٧٨ - ٱلنَّبَأ
78 - An-Naba' (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : وثامنها: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } كلام أهل اللغة مضطرب في تفسير الوهاج، فمنهم من قال الوهج مجمع النور والحرارة، فبين الله تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين، وهو المراد بكونها وهاجاً، وروى الكلبي عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة في النور فقط، يقال للجوهر إذا تلألأ توهج، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في النور، ومنه قول الشاعر يصف النور: شعر : نـوارهـا متبـاهـج يتـوهــج تفسير : وفي كتاب الخليل: الوهج، حر النار والشمس، وهذا يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر واعلم أن أي هذه الوجود إذا ثبت فالمقصود حاصل. أما المعصرات ففيها قولان: الأول: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وقول مجاهد، ومقاتل والكلبي وقتادة إنها الرياح التي تثير السحاب ودليله قوله تعالى: {أية : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً} تفسير : [الروم: 48] فإن قيل على هذا التأويل كان ينبغي أن يقال وأنزلنا بالمعصرات، قلنا: الجواب: من وجهين الأول: أن المطر إنما ينزل من السحاب، والسحاب إنما يثيره الرياح، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح، كما يقال هذا من فلان، أي من جهته وبسببه الثاني: أن من ههنا بمعنى الباء والتقدير، وأنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب ويروى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعكرمة أنهم قرأوا (وأنزلنا بالمعصرات) وطعن الأزهري في هذا القول، وقال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله تعالى المعصرات بالماء الشجاج وجوابه: أن الإعصار ليست من رياح المطر، فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر؟ القول الثاني: وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبي العالية والربيع والضحاك أنها السحاب، وذكروا في تسمية السحاب بالمعصرات وجوهاً أحدها: قال المؤرخ: المعصرات السحائب بلغة قريش وثانيها: قال المازني يجوز أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فإن السحائب إذا عصرتها الأعاصير لا بد وأن ينزل المطر منها وثالثها: أن المعصرات هي السحائب التي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك: أجز الزرع إذا حان له أن يجز، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، وأما الثجاج فاعلم أن الثج شدة الانصباب يقال: مطر ثجاج ودم ثجاج أي شديد الانصباب. واعلم أن الثج قد يكون لازماً، وهو بمعنى الانصباب كما ذكرنا، وقد يكون متعدياً بمعنى الصب وفي الحديث «حديث : أفضل الحج العج والثج» تفسير : أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى، وكان ابن عباس مثجاً أي يثج الكلام ثجاً في خطبته وقد فسروا الثجاج في هذه الآية على الوجهين، وقال الكلبي ومقاتل وقتادة الثجاج ههنا المتدفق المنصب، وقال الزجاج معناه الصباب كأنه يثج نفسه أي يصب. وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كل شيء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن يكون، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون له أكمام وهو الحشيش وهو المراد ههنا بقوله: {ونباتاً} وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى: {أية : كلوا وارعوا أنعامكم} تفسير : [طه: 54] وأما الذي له ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة، فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة، وإنما قدم الله تعالى الحب لأنه هو الأصل في الغذاء، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه، وإنما أخر الجنات في الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية. المسألة الثانية: اختلفوا في ألفافاً، فذكر صاحب «الكشاف» أنه لا واحد له كالأوزاع والأخياف، والأوزاع الجماعات المتفرقة والأخياف الجماعات المختلطة. وكثير من اللغويين أثبتوا له واحداً، ثم اختلفوا فيه، فقال الأخفش والكسائي: واحدها لف بالكسر، وزاد الكسائي: لف بالضم، وأنكر المبرد الضم، وقال: بل واحدها لفاء. وجمعها لف، وجمع لف ألفاف، وقيل يحتمل أن يكون لفيف كشريف وأشراف نقله القفال رحمه الله، إذا عرفت هذا فنقول قوله: {وجنات ألفافاً} أي ملتفة، والمعنى أن كل جنة فإن ما فيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق. المسألة