٧٨ - ٱلنَّبَأ
78 - An-Naba' (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
جزء
٣٠
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: {عَمَّ }: أصله حرف جر دخل ما الاستفهامية، قال حسان رحمه الله تعالى:شعر : على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد تفسير : والاستعمال الكثير على الحذف والأصل قليل، ذكروا في سبب الحذف وجوهاً أحدها: قال الزجاج لأن الميم تشرك الغنة في الألف فصارا كالحرفين المتماثلين وثانيها: قال الجرجاني إنهم إذا وصفوا ما في استفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن تكون اسماً كقولهم: فيم وبم ولم وعلام وحتام وثالثها: قالوا حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت كجزء منه لتنبىء عن شدة الاتصال ورابعها: السبب في هذا الحذف التخفيف في الكلام فإنه لفظ كثير التداول على اللسان. المسألة الثانية: قوله {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } أنه سؤال، وقوله {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } جواب السائل والمجيب هو الله تعالى، وذلك يدل على علمه بالغيب، بل بجميع المعلومات. فإن قيل ما الفائدة في أن يذكر الجواب معه؟ قلنا لأن إيراد الكلام في معرض السؤال والجواب أقرب إلى التفهيم والإيضاح ونظيره {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } تفسير : [غافر: 16]. المسألة الثالثة: قرأ عكرمة وعيسى بن عمر (عما) وهو الأصل، وعن ابن كثير أنه قرأ عمه بهاء السكت، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف ويبتدىء بـ {يَتَسَاءلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } على أن يضمر يتساءلون لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ثم يفسره. المسألة الرابعة: (ما) لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء وحقائقها، تقول ما الملك؟ وما الروح؟ وما الجن؟ والمراد طلب ماهياتها وشرح حقائقها، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولاً. ثم إن الشيء العظيم الذي يكون لعظمه وتفاقم مرتبته ويعجز العقل عن أن يحيط بكنهه يبقى مجهولاً، فحصل بين الشيء المطلوب بلفظ ما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه والمشابهة إحدى أسباب المجاز، فبهذا الطريق جعل {مَا } دليلاً على عظمة حال ذلك المطلوب وعلو رتبته ومنه قوله تعالى {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ } تفسير : [المطففين: 8]، {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ } تفسير : [البلد: 12] وتقول زيد وما زيد. المسألة الخامسة: التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل، وقد يستعمل أيضاً في أن يتحدثوا به، وإن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال، قال تعالى: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [الطور: 25] {أية : قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يِقُولُ أَءنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدّقِينَ } تفسير : [الصافات: 52,51] فهذا يدل على معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون، وهذا قول الفراء. المسألة السادسة: أولئك الذين كانوا يتساءلون من هم، فيه احتمالات: الاحتمال الأول: أنهم هم الكفار، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } تفسير : [النبأ: 5,4] الضمير في يتساءلون، وهم فيه مختلفون وسيعلمون، راجع إلى شيء واحد وقوله: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } تهديد والتهديد لا يليق إلا بالكفار، فثبت أن الضمير في قوله: {يَتَسَاءلُونَ } عائد إلى الكفار، فإن قيل فما تصنع بقوله: {هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } مع أن الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر؟ قلنا لا نسلم أنهم كانوا متفقين في إنكار الحشر، وذلك لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني، وهم جمهور النصارى، وأما المعاد الجسماني فمنهم من كان شاكاً فيه كقوله: {أية : وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }تفسير : [فصلت: 50] ومنهم من أصر على الإنكار، ويقول: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } تفسير : [المؤمنون: 37] ومنهم من كان مقرّاً به، لكنه كان منكراً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد حصل اختلافهم فيه، وأيضاً هب أنهم كانوا منكرين له لكن لعلهم اختلفوا في كيفية إنكاره، فمنهم من كان ينكره لأنه كان ينكر الصانع المختار، ومنهم من كان ينكره لاعتقاده أن إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها والقادر المختار إنما يكون قادراً على ما يكون ممكناً في نفسه، وهذا هو المراد بقوله: {هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ }. والاحتمال الثاني: أن الذين كانوا يتساءلون هم الكفار والمؤمنون، وكانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المسلم فليزداد بصيرة ويقيناً في دينه، وأما الكافر فعلى سبيل السخرية، أو على سبيل إيراد الشكوك والشبهات. والاحتمال الثالث: أنهم كانوا يسألون الرسول، ويقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة. أما قوله تعالى: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } ففيه مسائل. المسألة الأولى: ذكر المفسرون في تفسير النبأ العظيم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه هو القيامة وهذا هو الأقرب ويدل عليه وجوه أحدها: قوله: {سَيَعْلَمُونَ } والظاهر أن المراد منه أنهم سيعلمون هذا الذي يتساءلون عنه حين لا تنفعهم تلك المعرفة، ومعلوم أن ذلك هو القيامة وثانيها: أنه تعالى بين كونه قادراً على جميع الممكنات بقوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَـٰداً } إلى قوله: {أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّوَرِ } تفسير : [طه: 102] وذلك يقتضي أنه تعالى إنما قدم هذه المقدمة لبيان كونه تعالى قادراً على إقامة القيامة، ولما كان الذي أثبته الله تعالى بالدليل العقلي في هذه السورة هو هذه المسألة ثبت أن النبأ العظيم الذي كانوا يتساءلون عنه هو يوم القيامة وثالثها: أن العظيم اسم لهذا اليوم بدليل قوله: {أية : أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المطففين: 6,4] وقوله: {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } تفسير : [ص: 68,67] ولأن هذا اليوم أعظم الأشياء لأن ذلك منتهى فزع الخلق وخوفهم منه فكان تخصيص اسم العظيم به لائقاً والقول الثاني: {أية : إِنَّهُ لَقُرْءانٌ } تفسير : [الواقعة: 77] واحتج القائلون بهذا الوجه بأمرين الأول: أن النبأ العظيم هو الذي كانوا يختلفون فيه وذلك هو القرآن لأن بعضهم جعله سحراً وبعضهم شعراً، وبعضهم قال إنه أساطير الأولين، فأما البعث ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانوا متفقين على إنكارهما وهذا ضعيف، لأنا بينا أن الاختلاف كان حاصلاً في البعث الثاني: أن النبأ اسم الخبر لا اسم المخبر عنه فتفسير النبأ بالقرآن أولى من تفسيره بالبعث أو النبوة، لأن ذلك في نفسه ليس بنبأ بل منبأ عنه، ويقوى ذلك أن القرآن سمي ذكراً وتذكرة وذكرى وهداية وحديثاً، فكان اسم النبأ به أليق منه بالبعث والنبوة والجواب: عنه أنه إذا كان اسم النبأ أليق بهذه الألفاظ فاسم العظيم أليق بالقيامة وبالنبوة لأنه لا عظمة في الألفاظ إنما العظمة في المعاني، وللأولين أن يقولوا إنها عظيمة أيضاً في الفصاحة والاحتواء على العلوم الكثيرة، ويمكن أن يجاب أن العظيم حقيقة في الأجسام مجاز في غيرها وإذا ثبت التعارض بقي ما ذكرنا من الدلائل سليماً القول الثالث: أن النبأ العظيم هو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا وذلك لأنه لما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام جعلوا يتساءلون بينهم ماذا الذي حدث؟ فأنزل الله تعالى: {عَمَّا يَتَسَاءلُونَ } وذلك لأنهم عجبوا من إرسال الله محمداً عليه الصلاة والسلام إليهم كما قال تعالى: {أية : بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَيْء عَجِيبٌ } تفسير : [ق: 2] وعجبوا أيضاً أن جاءهم بالتوحيد كما قال: {أية : أَجَعَلَ ٱلآِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْء عُجَابٌ } تفسير : [ص: 5] فحكى الله تعالى عنهم مساءلة بعضهم بعضاً على سبيل التعجب بقوله: {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ }. المسألة الثانية: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها: وهو قول البصريين أن قوله: {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } كلام تام، ثم قال: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } والتقدير: {يَتَسَاءلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } إلا أنه حذف يتساءلون في الآية الثانية، لأن حصوله في الآية الأولى يدل عليه وثانيها: أن يكون قوله: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } استفهاماً متصلاً بما قبله، والتقدير: عم يتساءلون أعن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، إلا أنه اقتصر على ما قبله من الاستفهام إذ هو متصل به، وكالترجمة والبيان له كما قرىء في قوله: {أية : أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } تفسير : [الصافات: 16] بكسر الألف من غير استفهام لأن إنكارهم إنما كان للبعث، ولكنه لما ظهر الاستفهام في أول الكلام اقتصر عليه، فكذا ههنا وثالثها: وهو اختيار الكوفيين أن الآية الثانية متصلة بالأولى على تقدير، لأي شيء يتساءلون عن النبأ العظيم، وعم كأنها في المعنى لأي شيء، وهذا قول الفراء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ}؟ «عم» لفظ ٱستفهام؛ ولذلك سقطت منها ألف «ما»، ليتميز الخبر عن الاستفهام. وكذلك (فيم، ومم) إذا ٱستفهمت. والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم بعضاً. وقال الزجاج: أصل «عَمَّ» عن ما فأدغمت النون في الميم، لأنها تشاركها في الغُنّة. والضمير في «يتساءلون» لقريش. وروى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدّق ومنهم المكذب به فنزلت «عم يتساءلون»؟ وقيل: «عم» بمعنى: فيم يتشدّد المشركون ويختصمون. قوله تعالى: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} أي يتساءلون «عن النبإ العظِيم» فعن ليس تتعلق بـ «ـيتساءلون» الذي في التلاوة؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون «عنِ النبإ العظِيم» كقولك: كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ فوجب لما ذكرناه من ٱمتناع تعلقه بـ «ـيتساءلون» الذي في التلاوة، وإنما يتعلق بيتساءلون آخر مضمر. وحسن ذلك لتقدم يتساءلون؛ قاله المَهْدويّ. وذكر بعض أهل العلم أن الاستفهام في قوله: «عن» مكرر إلا أنه مضمر، كأنه قال عم يتساءلون أعن النبإ العظيم؟ فعلى هذا يكون متصلاً بالآية الأولى. والنبأ العظيم» أي الخبر الكبير. {ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} أي يخالف فيه بعضهم بعضاً، فيصدق واحد ويكذب آخر؛ فروى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: هو القرآن؛ دليله قوله: { أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } تفسير : [صۤ: 67] فالقرآن نبأ وخبر وقصص، وهو نبأ عظيم الشأن. وروى سعيد عن قتادة قال: هو البعث بعد الموت صار الناس فيه رجلين: مصدّق ومكذب. وقيل: أَمْر النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: وذلك أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة، فأخبره الله جل ثناؤه باختلافهم، ثم هدّدهم فقال: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} أي سيعلمون عاقبة القرآن، أو سيعلمون البعث: أحق هو أم باطل. و «كلا» ردّ عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن، فيوقف عليها. ويجوز أن يكون بمعنى حقاً أو «ألاَ» فيُبدأ بها. والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث؛ قال بعض علمائنا: والذي يدل عليه قوله عز وجل «إن يوم الفصلِ كان مِيقاتاً» يدل على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث. {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} أي حقاً لَيَعْلَمُنَّ صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت. وقال الضحاك: «كلا سيعلمون» يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم. «ثم كلا سيعلمون» يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم. وقيل: بالعكس أيضاً. وقال الحسن: هو وعيد بعد وعيد. وقراءة العامة فيهما بالياء على الخبر؛ لقوله تعالى: {يَتَسَآءَلُونَ} وقوله: {هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}. وقرأ الحسن وأبو العالية ومالك بن دينار بالتاء فيهما.
البيضاوي
تفسير : مكية، وآيها إحدى وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } أصله عما فحذف الألف لما مر، ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه كأنه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه، والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، أو يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين عنه استهزاء كقولهم: يتداعونهم ويتراءونهم أي يدعونهم ويرونهم، أو للناس. {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } بيان لشأن المفخم أو صلة {يَتَسَاءلُونَ } و {عَمَّ } متعلق بمضمر مفسر به، ويدل عليه قراءة يعقوب: «عمه». {ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } بجزم النفي والشك فيه، أو بالإقرار والإِنكار. {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } ردع عن التساؤل ووعيد عليه. {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } تكرير للمبالغة و {ثُمَّ } للإشعار بأن الوعيد الثاني أشد، وقيل الأول عند النزع والثاني في القيامة، أو الأول للبعث والثاني للجزاء. وعن ابن عامر «ستعلمون» بالتاء على تقدير قل لهم ستعلمون. {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَـٰداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً } تذكير ببعض ما عاينوا من عجائب صنعه الدالة على كمال قدرته ليستدلوا بذلك على صحة البعث كما مر تقريره مراراً، وقرىء «مهداً» أي أنها لهم كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يمهد لينوم عليه. {وَخَلَقْنَـٰكُمْ أَزْوٰجاً } ذكراً وأنثى. {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } قطعاً عن الإِحساس والحركة استراحة للقوى الحيوانية وإزاحة لكلاهما، أو موتاً لأنه أحد التوفيين ومنه المسبوت للميت، وأصله القطع أيضاً. {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً } غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء. {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } وقت معاش تتقلبون فيه لتحصيل ما تعيشون به، أو حياة تنبعثون فيها عن نومكم. {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً } سبع سموات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور. {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } متلألئاً وقاداً من وهجت النار إذا أضاءت، أو بالغاً في الحرارة من الوهج وهو الحر والمراد الشمس.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكاراً لوقوعها: { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } أي: عن أي شيء يتساءلون عن أمر القيامة؟ وهو النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر، قال قتادة وابن زيد: النبأ العظيم: البعث بعد الموت. وقال مجاهد: هو القرآن. والأظهر الأول؛ لقوله: { ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} يعني: الناس فيه على قولين: مؤمن به، وكافر، ثم قال تعالى متوعداً لمنكري القيامة: { كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد. ثم شرع تبارك وتعالى يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة، والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء؛ من أمر المعاد وغيره، فقال: { أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَـٰداً} أي: ممهدة للخلائق، ذلولاً لهم، قارةً ساكنة ثابتة { وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} أي: جعلها لها أوتاداً أرساها بها، وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. ثم قال تعالى: { وَخَلَقْنَـٰكُمْ أَزْوَٰجاً} يعني: ذكراً وأنثى، يتمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك؛ كقوله: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21] وقوله تعالى: { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} أي: قطعاً للحركة؛ لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار. وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة الفرقان. { وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً} أي: يغشى الناس ظلامه وسواده؛ كما قال: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا} تفسير : [الشمس: 4] وقال الشاعر:شعر : فَلمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أَوْحينَ نصبَتْ له منْ خذا آذانِها وهو جانِحُ تفسير : وقال قتادة في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً} أي: سكناً، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} أي: جعلناه مشرقاً نيراً مضيئاً، ليتمكن الناس من التصرف فيه، والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك. وقوله تعالى: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} يعني: السموات السبع؛ في اتساعها وارتفاعها، وإحكامها وإتقانها، وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات، ولهذا قال تعالى: { وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوءُها لأهل الأرض كلهم. وقوله تعالى: { وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} قال العوفي عن ابن عباس: المعصرات: الريح، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ} قال: الرياح، وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: إنها الرياح، ومعنى هذا القول: أنها تستدر المطر من السحاب، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من المعصرات، أي: من السحاب، وكذا قال عكرمة أيضاً وأبو العالية والضحاك والحسن والربيع بن أنس والثوري، واختاره ابن جرير، وقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد، كما يقال: امرأة معصر، إذا دنا حيضها ولم تحض. وعن الحسن وقتادة: من المعصرات، يعني: السموات، وهذا قول غريب، والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب؛ كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} تفسير : [الروم: 48] أي: من بينه. وقوله جل وعلا: {مَآءً ثَجَّاجاً} قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس: ثجاجاً: منصباً. وقال الثوري: متتابعاً. وقال ابن زيد: كثيراً، وقال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج، وإنما الثج الصب المتتابع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الحج العج والثج» تفسير : يعني: صب دماء البدن، هكذا قال، قلت: وفي حديث المستحاضة حين قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنعت لك الكرسف» تفسير : يعني: أن تحتشي بالقطن، فقالت: يا رسول الله هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً، وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصب المتتابع الكثير، والله أعلم. وقوله تعالى: { لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّـٰتٍ أَلْفَافاً } أي: لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك {حَبّاً} يدخر للأناسي والأنعام {وَنَبَاتاً} أي: خضراً يؤكل رطباً {وَجَنَّـٰتٌ} أي: بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعاً، ولهذا قال: وجنات ألفافاً، قال: ابن عباس وغيره: ألفافاً: مجتمعة، وهذه كقوله تعالى: {أية : وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌ وَجَنَّـٰتٌ مِّنْ أَعْنَـٰبٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَٰنٌ وَغَيْرُ صِنْوَٰنٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَٰحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الرعد: 4].
المحلي و السيوطي
تفسير : {عَمَّ } عن أي شيء {يَتَسَاءَلُونَ } يسأل بعض قريش بعضاً.
الشوكاني
تفسير : قوله: {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } أصله: عن ما، فأدغمت النون في الميم؛ لأن الميم تشاركها في الغنة، كذا قال الزجاج، وحذفت الألف؛ ليتميز الخبر عن الاستفهام، وكذلك فيم وممّ ونحو ذلك، والمعنى: عن أيّ شيء يسأل بعضهم بعضاً. قرأ الجمهور: {عمّ} بحذف الألف لما ذكرنا، وقرأ أبيّ، وابن مسعود، وعكرمة، وعيسى بإثباتها، ومنه قول الشاعر:شعر : علاما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في دمان تفسير : ولكنه قليل لا يجوز إلاّ للضرورة، وقرأ البزي بهاء السكت عوضاً عن الألف، وروى ذلك عن ابن كثير. قال الزجاج: اللفظ لفظ استفهام، والمعنى: تفخيم القصة كما تقول: أيّ شيء تريد: إذا عظمت شأنه. قال الواحدي: قال المفسرون: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بتوحيد الله، والبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم يقولون: ماذا جاء به محمد، وما الذي أتى به؟ فأنزل الله: {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } قال الفرّاء: التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل، وقد يستمعل أيضاً في أن يتحدّثوا به، وإن لم يكن بينهم سؤال. قال الله تعالى: {أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ}تفسير : [الطور: 25] {أية : قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ } تفسير : [الصافات: 51] الآية، وهذا يدل على أنه التحدّث، ولفظ "ما" موضوع لطلب حقائق الأشياء، وذلك يقتضي كون المطلوب مجهولاً، فجعل الشيء العظيم الذي يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول، ولهذا جاء سبحانه بلفظ "ما". ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عن ماذا، وبينه فقال: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } فأورده سبحانه أوّلاً على طريقة الاستفهام مبهماً؛ لتتوجه إليه أذهانهم، وتلتفت إليه أفهامهم، ثم بينه بما يفيد تعظيمه، وتفخيمه كأنه قيل: عن أيّ شيء يتساءلون هل أخبركم به؟ ثم قيل بطريق الجواب: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } على منهاج قوله: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ }تفسير : [غافر: 16] فالجارّ والمجرور متعلق بالفعل الذي قبله، أو بما يدلّ عليه. قال ابن عطية: قال أكثر النحاة: عن النبأ العظيم متعلق بـ {يتساءلون} الظاهر، كأنه قال: لم يتساءلون عن النبأ العظيم، وقيل: ليس بمتعلق بالفعل المذكور؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام، فيكون التقدير أعن النبأ العظيم؟ فلزم أن يتعلق بـ {يتساءلون} آخر مقدّر، وإنما كان ذلك النبأ، أي: القرآن عظيماً؛ لأنه ينبىء عن التوحيد، وتصديق الرسول، ووقوع البعث والنشور. قال الضحاك: يعني: نبأ يوم القيامة، وكذا قال قتادة. وقد استدلّ على أن النبأ العظيم هو القرآن بقوله: {ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } فإنهم اختلفوا في القرآن، فجعله بعضهم سحراً، وبعضهم شعراً، وبعضهم كهانة، وبعضهم قال: هو أساطير الأوّلين. وأما البعث فقد اتفق الكفار إذ ذاك على إنكاره. ويمكن أن يقال: إنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة، فصدّق به المؤمنون، وكذب به الكافرون، فقد وقع الاختلاف فيه من هذه الحيثية، وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل، ومما يدلّ على أنه القرآن قوله سبحانه: {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } تفسير : [صۤ: 67، 68] ومما يدلّ على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون وتأباه عقولهم السخيفة. وأيضاً، فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في البعث؛ فأثبت النصارى المعاد الروحاني، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد الجسماني، وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ "جنعيذا" بجيم مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم عين مكسورة مهملة، ثم تحتية ساكنة، ثم ذال معجمة بعدها ألف. وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح بالمعاد، وأنه يكون فيه النعيم للمطيعين، والعذاب للعاصين، وقد كان بعض طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما حكى الله عنهم بقوله: {أية : إن هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نحن بمبعوثين} تفسير : [المؤمنون: 37] وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه بل شاكة فيه، كما حكى الله عنهم بقوله: {أية : إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ }تفسير : [الجاثية: 32] وما حكاه عنهم بقوله: {أية : وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }تفسير : [فصلت: 50] فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة. وقد قيل: إن الضمير في قوله: {يتساءلون} يرجع إلى المؤمنين والكفار؛ لأنهم جميعاً كانوا يتساءلون عنه، فأما المسلم، فيزداد يقيناً واستعداداً، وبصيرة في دينه، وأما الكافر فاستهزاء وسخرية. قال الرازي: ويحتمل أنهم يسألون الرسول، ويقولون: ما هذا الذي يعدنا به من أمر الآخرة، والموصول في محل جرّ صفة للنبأ بعد وصفه بكونه عظيماً فهو متصف بالعظم ومتصف بوقوع الاختلاف فيه. {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } ردع لهم وزجر، وهذا يدل على أن المختلفين فيه هم: الكفار، وبه يندفع ما قيل: إن الخلاف بينهم وبين المؤمنين فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط، وقيل: كلاَّ بمعنى حقاً، ثم كرّر الردع والزجر فقال: {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد. قرأ الجمهور بالياء التحتية في الفعلين على الغيبة. وقرأ الحسن، وأبو العالية، وابن دينار، وابن عامر في رواية عنه بالفوقية على الخطاب. وقرأ الضحاك الأوّل بالفوقية والثاني بالتحتية. قال الضحاك أيضاً. {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } يعني: الكافرين عاقبة تكذيبهم {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } يعني: المؤمنين عاقبة تصديقهم، وقيل: بالعكس، وقيل: هو وعيد بعده وعيد، وقيل المعنى: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } عند النزع {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } عند البعث. ثم ذكر سبحانه بديع صنعه، وعظيم قدرته؛ ليعرفوا توحيده، ويؤمنوا بما جاء به رسوله فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَـٰداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً } أي: قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على الإعادة بالبعث، والمهاد الوطاء، والفراش، كما في قوله: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً } تفسير : [البقرة: 22] قرأ الجمهور: (مهاداً) وقرأ مجاهد، وعيسى، وبعض الكوفيين: (مهداً) والمعنى: أنها كالمهد للصبيّ وهو ما يمهد له فينوّم عليه. والأوتاد جمع وتد: أي: جعلنا الجبال أوتاداً للأرض؛ لتسكن ولا تتحرّك، كما يرس الخيام بالأوتاد، وفي هذا دليل على أن التاؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث، لا عن القرآن، ولا عن نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قيل؛ لأن هذا الدليل إنما يصلح للاستدلال به على البعث {وَخَلَقْنَـٰكُمْ أَزْوٰجاً } معطوف على المضارع المنفي داخل في حكمه، فهو في قوّة أما خلقناكم، والمراد بالأزواج هنا الأصناف أي: الذكور والإناث، وقيل: المراد بالأزواج الألوان، وقيل: يدخل في هذا كلّ زوج من المخلوقات عن قبيح وحسن وطويل وقصير: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } أي: راحة لأبدانكم. قال الزجاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه: أي: جعلنا نومكم راحة لكم. قال ابن الأنباري: جعلنا نومكم قطعاً لأعمالكم؛ لأن أصل السبت القطع، وقيل: أصله التمدّد، يقال سبتت المرأة شعرها: إذا حلته وأرسلته، ورجل مسبوت الخلق: أي: ممدوده، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدّد، فسمي النوم سباتاً، وقيل المعنى: وجعلنا نومكم موتاً، والنوم أحد الموتتين، فالمسبوت يشبه الميت، ولكنه لم تفارقه الروح، ومنه قول الشاعر:شعر : ومطوية الأقراب أما نهارها فسبت وأما ليلها فذميل تفسير : ومن هذا قوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلاْنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] الآية، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ}تفسير : [الأنعام: 60] {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً } أي: نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما يغشيكم اللباس. وقال سعيد بن جبير والسديّ: أي سكناً لكم، وقيل: المراد به ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه، وهو بعيد؛ لأن الجعل وقع على الليل، لا على ما يستتر به النائم عند نومه {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } أي: وقت معاش، والمعاش العيش، وكلّ شيء يعاش به فهو معاش، والمعنى: أن الله جعل لهم النهار مضيئاً؛ ليسعوا فيما يقوم به معاشهم، وما قسمه الله لهم من الرزق {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً } يريد سبع سماوات قوية الخلق محكمة البناء، ولهذا وصفها بالشدّة، وغلظ كلّ واحدة منها مسيرة خمسمائة عام، كما ورد ذلك. {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } المراد به: الشمس، وجعل هنا بمعنى: خلق، وهكذا قوله: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } وما بعده؛ لأن هذه الأفعال قد تعدّت إلى مفعولين، فلا بدّ من تضمينها معنى فعل يتعدّى إليهما كالخلق أو التصيير ونحو ذلك. وقيل: إن الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع في جميع هذه المواضع، والمراد به الإنشاء التكويني الذي بمعنى التقدير والتسوية. قال الزجاج: الوهاج: الوقاد، وهو الذي وهج، يقال وهجت النار تهيج وهجاً ووهجاناً. قال مقاتل: جعل فيه نوراً وحرّاً، والوهج يجمع النور والحرارة. {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً } المعصرات هي: السحاب التي تنعصر بالماء ولم تمطر بعد، كالمرأة المعتصرة التي قد دنا حيضها، كذا قال سفيان والربيع، وأبو العالية، والضحاك. وقال مجاهد، ومقاتل، وقتادة، والكلبي: هي الرياح، والرياح تسمى معصرات، يقال أعصرت الريح تعصر إعصاراً: إذا أثارت العجاج. قال الأزهري: هي الرياح ذوات الأعاصير، وذلك أن الرياح تستدرّ المطر. وقال الفرّاء: المعصرات السحاب التي يتحلب منها المطر. قال النحاس: وهذه الأقوال صحاح، يقال للريح التي تأتي بالمطر معصرات، والرياح تلقح السحاب فيكون المطر. ويجوز أن تكون هذه الأقوال قولاً واحداً، ويكون المعنى: وأنزلنا من ذوات المعصرات ماء ثجاجاً. قال في الصحاح والمعصرات السحاب تعتصر بالمطر، وعصر القوم أي: مطروا. قال المبرد: يقال سحاب معصر، أي: ممسك للماء يعتصر منه شيء بعد شيء. وقال أبيّ بن كعب، والحسن، وابن جبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان: المعصرات: السماوات. والثجاج: المنصبّ بكثرة على جهة التتابع، يقال ثجّ الماء أي: سال بكثرة، وثجه أي: أساله. قال الزجاج: الثجاج: الصباب. قال ابن زيد: ثجاجاً كثيراً. {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً } أي: لنخرج بذلك الماء حباً يقتات، كالحنطة والشعير ونحوهما، والنبات ما تأكله الدوّاب من الحشيش وسائر النبات {وَجَنَّـٰتٍ أَلْفَافاً } أي: بساتين ملتفّ بعضها ببعض لتشعب أغصانها، ولا واحد للألفاف: كالأوزاع والأخياف. وقيل: واحدها لف بكسر اللام وضمها، ذكره الكسائي. وقال أبو عبيدة: واحدها لفيف كشريف وأشراف، روي عن الكسائي أنها جمع الجمع يقال جنة لفاء، ونبت لف، والجمع لف بضم اللام مثل حمر، ثم يجمع هذا الجمع على ألفاف، وقيل: هو جمع ملتفة بحذف الزوائد. قال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم. {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتاً } أي: وقتاً، ومجمعاً، وميعاداً للأوّلين والآخرين يصلون فيه إلى ما وعدوا به من الثواب والعقاب، وسمي يوم الفصل لأن الله يفصل فيه بين خلقه، وهذا شروع في بيان ما يتساءلون عنه من البعث، وقيل: معنى {ميقاتاً}: أنه حدّ توقت به الدنيا وتنتهي عنده، وقيل: حدّ للخلائق ينتهون إليه {يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً } أي: يوم ينفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، والمراد هنا النفخة الثانية التي تكون للبعث {فَتَأْتُونَ } أي: إلى موضع العرض {أَفْوَاجاً } أي: زمراً زمراً، وجماعات جماعات، وهي جمع فوج، وانتصاب {يَوْمَ يُنفَخُ } على أنه بدل من يوم الفصل، أو بيان له مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله، وإن كان الفصل متأخراً عن النفخ، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني، وانتصاب {أفواجاً} على الحال من فاعل تأتون، والفاء في {فتأتون} فصيحة تدلّ على محذوف أي: فتأتون إلى موضع العرض عقيب ذلك أفواجاً. {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوٰباً } معطوف على ينفخ، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي: فتحت لنزول الملائكة {فَكَانَتْ أَبْوٰباً } كما في قوله: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً }تفسير : [الفرقان: 25] وقيل معنى {فتحت} قطعت فصارت قطعاً كالأبواب، وقيل: أبوابها طرقها، وقيل: تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب، وقيل: إن لكل عبد بابين في السماء: باب لرزقه، وباب لعمله، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب، وظاهر قوله: {فَكَانَتْ أَبْوٰباً } أنها صارت كلها أبواباً، وليس المراد ذلك، بل المراد أنها صارت ذات أبواب كثيرة. