِهَادِ والشَّهَادَة، فاز بها المُجَاهدُِون. فصل: في حكم الجهاد والجهاد في الجُمْلَة فَرضٌ، غير أنه يَنْقَسِم إلى فَرْضِ العَيْنِ وفَرْضِ الكِفَاية، ففرض العَيْنِ أن يَدْخُلَ العَدُوُّ دارَ قوم من المُؤمِنِيِن، فيجب على كُلِّ مكَلَّفِ من الرِّجَالِ ممن لا عُذْرَ له مِنْ أهْلِ تلك البَلْدَةِ الخُرُوج إلى عَدوِّهم، حراً كان أو عَبْداً، غنياً كان أو فَقِيراً، دفعاً عن أنفسهم وعن جِيِرانِهم، وهو في حَقِّ من بَعُد مِنْهُم من المُسْلِمِين فرضٌ على الكِفَاية، فإن لم يَقَع الكِفَاية بمن نَزَل بِهِم، يجب على من بَعُد منهم من المُسْلِمِين عَوْنُهم، وإن وقعت الكِفَاية بالنَّازِِلين بهم، فلا فرضَ على الأبْعَدين، ولا يَدْخُل في هذا القِسْم العَبيد والفُقَراء، فإذا كان الكُفَّار قَادِرِين في بِلادهم، فعلى الإمَام ألا يُخَلَّي كلَّ سَنَة عن غَزْوة يغزوها بِنفْسِه أو بسَراياه، حتى لا يكُون الجِهَاد مُعَطلاً. فصل: رد شبهة الشيعة قال الشِّيعة: عَلِيُّ كان مِن المُجَاهِدِين، وأبو بكر من القَاعِدِين، فيكون عَلِيٌّ أفْضَل، للآية، فيُقَالُ لهم: مباشَرَة علي للقِتَالِ أكثر مُبَاشَرَةً من النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فيكون أفْضَل منه، وهذا لا يَقُولُه عَاقِلٌ، فإن قالوا: جِهَاد النَّبِي صلى الله عليه وسلم لأنه في إظْهَارِ الدِّين بتَقْرير [الأدلة] قُلْنَا: وكذلك أبُو بَكْر، سعى في إظْهَارِ الدِّين في أوّل الإسْلام، حتى أسْلَم على يَدِه جَمَاعَة، وبالغ في الذَّبِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم بنفْسِه وماله، وكان عَلِيُّ حينئذٍ صَبِيّاً لا يُسَلِّم أَحَدٌ بقوله، وما كان قَادِراً على الدِّين، وجهاد أبِي بكْر في أوَّل الإسْلام وضَعْفِه، وجِهَاد عَلِيَّ كان وهو في الدِّين بعد ظُهُور الإسْلام وقُوَّتِه، والأوّل أفضل، وأيضاً: فجهَاد أبِي بكر كان بالدَّعْوةِ إلى الدِّين، وأكثر أفاضل العَشْرة أسْلَمُوا على يَدِهِ، وذلك حِرْفَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وجهاد عَلِيٍّ كان بالقَتْل، والأوّل أفضل. فصل: رد شبهة المعتزلة [قالت المعتزلة] لما كان التَّفَاوُت في الثواب بحسب التَّفاوُت في العَمَل، دَلَّ على أن عِلَّة الثَّوابِ هو العَمَل، وأيضاً لو لم يكن العَمَل مُوجِباً للثَّوَاب، لكان الثَّوَاب هِبَةً لا أجراً، والله - تعالى - سمَّاه أجراً. فالجواب: أن العمل عِلَّةُ الثَّوَاب، بجعل الشَّارع لا بِذَاتِه. فصل: الاشتغال بالنوافل أفضل من النكاح قال الشَّافِعِيّة: دَلَّت الآية على أن الاشتغال بالنَّوافِل، أفْضَل من الاشتغال بالنكاح، لأن من أقَام بالجِهَادِ، سقط الفَرْضُ عن البَاقِين، فلو أُقيموا عليه كان من النَّوافِل، والآية تَقْتَضِي تَفْضِيل جميع المُجَاهِدين من مُفْتَرَضٍ و [من] مُتنَفِّل على القَاعِدِين والمتنقل بالنِّكاح قاعِد عن الجِهَاد، فثبت أن الاشْتِغَال بالمَنْدُوب إليه من الجِهَاد أفْضَل من الاشْتِغَال بالنِّكاح.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبغوي في معجمه والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال: لما نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ادع فلاناً. وفي لفظ: ادع زيداً، فجاء ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله إني ضرير؟! فنزلت مكانها {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله}". وأخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي من طريق ابن شهاب قال: "حدثني سهل بن سعد الساعدي أن مروان بن الحكم أخبره: أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها عليّ فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله {غير أولي الضرر} قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قال: وفي هذا الحديث رواية رجل من الصحابة وهو سهل بن سعد عن رجل من التابعين وهو مروان بن الحكم، لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم". وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وأبو داود وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني والحاكم وصححه من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت قال: "كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سري عنه: فقال: اكتب. فكتبت في كتف {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} إلى آخر الآية. فقال ابن أم مكتوم - وكان رجلاً أعمى - لما سمع فضل المجاهدين: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ يا زيد. فقرأت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب {غير أولي الضرر...} الآية. قال زيد: أنزلها الله وحدها فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف". وأخرج ابن فهر في كتاب فضائل مالك وابن عساكر من طريق عبد الله بن رافع قال: قدم هارون الرشيد المدينة، فوجه البرمكي إلى مالك وقال له: احمل إليّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك. فقال للبرمكي: أقرئه السلام وقل له: إن العلم يزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي. فرجع البرمكي إلى هارون فقال له: يا أمير المؤمنين يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك فخالفك، اعزم عليه حتى يأتيك، فإذا بمالك قد دخل وليس معه كتاب، وأتاه مسلماً فقال: يا أمير المؤمنين إن الله جعلك في هذا الموضع لعلمك فلا تكن أنت أوّل من يضع العلم فيضعك الله، ولقد رأيت من ليس في حسبك ولا بيتك يعز هذا العلم ويجله فأنت أحرى أن تعز وتجل علم ابن عمك، ولم يزل يعدد عليه من ذلك حتى بكى هارون ثم قال أخبرني الزهري عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت: "كنت أكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في كتف {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون} وابن أم مكتوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد أنزل الله في فضل الجهاد ما أنزل، وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أدري... قال زيد بن ثابت: وقلمي رطب ما جف حتى غشي النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، ووقع فخذه على فخذي حتى كادت تدق من ثقل الوحي، ثم جلى عنه فقال لي: اكتب يا زيد {غير أولي الضرر} فيا أمير المؤمنين حرف واحد بعث به جبريل والملائكة عليهم السلام من مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي لي أن أعزه وأجله...؟!". وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق مقسم عن ابن عباس "أنه قال {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} عن بدر والخارجين إلى بدر، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم: انا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر {فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس. أنه قال {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} عن بدر والخارجين إليها. وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات عن زيد بن أرقم قال: "لما نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} جاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أما لي من رخصة؟ قال: لا. قال: اللهم إني ضرير فرخِّص لي. فأنزل الله {غير أولي الضرر} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابتها". وأخرج عبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن حبان والطبراني عن الفلتان بن عاصم قال "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه دام بصره، مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه، لما يأتيه من الله قال: فكنا نعرف ذلك منه. فقال للكاتب: اكتب {لا يستوي القاعدون والمجاهدون في سبيل الله} فقام الأعمى فقال: يا رسول الله ما ذنبنا؟ فأنزل الله، فقلنا للأعمى: إنه ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فخاف أن يكون ينزل عليه شيء في أمره، فبقي قائماً يقول: أعوذ بغضب رسول الله فقال للكاتب: اكتب {غير أولي الضرر} ". وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس حديث : {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فسمع بذلك عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله قد أنزل الله في الجهاد ما قد علمت، وأنا رجل ضرير البصر لا أستطيع الجهاد فهل لي من رخصة عند الله إن قعدت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أمرت في شأنك بشيء، وما أدري هل يكون لك ولأصحابك من رخصة. فقال ابن أم مكتوم: اللهم إني أنشدك بصري. فأنزل الله {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} . تفسير : وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي من طريق أبي نضرة عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض وأوجاع، فأنزل الله عذرهم من السماء. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم {غير أولي الضرر} لقد رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شداد قال "لما نزلت هذه الآية {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} قام ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله إني ضرير كما ترى؟ فأنزل الله {غير أولي الضرر}". وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: "ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أم مكتوم: يا نبي الله عذري؟ فأنزل الله {غير أولي الضرر}". وأخرج ابن جرير عن سعيد قال "نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين... والمجاهدين في سبيل الله} فقال رجل أعمى: يا نبي الله فإني أحب الجهاد ولا أستطيع أن أجاهد. فنزلت {غير أولي الضرر}". وأخرج ابن جرير عن السدي قال "لما نزلت هذه الآية قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إني أعمى ولا أطيق الجهاد. فأنزل الله فيه {غير أولي الضرر}". وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير من طريق زياد بن فياض عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت {لا يستوي القاعدون} قال عمرو بن أم مكتوم: يا رب ابتليتني فكيف أصنع؟ فنزلت {غير أولي الضرر} . وأخرج ابن سعد وابن المنذر من طريق ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: لما نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} قال ابن أم مكتوم: أي رب أين عذري، أي رب أين عذري؟ فنزلت {غير أولي الضرر} فوضعت بينها وبين الأخرى، فكان بعد ذلك يغزو ويقول: ادفعوا إلي اللواء، وأقيموني بين الصفين فإني لن أفر. وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: نزلت في ابن أم مكتوم أربع آيات {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} ونزل فيه {أية : ليس على الأعمى حرج} تفسير : [النور: 61] ونزل فيه {أية : فإنها لا تعمى الأبصار...} تفسير : [الحج: 46] الآية. ونزل فيه {أية : عبس وتولى} تفسير : [عبس: 1] فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم، فأدناه وقربه وقال: "حديث : أنت الذي عاتبني فيك ربي ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: لا يستوي في الفضل القاعد عن العدو والمجاهد درجة يعني فضيلة {وكلا} يعني المجاهد والقاعد المعذور {وفضل الله المجاهدين على القاعدين} الذين لا عذر لهم {أجراً عظيماً درجات} يعني فضائل {وكان الله غفوراً رحيماً} بفضل سبعين درجة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {غير أولي الضرر} قال: أهل العذر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} قال: على أهل الضرر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {وكلاً وعد الله الحسنى} أي الجنة والله يؤتي كل ذي فضل فضله. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة} قال: على القاعدين من المؤمنين {غير أولي الضرر}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {درجات منه ومغفرة ورحمة} قال: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة درجة في الإسلام، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قول الله تعالى {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه} الدرجات هي السبع التي ذكرها في سورة براءة {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب} [التوبة:120] فقرأ حتى بلغ {أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 121] قال: هذه السبع درجات؟ قال: كان أول شيء فكانت درجة الجهاد مجملة، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفضيل أخرج منها ولم يكن له منها إلا النفقة فقرأ {لا يصيبهم ظمأ ولا نصب} [التوبة: 120] وقال: ليس هذا لصاحب النفقة، ثم قرأ {ولا ينفقون نفقة} قال: وهذه نفقة القاعد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن محيريز في قوله {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات} قال: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين عدو الجواد المضمر سبعون سنة. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي مجلز في قوله {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات} قال: بلغني أنها سبعون درجة، بين كل درجتين سبعون عاماً للجواد المضمر. وأخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله {درجات منه ومغفرة ورحمة} قال: ذكر لنا أن معاذ بن جبل كان يقول: إن للقتيل في سبيل الله ست خصال من خير: أول دفعة من دمه يكفر بها عنه ذنوبه، ويحلى عليه حلة الإيمان، ثم يفوز من العذاب، ثم يأمن من الفزع الأكبر، ثم يسكن الجنة، ويزوج من الحور العين. وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم عن أبي سعيد. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من رضي بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، وجبت له الجنة. فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها عليّ يا رسول الله. فأعادها عليه ثم قال: وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة. فقال رجل: يا رسول الله وما الدرجة؟ قال: أما أنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبادة بن الصامت. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك قال: كان يقال: الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء إلى الأرض، فيهن الياقوت والخيل، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد.
ابو السعود
تفسير : {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ} بـيانٌ لتفاوت طبقاتِ المؤمنين بحسب تفاوتِ درجاتِ مساعيهم في الجهاد بعد ما مر من الأمر به وتحريضِ المؤمنين عليه ليأنَفَ القاعدُ عنه ويترفَّعَ بنفسه عن انحطاط رتبتِه فيهتزّ له رغبةً في ارتفاع طبقتِه، والمرادُ بهم الذين أُذِن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاءً بغيرهم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم القاعدون عن بدْر والخارجون إليها، وهو الظاهرُ الموافقُ لتاريخ النزولِ لا ما روي عن مقاتل من أنهم الخارجون إلى تبوك، فإنه مما لا يوافقه التاريخُ ولا يساعده الحالُ إذا لم يكن للمتخلّفين يومئذ هذه الرخصةُ. وقولُه تعالى: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من القاعدين أي كائنين من المؤمنين وفائدتُها الإيذانُ من أول الأمرِ بعدم إخلالِ وصفِ القعودِ بإيمانهم، والإشعارُ بعلة استحقاقِهم لما سيأتي من الحُسنى {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} صفةٌ للقاعدين لجرَيانه مَجرىٰ النكرةِ حيث لم يُقصَدْ به قومٌ بأعيانهم، أو بدلٌ منه، وقرىء بالنصب على أنه حالٌ منه أو استثناء، وبالجر على أنه صفةٌ للمؤمنين أو بدلٌ منه والضررُ المرضُ أو العاهةُ من عمىً أو عرَجٍ أو زَمانةٍ أو نحوها، وفي معناه العجزُ عن الأُهبة. عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشِيَتْه السكينةُ فوقعت فخِذُه على فخذي حتى خشِيتُ أن ترُضَّها ثم سُرِّيَ عنه فقال: «اكتبْ» فكتبتُ {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ} فقال ابنُ أمِّ مكتومٍ وكان أعمى: يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهادَ من المؤمنين فغشيتْه السكينةُ كذلك ثم سُرِّي عنه فقال: «اكتب» {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} {وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ} إيرادُهم بهذا العنوانِ دون الخروجِ المقابلِ لوصف المعطوفِ عليه كما وقع في عبارة ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما وكذا تقيـيدُ المجاهدةِ بكونها {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} لمدحهم بذلك والإشعارِ بعلة استحقاقِهم لعلو المرتبةِ مع ما فيه من حسن موقعِ السبـيلِ في مقابلة القعودِ وتقديمِ القاعدين في الذكر، والإيذانِ من أول الأمرِ بأن القصورَ الذي يُنبىء عنه عدمُ الاستواءِ من جهتهم لا من جهة مقابليهم، فإن مفهومَ عدمِ الاستواءِ بـين الشيئين المتفاوتين زيادةً ونُقصاناً وإن جاز اعتبارُه بحسب زيادةِ الزائدِ لكن المتبادِرَ اعتبارُه بحسب قصورِ القاصر، وعليه قولُه تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ } تفسير : [الرعد، الآية 16] إلى غير ذلك وأما قولُه تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزمر، الآية 9] فلعل تقديمَ الفاضلِ فيه لأن صلتَه ملكةٌ لصلة المفضولِ، وقولُه عز وجل: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً} استئنافٌ مَسوقٌ لتفصيل ما بـين الفريقين من التفاضل المفهومِ من ذكر عدمِ استوائِهما إجمالاً ببـيان كيفيتِه وكمِّيتِه مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه المقالُ كأنه قيل: كيف وقع ذلك؟ فقيل: فضّل الله الخ، وأما تقديرُ ما لهم لا يستوون فإنما يليق بجعل الاستئنافِ تعليلاً لعدم الاستواءِ مَسوقاً لإثباته، وفيه عكسٌ ظاهرٌ فإن الذي يحِقُّ أن يكونَ مقصوداً بالذات إنما هو بـيانُ تفاضُلِ الفريقين على درجات متفاوتة، وأما عدمُ استوائِهما فقُصارى أمرِه أن يكون توطئةً لذكره، ولامُ المجاهدين والقاعدين للعهد، فقيدُ كونِ الجهادِ في سبـيل الله معتبرٌ في الأول كما أن قيدَ عدمِ الضررِ معتبرٌ في الثاني، و{دَرَجَةً} نُصب على المصدرية لوقوعها موقعَ المرَّةِ من التفضيل أي فضل الله تفضيلةً أو على نزع الخافضِ أي بدرجة، وقيل: على التميـيز، وقيل: على الحالية من المجاهدين أي ذوي درجةٍ وتنوينُها للتفخيم، وقوله تعالى: {وَكُلاًّ} مفعولٌ أولٌ لما يعقُبه قُدّم عليه لإفادة القصرِ تأكيداً للوعد أي كلَّ واحدٍ من المجاهدين والقاعدين {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي المثوبةَ الحسنى وهي الجنةُ لا أحدَهما فقط كما في قوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً } تفسير : [النساء، الآية 79] على أن اللامَ متعلقةٌ برسولاً والجملةُ اعتراضٌ جيء به تداركاً لما عسى أن يُوهِمَهُ تفضيلُ أحدِ الفريقين على الآخَر من حرمانِ المفضولِ، وقولُه عز وجل: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ} عطفٌ على قوله تعالى: {فَضَّلَ ٱللَّهُ} الخ، واللامُ في الفريقين مُغْنيةٌ لهما عن ذكر القيودِ التي تُركت على سبـيل التدريجِ وقوله تعالى: {أَجْراً عَظِيماً} مصدرٌ مؤكّدٌ لفضّل على أنه بمعنى أَجَر، وإيثارُه على ما هو مصدرٌ من فعله للإشعار بكون ذلك التفضيلِ أجر لأعمالهم، أو مفعولٌ ثانٍ له بتضمينه معنى الإعطاءِ أي أعطاهم زيادةً على القاعدين أجراً عظيماً، وقيل: هو منصوبٌ بنزع الخافضِ أي فضّلهم بأجر عظيم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} [الآية: 95]. قال بعضهم: العاملين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على القاعدين عنه أجراً عظيماً.