الثالثة: كان الكعبي من القائلين بالطبائع، فاحتج بقوله تعالى: {لنخرج به حباً ونباتاً} وقال: إنه يدل على بطلان قول من قال إن الله تعالى لا يفعل شيئاً بواسطة شيء آخر. اعلم أن التسعة التي عددها الله تعالى نظراً إلى حدوثها في ذواتها وصفاتها، ونظراً إلى إمكانها في ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار، ونظراً إلى ما فيها من الإحكام والإتقان تدل على أن فاعلها عالم، ثم أن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر ويلزم التسلسل وهو محال، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب تعلقهما بكل ما صح أن يكون مقدوراً ومعلوماً وإلا لافتقر إلى المخصص وهو محال، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات، وقد ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر، فكما يصح على الأجسام السلفية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على الأجسام، وإذا ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة والعلم، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا، وقادر على إيجاد عالم آخر، وعند ذلك ثبت أن القول بقيام القيامة ممكن عقلاً وإلى هنا يمكن إثباته بالعقل، فأما ما وراء ذلك من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع، ثم إنه تعالى تكلم في هذه الأشياء بقوله: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة فأولها: قوله: {إن يوم الفصل كان ميقاتاً} والمعنى أن هذا اليوم كان في تقدير الله، وحكمه جداً تؤقت به الدنيا، أو حداً للخلائق ينتهون إليه، أو كان ميقاتاً لما وعد الله من الثواب والعقاب، أو كان ميقاتاً لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات. وثانيها: قوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا}. اعلم أن {يوم ينفخ} بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان، وهذا النفخ هو النفخة التي عندها يكون الحشر، والنفخ في الصور فيه قولان: أحدهما: أن الصور جمع الصور، فالنفخ في الصور عبارة عن نفخ الأرواح في الأجساد والثاني: أن الصور عبارة عن قرن ينفخ فيه. وتمام الكلام في الصور وما قيل فيه قد تقدم في سورة الزمر، وقوله: {فتأتون أفواجاً} معناه أنهم يأتون ذلك المقام فوجاً فوجاً حتى يتكامل اجتماعهم. قال عطاء كل نبي يأتي مع أمته، ونظيره قوله تعالى: {أية : يوم ندعوا كل أناس بإمامهم} تفسير : [الإسراء: 71] وقيل جماعات مختلفة، روى صاحب «الكشاف» عن معاذ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فقال عليه السلام: يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال: يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمى، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس. وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت. وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران وأما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشد نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله تعالى من أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء. وثالثها قوله تعالى: {وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا}. قرأ عاصم وحمزة والكسائي فتحت خفيفة والباقون بالتثقيل والمعنى كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة قال القاضي: وهذا الفتح هو معنى قوله: {أية : إذا السماء انشقت} تفسير : [الإنشقاق: 1] {أية : وإذا السماء انفطرت} تفسير : [الإنفطار: 1] إذ الفتح والتشقق والتفطر، تتقارب، وأقول: هذا ليس بقوي لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التشقق والتفطر، فربما كانت السماء أبواباً، ثم تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق ولا تفطر، بل الدلائل السمعية دلت على أن عند حصول فتح هذه الأبواب يحصل التشقق والتفطر والفناء بالكلية، فإن قيل قوله: {وفتحت السماء فكانت أبواباً} يفيد أن السماء بكليتها تصير أبواباً، فكيف يعقل ذلك؟ قلنا فيه وجوه: أحدها: أن تلك الأبواب لما كثرت جداف صارت كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة كقوله: {أية : وفجرنا الأرض عيوناً} تفسير : [القمر: 12] أي كأن كلها صارت عيوناً تتفجر وثانيها: قال الواحدي هذا من باب تقدير حذف المضاف، والتقدير فكانت ذات أبواب وثالثها: أن الضمير في قوله: {فكانت أبواباً} عائد إلى مضمر والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً لنزول الملائكة، كما قال تعالى: {أية : وجاء ربك والملك صفاً صفاً} تفسير : [الفجر: 22]. ورابعها: قوله تعالى: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله: وهو أن أول أحوالها الاندكاك وهو قوله: {أية : وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} تفسير : [الحاقة: 14]. والحالة الثانية لها: أن تصير {أية : كالعهن المنفوش} تفسير : [القارعة: 5] وذكر الله تعالى ذلك في قوله: {أية : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال العهن المنفوش} تفسير : [القارعة: 4، 5] وقوله: {أية : يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن} تفسير : [المعارج: 8 ـ 9]. والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله: {أية : إذا رجت الأرض رجاً * وبست الجبال بساً * فكانت هباءاً منبثاً} تفسير : [الواقعة: 4 ـ 6 ]. والحالة الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله: {أية : فقل ينسفها ربي نسفاً} تفسير : [طه: 105]. والحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعاً في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساماً جامدة وهي الحقيقة مارة إلى أن مرورها بسبب مرور الرياح بها (صيرها) مندكة متفتتة، وهي قوله: {أية : تمر مر السحاب} تفسير : [النحل: 88] ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره، فقال: {أية : ويوم نسير الجبال} تفسير : [الطور: 10] {أية : وترى الأرض بارزة} تفسير : [الكهف: 47]. الحالة السادسة: أن تصير سراباً، بمعنى لا شيء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئاً، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئاً، والله أعلم. واعلم أن الأحوال المذكورة إلى ههنا هي: أحوال عامة، ومن ههنا يصف أهوال جهنم وأحوالها. المسألة الأولى: قرأ ابن يعمر: أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة، بأن جهنم كانت مرصاداً للطاغين، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء. المسألة الثانية: كانت مرصاداً، أي في علم الله تعالى، وقيل صارت، وهذان القولان نقلهما القفال رحمه الله تعالى، وفيه وجه ثالث ذكره القاضي، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لمقدومهم من قديم الزمان، وكالمستدعية والطالبة لهم. المسألة الثالثة: في المرصاد قولان: أحدهما: أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان: أحدهما: أن خزنة جهنم يرصدون الكفار والثاني: أن مجاز المؤمنين وممرهم كان على جهنم، لقوله: {أية : وإن منكم إلا واردها} تفسير : [مريم: 71] فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم، ويرصدونهم عندها. القول الثاني: أن المرصاد مفعال من الرصد، وهو الترقب، بمعنى أن ذلك يكثر منه، والمفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار والمطعان، قيل إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم، كما قال تعالى: {أية : تكاد تميز من الغيظ} تفسير : [الملك: 8] قيل ترصد كل كافرة ومنافق، والقائلون بالقول الأول. استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى: {أية : إن ربك لبالمرصاد} تفسير : [الفجر: 14] ولو كان المرصاد نعتاً لوجب أن يقال: إن ربك لمرصاد. المسألة الرابعة: دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوفة لقوله تعالى: {إن جهنم كان مرصاداً} أي معدة، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضاً كذلك، لأنه لا قائل بالفرق. وفيه وجهان: إن قلنا إنه مرصاد للكفار فقط كان قوله: {للطاغين} من تمام ما قبله، والتقدير إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين، ثم قوله: {مآباً} بدل من قوله: {مرصاداً} وإن قلنا بأنها كانت مرصاداً مطلقاً للكفار وللمؤمنين، كان قوله: {إن جهنم كانت مرصاداً} [النبأ: 21] كلاماً تاماً، وقوله: {للطاغين مآباً} كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل، ومآب للطاغين خاصة، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصاداً أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته، وقوله: {مآباً} أي مصيراً ومقراً. اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين، وبين كمية استقرارهم هناك، فقال: {لابثين فيها أحقاباً} وههنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ الجمهور: {لابثين} وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث، مثل ثامع، وطمع، وفاره، وفره، وهو كثير، وقال