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي {فتحت} مخففاً. وقرأ الباقون بالتشديد {وَسُيّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً } أي: سيرت عن أماكنها في الهواء، وقلعت عن مقارّها، فكانت هباء منبثاً يظنّ الناظر أنها سراب، والمعنى: أن الجبال صارت كلا شيء، كما أن السراب يظنّ الناظر أنه ماء، وليس بماء، وقيل معنى سيرت: أنها نسفت من أصولها، ومثل هذا قوله: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ }تفسير : [النمل: 88]. وقد ذكر سبحانه أحوال الجبال بوجوه مختلفة، ولكن الجمع بينها أن نقول: أوّل أحوالها الاندكاك، وهو قوله: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وٰحِدَةً }تفسير : [الحاقة: 14] وثاني أحوالها أن تصير كالعهن المنفوش كما في قوله: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ } تفسير : [القارعة: 5] وثالث أحوالها أن تصير كالهباء، وهو قوله: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً } تفسير : [الواقعة: 5، 6] ورابع أحوالها: أن تنسف وتحملها الرياح، كما في قوله: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ } تفسير : [النمل: 88]. وخامس أحوالها أن تصير سراباً أي: لا شيء، كما في هذه الآية. ثم شرع سبحانه في تفصيل أحكام الفصل فقال: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً } قال الأزهري: المرصاد المكان الذي يرصد الراصد فيه العدوّ. قال المبرد: مرصاداً يرصدون به أي: هو معدّ لهم يرصد به خزنتها الكفار. قال الحسن: إن على الباب رصداً لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليهم، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجيء بجواز حبس. وقال مقاتل: محبساً، وقيل: طريقاً وممرّاً. قال في الصحاح: الراصد للشيء الراقب له يقال رصده يرصده رصداً، والرصد الترقب، والمرصد موضع الرصد. قال الأصمعي: رصدته أرصده ترقبته، ومعنى الآية: أن جهنم كانت في حكم الله، وقضائه موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار؛ ليعذبوهم فيها، أو هي في نفسها متطلعة لمن يأتي إليها من الكفار، كما يتطلع الرصد لمن يمرّ به ويأتي إليهم، والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار. ثم ذكر من هي مرصد له فقال: {لّلطَّـٰغِينَ مَـئَاباً } أي: مرجعاً يرجعون إليه، والمآب المرجع، يقال آب يئوب: إذا رجع، والطاغي هو من طغى بالكفر، و{للطاغين} نعت لـ {مرصاداً} متعلق بمحذوف، و{مآباً} بدل من {مرصاداً}، ويجوز أن يكون للطاغين في محل نصب على الحال من {مآباً} قدّمت عليه لكونه نكرة، وانتصاب {لَّـٰبِثِينَ فِيهَا } على الحال المقدّرة من الضمير المستكنّ في الطاغين. قرأ الجمهور {لابثين} بالألف. وقرأ حمزة، والكسائي (لبثين) بدون ألف، وانتصاب {أَحْقَاباً } على الظرفية أي: ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، وكلما مضى حقب جاء حقب، وهي جمع حقب بضمتين، وهو الدهر، والأحقاب الدهور، والحقب بضم الحاء، وسكون القاف، قيل: هو ثمانون سنة، وحكى الواحدي عن المفسرين أنه بضع وثمانون سنة، السنة ثلثمائة وستون يوماً، اليوم ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت، فيكون لهم نوع آخر من العذاب. وقال السديّ: الحقب سبعون سنة. وقال بشير بن كعب: ثلثمائة سنة. وقال ابن عمر أربعون سنة، وقيل: ثلاثون ألف سنة. قال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد كم هي، ولكن ذكروا أنها مائة حقب، والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة. وقيل: الآية محمولة على العصاة الذين يخرجون من النار، والأولى ما ذكرناه أوّلاً من أن المقصود بالآية التأبيد لا التقييد. وحكى الواحدي: عن الحسن أنه قال: والله ما هي إلاّ أنه إذا مضى حقب دخل آخر، ثم آخر، ثم كذلك إلى الأبد. وجملة: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً } مستأنفة لبيان ما اشتملت عليه من أنهم لا يذوقون في جهنم، أو في الأحقاب برداً ينفعهم من حرّها، ولا شراباً ينفعهم من عطشها إلاّ حميماً، وهو الماء الحارّ، وغساقاً وهو صديد أهل النار، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير الطاغين، أو صفة للأحقاب، والاستثناء منقطع عند من جعل البرد النوم، ويجوز أن يكون متصلاً من قوله: {شَرَاباً } وقال مجاهد، والسديّ وأبو عبيدة، والكسائي، والفضل بن خالد، وأبو معاذ النحوي: البرد المذكور في هذه الآية هو: النوم، ومنه قول الكندي:شعر : بردت مراشفها عليّ فصدّني عنها وعن تقبيلها البرد تفسير : أي: النوم. قال الزجاج: أي: لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم فجعل البرد يشمل هذه الأمور. وقال الحسن، وعطاء، وابن زيد: برداً أي: روحاً وراحة. قرأ الجمهور (غساقاً) بالتخفيف. وقرأ حمزة، والكسائي بتشديد السين، وقد تقدّم تفسيره، وتفسير الحميم، والخلاف فيهما في سورة صۤ. {جَزَاء وِفَـٰقاً } أي: موافقاً لأعمالهم، وجزاء منتصب على المصدر، ووفاقاً نعت له. قال الفرّاء، والأخفش: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم، قال الزجاج: جوزوا جزاء وافق أعمالهم. قال الفرّاء: الوفاق جمع الوفق، والوفق والموافق واحد. قال مقاتل: وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. وقال الحسن، وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم الله بما يسوؤهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً } أي: لا يرجون ثواب حساب. قال الزجاج: كانوا لا يؤمنون بالبعث، فيرجون حسابهم، والجملة تعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور {وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا كِذَّاباً } أي: كذبوا بالآيات القرآنية، أو كذبوا بما هو أعم منها تكذيباً شديداً، وفعال من مصادر التفعل. قال الفرّاء: هي لغة فصيحة يمانية، تقول كذبت كذاباً، وخرقت القميص خراقاً. قال في الصحاح: وكذبوا بآياتنا كذاباً هو أحد مصادر المشدّد؛ لأن مصدره قد يجيء على تفعيل مثل التكليم، وعلى فعال مثل كذاب، وعلى تفعلة مثل توصية، وعلى مفعل مثل: {أية : وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } تفسير : [سبأ: 19] قرأ الجمهور {كذاباً} بالتشديد. وقرأ عليّ بن أبي طالب بالتخفيف. وقال أبو عليّ الفارسي التخفيف والتشديد جميعاً مصدر المكاذبة. وقرأ ابن عمر: (كذاباً) بضم الكاف والتشديد، جمع كاذب. قال أبو حاتم ونصبه على الحال. قال الزمخشري: وقد يكون يعني: على هذه القراءة بمعنى الواحد البليغ في الكذب، تقول: رجل كذاب كقولك حسان وبخال. {وَكُلَّ شَىْء أَحْصَيْنَـٰهُ كِتَـٰباً } قرأ الجمهور: {وكل} بالنصب على الاشتغال أي: وأحصينا كل شيء أحصيناه. وقرأ أبو السماك برفعه على الابتداء، وما بعده خبره، وهذه الجملة معترضة بين السبب والمسبب، وانتصاب {كتاباً} على المصدرية لأحصيناه؛ لأن أحصيناه في معنى كتبناه، وقيل: هو منتصب على الحال أي: مكتوباً، قيل: المراد كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة، وقيل: أراد ما كتبه الحفظة على العباد من أعمالهم، وقيل: المراد به العلم لأن ما كتب كان أبعد من النسيان، والأوّل أولى لقوله: {أية : وَكُلَّ شىْء أَحْصَيْنَـٰهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ }تفسير : [يۤس: 12] {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً } هذه الجملة مسببة عن كفرهم، وتكذيبهم بالآيات. قال الرّازي: هذه الفاء للجزاء، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدّم شرحه من قبائح أفعالهم؛ ومن الزيادة في عذابهم أنها كلما نضجت جلودهم بدّلهم جلوداً غيرها، وكلما خبت النار زادهم الله سعيراً. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } قال: القرآن: وهذا مرويّ عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } قال: مضيئاً {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ } قال: السحاب {مَاء ثَجَّاجاً } قال: منصباً. وأخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {ثَجَّاجاً } قال: منصباً. وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً } قال: يبعث الله الريح، فتحمل الماء، فيمرّ به السحاب، فتدرّ كما تدرّ اللقحة، والثجاج ينزل من السماء أمثال العزالي فتصرّفه الرياح فينزل متفرّقاً. وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال: في قراءة ابن عباس {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ } بالرياح. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَجَنَّـٰتٍ أَلْفَافاً } قال: ملتفة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال: يقول: التفّ بعضها ببعض. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {وَسُيّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً } قال: سراب الشمس الآل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {لَّـٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً } قال: سنين. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد قال: سأل عليّ بن أبي طالب هلال الهجري ما تجدون الحقب في كتاب الله؟ قال: نجده ثمانين سنة كل سنة منها اثنا عشر شهراً كل شهر ثلاثون يوماً كل يوم ألف سنة. وأخرج سعيد بن منصور، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال: الحقب الواحد ثمانون سنة. وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه قال: الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم كألف سنة مما تعدّون. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: الحقب ثمانون عاماً اليوم منها كسدس الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي: بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: {لَّـٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً } قال: "حديث : الحقب ألف شهر، والشهر ثلاثون يوماً، والسنة اثنا عشر شهراً ثلاثمائة وستون يوماً كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف سنة"تفسير : . وأخرج البزار، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقاباً، والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة مما تعدّون»تفسير : قال ابن عمر: فلا يتكلنّ أحد أنه يخرج من النار. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن عبد الله ابن عمرو قال: الحقب الواحد ثمانون سنة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحقب أربعون سنة» تفسير : وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان في قوله: {لَّـٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً } وقوله: {أية : إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} تفسير : [هود: 108] إنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب لأن الله يقول: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً }. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي قوله: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً } قال:«حديث : قد انتهى حرّه {وَغَسَّاقاً } قد انتهى حرّه، وإن الرجل إذا أدنى الإناء من فيه سقط فروة وجهه، حتى يبقى عظاماً تقعقع»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {جَزَاء وِفَـٰقاً } قال: وافق أعمالهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال: ما أنزلت على أهل النار آية قط أشدّ منها {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً } فهم في مزيد من عذاب الله أبداً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {عَمَّ يتساءَلونَ عن النبإ العَظيمِ} يعني عن أي شيء يتساءل المشركون؟ لأن قريشاً حيث بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت تجادل وتَختصم في الذي دعا إليه. وفي {النبأ العظيم} أربعة أقاويل: أحدها: القرآن، قاله مجاهد. الثاني: يوم القيامة، قاله ابن زيد. الثالث: البعث بعد الموت، قاله قتادة. الرابع: عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم. {الذي هُمْ فيه مُختَلِفَونَ} هو البعث، فأما الموت فلم يختلفوا فيه، وفيه قولان: أحدهما: أنه اختلف فيه المشركون من بين مصدق منهم ومكذب، قاله قتادة. الثاني: اختلف فيه المسلمون والمشركون، فصدّق به المسلمون وكذّب به المشركون، قاله يحيى بن سلام. {كَلاَّ سيعْلَمون ثم كلا سيعلمون} فيه قولان: أحدهما: أنه وعيد بعد وعيد للكفار، قاله الحسن، فالأول: كلا سيعلمون ما ينالهم من العذاب في القيامة، والثاني: كلا سيعلمون ما ينالهم من العذاب في جهنم. القول الثاني: أن الأول للكفار فيما ينالهم من العذاب في النار، والثاني للمؤمنين فيما ينالهم من الثواب في الجنة، قاله الضحاك. {وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: نعاساً، قاله السدي. الثاني: سكناً، قاله قتادة. الثالث: راحة ودعة، ولذلك سمي يوم السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة، قال أبو جعفر الطبري: يقال سبت الرجل إذا استراح. الرابع: سُباتا أي قطعاً لأعمالهم، لأن أصل السبات القطع ومنه قولهم سبت الرجل شعره إذا قطعه، قال الأنباري: وسمي يوم السبت لانقطاع الأعمال فيه. ويحتمل خامساً: أن السبات ما قرت فيه الحواس حتى لم تدرك بها الحس. {وجَعَلْنا اللّيلَ لِباساً} فيه وجهان: أحدهما: سكناً، قاله سعيد بن جبير والسدي. الثاني: غطاء، لأنه يغطي سواده كما يغطى الثوب لابسه، قاله أبو جعفر الطبري. {وجَعَلنا النهارَ مَعاشاً} يعني وقت اكتساب، وهو معاش لأنه يعاش فيه. ويحتمل ثانياً: أنه زمان العيش واللذة. {وجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً} يعني بالسراج الشمس، وفي الوهّاج أربعة أقاويل: أحدها: المنير، قاله ابن عباس. الثاني: المتلألىء، قاله مجاهد. الثالث: أنه من وهج الحر، قاله الحسن. الرابع: أنه الوقّاد، الذي يجمع بين الضياء والجمال. {وأَنْزَلْنا من المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ان المعصرات الرياح، قاله ابن عباس وعكرمة، قال زيد بن أسلم هي الجنوب. الثاني: أنها السحاب، قاله سفيان والربيع. الثالث: أن المعصرات السماء، قاله الحسن وقتادة. وفي الثجاج قولان: أحدهما: الكثير قاله ابن زيد. الثاني: المنصبّ، قاله ابن عباس، وقال عبيد بن الأبرص: شعر : فثجّ أعلاه ثم ارتج أسفلُه وضاق ذَرْعاً بحمل الماء مُنْصاحِ تفسير : {لنُخرج به حبّاً ونَباتاً} فيه قولان: أحدهما: ان الحب ما كان في كمام الزرع الذي يحصد، والنبات: الكلأ الذي يرعى، وهذا معنى قول الضحاك. الثاني: أن الحب اللؤلؤ، والنبات: العشب، قال عكرمة: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبتت في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة. ويحتمل ثالثاً: أن الحب ما بذره الآدميّون، والنبات ما لم يبذروه. {وجنّاتٍ أَلْفافاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها الزرع المجتمع بعضه إلى جنب بعض، قاله عكرمة. الثاني: أنه الشجرالملتف بالثمر، قاله السدي. الثالث: أنها ذات الألوان، قاله الكلبي. ويحتمل رابعاً: أنها التي يلف الزرع أرضها والشجر أعاليها، فيجتمع فيها الزرع والشجر ملتفات.
ابن عطية
تفسير : أصل {عم} "عن ما "، ثم أدغمت النون بعد قلبها فبقي "عما" في الخبر والاستفهام، ثم حذفوا الألف في الاستفهام فرقاً بينه وبين الخبر، ثم من العرب من يخفف الميم تخفيفاً فيقول: "عم"، وهذا الاستفهام بـ {عم} هو استفهام توقيف وتعجب منهم، وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود وعكرمة وعيسى: "عما" بالألف، وقرأ الضحاك: "عمه" بهاء، وهذا إنما يكون عند الوقف. و {النبإ العظيم} قال ابن عباس وقتادة هو الشرع الذي جاء به محمد، وقاله مجاهد وقتادة: هو القرآن خاصة، وقال قتادة أيضاً: هو البعث من القبور، ويحتمل الضمير في {يتساءلون} أن يريد جميع العالم فيكون الاختلاف حينئذ يراد به تصديق المؤمنين وتكذيب الكافرين ونزغات الملحدين، ويحتمل أن يراد بالضمير الكفار من قريش، فيكون الاختلاف شك بعض وتكذيب بعض. وقولهم سحر وكهانة وشعر وجنون وغير ذلك، وقال أكثر النحاة قوله: {عن النبإ العظيم}، متعلق بـ {يتساءلون} الظاهر كأنه قال: لم يتساءلون عن هذا النبأ، وقال الزجاج: الكلام تام في قوله: {عم يتساءلون} ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول: يتساءلون {عن النبإ العظيم}، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي تقتضيه الحال والمجاورة اقتضاباً للحجة وإسراعاً إلى موضع قطعهم، وهذا نحو قوله تعالى: {أية : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد} تفسير : [الأنعام:19] وأمثلة كثيرة، وقد وقع التنبيه عليها في مواضعها، وقرأ السبعة والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش: " كلا سيعلمون " بالياء في الموضعين على ذكر الغائب، فظاهر الكلام أنه رد على الكفار في تكذيبهم وعيد لهم في المستقبل وكرر الزجر تأكيداً، وقال الضحاك المعنى: {كلا سيلعمون} يعني الكفار على جهة الوعيد، {ثم كلا سيعلمون}: يعني المؤمنين على جهة الوعد، وقرأ ابن عامر فيما روى عنه مالك بن دينار والحسن بخلاف: " كلا ستعلمون " بالتاء في الموضعين على مخاطبة الحاضر كأنه تعالى يقول: قل لهم يا محمد وكرر عليهم الزجر والوعيد تأكيداً وكل تأويل في هذه القراءة غير هذا فمتعسف وقرأ..." كلا سيعلمون " بالياء على جهة الرد والوعيد للكفار، " ثم كلا ستعلمون " بالتاء من فوق على جهة الرد على الكفار والوعد والمؤمنين. والعلم في هذه الآية بمعنى ستعرفون، فلذلك لم يتعد، ثم وقفهم تعالى على آياته وغرائب مخلوقاته وقدرته التي يوجب النظر فيها الإقرار بالبعث والإيمان بالله تعالى. و "المهاد": الفراش الممهد الوطيء وكذلك الأرض لبنيتها، وقرأ مجاهد وعيسى وبعض الكوفيين "مهداً"، والمعنى نحو الأول، وشبه {الجبال} بـ "الأوتاد" لأنها تمسك وتثقل وتمنع الأرض أن تميد، و {أزواجاً} معناه أنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم، وقال الزجاج وغيره معناه مزدوجين ذكراً وأنثى، و " السبات": السكون، وسبت الرجل معناه استراح واتدع وترك الشغل، ومنه السبات وهي علة معروفة سميت بذلك لأن السكون والسكوت أفرط على الإنسان حتى صار ضاراً قاتلاً، والنوم شبيه به إلا في الضرر، وقال أبو عبيدة: {سباتاً} قطعاً للأعمال والتصرف، والسبت: القطع ومنه سبت الرجل رأسه إذا قطع شعره، ومنه النعال السبتية وهي التي قطع عنها الشعر، و {لباساً} مصدر، وكان الميل كذلك من حيث يغشي الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، وقال بعض المتأولين: جعله {لباساً} لأنه يطمس نور الأبصار ويلبس عليها الأشياء والتصريف يضعف هذا القول، لأنه كان يجب أن يكون ملبساً، ولا يقال {لباساً} إلا من لبس الثياب {والنهار معاشاً} على حذف مضاف أو على النسب، وهذا كما تقول ليل نائم، و " السبع الشداد": السموات، والأفصح في لفظة السماء التأنيث ووصفها بالشدة، لأنه لا يسرع إليها فساد لوثاقتها، و "السراج": الشمس، و "الوهاج": الحار المضطرم الاتقاد المتعالي اللهب، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الشمس في السماء الرابعة إلينا طهرها ولهبها مضطرم علواً، واختلف الناس في {المعصرات}، فقال الحسن بن أبي الحسن وأبيّ بن كعب وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة: هي السموات، وقال ابن عباس وأبو العالية والربيع والضحاك: {المعصرات} السحاب القاطرة، وهو مأخوذ من العصر، لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء وهذا قول الجمهور وبه فسر عبيد الله بن الحسن بن محمد العنبري القاضي بيت حسان: [الكامل] شعر : كلتاهما حلب العصير تفسير : وقال بعض من سميت هي السحاب التي فيها الماء تمطر كالمرأة المعصر وهي التي دنا حيضها ولم تحض بعد، وقال ابن الكيسان: قيل: للسحاب معصرات من حيث تغيث فهي من المعصرة ومنه قوله تعالى: {أية : وفيه يعصرون} تفسير : [يوسف:49] قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {المعصرات} الرياح، لأنها تعصر السحاب، وقرأ ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وقتادة وعكرمة: "وأنزلنا بالمعصرات " فهذا يقول أنه أراد الرياح، و "الثجاج ": السريع الاندفاع كما يندفع الدم عن عروق الذبيحة، ومنهحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل له: ما أفضل الحج؟ قال: "العج والثج" تفسير : أراد التضرع إلى الله بالدعاء الجهير وذبح الهدي، و"الحب": جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان، و "النبات": العشب الذي يستعمل رطباً لإنسان أو بهيمة، فذكر الله تعالى موضع المنفعتين و {ألفافاً} جمع لُف بضم اللام، ولف جمع لفاء. والمعنى ملتفات الأغصان والأوراق، وذلك موجود مع النضرة والري، وقال جمهور اللغويين {ألفافاً} جمع لِفّ بكسر اللام، واللف: الجنة الملتفة بالأغصان، وقال الكسائي: {ألفافاً}، جمع لفيف. وقد قال الشاعر: [الطويل] شعر : أحابيش ألفاف تباين فرعهم وجذمهم عن نسبة المتقرب.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتَسَآءَلُونَ} لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم تنازعت قريش فيما دعا إليه واختصموا.
النسفي
تفسير : مكية وهي أربعون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {عَمَّ } أصله «عن ما» وقرىء بها، ثم أدغمت النون في الميم فصار «عما» وقرىء بها، ثم حذفت الألف تخفيفاً لكثرة الاستعمال في الاستفهام وعليه الاستعمال الكثير، وهذا استفهام تفخيم للمستفهم عنه لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية {يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً أو يسألون غيرهم من المؤمنين، والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث ويسألون المؤمنين عنه على طريق الاستهزاء {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } أي البعث وهو بيان للشأن المفخم وتقديره: عم يتساءلون يتساءلون عن النبإ العظيم {ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } فمنهم من يقطع بإنكاره ومنهم من يشك. وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين وكانوا جيعاً يتساءلون عنه، فالمسلم يسأل ليزداد خشية، والكافر يسأل استهزاء {كَلاَّ } ردع عن الاختلاف أو التساؤل هزؤاً {سَيَعْلَمُونَ } وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون عياناً أن ما يستاءلون عنه حق {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } كرر الردع للتشديد و«ثم» يشعر بأن الثاني أبلغ من الأول وأشد. {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ } لما أنكروا البعث. قيل لهم: ألم يخلق من أضيف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة فلم تنكرون قدرته على البعث وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات؟ أو قيل لهم: لم فعل هذه الأشياء والحكيم لا يفعل عبثاً وإنكار البعث يؤدي إلى أنه عابث في كل ما فعل؟ {مِهَـٰداً } فراشاً فرشناها لكم حتى سكنتموها {وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً } للأرض لئلا تيمد بكم {وَخَلَقْنَـٰكُمْ أَزْوٰجاً } ذكر أو أنثى {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } قطعاً لأعمالكم وراحة لأبدانكم والسبت القطع {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً } ستراً يستركم عن العيون إذا أردتم إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً } وقت معاش تتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً } سبع سموات {شِدَاداً } جمع شديدة أي محكمة قوية لا يؤثّر فيها مرور الزمان أو غلاظاً غلظ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } مضيئاً وقّاداً أي جامعاً للنور والحرارة والمراد الشمس {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ } أي السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، أو الرياح لأنها تنشىء السحاب وتدر أحلافه فيصح أن تجعل مبدأ للإنزال، وقد جاء أن الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب {مَاءً ثَجَّاجاً } منصباً بكثرة {لِّنُخْرِجَ بِهِ } بالماء {حَبّاً } كالبر والشعير {وَنَبَاتاً } وكلأ {وَجَنَّـٰتٍ } بساتين {أَلْفَافاً } ملتفة الأشجار واحدها لف كجذع وأجذاع، أو لفيف كشريف وأشراف، أو لا واحد له كأوزاع، أو هي جمع الجمع فهي جمع لف واللف جمع لفاء وهي شجرة مجتمعة. ولا وقف من {أَلَمْ نَجْعَلِ } إلى {أَلْفَافاً } الوقف الضروري على {أَوْتَاداً } و {مَعَاشاً }. {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ } بين المحسن والمسيء والمحق والمبطل {كَانَ مِيقَـٰتاً } وقتاً محدوداً ومنتهى معلوماً لوقوع الجزاء أو ميعاداً للثواب والعقاب. {يَوْمَ يُنفَخُ } بدل من {يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } أو عطف بيان {فِى ٱلصُّورِ } في القرن {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً } حال أي جماعات مختلفة أو أمماً كل أمة مع رسولها {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَاء } خفيف: كوفي أي شقت لنزول الملائكة {فَكَانَتْ أَبْوٰباً } فصارت ذات أبواب وطرق وفروج ومالها اليوم من فروج {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ } عن وجه الأرض {فَكَانَتْ سَرَاباً } أي هباء تخيّل الشمس أنه ماء {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً } طريقاً عليه ممر الخلق فالمؤمن يمر عليها والكافر يدخلها. وقيل: المرصاد الحد الذي يكون فيه الرصد أي هي حد الطاغين الذين يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم، أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم عليها {لّلطَّـٰغِينَ مَـئَاباً } للكافرين مرجعاً {لَّـٰبِثِينَ } ماكثين حال مقدرة من الضمير في {لِلطَّـٰغِينَ } حمزة {لَّـبِثِينَ } واللبث أقوى إذ اللابث من وجد منه اللبث وإن قل، واللبث من شأنه اللبث والمقام في المكان {فِيهَا } في جهنم {أَحْقَاباً } ظرف جمع حقب وهو الدهر ولم يرد به عدد محصور بل الأبد كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يستعمل الحقب والحقبة إلا إذا أريد تتابع الأزمنة وتواليها. وقيل: الحقب ثمانون سنة. وسئل بعض العلماء عن هذه الآية فأجاب بعد عشرين سنة {لَّـٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً }. {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً } أي غير ذائقين حال من ضمير {لَّـٰبِثِينَ } فإذا انقضت هذه الأحقاب التي عذبوا فيها بمنع البرد والشراب بدلوا بأحقاب أخر فيها عذاب آخر وهي أحقاب بعد أحقاب لا انقطاع لها. وقيل: هو من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه حقاب فينتصب حالاً عنهم أي لابثين فيها حقبين جهدين و{لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً } تفسير له. وقوله {إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً } استثناء منقطع أي {لاَ يَذُوقُونَ } في جهنم أو في الأحقاب {بَرْداً } روْحاً ينفس عنهم حر النار أو نوماً ومنه منع البرد البرد، {وَلاَ شَرَاباً } يسكن عطشهم ولكن يذوقون فيها حميماً ماء حاراً يحرق ما يأتي عليه {وَغَسَّاقاً } ماء يسيل من صديدهم. وبالتشديد: كوفي غير أبي بكر {جَزَاءً} جوزوا جزاء {وِفَـٰقاً } موافقاً لأعمالهم مصدر بمعنى الصفة أو ذا وفاق. ثم استأنف معللاً فقال {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً } لا يخافون محاسبة الله إياهم أو لم يؤمنوا بالبعث فيرجوا حساباً {وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا كِذَّاباً } تكذيباً وفعّال في باب فعّل كله فاش {وَكُلَّ شىْءٍ} نصب بمضمر يفسره {أَحْصَيْنَـٰهُ كِتَـٰباً } مكتوباً في اللوح حال أو مصدر في موضع إحصاء، أو أحصيناً في معنى كتبنا لأن الاحصاء يكون بالكتابة غالباً. وهذه الآية اعتراض لأن قوله {فَذُوقُواْ } مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات أي فذوقوا جزاءكم والالتفات شاهد على شدة الغضب {فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً } في الحديث «حديث : هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار».