القشيري
تفسير : الحقُّ سبحانه جمع جميع أوليائه في أفضاله لكنه غَايَرَ بينهم في الدرجات، فَمِنْ غنيٍّ ومن عبدٍ هو أغنى منه، ومِنْ كبيرٍ ومن هو أكبر منه، هذه الكواكب دُرِّية ولكن القمرَ فوقها، وإذا طلعت الشمسُ بهرت الجميع بنورها!
البقلي
تفسير : {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} المجاهدين الذين بدلوا بهجتهم فى طلب مشاهدة الله بوصف المراقبة والقاعدين اهل الفترة قعدوا عن طلب جماله تعالى بحظوظ البشرية والاجر العظيم مشاهدة الله ووصول قربته وقال بعضهم فى قوله فضل الله المجاهدين على القاعدين القائمين --- المعروف والنهى عن المنكر على القاعدين عنه اجرا عظيما.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يستوى القاعدون} عن الجهاد {من المؤمنين} حال من القاعدين اى كائنين من المؤمنين وفائدتها الايذان من اول الامر بعدم اخلال وصف القعود بايمانهم والاشعار بعلة استحقاقهم كما سيأتى من الحسنى {غير اولى الضرر} بالرفع صفة للقاعدون. فان قلت كلمة غير لا تتعرف بالاضافة فكيف جاز كونها صفة للمعرفة. قلت اللام فى القاعدون للعهد الذهنى فهو جار مجرى النكرة حيث لم يقصد به قوم باعيانهم والا ظهر انه بدل من القاعدون. والضرر المرض والعاهة من عمى او عرج او شلل او زمانة او نحوها وفى معناه العجز عن الاهبة. "حديث : عن زيد بن ثابت رضى الله عنه انه قال كنت الى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذه على فخذى حتى خشيت ان ترضها اى تكسرها ثم سرى عنه وازيل ما عرض له من شدة الوحى فقال "اكتب فكتبت لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون" فقال ابن ام مكتوم وكان اعمى يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين فغشيته السكينة كذلك ثم سرى عنه فقال "اكتب لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر" قال زيد انزلها الله وحدها فالحقتها" تفسير : فالمراد بالقاعدين هم الاصحاء الذين اذن لهم فى القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم لان الغزو فرض كفاية قال ابن عباس رضى الله عنهما هم القاعدون عن بدر والخارجون اليها وهو الظاهر الموافق لتاريخ النزول {والمجاهدون} عطف على القاعدون {فى سبيل الله باموالهم وانفسهم} اى لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة فى الاجر والثواب. فان قلت معلوم ان القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفى الاستواء. قلت فائدته تذكير ما بينهما من التفاوت العظيم ليرغب القاعد فى الجهاد رفعا لرتبته وانفة عن انحطاط منزلته {فضل الله المجاهدين باموالهم وانفسهم} جملة موضحة لما نفى الاستواء فيه فان انتفاء الاستواء بينهما يحتمل ان يكون بزيادة درجة احدهما على درجة الآخر وبنقصانها فبين الله تعالى بهذه الجملة ان انتفاء استوائهما انما هو بانه تعالى فضل المجاهدين كأنه قيل ما لهم لا يستوون فاجيب بذلك {على القاعدين} غير اولى الضرر لكون الجملة بيانا للجملة الاولى المتضمنة لهذا الوصف {درجة} تنوينها للتفخيم كما سيأتى ونصبها بنزع الخافض اى بدرجة او على المصدرية لانه لتضمنه معنى التفضيل ووقوعه موقع المرة من التفضيل كان بمنزلة ان يقال فضلهم تفضيلة واحدة ونظيره قولك ضربه سوطا بمعنى ضربه ضربة {وكلا} من القاعدين والمجاهدين {وعد الله الحسنى} اى المثوبة الحسنى وهى الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم وانما التفاوت فى زيادة العمل المقتضى لمزيد الثواب. قوله كلا مفعول اول لوعد والحسنى مفعوله الثانى وتقديم الاول على الفعل لافادة القصر تأكيدا للوعد اى كلا منهما وعد الله الحسنى لا احدهما فقط والجملة اعتراض جيئ بها تداركا لما عسى يوهمه تفضيل احد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول. قال الفقهاء وهذا يدل على ان الجهاد فرض كفاية وليس مفروضا على كل احد بعينه لانه تعالى وعد القاعدين عنه الحسنى كما وعد المجاهدين ولو كان الجهاد واجبا على كل احد على التعيين لما كان القاعد اهلا لوعد الله تعالى اياه بالحسنى {وفضل الله المجاهدين على القاعدين} عطف على قوله فضل الله {اجرا عظيما} نصب على المصدر لان فضل بمعنى آجر اى آجرهم اجرا عظيما وايثاره على ما هو مصدر من فعله للاشعار بكون ذلك التفضيل اجرا لاعمالهم او مفعول ثان لفضل لتضمنه معنى الاعطاء اى واعطاهم زيادة على القاعدين اجرا عظيما. وقيل نصب بنزع الخافض اى فضلهم باجر عظيم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من المؤمنين}: حال من {القاعدين}، و {غير} بالرفع: صفة للقاعدين، وبالنصب: حال، وبالجر: بدل من المؤمنين، و {درجة}: نصب على إسقاط الخافض، أو على المصدر، لأنه متضمن معنى التفضيل، أو على الحال، أي: ذوي درجة. و {أجرًا عظيمًا}: مصدر لفضَّل، لأنه بمعنى أجرًا، أو مفعول ثان لفضَّل، لأنه بمعنى أعطى، أي: أعطاهم زيادة على القاعدين أجرًا عظيمًا، و {درجات} وما بعده، كل واحد بدل من {أجرًا} ، و {درجات}: نصب على المصدر، كقولك: ضربته أسواطًا، و {أجرًا}: حال، تقدمت عليها؛ لأنها نكرة و {مغفرة ورحمة}: على المصدر بإضمار فعلهما. يقول الحقّ جلّ جلاله: ترغيبًا في الجهاد: {لا يستوي القاعدون} عن الجهاد {من المؤمنين} مع المجاهدين في سبيل الله في الدرجة والأجر العظيم. ولما نزلت أتى ابنُ أم مكتوم وعبد الله بن جحش، وهما أعميان فقالا: يا رسول الله ذكرَ الله فضيلةَ المجاهدين على القاعدين، وحالُنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل من رخصة؟ فأنزل الله: {غير أُولي الضرر}، فجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين؛ لزمانتهم وحسن نياتهم. ثم ذكر فضل مَن خرج من قعد لعذٍر فقال: {فضِّل الله المجاهدين بأموالهم}، مواساة للمجاهدين، {وأنفسهم} ببذلها في سبيل رب العالمين، {على القاعدين} لعذر، {درجة} واحدة، لمزيد مشقة السفر والغزو والخطر بالنفس للموت، {وكُلاًّ} من القاعدين لعلة والمجاهدين في سبيل الله، {وعد الله الحسنى} أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة. {وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين} من غير عذر {أجرًا عظيمًا} وخيرًا جسيمًا. وفي البخاري: " حديث : إنَّ لله مائةً درَجةٍ أعدَّها للمجاهدين في سبيلِ الله، ما بينَ الدَرجتين كَمَا بين السَّماءِ والأرضِ"تفسير : . الحديث. ثم بيَّنها بقوله {درجات منة} أي: من فضله وإحسانه، {ومغفرة} لذنوبة، {ورحمة} تُقرِّبه إلى ربه، {وكان الله غفورًا} لما عسى أن يفرط منه، {رحيمًا} بما وعدَ له. الإشارة: لا يستوي القاعد مع حظوظه وهواه، مشتغلاً بتربية جاهه وماله وتحصيل مُناه، غافلاً عن السير إلى حضرة مولاه، مع الذي سلَّ سيفَ العزم في جهاد نفسه وهواه، وبذل مهجته وجاهد نفسه في طلب رضاه، حتى وصل إلى شهود أنوار جماله وسناه، هيهات هيهات، لا يستوي الأحياء مع الأموات، فإن قعد مع نفسه لعذر يُظهره، مع محبته لطريق القوم وإقراره لأهل الخصوصية، فقد فضَّل الله عليه المجاهدين لنفوسهم بدرجة الشهود ومعرفة العيان للملك الودود، وإن قعد لغير عذر مع الإنكار لأهل الخصوصية، فقد فضَّل الله عليه المجاهدين أجرًا عظيمًا، درجات منه بالترقي أبدًا، ومغفرة ورحمة، وفي البيضاوي: التفضيل بدرجة في جهاد الكفار، وبدرجات في جهاد النفس؛ لأنه الأكبر للحديث والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة: قرأ أهل المدينة وابن كثير غير أولي الضرر - نصباً - الباقون بالرفع. فمن رفع جعله نعتاً للقاعدين. ومن نصبه فعلى الاستثناء. وهو اختيار أبي الحسن الاخفش. المعنى: بين الله بهذه الآية انه {لا يستوي} ومعناه لا يعتدل {القاعدون} يعني المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الايمان بالله وبرسوله. المؤثرون الدعة والرفاهية على مقاساة الحر والمشقة بلقاء العدو، والجهاد في سبيله إلا أهل الضرر منهم بذهاب أبصارهم، وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها إلى الجهاد للضرار الذي بهم {والمجاهدون في سبيل الله} ومنهاج دينه لتكون كلمة الله هي العليا والمستفرغون وسعهم في قتال أعداء الله، وأعداء دينهم {بأموالهم} انفاقاً لها فيما يوهن كيد أعداء أهل الايمان. وقال قوم: إن قوله: {غير أولي الضرر} نزل بعد قوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاء عمر بن أم مكتوم، وكان أعمى فقال: يا رسول الله كيف وأنا أعمى، فما برح حتى نزل قوله: {غير أولي الضرر}. ذكر ذلك البراء بن عازب، وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت. وهو يقوي قراءة من قرأ بالنصب. الاعراب والمعنى: "والقاعدون" رفع بيستوي ويستوي ها هنا يقتضي فاعلين، فصاعداً وقوله: {والمجاهدون} معطوف عليه. والتقدير لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر والمجاهدون. وقال الفراء: الرفع أجود لاتصال {غير} بقوله: {القاعدون} والاستثناء كان يجب أن يكون بعد تمام الكلام بقوله: {لا يستوي القاعدون... والمجاهدون غير أولي الضرر} قال ويجوز خفضه نعتاً للمؤمنين وما قرئ به. والأول أقوى. ويحتمل النصب على الحال كقولك: جاء زيد غير مريب. فان قيل: أيجوز أن يساوي أهل الضرر المجاهدين على وجه، فان قلتم: لا، فقد صاروا مثل من ليس من أولي الضرر؟ قلنا: يجوز أن يساووهم بأن يفعلوا طاعات أخر تقوم مقام الجهاد، فيكون ثوابهم عليهم مثل ثواب الجهاد. وليس كذلك من ليس بأولي الضرر، لأنه قعد عن الجهاد، بلا عذر. وظاهر الآية يمنع من مساواته على وجه. وقال ابن عباس لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجين إلى بدر ثم قال: {وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} قال ابن جريج وغيره معناه فضل الله المجاهدين باموالهم وأنفسهم درجة على القاعدين من أهل الضرر ثم قال: {وكلا وعد الله الحسنى} يعني وعد الله الحسنى المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين أولي الضرر. والمراد بالحسنى ها هنا الجنة في قول قتادة وغيره من المفسرين. وبه قال السدي. وقوله: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} معناه فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر أجراًعظيماً. وقوله: {درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً} قال قتادة هو كما يقال: الاسلام درجة، والفقه درجة، والهجرة درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال عبد الله بن زيد: معنى الدرجات هي التسع درجات التي درجها في سورة براءة. وهي قوله: {أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} تفسير : (صلى الله عليه وسلم) {أية : ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيض الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً} تفسير : إلى قوله: {أية : ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون}تفسير : قال: هذه التسع درجات. وقال قوم: المراد بالدرجات ها هنا الجنة. واختاره الطبري. {ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً} معناه لم يزل الله غفاراً للذنوب صافحاً لعبيده عن العقوبة. رحيماً بهم متفضلا عليهم. فان قيل: كيف قال في أول الآية {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} ثم قال في آخرها {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات} وهذا ظاهر التناقض؟! قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن في أول الآية فضل الله المجاهدين على القاعدين أولي الضرر درجة وفي آخرها فضلهم على القاعدين غير أولي الضرر درجات ولا تناقض في ذلك، لأن قوله: {وكلا وعد الله الحسنى} يدل على أن القاعدين لم يكونوا عاصين مستخفين. وان كانوا تاركين للفضل. والثاني - قال أبو علي الجبائي: أراد بالدرجة الأولى علو المنزلة وارتفاع القدر على وجه المدح لهم كما يقال: فلان أعلى درجة عند الخليفة من فلان يريدون بذلك أنه أعظم منزلة. وبالثانية أراد الدرجات في الجنة التي تتفاضل بها المؤمنون بعضهم على بعض على قدر استحقاقهم، ولا تنافي بينهما. وقال الحسين بن علي المغربي انما كرر لفظ التفضيل، لأن الاول أراد تفضيلهم في الدنيا على القاعدين والثاني أراد تفضليهم في الآخرة بدرجات النعيم.
الجنابذي
تفسير : {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ} مستأنف جواب لسؤال مقدّرٍ ناش من التّهديد على قتل المؤمن متعمّداً والدّية والكفّارة على قتله خطأ ومن الامر بالتبيّن عند لقاء من لا يعلم حاله وممّا كان معلوماً من مورد نزول الآية وهو قتل اسامة بن زيد يهودياً فدكيّاً جمع عياله وماله وساق غنمه وانحاز الى ناحية جبل وكان قد اسلم فقال بعد ما لقى عسكر اسامة: السّلام عليكم لا إله الا الله؛ محمّد رسول الله، فبدراليه اسامة فقتله فلمّا رجع قال له رسول الله (ص): "حديث : افلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان فى نفسه علمت"تفسير : ، ونزلت الآية فحلف اسامة بعد ذلك ان لا يقتل احداً قال لا آله الا الله، وبهذا العذر تخلّف عن علّى (ع) وقيل: نزلت فى رجل آخر كان فى سريّة لقى رجلاً كان بينهما احنة فحيّاه الرّجل بتحيّة الاسلام فقتله وجاء الى رسول الله (ص) وقال: استغفر لى، فقال رسول الله (ص) "حديث : لا غفر الله لك" تفسير : وعلى اىّ تقدير صار المقام مقام ان يقال: هل القعود افضل من الجهاد ان كان فى الجهاد هذه الآفات؟ - فقال تعالى: لا يستوى القاعدون عن الحرب {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الّّذين قبلوا الدّعوة الظّاهرة سواء كانوا قبلوا الدّعوة الباطنة وبايعوا البيعة الخاصّة ام كانوا واقفين على الدّعوة الظّاهرة وعلى قبول البيعة العامّة الاسلاميّة، والظّرف مستقرّ حال عن القاعدون او عن المستتر فيه {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} قرئ برفع غير صفة للقاعدون لانّ الغير وان كان لا يتعرّف بالاضافة لغاية ابهامه لكنّه اذا اضيف الى معرّف يقع صفة للمعرفة اذا كانت المعرفة معرفة بالّلام الجنسيّة او موصولة لابهامهما مثل غير، او كان غير واقعاً بين النّقيضين، وقرئ بالنّصب حالاً عن القاعدون او عن المستتر فيه او منصوباً على الاستثناء، وقرئ بالجرّ صفة للمؤمنين، قيل: نزلت الآية فى جمع تخلّفوا عن غزوة تبوك ولم يكن فيها غير اولى الضّرر فجاء ابن امّ مكتوم وكان اعمى وهو يبكى فقال: يا رسول الله (ص) كيف بمن لا يستطيع الجهاد فغشيه الوحى ثانياً ثمّ سرّى عنه فقال "حديث : اقرء غير اولى الضّرر فألحقها والّذى نفسى بيده لكأنّى انظر الى ملحقها عند صدع فى الكتف" تفسير : {وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ} ببذلها على المجاهدين وصرفها فى سبيل الخيرات وانقاقها على انفسهم فى الجهاد وصرف قواهم الّتى هى اموالهم الحقيقيّة وكذلك نسبة افعالهم واوصافهم الى انفسهم {وَأَنْفُسِهِمْ} باتعابها فى الجهاد واجهادها فى الخيرات والرّياضات وهذا تهييج للمجاهد فى جهاده وترغيب للقاعد عن قعوده {فَضَّلَ ٱللَّهُ} جواب لسؤال مقدّرٍ كأنّه قيل: ما الفرق بينهما؟ - فقال: فضّل الله {ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ} اظهر المجاهدين والقاعدين اشعاراً بعلّة الحكم وتكراراً لوصفها الدّاعى الى التّفضيل تهييجاً وترغيباً لهما، واظهر الاموال والانفس لانّه تعالى اراد ان يعلّق حكم التّفضيل بدرجةٍ واحدةٍ على حالة بقاء نسبة الاموال والانفس اليهم حتّى يظهر الفرق بين هؤلاء المجاهدين والمجاهدين الآتين، لانّه ذكر هناك تفضيلهم على القاعدين بدرجات وما امكن الاشارة الى بقاء نسبة الاموال والانفس الا بالتّصريح بهما واضافتهما اليهم، وقدّم الاموال على الانفس لانّ المجاهد يقدّم الاموال فى الجهاد دون نفسه ولانّه مال تكن نسبة الاموال اولاً لم تكن نسبة الانفس، وقدّم القاعدين اوّلاً واخّرهم ثانياً لانّ السؤال كأنّه كان عن حال القاعدين وانّهم هل يبلغون درجة المجاهدين ام لا؟ بخلاف المجاهدين فانّ فضلهم كان معلوماً. واعلم انّه لا فرق بين القاعد والمجاهد بالاموال والانفس الا بدرجة لانّهما فى نسبة الاموال والانفس اليهما متساويان لكنّ القاعد لم يترك الرّاحة بالاموال والانفس والمجاهد الاّ بدرجة لانّهما فى نسبة الاموال والانفس اليهما متساويان لكنّ القاعد لم يترك الرّاحة بالاموال والانفس والمجاهد ارتفع عنه درجة من حيث انّه ترك الرّاحة بالاموال والانفس وهما بخلاف المجاهدين فى الآية الآتية ولذلك قيّد ههنا التّفضيل بقوله تعالى {دَرَجَةً} واطلقه فى الآية الآتية {وَكُـلاًّ} منهما {وَعَدَ ٱللَّهُ} المثوبة {ٱلْحُسْنَىٰ} اذا لم يكن القعود عن عذرٍ، ولا اختصاص للآية بالقاعد والمجاهد الصّورىّ بل تجرى فى المؤمن القاعد فى نواحى دار اسلامه او الواصل الى دار اسلامه الّتى هى الصّدر والواقف فيها، وفى المؤمن المجاهد فى سبيل الله حال كونه فى حدود النّفس باقياً عليه نسبة المال والنّفس وحال كونه بلغ الى القلب وطرح نسبة المال والنّفس عن نفسه وجاهد حتّى طرح نسبة المال والنّفس عن نفسه وقتل فى حضور الامام بفنائه فى شيخه فلا يرى فى ممالك وجوده غير شيخه وللمجاهد فى فنائه مراتب ودرجات، رزقنا الله وجميع المؤمنين ذلك {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ} المجرّدين عن نسبة الاموال والانفس بطرح تلك النّسبة والفناء عن نسبة الاموال والصّفات والانفس {عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} لا يحدّ بحدٍّ لانّ هؤلاء المجاهدين قد خرجوا عن الحدود.
اطفيش
تفسير : {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}: آى يستوى فى الثواب القاعدون عن الجهاد، والمجاهدون فى سبيل الله، ومن المؤمنين حال من "القاعدون" أو من الضمير المستتر فيه، ومن للتبعيض، واستثنى أولى الضرر كالعمى والعرج، فغير حال من القاعدون أو من المستتر أو مفعول، أى أعنى وبسطت، نصب غير فى النحو، وقرأ غير نافع والكسائى وابن عامر برفع غير، على أنه بدل أو نعت القاعدون، لأن تعريف الموصول فى القاعدين للجنس الذى به الإفراد للاستغراق فجاز نعته بغير، ولو كانت اضافتها لا تفيد التعريف، والمعرف تعريف جنس يجوز نعته بالنكرة. وقيل: أن غير اذا وقعت بين ضدين تعرفت بالاضافة للمعرفة، كما هنا، فتكون هنا نعتا للقاعدون، لأن المعرف تعريف جنس يجوز نعته بالمعرفة وهو الأصل، ومنع بعض نعته بالنكرة، وقرىء بالجر على أنه نعت للمؤمنين أو بدل منه. قال زيد بن ثابت: حديث : كنت الى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذى حتى خشيت أن يرضها، أى يكسرها، ثم سرى عنه، أى كشف عنه ما كان به من شدة الوحى، فقال: اكتب، فكتبت فى كشف: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين وَالمُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} وليس فيها {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} فقال ابن أم مكتوم ـ وكان أعمى ـ يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين . تفسير : ويروى:حديث : والله لو استطعت لجاهدت، فغشيته السكينة فوقعت فخذه على فخذى حتى خشيت أن يرضها أى يكسرها ثم قال: "اقرأ يا زيد " فقرأت: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين} فقال: {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} قال زيد: أنزلها الله وحدها فألحقتها، والذى نفسى بيده لكأنى أنظر الى ملحقها عند صدع فى الكتف، أى الى موضع الحاقها من الكتفتفسير : ، وذلك لطف ولين بهذه الأمة، ورفع لم يرفع غيرها به يحتاجون بشىء، أو يغنم به أحد، فينزل فيه قرآن. ورواية ابن عازب تفصح أن زيد بن ثابت لم يحضر حين نزلت الآية، بل نزلت وهو غائب فدعى ليكتبها، فعن البراء بن عازب: لما نزلت: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت الآية: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} يعنى أعاد جبريل النزول بلفظ: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ} فزاد بعده {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ}، وانما أعاده بأمر الله، وفوض لذلك ونحوه، وما فوض اليه داخل فيما أمر به، وانما أعاده ليبين موضع الزيادة لا لتكرر تلاوته، ثم أن المراد أن غير أولى الضرر نزل فى محله بعدما نزل ما بعده وما قبله كما مر. وكما دل عليه ما فى رواية عن البراء: لما نزلت {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين} حديث : قال النبى صلى الله عليه وسلم: ادعوا فلان فجاء ومعه الدواة والقلم والكتف، فقال: اكتب {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ} الآية،تفسير : والمراد بفلان زيد بن ثابت كما دلت الروايتان السابقتان، وصرح بعض العلماء أن ابن أم مكتوم غائب حين نزلت الآية، وليس فيها غير أولى الضرر، فجاء فقال: يا رسول الله هل من رخصة فانى ضرير البصر، فنزل: {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ}. وفى رواية حاضر النزولين قال ابن عاصم: حديث : كنا قعودا عند النبى صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه وكان اذا أوحى اليه دام بصره مفتوحا، وفرغ سمعه وبصره لما يأتيه من الله تعالى، وكنا نعرف ذلك فى وجهه، ولما فرغ قال للكاتب اكتب: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين وَالمُجَاهِدُونَ} الآية فقام الأعمى فقال: يا رسول الله ما ذنبنا، فأنزل الله على رسوله، فقلنا للأعمى: انه الآن فى تلقى الوحى، فخاف أن ينزل فيه شىء، فبقى قائما مكانه يقول: أتوب الى الله ورسوله حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للكاتب: اكتب {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} تفسير : وأهل الضرر أهل الأعذار اذا ضرت بهم حتى منعتهم الجهاد، قاله ابن عباس، فسمى ما بهم من الموانع ضرا، لأنه ضرهم للمنع عن الجهاد، وقيل: لأن ذلك ضرر فى أبدانهم، ضرهم الله به وهو المتبادر، ومن صبر نفعه الله به، ولم يذكر فى تلك الروايات من دعا زيدا. وقد بين فى رواية الشيخ هود رحمه الله أنه ابن أم مكتوم، اذ قال: ذكروا عن البراء بن عازب قال: حديث : لما نزلت هذه الآية: {لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِين وَالمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ} جاء ابن أم مكتوم الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنا كما ترى، وكان أعمى، فقال: ادع لى زيدا وليأتى باللوح أو الكتف، فأنزل الله: {غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} تفسير : فأنزل عذره. قال الحسن: وهو كقوله: {أية : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج }تفسير : يعنى أن الضرر فى الآية العمى والعرج والمرض، وفى ذكر تفضيل المجاهدين ترغيب للقاعدين فى الجهاد، لأن النفس تأبى أن يفضل عليها من هو مثلها، كالترغيب بقوله تعالى: {أية : هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون }. تفسير : وعن على بن أبى طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان فى الجنة شجرة يخرج من أعلاها الحلل ومن أسفلها خيل بلق من ذهب مسرجة ملجمة بالدر والياقوت، لا تروث ولا تبول، ذوات أجنحة، فيجلس عليها أولياء الله، فتطير بهم حيث شاءوا، فيقول الذين أسفل منهم: يا أهل الجنة ناصفونا، يا رب ما بلغ هؤلاء هذه الكرامة، فقال الله تعالى: انهم كانوا يصومون وكنتم تفطرون، وكانوا يقومون بالليل وكنتم تنامون، وكانوا ينفقون وكنتم تبخلون، وكانوا يجاهدون العدو وكنتم تجبنون "تفسير : وغاية الجهاد جهاد المرء بماله ونفسه، ويليه جهاده بنفسه، ويليه جهاده بماله لا ببدنه، بأن يعطى سلاحا أو فرسا أو زادا من يجاهد. قال عطاء: من جهز غيره بمال فى سبيل الله، فان له بكل درهم سبعمائة ضعف، كل ضعف سبعون ألف ضعف، وانما يتقبل الله من المتقين، والآية دلت أن أولى الضرر لهم أجر المجاهدين بأنفسهم وأموالهم، وذلك اذا صحت نيتهم أنهم لو استطاعوا لجهادوا بأموالهم وأنفسهم. فعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم حبسهم المرض"تفسير : وعن أنس:حديث : رجعنا من غزوة تبوك مع النبى صلى الله عليه وسلم ان أقوى ما خلفناهم بالمدينة، ما سلكنا شعبا ولا واديا الا وهم معنا حبسهم العذر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذا مرض العبد قال الله تعالى لملائكته: اكتبوا لعبدى ما كان يعمله فى الصحة الى أن يبرأ "تفسير : وقد قيل فى قوله تعالى: {أية : ثم رددناه أسفل سافلين * إِلا الذين آمنوا وعلموا الصالحات }تفسير : أن من صار هرما كتب الله له أجر عمله قبل هرمه غير منقوص، والآية عامة المعنى والنزول. وعن ابن عباس: نزلت فى خاص، ولكن مثله غيره من الجهاد فى سبيل الله عز وجل، قال: لا يستوى القاعدون عن بدر، والخارجون اليها، وعن مقاتل: الى تبوك وما مر من الآية نص على أنه لا يستوى القاعدون والمجاهدون، ولم تنص أن المجاهدين أفضل، ولكن معلوم منها أنهم أفضل، ومعلوم من غيرها أيضا ونص على ذلك بقوله: {فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ}: الذين ليسوا بأولى الضرر. {دَرَجَةً}: عظيمة، يعنى تفضيله فى الآخرة وهو مفعول مطلق من نيابة اسم العين على المصدر، فان الدرجة حقيقة فى الموضع الذى يضع عليه الانسان رجله فيطلع، كقوله تعالى: {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتا }تفسير : وضربته سوطا، أو من نيابة اسم المعنى الذى ليس على معنى عامد المصدر مناب المصدر، فعلى هذا يكون مجازا فى الدرجة الثانية، على أنه نقل من الموضع الى مقدار من الشرف، ومن ذلك المقدار الى تصييرهم ذوى زيادة على القاعدين، ويجوز أن يكون منصوبا على نزع الخافض بدرجة أى بمقدار من الشرف، أو حالا على تقدير مضاف، أى ذوى درجة، وتلك الدرجة درجة الجهاد. {وَكَلا}: من المجاهدين والقاعدين عن الجهاد، الذين ليسوا بأولى الضرر، مفعول أول لوعد من قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ}: وقوله: {الحُسْنَى}: مفعول ثان، والحسنى الجنة، أى الدار الحسنى، وعليه السدى، أو المثوبة الحسنى، فالمجاهدون بايمانهم وعملهم وجهادهم، والقاعدون لايمانهم وعملهم لاخلاصهم، وهذا يدل على أن الجهاد فرض كفاية اذ أثاب القاعدين ولم يحبط عملهم بالقعود، مع أنهم غير أولى الضرر، وذلك اذا لم يحتج اليهم الامام، والمؤمنون أوقائهم، واذا احتيج اليهم، أو دهم العدو بلدا هم فيه، أو بلد غيرهم. وقد روى أن يلحقوا بهم للاعانة لقربهم، وجب عليهم، وأقول: يجب على الامام أن ينشىء الغزوة الى كل بلد سمع فيه شركا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون بعده يفعلون، وذلك بحسب الامكان، ثم بين الله تعالى أن تلك الدرجة المذكورة، وهو مقدار من شرف الآخرة وثوابها مشتملة على درجات كثيرة بقوله: {وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً0 دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً}: أعاد الاخبار بذكر تفضيل المجاهدين على القاعدين، عن الجهاد، وليسوا بأولى ضرر، وسمى درجتهم أجرا عظيما، أجرهم على جهادهم، وفضل تلك الدرجة الى درجات، كما يجعل بيوت فى بيت واحد، وذكر أنه غفر لهم ذنوبهم مغفرة، ورحمهم رحمة زائدة، أى أنعم عليهم، أو هى ذلك تفضيل بالدرجات، كل ذلك ترغيب فى الجهاد والدوام عليه، وأجرا مفعول به ثان لفضل على تضمنه معنى أعطى، أو مفعول مطلق على تضمن فضل معنى أجرا وتضمن أجرا معنى تفضيلا، أو منصوب على تقدير الباء، أى بأجر أو حال أى ذوى أجر عظيم. ولكن الأصل أن لا يكون المصدر حالا، وأن لا يخرج عليه الكلام، وهكذا قل فى غير هذا المحل، درجات بدل من أجرا ومنه نعت درجات، ومغفرة مفعول مطلق لمحذوف، وكذا رحمة، فالمعطوف محذوف وهو غفر ورحم، والعطف على فضل الثانى، ويجوز عطف مغفرة ورحمة على درجات، ويجوز أن يكن درجات مفعولا مطلقا لفضل على حد ما مر فى درجة، عليه فأجرا حال من درجات، وسوغ مجىء الحال من النكرة، وصفها بمنه، وتقديم الحال عليها، وساغ افراد الحال وجمع صاحبها لأنها مصدر وليس من مجىء لحال من النكرة المتأخرة. * لعزة موحشا طلل * لأن طلل مبتدأ ومجىء حال منه، ولو أجازه سيبويه لكن لا يظهر عندى، لأن الحال قيد، والابتداء لا يقيد بالحال، وانما موحشا حال من ضمير المبتدأ المستتر فى لعزة، وما ذكرته من كون هؤلاء الدرجات هن تلك الدرجة، وأن القاعدين فى هذين الموضعين هم القاعدون المذكورون، أولا ليسوا بأولى الضرر، وهو الذى ظهر لى، ثم رأيته والحمد لله لابن جريج، وقيل: كذلك لكن الدرجة الغنيمة والظفر، والدرجات فى الآخرة، وقيل: الدرجة ارتفاع شأنهم عند الله، والدرجات منازلهم فى الجنة. وروى عن ابن جريج رواية أخرى هى: أن القاعدين فى الموضع الثانى عن القاعدين المذكورين أولا، وأن القاعدين فى الموضع الثانى هم أولى الضرر القاعدون لضررهم عن القتال، وأن الله فضل المجاهدين على القاعدين لضرر فيهم بدرجة واحدة، وأن القاعدين فى الموضع الثالث هم القاعدون بلا ضرر فيهم، وأن الله جل وعلا فضل المجاهدين عليهم بدرجات كثيرة، وهو وجه حسن، لأنه ولو كان اللفظ معرفة فى المواضع الثلاثة، لكن دل افراد الدرجة المفضل بها الثانى، على أن التفضيل على أولى الضرر، وجمعها فى الثالث على أن التفضيل فيه على غير أولى الضرر، ثم لا يخفى أن أولى الضرر الذين لا همة لهم فى الجهاد، مساوون للقاعدين بلا ضرر، ولا يخفى أن الذى لا يجد الامام ما يحمله عليه، ولا يجد هو ما يحمل عليه هو بمنزلة أولى الضرر اذا اهتم بالجهاد. وقيل: المجاهدون الأولون على عموم المجاهدين المذكورين ثانيا، والمجاهدين المذكورين ثالثا أجملوا أولا، وفضلوا بها، وعليه فالمجاهدون المذكورون ثانيا من جاهدوا الكفار بأموالهم وأنفسهم، والمذكورون ثالثا من جاهدوا أنفسهم بمناقشتها وأتعابها بالطاعات، وصرف أموالها فى سبيل الله، وقيل: المجاهدون الأولون جاهدوا بأنفسهم وأموالهم، والمذكورون ثانيا جاهدوا بأموالهم فقط، أو بأنفسهم فقط، والمذكورون ثالثا المجاهدون لأنفسهم بحملها على ما تكره من الجهاد، وصرف المال فيه، وفى أنواع الأجر، وعلى ما تكره ويشق عليه من العبادات، وترك ما لا يجوز أو لا ينبغى. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر " تفسير : أى الى جهاد النفس، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد فى سبيل الله أو جلس فى أرضه التى ولد فيها" فقالوا: أولا نبشر الناس بقولك؟ فقال: "ان فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فاذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فانه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". تفسير : ويروى عن بعض: الحسنى درجات الجنة، وهن سبعون درجة، ما بين الدرجتين حصر جواد مضمر سبعين سنة وقال ابن زيد: الدرجات فى الآية هى السبع المذكورة فى براءة {أية : ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } تفسير : الآية. وعن قتادة: كان يقال: الاسلام درجات، والهجرة فى الاسلام درجة، والجهاد فى الهجرة درجة، والقتل فى الجهاد درجة، أى وهكذا وعن أبى سعيد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رضى بالله رباً وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة" فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها علىَّ يا رسول الله، فأعادها عليه ثم قال: "وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة فى الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" قال: وما هى يا رسول الله؟ قال: "الجهاد فى سبيل الله ". تفسير : {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً}: بذنوب هؤلاء وغيرهم من المؤمنين. {رَحِيماً}: منعما عليهم بثواب أعمالهم اذ وفقهم وقبلها.