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {عم} أصله عن ما {يتساءلون} عن أي شيء يتساءلون يعني المشركين ولفظه استفهام، ومعناه التفخيم كقولك، أي شيء زيد إذا عظمت شأنه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد، وأخبرهم بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون فيما بينهم فيقول بعضهم لبعض ماذا جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر عما ذا تساؤلهم فقال تعالى: {عن النبأ العظيم} يعني الخبر العظيم الشأن قال الأكثرون هو القرآن، وقيل هو البعث وقيل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به {الذي هم فيه مختلفون} فمن فسر النبأ العظيم بالقرآن قال اختلافهم فيه هو قولهم إنه سحر أو شعر أو كهانة أو نحو ذلك مما قالوه في القرآن، ومن فسر النبأ العظيم بالبعث قال اختلافهم فيه فمن مصدق به، وهم المؤمنون ومن مكذب به، وهم الكافرون ومن فسره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال اختلافهم فيه كاختلافهم في القرآن {كلا} هي ردع وزجر وقيل هي نفي لاختلافهم، والمعنى ليس الأمر كما قالوا {سيعلمون} أي عاقبة تكذيبهم حين ينكشف الأمر يعني في القيامة {ثم كلا سيعلمون} وعيد على أثر وعيد، وقيل معناه كلا سيعلمون يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم وكفرهم ثم كلا سيعلمون يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم وإيمانهم ثم ذكر أشياء من عجائب صنائعه ليستدلوا بذلك على توحيده، ويعلموا أنه قادر على إيجاد العالم وفنائه بعد إيجاده وإيجاده مرة أخرى للبعث والحساب، والثواب، والعقاب فقال تعالى: {ألم نجعل الأرض مهاداً} أي فراشاً وبساطاً لتستقر عليها الأقدام {والجبال أوتاداً} يعني للأرض حتى لا تميد {وخلقناكم أزواجاً} يعني أصنافاً ذكوراً وإناثاً.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {كلا ستعلمون} بتاء الخطاب في الموضعين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان {وفتحت} بالتخفيف: عاصم وحمزة وعليّ وخلف {لبثين} مقصوراً: حمزة {ولا كذاباً} مخففاً. عليّ {رب} بالرفع بتقدير هو رب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبوعمرو والمفضل.الباقون: بالجر على البدل {الرحمن} باجر على البدل أو البيان: ابن عامر وسهل ويعقوب وعاصم غير المفضل. الآخرون: بالرفع على" هو الرحمن " أو على أنه خير آخر. الوقوف {يتساءلون} ه ج لاحتمال أن الجار متصل بالفعل المذكور والمراد التهديد. قال الفراء: " عن " بمعنى اللام أي لأي شيء، أو متصل بمحذوف كأن سائلاً سأل عن أي شيء يتساءلون فأجيب عن النبأ. {العظيم} ه لا {مختلفون} ه ط بناء على أن معنى كلا حقاً {سيعلمون} لا ه {سيعلمون} ه ج {مهاداً} ه لا {أوتاداً} ه ص {أزوجاً} ه {سباتاً} ه لا {لباساً} ه لا {معاشاً} ه ص {شداداً} ه لا {وهاجاً} ه ص {ثجاجاً} ه لا {ونباتاً} ه ك {ألفافاً} ه ط {ميقاتاً} ه ط لأن ما بعده بدل {أفواجاً} ه ك {أبواباً} ه ك {سراباً} ه ط {مرصاداً} ه لا {مآباً} ه لا {أحقاباً} ه ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً، ويجوز أن يكون صفة لـ {أحقاباً} لمكان عود الضمير في {فيها} إليها {شراباً} ه لا {غساقاً} ه ك {وفاقاً} ه {حساباً} ه {كذاباً} ه م لأن التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه {كتاباً} ه لا {عذاباً} ه {مفازاً} ه {وأعناباً} ه {أتراباً} ه ك {دهاقاً} ه ط لأنه لو وصل اشتبه بالصفة وللموصوف وجه كما يجيء في التفسير. {كذاباً} ه ط لأن {جزاء} يصلح مصدراً ومفعولاً له {حساباً} ه ط لمن قرأ {رب} بالرفع وقف على {بينهما} إلا لمن قرأ {الرحمن} بالرفع {رب} بالجر على الرحمن وقف على الوجوه إلا إن جعله مبتدأ {لا يملكون} خبره {خطاباً} ه لا بناء على أن {يوم} ظرف {لا يملكون} {صفاً} ه لا بناء على أن {يوم} ظرف {لا يتكلمون} {صواباً} ه لحق الشرط مع الفاء {مآباً} ه {قريباً} ه ج لأن {يوم} متعلق باذكر أو بـ {عذاباً} {تراباً} ه. التفسير: حرف الجر إذا دخل على " ما " الإستفهامية تحذف ألفها نحو " بم " و " عم " و " علام " و " لم " ه لشدّة الإتصال وكثرة الإستعمال. ثم إن كان الكلام مبنياً على السؤال والجواب فالسائل والمجيب واحد وهو الله، والفائدة في هذا الأسلوب أن يكون إلى التفهيم أقرب. ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما وقع فيه التساؤل وبيان أن مطلب ما وضع للسؤال عن حقائق الأشياء المجهولة والشيء العظيم الذي تعجز العقول عن إدراكه أو يدعي فيه العجز يكون مجهولاً، فوقع بين المسؤول بما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، والمشابهة أحد أسباب المجاز. والنبأ العظيم القيامة بدليل الردع عن الاختلاف وللتهديد بعده. وتقديم الضمير وبناء الكلام عليه لتقوى الكلام لا لا للاختصاص فإن غير قريش أيضاً مختلفون في أمر بالبعث فمنهم من يثبت الروحاني في المعاد فقط، ومنهم من يشك فيه كقوله {أية : وما أظن الساعة قائمة}تفسير : [الكهف: 36] ومنهم من يقطع بعدم البعث {أية : إن هي إلا حياتنا الدنيا}تفسير : [المؤمنون: 37] كان يسأل بعضهم بعضاً عن القيامة ويتحدثون عنها متعجبين من وقوعها. ويجوزأن يكون المفعول محذوفاً أي يتساءلون النبي والمؤمنون نحو تراءينا الهلال فيكون التساؤل بطريق الاستهزاء ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين والكافرين جميعاً فقد كانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المؤمن فليزداد خشية واستعداد، وأما الكافر فلأجل الاستهزاء. وقيل: النبأ العظيم القرآن، واختلافهم فيه أن بعضهم جعلوه سحراً. وبعضهم شعراً وكهانة. وقيل: نبوّة محمد كانوا يقولون ما هذا الذي حدث {أية : بل عجبوا إن جاءهم منذر منهم} تفسير : [ق: 2] وقالت الشيعة: هو عليّ قال القائل في حقه هو النبأ العظيم وفلك نوح وباب الله وانقطع الخطاب. قال أهل المعاني: تكرير الردع مع الوعيد دليل على غاية التهديد. وفي " ثم " إشارة إلى أن الوعيد الثاني أبلغ، ويجوز أن يكون الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، أو الأول للكفار والثاني للمؤمنين. وقيل: الأول ردع عن الاختلاف والثاني عن الكفر. وحذف المفعول به أي سيعلمون أن ما يتساءلون عنه مختلفين فيه حق وصدق وذلك إذا اتصل العيان بالخبر. ومن قرأ الخطاب فقد سلك سبيل الالتفات. ثم عدد دلائل القدرة على البعث ودلائل الحكمة في الجزاء على أن كلاً منهما نعمة يجب أن تشكر بالتوفر على الطاقة ولا تكفر بالإقدام على المعصية. والمهاد الفراش، والأوتاد ما يشدّ بها أطناب الخمية، شبهت الجبال الراسيات بها لأنها تحفظ الأرض أن تميد بما عليها وقد سبق تقريره. والأزواج الأصناف المتقابلات القبيح بإزاء الحسن والطويل بحذاء القصير وغير ذلك من الأضداد. والسبات الراحة. والتركيب يدل على القطع والإزالة ومنه سبت الرجل رأسه إذا حلقه، والنوم يزيل التعب عن الإنسان فيستعقب الراحة قاله ابن الأعرابي والمبرد. وقال الزجاج وغيره: هو الموت وهذا التفسير لا يناسبه مقام تعداد النعم. واللباس ما يتغطى به والليل أخفى للويل. والمعاش مصدر أو اسم زمان لأن الناس يتقبلون فيه لوجوه تعيشهم. والشداد المحكمة التي لا تقبل الشق والخرق إلا ما شاء الله. والوهاج المتلألىء الوقاد. وفي كتاب الخليل: الوهج النار. ولا شك أن الشمس جامعة للنور والحرارة. والمعصرات السحاب بلغة قريش من أعصرت إذا شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك " أحصد الزرع " أي حان أن يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض وهذا القول مروي عن ابن عباس واختاره أبو العالية والربيع والضحاك. وقال مجاهد والكلبي ومقاتل وقتادة: هي الرياح التي تنشىء السحاب وتدرّ أخلافه فكأنها مبادىء الإنزال. الثجاج المنصب بكثرة يقال " ثجة وثج بنفسه " وفي الحديث "حديث : أفضل الحج العج والثج "تفسير : فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج صب دماء الهدي. ثم بين غاية الإنزال وهي إخراج الحب للإنسان، والنبات للأنعام غالباً، والجنات الملتفة لأجل التلذذ والتفكه. قال الكسائي والأخفش: والألفاف جمع لف بالكسر ويحتمل أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف. وقال في الكشاف: إنه لا واحد له كالأوزاع للجماعات المتفرقة ومنه قولهم " أخوة أخياف " أي مختلفة. واعلم أن هذه التسعة نظراً إلى حدوثها وإمكانها تدل على الفاعل المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإتقان والإحكام تدل على كمال علمه وحكمته الذاتية. وبعد ثبوت كماله في هذه الأوصاف لم يبق للمتأمل شك في إمكان الحشر وقد أخبر الصادق عن وقوع هذا الممكن فوجب الجزم به على أن في إخراج النبات بعد جفافه ويبسه دليلاً ظاهراً على إمكان إخراج الموتى من القبور وبعثهم فلهذا رتب على هذه البيانات قوله {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} أي حداً توقت به الدنيا أو حداً لفصل الحكومات تنتهي الخلائق إليه. والنفخة ههنا هي الثانية التي تكون عندها الحياة بدليل قوله {فتأتون أفواجاً} أي طائفة طائفة إلى أن يتكامل اجتماعهم. وقال عطاء: كل نبي يأتي مع أمته. وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال عليه السلام:" حديث : يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمتيّ بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فآكل السحت، وأما المنكسون فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعملاهلم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هو أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء "تفسير : وفتح السماء شقها وانفطارها أو معنى آخر مغاير لهما. والضمير في {فكانت} للسماء كأنها لكثرة أبوابها المفتوحة لنزول الملائكة صارت بكليتها أبواباً كقوله {أية : وفجرنا الأرض عيوناً} تفسير : [القمر: 12] ويحتمل أن يعود إلى مقدر دل عليه الكلام أي فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً. وقال الواحدي: المضاف محذوف أي فكانت ذات أبواب. وأما الجبال فإنه تعالى ذكر حالها بعبارات مختلفة، ويمكن الجمع بينها بأن تدرك أوّلاً {أية : وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة}تفسير : [الحاقة: 14] ثم تصير كالعهن ثم تصير كالهباء {وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً} وهي في كل هذه الأحوال باقية في مواضعها ثم تنسف بإرسال الرياح عليها {أية : وإذا الجبال نسفت} تفسير : [الانفطار: 4] ثم تطير ههنا أحوال إذا برزت من تحتها {أية : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة}تفسير : [الكهف: 47] والثاني للجبال فتطيره في الهواء كالهباء فمن نظر إليها حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي بالحقيقة مارة بتحريك الهواء كما قال {أية : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب} تفسير : [النمل: 88] والثالث لها باعتبار أماكنها الأصلية فمن نظر إلى المواضع من بعيد ظن أن الجبال هناك حتى إذا دنا منها لم يجد فيها شيئاً {أية : كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً} تفسير : [النور: 39] وقد أشار إلى هذه الحالة بقوله {وسيرت الجبال فكانت سراباً}. ثم أخبر عن أحوال السعداء والأشقياء يومئذ. وقدم ذكر هذا المقام غير محرر فلينظر الأشقياء لأن الكلام في السورة بني على التهديد فقال {إن جهنم كانت} أي في علم الله أو هي مسلوبة الدلالة على المضي. والمرصاد إما اسم للمكان الذي يرصد فيه كالضمار للذي تضمر فيه الخيل، والمنهاج إسم للمكان الذي ينهج فيه. والمعنى أن خزنة جهنم يرصدون الكفار هناك، أو أن خزنتها يستقبلون المؤمنين عندها لأن جوازهم عليه بدليل قوله {أية : وإن منكم إلا واردها}تفسير : [مريم: 71] ولهذا قال الحسن وقتادة: يعني طريقاً إلى الجنة. وإما صفة نحو " مقدام " بمعنى أنها ترصد أعداء الله. وقوله {للطاغين} متعلق بما بعده أو بما قبله، وعلى التقديرين لا بد من إضمار وهو لفظة لهم أو لأهل الجنة. ثم ذكر كيفية استقرارهم هناك فقال {لابثين} ومن قرأ بغير ألف فهو أدل على الثبات. قال جار الله: اللابث من وجد منه اللبث فقط، واللبث من لا يكاد يبرح المكان أما الأحقاب فزعم الفراء أن أصله الترادف والتتابع أي دهوراً مترادفة لا تكاد تتناهى كلما مضى حقب تبعه آخر. وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدّون. وسأل هلال الهجري علياً فقال: الحقب مائة سنة السنة اثنا عشر شهراً والشهر ثلاثون يوماً واليوم ألف سنة. وقال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس: الحقب الواحد بضع وثمانون سنة والسنة ثلثمائة وستون يوماً واليوم ألف سنة من أيام الدنيا. ونحو هذا يروى عن ابن عباس وقطرب مرفوعاً. فإن قيل: عذاب أهل النار ولا سيما الطاغين غير متناه والأحقاب بالتفاسير المذكورة وإن كثر مبلغها متناهية، فلما وجه الجمع بينهما؟ قلنا: الحق متناه ولكن الأحقاب لا نسلم أنها متناهية فإن الجمع لا يلزم تناهي آحاده فيجوز أن يكون المعنى كلما مضى حقب تبعه آخر. قال الفراء: سلمنا أن الأحقاب تفيد التناهي لكن بالمفهوم والنصوص الدالة على التأبيد كقوله {أية : يريدون أن يخرجوا من النار وماهم بخارجين منها} تفسير : [المائدة: 37] تدل بالمنطوق ولا شك أن المنطوق راجح. وقال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيه أحقاباً غير ذائقين برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم ينقلون إلى جنس آخر غير الحميم والغساق. وذكر في الكشاف وجهاً آخر وهو أن يكون أحقاباً من حق بعامنا هذا إذا قل خيره. وحقب فلان ذا أخطأ الرزق فهو حقب كحذر وجمعه أحقاب فينتصب حالاً منهم أي لابثين في أسوأ حال. والبرد معروف أي لا يجدون هواء بارداً ولا ماء بارداً. وقال الأخفش والفراء: هو النوم ولذلك أن البرد لازم للنوم ولهذا يسكن العطش. وسببه توجه الحرارة الغريزية إلى الباطن عند فتور الحواس الظاهرة والحركات الاختيارية وفي أمثالهم " منع البرد البرد " أي أصابني من البرد ما منعني من النوم. وقد يضعف هذا القول أنهم لا يقولون ذقت البرد ويقولون " ذقت الكرى " وبأنهم يجدون الزمهرير فكيف يصح نفي البرد عنهم. وقد يجاب عن الأول بأن الذوق في الصورتين مجاز فأي ترجيح لأحدهما على الآخر. وعن الثاني بأن المراد برد له روح لا الذي فيه عذاب. والحميم الماء البالغ في الحرارة، والغساق صديد أهل النار. قوله {جزاء} نصب على المصدر أي جزاهم جزءا. وانتصب {وفاقاً} على الوصف أي ذا وفاق أو موافقاً لعملهم في القبح والفظاعة والدوام. ثم ذكر علة التأبيد فقال {إنهم كانوا لا يرجون حساباً} لا يخافون أو لا يتوقوعن حساباً وهذه إشارة إلى نقصانهم بحسب القوة العلمية فإن الذي اعتقد أنه لا حشر ولا حساب ولا يبالي بأي شيء ترك من القبائح والمظالم أو أي شيء ترك من الخيرات والفضائل. قوله {وكذبوا بآياتنا كذاباً} إشارة إلى فساد عقائدهم حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل. ومصدر " فعل " مشدد العين يجيء على " فعال " بالتشديد وهو الأكثر، وبالتخفيف عند بعضهم ولهذا لم يقرأ به إلا في الشواذ. قال جار الله: هو مصدر كذب بدليل قوله: شعر : فصدّقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه تفسير : وهو مثل قوله {أية : أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : [نوح: 17] يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً أو تنصبه بـ {كذبوا} لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب. وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يبالغ في أمر فبلغ فيه أقصى جهده. أقول: أراد بهذا الوجه الأخير أن باب المغالبة يبنى على المفاعلة فيمكن أن يستدل بالمفاعلة على المبالغة بطريق العكس الجزئي {وكل شيء أحصيناه} من باب الإضمار على شريطة التفسير. قوله {كتاباً} مصدر لأنه والإحصاء يتلاقيان في معنى الضبط والتحصيل، ويجوز أن يكون حالاً أي مكتوباً في اللوح أو في صحف الأعمال. قال جار الله: هذه جملة معترضة. أقول: إنها من تمام التعليل المذكور أي فعلوا كذا وكذا ونحن عالمون بجميع الكليات والجزيئات فلهذا كتبنا جزاء العاصين على وفق أعمالهم. ثم أظهر غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء الجزاء الدال على أن المذكور سبب عن كفرهم بالحسنات وتكذيبهم بالآيات. وزيادة العذاب يحتمل أن تكون لأجل أن المؤثر إذا استمرَّ ودام ازداد الإحساس بأثره، ويحتمل أن يكون لازدياد كفرهم وعتوّهم حيناً بعد حين كقوله {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : [التوبة: 125] ويحتمل أن تكون زيادة العذاب عبارة عن نفس استمراره لأنه يتزايد بمرور الزمان، والمراد انا لن نخلصكم من العذاب إلى خلافه. ثم شرع في شرح أحوال السعداء قائلاً {إن للمتقين مفازاً} فوزاً وظفراً بالمطالب والأماني أو موضع فوز ثم فسره بقوله {حدائق} الخ. والحدائق البساتين فيها أنواع الشجر وقد مرّ في قوله {أية : حدائق ذات بهجة}تفسير : [النمل: 60] وخص منها الأعناب لشأن مزيته على سائر الفواكه. والكواعب النواهد واحدها كاعب كطالق وطامث وهي التي ظهر ثديها كالكعب لها نتوّ قليل. والأتراب اللذات. والدهاق المترعة المملوءة وهذا قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد. يروى أن ابن عباس دعا غلاماً له فقال: اسقنا دهاقاً فجاء الغلام بها ملآنة فقال ابن عباس: هذا هو الدهاق. وعن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد: هي المتتابعة. قال الواحدي: وأصل هذا من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقاً وهو شدّة تلازمها ودخولها بعضها في بعض. وعن عكرمة: دهاقاً أي صافية. والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع دهق وهي خشبتان يعصر بهما. والكأس الخمر أي خمراً ذات دهاق وهي التي عصرت وصفيت بالدهاق. {ولا يسمعون فيها} أي في الجنة وهو الأظهر أو في الكأس وشربها {لغواً} كلاماً باطلاً {ولا كذاباً} أي لا يكذب بعضهم بعضاً لأنهم إخوان الصفاء أخذان الوفاء. ومن قرأ بالتخفيف فمعناه أنه لا يجري بينهم كذاب أو مكاذبة. قال جار الله: {جزاء} مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله {إن للمتقين مفازاً} كأنه قال: جازى المتقين بمفاوز {عطاء} نصب بـ {جزاء} نصب المفعول به أي جزاهم عطاء. وقال الزجاج: المعنى جازاهم بذلك جزاء وأعطاهم عطاء. ومعنى{حساباً} كافياً من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي. وقيل: أي على حسب أعمالهم فمعنى الحساب العدّو والتقدير لبعضهم عشرة ولبعضهم سبعمائة وأكثر. وقال ابن قتيبة: هو من أحسبت فلاناً أي أكثرت له يعني عطاء كثيراً. وإنما قال في الأول {جزاء وفاقاً} لأن جزاء السيئة سيئة مثلها أي موافقة لها. وأما ههنا فالمراد ثواب المؤمنين وليس ذلك بتقدير العمل فقط ولكن بمقدار ما يكفيه. ثم مدح نفسه بقوله {رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن} وقد تقدّم إعرابه في الوقوف. والضمير في {لا يملكون} قيل للكافرين نقله عطاء عن ابن عباس، يريد لا يخاطب المشركون الله، وأما المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم. وقيل للمؤمنين لأن ذكرهم أقرب من ذكر الكفار، والمراد أنه ما تحيف حقهم فبأي سبب يخاطبونه. والأكثرون على أن الضمير لأهل السموات والأرض فإن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاباً من جهة الله إذ كل من هو سواه فهو مملوكه، والمملوك لا يملك من جهة مالكه شيئاً وإلا لم يكن للمالك كمال الملك. وقالت المعتزلة: إنه عالم بقبح القبيح غني عن فعله وعالم بغناه فلا يفعل إلا الحسن وحينئذ لا وجه للمطالبة والمخاطبة. ثم أكد المعنى المذكور بقوله {يوم يقوم الروح} وهو أعظم المخلوقات قدراً كما مرّ في سورة سبحان في تفسير قوله تعالى {أية : ويسألونك عن الروح}تفسير : [الإسراء: 85] والصف مصدر في الأصل لا يثنى ولا يجمع غالباً فلهذا جاز أن يكون المراد أنهم يقومون صف من الروح وحده ومن الملائكة بأسرهم صف، وجاز أن يكون يراد يقوم الكل صفاً واحداً أو يقومون صفوفاً لقوله {أية : وجاء ربك والملك صفاً صفاً}تفسير : [الفجر: 22] ثم بين أنهم مع جلالة قدرهم لا يتكلمون إلا بشرطين: أحدهما الإذن من الله، والضمير في {له} إما للشافع أو للمشفوع. والثاني أن يقول {صواباً} والضمير في {قال} أيضاً إما للشافع فالمراد أنهم لا ينطقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد الإذن يجتهدون حتى لا يتكلمون إلا بما هو حق وصواب. وإما للمشفوع. والقول الصواب على هذا التفسير شهادة أن لا إله إلا الله {وذلك اليوم الحق} أي لا باطل فيه ولا ظلم أو هو الكائن لا محالة {فمن شاء اتخذ} بالطاعة {إلى ربه مآباً} ومرجعاً. والظاهر أن الضمير عائد في {شاء} إلى {من} وفيه دليل للمعتزلة. ويروى عن الخدري وابن عباس أن الضمير لله {عذاباً قريباً} هو عذاب الآخرة لأن ما هو آت قريب. وفي المرء أقوال: فعن عطاء أنه الكافر لتقدّم ذكر الإنذار وقوله الكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم. وعن الحسن وقتادة: إنه المؤمن لمجيء ذكر الكافر بعده، ولأن المؤمن لما قدّم الخير والشر فهو منتظر لأمر الله كيف يحدث، وأما الكافر فإنه قاطع بالعذاب ومع القطع لا يحصل الانتظار. والأظهر أنه عام في كل مكلف. و " ما " استفهامية منصوبة بـ {قدّمت} أو موصولة منصوبة بـ {ينظر} فيلزم إضمار " إن " حذف العائد من قدّمته، وحذف الجار لأن الأصل أن يقال ينظر إليه. قوله {كنت تراباً} فيه وجوه أحدها: ليتني لم أبعث غير محشور. الثاني ما ورد في الأخبار أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم تردّ تراباً فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب. وأنكر بعض المعتزلة ذلك لأنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوّض وبين متفضل عليه، وعلى التقديرين لا يجوز أن يقطعها عن المنافع لأن ذلك كالإضرار بها. قال القاضي: إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل لم يبعد أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ضرراً. وقال بعضهم: إن الحيوانات إذا انتهت مدّة أعواضها جعل الله تعالى كل ما كان منها حسن الصورة ثواباً لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقاباً لأهل النار. الثالث قال بعض الصوفية: أراد يا ليتني كنت متواضعاً في طاعة الله كالتراب لا مرتفعاً كالنار. الرابع قيل: الكافر إبليس يرى آدم وثواب أولاده فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال {أية : خلقتني من نار وخلقته من طين} تفسير : [ص: 76].
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} أصل «عم»: «عَنْ مَا» ثُمَّ أُدْغمتِ النونُ بَعْدَ قَلْبِهَا [في الميم لاشْتِرَاكِهِما في الغُنَّة] فبقي «عما» في الخبرِ وفي الاستفهام، ثم حذفوا الألفَ في الاستفهامِ فرقاً بينَه وبين الخبر، ثم مِنَ العرب مَنْ يخففُ الميم فيقول: «عَمْ»، وهذا الاستفهامُ بـ«عم» استفهامُ توقيفٍ وتعجيبٍ، و{ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} قال ابن عباس وقتادة: هو الشَّرعُ الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد: هو القرآن خاصةً، وقال قتادة أيضاً: هو البعثُ من القبور، والضميرُ في: {يَتَسَاءَلُونَ} لكفارِ قريشٍ ومن نَحا نَحْوَهم، وأكْثَر النحاة أن قوله: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} متعلقٌ بـ{يَتَسَاءَلُونَ}، وقال الزجاج: الكلام تامُّ في قوله: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} ثُمَّ كان مقتضَى القولِ أن يجيبَ مجيبٌ فيقول: يتساءلونَ عن النبأ العظيم، وله أمثلة في القرآن اقتضَاها إيجازُ القرآن وبلاغتُه، واختلافُهم هو شكُّ بعضٍ وتكذيبُ بعضٍ، وقولهُم: سِحْرٌ وكهانةٌ إلى غير ذلك من باطلِهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} قد تقدم أن البزي يدخل هاء السكت عوضاً من ألف "ما" الاستفهامية في الوقف. ونقل عن ابن كثير أنه يقرأ "عمه" - بالهاء - وصلاً، أجرى الوصل مجرى الوقف. وقرأ عبد الله، وأبي، وعكرمة وعيسى: "عمّا" بإثبات الألف، وقد تقدم أنه يجوز ضرورة وفي قليل من الكلام؛ ومنه قوله: [الوافر] شعر : 5067- عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمنِي لَئيمٌ كَخِنْزيرٍ تَمرَّغَ في رَمَادِ تفسير : وتقدم أن الزمخشري جعل منه {أية : بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} تفسير : [يس: 27] في "يس"، و "عم" فيه قولان: أظهرهما: أنه متعلق بـ "يَتَساءَلون". قال أبو إسحاق: الكلام تام في قوله: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ}، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب، فيقول: يتساءلون عن النبأ العظيم فاقتضى إيجاز القرآن، وبلاغته أن يبادر المحتجّ بالجواب الذي يقتضيه الحال والمجاورة اقتضاءً بالحجة، وإسراعاً إلى موضع قطعهم. والثاني: أنه متعلق بفعل مقدر، ويتعلق "عن النبأ العظيم" بهذا الفعل الظاهر. قال الزمخشري: "وعن ابن كثير: أنه قرأ "عمّه" بهاء السكت، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف، ويبتدئ بـ "يتساءلون عن النبأ العظيم" على أن يضمر "يتساءلون"؛ لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ثم يفسر". فصل في لفظ عم قال ابن الخطيب: "عم" أصله: "عن ما"؛ لأنه حرف جر دخل على "ما" الاستفهامية. قال حسان بن ثابت: [الوافر] شعر : 5068- عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ …………………..…. تفسير : والاستعمال الكثير على الحذف، وعلى الأصل قليل، وذكروا في سبب الحذف وجوهاً: أحدها: قال الزجاج: لأن الميم تشرك النون في الغُنَّة في الأنف فصارا كالحرفين المتماثلين. وثانيها: قال الجرجاني: أنهم إذا وضعوها في استفهام حذفوا ألفها تفرقةً بينها وبين أن يكون اسماً، كقولهم: فيمَ ولِمَ وبِمَ وحتام. وثالثها: قالوا: حذفت الألف لاتصال "ما" بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه لينبئ عن شدة الاتصال. ورابعها: حذف للتخفيف في الكلام، فإنه لفظ كثير التَّرداد على اللسان. فصل في أن السائل والمجيب هو الله تعالى قال ابن الخطيب: قوله تعالى {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} سؤال، وقوله: "عن النبأ العظيم" جواب، والسائل والمجيب هو الله تعالى، وذلك يدلّ على علمه بالغيب، بل بجميع المعلومات، وفائدة ذكره في معرض السؤال والجواب؛ لأنه أقرب إلى التفهيم والإيضاح، ونظيره قوله تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. فصل في لفظ ما "ما" لفظة وضعتْ لطلب ماهيَّات الأشياء، وحقائقها، تقول: ما الملك؟ وما الروح؟ وما الجن؟ والمراد طلب ماهياتها، وشرح حقائقها، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولاً، ثم إنَّ الشيء العظيم الذي يكون لفظه مزيَّة يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول، فحصل بين الشيء المطلوب، وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، فلذلك سُئل عنه بما استعاره، وكأنه مجهول، ومنه {أية : ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} تفسير : [الحاقة: 1، 2] {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} تفسير : [المطففين: 8]، و {أية : مَا ٱلْعَقَبَةُ} تفسير : [البلد: 12] وشبهه. فصل قال الفراء: السؤال هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل، وقد يستعمل أيضاً في أن يتحدثوا به، وإن لم يكن بينهم سؤال، قال تعالى: {أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} تفسير : [الصافات: 50، 51] الآية، وهذا يدل على التحدث. فصل في نزول الآية والضمير في {يَتَسَآءَلُونَ} لـ "قريش". روى أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كانت قريش تجلس لمَّا نزل القرآن، فتتحدث فيما بينهم، فمنهم المصدقُ، ومنهم المكذبُ به، فنزلت {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ}. وقيل: "عم" قسم، فشدد المشركون أين يختصمون، بدليل قوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} تفسير : [النبأ: 4، 5] وهذا تهديد، والتهديد لا يليق إلا بالكفار. فإن قيل: فما تصنع بقوله: {ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} مع أنَّ الكفَّار كانوا متفقين في إنكار الحشر؟ فالجواب: لا نسلم اتفاقهم في إنكار الحشر؛ لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني، وهم جمهور النصارى، وأما المعاد الجسماني، فمنهم من كان شاكَّا فيه لقوله: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً} تفسير : [فصلت: 50] {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50]. ومنهم من ينكرهُ، ويقول: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [الأنعام: 29]. ومنهم من يُقرُّ بهِ لكنه ينكر نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل اختلافهم. وأيضاً فهبْ أنَّهم كانوا منكرين له، لكن لعل اختلافهم في كيفية إنكاره، فمنهم من أنكر؛ لإنكاره الصانع المختار، ومنهم من ينكره؛ لاعتقاده أنَّ إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها، والقادر المختار إنما يكون قادراً على الممكن في نفسه. وقيل: الضمير في " يتَساءَلُونَ" هم الكفَّار والمؤمنون كانوا جميعاً يتساءلون عنه، فأما المسلمُ فيزداد يقيناً وبصيرةً في دينه، وأمَّا الكافر فاستهزاءٌ وسخريةً، وعلى سبيل إيراد الشكوك، والشُّبهاتِ. قال ابن الخطيب: ويحتملُ أنهم يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون: ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة؟ قوله: {عَنِ ٱلنَّبَإِ} يجوز فيه ما جاء في قوله تعالى: {أية : لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} تفسير : [المرسلات: 12] في البدليَّة، والتعلُّق بفعلٍ مقدرٍ، ويزيد عليه ها هنا أنَّه يتعلق بالفعل الظاهر، ويتعلق ما قبله بمضمرٍ كما تقدم عن الزمخشري. وقال ابن عطية: قال أكثر النحاة: "عن النَّبأ العظيم" يتعلق بـ "يَتَسَاءَلُونَ" الظاهر كأنه قال: لم يتساءلون عن النبأ، وقوله "عَمَّ" هو استفهام توبيخ وتعظيم. وقال المهدوي: "هن" ليس تتعلق بـ "يَتَسَاءَلُونَ" الذي في التلاوة؛ لأنه كان يلزمُ دخول حرف الاستفهام، فيكون "أعن النبأ العظيم"؟ كقولك: كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ فوجب لما ذكرنا امتناع تعلقه بـ "يتساءلون" الذي في التلاوة، وإنما يتعلق بـ "يتساءلون" آخر مضمر، وحسُن ذلك لتقدم "يَتَسَاءَلُونَ". قال القرطبي: "وذكر بعضهم أن الاستفهام في قوله: "عن" مكرر إلا أنَّه مضمر كأنه قال: "عمَّ يَتَساءَلُون أعنِ النَّبَأ العَظيمِ"، فعلى هذا يكون متصلاً بالآية الأولى، والنبأ العظيم، أي: الخبر الكبير، "الذي هم فيه مختلفون" أي: يخالف فيه بعضهم بعضاً فيصدقُ واحدٌ ويكذبُ آخر". قوله: {مُخْتَلِفُونَ} خبر "هم" والجار متعلق بـ "هم"، والموصول يحتمل الحركات الثلاث إتباعاً وقطعاً رفعاً ونصباً. فصل في المراد بهذا النبأ قال ابن عباس - رضي الله عنه - "النَّبَأُ" هو القرآن، قال تعالى: {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} تفسير : فالقرآن نبأ وخبر وقصص، وهو نبأ عظيم، وكانوا يختلفون فيه، فجعله بعضهم سحراً، وبعضهم شعراً، وبعضهم قال: أساطيرُ الأولين. وقال قتادة: هو البعث بعد الموت اختلفوا فمصدِّق ومكذِّب، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً} تفسير : [النبأ: 17]. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أَمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لما بعث سأله اليهود عن أشياء كثيرة، فأخبره الله باختلافهم، وأيضاً فجعل الكفار يتساءلون فيما بينهم، ما هذا الذي حدث؟ فأنزل الله - تعالى - "عَمَّ يتسَاءَلُون" وذلك أنَّهُم عجبُوا من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {أية : بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} تفسير : [ق: 2]، وعجبوا أن جاءهم بالتوحيد أيضاً كما قال تعالى: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [ص: 5]، فحكى الله - تعالى - عن مسألة بعضهم بعضاً على سبيل التعجب بقوله: "عم يتساءلون".