اطفيش
تفسير : {لاَ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ} عن الحرب والمال، وقوله والمال على حذف المضاف تقديره وإنفاق المال، أوعن الحرب مع إنفاق المال فيها، كمر كوب وسلاح وزاد وفى البخارى هم القاعدون عن بدر، رواه عن ابن عباس، وقيل المتخلفون عن تبوك، إذ تخلف عنها كعب بن مالك من بنى مسلمة، ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف، والربيع وهلال بن أمية كلاهما من بنى واقف {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} من ضعف، أو هرم أو عمى، أو عرج أو قعود مع الوالدين المحتاجين إليه، أو عدم ما يغزون به، لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال: حديث : إن بالمدينة لأقواما، ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة، قال: نعم، وهم بالمدينة، حبسهم حابس العذرتفسير : ، أى لصحة تعلق نياتهم بالجهاد، كما قال عز وجل: ليس على الضعفاء إلى قوله عز وجل: إذا نصحوا لله ورسوله كما قال: {أية : ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا} تفسير : [التين: 5، 6] الخ، فمعناه أن من نوى عمل خير فمنعه مانع يكتب له أجره، ويقول للملائكة اكتبوا له أحسن ما كان يعمل، فأنا قيدته، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نية المؤمن خير من عمله فله ثواب ألف عام لما نواه نية صحيحة" تفسير : {وَالمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} قال زيد بن ثابت نزلت الآية أولا هكذا لا يستوى القاعدون من المؤمنين و المجاهدون فى سبيل الله الخ بدون ذكر قوله غير أولى الضرر، فقال ابن أم مكتوم فكيف وأنا أعمى يا رب، أين عذرى يا رب، أين عذرى، بمعنى أنه يطلب أن يعذر، فغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجلسه الوحى، فوقعت فخذه على فخذى، فخشيت أن ترضها، أى تكسرها، ثم سرى عنه، أى زالت عنه شدة الوحى، فقال: اكتب، لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أُولى الضرر المجاهدون فى سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم، بزيادة غير أُولى الضرر، قال زيد بن ثابت: ما جف قلمى وأنا اكتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قول ابن أم مكتوم حتى قال اكتب يا زيد غير أولى الضرر، نفى الله الاستواء بينهم ليرغب الناس عن القعود ويأنفوا عن انحطاط رتبهم، ومعلوم أن التفاوت يرفع المجاهدين عن القاعدين لا بانحطاطهم، لم يقل والخارجون فى سبيل الله، مع أنه أنسب بقوله لا يستوى القاعدون قدحا لهم وتصريحاً بموجب المزية، ولأن القعود كان قعوداً عن الجهاد، وأخر ذكر المجاهدين عن القاعدين ليتصل التصريح بفضلهم بهم، ووضح ذلك تأكيداً فى الترغيب بقوله {فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً} بدل اشتمال على حذف الرابط، أى درجة لهم، أو تمييز عن المفعول، أى فضل الله درجة المجاهدين، أو مفعول مطلق بمعنى تفضيله، وقدر بعض فى درجة، وبعض بدرجة، وبعض ذوى درجة {وَكلاًّ} من القاعدين والمجاهدين {وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى} الدار الحسنى، أو المثوبة الحسنى، وهى الجنة لإيمانهم مع إخلاص، ومع كون الجهاد على الكفاية فى المسألة إلا أن للمجاهدين فضلا عليهم لمزيد عملهم {وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} إعرابه كدرجة، أو ضمن فضل معنى أعطى، أى أعطاهم زيادة على القاعدين أجراً عظيما، وهذا تأكيد آخر، ودعا إليه ذكر، وكلا وعد الله الحسنى، والأجر العظيم الدرجة المذكورة.
الالوسي
تفسير : {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ} شروع في الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه وليرغبوا عما يوجب خللاً فيه، والمراد بالقاعدين الذين أذن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاءاً بغيرهم، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ هم القاعدون ـ عن بدر؛ وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ما قيل، وقال أبو حمزة: إنهم المتخلفون عن تبوك، وروي أن الآية نزلت في كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف والربيع وهلال بن أمية من بني واقف حين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة. {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حال من القاعدين، وجوز أن يكون من الضمير المستتر فيه، وفائدة ذلك الإيذان من أول الأمر بأن القعود عن الجهاد لا يقعد بهم عن الإيمان، والإشعار بعلة استحقاقهم لما سيأتي من الحسنى أي لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد حال كونهم كائنين من المؤمنين {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} بالرفع على أنه صفة ـ للقاعدون ـ وهو إن كان معرفة، و {غَيْرُ} لا تتعرف في مثل هذا الموضع لكنه غير مقصود منه ـ قاعدون ـ بعينهم بل الجنس، فأشبه الجنس فصح وصفه بها، وزعم عصام الدين إن {غَيْرُ} هنا معرفة، و {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} بمعنى لا ضرر له. ونقل عن الرضي ـ وبه ضعف ما تقدم ـ أن المعرف باللام المبهم وإن كان في حكم النكرة لكنه لا يوصف بما توصف به النكرة، بل يتعين أن تكون صفته جملة فعلية فعلها مضارع كما في قوله:شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني فأصد ثم أقول ما يعنيني تفسير : واستحسن بعضهم جعله بدلاً من {ٱلْقَـٰعِدُونَ} لأن أل فيه موصولة، والمعروف إرادة الجنس في المعرف بالألف واللام، وبينهما فرق، وجوز الزجاج الرفع على الاستثناء، وتبعه الواحدي فيه، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على أنه حال، وهو نكرة لا معرفة، أو على الاستثناء ظهر إعراب ما بعده عليه، وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين، أو بدل منه وكون النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة أكثري لا كلي، والضرر المرض والعلل التي لا سبيل معها إلى الجهاد، وفي معناها ـ أو هو داخل فيها ـ العجز عن الأهبة، وقد نزلت الآية وليس فيها {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} ثم نزل بعد، فقد روى مالك عن الزهري عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت: «حديث : كنت أكتب بين يدي النبـي صلى الله عليه وسلم في كتف ـ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون ـ وابن أم مكتوم عند النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟ فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: لا أدري قال زيد: وقلمي رطب ما جف حتى غشي النبـي صلى الله عليه وسلم الوحي ووقع فخذه على فخذي حتى كادت تدق من ثقل الوحي، ثم جلى عنه، فقال لي: أكتب يا زيد {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ}»تفسير : . {وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} في منهاج دينه {بِأَمْوٰلِهِمْ} إنفاقاً فيما يوهن كيد الأعداء {وَأَنفُسِهِمْ} حملاً لها على الكفاح عند اللقاء، وكلا الجارين متعلق ـ بالمجاهدون ـ وأوردوا بهذا العنوان دون عنوان الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه، وقيده بما قيده مدحاً لهم وإشعاراً بعلة استحقاقهم لعلو المرتبة مع ما فيه من حسن موقع السبيل في مقابلة القعود كما قيل، وقيل: إنما أوردوا بعنوان الجهاد / إشعاراً بأن القعود كان عنه ولكن ترك التصريح به هناك رعاية لهم في الجملة، وقدم (القاعدون) على ـ المجاهدين ـ ولم يؤخر عنهم ليتصل التصريح بتفضيلهم بهم، وقيل: للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم الاستواء من جهة القاعدين لا من جهة مقابليهم، فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصاناً وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد، لكن المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر، وعليه قوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ} تفسير : [الرعد: 16] إلى غير ذلك، وأما قوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 9] فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة لصلة المفضول. وأنت تعلم أنه لا تزاحم في النكات وأنه قد يكون في شيء واحد جهة تقديم وجهة تأخير، فتعتبر هذه تارة وتلك أخرى، وإنما قدم سبحانه وتعالى هنا ذكر الأموال على الأنفس وعكس في قوله عز شأنه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ} تفسير : [التوبة: 111] لأن النفس أشرف من المال فقدم المشتري النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد وأخر البائع تنبيهاً على أن المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها إلا في فائدة. وعلى ذلك النمط جاء أيضاً قوله تعالى: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ} في سبيله {بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ} من المؤمنين غير أولي الضرر {دَرَجَةً} لا يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها، وهذا تصريح بما أفهمه نفي المساواة فإنه يستلزم التفضيل إلى أنه لم يكتف بما فهم اعتناءاً به وليتمكن أشدّ تمكن، ولكون الجملة مبينة وموضحة لما تقدم لم تعطف عليه، وجوز أن تكون جواب سؤال ينساق إليه المقال كأنه قيل: كيف وقع ذلك التفضيل؟ فقيل: فضل الله الخ، واللام كما أشرنا إليه في الجمعين للعهد ولا يأباه كون مدخولها وصفاً ـ كما قيل ـ إذ كثيراً ما ترد أل فيه للتعريف كما صرح به النحاة، و (درجة) منصوب على المصدر لتضمنها التفضيل لأنها المنزلة والمرتبة وهي تكون في الترقي والفضل، فوقعت موقع المصدر كأنه قيل: فضلهم تفضيلة، وذلك مثل قولهم: ضربته سوطاً أي ضربة، وقيل: على الحال أي ذوي درجة، وقيل: على التمييز، وقيل: على تقدير حذف الجار أي بدرجة، وقيل: هو واقع موقع الظرف أي في درجة ومنزلة، وقوله تعالى: {وَكُلاًّ} مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيداً للوعد، وتنوينه عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين {وَعَدَ ٱللَّهُ} المثوبة {ٱلْحُسْنَىٰ} وهي الجنة ـ كما قال قتادة وغيره ـ لا أحدهما فقط، وقرأ الحسن ـ وكل ـ بالرفع على الابتداء، فالمفعول الأول ـ وهو العائد في جملة الخبر ـ محذوف أي وعده، وكأن التزام النصب في المتواترة لأن قبله جملة فعلية وبذلك خالف ما في ـ الحديد ـ و (الحسنى) على القراءتين هو المفعول الثاني، والجملة اعتراض جيء به تداركاً لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول. وقوله سبحانه: {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ} عطف على ما قبله، وأغنت أل عن ذكر ما ترك على سبيل التدريج من القيود، وإنما لم يعتبر التدريج في ترك ما ذكر مع القاعدين أولاً بأن يترك من المؤمنين فقط، ويذكر {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} في الآية الأولى ويتركهما معاً في الآية الثانية، بل تركهما دفعة واحدة عند أول قصد التدريج قيل: لأن قيد {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ} كان بعد السؤال كما يشير إليه سبب النزول. وفي بعض أخباره أن ابن أم مكتوم لما نزلت الآية جعل يقول: أي رب أين عذري أي رب أين عذري؟؟ فنزل ذلك فانسدت باب الحاجة إليه، وقنع السائل بذكره مرة فأسقط مع ما معه الساقط لذلك القصد دفعة، ولا كذلك / ما ذكر مع المجاهدين، فإن الإتيان به كان عن محض الفضل والامتنان من غير سابقة سؤال فلما فتحت باب الإسقاط اعتبر فيه التدريج فرقاً بين المقامين، وقوله تعالى: {أَجْراً عَظِيماً} مصدر مؤكد ـ لفضل ـ وهو وإن كان بمعنى أعطى الفضل وهو أعم من الأجر لأنه ما يكون في مقابلة أمر لكن أريد به هنا الأخص لأنه في مقابلة الجهاد، ويجوز أن يبقى على معناه، و {أَجْراً} مفعول به ولتضمنه معنى الإعطاء نصب المفعول أي أعطاهم زيادة على القاعدين أجراً عظيماً، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض أي فضلهم بأجر. وجعله ـ صفة لقوله تعالى: {دَرَجَـٰتٍ}.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس وثيق الصلة، شديد اللحمة بالدرس السابق والدرس الذي قبله كذلك. فهو تكملة موضوعية لموضوع الدرسين السابقين. ولو الرغبة في إقرار مبادىء المعاملات الدولية - كما يقررها الإسلام - لاعتبرناهما معاً مع هذا الدرس درساً واحداً متصلاً. إنما هي حلقات في خط واحد. إن موضوعه الأساسي هو الهجرة إلى دار الإسلام؛ والحث على انضمام المسلمين المتخلفين في دار الكفر والحرب إلى الصف المسلم المجاهد في سبيل الله بالنفس والمال. واطراح الراحة النسبية والمصلحة كذلك في البقاء بمكة، إلى جوار الأهل والمال! ولعل هذا هو المقصود بقوله تعالى في مطلع هذا الدرس: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين - غير أولي الضرر - والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة - وكلا وعد الله الحسنى - وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً...}.. فما كان في المدينة قاعدون - إلا المنافقين المعوقين الذين تحدث عنهم بلهجة غير هذه اللهجة في الدرس الماضي! وقد تلا هذه الفقرة فقرة أخرى فيها تحذير وتهديد لمن يظلون قاعدين هنالك في دار الكفر - وهم قادرون على الهجرة منها بدينهم وعقيدتهم - حتى تتوفاهم الملائكة {ظالمي أنفسهم}.. {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً}.. ثم تلتها فقرة أخرى عن ضمان الله سبحانه لمن يهاجر في سبيله، منذ اللحظة التي يخرج فيها من بيته، قاصداً الهجرة إلى الله خالصة. عالج فيها كل المخاوف التي تهجس في النفس البشرية وهي تقدم على هذه المخاطرة، المحفوفة بالخطر، الكثيرة التكاليف في الوقت ذاته.. فالحديث مطرد عن الجهاد والهجرة إلى دار المجاهدين، وأحكام التعامل بين المسلمين في دار الهجرة وبقية الطوائف خارج هذه الدار - بما في ذلك المسلمون الذين لم يهاجروا - والحديث موصول. كذلك يلم هذا الدرس بكيفية الصلاة عند الخوف - في ميدان القتال أو في أثناء طريق الهجرة - وتدل هذه العناية بالصلاة في هذه الآونة الحرجة، على طبيعة نظرة الإسلام إلى الصلاة - كما أسلفنا - كما يهيىء لإيجاد حالة تعبئة نفسية كاملة؛ في مواجهة الخطر الحقيقي المحدق بالجماعة المسلمة؛ من أعدائها الذين يتربصون بها لحظة غفلة أو غرة! وينتهي الدرس بلمسة قوية عميقة التأثير؛ في التشجيع على الجهاد في سبيل الله؛ في وجه الآلام والمتاعب التي تصيب المجاهدين. وذلك في تصوير ناصع لحال المؤمنين المجاهدين، وحال أعدائهم المحاربين؛ على مفرق الطريق: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم.. إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون. وترجون من الله ما لا يرجون..} وبهذا التصوير يفترق طريقان؛ ويبرز منهجان؛ ويصغر كل ألم، وتهون كل مشقة. ولا يبقى مجال للشعور بالضنى وبالكلال.. فالآخرون كذلك يألمون. ولكنهم يرجون من الله ما لا يرجون! ويرسم هذا الدرس - بجملة الموضوعات التي يعالجها، وبطرائق العلاج التي يسلكها - ما كان يعتمل في جسم الجماعة المسلمة، وهي تواجه مشاق التكوين الواقعية؛ ومشكلات التكوين العملية. وما كان يشتجر في النفوس من عوامل الضعف البشري؛ ومن رواسب الماضي الجاهلي، ومن طبيعة الفطرة البشرية وهي تواجه التكاليف بمشاقها وآلامها؛ مع ما يصاحب هذه المشاق والآلام من أشواق ومن تطلع إلى الوفاء كذلك؛ يستثيرها المنهج الحكيم، ويستجيشها في الفطرة لتنهض بهذا الأمر العظيم. ونرى ذلك كله مرتسماً من خلال الوصف للواقع؛ ومن خلال التشجيع والاستجاشة؛ ومن خلال المعالجة للمخاوف الفطرية والآلام الواقعية؛ ومن خلال التسليح في المعركة بالصلاة! وبالصلاة خاصة - إلى جانب التسلح بالعدة واليقظة - وبالثقة في ضمانة الله للمهاجرين، وثوابه للمجاهدين، وعونه للخارجين في سبيله، وما أعده للكافرين من عذاب مهين. ونرى طريقة المنهج القرآني الرباني في التعامل مع النفس البشرية في قوتها وضعفها؛ وفي التعامل مع الجماعة الإنسانية في أثناء تكوينها وإنضاجها. ونرى شتى الخيوط التي يشدها منها في الوقت الواحد وفي الآية الواحدة.. ونرى - على الأخص - كيف يملأ مشاعر الجماعة المسلمة بالتفوق على عدوها، في الوقت الذي يملأ نفوسها بالحذر واليقظة والتهيؤ الدائم للخطر، وفي الوقت الذي يدلها كذلك على مواطن الضعف فيها، ومواضع التقصير، ويحذرها إياها أشد التحذير. إنه منهج عجيب في تكامله وفي تقابله مع النفس البشرية؛ وفي عدد الأوتار التي يلمسها في اللمسة الواحدة، وعدد الخيوط التي يشدها في هذه النفس، فتصوت كلها وتستجيب! لقد كان التفوق في منهج التربية، والتفوق في التنظيم الاجتماعي الذي قام عليه؛ هو الأمر البارز الظاهر فيما بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله من فروق.. ولقد كان هذا التفوق البارز هو كذلك أوضح الأسباب - التي يراها البشر - لتمكن هذا المجتمع الناشىء الشاب - بكل ما كان في حياته من ملابسات ومن ضعف أحياناً وتقصير - من طي تلك المجتمعات الأخرى، والغلبة عليها. لا غلبة معركة بالسلاح فحسب؛ ولكن غلبة حضارة فتية على حضارات شاخت. غلبة منهج على مناهج، ونموذج من الحياة على نماذج؛ ومولد عصر جديد على مولد إنسان جديد.. ونكتفي بهذا القدر حتى نواجه النصوص بالتفصيل: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين - غير أولي الضرر - والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى. وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. درجات منه ومغفرة ورحمة. وكان الله غفوراً رحيماً}.. إن هذا النص القرآني كان يواجه حالة خاصة في المجتمع المسلم وما حوله؛ وكان يعالج حالة خاصة في هذا المجتمع من التراخي - من بعض عناصره - في النهوض بتكاليف الجهاد بالأموال والأنفس. سواء كان المقصود أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة احتفاظاً بأموالهم، إذ لم يكن المشركون يسمحون لمهاجر أن يحمل معه شيئاً من ماله؛ أو توفيراً لعناء الهجرة وما فيها من مخاطر، إذ لم يكن المشركون يتركون المسلمين يهاجرون، وكثيراً ما كانوا يحبسونهم ويؤذونهم - أو يزيدون في إيذائهم بتعبير أدق - إذا عرفوا منهم نية الهجرة.. سواء كان المقصود هم أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة - وهو ما نرجحه - أو كان المقصود بعض المسلمين في دار الإسلام، الذين لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس - من غير المنافقين المبطئين الذين ورد ذكرهم في درس سابق - أو كان المقصود هؤلاء وهؤلاء ممن لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس في دار الحرب ودار الإسلام سواء. إن هذا النص كان يواجه هذه الحالة الخاصة؛ ولكن التعبير القرآني يقرر قاعدة عامة؛ يطلقها من قيود الزمان، وملابسات البيئة؛ ويجعلها هي القاعدة التي ينظر الله بها إلى المؤمنين في كل زمان وفي كل مكان - قاعدة عدم الاستواء بين القاعدين من المؤمنين عن الجهاد بالأموال والأنفس - غير أولي الضرر الذين يقعدهم العجز عن الجهاد بالنفس، او يقعدهم الفقر والعجز عن الجهاد بالنفس والمال - عدم الاستواء بين هؤلاء القاعدين والآخرين الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم.. قاعدة عامة على الإطلاق: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين - غير أولي الضرر - والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم}.. ولا يتركها هكذا مبهمة، بل يوضحها ويقررها، ويبين طبيعة عدم الاستواء بين الفريقين: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة}.. وهذه الدرجة يمثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامهم في الجنة. في الصحيحين "حديث : عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. وما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ". تفسير : وقال الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، "حديث : عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من رمى بسهم فله أجره درجة" فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: أما إنها ليست بعتبة أمك. ما بين الدرجتين مائة عام ". تفسير : وهذه المسافات التي يمثل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحسب أننا اليوم أقدر على تصورها؛ بعد الذي عرفناه من بعض أبعاد الكون. حتى إن الضوء ليصل من نجم إلى كوكب في مئات السنين الضوئية! وقد كان الذين يسمعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصدقونه بما يقول. ولكنا - كما قلت - ربما كنا أقدر - فوق الإيمان - على تصور هذه الأبعاد بما عرفناه من بعض أبعاد الكون العجيب! ثم يعود السياق بعد تقرير هذا الفارق في المستوى بين القاعدين من المؤمنين - غير أولي الضرر - والمجاهدين بأموالهم وأنفسهم، فيقرر أن الله وعد جميعهم الحسنى: {وكلاًّ وعد الله الحسنى}.. فللإيمان وزنه وقيمته على كل حال؛ مع تفاضل أهله في الدرجات وفق تفاضلهم في النهوض بتكاليف الإيمان؛ فيما يتعلق بالجهاد بالأموال والأنفس.. وهذا الاستدراك هو الذي نفهم منه أن هؤلاء القاعدين ليسوا هم المنافقين المبطئين. إنما هم طائفة أخرى صالحة في الصف المسلم ومخلصة؛ ولكنها قصرت في هذا الجانب؛ والقرآن يستحثها لتلافي التقصير؛ والخير مرجو فيها، والأمل قائم في أن تستجيب. فإذا انتهى من هذا الاستدراك عاد لتقرير القاعدة الأولى؛ مؤكداً لها، متوسعاً في عرضها؛ ممعناً في الترغيب فيما وراءها من أجر عظيم: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. درجات منه ومغفرة ورحمة. وكان الله غفوراً رحيماً}. وهذا التوكيد.. وهذه الوعود.. وهذا التمجيد للمجاهدين.. والتفضيل على القاعدين.. والتلويح بكل ما تهفو له نفس المؤمن من درجات الأجر العظيم.. ومن مغفرة الله ورحمته للذنوب والتقصير.. هذا كله يشي بحقيقتين هامتين: الحقيقة الأولى: هي أن هذه النصوص كانت تواجه حالات قائمة في الجماعة المسلمة كما أسلفنا وتعالجها. وهذا كفيل بأن يجعلنا أكثر إدراكاً لطبيعة النفس البشرية، ولطبيعة الجماعات البشرية، وأنها مهما بلغت في مجموعها من التفوق في الإيمان والتربية فهي دائماً في حاجة إلى علاج ما يطرأ عليها من الضعف والحرص والشح والتقصير في مواجهة التكاليف، وبخاصة تكاليف الجهاد بالأموال والأنفس، مع خلوص النفس لله، وفي سبيل الله. وظهور هذه الخصائص البشرية - من الضعف والحرص والشح والتقصير - لا يدعو لليأس من النفس أو الجماعة، ولا إلى نفض اليد، منها وازدرائها؛ طالما أن عناصر الإخلاص والجد والتعلق بالصف والرغبة في التعامل مع الله موفورة فيها.. ولكن ليس معنى هذا هو إقرار النفس أو الجماعة على ما بدا منها من الضعف والحرص والشح والتقصير؛ والهتاف لها بالانبطاح في السفح، باعتبار أن هذا كله جزء من "واقعها"! بل لا بد لها من الهتاف لتنهض من السفح والحداء لتسير في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة. بكل ألوان الهتاف والحداء.. كما نرى هنا في المنهج الرباني الحكيم. والحقيقة الثانية: هي قيمة الجهاد بالأموال والأنفس في ميزان الله واعتبارات هذا الدين وأصالة هذا العنصر في طبيعة هذه العقيدة وهذا النظام. لما يعلمه الله - سبحانه - من طبيعة الطريق؛ وطبيعة البشر؛ وطبيعة المعسكرات المعادية للإسلام في كل حين. إن "الجهاد" ليس ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة. إنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة! وليست المسألة - كما توهم بعض المخلصين - أن الإسلام نشأ في عصر الإمبراطوريات؛ فاندس في تصورات أهله - اقتباساً مما حولهم - أنه لا بد لهم من قوة قاهرة لحفظ التوازن! هذه المقررات تشهد - على الأقل - بقلة ملابسة طبيعة الإسلام الأصيلة لنفوس هؤلاء القائلين بهذه التكهنات والظنون. لو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب كتاب الله؛ في مثل هذا الأسلوب! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي مثل هذا الأسلوب.. لو كان الجهاد ملابسة طارئة ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الكلمة الشاملة لكل مسلم إلى قيام الساعة: "حديث : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق ". تفسير : ولئن كان - صلى الله عليه وسلم - رد في حالات فردية بعض المجاهدين، لظروف عائلية لهم خاصة، كالذي جاء في الصحيح "حديث : أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أجاهد. قال: "لك أبوان؟" قال: نعم. قال: ففيهما جاهد"تفسير : .. لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية لا تنقض القاعدة العامة؛ وفرد واحد لا ينقص المجاهدين الكثيرين. ولعله - صلى الله عليه وسلم - على عادته في معرفة كل ظروف جنوده فرداً فرداً، كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه، ما جعله يوجهه هذا التوجيه.. فلا يقولن أحد - بسبب ذلك - إنما كان الجهاد ملابسة طارئة بسبب ظروف. وقد تغيرت هذه الظروف! وليس ذلك لأن الإسلام يجب أن يشهر سيفه ويمشي به في الطريق يقطع به الروؤس! ولكن لأن واقع حياة الناس وطبيعة طريق الدعوة تلزمه أن يمسك بهذا السيف ويأخذ حذره في كل حين! إن الله - سبحانه - يعلم أن هذا أمر تكرهه الملوك! ويعلم أن لا بد لأصحاب السلطان أن يقاوموه. لأنه طريق غير طريقهم، ومنهج غير منهجهم. ليس بالأمس فقط. ولكن اليوم وغداً. وفي كل أرض، وفي كل جيل! وإن الله - سبحانه - يعلم أن الشر متبجح، ولا يمكن أن يكون منصفاً. ولا يمكن أن يدع الخير ينمو - مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة! - فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر. ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل. ولا بد أن يجنح الشر إلى العدوان؛ ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة! هذه جبلة! وليست ملابسة وقتية... هذه فطرة! وليست حالة طارئة... ومن ثم لا بد من الجهاد.. لابد منه في كل صورة.. ولا بد أن يبدأ في عالم الضمير. ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود. ولا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح. ولا بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة.. وإلا كان الأمر انتحاراً. أو كان هزلاً لا يليق بالمؤمنين! ولا بد من بذل الأموال والأنفس. كما طلب الله من المؤمنين. وكما اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.. فأما أن يقدر لهم الغلب؛ أو يقدر لهم الاستشهاد؛ فذلك شأنه - سبحانه - وذلك قدره المصحوب بحكمته.. أما هم فلهم إحدى الحسنيين عند ربهم.. والناس كلهم يموتون عندما يحين الأجل.. والشهداء وحدهم هم الذين يستشهدون.. هناك نقط ارتكاز أصيلة في هذه العقيدة، وفي منهجها الواقعي، وفي خط سيرها المرسوم، وفي طبيعة هذا الخط وحتمياته الفطرية، التي لا علاقة لها بتغير الظروف. وهذه النقط لا يجوز أن تتميع في حس المؤمنين - تحت أي ظرف من الظروف. ومن هذه النقط.. الجهاد.. الذي يتحدث عنه الله سبحانه هذا الحديث.. الجهاد في سبيل الله وحده. وتحت رايته وحدها.. وهذا هو الجهاد الذي يسمى من يقتلون فيه "شهداء" ويتلقاهم الملأ الأعلى بالتكريم.. بعد ذلك يتحدث عن فريق من القاعدين؛ أولئك الذين يظلون قاعدين في دار الكفر لا يهاجرون؛ تمسك بهم أموالهم ومصالحهم، أو يمسك بهم ضعفهم عن مواجهة متاعب الهجرة وآلام الطريق - وهم قادرون لو أرادوا واعتزموا التضحية - أن يهاجروا.. حتى يحين أجلهم؛ وتأتي الملائكة لتتوفاهم. يتحدث عنهم فيصورهم صورة زرية منكرة؛ تستنهض كل قاعد منهم للفرار بدينه وعقيدته، وبمصيره عند ربه؛ من هذا الموقف الذي يرسمه لهم: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.. قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم، وساءت مصيراً. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوّاً غفوراً}.. لقد كان هذا النص يواجه حالة واقعة في الجزيرة العربية - في مكة وغيرها - بعد هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيام الدولة المسلمة. فقد كان هناك مسلمون لم يهاجروا. حبستهم أموالهم ومصالحهم - حيث لم يكن المشركون يدعون مهاجراً يحمل معه شيئاً من ماله - أو حبسهم إشفاقهم وخوفهم من مشاق الهجرة - حيث لم يكن المشركون يدعون مسلماً يهاجر حتى يمنعوه ويرصدوا له في الطريق.. وجماعة حبسهم عجزهم الحقيقي، من الشيوخ والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة للهرب ولا يجدون سبيلاً للهجرة.. وقد اشتد أذى المشركين لهؤلاء الباقين من أفراد المسلمين؛ بعد عجزهم عن إدراك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه، ومنعهما من الهجرة. وبعد قيام الدولة المسلمة. وبعد تعرض الدولة المسلمة لتجارة قريش في بدر، وانتصار المسلمين ذلك الانتصار الحاسم. فأخذ المشركون يسومون هذه البقية المتخلفة ألواناً من العذاب والنكال، ويفتنونهم عن دينهم في غيظ شديد. وقد فتن بعضهم عن دينهم فعلاً؛ واضطر بعضهم إلى إظهار الكفر تقية، ومشاركة المشركين عبادتهم.. وكانت هذه التقية جائزة لهم يوم أن لم تكن لهم دولة يهاجرون إليها - متى استطاعوا - فأما بعد قيام الدولة، ووجود دار الإسلام، فإن الخضوع للفتنة، أو الالتجاء للتقية، وفي الوسع الهجرة والجهر بالإسلام، والحياة في دار الإسلام.. أمر غير مقبول. وهكذا نزلت هذه النصوص؛ تسمي هؤلاء القاعدين محافظة على أموالهم ومصالحهم، أو إشفاقاً من مشاق الهجرة ومتاعب الطريق.. حتى يحين أجلهم.. تسميهم: {ظالمي أنفسهم}.. بما أنهم حرموها الحياة في دار الإسلام، تلك الحياة الرفيعة النظيفة الكريمة الحرة الطليقة. وألزموها الحياة في دار الكفر تلك الحياة الذليلة الخانسة الضعيفة المضطهدة، وتوعدهم {جهنم وساءت مصيراً}.. مما يدل على أنها تعني الذين فتنوا عن دينهم بالفعل هناك! ولكن التعبير القرآني - على أسلوب القرآن - يعبر في صورة، ويصور في مشهد حي نابض بالحركة والحوار: {إن الذين توفاهم الملائكة.. ظالمي أنفسهم.. قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض! قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة، فتهاجروا فيها؟!}.. إن القرآن يعالج نفوساً بشرية؛ ويهدف الى استجاشة عناصر الخير والمروءة والعزة فيها؛ وإلى مطاردة عوامل الضعف والشح والحرص والثقلة.. لذلك يرسم هذا المشهد.. إنه يصور حقيقة. ولكنه يستخدم هذه الحقيقة في موضعها أحسن استخدام، في علاج النفس البشرية.. ومشهد الاحتضار بذاته مشهد ترتجف له النفس البشرية، وتتحفز لتصور ما فيه. وإظهار الملائكة في المشهد يزيد النفس ارتجافاً وتحفزاً وحساسية. وهم - القاعدون - ظلموا أنفسهم. وقد حضرت الملائكة لتتوفاهم وهذا حالهم.. ظالمي أنفسهم. وهذا وحده كفيل بتحريك النفس وارتجافها. إذ يكفي أن يتصور المرء نفسه والملائكة تتوفاه وهو ظالم لنفسه؛ وليس أمامه من فرصة أخرى لإنصاف نفسه، فهذه هي اللحظة الأخيرة. ولكن الملائكة لا يتوفونهم - ظالمي أنفسهم - في صمت. بل يقلبون ماضيهم، ويستنكرون أمرهم! ويسألونهم: فيم أضاعوا أيامهم ولياليهم؟ وماذا كان شغلهم وهمهم في الدنيا: {قالوا: فيم كنتم؟}.. فإن ما كانوا فيه ضياع في ضياع؛ كأن لم يكن لهم شغل إلا هذا الضياع! ويجيب هؤلاء المحتضرون، في لحظة الاحتضار، على هذا الاستنكار، جواباً كله مذلة، ويحسبونه معذرة على ما فيه من مذلة. {قالوا: كنا مستضعفين في الأرض}.. كنا مستضعفين. يستضعفنا الأقوياء. كنا أذلاء في الأرض لا نملك من أمرنا شيئاً. وعلى كل ما في هذا الرد من مهانة تدعو إلى الزراية؛ وتنفر كل نفس من أن يكون هذا موقفها في لحظة الاحتضار، بعد أن يكون هذا موقفها طوال الحياة.. فإن الملائكة لا يتركون هؤلاء المستضعفين الظالمي أنفسهم. بل يجبهونهم بالحقيقة الواقعة؛ ويؤنبونهم على عدم المحاولة، والفرصة قائمة: {قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟!}.. إنه لم يكن العجز الحقيقي هو الذي يحملهم - إذن - على قبول الذل والهوان والاستضعاف، والفتنة عن الإيمان.. إنما كان هناك شيء آخر.. حرصهم على أموالهم ومصالحهم وأنفسهم يمسكهم في دار الكفر، وهناك دار الإسلام. ويمسكهم في الضيق وهناك أرض الله الواسعة. والهجرة إليها مستطاعة؛ مع احتمال الآلام والتضحيات. وهنا ينهي المشهد المؤثر، بذكر النهاية المخيفة: {فأولئك مأواهم جهنم، وساءت مصيراً}.. ثم يستثني من لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر؛ والتعرض للفتنة في الدين؛ والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشيوخ الضعاف، والنساء والأطفال؛ فيعلقهم بالرجاء في عفو الله ومغفرته ورحمته. بسبب عذرهم البين وعجزهم عن الفرار: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفواً غفوراً}.. ويمضي هذا الحكم إلى آخر الزمان؛ متجاوزاً تلك الحالة الخاصة التي كان يواجهها النص في تاريخ معين؛ وفي بيئة معينة.. يمضي حكماً عاماً؛ يلحق كل مسلم تناله الفتنة في دينه في أية أرض؛ وتمسكه أمواله ومصالحه، أو قراباته وصداقاته؛ أو إشفاقه من آلام الهجرة ومتاعبها. متى كان هناك - في الأرض في أي مكان - دار للإسلام؛ يأمن فيها على دينه، ويجهر فيها بعقيدته، ويؤدي فيها عباداته؛ ويحيا حياة إسلامية في ظل شريعة الله، ويستمتع بهذا المستوى الرفيع من الحياة.. أما السياق القرآني فيمضي في معالجة النفوس البشرية؛ التي تواجه مشاق الهجرة ومتاعبها ومخاوفها؛ وتشفق من التعرض لها. وقد عالجها في الآيات السابقة بذلك المشهد المثير للاشمئزاز والخوف معاً. فهو يعالجها بعد ذلك ببث عوامل الطمأنينة - سواء وصل المهاجر إلى وجهته أو مات في طريقه - في حالة الهجرة في سبيل الله؛ وبضمان الله للمهاجر منذ أن يخرج من بيته مهاجراً في سبيله. ووعده بالسعة والمتنفس في الأرض والمنطلق، فلا تضيق به الشعاب والفجاج: {ومن يهاجر - في سبيل الله - يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة. ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله - ثم يدركه الموت - فقد وقع أجره على الله. وكان الله غفوراً رحيماً}.. إن المنهج الرباني القرآني يعالج في هذه الآية مخاوف النفس المتنوعة؛ وهي تواجه مخاطر الهجرة؛ في مثل تلك الظروف التي كانت قائمة؛ والتي قد تتكرر بذاتها أو بما يشابهها من المخاوف في كل حين. وهو يعالج هذه النفس في وضوح وفصاحة؛ فلا يكتم عنها شيئاً من المخاوف؛ ولا يداري عنها شيئاً من الأخطار - بما في ذلك خطر الموت - ولكنه يسكب فيها الطمأنينة بحقائق أخرى وبضمانة الله سبحانه وتعالى.. فهو أولاً يحدد الهجرة بأنها {في سبيل الله}.. وهذه هي الهجرة المعتبرة في الإسلام. فليست هجرة للثراء، أو هجرة للنجاة من المتاعب، أو هجرة للذائذ والشهوات، أو هجرة لأي عرض من أعراض الحياة. ومن يهاجر هذه الهجرة - في سبيل الله - يجد في الأرض فسحة ومنطلقاً فلا تضيق به الأرض، ولا يعدم الحيلة والوسيلة. للنجاة وللرزق والحياة: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة}.. وإنما هو ضعف النفس وحرصها وشحها؛ يخيل إليها أن وسائل الحياة والرزق، مرهونة بأرض، ومقيدة بظروف، ومرتبطة بملابسات لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلاً. وهذا التصور الكاذب لحقيقة أسباب الرزق وأسباب الحياة والنجاة؛ هو الذي يجعل النفوس تقبل الذل والضيم، وتسكت على الفتنة في الدين؛ ثم تتعرض لذلك المصير البائس. مصير الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. والله يقرر الحقيقة الموعودة لمن يهاجر في سبيل الله.. إنه سيجد في أرض الله منطلقاً وسيجد فيها سعة. وسيجد الله في كل مكان يذهب إليه، يحييه ويرزقه وينجيه.. ولكن الأجل قد يوافي في أثناء الرحلة والهجرة في سبيل الله.. والموت - كما تقدم في سياق السورة - لا علاقة له بالأسباب الظاهرة؛ إنما هو حتم محتوم عندما يحين الأجل المرسوم. وسواء أقام أم هاجر، فإن الأجل لا يستقدم ولا يستأخر. غير أن النفس البشرية لها تصوراتها ولها تأثراتها بالملابسات الظاهرة... والمنهج يراعي هذا ويعالجه. فيعطي ضمانة الله بوقوع الأجر على الله منذ الخطوة الأولى من البيت في الهجرة إلى الله ورسوله: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله - ثم يدركه الموت - فقد وقع أجره على الله}.. أجره كله. أجر الهجرة والرحلة والوصول إلى دار الإسلام والحياة في دار الإسلام.. فماذا بعد ضمان الله من ضمان؟ ومع ضمانة الأجر التلويح بالمغفرة للذنوب والرحمة في الحساب. وهذا فوق الصفقة الأولى. {وكان الله غفوراً رحيماً}. إنها صفقة رابحة دون شك. يقبض فيها المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى - خطوة الخروج من البيت مهاجراً إلى الله ورسوله - والموت هو الموت. في موعده الذي لا يتأخر. والذي لا علاقة له بهجرة أو إقامة. ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده. ولخسر الصفقة الرابحة. فلا أجر ولا مغفرة ولا رحمة. بل هنالك الملائكة تتوفاه ظالماً لنفسه! وشتان بين صفقة وصفقة! وشتان بين مصير ومصير! ويخلص لنا من هذه الآيات التي استعرضناها من هذا الدرس - إلى هذا الموضع - عدة اعتبارات، نجملها قبل أن نعبر إلى بقية الدرس وبقية ما فيه من موضوعات. يخلص لنا منها مدى كراهية الإسلام للقعود عن الجهاد في سبيل الله؛ والقعود عن الانضمام للصف المسلم المجاهد.. اللهم إلا من عذرهم الله من أولي الضرر، ومن العاجزين عن الهجرة لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.. ويخلص لنا منها مدى عمق عنصر الجهاد وأصالته في العقيدة الإسلامية، وفي النظام الإسلامي، وفي المقتضيات الواقعية لهذا المنهج الرباني.. وقد عدته الشيعة ركناً من أركان الإسلام - ولهم من قوة النصوص ومن قوة الواقع ما يفسر اتجاههم هذا. لولا ما ورد في حديث: "حديث : بني الإسلام على خمس..."تفسير : ولكن قوة التكليف بالجهاد؛ وأصالة هذا العنصر في خطر الحياة الإسلامية؛ وبروز ضرورته في كل وقت وفي كل أرض - الضرورة التي تستند إلى مقتضيات فطرية لا ملابسات زمنية - كلها تؤيد هذا الشعور العميق بجدية هذا العنصر وأصالته. ويخلص لنا كذلك أن النفس البشرية هي النفس البشرية؛ وأنها قد تحجم أمام الصعاب، أو تخاف أمام المخاطر، وتكسل أمام العقبات، في خير الأزمنة وخير المجتمعات. وأن منهج العلاج في هذه الحالة، ليس هو اليأس من هذه النفوس. ولكن استجاشتها، وتشجيعها، وتحذيرها، وطمأنتها في آن واحد. وفق هذا المنهج القرآني الرباني الحكيم. وأخيراً يخلص لنا كيف كان هذا القرآن يواجه واقع الحياة؛ ويقود المجتمع المسلم؛ ويخوض المعركة - في كل ميادينها - وأول هذه الميادين هو ميدان النفس البشرية؛ وطبائعها الفطرية، ورواسبها كذلك من الجاهلية. وكيف ينبغي أن نقرأ القرآن، ونتعامل معه ونحن نواجه واقع الحياة والنفس بالدعوة إلى الله. بعد ذلك يستطرد الى رخصة، يبيحها الله للمهاجرين، أو الضاربين في الأرض للجهاد أو للتجارة. في حالة خوفهم أن يأخذهم الذين كفروا أسارى. فيفتنوهم عن دينهم. وهي رخصة القصر من الصلاة - وهو غير القصر المرخص به للمسافر إطلاقاً سواء خاف فتنة الذين كفروا أو لم يخف - فهذا قصر خاص. {وإذا ضربتم في الأرض، فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة - إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا - إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً}.. إن الضارب في الأرض في حاجة ماسة إلى الصلة الدائمة بربه، تعينه على ما هو فيه، وتكمل عدته وسلاحه فيما هو مقدم عليه، وما هو مرصود له في الطريق.. والصلاة أقرب الصلات إلى الله. وهي العدة التي يدعى المسلمون للاستعانة بها في الشدائد والملمات. فكلما كان هناك خوف أو مشقة قال لهم: {واستعينوا بالصبر والصلاة}.. ومن ثم يجيء ذكرها هنا في إبانها المناسب، وفي وقت الحاجة إليها والاضطرار. فما أحوج الخائف في الطريق إلى أن يطمئن قلبه بذكر الله. وما أحوج المهاجر من أرضه إلى أن يلتجى ء إلى حمى الله.. غير أن الصلاة الكاملة - وما فيها من قيام وركوع وسجود - قد تعوق الضارب في الأرض عن الإفلات من كمين قريب. أو قد تلفت إليه أنظار عدوه فيعرفوه. أو قد تمكن لهم منه وهو راكع أو ساجد فيأخذوه.. ومن ثم هذه الرخصة للضارب في الأرض أن يقصر في الصلاة عند مخافة الفتنة. والمعنى الذي نختاره في القصر هنا هو المعنى الذي اختاره الإمام الجصاص. وهو أنه ليس القصر في عدد الركعات بجعلها اثنتين في الصلاة الرباعية. فهذا مرخص به للمسافر إطلاقاً، بلا تخصيص حالة الخوف من الفتنة. بل هذا هو المختار في الصلاة للمسافر - كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل سفر - بحيث لا يجوز إكمال الصلاة في السفر في أرجح الأقوال. وإذن فهذه الرخصة الجديدة - في حالة خوف الفتنة - تعني معنى جديداً غير مجرد القصر المرخص به لكل مسافر. إنما هو قصر في صفة الصلاة ذاتها. كالقيام بلا حركة ولا ركوع ولا سجود ولا قعود للتشهد. حيث يصلي الضارب في الأرض قائماً وسائراً وراكباً، ويومى ء للركوع والسجود. وكذلك لا يترك صلته بالله في حالة الخوف من الفتنة، ولا يدع سلاحه الأول في المعركة، ويأخذ حذره من عدوه: {إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً}. وبمناسبة الحديث عن صلاة الضارب في الأرض، الخائف من فتنة الذين كفروا، يجيء حكم صلاة الخوف في أرض المعركة؛ وتحتشد جنبات هذا الحكم الفقهي بلمسات نفسية وتربوية شتى: {وإذا كنت فيهم، فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا أسلحتهم؛ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم. ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك؛ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، فيميلون عليكم ميلة واحدة. ولا جناح عليكم - إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم مرضى - أن تضعوا أسلحتكم. وخذوا حذركم، إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً. فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم. فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً}.. إن المتأمل في أسرار هذا القرآن؛ وفي أسرار المنهج الرباني للتربية، المتمثل فيه، يطلع على عجب من اللفتات النفسية، النافذة إلى أعماق الروح البشرية. ومنها هذه اللفتة في ساحة المعركة إلى الصلاة.. إن السياق القرآني لا يجيء بهذا النص هنا لمجرد بيان الحكم "الفقهي" في صفة صلاة الخوف. ولكنه يحشد هذا النص في حملة التربية والتوجيه والتعليم والإعداد للصف المسلم وللجماعة المسلمة. وأول ما يلفت النظر هو الحرص على الصلاة في ساحة المعركة! ولكن هذا طبيعي بل بديهي في الاعتبار الإيماني. إن هذه الصلاة سلاح من أسلحة المعركة. بل إنها السلاح! فلا بد من تنظيم استخدام هذا السلاح، بما يتناسب مع طبيعة المعركة، وجو المعركة! ولقد كان أولئك الرجال - الذين تربوا بالقرآن وفق المنهج الرباني - يلقون عدوهم بهذا السلاح الذي يتفوقون فيه قبل أي سلاح. لقد كانوا متفوقين في إيمانهم بإله واحد يعرفونه حق المعرفة؛ ويشعرون أنه معهم في المعركة. متفوقين كذلك في إيمانهم بهدف يقاتلون من أجله؛ ويشعرون أنه أرفع الأهداف جميعاً. متفوقين أيضاً في تصورهم للكون والحياة ولغاية وجودهم الإنساني، تفوقهم في تنظيمهم الاجتماعي الناشىء من تفوق منهجهم الرباني.. وكانت الصلاة رمزاً لهذا كله، وتذكيراً بهذا كله. ومن ثم كانت سلاحاً في المعركة. بل كانت هي السلاح! والأمر الثاني الذي يلفت النظر في هذا النص هو هذه التعبئة الروحية الكاملة تجاه العدو. وهذا الحذر الذي يوصى المؤمنون به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم، ليميل عليهم ميلة واحدة! ومع هذا التحذير والتخويف؛ التطمين والتثبيت؛ إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون قوماً كتب الله عليهم الهوان: {إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً}.. وهذا التقابل بين التحذير والتطمين؛ وهذا التوازن بين استثارة حاسة الحذر وسكب فيض الثقة؛ هو طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة والصف المسلم، في مواجهة العدو الماكر العنيد اللئيم! أما كيفية صلاة الخوف؛ فتختلف فيها آراء الفقهاء، أخذاً من هذا النص، ولكننا نكتفي بالصفة العامة، دون دخول في تفصيل الكيفيات المتنوعة. {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم. ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك. وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم}.. والمعنى: إذا كنت فيهم فأممتهم في الصلاة، فلتقم طائفة منهم تصلي معك الركعة الأولى. على حين تقف طائفة أخرى بأسلحتها من ورائكم لحمايتكم. فإذا أتمت الطائفة الأولى الركعة الأولى رجعت فأخذت مكان الحراسة، وجاءت الطائفة التي كانت في الحراسة ولم تصل. فلتصل معك ركعة كذلك. (وهنا يسلم الإمام إذ يكون قد أتم صلاته ركعتين). عندئذ تجيء الطائفة الأولى فتقضي الركعة الثانية التي فاتتها مع الإمام. وتسلم - بينما تحرسها الطائفة الثانية - ثم تجيء الثانية فتقضي الركعة الأولى التي فاتتها وتسلم - بينما تحرسها الطائفة الأولى.. وبذلك تكون الطائفتان قد صلتا بإمامة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكذلك مع خلفائه وأمرائه، وأمراء المسلمين (منهم) في كل معركة. {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، فيميلون عليكم ميلة واحدة}.. وهي رغبة في نفوس الكفار تجاه المؤمنين دائمة. والسنون تتوالى، والقرون تمر، فتؤكد هذه الحقيقة، التي وضعها الله في قلوب المجموعة المؤمنة الأولى. وهو يضع لها الخطط العامة للمعركة. كما يضع لها الخطة الحركية أحياناً. على هذا النحو الذي رأينا في صلاة الخوف. على أن هذا الحذر، وهذه التعبئة النفسية، وهذا الاستعداد بالسلاح المستمر، ليس من شأنه أن يوقع المسلمين في المشقة. فهم يأخذون منه بقدر الطاقة: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم مرضى، أن تضعوا أسلحتكم} فحمل السلاح في هذه الحالة يشق، ولا يفيد. ويكفي أخذ الحذر؛ وتوقع عون الله ونصره: {وخذوا حذركم. إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً}.. ولعل هذا الاحتياط، وهذه اليقظة، وهذا الحذر يكون أداة ووسيلة لتحقيق العذاب المهين الذي أعده الله للكافرين. فيكون المؤمنون هم ستار قدرته؛ وأداة مشيئته.. وهي الطمأنينة مع ذلك الحذر؛ والثقة في النصر على قوم أعد الله لهم عذاباً مهيناً... {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم. فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً}.. وهكذا يوجههم إلى الاتصال بالله في كل حال، وفي كل وضع، إلى جانب الصلاة.. فهذه هي العدة الكبرى، وهذا هو السلاح الذي لا يبلى.. فأما حين الاطمئنان {فأقيموا الصلاة}.. أقيموها كاملة تامة بلا قصر - قصر الخوف الذي تحدثنا عنه - فهي فريضة ذات وقت محدد لأدائها. ومتى زالت أسباب الرخصة في صفة من صفاتها عادت إلى صفتها المفروضة الدائمة. ومن قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً}.. يأخذ الظاهرية رأيهم في عدم قضاء الفائتة من الصلاة لأنها لا تجزي ولا تصح. لأن الصلاة لا تصح إلا في ميقاتها المعين. فمتى فات الميقات، فلا سبيل لإقامة الصلاة.. والجمهور على صحة قضاء الفوائت. وعلى تحسين التبكير في الأداء، والكراهية في التأخير.. ولا ندخل بعد هذا في تفصيلات الفروع.. ويختم هذا الدرس بالتشجيع على المضي في الجهاد؛ مع الألم والضنى والكلال. ويلمس القلوب المؤمنة لمسة عميقة موحية، تمس أعماق هذه القلوب، وتلقي الضوء القوي على المصائر والغايات والاتجاهات: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم. إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون. وترجون من الله ما لا يرجون. وكان الله عليماً حكيماً}.. إنهن كلمات معدودات. يضعن الخطوط الحاسمة، ويكشفن عن الشقة البعيدة، بين جبهتي الصراع.. إن المؤمنين يحتملون الألم والقرح في المعركة.. ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتملونه.. إن أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء.. ولكن شتان بين هؤلاء وهؤلاء.. إن المؤمنين يتوجهون إلى الله بجهادهم، ويرتقبون عنده جزاءهم.. فأما الكفار فهم ضائعون مضيعون، لا يتجهون لله، ولا يرتقبون عنده شيئاً في الحياة ولا بعد الحياة.. فإذا أصر الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصراراً، وإذا احتمل الكفار آلامها، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام. وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال، وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. وإن هذا لهو فضل العقيدة في الله في كل كفاح. فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة على الطاقة، ويربو الألم على الاحتمال. ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد. هنالك يأتي المدد من هذا المعين، ويأتي الزاد من ذلك الكنف الرحيم. ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة. معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين. لأن كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل. ولربما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها في معركة مكشوفة متكافئة.. ولكن القاعدة لا تتغير. فالباطل لا يكون بعافية أبداً، حتى ولو كان غالباً! إنه يلاقي الآلام من داخله. من تناقضه الداخلي؛ ومن صراع بعضه مع بعض. ومن صراعه هو مع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء. وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار. وأن تعلم أنها إن كانت تألم، فإن عدوها كذلك يألم. والألم أنواع. والقرح ألوان.. {وترجون من الله ما لا يرجون}.. وهذا هو العزاء العميق. وهذا هو مفرق الطريق.. {وكان الله عليماً حكيماً}.. يعلم كيف تعتلج المشاعر في القلوب. ويصف للنفس ما يطب لها من الألم والقرح..