البقاعي
تفسير : {عمَّ} أي عن أي شيء - خفف لفظاً وكناية بالإدغام، وحذف ألفه لكثرة الدور والإشارة إلى أن هذا السؤال مما ينبغي أن يحذف، فإن لم يكن فيخفى ويستحى من ذكره ويخفف {يتساءلون *} أي أهل مكة لكل من يسأل عن شيء من القرآن سؤال شك وتوقف وتلدد فيما بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين رضي الله عنهم، ولشدة العجب سمي جدالهم وإنكارهم وعنادهم - إذا تليت عليهم آياته وجليت بيناته - مطلق سؤال. ولما فخم ما يتساءلون عنه معجباً منهم فيه، بينه بقوله إعلاماً بأن ذلك الإيهام ما كان إلا للإعظام: {عن النبأ} أي من رسالة الرسول وإتيانه بالكتاب المبين، وإخباره عن يوم الفصل، والشاهد بكل شيء من ذلك الله بإعجاز هذا الحديث، وبوعده الجازم الحثيث. ولما كان في مقام التفخيم له، وصفه تأكيداً بقوله: {العظيم *} مع أن النبأ لا يقال إلا لخبر عظيم شأنه، ففي ذلك كله تنبيه على أنه من حقه أن يذعن له كل سامع ويهتم بأمره، لا أن يشك فيه ويجعله موضعاً للنزاع؛ وعظم توبيخهم بقوله: {الذي هم} أي بضمائرهم مع ادعائهم أنها أقوم الضمائر {فيه مختلفون *} أي شديد اختلافهم وثباتهم فبعضهم صدق وبعضهم كذب، والمكذبون بعضهم شك وبعضهم جزم وقال بعضهم: شاعر، وبعضهم: ساحر - إلى غير ذلك من الأباطيل، وذلك الأمر هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أهمه البعث بعد الموت اشتد التباسه عليهم وكثرت مراجعتهم فيه ومساءلتهم عنه مع عظمه وعظم ظهوره، والعظيم لا ينبغي الاختلاف فيه بوجه، فإن ذا المروءة لا ينبغي له أن يدخل في أمر إلا وهو على بصيرة فكيف به إذا كان عظيماً فكيف به إذا تناهى عظمه فكيف به إذا كان أهم ما يهمه فإنه يتعين عليه أن يبحث عنه غاية البحث ويطلب فيه الأدلة ويفحص عن البراهين ويستوضح الحجج حتى يصير من أمره بعد علم اليقين إلى عين اليقين من حين يبلغ مبلغ الرجال إلى أن يموت فكيف إذا كان بحيث تتلى عليهم الأدلة وتجلى لديه قواطع الحجج وتجلب إليه البينات وهو يكابر فيه ويماري، ويعاند ويداري. قال الإمام أبو جعفر بن الزبير: سورة النبأ أما مطلقها فمرتب على تساؤل واستفهام وقع منهم وكأنه وارد هنا في معرض العدول والالتفات، وأما قوله:{كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} [النبأ: 4 - 5] فمناسب للوعيد المتكرر في قوله:{أية : ويل يومئذ للمكذبين}تفسير : [المرسلات: 19] وكأن قد قيل: سيعلمون عاقبة تكذيبهم، ثم أورد تعالى من جميل صنعه وما إذا اعتبره المعتبر علم أنه لم يخلق شيء منه عبثاً بل يعتبر به ويستوضح وجه الحكمة فيه، فعلم أنه لا بد من وقت ينكشف فيه الغطاء ويجازي الخلائق على نسبة من أحوالهم في الاعتبار والتدبر والخضوع لمن نصب مجموع تلك الدلائل، ويستشعر من تكرار الفصول وتجدد الحالات وإحياء الأرض بعد موتها، جرى ذلك في البعث واطراد الحكم، وإليه الإشارة بقوله:{أية : كذلك نخرج الموتى}تفسير : [الأعراف: 57] وقال تعالى منبهاً على ما ذكرناه {ألم نجعل الأرض مهاداً} [النبأ: 6] إلى قوله:{أية : وجنات ألفافاً}تفسير : [النبأ: 16] فهذه المصنوعات المقصود بها الاعتبار كما قدم، ثم قال تعالى:{أية : إن يوم الفصل كان ميقاتاً}تفسير : [النبأ: 17] أي موعداً لجزائكم لو اعتبرتم بما ذكر لكم لعلمتم منه وقوعه وكونه ليقع جزاؤكم على ما سلف منكم "فويل يومئذ للمكذبين" ويشهد لهذا القصد مما بعد من الآيات قوله تعالى لما ذكر ما أعد للطاغين:{أية : إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآياتنا كذاباً وكل شيء أحصيناه كتاباً}تفسير : [النبأ: 27 - 29] ثم قال بعد:{أية : إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً}تفسير : [النبأ: 31 - 32] وقوله بعد: {ذلك اليوم الحق} وأما الحياة الدنيا فلعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، وقوله بعد:{أية : يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}تفسير : [النبأ: 40] انتهى. ولما كان الأمر من العظمة في هذا الحد قال مؤكداً لأن ما اختلفوا فيه وسألوا عنه ليس موضعاً للاختلاف والتساؤل بأداة الردع، فقال تهديداً لهم وتوكيداً لوعيدهم: {كلا} أي ليس ما سألوا عنه واختلفوا فيه بموضع اختلاف أصلاً، ولا يصح أن يطرقه ريب بوجه من الوجوه فلينزجروا عن ذلك وليرتدعوا قبل حلول ما لا قبل لهم به. ولما كان كأنه قيل: فهل ينطقع ما هم فيه؟ أجاب بقوله مهدداً حاذفاً متعلق العلم للتهويل لأجل ذهاب النفس كل مذهب: {سيعلمون *} أي يصلون إلى حد يكون حالهم فيه في ترك العناد حال العالم بكل ما ينفعهم ويضرهم، وهذا عن قريب بوعد لا خلف فيه، ويكون لهم حينئذ عين اليقين الذي لا يستطاع دفاعه بعد علم اليقين الذي دافعوه، وعظم رتبة هذا الردع والتهديد والزجر والوعيد بقوله: {ثم كلا} أي أن أمره في ظهوره رادع عن الاختلاف في أمره {سيعلمون *} أي بعد الموت بعد علمهم قبله ما يكون من أمره بوعد صادق لا شك فيه، ويصير حالهم إذا ذاك حال العالم في كفهم عن العناد، وهم بين ذلول وذليل وحقير وجليل، فأما من اخترناه منه للإيمان فيكون ذلولاً، ومن أردنا شقاءه بالكفران فتراه ناكساً ذليلاً، ويشترك الكل بالذوق في حق اليقين، وقد كان هذا كما قال الجليل بعد زمن قليل، عندما أوقعتهم أيام الله وأرغمت منهم الأنوف وأذلت الجباه، وقراءة ابن عامر على ما قيل عنه بتاء الخطاب في الوعيد وأدل على الاستعطاف للمتاب. ولما حقق لهم أمره تحقيق من هو على غاية الوثوق بما يقول، دل على ذلك بما لا يحتمل شكاً ولا وقفة أصلاً، فقال مقرراً لهم ومنكراً عليهم التساؤل بما ندب إليه من التأمل وقرر به من النظر في باهر آياته وغرائب مخلوقاته التي أبدعها من العدم دلالة تامة عظمية على كمال القدرة مع تمام الحكمة الموجب للقطع بكل ما نبهت عليه الرسل من الشرائع والبعث والجزاء بادئاً بما هم له أشد ملابسة وهو الظرف: {ألم نجعل} أي بما لنا من العظمة {الأرض مهاداً *} أي فراشاً لكم موطئاً مذللاً يمكن الاستقرار عليه لتتصرفوا فيها كما شئتم {والجبال} أي تعرفون شدتها وعظمتها وعجزكم عن أقل شيء من أمورها {أوتاداً *} تثبتها كما أن البيت لا يثبت إلا بأوتاده، قال الأفوه الأودي: شعر : والبيت لا يبتنى إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد تفسير : وذلك لئلا تميد بكم فإنها معلقة على فضاء العلم ممسكة بيد القدرة، فلولا الجبال لعظم ثقلها لأنها بمنزلة السفينة العالية الفارغة على متن البحر فهي في غاية الحركة لا سيما إذا عظمت الريح فإنها حينئذ لا يستقر عليها قائم ولا يثبت قاعد ولا نائم، فالجبال بمنزلة الأمتعة الثقيلة التي تنزلها في الماء فتحفظ عن كثرة التقلب فكيف يصح بوجه أن يتوقف في إخبار من هذه قدرته لا سيما إذا كان ذلك المخبر به مما ركز سبحانه أمره في الفطر الأولى وقرر صحته في العقول التقرير الأوضح الأجلى. ولما ذكر بما في الظرف الذي هو فرشهم من الدلالة على تمام القدرة، أتبعه التذكير بما في المظروف وهو أنفسهم لتجتمع آيات الأنفس والآفاق فيتبين لهم أنه الحق فقال: {وخلقناكم} أي بما دل على ذلك من مظاهر العظمة {أزواجاً *} طوالاً وقصاراً وحساناً ودماماً وذكراناً وإناثاً لجميع أصنافكم على تباعد أقطارهم وتنائي ديارهم لتدوم أنواعكم إلى الوقت الذي يكون فيه انقطاعكم. ولما ذكر ما هو سبب لبقاء النوع، ذكر ما هو سبب لحفظه من إسراع الفساد فقال: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {نومكم} الذي ركبنا البدن على قبوله {سباتاً *} أي قطعاً عن الإحساس والحركة التي أتعبتكم في نهاركم مع الامتداد والاسترسال إراحة للقوى الحيوانية والحواس الجثمانية وإزاحة لكلالها مع أنه قاطع لكمال الحياة، فهو مذكر بالموتة الكبرى والاستيقاظ مذكر بالعبث، قال الزجاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم فنزلت {عم يتساءلون عن النبإ العظيم} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {يتساءلون عن النبإ العظيم} قال: القرآن. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {عم يتساءلون عن النبإ العظيم} قال: القرآن. وفي قوله: {الذي هم فيه مختلفون} قال: مصدق به ومكذب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون} قال: هو البعث بعد الموت، صار الناس فيه رجلين مصدق ومكذب، فأما الموت فاقروا به كلهم لمعاينتهم إياه، واختلفوا في البعث بعد الموت. وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: {كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} قال: وعيد بعد وعيد. وأخرج ابن جرير عن الضحاك {كلا سيعلمون} الكفار {ثم كلا سيعلمون} المؤمنون، وكذلك كان يقرؤها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: {ألم نجعل الأرض مهاداً} قال: فرشت لكم {والجبال أوتاداً} قال: أوتدت بها لكم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {ألم نجعل الأرض مهاداً} إلى قوله: {معاشاً} قال: نعم من الله يعددها عليك يا ابن آدم لتعمل لأداء شكرها. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يخلق الخلق أرسل الريح فنسفت الماء حتى أبدت عن حشفة، وهي التي تحت الكعبة، ثم مد الأرض حتى بلغت ما شاء الله من الطول والعرض، وكانت هكذا تميد، وقال بيده وهكذا وهكذا، فجعل الله الجبال رواسي أوتاداً، فكان أبو قبيس من أول جبل وضع في الأرض. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: إن الأرض أول ما خلقت خلقت من عند بيت المقدس، وضعت طينة فقيل لها: اذهبي هكذا وهكذا وهكذا، وخلقت على صخرة، والصخرة على حوت، والحوت على الماء فأصبحت وهي تميع. فقالت الملائكة: يا رب من يسكن هذه؟ فأصبحت الجبال فيها أوتاداً، فقالت الملائكة: يا رب أخلقت خلقاً هو أشد من هذه؟ قال: الحديد. قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الحديد؟ قال: النار. قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من النار؟ قال: الماء. قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الماء؟ قال الريح. قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الريح؟ قال: البناء. قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من البناء؟ قال: آدم. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وخلقناكم أزواجاً} قال: اثنين اثنين وفي قوله: {وجعلنا النهار معاشاً} قال: يبتغون من فضل الله، وفي قوله: {وجعلنا سراجاً وهاجاً} قال: يتلألأ {وأنزلنا من المعصرات} قال: الريح {ماء ثجاجاً} قال: منصباً ينصب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخرائطي في مكارم الأخلاق عن قتادة {وجعلنا سراجاً وهاجاً} قال: الوهاج المنير {وأنزلنا من المعصرات} قال: من السماء، وبعضهم يقول من الريح {ماء ثجاجاً} قال: الثجاج المنصب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وجعلنا سراجاً وهاجاً} قال: مضيئاً {وأنزلنا من المعصرات} قال: السحاب {ماء ثجاجاً} قال: منصباً. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: {سراجاً وهاجاً} قال: يتلألأ. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {وأنزلنا من المعصرات} قال: السحاب يعصر بعضها بعضاً، فيخرج الماء من بين السحابتين. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول: النابغة: شعر : تجري بها الأرواح من بين شمال وبين صباها المعصرات الدوامس تفسير : قال: أخبرني عن قوله: {ثجاجاً} قال: الثجاج الكثير الذي ينبت منه الزرع قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا ذؤيب يقول: شعر : سقى أم عمر وكل آخر ليلة غمائم سود ماؤهن ثجيج تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والخرائطي من طرق عن ابن عباس {وأنزلنا من المعصرات} قال: الرياح {ماء ثجاجاً} قال: منصباً. وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والخرائطي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله: {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً} قال: يبعث الله سحاباً فتحمل الماء من السماء فتمر به السحاب فتدر كما تدر اللقحة، والثجاج ينزل من السماء أمثال العزالي، فتصرفه الرياح فينزل متفرقاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة {وأنزلنا من المعصرات} قال: السحاب {ماء ثجاجاً} قال: صباً أو قال كثيراً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس {وأنزلنا من المعصرات} قال: من السماء {ماء ثجاجاً} قال: منصباً. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن قتادة في مصحف الفضل بن عباس {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً} . وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال في قراءة ابن عباس {وأنزلنا من المعصرات} بالرياح. وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن مجاهد {وأنزلنا من المعصرات} الريح، ولذلك كان يقرؤها: "بالمعصرات ماء ثجاجاً" منصباً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وجنات ألفافاً} قال: مجتمعة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن مجاهد في قوله: {وجنات ألفافاً} قال: ملتفة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وجنات ألفافاً} قال: ملتفة بعضها إلى بعض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة {وجنات ألفافاً} قال: الزرع إذا كان بعضه إلى بعض جنات. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وجنات ألفافاً} يقول: جنات التفت بعضها ببعض. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} قال: هو يوم عظمة الله، وهو يوم يفصل فيه بين الأولين والآخرين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً} قال: زمراً زمراً. وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب: "حديث : أن معاذاً بن جبل قال: يا رسول الله ما قول الله {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً}؟ فقال: يا معاذ سألت عن أمر عظيم، ثم أرسل عينيه ثم قال: عشرة أصناف قد ميزهم الله من جماعة المسلمين، وبدل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكبين أرجلهم فوق ووجوههم أسفل يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعاباً، يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جباباً سابغات من قطران لازقة بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فأكلة السحت، والمنكوسون على وجوههم فأكلة الربا، والعمي من يجور في الحكم، والصم البكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقضاة من الذين يخالف قولهم أعمالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتنا من الجيف الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله وحق الفقراء من أموالهم، والذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والخيلاء والفخر ".
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها أربعون أو إحدى وأربعون {عَمَّ} أصله عَمَّا فحذفَ منه الألفُ إمَّا فرقاً بـينَ ما الاستفهاميةِ وغيرِها أو قصداً للخفةِ لكثرةِ استعمالِها. وقد قُرِىءَ على الأصلِ. وما فيهَا منَ الإيهامِ للإيذانِ بفخامةِ شأنِ المسؤولِ عنْهُ وهولِهِ وخروجِه عنْ حدودِ الأجناسِ المعهودةِ. أيْ عنْ أيِّ شيءٍ عظيمٍ الشأنِ {يَتَسَاءلُونَ} أيْ أهلُ مكةَ وكانُوا يتساءلونَ عن البعثِ فيما بـينهم ويخوضونَ فيه إنكاراً واستهزاءً لكنْ لا على طريقةِ التساؤلِ عن حقيقتِه ومسمَّاهُ بلْ عن وقوعِه الذي هو حالٌ من أحوالِه ووصفٌ من أوصافِه. فإنَّ مَا وإنْ وضعتْ لطلبِ حقائقِ الأشياءِ ومسمياتِ أسمائِها كما في قولك ما الملَكُ وما الروحُ لكنَّها قد يُطلبُ بَها الصفةُ والحالُ تقولُ ما زيدٌ فيقال عالمٌ أو طبـيبٌ وقيل: كانُوا يسألونَ عنه الرسولَ عليه الصلاةُ والسلامُ والمؤمنينَ استهزاءً كقولِهم يتداعونهم أو يدعونهم وتحقيقُه أنَّ صيغةَ التفاعلِ في الأفعالِ المتعديةِ موضوعةٌ لإفادةِ صدورِ الفعلِ عن المتعددِ ووقوعِه عليهِ بحيثُ يصيرُ كلُّ واحدٍ من ذلكَ فاعلاً ومفعولاً معاً لكنَّه يرفعُ بإسنادِ الفعلِ إليه ترجيحاً لجانبِ فاعليتِه ويحالُ بمفعوليتِه على دلالةِ العقلِ كما في قولِك تراءَى القومُ أيْ رَأَى كلُّ واحدٍ منُهم الآخرَ وقد تجردَ عن المعنى الثانيِ فيرادُ بها مجردُ صدورِ الفعلِ عن المتعددِ عارياً عن اعتبارِ وقوعِه عليهِ فيُذْكر للفعلِ حينئذٍ مفعولٌ متعدد كمَا في المثالِ المذكورِ أو واحدٌ كما قي قولِك تراءَوا الهلالَ، وقد يحذفُ لظهورهِ كما فيما نحنُ فيهِ فالمَعْنى عن أيِّ شيءٍ يسألُ هؤلاءِ القومُ الرسولَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمؤمنينَ، وربَّما تجردَ عن صدورِ الفعلِ عن المتعددِ أيضاً فيرادُ بها تعددُه باعتبارِ تعددِ متعلَّقِه مع وحدةِ الفاعلِ كما في قولِه تعالَى: { أية : فَبِأَىّ الاء رَبّكَ تَتَمَارَىٰ}تفسير : [سورة النجم، الآية 55]. وقولُه تعالى: {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} بـيانٌ لشأن المسؤولِ عنْهُ إثرَ تفخيمِه بإيهام أمرِه وتوجيِه أذهانِ السامعينَ نحوَه وتنزيلِهم منزلَه المستفهمينَ فإن إيرادَهُ عن طريقةِ الاستفهامِ من علاَّمِ الغيوبِ للتنبـيهِ على أنَّه لانقطاعِ قرينِه وانعدامِ نظيرِه، خارجٌ عن دائرةِ علومِ الخلقِ، خليقٌ بأنْ يُعتنى بمعرفتِه ويُسألَ عنْهُ كأنَّه قيلَ عنْ أيِّ شيءٍ يتساءلُون هلْ أُخبرِكُم بِه ثمَّ قيلَ بطريقِ الجوابِ عن النبأِ العظيمِ على منهاجِ قولِه تعالى: { أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [سورة غافر، الآية 16] فعنْ متعلقةٌ بما يدلُّ عليهِ المذكورُ من مضمرٍ حقُّه أنْ يقدرَ بعدَها مسارعةً إلى البـيانِ ومراعاةً لترتيبِ السؤالِ هذا هو الحقيقُ بالجزالةِ التنزيليةِ، وقد قيلَ هي متعلقةٌ بالمذكورِ وعمَّ متعلقٌ بمضمرٍ مفسرٍ بهِ وأيدَّ ذلكَ بأنَّه قُرِىءَ عَمَّه والأظهرُ أنَّه مبنيٌّ على إجراءِ الوصلِ مُجرى الوقفِ، وقيل: عن الأُولى للتعليل كأنَّه قيلَ: لمَ يتساءلونَ عنِ النبأِ العظيمِ. وقيل قبل عن الثانية استفهام مضمر كأنه قيل عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم والنبأُ الخبرُ الذي له شأنٌ وخطرٌ وقد وصفَ بقولِه تعالى: {ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} بعد وصفِه بالعظيم تأكيداً لخطره إثرَ تأكيدٍ، وإشعاراً بمدار التساؤلِ عنه، وفيهِ متعلقٌ بمختلفونَ قدم عليه اهتماماً به ورعايةً للفواصلِ، وجعلُ الصلةِ جملةً اسميةً للدلالةِ على الثباتِ أي هُم راسخونَ في الاختلافِ فيهِ فمِن جازمٍ باستحالته يقولُ: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } تفسير : [سورة الجاثية، الآية 24] وشاكَ يقول {أية : ما ندري ما الساعة إن نظن إلاَّ ظناً وما نحن بمستيقنين } تفسير : [سورة الجاثية، الآية 32] وقيلَ: منهُم من ينكرُ المعادَينِ معاً كهؤلاءِ، ومنهُم مَنْ ينكرُ المعادَ الجسمانيَّ فقطَّ كجمهور النَّصارى، وقد حُملَ الاختلافُ على الاختلافِ في كيفيةِ الإنكارِ فمنْهُم مَنْ ينكرُه لإنكارِه الصانعَ المختارَ، ومنهُم مَنْ يُنكرهُ بناءً على استحالة المعدومِ بعينه، وحملُه على الاختلاف بالنَّفي والإثباتِ بناءً على تعميم التساؤلِ لفريَقيْ المسلمينَ والكافرينَ على أنَّ سؤالَ الأولينَ ليزدادُوا خشيةً واستعداداً وسؤالَ الآخرينَ ليزدادُوا كُفراً وعناداً يردُّه قولُه تعالى: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} الخ فإنَّه صريحٌ في أنَّ المرادَ اختلافُ الجاهلينَ بهِ، المنكرينَ له إذْ عليه يدورُ الردعُ والوعيدُ لا على خلاف المؤمنينَ لهم وتخصيصُهما بالكفرة بناءً على تخصيص ضميرِ سيعلمونَ بهم مع عموم الضميرينِ السابقينِ للكلِّ ممَّا ينبغِي تنزيُه التنزيلِ عن أمثالِه هَذا ما أدَّى إليه جليلُ النظرِ والذي يقتضيِه التحقيقُ ويستدعيهِ النظرُ الدقيقُ أنْ يحملَ اختلافُهم على مخالفتِهم للنبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بأنْ يُعتبرَ في الاختلافِ محضُ صدورِ الفعلِ عن المتعددِ حسبَما ذُكرَ في التساؤلِ فإنَّ الافتعالَ والتفاعلَ صيغتانِ مُتآخيتانِ كالاستباقِ والتسابقِ والانتضالِ والتناضلِ إلى غيرِ ذلكَ يجري في كلَ منَها ما يَجْري في الأُخرى لا على مخالفةِ بعضهِم لبعضٍ من الجانبـينِ لأنَّ الكُلَّ وإنِ استحقَ الردعَ والوعيدَ لكنَّ استحقاقَ كلِّ جانبٍ لهُما ليسَ لمخالفتِه للجانبِ الآخرِ إذْ لا حقيّةٌ في شيءٍ منهُمَا حتَّى يستحقَّ مَن يخالفُه المؤاخذةَ بل لمخالفتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فكَلاَّ ردعٌ لهم عن التساؤلِ والاختلافِ بالمعنيـينِ المذكورينِ وسيعلمونَ وعيدٌ لهم بطريقِ الاستئنافِ وتعليلٌ للردعِ، والسينُ للتقريبِ والتأكيدِ وليسَ مفعولُه ما ينبىءُ عنه المقامُ من وقوعِ ما يتساءلونَ عنه ووقوعِ ما يختلفونَ فيه كما في قولِه تعالى: { أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} تفسير : [سورة النحل، الآية 38] إلى قولِه تعالى: { أية : لِيُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} تفسير : [سورة النحل، الآية 39] الآيةَ فإنَّ ذلكَ عارٍ عن صريحِ الوعيدِ بلْ هُو عبارةٌ عمَّا يلاقونَهُ من فنونِ الدَّواهِي والعقوباتِ، والتعبـيرُ عن لقائِها بالعلمِ لوقوعِه في معرضِ التساؤلِ والاختلافِ والمَعْنى ليرتدعُوا عمَّا هُم عليهِ فإنَّهم سيعلمونَ عمَّا قليل حقيقةَ الحالِ إذا حلَّ بهم العذابُ والنكالُ.
القشيري
تفسير : مختلفون بشدة إنكارهم أمرَ البعث، ولالتباسِ ذلك عليهم، وكثرةِ مُساءَلتهم عنه، وكثرة مراجعتهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في معناه. تكرَّر من الله إنزالُ أمرِ البعث، وكم استدلَّ عليهم في حوازِه بوجوهٍ من الأمثلة.. فهذا من ذلك، يقول: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ}: عن الخبر العظيم {ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} قال الله تعالى على جهة الاحتجاج عليهم: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً}.
البقلي
تفسير : {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} النبأ العظيم كلامه القديم عظم العظم الله القديم مرتفع عن خاطر كل مخالف لا ينال بركتها الا اهل الله وخاصته.
اسماعيل حقي
تفسير : {عم} اصله عن ما ادغمت النون فى الميم لاشتراكهما فى الغنة فصار عما ثم حذفت الالف كما فى لم وبم وفم والى م وعلى م فانها فى الاصل لما وبما وفيما والى ما وعلى ما اما فرقا بين الاستهامية وغيرها او قصدا للخفة لكثرة استعمالها وقد جاءت فى العشر غير محذوفة كما ذكره ابو البقاء وما فيها من الابهام للايذان بفخامة شأن المسئول عنه وهوله وخروجه عن حدود الاجناس المعهودة كأنه خفى جنسه فيسأل عنه فالاستفهام ليس على حقيقته بل لمجرد التفخيم فان المسئول عنه ليس بمجهول بالنسبة الى الله تعالى اذ لا يخفى عليه خافية والمعنى عن اى شئ عظيم {يتساءلون} اى اهل مكة وكانوا يتساءلون عن البعث والحشر الجسمانى ويتحدثون فيما بينهم ويخوضون فيه انكارا واستهزآء لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسماه بل عن وقوعه الذى هو حال من احواله ووصف من اوصافه فان ماوان وضعت لطلب حقائق الاشياء ومسميات اسمائها كما فى قولك ما الملك وما الروح لكنها قد يطلب بها الصفة والحال تقول ما زيد فيقال عالم او طبيب.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {عَمّ يتساءلون}، وأصله: "عمّا" فحذفت الألف، كما قال في الألفية: شعر : وما في الاسْتِفهامِ إن جُرَّت حُذِفْ أَلِفهَا وأَوْلهَا الها إنْ تَقْفِ تفسير : وحذفها إمّا للفرق بين الاستفهامية والموصولة، أو للتخفيف، لكثرة الاستعمال، وقُرىء بالألف على الأصل، أي: عن شيءٍ يتساءلون. والضمير لأهل مكة، وكانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، يسأل بعضُهم بعضاً، ويخوضون فيه إنكاراً واستهزاءً، وليس السؤال عن حقيقته، بل عن وقوعه، الذي هو حال من أحواله، ووصف من أوصافه، فإنَّ "ما" كما يُسأل بها عن الحقيقة يُسأل بها عن الصفة، فتقول: ما زيد؟ فيقال: عالم أو طبيب. وقيل: النبأ العظيم هو القرآن، عجب من تساؤلهم واختلافهم وتجادلهم فيه. والاستفهام للتفخيم والتهويل والتعجيب من الجدال فيه، مع وضوح حقه وإعجازه الدالّ على صدق ما جاء به، وأنه من عند الله، فكان ينبغي ألاّ يجادل فيه، ولا يتساءل عنه، بل يقطع به ولا يشك فيه، وقد قال تعالى:{أية : قُلْ هُوَ نَبَؤاْ عَظِيمُ }تفسير : [صۤ:67] الآية. وقال الورتجبي: النبأ العظيم: كلامه القديم, عظيم بعظم الله القديم، لا يَنال بركته إلاّ أهل الله وخاصته. هـ. وقيل: كانوا يسألون المؤمنين، فالتفاعل قد يكون من واحد متعدد، كما في قولك: تراؤوا الهلال. انظر أبا السعود. وقوله: {عن النبأ العظيم} يتعلق بمحذوف، دلّ عليه ما قبله، فيوقف على "يتساءلون" ثم ليستأنف "عن النبأ..." الخ، أي: يتساءلون عن الخبر العظيم، وهو البعث وما بعده، أو القرآن، فتكون المناسبة بين السورتين قوله: {أية : فَبِأَيْ حَدِيِث بَعْدَهُ يُؤْمِنُون} تفسير : [المرسلات:50] مع قوله: {عن النبأ العظيم}، والأحسن: أنه كل ماجاءت به الشريعة من البعث والتوحيد والجزاء وغير ذلك. قال ابو السعود: هو بيان لشأن المسؤول عنه، إثر تفخيمه بإبهام أمره، وتوجيه أذهان السامعين نحوه، وتنزيلهم منزلة المستفهمين، لإيراده على طريقة الاستفهام من علاّم الغيوب، للتنبيه على أنه لعدم نظيره خارج عن دائرة علم الخلق، حقيق بأن يُعتنى بمعرفته ويُسأل عنه، كأنه قيل: عن أي شيء يتساءلون، هل أُخبركم به، ثم قيل بطريق الجواب: عن النبأ العظيم، على منهاج قوله تعالى: {أية : لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }تفسير : [غافر:16] فـ"عن" متعلقة بما يدل عليه المذكور, وحقه أن يُقَدَّر مؤخراً، مسارعة إلى البيان، هذا هو الحقيق بالجزالة التنزيلية، وقد قيل: هي متعلقة بالمذكور، و"عَمَّ" متعلق بمضمر مفسَّر به، وأيّد ذلك بأنه قُرِىء "عمَّه"، والأظهر: أنه مبني على إجراء الوصل مجرى الوقف، وقيل: "عن" الأولى للتعليل، كأنه قيل: لِمَ يتساءلون عن النبأ العظيم؟ والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر. هـ. {الذين هم فيه مختلفون}، فمنهم مَن يقطع بإنكاره، ومنهم مَن يشك، فمنهم مَن يقول: {أية : مَاهِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } تفسير : [الجاثية:24] ومنهم مَن يقول: {أية : مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ } تفسير : [الجاثية:32] ومنهم مَن يُنكر المعادين معاً، كهؤلاء، ومنهم مَن يُنكر المعاد الجسماني, كبعض أهل الكتاب. أو: في القرآن، فمنهم مَن يقول: سحر، ومنهم مَن يقول: كهانة، ومنهم مَن يقر بحقيّته، ويُنكره حسداً وتكبُّراً. والضمير في "هم فيه" للتأكيد، وفيه معنى الاختصاص، ولم يكن لقريش اختصاص بالاختلاف، لكن لمّا كان خوضهم فيه أكثر, وتعقبهم له أظهر، جعلوا كأنهم مخصوصون به. هـ. قاله الطيبي. فـ"فيه" متعلق بـ"مختلفون"، قُدِّم اهتماماً به ورعاية للفواصل، وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة على الثبات، أي: هم راسخون في الاختلاف، وقيل: المراد بالاختلاف: مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في إثباته، حيث أنكروه، فيحمل الاختلاف على صدور الفعل من متعدد، لا علَى مخالفة بعضهم لبعض من الجانبين، لأنَّ الكل وإن استحق الردع والوعيد، لكن استحقاق كل جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر، إذ لا حقيّة في شيء منهما حتى يستحق مَن يخالفه المؤاخذة، بل لمخالفته له صلى الله عليه وسلم في إثباته. هـ. انظر أبا السعود. {كلاَّ}، ردع عن الاختلاف والتساؤل بالمعنى المتقدم، {سيعلمون} عن قريبٍ حقيقة الحال إذا حلّ بهم العذاب والنكال، {ثمَّ كلاَّ سيعلمون}، تكرير للردع والوعيد للمبالغة في التأكيد والتشديد. والسين للتقريب والتأكيد. و"ثم" للدلالة على أنَّ الوعيد الثاني أبلغ وأشد، وقيل: الأول عند النزع، والثاني عند القيامة، وقيل: الأول للبعث، والثاني للجزاء. وقُرىء "ستعلمون" بالخطاب على نهج الالتفات، تشديداً للردع والوعيد، لا على تقدير: قل لهم؛ للإخلال بجزالة النظم الكريم. الإشارة: إن ظهرت أنوار الطريق، ولاحت أسرار أهل التحقيق، كثر الكلام بين الناس فيها، والتساؤل عنها، فيُقال في شأنهم، عمَّ يتساؤلون عن النبأ العظيم، الذي هو ظهور الحق وشهوده، الذي هم فيه مختلفون، فمنهم مَن يُنكره رأساً، ومنهم مَن يُقره في الجملة، ويقول: هم لقوم أخفياء لا يعرفهم أحد، كلاَّ سيعلمون يوم تحق الحقائق وتبطل الدعاوى، ويندم المفرط، حيث لا ينفع الندم وقد زلّت به القدم. ثم ذكر شواهد قدرته، فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً}.
الطوسي
تفسير : وقف يعقوب على {عم} بالهاء. الباقون بلا هاء. وقرأ ابن عامر {كلا ستعلمون} بالتاء على الخطاب فيهما أي قل لهم ستعلمون عاقبة أمركم. الباقون - بالياء - على الغيبة، وهو الأقوى لقوله {عم يتساءلون} وقوله {الذي هم فيه مختلفون} ولم يقل أنتم، وإن كانت التاء جائزة لان العرب تنتقل من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة. قيل فى سبب نزول هذه الآية: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا حدّث قريشاً وعرّفهم أخبار الامم السالفة ووعظهم كانوا يهزؤن بذلك، فنهاه الله تعالى أن يحدثهم فقال {أية : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء} تفسير : إلى قوله {أية : حتى يخوضوا في حديث غيره} تفسير : فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدث اصحابه فاذا أقبل واحد من المشركين أمسك فاجتمعوا على بكرة أبيهم وقالوا: والله يا محمد إن حديثك عجب، وكنا نشتهي أن نسمع كلامك وحديثك، فقال إن ربي نهاني أن أحدثكم، فأنزل الله تعالى {عم يتساءلون عن النبأ العظيم} وقوله {عم يتساءلون} أصله عن ما، فحذفت الألف لاتصالها بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه لتدل على شدة الاتصال مع تخفيف المركَب فى الكلام، فحذف حرف الاعتلال وأدغمت النون فى الميم لقربها منها من غير أخلال، وصورته صورة الاستفهام والمراد تفخيم القصة والانكار والتهديد. وقوله {يتساءلون} معناه عن ماذا يسأل بعضهم بعضاً، فالتساؤل سؤال احد النفيسين للآخر، تساءلا تساؤلا وسأله مسألة، والسؤال طلب الاخبار بصيغة مخصوصة فى الكلام، وكل ما يزجر العقل عنه بما فيه من الداعي الى الفساد لا يجوز السؤال عنه كسؤال الجدل لدفع الحق ونصرة الباطل، وكالسؤال الذي يقتضي فاحش الجواب، لأنه كالامر بالقبيح. والنبأ معناه الخبر العظيم الشأن كمعنى الخبر عن التوحيد فى صفة الاله وصفة الرسول، والخبر عما يجوز عليه وما لا يجوز. وقال مجاهد: النبأ العظيم الشأن القرآن، وقال قتادة وابن زيد: هو السؤال عن البعث بعد الموت، لأنهم كانوا يجمعون على التكذيب بالقرآن {الذي هم فيه مختلفون} قال قتادة: معناه الذي هم فيه بين مصدق ومكذب، فقال الله سبحانه مهدداً لهم ومتوعداً {كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون} ومعنى {كلا} ردع وزجر، كأنه قال أرتدعوا وانزجروا ليس الأمر كما ظننتم. وقال قوم: معناه حقاً سيعلمون عاقبة أمرهم وعائد الوبال عليهم. وقال الضحاك: معناه كلا سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. وقال قوم: كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة من العذاب، ثم كلا سيعلمون ما ينالهم في جهنم من العذاب، فلا يكون تكراراً. والاختلاف ذهاب كل واحد من النفيسين إلى نقيض ما ذهب اليه الآخر، يقال: اختلفا في المعنى فذهب أحدهما إلى كذا، وذهب الآخر إلى كذا. ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ذلك فقال {ألم نجعل الأرض مهاداً} أي وطاء، وهو القرار المهيأ للتصرف فيه من غير أذية. وقال قتادة: المهاد البساط ومهد الارض تمهيداً مثل وطأه توطئة، لأن ذلك لا يقدر عليه غير الله، لانه الذي يسكن الأرض حالا بعد حال حتى يمكن الاستقرار عليها والتصرف فيها {والجبال أوتاداً} أي وجعلنا الجبال أوتاداً للارض لئلا تميد بهم، فالجبال جمع جبل، وهو بغلظه وثقله يبلغ أن يكون ممسكاً للارض عن أن تميد بثقله، فعلى ذلك دبره الله، وذكر العباد به وما فيه من العبرة بعظمة من يقدر عليه. والوتد المسمار إلا أنه اغلظ منه، لذلك يقال: مسامير العناء إذا دقت كالمسمار من الحديد في القوة والدقة، ولو غلظت صارت أوتاداً فكذلك وصفت الجبال بأنها أوتاد للارض إذ جعلت بغلظها ممسكة لها عن أن تميد باهلها. وقوله {وجعلناكم أزواجاً} أي اشكالا كل واحد يشاكل الآخر. وقيل: معناه ذكراً وأنثى حتى يصح منكم التناسل. وقوله {وجعلنا نومكم سباتاً} أي نعاساً في أوله تطلب النفس الراحة به. وقيل: معناه جعلنا نومكم راحة. وقيل: معناه جعلنا نومكم طويلا ممتداً تعظم به راحة أبدانكم ويكثر به انتفاعكم، ومنه سبت من الدهر أي مدة طويلة منه. وقال ابو عبيدة: معناه جعلنا نومكم سباتاً ليس بموت، ورجل مسبوت فيه روح، والسبات قطع العمل للراحة، ومنه سبت أنفه إذا قطعه، ومنه يوم السبت أي يوم قطع العمل للراحة على ما جرت به العادة في شرع موسى، وصار علماً على اليوم الذي بعد الجمعة بلا فصل. وقوله {وجعلنا الليل لباساً} فاللباس غطاء ساتر مماس لما ستر، فالليل ساتر للاشخاص بظلمته مماس لها بجسمه الذي فيه الظلمة قال الشاعر: شعر : فلما لبسن الليل أوجن نصبت له من حذا آذانها وهي جنح تفسير : {وجعلنا النهار معاشاً} أي متصرفاً للعيش والعيش الانعاش الذي تبقى معه الحياة على حال الصحة عاش يعيش عيشاً والنهار اتساع الضياء المنبث في الافاق وأصله من انهر الدم إذا وسع مجراه، ومنه النهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه الانتهار الاتساع في الاغلاظ، وفى خلق النهار تمكين من التصرف للمعاش وفي ذلك أعظم النعمة واكبر الاحسان. وقوله {وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} يعني سبع سموات. والبناء جعل الطاق الأعلى على الأدنى، فالسماء مبنية كهيئة القبة مزينة بالكواكب المضيئة، فسبحان الذي زينها وخلقها وبناها على هذه الصفة لعباده. وإنما جعلها سبع سموات لما في ذلك من الاعتبار للملائكة، ولما فى تصور الطبقات من عظم القدرة، وهول تلك الامور، وما فيه من تمكين البناء حتى وقفت سماء فوق سماء، فسبحان من يمسكها بما هو قادر عليها ومدبر لها. وقوله {وجعلنا سراجاً وهاجاً} يعني الشمس جعلها الله سراجاً للعالم يستضيئون به، فالنعمة عامة لجميع الخلق. والوهاج الوقاد، وهو المشتعل بالنور العظيم وقال مجاهد وقتادة: يعني وهاجاً متلألئاً. وقوله {وأنزلنا من المعصرات} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني الرياح، كأنها تعصر السحاب. وقيل هي السحاب تتحلب بالمطر. وقوله {ماء ثجاجاً} فالثجاج الدفاع فى انصبابه كثج دماء البدن، يقال ثججت دمه أثجه ثجاً، وقد ثج الدم يثج ثجوجاً {لنخرج به حباً ونباتاً} أي نخرج بذلك الماء حباً وهو كل ما تضمنه الزرع الذي يحصد. والنبات الكلأ من الحشيش والزرع {وجنات الفافاً} أي بساتين ملتفة بالشجر يخرجها الله تعالى لعباده بالمطر. وإنما قال {جنات} لأن الشجر يجنها أي يسترها و "الألفاف" الاخلاط المتداخلة يدور بعضها على بعض واحدها (لف) يقال: شجر ملتف وأشجار ملتفة. والمعاني الملففة المتداخلة باستتار بعضها ببعض حتى لا تبين إلا فى خفى. وقيل: واحده لف ولفف. وقيل: فى واحده شجرة لفا، وشجر لف. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: ألفافاً ملتفة. والتقدير فيه ويخرج به شجر جنات الفافاً ملتفة إلا انه حذف لدلالة الكلام عليه.
الجنابذي
تفسير : {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} استفهام لتفخيم المسؤل عنه كانوا يتساءلون بينهم عن المبدء وصفاته وعن القيامة وعلاماته، وعن البعث وثوابه وعقابه، او كانوا يتساءلون عن الولاية بعد ما اشار الرّسول (ص) اليها فانّها النّبأ العظيم الّذى يقع الاختلاف فيه، وانّها النّبأ الّذى ينبغى ان يهدّد النّاس فى تركها لانّها الفارقة بين اهل الجنّة والنّار فانّ القابل لها اذا وصل بها الى الآخرة يدخل الجنّة من غير ريبٍ، والخارج منها اذا خرج بالخروج منها الى الآخرة يدخل النّار، فانّه لو عبد الله عبدٌ سبعين خريفاً تحت الميزاب قائماً ليله صائماً نهاره ولم يكن له ولاية علىّ بن ابى طالب (ع) لأكبّه الله على منخريه فى النّار وانّ الله لا يستحيى ان يعذّب امّةً دانت بامامة امامٍ جائرٍ، وان كانت الامّة فى اعمالها بررة، وانّ الله ليستحيى ان يعذّب امّةً دانت بامامة امامٍ عادلٍ وان كانت الامّة فى اعمالها فجرة، وسئل الباقر (ع) عن تفسير عمّ يتساءلون فقال: هى فى امير المؤمنين (ع)، وبهذا المضمون اخبار كثيرة منهم (ع).
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي [قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا محمد بن الحسين عن محمد بن حاتم. ش]: عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: {عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون} فقال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول لأصحابه: أنا والله النبأ العظيم الذي اختلف في جميع الأمم بألسنتها، والله ما لله نبؤ أعظم مني ولا لله آية أعظم مني. قال: حدثني جعفر بن محمد [قال: حدثني أحمد بن محمد الرافعي قال: أخبرني محمد بن حاتم عن رجل من أصحابه. ش]: عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى: {عمّ يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون} فقال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول لأصحابه: أنا والله النبأ العظيم الذي اختلف في جميع الأمم بألسنتها والله ما لله نبؤ أعظم مني ولا لله آية أعظم مني.
الأعقم
تفسير : {عمَّ يتساءلون} يعني عن أي شيء يتساءلون؟ قيل: ان المشركين سأل بعضهم بعضاً على طريق الانكار والتعجب {عن النبأ العظيم} أي الخبر العظيم قيل: القرآن، وقيل: محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: البعث بعد الموت {الذي هم فيه مختلفون} مصدق به ومكذب {كلا سيعلمون} قيل: سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم، وقيل: كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة من العذاب، وقيل: كلا ردع وزجر أي ليس الأمر كما يقولون {ألم نجعل الأرض مهاداً} بساطاً، وقيل: مستوية ليتمكنوا من التصرف عليها {والجبال أوتاداً} الأرض لتسكن ولا تضطرب {وخلقناكم أزواجاً} قيل: ذكراً وأنثى، وقيل: أصنافاً أسود وأبيض والكبير والصغير وما أشبه ذلك {وجعلنا نومكم سباتاً} قطع العمل للراحة وأصل السبت: القطع، وقيل: راحة لأبدانكم {وجعلنا الليل لباساً} يستر كل شيء بظلمته {وجعلنا النهار معاشاً} أي سبباً ومتصرفاً في طلب معاشكم {وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} أي سبع سماوات محكمات {وجعلنا سراجاً وهاجاً} يعني الشمس سراج العالم الذي يستضيء به الخلق، وهّاجاً منيراً {وأنزلنا من المعصرات} قيل: السحاب، وقيل: السماوات {ماء ثجاجاً} يعني صباباً، وقيل: مدراراً، وقيل: متتابعاً {لنخرج به حبّاً ونباتاً} بالمطر فالحب كلما تضمنه أكمام الزرع الذي يحصد، والنبات الكلأ من الحشيش وغيره {وجنّات} بساتين {ألفافا} مُلتفة بعضها ببعض {إن يوم الفصل} أي يوم القضاء والحكم وهو يوم القيامة {ميقاتاً} وقتاً موعود لا بدّ منه {يوم ينفخ في الصور} قيل: الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل يحيي الله الخلق عنده، وقيل: الصور جمع صورة أي ينفخ الروح في الصور {فتأتون أفواجاً} أي جماعة جماعةً {وفتحت السماء فكانت أبواباً} قيل: شُقت لنزول الملائكة {وسيّرت الجبال} من أماكنها {فكانت سراباً} يعني كالسراب في خفة زوالها.
الهواري
تفسير : تفسير سورة عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} يعني المشركين، أي: ما الذي يتساءلون عنه. ثم قال عز وجل: {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} أي البعث، وذلك منهم تكذيب واستهزاء. قال عز وجل: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} يعني البعث اختلف فيه المشركون والمؤمنون، فآمن به المؤمنون وكفر به المشركون. قال عز وجل: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} وهذا وعيد من الله للمشركين، ووعيد بعد وعيد. ثم قال: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً} مثل قوله عز وجل: فراشاً وبساطاً. قال: {وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً} أي: أوتاداً للأرض. قال: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} أي: ذكراً وأنثى. قال: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} أي: نعاساً. {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً} أي: ستراً يغطي الخلق فيسكنون فيه. {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} أي: يطلبون فيه أرزاقهم ومعايشهم.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {عَمَّ} أصله عن ما عن الجارة وما الإستفهامية أبدلت نون عن ميما وأدغمت في الميم وحذفت الألف، ماء الأستفهامية لدخول الجار، قال ابن هشام فرقا بينها وبين ما الخبرية يعني الموصولة والشرطية نحو سألت عما سألت عنه. قال الشيخ خالد ولم يعكسوا فيحذفوا من الخبرية لأن ألفها غير متطرفة وألف الإستفهامية متطرفة لأنها في نية التأخير عن العامل وألف الخبرية في حشو الصلة والشرط ولذا تثبت ألف الإستفهامية إذا ركبت مع ذا وقرأ عكرمة وعيسى بن عمر عما بإثبات الألف شذوذا كما ثبت ضرورة، وقال الأخفش لغة وقرأ البزي عمه يخلف عنه بهاء السكت وقفا أو إجراء للوصل مجرى الوقف وذلك أنه تليها هاء السكت في الوقف بعد حذف الألف حفظا للفتحة ومن العرب من يقول عم بإسكان الميم وقفا ويتعلق بقوله. *{يَتَسَاءَلُونَ} والضمير للمشركين من أهل مكة والإستفهام تفخيم لما سئلوا عنه كأنه لفخامته خفي فيسأل عنه فسئل عنه بعم وهو عالم به وهو البعث وقيل القرآن وقيل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا يسألوا بعضهم بعضا فذلك التساؤل أو التساؤل لموافقة المجرد، والمعنى يسألون المؤمنين ونبيهم إستهزاء أو الضمير للكافر مطلقا أو للناس مطلقا المسلمون يتساءلون ليزدادوا خشية واستعدادا والكافرون ليزدادوا استهزاء وإن قلت كيف يختلف الكافر قلت منهم الجازم بالتكذيب ومنهم الشاك وقرأ يسألون بتشديد السين وإبدال التاء سينا وأدغم السين في السين.
اطفيش
تفسير : {عَمَّ} ما الاستفهامية تحذف ألفها إِذا دخل عليها حرف الجر إِن لم تركب مع إِذا وإِلا ثبت نحو بماذا تجئ وإِنما حذفت قيل لكثرة الاستعمال، وفيه أن ما الموصولة أكثر استعمالاً ولشدة اتصالها بما بعدها، وفيه أن الموصولة أشد اتصالاً بصلتها حتى إِنه لا تحذف الصلة ويبقى الوصول بخلاف مدخول ما الاستفهامية فيجوز حذف ما بعدها مثل أكرم زيداً فتقول بمه، وإِن اعتبرت العامل فالموصول الفاعل أشد اتصالاً بالفعل، وقد تثبت قليلاً نحو على ما قام يشتمنى لئيم ويكتب إِلى وعلى معها بلام الف نحو جئت إِلام جئت وعلام ركبت. {يَتَسَاءلُونَ} يقع السؤال بينهم فلا مفعول له أو يقدر يتساءل بعض بعضاً أو يتساءلون النبى والمؤمنين أو الناس وهو سؤال استهزاء، والواو لكفار مكة ولو لم يجر لهم ذكر لأَن القرآن فيهم أنسب مع أنه عام حكماً ولحضورهم، ولم يذكروا بالظاهر تنزيهاً للمقام عنهم، وأصل التفاعل وقوع فعل كل واحد على الآخر نحو تضاربوا فكل واحد فاعل ومفعول ورجح جانب الفاعلية فيرفع الاسم ويرجع إِلى هذا قولك تعاطياً الكأَس، ومن تعدى التفاعل قوله: شعر : ولما تنازعنا الحديث واسمحت همزت بغصن ذى شماريخ ميال تفسير : وقد يستعمل فى تعدد التفاعل بلا وقوع من كل على الآخر، فيجوز أن يتعدى نحو تراءوا الهلال، وقد يرجع للقسم الأَول إِذ لا يقال ذلك إِلا على قصد أن يراه كل واحد قبل صاحبه أو دون صاحبه، وقد يكون لتعدد الفعل من واحد نحو "أية : فَبأَي آلاء ربك تتمارى" تفسير : [النجم: 55] أى تتعدد المرية، وقد يرجع إِلى الأَول بمعنى تتمارى أنت ونفسك، وقد يكون دون تعدد الثلاثى نحو تبارك وتعالى وذلك للمبالغة، وقيل الواو للمؤمنين والكافرين، المؤمنون يتساءلون ليزدادوا علماً والكفار استهزاء، وهو خلاف الظاهر والسياق يأْباه، والمقام ألا ترى قوله كلا سيعلمون.. الخ فإِنه للكفرة، ولو جاز تخصيص بعض ما يشمله العموم بما يخصه وكيف يقول الله للمؤمنين {عم يتساءلون} بطريق التوبيخ مع غيرهم مع أن سؤالهم عبادة.
الالوسي
تفسير : {عَمَّ } أصله عما على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية فحذفت الألف وعلل بالتفرقة بينها وبين الخبرية والإيذان بشدة الاتصال وكثرة الدوران، وحال العلل النحوية معلوم، وقد قرأ عبد الله وأبـي عكرمة وعيسى بالألف على الأصل وهو قليل الاستعمال، وقال ابن جني / إثبات الألف أضعف اللغتين وعليه قوله:شعر : على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد تفسير : والاستفهام للإيذان بفخامة شأن المسؤل عنه وهوله وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة أي عن أي شيء عظيم الشأن {يَتَسَاءلُونَ } الضمير لأهل مكة وإن لم يسبق ذكرهم للاستغناء عنه بحضورهم حساً مع ما في الترك على ما قيل من التحقير والإهانة لإشعاره بأن ذكرهم مما يصان عنه ساحة الذكر الحكيم ولا يتوهم العكس لمنع المقام عنه. وكانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم ويخوضون فيه إنكاراً واستهزاء لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسماه بل عن وقوعه الذي هو حال من أحواله ووصف من أوصافه. و(ما) كما مر غير مرة وإن اشتهرت في طلب حقائق الأشياء ومسميات أسمائها لكنها قد يطلب بها الصفة والحال فيقال ما زيد؟ ويجاب بعالم أو طبيب، وقيل كانوا يتساءلون الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين استهزاء فالتساؤل متعد ومفعوله مقدر هنا وحذف لظهوره، أو لأن المستعظم السؤال بقطع النظر عمن سأل أو لصون المسؤل عن ذكره مع هذا السائل. وتحقيق ذلك على ما في «الإرشاد» ((أن صيغة التفاعل في الأفعال المتعدية [موضوعة] لإفادة صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه عليه بحيث يصير كل واحد من ذلك فاعلاً ومفعولاً معاً لكنه يرفع المتعدد على الفاعلية ترجيحاً لجانب فاعليته وتحال مفعوليته على دلالة الفعل كما في قولك تراءى القوم أي رأي كل واحد منهم الآخر، وقد تجرد عن المعنى الثاني فيراد بها مجرد صدور الفعل عن المتعدد عارياً عن اعتبار وقوعه عليه فيذكر للفعل حينئذ مفعول كما في قولك تراأوا الهلال وقد يحذف كما فيما نحن فيه، فالمعنى عن أي شيء يسأل هؤلاء القوم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وربما تجرد عن صدور الفعل عن المتعدد أيضاً فيراد بها تعدده باعتبار تعدد متعلقه مع وحدة الفاعل كما في قوله تعالى: {أية : فَبِأَىّ ءَالاء رَبّكَ تَتَمَارَىٰ }تفسير : [النجم: 55])) وذكر بعض المحققين أنه قد يكون لصيغة التفاعل على الوجه الأول مفعول أيضاً لكنه غير الذي فعل به مثل فعله كما في تعاطيا الكأس وتفاوضا الحديث وعليه قول امرىء القيس: شعر : فلما تنازعنا الحديث وأَسْمَحَتْ هََصَرْتُ بغصن ذي شماريخ مَيَّال تفسير : فمن قال إن تفاعل لا يكون إلا من اثنين ولا يكون إلا لازماً فقد غلط كما قال الطبليوسي في «شرح أدب الكاتب» إن أراد ذلك على الإطلاق، وليت شعري كيف يصح ذلك مع أن مجيء تفاعل بمعنى فعل غير متعدد الفاعل كتواني زيد وتدانى الأمر وتعالى الله عما يشركون كثير جداً وكذا مجيئه متعدياً إلى غير الذي فعل به مثل فعله كما سمعت. وجوز أن يكون ضمير {يَتَسَاءلُونَ } للناس عموماً سواء كانوا كفار مكة وغيرهم من المسلمين وسؤال المسلمين ليزدادوا خشية وإيماناً وسؤال غيرهم استهزاء ليزدادوا كفراً وطغياناً وهو خلاف ما يقتضيه ظاهر الآيات بعد. وقيل كان التساؤل عن القرآن. وتعقب بأن قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ }تفسير : [النبأ: 6] ظاهر في أنه كان عن البعث وهو مروي عن قتادة أيضاً لأنه من أدلته وأجيب بأن تساؤلهم عنه واستهزاءهم به واختلافهم فيه بأنه سحر أو شعر كان لاشتماله على الإخبار بالبعث فبعد أن ذكر ما يفيد استعظام التساؤل عنه تعرض لدليل ما هو منشأ لذلك التساؤل وفيه بعد.
سيد قطب
تفسير : هذا الجزء كله ـ ومنه هذه السورة ـ ذو طابع غالب.. سورة مكية فيما عدا سورتي "البينة" و "النصر" وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر. والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحده ـ على وجه التقريب ـ في موضعها واتجاهها، وإيقاعها، وصورها وظلالها، وأسلوبها العام. إنها طرقات متوالية على الحس. طرقات عنيفة قوية عالية. وصيحات. صيحات بِنوّم غارقين في النوم! نومهم ثقيل! أو بسكارى مخمورين ثقل حسهم الخُمار! أو بلاهين في سامر راقصين في ضجة وتصدية ومكاء! تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد: اصحوا. استيقظوا. انظروا. تلفتوا. تفكروا. تدبروا.. إن هنالك إلهاً. وإن هنالك تدبيراً. وإن هنالك تقديراً. وإن هنالك ابتلاء. وإن هنالك تبعة. وإن هنالك حساباً. وإن هنالك جزاء. وإن هنالك عذاباً شديداً. ونعيماً كبيراً.. اصحوا. استيقظوا. انظروا. تلفتوا. تفكروا. تدبروا.. وهكذا مرة أخرى. وثالثة ورابعة. وخامسة.. وعاشرة.. ومع الطرقات والصيحات يد قوية تهز النائمين المخمورين السادرين هزاً عنيفاً.. وهم كأنما يفتحون أعينهم وينظرون في خمار مرة، ثم يعودون لما كانوا فيه! فتعود اليد القوية تهزهم هزاً عنيفاً؛ ويعود الصوت العالي يصيح بهم من جديد؛ وتعود الطرقات العنيفة على الأسماع والقلوب.. وأحياناً يتيقظ النوام ليقولوا: في إصرار وعناد: لا.. ثم يحصبون الصائح المنذر المنبه بالأحجار والبذاء.. ثم يعودون لما كانوا فيه. فيعود إلى هزهم من جديد. هكذا خيل إلي وأنا أقرأ هذا الجزء. وأحس تركيزه على حقائق معينة قليلة العدد، عظيمة القدر، ثقيلة الوزن. وعلى إيقاعات معينة يلمس بها أوتار القلوب. وعلى مشاهد معينة في الكون والنفس. وعلى أحداث معينة في يوم الفصل. وأرى تكرارها مع تنوعها. هذا التكرار الموحي بأمر وقصد! وهكذا يحس القارئ وهو يقرأ: {أية : فلينظر الإنسان إلى طعامه...}.. {أية : فلينظر الإنسان مم خلق؟...}.. {أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ وإلى السمآء كيف رفعت؟ وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت؟ }. تفسير : وهو يقرأ: {أية : أأنتم أشد خلقاً أم السمآء بناها؟ رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها مآءها ومرعاها. والجبال أرساها. متاعاً لكم ولأنعامكم}.. تفسير : {ألم نجعل الأرض مهاداً؟ والجبال أوتاداً؟ وخلقناكم أزواجاً؟ وجعلنا نومكم سباتاً؟ وجعلنا الليل لباساً؟ وجعلنا النهار معاشا؟ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً؟ وجعلنا سراجاً وهاجاً؟ وأنزلنا من المعصرات مآءً ثجاجاً؟ لنخرج به حباً ونباتا وجنات ألفافاً؟}... {أية : فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنا صببنا المآء صباً. ثم شققنا الأرض شقاً. فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً، وحدآئق غلبا، وفاكهة وأبَّا. متاعاً لكم ولأنعامكم }.. تفسير : وهو يقرأ {أية : يا أيها الإنسان. ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شآء ركبك؟ }.. {أية : سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى. والذي أخرج المرعى. فجعله غثآء أحوى}.. {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون. فما يكذبك بعد بالدين؟ أليس الله بأحكم الحاكمين؟ }.. تفسير : وهو يقرأ: {أية : إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت، وإذا البحار سجرت، وإذا النفوس زوجت، وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت؟ وإذا الصحف نشرت، وإذا السمآء كشطت، وإذا الجحيم سعرت، وإذا الجنة أزلفت. علمت نفس مآ أحضرت}.. {أية : إذا السمآء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت}.. {أية : إذا السمآء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت، وأذنت لربها وحقت...}.. {أية : إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان ما لها.. يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها }.. تفسير : هو يقرأ اللمحات والسبحات الكونية في مفاتح عدد من السور وفي ثناياها: {أية : فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس}.. {أية : فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق. والقمر إذا اتسق}.. {أية : والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر}.. {أية : والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها}.. {أية : والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. وما خلق الذكر والأنثى}.. {أية : والضحى. والليل إذا سجى }.. تفسير : الخ.. الخ.. وفي الجزء كله تركيز على النشأة الأولى للإنسان والأحياء الأخرى في هذه الأرض من نبات وحيوان. وعلى مشاهد هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح. وعلى مشاهد القيامة العنيفة الطامة الصاخة القارعة الغاشية. ومشاهد الحساب والجزاء من نعيم وعذاب في صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها.. واتخاذها جميعاً دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسمة. مع التقريع بها والتخويف والتحذير.. وأحياناً تصاحبها صور من مصارع الغابرين من المكذبين. والأمثلة على هذا هي الجزء كله. ولكنا نشير إلى بعض النماذج في هذا التقديم: هذه السورة ـ سورة النبأ ـ كلها نموذج كامل لهذا التركيز على هذه الحقائق والمشاهد. ومثلها سورة "النازعات" وسورة "عبس" تحتوي مقدمتها إشارة إلى حادث معين من حوادث الدعوة.. وبقيتها كلها حديث عن نشأة الحياة الإنسانية والحياة النباتية ثم عن الصاخة: {أية : يوم يفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه. وجوه يومئذ مسفرة. ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة}. تفسير : وسورة "التكوير" وهي تصور مشاهد الانقلاب الكوني الهائلة في ذلك اليوم، مع عرض مشاهد كونية موحية في صدد القسم على حقيقة الوحي وصدق الرسول. وسورة "الانفطار" كذلك في عرض مشاهد الانقلاب مع مشاهد النعيم والعذاب، وهز الضمير البشري أمام هذه وتلك: {أية : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم... الخ} تفسير : وسورة "الانشقاق" وهي تعرض مشاهد الانقلاب الكوني ومشاهد النعيم والعذاب.. وسورة "البروج" وهي تلقي إيقاعات سريعة حول مشاهد الكون ومشاهد اليوم بصدد إشارة إلى تعذيب الكفار لجماعة من المؤمنين في الدنيا بالنار. وعذاب الله لأولئك الكفار في الآخرة بالنار. وهو أشد وأنكى.. وسورة "الطارق".. وهي تعرض مشاهد كونية مع نشأة الإنسان ونشأة النبات للقسم بالجميع: {أية : إنه لقول فصل، وما هو بالهزل}..