ابن عاشور
تفسير : ولمّا لام الله بعض المجاهدين على ما صدر منهم من التعمّق في الغاية من الجهاد، عقَّب ذلك ببيان فضل المجاهدين كيْلا يكون ذلك اللومُ موهِماً انحطاط فضيلتهم في بعض أحوالهم، على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالبشارة دفعاً لليأس من الرحمة عن أنفُس المسلمين. يقول العرب «لا يستوي وليس سواءً» بمعنى أنّ أحد المذكورين أفضل من الآخر. ويعتمدون في ذلك على القرينة الدالّة على تعيين المفضّل لأنّ من شأنه أن يكون أفضل. قال السموأل أو غيره:شعر : فليس سواءً عالم وجهول تفسير : وقال تعالى: {أية : ليسوا سواء}تفسير : [آل عمران: 113]، وقد يُتبعونه بما يصرّح بوجه نفي السوائية: إمّا لخفائه كقوله تعالى: {أية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}تفسير : [الحديد: 10]، وقد يكون التصريح لمجرّد التأكيد كقوله:{أية : لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون}تفسير : [الحشر: 20]. وإذ قد كان وجه التفاضل معلوماً في أكثر مواقع أمْثال هذا التركيب، صار في الغالب أمثال هذا التركيب مستعملة في معنى الكناية، وهو التعريض بالمفضول في تفريطه وزُهده فيما هو خير مع المكنة منه، وكذلك هو هنا لظهور أنّ القَاعد عن الجهاد لا يساوي المجاهد في فضيلة نصرة الدين، ولا في ثوابه على ذلك، فتعيّن التعريض بالقاعدين وتشنيع حالهم. وبهذا يظهر موقع الاستثناء بقوله: {غيرَ أولي الضرر} كيلا يحسِبَ أصحاب الضرر أنهم مقصودون بالتحريض فيَخرجوا مع المسلمين، فيكلفّوهم مؤونة نقلهم وحفظهم بلا جدوى، أو يظنّوا أنّهم مقصودون بالتعريض فتنكسر لذلك نفوسهم، زيادة على انكسارها بعجزهم، ولأنّ في استثنائهم إنصافاً لهم وعذراً بأنّهم لو كانوا قادرين لما قعدوا، فذلك الظنّ بالمؤمن، ولو كان المقصود صريحَ المعنى لما كان للاستثناء موقع. فاحفظوا هذا فالاستثناء مقصود، وله موقع من البلاغة لايضاع، ولو لم يذكر الاستثناء لكان تجاوز التعريض أصحاب الضرر معلومات في سياق الكلام فالاستثناء عدول عن الاعتماد على القرينة إلى التصريح باللفظ. ويدلّ لهذا ما في «الصحيحين»، عن زيد بن ثابت. أنّه قال: نزل الوحي على رسول الله وأنا إلى جنبه ثم سريّ عنه فقال: اكتُب، فكتبت في كَتف (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدُون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم)، وخَلْفَ النبي ابنُ أمّ مكتوم فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فنزلت مكانها {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرَ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} الآية. فابن أمّ مكتوم فَهم المقصود من نفي الاستواء فظنّ أنّ التعريض يشمله وأمثاله، فإنّه من القاعدين، ولأجل هذا الظنّ عُدل عن حراسة المقام إلى صراحة الكلام، وهما حالان متساويان في عرف البلغاء، هما حال مراعاة خطاب الذكي وخطاب الغبي، فلذلك لم تكن زيادة الاستثناء مفيتة مقتضى حال من البلاغة، ولكنها معوّضته بنظيره لأنّ السامعين أصناف كثيرة. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وخلف: {غيرَ} ــــ بنصب الراء ــــ على الحال من {القاعدون}، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب ــــ بالرفع ــــ على النعت لــــ{القاعدون}. وجاز في «غير» الرفعُ على النعت، والنصب على الحال، لأنّ (القاعدون) تعريفهُ للجنس فيجوز فيه مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى. والضرر: المرض والعاهة من عمّى أو عرج أو زَمانةٍ، لأنّ هذه الصيغة لمصادر الأدواء ونحوها، وأشهر استعماله في العمى، ولذلك يقال للأعمى: ضرير، ولا يقال ذلك للأعرج والزمن، وأحسب أنّ المراد في هذه الآية خصوص العمى وأنّ غيره مقيس عليه. والضرر مصدر ضرِر ــــ بكسر الراء ــــ مثل مرض، وهذه الزنة تجيء في العاهات ونحوها، مثل عَمي وعَرج وحَصر، ومصدرها مفتوح العين مثل العَرج، ولأجل خفّته ــــ بفتح العين ــــ امتنع إدغام المثلين فيه، فقيل: ضَرَر بالفكّ، وبخلاف الضُرّ الذي هو مصدر ضَرّه فهو واجب الإدغام إذ لا موجب للفكّ. ولا نعرف في كلام العرب إطلاق الضرر على غير العَاهات الضارّة؛ وأمّا ما روي من حديث «حديث : لا ضَرر ولا ضِرار» تفسير : فهو نادرٌ أوْ جرى على الإتْباع والمزاوجة لاقترانه بلفظ ضِرَار وهو مفكّك. وزعم الجوهري أنّ ضرر اسم مصدر الضرّ، وفيه نظر؛ ولم يحفظ عن غيره ولا شاهد عليه. وقوله: {بأموالهم وأنفسهم} لأنّ الجهاد يقتضي الأمرين: بذل النفس وبذل المال، إلاّ أنّ الجهاد على الحقيقة هو بذل النفس في سبيل الله ولو لم يتفق شيئاً، بل ولو كان كَلاًّ على المؤمنين، كما أنّ من بَذل المال لإعانة الغزاة، ولم يجاهد بنفسه، لا يسمّى مجاهداً وإن كان له أجر عظيم، وكذلك من حبسه العذر وكان يتمنّى زوال عذره واللحاق بالمجاهدين، له فضل عظيم، ولكن فضل الجهاد بالفعل لا يساويه فضل الآخرين. وجملة: {فضّل الله المجاهدين} بيان لجملة: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين}. وحقيقة الدرجة أنّها جزء من مكان يكون أعلى من جزء أخرَ متّصل به، بحيث تتخطّى القدَم إليه بارتقاء من المكان الذي كانت عليه بصعود، وذلك مثل درجة العُلَيّة ودرجة السلَّم. والدرجة هنا مستعارة للعلوّ المعنوي كما في قوله تعالى:{أية : وللرجال عليهنّ درجة}تفسير : [البقرة: 228] والعلوّ المراد هنا علوّ الفضل ووفرة الأجر. وجيء بــــ (درجة) بصيغة الإفراد، وليس إفرادُها للوحدة، لأنّ درجة هنا جنس معنوي لا أفراد له، ولذلك أعيد التعبير عنها في الجملة التي جاءت بعدها تأكيداً لها بصيغة الجمع بقوله: {درَجاتٍ منه} لأنّ الجمع أقوى من المفرد. وتنوين {درجة} للتعظيم. وهو يساوي مفاد الجمع في قوله الآتي {درجات منه}. وانتصب {درجة} بالنيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع في فعل {فَضْل} إذ الدرجة هنا زيادة في معنى الفضل، فالتقدير: فَضْل الله المجاهدين فَضْلاً هو درجة، أي درجةً فضلاً. وجملة {وكُلاً وعد الله الحسنى} معترضة. وتنوين «كلاً» تنوين عوض عن مضاف إليه، والتقدير: وكلُّ المجاهدين والقاعدين. وعُطف {وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} على جملة {فضّل الله المجاهدين}، وإن كان معنى الجملتين واحداً باعتبار ما في الجملة الثانية من زيادة {أجراً عظيماً} فبذلك غايرت الجملةُ المعطوفة الجملةَ المعطوفَ عليها مغايرة سوّغت العطف، مع ما في إعادة معظم ألفاظها من توكيد لها. والمراد بقوله: {المجاهدين} المجاهدون بأموالهم وأنفسهم فاستُغني عن ذكر القيد بما تقدّم من ذكره في نظيره السابق. وانتصَب {أجراً عظيماً} على النيابة عن المفعول المطلق المبيِّن للنوع لأنّ الأجر هو ذلك التفضيل، ووصف بأنّه عظيم. وانتصب درجات على البدل من قوله {أجراً عظيماً}، أو على الحال باعتبار وصف درجات بأنّها {منه} أي من الله. وجُمع {درجات} لإفادة تعظيم الدرجة لأنّ الجمع لما فيه من معنى الكثرة تستعار صيغته لمعنى القوّة، ألا ترى أنّ علقمة لمّا أنشد الحارثَ بنَ جبلة ملِكَ غسان قولَه يستشفع لأخيه شَأس بن عبْدة:شعر : وفي كلّ حي قد خَبَطْتَ بنعمة فحقّ لشَأس من نَداك ذَنُوب تفسير : قال له الملك «وأذنبة».
الشنقيطي
تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أنّه فضّل المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وأجراً عظيماً، ولم يتعرض لتفضيل بعض المجاهدين على بعض، ولكنه بين ذلك في موضع آخر وهو قوله: {أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الحديد: 10] وقوله في هذه الآية الكريمة: {أية : غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ} تفسير : [النساء: 95] يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد. وهذا المفهوم صرح به النَّبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر" وفي هذا المعنى قال الشاعر: شعر : يا ظاعنين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً، وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر ومن أقام على عذر فقد راحا تفسير : تنبيه: يؤخذ من قوله في هذه الآية الكريمة: {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين. لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضاً لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى. وهي الجنة والثواب الجزيل.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أولوا الضرر: هم العميان والعرج والمرضى. درجة: منزلة عالية في الجنة. الحسنى: الجنة. معنى الآيتين: روي أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ...} الآية. أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف وأنا أعمى يا رسول الله فما برح حتى نزلت {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} فأدخلت بين جملتي {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} {وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} ومعنى الآية: إن الله تعالى ينفي أن يستوي في الأجر والمنزلة عنده تعالى من يجاهد بماله ونفسه ومن لا يجاهد بخلاً بماله. وضناً بنفسه، واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه فإن لهم أجر المجاهدين وإن لم يجاهدوا لحسن نياتهم، وعدم استطاعتهم فلذا قال {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} التي هي الجنة، وقوله: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ} أي فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين لعذر درجة، وإن كان الجميع لهم الجنة وهي الحسنى، وقوله تعالى: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ} لغير عذر {أَجْراً عَظِيماً} وهو الدرجات العالية مع المغفرة والرحمة، وذلك لأن الله تعالى كان أزلاً وأبداً غفوراً رحيما، ولذا غفر لهم ورحمهم، اللهم اغفر لنا وارحمنا معهم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان فضل المجاهدين على غيرهم من المؤمنين الذين لا يجاهدون. 2- أصحاب الأعذار الشرعية ينالون أجر المجاهدين إن كانت لهم رغبة في الجهاد ولم يقدروا عليه لما قام بهم من أعذار وللمجاهدين فعلاً درجة تخصهم دون ذوي الأعذار.
القطان
تفسير : الضرر: المرض والعاهات التي يعجز صاحبها معها عن الجهاد كالعمى والعرج. الحسنى: الحنة. هنا حثٌّ للمسلمين المتخلّفين في دار الكفر والحرب على الهجرة الى دار المسلمين، ليجاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فتقوى صفوف المسلمين ويكثر عددهم. لا يكون القاعدون عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم، مساوين للّذين يبذلون أموالهم أو يعرّضون أنفسهم للقتل في سبيل الحق. فالمجاهدون هم الذين يحمون الأمة والدين والبلادَ لا القاعدون، الا اذا كان القعود لعذر يمنع من الخروج للقتال، فيرفع اللوم. المجاهدون افضلُ درجة. ومع هذا فقد وعد الله الفريقين العاقبةَ الطيبة والجنة في الدار الآخرة: {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}. وفضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين الّذين لم يجاهدوا، غير أصحاب العاهات والأعذار. ثم بيّن الله تلك الدرجة، فإذا بها ما ادّخره تعالى لعباده من المنازل الرفيعة التي يقصُر عنها الحصر، ومغفرةٌ من لدنه تكفّر ذنوبهم الكثيرة، ورحمة يخصّهم بها زيادة على ذلك. وكان الله ولا يزال شأنه الغفران والرحمة لمن أطاع، أو عصى ثم تاب توبة نصوحاً. قراءات: قرأ نافع وابن عامر والكسائي: "غير أولي الضرر" بنصب الراء من غير. والباقون "غير" بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقَاعِدُونَ} {وَٱلْمُجَاهِدُونَ} {بِأَمْوَالِهِمْ} {ٱلْمُجَاهِدِينَ} {ٱلْقَاعِدِينَ} (95) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ مَا لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبيلِ اللهِ، بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ، مِنْ عَظِيمِ الأجْرِ وَالمَغْفِرَةِ وَالدَّرَجَاتِ الكَرِيمَةِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: إنَّ القَاعِدِينَ عَنِ الجِهَادِ - إذا كَانُوا غَيْرَ مَعْذُورِينَ، وَغَيْرَ ذَوِي عِلَّةٍ وَضَرَرٍ - لاَ يَسْتَوُونَ مَعَ المُجَاهِدِينَ بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ، وَإنَّ اللهَ فَضَّلَ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ، وَخَصَّهُمْ بِدَرَجَاتٍ عَظِيمةٍ، وَأجْر كَبير، وَإنْ كَانَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَ القَاعِدِينَ عَنِ الجِهَادِ عَجْزاً، مَعَ تَمَنِّي القُدْرَةِ عَليهِ، كَمَا وَعَدَ المُجَاهِدِينَ، بِالخَيْرِ وَالمَثُوبَةِ وَالعَفْوِ وَالمَغْفِرَةِ لأنَّ كُلاً مِنْهُمْ كَامِلُ الإِيمَانِ، مُخْلِصٌ للهِ فِي العَمَلِ. أولي الضَّرَرِ - أرْبَابِ الأعْذارِ المَانِعَةِ مِنَ الجِهَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولهذه الآية قصة.. واقتناص الخواطر من هذه القصة يتطلب يقظة تعلمنا كيف يخاطب الحق خلقه. فقد حدثنا سيدنا زيد بن ثابت وهو المأمون على كتابه وحي رسول الله. وهو المأمون على جمع كتاب الله من اللخاف ومن العظام ومن صدور الصحابة، حدثنا فقال: - كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغشيته السكينة - وهذه كانت دائماً تسبق نزول الوحي على رسول الله - فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن تَرُضَّها. أي أن فخذ رسول الله كانت ثقيلة. والوحي ساعة كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّما كان يصنع في كيماوية رسول الله تأثيرا مادياً بحيث إذا كان على دابة عرف الناس أنه يوحي إليه؛ لأن الدابة كانت تئط تحته فإذا كانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذ زيد بن ثابت، فلا بد أن يشعر سيدنا زيد بثقل فخذ رسول الله وقد جاءه الوحي. قال زيد: خشيت أن ترضّ فخذه فخذي - أي تصيبها بالدّق الشديد أو الكسر. فلما سُري عنه قال اكتب: "لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُجَاهِدُونَ"، فقال سيدنا ابن أم مكتوم، وكان - كما نعلم - ضريراً مكفوف البصر قال: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين يا رسول الله؟ إنها اليقظة الإيمانية من ابن أم مكتوم، لأنه فهم موقفه من هذا القول، ومن أنه لا يستطيع الجهاد، وعلم أنه إن كانت الآية ستظل على هذا فلن يكون مستوياً مع من جاهد، ولهذا قال قولته اليقظة: فكيف بمن لا يستطيع ذلك يا رسول الله؟ فأخذت رسول الله السكينة ثانيةً، ثم سرى عنه، فقال لزيد بن ثابت: اكتب: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. فكأنها نزلت جواباً مطمئناً لمن لا يستطيع القتال مثل ابن أم مكتوم،. ولقائل أن يقول: وهل كانت الآية تنتظر أن يستدرك ابن أم مكتوم ليقول هذا؟. ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن ينبه كل مؤمن أنه حين يتلقى كلمة من الله أن يتدبر ويتبيّن موقعه من هذه الكلمة؛ فإذا كان ذلك حال سيدنا ابن أم مكتوم فيما سمع رسول الله عن ربه فهو يعلمنا كيف نستحضر دورنا من أية قضية نسمعها. وحينما سمع ابن أم مكتوم الآية رأي موقفه من هذه الآية، وهذا ما يريده الحق من خلقه. وقال زيد بن ثابت: فكتبتها. إنها الدقة في أداء زيد بن ثابت لتدلنا على صدق الرواية، فحين يكتب أولاً {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ} ألا تلتصق كلمة "والمجاهدون" بكلمة "المؤمنين" فإذا زاد الحق سبحانه وتعالى {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} فأين تكتب؟ كأن زيد بن ثابت كان عليه أن يقوم بتصغير الكتابة ليكتب {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} بين كلمة {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وكلمة {وَٱلْمُجَاهِدُونَ}. قال سيدنا زيد بن ثابت: لقد نزلت {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} وحدها وكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع الكتف - فقد كانوا يكتبون على أكتاف العظم - والكتف التي كتب عليها سيدنا زيد بن ثابت كانت مشروخة وكانت هذه علامة بها. ويريد الحق بذلك أن ينبه المؤمنين إلى أنهم حين يتلقون كتاب الله يجب أن يتلقوه بيقظة إيمانية بحيث لا تسمع آذانهم إلا ما يمر على عقولهم أولاً ليفهم كل مؤمن موقفه منها، وتمر الآية على قلوبهم ثانية لتستقر في ذاتهم عقيدة. كذلك كانت قصة زيد بن ثابت وابن أم مكتوم والوحي في هذه الآية: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ}. وهناك حالات يأتي الفعل فلا يصلح له فاعل واحد بل لا بد له من اثنين.. مثال ذلك عندما نقول: تشارك زيد وعمرو. وعندما نصف لاعبي الكرة، نجد من يتلقف الكرة واحداً بعد الآخر، فنقول: تلقف اللاعبون الكرة رجلاً بعد رجل. وعندما يقول الحق: {لاَّ يَسْتَوِي} فهذا يدل على أن هناك شيئين لا يتساويان، فأيهما غير المساوي للآخر؟. كلاهما لا يتساوى مع الآخر، ولذلك يكون الاثنان في الإعراب "فاعلا"، فلا يساوي المجاهدون القاعدين ولا يساوي القاعدون المجاهدين؛ لأن كلا منهما فاعل ومفعول. وعندما يقول: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فما هو مقابل "القاعدين" في الآية الكريمة؟ إنه "المجاهدون"، لكن المقابل في الحياة العادية للـ "القاعدين" هو "القائمون"، ومقابل "المجاهدين" هو "غير المجاهدين". وبذلك كان من الممكن القول. لا يستوي القاعدون والقائمون، أو أن يقال: لا يستوي المجاهدون وغير المجاهدون. فما الحكمة في مجيء القاعدين والمجاهدين؟ إن الحق يريد أن يبين أنه في بداية الإسلام كان كلمؤمن حين يدخل الإسلام يعتبر نفسه جندياً في حالة تأهب، وكانوا دائماً على درجة استعداد قصوى ليلبوا النداء فوراً؛ فالمسلم لم يكن في حالة استرخاء، بل في تأهب وكأنه واقف دائماً ليلبي النداء، وكأن القاعد هو الذي ليس من صفوف المؤمنين ويبين لنا ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "حديث : من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هَيْعَةً أو فزعه طار إليها يبتغي القتل والموت مَظَانَّه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأوْدية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير ". تفسير : فإن لم يكن المؤمن متأهباً فهو قاعد، والقاعد - كما نعرف - هو ضد القائم. والحق يقول: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً} تفسير : [النساء: 103]. من هذا القول نعرف أن المقابل للقيام هو القعود. وعلينا أن نعرف أن لكل لفظ معنىً محدداً، فبعضنا يتصور أن القعود كالجلوس، ولكن الدقة تقتضي أن نعرف أن القعود يكون عن قيام، وأن الجلوس يكون عن الاضطجاع، فيقال: كان مضطجعاً فجلس، وكان قائماً فقعد. وعندما يقول الحق هنا: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} فالقعود مقابل القيام، فكأن المجاهد حالته القيام دائما، وهو لا ينتظر إلى أن يقوم، لكنه في انتباه واستعداد. ويوسع الحديث الشريف الدائرة في مسئوليات المجاهد فيرسم صورة للمقاتل أنه على أتم استعداد وعلى صهوة الفرس وممسك باللجام حتى لا تدهمه أية مفاجأة. وهل كانت هناك مظنة أن يستوي القاعد والمجاهد؟. لا، ولكن يريد الله أن يبين قضية إيمانية مستورة، فيظهرها بشكل واضح لكل الأفهام. ونحن نقول للطالب: "إن من يستذكر ينجح ومن لا يستذكر يرسب" وهذه مسألة بديهية، لكننا نقولها حتى نجعلها واضحة في بؤرة شعور التلميذ فيلتفت لمسئولياته. وعندما يقول الحق: { لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} هل معنى ذلك أن عقلاً واحداً في زمن رسول الله كان يظن المساواة بين القاعد والمجاهد؟ لا، ولكن الحق يريدها قضية إيمانية في بلاغ إيماني من الله. وبعد ذلك يلفت الأنظار إلى صفة القاعدين الذين لا يستوون مع المجاهدين فيقول: {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ}. والضرر هو الذي يفسد الشيء مثل المرض، وهذا ما يوضحه قوله الحق: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} تفسير : [التوبة: 91-92]. فالضعف ضرر أخرج الإنسان عن مقومات الصحة والعافية، والمرض ضرر، والذين لا يجدون مالاً ينفقون منه، ولا الذين يجيئون لرسول الله فلا يكون بحوزة الرسول دواب تحملهم، فينصرفون وأعينهم تفيض من الدمع حزناً لأنهم لا يجدون ما ينفقون. وكان المؤمن من هؤلاء يحزن لأن رسول الله لم يجد له فرساً أو دابة تنقله إلى موقع القتال: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} تفسير : [التوبة: 92]. لقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع. وكلمة "تولوا" هنا لها معنى كبير، فلم يقل الحق: إن أعينهم تفيض من الدمع من غير التولي، هم لا يدمعون أمام النبي، ولكنهم يدمعون في حالة توليهم، وهذا انفعال نفسي من فرط التأثر؛ لأنهم لا يشتركون في القتال. وكلمة "تفيض" تدل على أن الدمع قد غلب على العين كلها، فهم لا يصطنعون ذلك، لكن الانفعال يغمرهم؛ لأن الذي يتصنع ذلك يقوم بتعصير عينيه ويبذل جهداً للمُراءاة، ولكن انفعال المؤمنين الذين لا يقاتلون يغلبهم فتفيض أعينهم من الدمع. وهناك آية أخرى حدد فيها الحق الحالات التي لا يطالب فيها المؤمن بالقتال: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [الفتح: 17]. هؤلاء - إذن - هم أولو الضرر. {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} وما داموا لا يستوون فمن الذي فيهم يكون هو الأفضل؟. ذلك ما توضحه بقية الآية التي تحمل المقولة الإيمانية الواضحة: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}. وسبحانه وعد الاثنين بالحسنى الإيمانية؛ لأن كُلاًّ منهما مؤمن، ولكن للمجاهد درجة على القاعد. وإن تساءل أحد: ولماذا وعد الله القاعد من أولى الضرر بالحسنى؟ وهنا أقول: علينا أن ننتبه وأن نحسن الفهم والتدبر عندما نقرأ القرآن؛ لأن الذي أصابته آفة فناله منها ضرر، فصبر لحكم الله في نفسه، ألا يأخذ ثواباً على هذه؟. لقد أخذ الثواب ولا بد - إذن - أن يعطي الحق من لم يأخذ ثوابا مثله فرصة ليأخذ ثواباً آخر حتى يكون الجميع في الاستطراق الإيماني سواء. لذلك يقول سبحانه: {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}. والحسنى في أولى الضرر أنه أخذ جزاء الصبر على المصيبة التي أصابته، والذي لم يصب بضرر سيأخذ ثواب الجهاد، وبذلك يكون الجميع قد نالوا الحسنى من الله. {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}. وسبحانه يضع أجراً جديداً للقائم مجاهداً على القاعد، ففي صدر الآية جاء بـ "درجة" أعلى للقائم مجاهداً، وهنا {أَجْراً عَظِيماً}. ما تفسير هذا الأجر العظيم؟. التفسير يجيء في قوله: {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ} عن الحرب {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حال كونكم {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} من الدم والمرض الذمامة وغيرها {وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} ابتغاء لوجه الله وطلباً لمرضاته { فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً} عظيمة وفاء لحق ما اجتهدوا في سبيه {وَ} إن كان {كُـلاًّ} منهم ممن {وَعَدَ ٱللَّهُ} لهم المثوبة {ٱلْحُسْنَىٰ} والمراتب العظمى والدرجة العليا {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ} زيادة {عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 95] هو الفوز بمرتبة الشهادة. وفضل الله لهم في تلك المرتبة {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ} بعضها قريب، وبعضها أقرب إلى ما يشاء الله {وَمَغْفِرَةً} لذنوبهم بالمرة كيوم الولادة {وَرَحْمَةً} خاصة لهم بأن يكونوا عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله {وَكَانَ ٱللَّهُ} المراقب لأحوال عباده {غَفُوراً} لذنوبهم {رَّحِيماً} [النساء: 96] لهم يرحمهم حسب فضله وطوله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا يستوي من جاهد من المؤمنين بنفسه وماله ومن لم يخرج للجهاد ولم يقاتل أعداء الله، ففيه الحث على الخروج للجهاد، والترغيب في ذلك، والترهيب من التكاسل والقعود عنه من غير عذر. وأما أهل الضرر كالمريض والأعمى والأعرج والذي لا يجد ما يتجهز به، فإنهم ليسوا بمنزلة القاعدين من غير عذر، فمن كان من أولي الضرر راضيًا بقعوده لا ينوي الخروج في سبيل الله لولا [وجود] المانع، ولا يُحَدِّث نفسه بذلك، فإنه بمنزلة القاعد لغير عذر. ومن كان عازمًا على الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع يتمنى ذلك ويُحَدِّث به نفسه، فإنه بمنزلة من خرج للجهاد، لأن النية الجازمة إذا اقترن بها مقدورها من القول أو الفعل ينزل صاحبها منزلة الفاعل. ثم صرَّح تعالى بتفضيل المجاهدين على القاعدين بالدرجة، أي: الرفعة، وهذا تفضيل على وجه الإجمال، ثم صرح بذلك على وجه التفصيل، ووعدهم بالمغفرة الصادرة من ربهم، والرحمة التي تشتمل على حصول كل خير، واندفاع كل شر. والدرجات التي فصلها النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث الثابت عنه في "الصحيحين" أن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله. وهذا الثواب الذي رتبه الله على الجهاد، نظير الذي في سورة الصف في قوله: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } تفسير : إلى آخر السورة. وتأمل حسن هذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها فإنه نفى التسوية أولا بين المجاهد وغيره ثم صرَّح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة والرحمة والدرجات. وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح أو النزول من حالة إلى ما دونها عند القدح والذم - أحسن لفظا وأوقع في النفس. وكذلك إذا فضَّل تعالى شيئا على شيء وكل منهما له فضل احترز بذكر الفضل الجامع للأمرين لئلا يتوهم أحد ذم المفضل عليه كما قال هنا { وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى }. وكما قال تعالى في الآيات المذكورة في الصف في قوله {أية : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } تفسير : وكما في قوله تعالى {أية : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ } تفسير : أي ممن لم يكن كذلك. ثم قال { وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } وكما قال تعالى {أية : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } تفسير : فينبغي لمن بحث في التفضيل بين الأشخاص والطوائف والأعمال أن يتفطن لهذه النكتة. وكذلك لو تكلم في ذم الأشخاص والمقالات ذكر ما تجتمع فيه عند تفضيل بعضها على بعض لئلا يتوهم أن المفضَّل قد حصل له الكمال كما إذا قيل النصارى خير من المجوس فليقل مع ذلك وكل منهما كافر والقتل أشنع من الزنا وكل منهما معصية كبيرة حرمها الله ورسوله وزجر عنها. ولما وعد المجاهدين بالمغفرة والرحمة الصادرَيْن عن اسميه الكريمين { الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ختم هذا الآية بهما فقال { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [95] 137- أنا الحسن بن محمد، نا حجاج، عن ابن جُريج قال: أخبرني عبد الكريم أنه سمع مِقْسَما يُحدِّث، عن ابن عباس قال: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ/ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عن بدر، والخارجون إلى بدر، قال عبد الرحمن بن جحش الأَسدي، وعبد الله - وهو ابن أُمِّ مكتوم: إنا أَعْمَيان يا رسول الله، فهل لنا رُخصة؟ فنزلت {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً} فهؤلاء القاعدون غيرُ أُولي الضرر، {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) دَرَجَاتٍ مِّنْهُ(96)} على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. قوله تعالى : {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} [95] 138- أنا نصر بن علي، نا المُعتمر، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر كلمة معناها، قال: "حديث : اتوني بالكتف والدَّواة" فكتب {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِين} وعمرو بن أمِّ مكتوم خلفه قال: هل من رُخصة؟ فنزلت {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} .
همام الصنعاني
تفسير : 623- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن الزهري، عن قَبِيصة بْنِ ذُؤَيْبٍ، عن زَيْد بن ثابت، قال: كُنْتُ أكْتُبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اكتب: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}: [الآية: 95]، فجاء عبد الله بن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن فيَّ من الزمانة ما قدْ ترى، وذهب بصري. قال زيد: فَثَقُلَتْ فخذُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم على فَخِذِي حتى خشيتُ أن تَرضُّها. قم قال: [اكتب]: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):