تفسير : وسورة "الأعلى" وتتحدث عن الخلق والتسوية والتقدير والهداية، وإخراج المرعى وأطواره تمهيداً للحديث عن الذكر والآخرة والحساب والجزاء.. وسورة "الغاشية".. وهي تصوير لمشاهد النعيم والعذاب. ثم توجيه إلى خلق الإبل والسماء والأرض والجبال.. وهكذا.. وهكذا.. إلى نهاية الجزء باستثناء سور قليلة تتحدث عن حقائق العقيدة ومنهج الإيمان. كسورة الإخلاص. وسورة الكافرون. وسورة الماعون. وسورة العصر. وسورة القدر. وسورة النصر. أو تسري عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتواسيه وتوجهه إلى الاستعاذة بربه من كل شر، كسور الضحى. والانشراح. والكوثر. والفلق. والناس.. وهي سور قليلة على كل حال.. وهناك ظاهرة أخرى في الأداء التعبيري لهذا الجزء. هناك أناقة واضحة في التعبير، مع اللمسات المقصودة لمواطن الجمال في الوجود والنفوس، وافتنان مبدع في الصور والظلال والإيقاع الموسيقي والقوافي والفواصل، تتناسق كلها مع طبيعته في خطاب الغافلين النائمين السادرين، لإيقاظهم واجتذاب حسهم وحواسهم بشتى الألوان وشتى الإيقاعات وشتى المؤثرات.. يتجلى هذا كله بصورة واضحة في مثل تعبيره اللطيف عن النجوم التي تخنس وتتوارى كالظباء في كناسها وتبرز، وعن الليل وكأنه حي يعس في الظلال، والصبح وكأنه حي يتنفس بالنور: {أية : فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس؛ والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس} تفسير : وفي عرضه لمشاهد الغروب والليل والقمر: {أية : فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق}. تفسير : أو لمشاهد الفجر والليل وهو يتمشى ويسري: {أية : والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر}. {أية : والضحى. والليل إذا سجى}. تفسير : وفي خطابه الموحي للقلب البشري: {أية : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟ الذي خلقك فسواك فعدلك..} تفسير : وفي وصف الجنة: {أية : وجوه يومئذ ناعمة، لسعيها راضية، في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية..} تفسير : ووصف النار: {أية : وأما من خفت موازينه فأمه هاوية. وما أدراك ماهيه؟ نار حامية!}.. تفسير : والأناقة في التعبير واضحة وضوح القصد في اللمسات الجمالية لمشاهد الكون وخوالج النفس. والعدول أحياناً عن اللفظ المباشر إلى الكناية، وعن اللفظ القريب إلى الاشتقاق البعيد، لتحقيق التنغيم المقصود، مما يؤكد هذه اللفتة خلال الجزء كله على وجه التقريب.. وهذه السورة نموذج لاتجاه هذا الجزء بموضوعاته وحقائقه وإيقاعاته ومشاهده وصوره وظلاله وموسيقاه ولمساته في الكون والنفس، والدنيا والآخرة؛ واختيار الألفاظ والعبارات لتوقع أشد إيقاعاتها أثراً في الحس والضمير. وهي تفتتح بسؤال موح مثير للاستهوال والاستعظام وتضخيم الحقيقة التي يختلفون عليها، وهي أمر عظيم لا خفاء فيه، ولا شبهة؛ ويعقب على هذا بتهديدهم يوم يعلمون حقيقته:{أية : عم يتساءلون؟ عن النبأ العظيم، الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون !}.. تفسير : ومن ثم يعدل السياق عن المعنى في الحديث عن هذا النبأ ويدعه لحينه، ويلفتهم إلى ما هو واقع بين أيديهم وحولهم، في ذوات أنفسهم وفي الكون حولهم من أمر عظيم، يدل على ما وراءه ويوحي بما سيتلوه: {ألم نجعل الأرض مهاداً، والجبال أوتاداً؟ وخلقناكم أزواجاً؟ وجعلنا نومكم سباتاً؟ وجعلنا الليل لباساً، وجعلنا النهار معاشاً؟ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً؟ وجعلنا سراجاً وهاجاً؟ وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجاً؟ لنخرج به حباً ونباتاً وجنات ألفافاً؟}. ومن هذا الحشد من الحقائق والمشاهد والصور والإيقاعات يعود بهم إلى ذلك النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، والذي هددهم به يوم يعلمون! ليقول لهم ما هو؟ وكيف يكون: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً. وفتحت السمآء فكانت أبواباً. وسيرت الجبال فكانت سراباً}.. ثم مشهد العذاب بكل قوته وعنفه: {إن جهنم كانت مرصاداً، للطاغين مآباً، لابثين فيهآ أحقاباً،لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً. إلا حميماً وغساقاً. جزآء وفاقاً. إنهم كانوا لا يرجون حساباً، وكذبوا بآياتنا كذاباً، وكل شيء أحصيناه كتاباً. فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً}.. ومشهد النعيم كذلك وهو يتدفق تدفقاً: {إن للمتقين مفازاً: حدائق وأعناباً، وكواعب أتراباً. وكأساً دهاقاً، لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً. جزاء من ربك عطاء حساباً}. وتختم السورة بإيقاع جليل في حقيقته وفي المشهد الذي يعرض فيه. وبإنذار وتذكير قبل أن يجيء اليوم الذي يكون فيه هذا المشهد الجليل: {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمـن لا يملكون منه خطاباً. يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمـن وقال صواباً. ذلك اليوم الحق. فمن شآء اتخذ إلى ربه مآباً. إنآ أنذرناكم عذابا قريباً. يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}.. ذلك هو النبأ العظيم. الذي يتساءلون عنه. وذلك ما سيكون يوم يعلمون ذلك النبأ العظيم! {عم يتساءلون؟ عن النبأ العظيم. الذي هم فيه مختلفون. كلا! سيعلمون. ثم كلا! سيعلمون}.. مطلع فيه استنكار لتساؤل المتسائلين، وفيه عجب أن يكون هذا الأمر موضع تساؤل. وقد كانوا يتساءلون عن يوم البعث ونبأ القيامة. وكان هو الأمر الذي يجادلون فيه أشد الجدل، ولا يكادون يتصورون وقوعه، وهو أولى شيء بأن يكون! {عم يتساءلون؟}.. وعن أي شيء يتحدثون؟ ثم يجيب. فلم يكن السؤال بقصد معرفة الجواب منهم. إنما كان للتعجيب من حالهم وتوجيه النظر إلى غرابة تساؤلهم، بكشف الأمر الذي يتساءلون عنه وبيان حقيقته وطبيعته: {عن النبأ العظيم، الذي هم فيه مختلفون}.. ولم يحدد ما يتساءلون عنه بلفظه، إنما ذكره بوصفه.. النبأ العظيم.. استطراداً في أسلوب التعجيب والتضخيم.. وكان الخلاف على اليوم بين الذين آمنوا به والذين كفروا بوقوعه. أما التساؤل فكان من هؤلاء وحدهم. ثم لا يجيب عن التساؤل، ولا يدلي بحقيقة النبأ المسؤول عنه. فيتركه بوصفه.. العظيم.. وينتقل إلى التلويح بالتهديد الملفوف، وهو أوقع من الجواب المباشر، وأعمق في التخويف: {كلا! سيعلمون. ثم كلا! سيعلمون}.. ولفظ كلا، يقال في الردع والزجر فهو أنسب هنا للظل الذي يراد إلقاؤه. وتكراره وتكرار الجملة كلها فيه من التهديد ما فيه. ثم يبعد في ظاهر الأمر عن موضوع ذلك النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون. ليلتقي به بعد قليل. يبعد في جولة قريبة في هذا الكون المنظور مع حشد من الكائنات والظواهر والحقائق والمشاهد، تهز الكيان حين يتدبرها الجنان: {ألم نجعل الأرض مهاداً؟ والجبال أوتاداً؟ وخلقناكم أزواجاً؟ وجعلنا نومكم سباتاً؟ وجعلنا الليل لباساً؟ وجعلنا النهار معاشاً؟ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً؟ وجعلنا سراجاً وهاجاً؟ وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجاً؟ لنخرج به حباً ونباتاً، وجنات ألفافاً؟}.. وهذه الجولة التي تتنقل في أرجاء هذا الكون الواسع العريض، مع هذا الحشد الهائل من الصور والمشاهد، تذكر في حيز ضيق مكتنز من الألفاظ والعبارات، مما يجعل إيقاعها في الحس حاداً ثقيلاً نفاذاً، كأنه المطارق المتوالية، بلا فتور ولا انقطاع! وصيغة الاستفهام الموجهة إلى المخاطبين ـ وهي في اللغة تفيد التقرير ـ صيغة مقصودة هنا، وكأنما هي يد قوية تهز الغافلين، وهي توجه أنظارهم وقلوبهم إلى هذا الحشد من الخلائق والظواهر التي تشي بما وراءها من التدبير والتقدير، والقدرة على الإنشاء والإعادة، والحكمة التي لا تدع أمر الخلائق سدى بلا حساب ولا جزاء.. ومن هنا تلتقي بالنبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون! واللمسة الأولى في هذه الجولة عن الأرض والجبال: {ألم نجعل الأرض مهاداً، والجبال أوتاداً؟}.. والمهاد: الممهد للسير.. والمهاد اللين كالمهد.. وكلاهما متقارب. وهي حقيقة محسوسة للإنسان في أي طور من أطوار حضارته ومعرفته. فلا تحتاج إلى علم غزير لإدراكها في صورتها الواقعية. وكون الجبال أوتاداً ظاهرة تراها العين كذلك حتى من الإنسان البدائي؛ وهذه وتلك ذات وقع في الحس حين توجه إليها النفس. غير أن هذه الحقيقة أكبر وأوسع مدى مما يحسها الإنسان البدائي لأول وهلة بالحس المجرد. وكلما ارتقت معارف الإنسان وازدادت معرفته بطبيعة هذا الكون وأطواره، كبرت هذه الحقيقة في نفسه؛ وأدرك من ورائها التقدير الإلهي العظيم والتدبير الدقيق الحكيم، والتنسيق بين أفراد هذا الوجود وحاجاتهم؛ وإعداد هذه الأرض لتلقي الحياة الإنسانية وحضانتها؛ وإعداد هذا الإنسان للملاءمة مع البيئة والتفاهم معها. وجعل الأرض مهاداً للحياة ـ وللحياة الإنسانية بوجه خاص ـ شاهد لا يمارى في شهادته بوجود العقل المدبر من وراء هذا الوجود الظاهر. فاختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الأرض هكذا بجميع ظروفها. أو اختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الحياة لتعيش في الأرض.. الاختلال هنا أو هناك لا يجعل الأرض مهاداً؛ ولا يبقي هذه الحقيقة التي يشير إليها القرآن هذه الإشارة المجملة، ليدركها كل إنسان وفق درجة معرفته ومداركه.. وجعل الجبال أوتاداً.. يدركه الإنسان من الناحية الشكلية بنظره المجرد، فهي أشبه شيء بأوتاد الخيمة التي تشد إليها. أما حقيقتها فنتلقاها من القرآن، وندرك منه أنها تثبت الأرض وتحفظ توازنها.. وقد يكون هذا لأنها تعادل بين نسب الأغوار في البحار ونسب المرتفعات في الجبال.. وقد يكون لأنها تعادل بين التقلصات الجوفية للأرض والتقلصات السطحية، وقد يكون لأنها تثقل الأرض في نقط معينة فلا تميد بفعل الزلازل والبراكين والاهتزازات الجوفية.. وقد يكون لسبب آخر لم يكشف عنه بعد.. وكم من قوانين وحقائق مجهولة أشار إليها القرآن الكريم. ثم عرف البشر طرفاً منها مئات السنين: واللمسة الثانية في ذوات النفوس، في نواحي وحقائق شتى: {وخلقناكم أزواجاً}.. وهي ظاهرة كذلك ملحوظة يدركها كل إنسان بيسر وبساطة.. فقد خلق الله الإنسان ذكراً وأنثى، وجعل حياة هذا الجنس وامتداده قائمة على اختلاف الزوجين والتقائهما. وكل إنسان يدرك هذه الظاهرة، ويحس ما وراءها من راحة ولذة ومتاع وتجدد بدون حاجة إلى علم غزير. ومن ثم يخاطب بها القرآن الإنسان في أية بيئة فيدركها ويتأثر بها حين يتوجه تأمله إليها، ويحس ما فيها من قصد ومن تنسيق وتدبير. ووراء هذا الشعور المبهم بقيمة هذه الحقيقة وعمقها، تأملات أخرى حين يرتقي الإنسان في المعرفة وفي الشعور أيضاً.. هنالك التأمل في القدرة المدبرة التي تجعل من نطفة ذكراً، وتجعل من نطفة أنثى، بدون مميز ظاهر في هذه النطفة أو تلك، يجعل هذه تسلك طريقها لتكون ذكراً، وهذه تسلك طريقها لتكون أنثى.. اللهم إلا إرادة القدرة الخالقة وتدبيرها الخفي، وتوجيهها اللطيف، وإيداعها الخصائص التي تريدها هي لهذه النطفة وتلك، لتخلق منهما زوجين تنمو بهما الحياة وترقى! {وجعلنا نومكم سباتاً. وجعلنا الليل لباساً. وجعلنا النهار معاشاً}.. وكان من تدبير الله للبشر أن جعل النوم سباتاً يدركهم فيقطعهم عن الإدراك والنشاط؛ ويجعلهم في حالة لا هي موت ولا هي حياة، تتكفل بإراحة أجسادهم وأعصابهم وتعويضها عن الجهد الذي بذلته في حالة الصحو والإجهاد والانشغال بأمور الحياة.. وكل هذا يتم بطريقة عجيبة لا يدرك الإنسان كنهها، ولا نصيب لإرادته فيها؛ ولا يمكن أن يعرف كيف تتم في كيانه. فهو في حالة الصحو لا يعرف كيف يكون وهو في حالة النوم. وهو في حالة النوم لا يدرك هذه الحالة ولا يقدر على ملاحظتها! وهي سر من أسرار تكوين الحي لا يعلمه إلا من خلق هذا الوحي وأودعه ذلك السر؛ وجعل حياته متوقفة عليه. فما من حي يطيق أن يظل من غير نوم إلا فترة محدودة. فإذا أجبر إجباراً بوسائل خارجة عن ذاته كي يظل مستيقظاً فإنه يهلك قطعاً. وفي النوم أسرار غير تلبية حاجة الجسد والأعصاب.. إنه هدنة الروح من صراع الحياة العنيف، هدنة تلم بالفرد فيلقي سلاحه وجنته ـ طائعاً أو غير طائع ـ ويستسلم لفترة من السلام الآمن، السلام الذي يحتاجه الفرد حاجته إلى الطعام والشراب. ويقع ما يشبه المعجزات في بعض الحالات حيث يلم النعاس بالأجفان، والروح مثقل، والأعصاب مكدودة، والنفس منزعجة، والقلب مروع. وكأنما هذا النعاس ـ أحياناً لا يزيد على لحظات ـ انقلاب تام في كيان هذا الفرد. وتجديد كامل لا لقواه بل له هو ذاته، وكأنما هو كائن حين يصحو جديد.. ولقد وقعت هذه المعجزة بشكل واضح للمسلمين المجهودين في غزوة بدر وفي غزوة أحد، وامتن الله عليهم بها. وهو يقول:{أية : إذ يغشِّيكم النعاس أمنة منه}.. {أية : ثم أنز ل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طآئفة منكم}تفسير : كما وقعت للكثير في حالات مشابهة! فهذا السبات: أي الانقطاع عن الإدراك والنشاط بالنوم ضرورة من ضرورات تكوين الحي؛ وسر من أسرار القدرة الخالقة؛ ونعمة من نعم الله لا يملك إعطاءها إلا إياه. وتوجيه النظر إليها على هذا النحو القرآني ينبه القلب إلى خصائص ذاته، وإلى اليد التي أودعتها كيانه، ويلمسه لمسة تثير التأمل والتدبر والتأثر. وكان من تدبير الله كذلك أن جعل حركة الكون موافقة لحركة الأحياء. وكما أودع الإنسان سر النوم والسبات، بعد العمل والنشاط، فكذلك أودع الكون ظاهرة الليل ليكون لباساً ساتراً يتم فيه السبات والانزواء. وظاهرة النهار ليكون معاشاً تتم فيه الحركة والنشاط.. بهذا تَوافقَ خلق الله وتناسق. وكان هذا العالم بيئة مناسبة للأحياء. تلبي ما ركب فيهم من خصائص. وكان الأحياء مزودين بالتركيب المتفق في حركته وحاجاته مع ما هو مودع في الكون من خصائص وموافقات. وخرج هذا وهذا من يد القدرة المبدعة المدبرة متسقاً أدق اتساق! واللمسة الثالثة في خلق السماء متناسقة مع الأرض والأحياء: {وبنينا فوقكم سبعاً شداداً. وجعلنا سراجاً وهاجاً. وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً. لنخرج به حباً ونباتاً، وجنات ألفافاً}.. والسبع الشداد التي بناها الله فوق أهل الأرض هي السماوات السبع، وهي الطرائق السبع في موضع آخر.. والمقصود بها على وجه التحديد يعلمه الله.. فقد تكون سبع مجموعات من المجرات ـ وهي مجموعات من النجوم قد تبلغ الواحدة منها مائة مليون نجم ـ وتكون السبع المجرات هذه هي التي لها علاقة بأرضنا أو بمجموعتنا الشمسية.. وقد تكون غير هذه وتلك مما يعلمه الله من تركيب هذا الكون، الذي لا يعلم الإنسان عنه إلا القليل. إنما تشير هذه الآية إلى أن هذه السبع الشداد متينة التكوين، قوية البناء، مشدودة بقوة تمنعها من التفكك والانثناء. وهو ما نراه ونعلمه من طبيعة الأفلاك والأجرام فيما نطلق عليه لفظ السماء فيدركه كل إنسان.. كما تشير إلى أن بناء هذه السبع الشداد متناسق مع عالم الأرض والإنسان. ومن ثم يذكر في معرض تدبير الله وتقديره لحياة الأرض والإنسان. يدل على هذا ما بعده: {وجعلنا سراجاً وهاجاً}.. وهو الشمس المضيئة الباعثة للحرارة التي تعيش عليها الأرض وما فيها من الأحياء. والتي تؤثر كذلك في تكوين السحائب بتبخير المياه من المحيط الواسع في الأرض ورفعها إلى طبقات الجو العليا وهي المعصرات: {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً}.. حين تعصر فتخر ويتساقط ما فيها من الماء. ومن يعصرها؟ قد تكون هي الرياح. وقد يكون هو التفريغ الكهربائي في طبقات الجو. ومن وراء هذه وتلك يد القدرة التي تودع الكون هذه المؤثرات! وفي السراج توقد وحرارة وضوء.. وهو ما يتوافر في الشمس. فاختيار كلمة "سراج" دقيق كل الدقة ومختار.. ومن السراج الوهاج وما يسكبه من أشعة فيها ضوء وحرارة، ومن المعصرات وما يعتصر منها من ماء ثجاج، ينصب دفعة بعد دفعة كلما وقع التفريغ الكهربائي مرة بعد مرة، وهو الثجاج، من هذا الماء مع هذا الإشعاع يخرج الحب والنبات الذي يؤكل هو ذاته، والجنات الألفاف الكثيفة الكثيرة الأشجار الملتفة الأغصان. وهذا التناسق في تصميم الكون، لا يكون إلا ووراءه يد تنسقه، وحكمة تقدره، وإرادة تدبره. يدرك هذا بقلبه وحسه كل إنسان حين توجه مشاعره هذا التوجيه، فإذا ارتقى في العلم والمعرفة تكشفت له من هذا التناسق آفاق ودرجات تذهل العقول وتحير الألباب. وتجعل القول بأن هذا كله مجرد مصادفة قولاً تافهاً لا يستحق المناقشة. كما تجعل التهرب من مواجهة حقيقة القصد والتدبير في هذا الكون، مجرد تعنت لا يستحق الاحترام! إن لهذا الكون خالقاً، وإن وراء هذا الكون تدبيراً وتقديراً وتنسيقاً. وتوالي هذه الحقائق والمشاهد في هذا النص القرآني على هذا النحو: من جعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً. وخلق الناس أزواجاً. وجعل نومهم سباتاً (بعد الحركة والوعي والنشاط) مع جعل الليل لباساً للستر والانزواء، وجعل النهار معاشاً للوعي والنشاط. ثم بناء السبع الشداد. وجعل السراج الوهاج. وإنزال الماء الثجاج من المعصرات. لإنبات الحب والنبات والجنات.. توالي هذه الحقائق والمشاهد على هذا النحو يوحي بالتناسق الدقيق، ويشي بالتدبير والتقدير، ويشعر بالخالق الحكيم القدير. ويلمس القلب لمسات موقظة موحية بما وراء هذه الحياة من قصد وغاية.. ومن هنا يلتقي السياق بالنبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون! ولقد كان ذلك كله للعمل والمتاع. ووراء هذا كله حساب وجزاء. ويوم الفصل هو الموعد الموقوت للفصل: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً. وفتحت السماء فكانت أبواباً. وسيرت الجبال فكانت سراباً}.. إن الناس لم يخلقوا عبثاً، ولن يتركوا سدى. والذي قدر حياتهم ذلك التقدير الذي يشي به المقطع الماضي في السياق، ونسق حياتهم مع الكون الذي يعيشون فيه ذلك التنسيق، لا يمكن أن يدعهم يعيشون سدى ويموتون هملاً! ويصلحون في الأرض أو يفسدون ثم يذهبون في التراب ضياعاً! ويهتدون في الحياة أو يضلون ثم يلقون مصيراً واحداً. ويعدلون في الأرض أو يظلمون ثم يذهب العدل والظلم جميعاً! إن هناك يوماً للحكم والفرقان والفصل في كل ما كان. وهو اليوم المرسوم الموعود الموقوت بأجل عند الله معلوم محدود: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً}.. وهو يوم ينقلب فيه نظام هذا الكون وينفرط فيه عقد هذا النظام. {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً. وفتحت السماء فكانت أبواباً، وسيرت الجبال فكانت سراباً}.. والصور: البوق. ونحن لا ندري عنه إلا اسمه. ولا نعلم إلا أنه سينفخ فيه. وليس لنا أن نشغل أنفسنا بكيفية ذلك. فهي لا تزيدنا إيماناً ولا تأثراً بالحادث. وقد صان الله طاقتنا عن أن تتبدد في البحث وراء هذا الغيب المكنون، وأعطانا منه القدر الذي ينفعنا فلا نزيد! إنما نحن نتصور النفخة الباعثة المجمعة التي يأتي بها الناس أفواجاً.. نتصور هذا المشهد والخلائق التي توارت شخوصها جيلاً بعد جيل، وأخلت وجه الأرض لمن يأتي بعدها كي لا يضيق بهم وجه الأرض المحدود.. نتصور مشهد هذه الخلائق جميعاً.. أفواجاً.. مبعوثين قائمين آتين من كل فوج إلى حيث يحشرون. ونتصور الأجداث المبعثرة وهذه الخلائق منها قائمة. ونتصور الجموع الحاشدة لا يعرف أولها آخرها، ونتصور هذا الهول الذي تثيره تلك الحشود التي لم تتجمع قط في وقت واحد وفي ساعة واحدة إلا في هذا اليوم.. أين؟ لا ندري.. ففي هذا الكون الذي نعرفه أحداث وأهوال جسام: {وفتحت السماء فكانت أبواباً. وسيرت الجبال فكانت سراباً}.. السماء المبنية المتينة.. فتحت فكانت أبواباً.. فهي منشقة. منفرجة. كما جاء في مواضع وسور أخرى. على هيئة لا عهد لنا بها. والجبال الرواسي الأوتاد سيرت فكانت سراباً. فهي مدكوكة مبسوسة مثارة في الهواء هباء، يحركه الهواء ـ كما جاء في مواضع وسور أخرى. ومن ثم فلا وجود لها كالسراب الذي ليس له حقيقة. أو إنها تنعكس إليها الأشعة وهي هباء فتبدو كالسراب! إنه الهول البادي في انقلاب الكون المنظور، كالهول البادي في الحشر بعد النفخ في الصور. وهذا هو يوم الفصل المقدر بحكمة وتدبير.. ثم يمضي السياق خطوة وراء النفخ والحشر، فيصور مصير الطغاة ومصير التقاة. بادئاً بالأولين المكذبين المتسائلين عن النبأ العظيم: {إن جهنم كانت مرصاداً، للطاغين مآباً، لابثين فيهآ أحقاباً. لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، إلا حميماً وغساقاً. جزآء وفاقاً. إنهم كانوا لا يرجون حساباً، وكذبوا بآياتنا كذاباً. وكل شيء أحصيناه كتاباً. فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً}.. إن جهنم خلقت ووجدت وكانت مرصاداً للطاغين تنتظرهم وتترقبهم وينتهون إليها فإذا هي معدة لهم، مهيأة لاستقبالهم. وكأنما كانوا في رحلة في الأرض ثم آبوا إلى مأواهم الأصيل! وهم يردون هذا المآب للإقامة الطويلة المتجددة أحقاباً بعد أحقاب: {لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً}.. ثم يستثني.. فإذا الاستثناء أمرّ وأدهى: {إلا حميماً وغساقاً}.. إلا الماء الساخن يشوي الحلوق والبطون. فهذا هو البرد! وإلا الغساق الذي يغسق من أجساد المحروقين ويسيل. فهذا هو الشراب! {جزاء وفاقاً}.. يوافق ما أسلفوا وما قدموا.. {إنهم كانوا لا يرجون حساباً}.. ولا يتوقعون مآباً.. {وكذبوا بآياتنا كذاباً}.. وجرس اللفظ فيه شدة توحي بشدة التكذيب وشدة الإصرار عليه. بينما كان الله يحصي عليهم كل شيء إحصاء دقيقاً لا يفلت منه حرف: {وكل شيء أحصيناه كتاباً}.. هنا يجيء التأنيب الميئس من كل رجاء في تغيير أو تخفيف: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً}.. ثم يعرض المشهد المقابل: مشهد التقاة في النعيم. بعد مشهد الطغاة في الحميم: {إن للمتقين مفازاً. حدآئق وأعناباً. وكواعب أتراباً. وكأساً دهاقاً. لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً.. جزآء من ربك عطآء حساباً}.. فإذا كانت جهنم هناك مرصداً ومآباً للطاغين، لا يفلتون منها ولا يتجاوزونها، فإن المتقين ينتهون إلى مفازة ومنجاة، تتمثل {حدائق وأعناباً} ويخص الأعناب بالذكر والتعيين لأنها مما يعرفه المخاطبون.. {وكواعب} وهن الفتيات الناهدات اللواتي استدارت ثديهن {أتراباً} متوافيات السن والجمال. {وكأساً دهاقاً} مترعة بالشراب. وهي مناعم ظاهرها حسي، لتقريبها للتصور البشري. أما حقيقة مذاقها والمتاع بها فلا يدركها أهل الأرض وهم مقيدون بمدارك الأرض وتصوراتها.. وإلى جوارها حالة يتذوقها الضمير ويدركها الشعور: {لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً}.. فهي حياة مصونة من اللغو ومن التكذيب الذي يصاحبه الجدل؛ فالحقيقة مكشوفة لا مجال فيها لجدل ولا تكذيب؛ كما أنه لا مجال للغو الذي لا خير فيه.. وهي حالة من الرفعة والمتعة تليق بدار الخلود.. {جزاء من ربك عطاء حساباً}.. ونلمح هنا ظاهرة الأناقة في التعبير والموسيقى في التقسيم بين {جزاء} و {عطاء}.. كما نلمحها في الإيقاع المشدود في الفواصل كلها على وجه التقريب.. وهي الظاهرة الواضحة في الجزء كله إجمالاً. وتكملة لمشاهد اليوم الذي يتم فيه ذلك كله، والذي يتساءل عنه المتسائلون، ويختلف فيه المختلفون. يجيء المشهد الختامي في السورة، حيث يقف جبريل "عليه السلام" والملائكة صفاً بين يدي الرحمن خاشعين. لا يتكلمون ـ إلا من أذن له الرحمن ـ في الموقف المهيب الجليل: {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمـن لا يملكون منه خطاباً، يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمـن وقال صواباً}.. ذلك الجزاء الذي فصله في المقطع السابق: جزاء الطغاة وجزاء التقاة. هذا الجزاء {من ربك}.. {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن}.. فهي المناسبة المهيأة لهذه اللمسة ولهذه الحقيقة الكبيرة. حقيقة الربوبية الواحدة التي تشمل الإنسان. كما تشمل السماوات والأرض، وتشمل الدنيا والآخرة، وتجازي على الطغيان والتقوى، وتنتهي إليها الآخرة والأولى.. ثم هو {الرحمن}.. ومن رحمته ذلك الجزاء لهؤلاء وهؤلاء. حتى عذاب الطغاة ينبثق من رحمة الرحمن. ومن الرحمة أن يجد الشر جزاءه وألا يتساوى مع الخير في مصيره! ومع الرحمة والجلال: {لا يملكون منه خطاباً}.. في ذلك اليوم المهيب الرهيب: يوم يقف جبريل ـ عليه السلام ـ والملائكة الآخرون {صفاً لا يتكلمون}.. إلا بإذن من الرحمن حيث يكون القول صواباً. فما يأذن الرحمن به إلا وقد علم أنه صواب. وموقف هؤلاء المقربين إلى الله، الأبرياء من الذنب والمعصية. موقفهم هكذا صامتين لا يتكلمون إلا بإذن وبحساب.. يغمر الجو بالروعة والرهبة والجلال والوقار. وفي ظل هذا المشهد تنطلق صيحة من صيحات الإنذار، وهزة للنائمين السادرين في الخمار: {ذلك اليوم الحق. فمن شآء اتخذ إلى ربه مآباً. إنآ أنذرناكم عذاباً قريباً: يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، ويقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً}.. إنها الهزة العنيفة لأولئك الذين يتساءلون في ارتياب: {ذلك اليوم الحق}.. فلا مجال للتساؤل والاختلاف.. والفرصة ما تزال سانحة! {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً}.. قبل أن تكون جهنم مرصاداً ومآباً! وهو الإنذار الذي يوقظ من الخمار: {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً}.. ليس بالبعيد، فجهنم تنتظركم وتترصد لكم. على النحو الذي رأيتم. والدنيا كلها رحلة قصيرة، وعمر قريب! وهو عذاب من الهول بحيث يدع الكافر يؤثر العدم على الوجود: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه. ويقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً}.. وما يقولها إلا وهو ضائق مكروب! وهو تعبير يلقي ظلال الرهبة والندم، حتى ليتمنى الكائن الإنساني أن ينعدم. ويصير إلى عنصر مهمل زهيد. ويرى هذا أهون من مواجهة الموقف الرعيب الشديد.. وهو الموقف الذي يقابل تساؤل المتسائلين وشك المتشككين. في ذلك النبأ العظيم!!!
ابن عاشور
تفسير : افتتاح الكلام بالاستفهام عن تساؤل جماعة عن نبأ عظيم، افتتاح تشويقٍ ثم تهويل لما سيذكر بعده، فهو من الفواتح البديعة لما فيها من أسلوب عزيز غير مألوف ومن تشويق بطريقة الإِجمال ثم التفصيل المحصلة لتمكن الخبر الآتي بعده في نفس السامع أكمل تمكن. وإذ كان هذا الافتتاح مؤذناً بعظيم أمر كان مؤذناً بالتصدي لقول فصلٍ فيه، ولمّا كان في ذلك إشعار بأهم ما فيه خوضُهم يومئذ يُجعل افتتاحَ الكلام به من براعة الاستهلال. ولفظ {عمّ} مركب من كلمتين هما حرف (عن) الجار و(مَا) التي هي اسم استفهام بمعنى: أيّ شيء، ويتَعلق {عم} بفعل {يتساءلون} فهذا مركب. وأصل ترتيبه: يتسَآءلون عَنْ ما، فقدم اسم الاستفهام لأنه لا يقع إلا في صدر الكلام المستفهم به، وإذ قد كان اسم الاستفهام مقترناً بحرف الجر الذي تعدى به الفعل إلى اسم الاستفهام وكان الحرف لا ينفصل عن مجروره قُدِّما معاً فصار {عَمَّا يتساءلون}. وقد جرى الاستعمال الفصيح على أن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر يحذف الألف المختومة هي به تفرقةً بينها وبين (مَا) الموصولة. وعلى ذلك جرى استعمال نُطقهم، فلما كتبوا المصاحف جروا على تلك التفرقة في النطق فكتبوا (ما) الاستفهامية بدون ألف حيثما وقعت مثل قوله تعالى: { أية : فيمَ أنت من ذكراها } تفسير : [النازعات: 43] { أية : فبم تُبَشِّرونِ } تفسير : [الحجر: 54] { أية : لِمَ أذنتَ لهم } تفسير : [التوبة: 43] {عَمَّ يتساءلون} { أية : مِمَّ خُلِق } تفسير : [الطارق: 5] فلذلك لم يقرأها أحد بإثبات الألف إلا في الشاذّ. ولما بقيت كلمة (ما) بعد حذف ألفها على حرف واحد جَرَوْا في رسم المصحف على أن ميمها الباقية تكتب متصلة بحرف (عن) لأن (مَا) لما حذف ألفها بقيت على حرف واحد فأشبه حروف التهجّي، فلما كان حرف الجر الذي قبل (ما) مختوماً بنون والتقتِ النون مع ميم (مَا)، والعرب ينطقون بالنون الساكنة التي بعدها ميم ميماً ويدغمونها فيها، فلما حذفت النون في النطق جرى رسمهم على كتابة الكلمة محذوفة النون تبعاً للنطق، ونظيره قوله تعالى: {مِمَّ خلق} وهو اصطلاح حسن. والتساؤل: تفاعل وحقيقة صيغة التفاعل تفيد صدور معنى المادة المشتقة منها من الفاعل إلى المفعول وصدور مثله من المفعول إلى الفاعل، وتَرد كثيراً لإفادة تكرر وقوع ما اشتقت منه نحو قولهم: سَاءَلَ، بمعنى: سأل، قال النابغة: شعر : أُسائل عن سُعدَى وقد مرَّ بعدنا على عَرصات الدار سبع كوامل تفسير : وقال رويشد بن كثير الطائي: شعر : يَا أيُّها الراكب المزجي مطيته سَائِلْ بني أسد ما هذه الصوت تفسير : وتجيء لإفادة قوة صدور الفعل من الفاعل نحو قولهم: عافاك الله، وذلك إما كناية أو مجاز ومَحملهُ في الآية على جواز الاحتمالات الثلاثة وذلك من إرادة المعنى الكنائي مع المعنى الصريح، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وكلا الاعتبارين صحيح في الكلام البليغ فلا وجه لمنعه. فيجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها بأن يسأل بعضهم بعضاً سؤال متطلع للعلم لأنهم حينئذ لم يزالوا في شك من صحة ما أنبئوا به ثم استقر أمرهم على الإِنكار. ويجوز أن تكون مستعملة في المجاز الصوري يتظاهرون بالسؤال وهم موقنون بانتفاء وقوع ما يتساءلون عنه على طريقة استعمال فعل (يحذر) في قوله تعالى: { أية : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة } تفسير : [التوبة: 64] فيكونون قصدوا بالسؤال الاستهزاء. وذهب المفسرون فريقين في كلتا الطريقتين يُرجَّحُ كلُّ فريق ما ذهب إليه. والوجه حمل الآية على كلتيهما لأن المشركين كانوا متفاوتين في التكذيب، فعن ابن عباس: «لما نزل القرآن كانت قريش يتحدثون فيما بينهم فمنهم مصدق ومنهم مكذب». وعن الحسن وقتادة مثل قول ابن عباس، وقيل: هو سؤال استهزاء أو تعجب وإنما هم موقنون بالتكذيب. فأما التساؤل الحقيقي فأنْ يَسْأَل أحد منهم غيره عن بعض أحوال هذا النبأ فيسأل المسؤولُ سائله سؤالاً عن حالٍ آخرَ من أحوال النبأ، إذ يخطر لكل واحد في ذلك خاطر غيرُ الذي خطر للآخر فيسأل سؤال مستثبت، أو سؤال كشف عن معتقَده، أو ما يُوصَف به المخبر بهذا النبأ كما قال بعضهم لبعض: { أية : أفْتَرى على الله كذباً أم به جنة } تفسير : [سبأ: 8] وقال بعض آخر: { أية : أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمُخرَجون } تفسير : [النمل: 67] إلى قوله: { أية : إنْ هذا إلا أساطير الأولين } تفسير : [النمل: 68]. وأما التساؤل الصوري فأن يسأل بعضهم بعضاً عن هذا الخبر سؤال تهكم واستهزاء فيقول أحدهم: هل بلغك خبر البعث؟ ويقول له الآخر: هل سمعتَ ما قال؟ فإطلاق لفظ التساؤل حقيقي لأنه موضوع لمثل تلك المساءلة وقصدُهم منه غير حقيقي بل تهكمي. والاستفهام بما في قوله: {عم يتساءلون} ليس استفهاماً حقيقياً بل هو مستعمل في التشويق إلى تلقي الخبر نحو قوله تعالى: { أية : هل أنبئكم على من تنزّل الشياطين } تفسير : [الشعراء: 221]. والموجَّه إليه الاستفهام من قبيل خطاب غير المعين. وضمير {يتساءلون} يجوز أن يكون ضميرَ جماعة الغائبين مراداً به المشركون ولم يسبق لهم ذكر في هذا الكلام ولكن ذكرهم متكرر في القرآن فصاروا معروفين بالقصد من بعض ضمائره، وإشاراته المبهمة، كالضمير في قوله تعالى: { أية : حتى توارتْ بالحجاب } تفسير : [ص: 32] (يعني الشمس) { أية : كلا إذا بلغتْ التراقيَ } تفسير : [القيامة: 26] (يعني الروح)، فإن جعلت الكلام من باب الالتفات فالضمير ضميرُ جماعة المخاطبين. ولما كان الاستفهام مستعملاً في غير طلب الفهم حَسن تعقيبه بالجواب عنه بقوله: {عن النبإ العظيم} فجوابه مستعمل بياناً لما أريد بالاستفهام من الإِجمال لقصد التفخيم فبُيِّن جانب التفخيم ونظيره قوله تعالى: { أية : هل أنبئكم على من تنزّل الشياطين تَنَزَّلَ على كل أفّاك أثيم } تفسير : [الشعراء: 221، 222]، فكأنه قيل: هم يتساءلون عن النبأ العظيم ومنه قول حسان بن ثابت: شعر : لمن الدار أقفرت بمعان بين أعلى اليرموك والصُّمّان ذاك مَغنى لآل جَفْنةَ في الدهــ ــر وحَقٌّ تقلُّب الأزمــان تفسير : والنَّبَأ: الخَبَر، قيل: مطلقاً فيكون مرادفاً للَفْظِ الخبر، وهو الذي جرى عليه إطلاق «القاموس» و«الصحاح» و«اللسان». وقال الراغب: «النبأ الخبر ذو الفائدة العظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولا يقال للخبر نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة ويكون صادقاً» ا هــــ. وهذا فرق حسن ولا أحسب البلغاء جَروا إلاّ على نحو ما قال الراغب فلا يقال للخبر عن الأمور المعتادة: نبأ وذلك ما تدل عليه موارد استعمال لفظ النبأ في كلام البلغاء، وأحسب أن الذين أطلقوا مرادفة النبأ للخبر راعَوا ما يقع في بعض كلام الناس من تسامح بإطلاق النبأ بمعنى مطلق الخبر لضرب من التأويل أو المجاز المرسل بالإطلاق والتقييد، فكثر ذلك في الكلام كثرة عسر معها تحديد مواقع الكلمتين ولكنْ أبلغُ الكلام لا يليق تخريجه إلا على أدق مواقع الاستعمال. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ولقد جاءك من نبإِىْ المرسلين } تفسير : في سورة الأنعام (34) وقوله: { أية : قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون } تفسير : [ص: 67، 68]. والعظيم حقيقته: كبير الجسم ويستعار للأمر المهم لأن أهمية المعنى تتخيّل بكبر الجسم في أنها تقع عند مدركها كمرأى الجسم الكبير في مرأى العين وشاعَت هذه الاستعارة حتى ساوت الحقيقة. ووصف {النبأ} بــــ{العظيم} هنا زيادة في التنويه به لأن كونه وارداً من عالِم الغيب زاده عظمَ أوصاف وأهوال، فوصف النبأ بالعظيم باعتبار ما وُصف فيه من أحوال البعث في ما نزل من آيات القرآن قبلَ هذا. ونظيره قوله تعالى: { أية : قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون } تفسير : في سورة ص (67، 68). والتعريف في {النبأ} تعريف الجنس فيشمل كل نبأ عظيم أنبأهم الرسول صلى الله عليه وسلم به، وأول ذلك إنباؤه بأن القرآن كلام الله، وما تضمنه القرآن من إبطال الشرك، ومن إثبات بعث الناس يوم القيامة، فما يروى عن بعض السلف من تعيين نبأ خاص يُحمل على التمثيل. فعن ابن عباس: هو القرآن، وعن مجاهد وقتادة: هو البعث يوم القيامة. وسَوق الاستدلال بقوله: { أية : ألم نجعل الأرض مهاداً } تفسير : إلى قوله: { أية : وجنات ألفافاً } تفسير : [النبأ: 16] يدل دلالة بينة على أن المراد من {النبأ العظيم} الإنباء بأن الله واحد لا شريك له. وضمير {هم فيه مختلفون} يَجري فيه الوجهان المتقدمان في قوله: {يتساءلون}. واختلافهم في النبأ اختلافهم فيما يصفونه به، كقول بعضهم: { أية : إن هذا إلا أساطير الأولين } تفسير : [الأنعام: 25] وقول بعضهم: هذا كلام مجنون، وقول بعضهم: هذا كذب، وبعضهم: هذا سحر، وهم أيضاً مختلفون في مراتب إنكاره. فمنهم من يقطع بإنكار البعث مثل الذين حكى الله عنهم بقوله: { أية : وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة } تفسير : [سبأ: 7 ـــ 8]، ومنهم من يشكّون فيه كالذين حكى الله عنهم بقوله: { أية : قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين } تفسير : [الجاثية: 32] على أحد التفسيرين. وجيء بالجملة الإسمية في صلة الموصول دون أن يقول: الذي يَختلفون فيه أو نحو ذلك، لتفيد الجملة الإسمية أن الاختلاف في أمر هذا النبأ متمكن منهم ودائم فيهم لدلالة الجملة الإسمية على الدوام والثبات. وتقديم {عنه} على { أية : معرضون } تفسير : [ص: 68] للاهتمام بالمجرور وللإشعار بأن الاختلاف ما كان من حقه أن يتعلق به، مع ما في التقديم من الرعاية على الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : عم أصله عن ما أدغمت النون في الميم، ثم حذف ألف الميم، لدخول حرف الجر عليه للفرق بين ما الاستفهامية وما الموصولة. والمعنى: عن أيّ شيء يتساءلون، وقد يفصل حرف الجر عن ما، فلا يحذف الألف. وأنشد الزمخشري قول حسان رضي الله عنه: شعر : على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ فِي رماد تفسير : وقال في الكشاف: وعن ابن كثير أنه قرأ عمه، بهاء السكت، ثم وجهها بقوله: إما أن يجرى الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف ويبتدئ يتساءلون عن النبإ العظيم، على أن يضمر يتساءلون، لأن ما بعده يفسره. وقال القرطبي: قوله: عن النبإ العظيم: ليس متعلقاً بيتساءلون المذكور في التلاوة، ولكن يقدر فعل آخر عم يتساءلون عن النبإ العظيم، وإلا لأعيد الاستفهام أعن النبإ العظيم؟ وعلى كل، فإن ما تساءلوا عنه أُبهم أولاً، ثم بين بعده بأنهم يتساءلون عن النبإ العظيم، ولكن بقي بيان هذا النبإ العظيم ما هو؟ فقيل: هو الرَّسول صلى الله عليه وسلم في بعثته لهم. وقيل: في القرآن الذي أنزل عليه يدعوهم به. وقيل في البعث بعد الموت. وقد رجح ابن جرير: احتمال الجميع وألا تعارض بينها. والواقع أنها كلها متلازمة، لأن من كذب بواحد منها كذب بها كلها، ومن صدق بواحد منها صدق بها كلها، ومن اختلف في واحد منها لا شك أن يختلف فيها كلها. ولكن السياق في النبإ وهو مفرد. فما المراد به هنا بالذات؟ قال ابن كثير والقرطبي: من قال إنه القرآن: قال بدليل قوله: {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ}تفسير : [ص: 67-68]. ومن قال: إنه البعث قال بدليل الآتي بعدها: {أية : إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}تفسير : [النبأ: 17]. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن أظهرها دليلاً هو يوم القيامة والبعث، لأنه جاء بعده بدلائل وبراهين البعث كلها، وعقبها بالنص على يوم الفصل صراحة، أما براهين البعث فهي معلومة أربعة: خلق الأض والسماوات، وإحياء الأرض بالنبات، ونشأة الإنسان من العدم، وإحياء الموتى بالفعل في الدنيا لمعاينتها وكلها موجودة هنا. أما خلق الأرض والسماوات، فنبه عليه بقوله: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً}تفسير : [النبأ: 6-7]، وقوله: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً}تفسير : [النبأ: 12-13] فكلها آيات كونية دالة على قدرته تعالى كما قال: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر: 57]. وأما إحياء الأرض بالنبات ففي قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً}تفسير : [النبأ: 14-16] كما قال تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [فصلت: 39]. وأما نشأة الإنسان من العدم، ففي قوله تعالى: {أية : وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً}تفسير : [النبأ: 8] أي أصنافاً، كما قال تعالى: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يس: 79]. وأما إحياء الموتى في الدنيا بالفعل، ففي قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً}تفسير : [النبأ: 9] والسبات: الانقطاع عن الحركة. وقيل: هو الموت، فهو ميتة صغرى، وقد سماه الله وفاة في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا}تفسير : [الزمر: 42]، وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}تفسير : [الأنعام: 60]، وهذا كقتيل بني إسرائيل وطيور إبراهيم، فهذه آيات البعث ذكرت كلها مجملة. وقد تقدَّم للشَّيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه إيرادها مفصلة في أكثر من موضع، ولذا عقبها تعالى بقوله: {أية : إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}تفسير : [النبأ: 17] أي للبعث الذي هم فيه مختلفون، يكون السياق مرجحاً للمراد بالنبأ هنا. ويؤكد ذلك أيضاً، كثرة إنكارهم وشدة اختلافهم في البعث أكثر منهم في البعثة، وفي القرآن، فقد أقر أكثرهم ببلاغة القرآن، وأنه ليس سحراً ولا شعراً، كما أقروا جميعاً بصدقه عليه السلام وأمانته، ولكن شدة اختلافهم في البعث كما في أول سورة صۤ قۤ، ففي صۤ قال تعالى: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}تفسير : [ص: 4-5]. وفي قۤ قال تعالى: {أية : بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ}تفسير : [قۤ: 2-3]، فهم أشد استبعاداً للبعث مما قبله، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}. لم يبين هنا هل علموا أم لا. ولكن ذكر آيات القدرة الباهرة على إحيائهم بعد الموت بمثابة إعلامهم بما اختلفوا فيه، لأنه بمنزلة من يقول لهم: إن كنتم مختلفين في إثبات البعث ونفيه، فهذه هي آياته ودلائله فاعتبروا بها وقايسوه عليها، والقادر على إيجاد تلك، قادر على إيجاد نظيرها. ولكن العلم الحقيقي بالمعاينة لم يأت بعد لوجود السين وهي للمستقبل، وقد جاء في سورة التكاثر في قوله: {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [التكاثر: 1-7]، وهذا الذي سيعلمونه يوم الفصل المنصوص عليه في السياق، {أية : إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}تفسير : [النبأ: 17].
الواحدي
تفسير : {عمَّ يتساءلون} [عمَّا يتساءلون] والمعنى: عن أيِّ شيءٍ يتساءلون. يعني: قريشاً، وهذا لفظ استفهامٍ معناه تفخيم القصَّة، وذلك أنَّهم اختلفوا واختصموا فيما أتاهم به الرَّسول صلى الله عليه وسلم فمن مصدِّق ومكذِّبٍ، ثمَّ بيَّن فقال: {عن النبأ العظيم} [يعني: البعث]. {الذي هم في مختلفون} لا يُصدِّقون به. {كلا} ليس الأمر على ما ذكروا من إنكارهم البعث {سيعلمون} حقيقة وقوعه. {ثم كلا سيعلمون} تأكيدٌ وتحقيقٌ، ثمَّ دلَّهم على قدرته على البعث، فقال: {ألم نجعل الأرض مهاداً} أَيْ: فرشناها لكم حتى سكنتموها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- عن أى شئ يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضا؟! 2، 3- عن الخبر العظيم، خبر البعث الذى هم موغلون فى الاختلاف فيه بين منكر له وشاك فيه. 4- زجراً لهم عن هذا التساؤل، سيعلمون حقيقة الحال حين يرون البعث أمراً واقعاً. 5- ثم زجراً لهم، سيعلمون ذلك عندما يحل بهم النكال. 6- ألم يروا من آيات قدرتنا أنا جعلنا الأرض ممهدة للاستقرار عليها والتقلب فى أنحائها؟! 7- وجعلنا الجبال أوتاداً للأرض تُثَبِّتها. 8- وخلقناكم مزدوجين ذكوراً وإناثاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: عم: أي عن أيّ شيء؟. يتساءلون: أي يسأل بعض قريش بعضا. عن النبأ العظيم: أي ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد والنبوة والبعث الآخر. الذي هم فيه مختلفون: أي ما بين مصدق ومكذب. سيعلمون: عاقبة تكذيبهم عند نزع أرواحهم وعند خروجهم من قبورهم. أوتادا: أي تثبت بها الأرض كما تثبت الخيمة بالأوتاد. سباتا: أي راحة لأبدانكم. لباسا: أي ساتراً بظلامه وسواده. وجعلنا النهار معاشا: أي وقتا للمعاش كسبا وأكلا. شدادا: أي قوية محكمة الواحدة شديدة والجمع شداد. سراجا وهاجا: أي ضوء الشمس وهاجا وقاداً. المعصرات: أي السحابات التي حان لها أن تمطر كالجارية المعصر التي دنا وقت حيضها. ثجّاجا: أي صبابا. وجنات ألفافا: أي بساتين ملتفة. معنى الآيات: قوله تعالى {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} أي عن أي شيء يتساءل رجال قريش فيسأل بعضهم بعضا إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون إنه ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد والنبوة والبعث الآخر. قال تعالى ردعا لهم وتخويفا كلا سيعلمون عند نزع أرواحهم عاقبة تكذيبهم لرسولنا وإنكارهم لتوحيدنا ولقائنا، ثم كلا سيعلمون يوم يبعثون من قبورهم ويحشرون إلى نار جهنم حين لا ينفعهم علم ولا يجديهم إيمان. وقوله تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً} الآيات فذكر تعالى من مظاهر القدرة والعلم والرحمة والحكمة ما يوجب الإِيمان به وبتوحيده ورسوله ولقائه لو كان القوم يعقلون فقال {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً} أي فراشا ووطاء للحياة عليها؟ وهل يتم هذا بدون علم وقدرة والجبال أوتادا تثبت الأرض بها فيأمنون على حياتهم من الميدان وسقوط كل بناء وخلقناكم أزواجا الخلق مظهر من مظاهر القدرة والعلم وكونهم أزواجا مظهر من مظاهر الحكمة والرحمة وجعلنا نومكم سباتا أي راحة لأبدانكم. وجعلنا الليل لباسا ساترا بظلامه. وجعلنا النهار معاشا للعيش كسبا له وتمتعا به. وبنينا فوقكم سبعا شدادا وهي السماوات السبع الشديدة القوية البناء لا تفنى ولا تزول إلى أن يأذن هو سبحانه وتعالى بزوالها، وجعلنا سراجا وهاجا هو الشمس المشرقة المضيئة. وأنزلنا من المعصرات أي السحابات التي حان لها أن تمطر تشبيهاً لها بالجارية المعصر التي قاربت الحيض ماء ثجاجا صبابا وابلا، وذلك لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا الحب كالبر والذرة لطعامكم، والنبات كالكلأ والعشب لحيواناتكم، وجنات أي بساتين ملتفة الأشجار غنّاء بالثمار المختلف الألوان، والطعوم كل هذه المذكورات مفتقرة إلى قدرة لا يعجزها شيء وعلم أحاط بكل شيء وحكمة لا يخلو منها شيء ورحمة تعم كل شيء والله وحده ذو القدرة والعلم والحكمة والرحمة فكيف ينكر توحيده ويكذب رسوله، ويستبعد بعثه لناس يوم القيامة لحسابهم ومجازاتهم على أعمالهم في هذه الدار وهي مختلفة منها الصالح ومنها الفاسد هل من الحكمة في شيء أن يظلم الظالمون ويفسد المفسدون، ويعدل العادلون ويصلح المصلحون ويموتون سواء ولا يكون هناك حياة أخرى يجزي فيها المسيء بإِساءته والمحسن بإِحسانه اللهم لا لا إنه لا بد من حياة أخرى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر القدرة والعلم والحكمة والرحمة الإِلهية في كل الآيات من قوله ألم نجعل الأرض مهادا إلى قوله وجنات ألفافا. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء والنبوة والتوحيد وهي التي اختلف الناس فيها ما بين مثبت وناف، ومصدق ومكذب. 3- سيحصل العلم الكامل بهذه المختلف فيها بين الناس عند نزع الروح ساعة الموت، ولكن لا فائدة من العلم ساعتها إذ قضي الأمر وانتهى الخلاف.
القطان
تفسير : عم، أصلها عن ما: عن أي شيء يتساءلون. النبَأ: الخبر، نبأ الشيء نبْئاً ونبوءاً ارتفع، وظهر. وعلى القومِ، طلع عليهم. ونبأ الرجل نبئا: أخبر. والنبوءة: النبوَّة. والنبيءُ، النبيّ المخبر عن الله عز وجل. كلا: للردع ونفي الزعم الباطل. مهادا: فراشا ممهدا للناس، وقد جعل الله الأرض موطئا للناس وجميع المخلوقات يقيمون عليها، فهي فراش لهم. أوتادا: جمع وتد، والجبال كالأوتاد المغروزة في الارض تحفظ توازنها، وتمنعها من الاضطراب والميلان. ازواجا: ذكرا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على هذه الحياة وحفظ النسل وتكميله بالتربية. سباتا: راحة، سَبَتَ سَبْتا: نام واستراح وسكن. لباسا: سترا، لباس الجسم ما يستره. والليل شبيه باللباس لأنه يستر الاشخاص بظلمته. معاشا: وقتا لتحصيل اسباب المعاش. سبعا شدادا: سماوات قوية محكَمة. سراجا وهاجا: وهذا السراج العظيم هو الشمس. المعصِرات: السحب التي تجيء بالمطر الذي يحيي الأرض ويغيث الناس. ثجّاجا: منصبّا بكثرة، وهو المطر الغزير. حَبا: وهو ما يقتات به الناس من جميع انواع الحبوب. ونباتا: جميع انواع الخضار. جنات: واحدها جنة، وهي الحدائق والبساتين، الفافا: ملتفة الاغصان، كثيرة الشجر. كان الناس في مكة وغيرها في أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يسأل بعضُهم بعضا عن رسالة النبي، ويسألون غيرهم ممن عنده عِلم فيقولون: هل هو رسول من عند الله؟ وما هذا الخبر الذي جاء به ويدعي أنه مرسَل من قِبل الله، ويدعو الى توحيده والى الاعتقاد بالبعث واليوم الآخر؟ وكان هذا شيئا جديدا عليهم، فردّ الله عليهم بقوله تعالى: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} عن أي شيء يتساءلون؟ عن هذا الخبر العظيم الذي اختلفوا فيه، بعضهم ينكره، وبعضهم يتردد في صحته. إنهم لم يسمعوا به من قبل، لذلك استغربوا خبرَ البعث والحياة بعد الموت. وقالوا: هذا مستحيل، {أية : وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : [الجاثية: 24]. ثم ردّ الله عليهم الإنكارَ والترددَ بقوله: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} ليس الأمرُ كما يزعم هؤلاء المنكِرون للبعث بعد الموت، ستنكشِفُ لهم الحقيقةُ وسيعلمون حقيقةَ الأمرِ حين يُبعثون ويَرَون صحةَ الخبر، يومَ تقومُ الساعة ويفصِل الله بينهم في كل ما اختلفوا فيه. ثم شرع يبيّن لهم عظيمَ قُدرته، وآياتِ رحمته التي غَفَل عنها أولئك المنكِرون مع أنها أمامهم وبين أعينِهم في كل حِين. فذكر من مظاهرِ قدرته تسعةَ أمور يشاهِدونها فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً} 1- الم نبسُط لهم هذه الأرضَ التي يعيشون عليها، ونمهّدْها لهم لِيسيرَ الناسُ عليها والحيوان، ويستقروا بها. 2- {وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} فالجبالُ جعلها الله مثلَ الأوتاد، تحفظ توازنَ الأرض، اذ يبلغ سُمكُ الجزء الصلب من القشرة الارضية نحو ستين كيلومتراً، وتكثر فيه التجاعيد فيرتفع حيث تتكون الجبالُ، وينخفض لتكونَ بطونُ البحار وقيعان المحيطات والأودية. وهو في حالة التوازن بسبب الضغوط الناتجة من الجبال.. فقشرةُ الأرض اليابسة تُرسيها الجبال، فهي كالأوتاد التي تحفظ الخيمةَ من السقوط. ولولا الجبالُ لكانت الارض دائمةَ الاضطراب بما في جوفها من المواد الشديدة الغليان، الدائمة الجَيَشان، والتي نشاهد بعضاً منها عندما تنفجر البراكين. 3- {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} جعلناكم ذكراً وأنثى لحِفظ النسل، وليتمَّ التعاون على سعادةِ هذه الحياة، وتربية النسل. 4- {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} وجعلنا النومَ راحةً لكم من عَناءِ الأعمال التي تزاولونها في النهار، وانقطاعاً عن السعي. وفيه نعمةٌ كبيرة على الانسان، ففيه يتوقف نشاط الجزء المدرِك الواعي من المخّ، ويحصل هبوط كبير في نشاط كافة أعضاء الجسم وأنسجته مما يترتب عليه انخفاضٌ في توليد طاقة الجسم وحرارته. وهكذا يأخذ الجسم أثناءَ النوم نصيباً من الهدوء والراحة بعد عناء المجهودات العضلية والعصبية، فتهبط جميع وظائف الجسم الحيويّة، ما عدا عمليات الهضم وإفراز البول من الكليتين، والعَرق من الجلد... أما التنفس فيبطئ ويصير أكثر عمقا، كما ينخفض ضغطُ الدم، وتبطئ سرعة النبض، ويقل مقدار الدم الذي يدفعه من القلب. وكل هذا يسبّب الراحةَ للإنسان في مدة نومه، ويحدّد نشاطه حين يفيق. 5- {وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً} وجعلْنا الليلَ بظلامه ساتراً لكم، كاللّباس الذي يغطي الجسمَ ويستُره، اللّيل شبيه باللّباس لأنه يستر الأشخاصَ بظُلمته. وللناسِ في هذا السَّتر فوائدُ اللباس. 6- {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} وجعلنا النهارَ وقتَ سعيٍ لكم، تسعون فيه لتحصيل ما به تعيشون وتتصرّفون. فكما كان النومُ انقطاعاً عن الحياة، كانت اليقظةُ حياة. والنهارُ زمنُ هذه الحياة، فيه يستيقظ الناس ويتقلبون في حوائجهم ومكاسبهم. 7- {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} وأقمنا فوقكم سبعَ طرائق للكواكبِ السيّارة التي تشاهدونها.. وقد خصّها بالذِكر لظُهورها ومعرفةِ العامة لها، ولم يفصِّل ما في هذا الكونِ العجيب الواسع من عوالمَ ومجرّاتٍ لا حصرَ لها لأنهم لا خبرة لهم فيها، ولا علم. فاكتفى بما يرون ويشاهدون من إحكام الصنعة ودقة نظام دورانها وسَبْحها في هذا الفضاء. 8- {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} وخلقنا لكم في نظامِكم هذا شمساً منيرةً ساطعة الوهج، دائمة الحرارة. والشمسُ كما ثبت علمياً تبلغ درجةُ حرارتها على سطحها الوهج، دائمة الحرارة. والشمسُ كما ثبت علمياً تبلغ درجةُ حرارتها على سطحها المشِعّ ستةَ آلاف درجة مطلقة، اما المركز فتزيدُ فيه درجة الحرارة على ثلاثين مليون درجة، بسبب الضغوطِ العالية في الموادّ التي فيه، فهي سِراج وهّاجٌ حقيقةً لما فيها من الحرارة. 9- {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} وانزلنا من السُحب والغيوم ماءً دافقاً منهمِراً بشدة. ثم بيّن عظيم نفع الماء وجليل فائدته فقال: {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} لنخرِجَ لكم بهذا الماءِ العظيمِ حَبّاً ونباتا، غذاءً لكم وللحيوان، وحدائقَ وبساتينَ ذاتَ أشجارٍ ملتفة، وأغصانٍ متشابكة. والمطرُ هو المصدر الوحيد للماءِ العذْب على الأرض. والأصل فيه تكاثُف أبخِرةِ الماء المتصاعدة من المحيطات والبحار وتشكُّله في صورة سحب، تتحولُ الى نقط من الماء او قطع من الثلج، وتتساقط على الأرض بقدرة الله تعالى على هيئة مطر او ثلج او بَرَد. قراءات قرأ الجمهور: كلا سيعلمون بالياء، وقرأ ابن عامر: ستعلمون بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - كَانَ المُشْرِكُونَ كُلَّمَا اجْتَمَعُوا فِي نَادٍ مِنَ نَوَادِيهِمْ تَحَدَّثُوا فِي شَأْنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ، وَيَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَيَسْأَلُونَ غَيْرَهُمْ فَيَقُولُونَ: أَسَاحِرٌ هُوَ أَمْ شَاعِرٌ؟ أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ وَيَتَحَدَّثُونَ فِي شَأْنِ القُرْآنِ فَيَقُولُونَ: أَهُوَ سِحْرٌ، أَمْ كِهَانَةٌ؟. وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فِي شَأْنِ البَعْثِ وَالنُّشُورِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ البَعْثَ وَيَزْعُمُ أَنَّهُمْ إِذَا مَاتُوا انْتَهَى أَمْرُهُمْ (وَمَا هِيَ إِلاَ أَرْحَامُ تَدْفَعُ وَأَرْضٌ تَبْلَعُ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ). وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ إِنَّ الأَرْوَاحَ هِيَ التِي تُبْعَثُ لاَ الأَجْسَادُ. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ رَدّاً عَلَى هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَتَكْذِيباً لَهُمْ، وَإِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ تَسَاؤُلَهُمْ عَنْ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَوْعِدِ حُلُولِهِ، وَهُمْ يَسْأَلُونَ مُسْتَبْعِدِينَ حُدُوثَهُ، فَيَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى: عَمَّ يَتَسَاءَلُ هَؤُلاَءِ الجَاحِدُونَ؟ عَمَّ - عَنْ أَيِّ شَيءٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ يَسْأَلُونَ.
الثعلبي
تفسير : {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} يعني عن أي شيء يتساءلون هؤلاء المشركين وذلك أنهم اختلفوا واختصموا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به، {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} قال مجاهد هو القرآن. دليله قوله سبحانه {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الآية] [ص: 67] وقال قتادة: هو البعث، {ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} فمصدّق ومكذّب {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} وهذا وعيد لهم، وقال الضحاك كلاّ سيعلمون يعني الكافرين، ثم كلاّ سيعلمون يعني المؤمنين، وقراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الحسن ومالك بن دينار بالتاء فيهما. {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} أصنافاً ذكوراً وإناثاً. {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} راحة لأبدانكم، والنائم مسبوت لا يعلم ولا يعقل كأنّه ميّت، {وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً} غطاء وغشاء يلبس كل شيء بسواده {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} سبباً لمعاشكم والتصرّف في مصالحكم فسمّاه به كقول الشاعر: شعر : وأخو الهموم إذا الهموم تحضّرت [جنح] الظلام وساده لا يرقدُ تفسير : فجعل الوسادة هي التي لا ترقد والمعنى لصاحب الوسادة. {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} مضيئاً منيراً وقّاداً حارّاً وهي الشمس. {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ} قال مجاهد ومقاتل وقتادة: يعني الرياح التي تعصر السحاب، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ومجازه على هذا التأويل بالمعصرات {مِنَ} بمعنى الباء كقوله سبحانه: {أية : مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ} تفسير : [القدر: 4-5] وكذلك كان عكرمة يقرأها "وَأَنزَلْنَا بالْمُعْصِرَاتِ" وروى الأعمش عن المنهال عن ابن عمرو وعن قيس بن سكن قال: قال عبد الله في قوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} قال: بعث الله سبحانه الريح فحمل الماء من الماء فتدرّ كما تدر اللقحة ثم يُبعث الماء كأمثال العزالي فتضرب به الرياح فينزل متفرّقاً. قال المؤرّخ: المعصرات: ذوات الأعاصير، وقال أبو العالية والربيع والضحاك: هي السحاب التي تجلب المطر ولم تمطر كالمرأة المعصر، وهي التي دنا حيضها، قال أبو النجم: شعر : قد أعصرت أو قد دنا اعصارها. تفسير : وهذه رواية الوالي عن ابن عباس. قال المبرّد: المعصرات الفاطرات، وقال ابن كيسان: المغيثات من قوله {أية : يَعْصِرُونَ} تفسير : [يوسف: 49] وقال أُبي بن كعب والحسن وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان: من المعصرات أي من السموات. {مَآءً ثَجَّاجاً} أي صباباً، وقال مجاهد: مدراراً، قتادة: متتابعاً يتلوا بعضه بعضاً، وقال ابن زيد: كثيراً. {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} مجتمعه ملتفة بعضه ببعض وواحدها ألفّ في قول [نحاة] البصّرة وليس بالقوى وفي قول الآخرين واحدها لِف ولفيف وقيل: هو جمع الجمع يقال: جنّة لفاً [وبنت] لف وجنان لف بضم اللام ثم تجمع اللف ألفافاً. {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً} لما وعد الله سبحانه {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} [....]، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن منصور الكسائي قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار قال: أخبرنا محمد بن زهير عن محمد بن المهتدي عن حنظلة الدّوري عن أبيه عن [البزا] بن عازب قال: حديث : كان معاذ بن جبل جالساً قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزل أبي أيوب الأنصاري فقال معاذ: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} فقال: "معاذ سألت عن عظيم من الأمر، ثم أرسل عينيه ثم قال: تحشرون عشرة أصناف من أمتي أشتاتاً قد ميزّهم الله تعالى من جماعة المسلمين وبدّل صورهم فبعضهم على صور القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكّبين أرجلهم فوق ووجوههم أسفل يسحبون عليها، وبعضهم عُمي يتردّدون، وبعضهم صمّ بكمّ لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدّلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يقذّرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلّبين على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم، فأما الذين على صورة القردة فالقتّات من الناس يعني النّمام وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، والمنكسين على وجوههم فأكلة الربا، والعمي من يجور في الحكم، والصمّ والبكمّ المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، والمقطّعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلّبين على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتناً من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ومنعوا حق الله سبحانه من أموالهم، والذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء ". تفسير : {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ} قرأ أهل الكوفة بالتخفيف وغيرهم بالتشديد. {فَكَانَتْ أَبْوَاباً} أي شقت لنزول الملائكة، وقيل: شقت حتى جعلت كالأبواب قطعاً، وقيل: تنحلّ وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق وقيل: إنّ لكل عبد بابين في السماء: باب لعمله وباب لرزقه، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب. {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ} عن وجه الأرض {فَكَانَتْ سَرَاباً} كالسراب {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} طريقاً وممراً فلا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وقال مقاتل: محبساً {لِّلطَّاغِينَ} للكافرين {مَآباً * لاَّبِثِينَ} قرأه العامة بالألف وقرأ علقمة وحمزة: لبثين بغير ألف وهما لغتان {فِيهَآ أَحْقَاباً} جمع حقب والحقب جمع حقبة كقول متمم: شعر : وكنا كندماني جذيمة حقبةً من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا تفسير : واختلف العلماء في معنى الحقب فقال قوم: هو اسم للزمان والدّهر وليس له حدّ، وروى أبو الضحى عن ابن مسعود قال: لا يعلم عدد الأحقاب إلاّ الله عزّوجل، وقال آخرون: هو محدود. ثم اختلفوا في مبلغ مدّته فقال طارق بن عبد الرحمن: دعاني شيخ بين الصفا والمروة فإذا عنده كتاب عبد الله بن عمرو {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} ان الحقب أربعون سنة كلّ يوم منها ألف سنة، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد وابن حسن قالا: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا ابن المقري وأبو عبيد الله قالا: حدّثنا [محمد بن يحيى] العرني عن سفيان عن عمّار الدهني قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما يجدون في الحقب في كتاب الله المنزل قال: يجده في كتاب الله ثمانين سنة كل سنة اثنا عشر شهراً لكل شهر ثلاثون يوماً كل يوم ألف سنة. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن الفتح قال: حدّثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال: حدّثنا زياد بن أبي يزيد قال: حدّثنا سليمان بن مسلم عن سليمان الحتمي عن نافع عن [ابن عمر] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يكونوا فيها أحقاباً، والحقب بضع وثمانين سنة، والسنة ثلثمائة وستون ويوماً، كل يوم ألف سنة مما تعدون، فلا يتكّلنّ أحد على أن يخرج من النار ". تفسير : وقال أُبي بن كعب: بلغني أن الحقب ثلثمائة سنة كل سنة ثلثمائة وستون يوماً كلّ يوم ألف سنة، وقال الحسن: إنّ الله سبحانه لم يذكر شيئاً إلاّ وجعل له مدّة ينقطع إليها ولم يجعل لأهل النار مدّة بل قال: {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} فوالله ما هو إلاّ أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر ثم آخر كذلك إلى أبد الآبدين فليس للأحقاب عدة إلاّ الخلود في النار ولكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة كل يوم منها ألف سنة ممّا نعده، وقال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة، وقال وهذه الآية منسوخة {فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} [النبأ: 30] يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل، وقال بعض العلماء مجاز الآية {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً}: لا يذوقون في تلك الأحقاب إلاّ حميماً وغساقاً ثم يلبثون أحقاباً يذوقون حرّ الحميم، والغساق من أنواع العذاب، فهو توقيت لأنواع العذاب لا بمكثهم في النار. {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً} يشفيهم من الحر إلاّ الغسّاق وهو الزمهرير، وقيل صديد أهل السعير، وقال الثمالي: دموعهم، وقال شهر بن حوشب: الغسّاق واد في النار فيه ثلثمائة وثلاثون شعباً في كل شعب ثلثمائة وثلاثون بيتاً في كل بيت أربع زوايا في كلّ زاوية شجاع كأعظم ما خلقه الله سبحانه من خلقه في رأس كل شجاع سم. {وَلاَ شَرَاباً} يرويهم من العطش، {إِلاَّ حَمِيماً} وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمد قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حماد قال: حدّثنا محمد بن علي الحسن الشقيقي قال: سألت أبا معاذ النحوي الفضل بن خالد المروزي يقول في قوله سبحانه: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً} قال: البرد: النوم، ومثله قال الكسائي وأبو عبيده وانشدوا فيه: شعر : بردت مراشفها عليّ فصدّني عنها وعن قبلاتها البردُ تفسير : والعرب تقول: منع البُرد البرد، يعني أذهب البردُ النوم، قال الفراء: إنّ النوم ليبرّد صاحبه وإنّ العطشان لينام فيبرد غليله؛ فلذلك سمي النوم برداً، قال الشاعر: شعر : وان شئت حرّمت النساء سواكم وان شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا تفسير : وقال الحسن وعطاء: لا يذوقون فيها برداً أي روّحاً وراحة. {جَزَآءً} نصب على المصدر، مجازه: جازيناهم جزاء. {وِفَاقاً} وافق أعمالهم وفاقاً كما نقول: قاتل قتالا عن الأخفش، وقال الفراء: هو جمع وفق والوفق واللفق واحد، قال الربيع: جزاء بحسب أعمالهم، الضحاك: على قدر أعمالهم، مقاتل: وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار، الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة فأثابهم الله بما يسوءهم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ} يخافون {حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} تكذيباً قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذّب كذّاباً، وخرّقت القميص خرّاقا، كل فعّلت فمصدرها فعّال في لغتهم مشدّد، قال: وقال لي إعرابي منهم: علي المروّة ستفتيني الحلاق أحب إليك أم القصاب وأنشدني بعض بني كلاب: شعر : لقد طال (ما ثبطتني) عن صحابي وعن حوج قضّاؤها من شفائناً تفسير : {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا السنّي قال: أخبرني ابن منجويه قال: حدّثنا أبو داود الحراني قال: حدّثنا شعيب بن حيان قال: حدّثنا مهدي بن ميمون قال: حدّثنا وسمعت حديث : الحسن بن دينار سأل الحسن عن أشد آية في القرآن على أهل النار فقال الحسن: سألت أبا برزة الأسلمي فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "فذوقا فلن نزيدكم إلاّ عذاباً ".
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} [الآية: 1ـ2]. يعني: القرآن. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا [آدم، قال: ثنا] ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} [الآية: 11]. يقول: يبتغون فيه من فضل الله، عز وجل. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} [الآية: 13]. قال: يتلأْلأُ. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} [الآية: 14]. قال: {ٱلْمُعْصِرَاتِ}، الرياح. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الثجاج"، المنصب. يقول: ماءً منصباً [الآية: 14].
الصابوني
تفسير : اللغَة: {سُبَاتاً} السبتُ في اللغة: القطعُ، سمي الليل سُباتاً لأنه يقطع العمل والحركة {وَهَّاجاً} الوهَّاج: المتوقد المتلألىء من قولهم: وَهجت النار إِذا أضاءت {ثَجَّاجاً} شديد الانصباب يقال: ثجَّ إِذا سال بكثرة وفي الحديث "حديث : أفضلُ الحج: العجُّ والثَجُّ"تفسير : العجُّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ: إِراقة الدماء وذبحُ الهدايا {كَوَاعِبَ} جمع كاعب وهي التي برز نهدها واستدار مع ارتفاع يسير {دِهَاقاً} مملوءة يقال: أدهقتُ الكأسَ أي ملأتها قال الشاعر شعر : أتانا عامرٌ يبغي قِرانا فأتْرعنا له كأساً دِهاقاً تفسير : التفسِير: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ}؟ أي عن أيّ شيءٍ يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضاً؟ وأصل {عَمَّ} عنْ ما، أدغمت الميم في النون وحذفت الف {ما} الاستفهامية، وليس المراد هنا مجرد الاستفهام وإِنما المراد تفخيم الأمر وتعظيمه، وقد كان المشركون يتساءلون عن البعث فيما بينهم، ويخوضون فيه إِنكاراً واستهزاءً فجاء اللفظ بصيغة الاستفهام للتفخيم والتهويل وتعجيب السامعين من أمر المشركين، ثم ذكر تعالى ذلك الأمر الخطير فقال {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} أي يتساءلون عن الخبر العظيم الهام وهو أمر البعث {ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} أي الذي اختلفوا فيه ما بين شاكٍّ في وقوعه، ومكذب منكرٍ لحصوله {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} ردعٌ وزجر أي ليرتدعْ أولئك المكذبون عن التساؤل عن البعث، فسيعلمون حقيقة الحال، حين يرون البعث أمراً واقعاً، ويرون عاقبة استهزائهم {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} تأكيد للوعيد مع التهويل أي سيعلمون ما يحل بهم من العذاب والنكال.. ثم أشار تعالى إِلى الأدلة الدالة على قدرته تعالى، ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من أمر البعث، وكأنه يقول: إِن الإِله الذي قدر على إِيجاد هذه المخلوقات العظام، قادرٌ على إِحياء الناس بعد موتهم فقال {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً} أي ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها؟ جعلناها لكم كالفراش والبساط لتستقروا على ظهرها، وتستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المزروعات؟ {وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} أي وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض تثبتها لئلا تميد بكم كما يثبت البيت بالأوتاد قال في التسهيل: شبَّهها بالأوتاد لأنها تمسكُ الأرض أن تميد {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} أي وجعلناكم أيها الناس أصنافاً ذكوراً وإِناثاً، لينتظم أمر النكاح والتناسل، ولا تنقطع الحياة عن ظهر هذا الكوكب الأرضي {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} أي وجعلنا النوم راحة لأبدانكم، قاطعاً لأشغالكم، تتخلصون به من مشاق العمل بالنهار {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً} أي جعلنا الليل كاللباس يغشاكم ويستركم بظلامه، كما يستركم اللباس، وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوبُ لابَسه قال في التسهيل: شبهه بالثياب التي تُلبس لأنه سترٌ عن العيون {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} أي وجعلنا النهار سبباً لتحصيل المعاش، تتصرفون فيه لقضاء حوائجكم قال ابن كثير: جعلناه مشرقاً مضيئاً ليتمكن الناس من التصرف فيه، بالذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} أي وبنينا فوقكم أيها الناس سبع سماواتٍ محكمة الخلق بديعة الصنع، متينةً في إِحكامها وإِتقانها، لا تتأثر بمرور العصور والأزمان، خلقناها بقدرتنا لتكون كالسقف للأرض كقوله تعالى {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}تفسير : [الأنبياء: 32] وقوله {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}تفسير : [الذاريات: 47] {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} أي وأنشأنا لكم شمساً منيرة ساطعة، يتوهج ضوءها ويتوقد لأهل الأرض كلهم، دائمة الحرارة والتوقد قال المفسرون: الوهَّاج المتوقد الشديد الإِضاءة، الذي يضطرم ويلتهب من شدة لهبه وقال ابن عباس: المنير المتلألىء {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} أي وأنزلنا من السحب التي حان وقتُ إِمطارها ماءً دافقاً منهمراً بشدةٍ وقوة قال في التسهيل: المعصرات هي السحب، مأخوذةٌ من العصر لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء، شبهت السحابة التي حان وقت إِمطارها بالجارية التي قد دنا حيضها {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً} أي لنخرج بهذا الماء أنواع الحبوب والزروع، التي تنبت في الأرض غذاءً للإِنسان والحيوان {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} أي وحدائق وبساتين كثيرة الأشجار والأغصان، ملتفةً بعضها على بعض لكثرة أغصانها وتقارب أشجارها.. ذكر تعالى هذه الأدلة التسع على قدرته تعالى، كبرهانٍ واضح على إِمكان البعث والنشور، فإِن من قدر على هذه الأشياء قادرٌ على البعث والإِحياء ولهذا قال بعده {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً} أي إن يوم الحساب والجزاء، ويوم الفصل بين الخلائق، له وقت محدودٌ معلوم في علمه تعالى وقضائه، لا يتقدم ولا يتأخر {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ}تفسير : [هود: 103-104] قال القرطبي: سمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، وقد جعله وقتاً وميعاداً للأولين والآخرين {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} أي يكون ذلك يوم أن ينفخ في الصور نفخة القيام من القبور، فتحضرون جماعات جماعات، وزمراً زمراً للحساب والجزاء، ثم ذكر تعالى أوصاف ذلك اليوم الرهيب فقال {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} أي تشققت السماء من كل جانب، حتى كان فيها صدوعٌ وفتوحٌ كالأبواب في الجدران، من هول ذلك اليوم كقوله تعالى {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 1] وعبَّر بالماضي {وَفُتِحَتِ} لتحقق الوقوع {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} أي ونسفت الجبال وقلعت من أماكنها، حتى أصبح يخيَّل إِلى الناظر أنها شيء وليست بشيء، كالسراب يظنه الرائي ماءً وليس بماء قال الطبري: صارت الجبال بعد نسفها هباءً منبثاً لعين الناظر، كالسراب الذي يظنه من يراه ماءً وهو في الحقيقة هباء {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} أي إِن جهنم تنتظر وتترقب نزلاءها الكفار، كما يترصد الإِنسان ويترقب عدوه ليأخذه على حين غرة قال المفسرون: المرصاد المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو، وجهنم تترصَّد أعداء الله لتعذبهم بسعيرها، وهي مترقبة ومتطلعة لمن يمرُّ عليها من الكفار الفجار لتلتقطهم إِليها {لِّلطَّاغِينَ مَآباً} أي هي مرجع ومأوى ومنزل للطغاة المجرمين {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} أي ماكثين في النار دهوراً متتابعةً لا نهاية لها قال القرطبي: أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب - أي الدهور - وهي لا تنقطع، كلما مضى حقب جاء حقب، لأن أحقاب الآخرة لا نهاية لها قال الربيع وقتادة: هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً} أي لا يذوقون في جهنم برودةً تخفف عنهم حرَّ النار، ولا شراباً يسكِّنُ عطشهم فيها {إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً} أي إِلاّ ماءً حاراً بالغاً الغاية في الحرارة، وغساقاً أي صديداً يسيل من جلود أهل النار {جَزَآءً وِفَاقاً} أي عاقبهم الله بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم السيئة {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً} أي لم يكونوا يتوقعون الحساب والجزاء، ولا يؤمنون بلقاء الله، فجازاهم الله بذلك الجزاء العادل {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} أي وكانوا يكذبون بآيات الله الدالة على البعث وبالآيات القرآنية تكذيباً شديداً {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} أي وكل ما فعلوه من جرائم وآثام ضبطناه في كتاب لنجازيهم عليه {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} أي فذوقوا يا معشر الكفار فلن نزيدكم على استغاثتكم إِلاَّ عذاباً فوق عذابكم قال المفسرون: ليس في القرآن على أهل النار آية هي أشد من هذه الآية، كلما استغاثوا بنوعٍ من العذاب أغيثوا بأشد منه.. ولما ذكر تعالى أحوال الأشقياء أهل النار، ذكر بعدها أحوال السعداء الأبرار فقال {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} أي إِن للمؤمنين الأَبرار الذين أطاعوا ربهم في الدنيا، موضع ظفر وفوز بجنات النعيم، وخلاص من عذاب الجحيم، ثم فسَّر هذا الفوز فقال {حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً} أي بساتين ناضرة فيها من جميع الأشجار والأزهار، وفيها كروم الأعناب الطيبة المتنوعة من كل ما تشتهيه النفوس {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} أي ونساءً عذارى نواهد قد برزت أَثْداؤهنَّ، وهنَّ في سنٍ واحدة قال في التسهيل: الكواعب جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها {وَكَأْساً دِهَاقاً} أي وكأساً من الخمر ممتلئةً صافية قال القرطبي: المرادُ بالكأس الخمرُ كأنه قال: وخمراً ذات دِهاقٍ أي مملوءة قد عُصرت وصُفِّيت {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً} أي لا يسمعون في الجنة كلاماً فارغاً لا فائدة فيه، ولا كذباً من القول لأن الجنة دار السلام، وكل ما فيها سالمٌ من الباطل والنقص {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} أي جازاهم الله بذلك الجزاء العظيم، تفضلاً منه وإِحساناً كافياً على حسب أعمالهم {رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي هذا الجزاء صادرٌ من الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} أي لا يقدر أحدٌ أن يخاطبه في دفع بلاء، أو رفع عذاب في ذلك اليوم، هيبةً وجلالاً {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} أي في ذلك اليوم الرهيب يقف جبريل والملائكة مصطفين خاشعين {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} أي لا يتكلم أحد منهم إِلاّ من أذن الله له بالكلام والشفاعة ونطق بالصواب قال الصاوي: وإِذا كان الملائكة الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله لا يقدرون أن يشفعوا إِلا بإِذنه، فكيف يملك غيرهم؟ {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ} أي ذلك هو اليوم الكائن الواقع لا محالة {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً} أي فمن شاء أن يسلك إِلى ربه مرجعاً كريماً بالإِيمان والعمل الصالح فلْيفعلْ، وهو حثٌ وترغيب {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} الخطاب لكفار قريش المنكرين للبعث أي إنا حذرناكم وخوفناكم عذاباً قريباً وقوعه هو عذاب الآخرة، سمَّاه قريباً لأن كل ما هو آتٍ قريب {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي يوم يرى كل إِنسان ما قدَّم من خير أو شر مثبتاً في صحيفته كقوله تعالى {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً}تفسير : [الكهف: 49] {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} أي ويتمنى الكافر أنه لم يخلق ولم يُكلَّف ويقول: يا ليتني كنت تراباً حتى لا أحاسب ولا أعاقب قال المفسرون: وذلك حين يحشر الله الحيوانات يوم القيامة فيقتصُّ للجمّاء من القرناء، وبعد ذلك يصيّرها تراباً، فيتمنى الكافر أن لو كان كذلك حتى لا يعذب. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِطناب بتكرار الجملة للوعيد والتهديد {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}. 2- الإِيجاز بحذف الفعل لدلالة المتقدم عليه {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} أي يتساءلون عن النبأ العظيم. 3- التشبيه البليغ {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً}؟ أصل الكلام جعلنا الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، والجبال كالأوتاد التي تثبت الدعائم، فحذف أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً، ومثله {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً} أي كاللباس في الستر والخفاء. 4- المقابلة اللطيفة بين {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً} وبين {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} قابل بين الليل والنهار، والراحة والعمل، وهو من المحسنات البديعية. 5- التشبيه البليغ {فَكَانَتْ أَبْوَاباً} أي كالأبواب في التشقق والانصداع، فحذفت الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغاً 6- الأمر الذي يراد به الإِهانة والتحقير {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} وفيه أيضاً التفات من الغيبة إِلى الخطاب زيادة في التوبيخ والإِهانة. 7- الطباق بين {بَرْداً .. وحَمِيماً}. 8- ذكر العام بعد الخاص {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} الروح وهو "جبريل" داخل في الملائكة، فقد ذكر مرتين مرة استقلالاً، ومرة ضمن الملائكة، تنبيهاً على جلالة قدره. 9- السجع المرصَّع مثل {أَلْفَافاً، أَفْوَاجاً، أَبْوَاباً، مَآباً، أَحْقَاباً} وهو من المحسنات البديعية.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السلامُ في قولهِ تعالى: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} معناه عَنْ القُرآنِ {ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} معناه مُكذبٌ لَهُ، ومُصدقٌ لَهُ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} الآية هذه السورة مكية روي أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث جعل المشركون يتساءلون بينهم فيقولون ما الذي أتى به ويتجادلون فيما بعث به فنزلت ومناسبتها لما قبلها ظاهرة لما قال: فبأي حديث أي بعد هذا الحديث وهو القرآن وكانوا يتجادلون فيه ويتساءلون عنه قال: عم يتساءلون والاستفهام عن هذا فيه تفخيم وتهويل وتقرير وتعجيب كما تقول أي رجل زيد وزيد ما زيد والضمير في يتساءلون لأهل مكة ثم أخبر تعالى أنهم يتساءلون عن النبأ العظيم وهو أمر رسول الله صلى الله وسلم وما جاء به من القرآن العظيم. وعم متعلق بيتساءلون ومن قرأ عمه بالهاء في الوصل أجري الوصل مجرى الوقف وعن النبأ متعلق بمحذوف أي يتساءلون عن النبأ. {كَلاَّ} ردع للمتسائلين وهذا تكرار توكيد في الوعيد وحذف ما يتعلق به العلم على سبيل التهويل أي سيعلمون ما يحل بهم ثم قررهم تعالى على النظر في آياته الباهرة وغرائب مخلوقاته التي أبدعها من العدم الصرف وان النظر في ذلك يفضي إلى الإِيمان بما جاءت به الرسل من البعث والجزاء فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً} فبدأ بما هم دائماً يباشرونه والمهاد الفراش الموطأ. {وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} أي ثبتنا الأرض بالجبال كما يثبت البيت بالأوتاد قال الأفوه الأودي: والبيت لا ينبني إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد. {أَزْوَاجاً} أي أنواعاً في اللون والصورة واللسان. {سُبَاتاً} سكوتاً وراحة سبت الرجل استراح وترك الشغل. {لِبَاساً} أي تستترون به عن العيون فيما لا تحبون أن يظهر عليه. {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ} قابل النوم بالنهار إذ فيه اليقظة. {مَعَاشاً} وقت عيش وهو الحياة تتصرفون فيه في حوائجكم. {سَبْعاً} سماوات. {شِدَاداً} محكمة الخلق قوية لا تتأثر بمرور الإِعصار إلا إذا أراد الله تعالى. {سِرَاجاً} هو الشمس. {وَهَّاجاً} حاراً مضطرم الإِتقاد قال ابن عباس: {ٱلْمُعْصِرَاتِ} الرياح لأنها تعصر السحاب جعل الانزال منها لما كانت فيه سبباً. {ثَجَّاجاً} منصباً بكثرة ومنه أفضل الحج العج والثج أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى. {حَبّاً وَنَبَاتاً} بدأ بالحب لأنه الذي يتقوت به كالحنطة والشعير وثنى بالنبات فيشمل كل ما ينبت من شجر وحشيش ودخل في الحب. {أَلْفَافاً} أي ملتفة. {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} هو يوم القيامة يفصل فيه بين الحق والباطل. {كَانَ مِيقَاتاً} أي في تقدير الله تعالى وحكمه حداً تؤقت به في الدنيا وتنتهي عنده. {يَوْمَ يُنفَخُ} بدل من يوم الفصل. {فَتَأْتُونَ} من القبور إلى الموقف. {أَفْوَاجاً} أمما كل أمة بامامها. {فَكَانَتْ أَبْوَاباً} أي تنشق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدارات. {فَكَانَتْ سَرَاباً} أي فكانت شيئاً كلاشىء. {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} الآية مرصادا مفعال من الرصد يرصد من حقت عليه كلمة العذاب. {مَآباً} مرجعاً لهم ويجوز أن يتعلق للطاغين بمرصادا ويجوز أن يتعلق بمآبا ولابثين حال من للطاغين وأحقابا نصب على الظرف وقال الزمخشري: وفيه وجه آخر وهو أن يكون من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره وحقب فلان إذا أخطأ الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب فينتصب حالاً عنهم يعني لابثين فيها حقبين وقوله: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً} تفسير له والاستثناء منقطع يعني لا يذوقون فيها برداً وروحاً ينفس عنهم حر النار ولا شرابا فيسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميماً وغساقاً "انتهى" وكان قد قدم قبل هذا الوجه ما نصه ويجوز أن يراد لابثين فيها أحقابا غير ذائقين برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقا ثم يبدّلون بعد الأعقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب "انتهى". وهذا الذي قاله هو قول للمتقدمين قال ابن عطية: وقال آخرون إنما المعنى لابثين فيها أحقابا غير ذائقين برداً ولا شرابا فبهذه الحال يلبثون ثم يبقى العذاب سرمدا وهم يشربون أشربة جهنم والذي يظهر أن قوله لا يذوقون كلام مستأنف وليس في موضع الحال وإلا حميماً استثناء متصل من قوله: {وَلاَ شَرَاباً} وان أحقابا منصوب على الظرف حملاً على المشهور من لغة العرب لا منصوب على الحال على تلك اللغة التي ليست مشهورة وقول من قال ان الموصوفين باللبث أحقاباً هم عصاة المؤمنين أواخر الآي يدفعه وقول مقاتل ان ذلك منسوخ بقوله: {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} فاسد والظاهر أن البرد هو مس الهواء القرأي لا يمسهم منه ما يستلذ ويكثر شدة الحر. {وِفَاقاً} أي لأعمالهم وكفرهم وصف الجزاء بالمصدر لوافق أو على حذف مضاف أي ذا وفاق. {لاَ يَرْجُونَ} لا يخافون والمعنى هنا لا يصدقون بيوم الحساب وانتصب كل شىء على الاشتغال أي أحصينا كل شىء أحصيناه وكل شىء عام مخصوص أي وكل شىء مما يقع عليه الثواب والعقاب وهي جملة معترضة. {فَذُوقُواْ} مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات وفي خطابهم بذلك على طريق الإِلتفات توبيخ لهم وشدة غضب عليهم ولما ذكر شيئاً من حال أهل النار ذكر ما لأهل الجنة فقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} أي موضع فوز وظفر حيث زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة وحدائق بدل من مفازا أو فوزاً فيكون أبدل الجرم من المعنى على حذف أي فوز حدائق أي بها. {دِهَاقاً} قال الجمهور: مترعة قال الزمخشري: جزاء مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله إن للمتقين مفازا كأنه قال: جازى المتقين بمفاز وعطاء نصب بجزاء نصب المفعول به أي جزاهم عطاء "انتهى". وهذا لا يجوز لأنه جعله مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة التي هي ان للمتقين مفازا والمصدر المؤكد لا يعمل لأنه ليس ينحل بحرف مصدري والفعل ولا نعلم في ذلك خلافاً. وقرىء: رب بالرفع على إضمار هو وبالجر بدلاً من ربك وقرىء: الرحمٰن بالجر والرفع والضمير في منه عائد عليه والمعنى أنهم لا يملكون من الله أن يخاطبوه في شىء من الثواب والعقاب وخطاباً عام لأنه في سياق النفي والعامل في يوم ما لا يملكون واما لا يتكلمون والظاهر عود الضمير في لا يتكلمون على الروح والملائكة فلا يتكلمون إلا بإِذن الله تعالى. {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ} أي كيانه ووجوده. {فَمَن شَآءَ} وعيد وتهديد والخطاب في أنذرناكم لمن حضر النبي صلى الله عليه وسلم واندرج فيه من يأتي بعدهم. {عَذَاباً} هو عذاب الآخرة. {قَرِيباً} لتحقق وقوعه وكل آت قريب. {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ} عام في المؤمن والكافر. {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من خير أو شر لقيام الحجة له وعليه وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: حديث : ان الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص من بعضها البعض ثم يقول لها بعد ذلك: كوني ترابا فيعود جميعها تراباً فإِذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله له .
الجيلاني
تفسير : {عَمَّ} يعني: عن ما، وعن أيّ شيء وأمر {يَتَسَآءَلُونَ} [النبأ: 1] ويتقاولون فيما بينهم مراءً ومجادلةً؟. {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ * ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} [النبأ: 2-3] أي: يختلفون في قام الساعة الموعودة؛ لتنقيد أعمال العباد، والجزاء عليهم على وفقها، مع أن أمره أظهر من أن يشك فيه ويسأل عنه، ويستهزأ به، ويختلف فيه وفي وقوعه. {كَلاَّ} أي: من أين يتأتى لهم إنكاره والتساؤل فيه على وجه المراء، مع أنهم {سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 4] عن قريب، بل قربه كلمح البصر، بل هو أقرب؟! {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 5] حين ألم عليهم بغتة، وهم لا يشعرون. وبالجملة: من أين يتأتى لهم إنكار يوم البعث والجزاء، هل ينكرون قدرتنا الكاملة على أمثاله؟! {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً} [النبأ: 6] لهم، ممهدة مبسوطة، ينتشرون عليه ويستريحون؟! {وَ} لم نجعل {ٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} [النبأ: 7] عليها تقريراً لها وتثبيتاً. {وَخَلَقْنَاكُمْ} أي: قدَّرنا أشباحكم أيها المكلفون {أَزْوَاجاً} [النبأ: 8] أصنافاً ذكراً وأنثى؛ لتتأنسوا وتناسلوا؟! {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ} في الليالي {سُبَاتاً} [النبأ: 9] قطعاً عن الإحساس والحركة؛ ليحصل إرخاء الأعصاب والعضلات؛ لتستريحوا، وزالت كلا القوى وفتورها فتشتد بالاستراحة، وتشتغل بأفعالها في النهار بجرأة تامة، وقوة كاملة. {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ} لكم {لِبَاساً} [النبأ: 10] غطاءً وغشاءً تستترون فيه، وتختفون به فيما فيه الإخفاء مطلوبكم. {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} [النبأ: 11] وقتاً تطلبون فيه ما تعيشون من حوائجكم ومطعوماتكم وملبوساتكم. {وَبَنَيْنَا} بكمال قدرتنا، ومتانة حكمتنا {فَوْقَكُمْ سَبْعاً} سبع سماوات طباقاً {شِدَاداً} [النبأ: 12] أقوياء محكمات، مستحكمات لا يتأثرن بمر الدهور، وكر الإعصار كسائر الأبنية. {وَجَعَلْنَا} في خلالها {سِرَاجاً} مضيئاً متلألئ، مشتعشعاً {وَهَّاجاً} [النبأ: 13] حاراً سخيناً في غاية السخونة عند الانعكاس؛ لتنضج ما تحتاجون إليه في أمور معاشكم. {وَأَنزَلْنَا} أيضاً تتميماً لتربيتكم، وترتيب معيشتكم {مِنَ} السحب {ٱلْمُعْصِرَاتِ} بالرياح {مَآءً ثَجَّاجاً} [النبأ: 14] مطراً كثيراً الانصباب، متتالي القطر. {لِّنُخْرِجَ بِهِ} أي: بالماء {حَبّاً} تقتاتون به {وَنَبَاتاً} [النبأ: 15] تعلف به مواشيكم. {وَجَنَّاتٍ} متنزهات لكم وبساتين {أَلْفَافاً} [النبأ: 16] ملتفات أشجارها وثمارها من كثرتها وكثفاتها. كل ذلك من المقدروات التي يتفطن منها العاقل المنصف على وقوع الحشر والنشر، وجميع الأمور الغيبية الموعودة في يوم الجزاء، بل جميع المقدورات الداخلة تحت قبضة القدرة الإلهية؛ إذ نسبة القدرة الكاملة الإلهية إلى هذه المقدورات وأمثالها، وإلى الأمور الموعودة فيها على السواء، والإرادة الكاملة الإلهية ترجع كلاًّ منها عند حلول ما قدَّر الله له من الوقت والأجل. وبالجملة: من ترقى إدراكه عن مضيق الأُلف، وخرق حجب الرسوم والعادات، وخلص من ظلمات الأوهام والخيالات العائقة عن الوصول إلى وحدة الذات التي هي منيع عمم الخيرات، ومنشأ جميع الكمالات، انكشف له ولاح عنده أن أمر النشأة الأولى والأخرى وأمثالها، بل أضعافها وآلافهما في جنب القدرة الغالية الإلهية سهل يسير، لكن المحجوب المحبوس في عالم المحسوس المقيَّد بعقال العقل المبهوت، المشوب بالوهم المنحوس، والخيال المزور المنكوس، يتخيل حصر المظاهر والمجالي الإلهية بسراب عالم الطبيعة والهيولي؛ لذلك وقع فيما وقع من البلوى، وزلت نعله في سبيل القرب من المولى. هب لنا من لدنك رحمة تنجينا من أمثال هذه المهالك، إنك أنت الوهاب.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيها السائل عن البنأ العظيم ما أعددت له من الرزق الكريم عن سبيل النزل من النعيم المقيم والرحيق المختوم الذي كان مزاجه من تسنيم كما يقول الرب الرحيم في كلامه القديم بقوله {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ}، {عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} [النبأ: 2]؛ يعني: القوى المشركة عم يتساءلون عن الوارد الذي ورد عن حضرة الرب على اللطيفة الخفية المبلغة أحكام الوارد إلى أممه {ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} [النبأ: 3]؛ يعني: القوى المشركة والمؤمنة يختلفون في أمر الوارد يصدقونه حينا ويكذبونه حيناً {كَلاَّ} [النبأ: 4] أي: حقاً {سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 4] عاقبة اختلافهم وتكذيبهم القوى المشركة {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 5]؛ أي: ستعلم القوى المؤمنة المصدقة تصديقهم. {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً} [النبأ: 6] يذكر صنائعه ويقول {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً} [النبأ: 6]؛ أي: أرض البشرية فراشاً لهم {وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} [النبأ: 7]؛ أي: القوى المعدنية القالبية أوتاد الأرض البشرية، {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} [النبأ: 8] ليستأنس بعضهم ببعض من القوى الفاعلة والقابلة وتظهر منها النتائج القالبية {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} [النبأ: 9]؛ يعني: غفلتكم استراحة كما قيل: لولا الغفلة لبطلت الحكمة {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً} [النبأ: 10]؛ يعني: سترناكم بلباس اللطيفة الجلالية لتسكنوا وتستريحوا {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} [النبأ: 11]؛ يعني: كشف عليكم نهار الكسب باللطيفة الجمالية لتكسبوا معاشكم في العاجل والآجل. {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} [النبأ: 12]؛ يعني: بنينا أطوار القلب فوق القالب {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} [النبأ: 13]؛ أي: جعلنا في طور من أطواره الشمس الروحانية المنيرة المضيئة التي هي كالسراج يعني: تقتبس منه القوى الحسية الظاهرة والباطنة ضياء {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} [النبأ: 14]؛ يعني: أنزلنا من الصدر ماء الربوبية صباباً {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً} [النبأ: 15].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: عن أي شيء يتساءل المكذبون بآيات الله؟ ثم بين ما يتساءلون عنه فقال: { عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } أي: عن الخبر العظيم الذي طال فيه نزاعهم، وانتشر فيه خلافهم على وجه التكذيب والاستبعاد، وهو النبأ الذي لا يقبل الشك ولا يدخله الريب، ولكن المكذبون بلقاء ربهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم. ولهذا قال: { كَلا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ } أي: سيعلمون إذا نزل بهم العذاب ما كانوا به يكذبون، حين يدعون إلى نار جهنم دعا، ويقال لهم: {أية : هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ }. تفسير : ثم بين تعالى النعم والأدلة الدالة على صدق ما أخبرت به الرسل فقال: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):