صاحب الكشاف: واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال: لبث إلا لمن شأنه اللبث، وهو أن يستقر في المكان، ولا يكاد ينفك عنه. المسألة الثانية: قال الفراء أصل الحقب من الترادف، والتتابع يقال أحقب، إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزراً، فقد احتقب، فيجوز على هذا المعنى: {لابثين فيها أحقاباً} أي دهوراً متتابعة يتبع بعضها بعضاً، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً} تفسير : [الكهف: 60] يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس، واعلم أن الأحقاب، واحدها حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه: أحدها: قال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله: {أحقاباً} الحقب الواحد بضع وثمانون سنة، والسنة ثلثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعاً وثانيها: سأل هلال الهجري علياً عليه السلام. فقال الحقب مائة سنة، والسنة اثنا عشر شهراً، والشهر ثلاثون يوماً، واليوم ألف سنة وثالثها: وقال الحسن الأحقاب لا يدري أحد ما هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون: فإن قيل قوله أحقاباً وإن طالت إلا أنها متناهية، وعذاب أهل النار غير متناه، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال وارداً، ونظير هذا السؤال قوله في أهل القبلة: {إلا ما شاء ربك} قلنا: الجواب من وجوه: الأول: أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً كلما مضى حقب تبعه حقب آخر، وهكذا إلى الأبد والثاني: قال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقاباً لا يذوقوق في الأحقاب برداً ولا شراباً، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب. وهو أن لا يذوقوا برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب وثالثها: هب أن قوله: {أحقاباً} يفيد التناهي، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون. قال تعالى: {أية : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} تفسير : [المائدة: 37] ولا شك أن المنطوق راجح، وذكر صاحب «الكشاف» في الآية وجهاً آخر، وهو أن يكون أحقاباً من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب. فينتصب حالاً عنهم بمعنى لابثين فيها حقبين مجدبين، وقوله: {لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً} [النبأ: 24] تفسير له. ورابعها: قوله تعالى: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيَها بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا}. {إلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا}. {جَزَآءً وِفَاقًا}. المسألة الأولى: إن اخترنا قول الزجاج كان قوله: {لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً} متصلاً بما قبله، والضمير في قوله: {فيها} عائداً إلى الأحقاب، وإن لم نقل به كان هذا كلاماً مستأنفاً مبتدأ، والضمير في قوله عائداً إلى جهنم. المسألة الثانية: في قوله: {برداً} وجهان الأول: أنه البرد المعروف، والمراد أنهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة، أو ظل يمنع من نار، ولا يجدون شراباً يسكن عطشهم، ويزيل الحرقة عن بواطنهم، والحاصل أنه لا يجدون هواء بارداً، ولا ماء بارداً والثاني: البرد ههنا النوم، وهو قول الأخفش والكسائي والفراء وقطرب والعتبي، قال الفراء: وإنما سمى النوم برداً لأنه يبرد صاحبه، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم، وأنشد أبو عبيدة والمبرد في بيان أن المراد النوم قول الشاعر: شعر : بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن رشفاتها البرد تفسير : يعني النوم، قال المبرد: ومن أمثال العرب: منع البرد البرد أي أصابني من البرد ما منعني من النوم، واعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب، والقائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين الأول: أنه لا يقال ذقت البرد ويقال ذقت النوم. الثاني: أنهم يذوقون برد الزمهرير، فلا يصح أن يقال إنهم ما ذاوا برداً، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به، ولكن كيف كان، فقد ذاقوا البرد والجواب عن الأول: كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضاً مجاز، ولأن المراد من قوله: {لا يذوقون فيها برداً} أي لا يستنشقونه فيها نفساً بارداً، ولا هواء بارداً، والهواء المستنشق ممره الفم والألف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه والجواب عن الثاني: أنه لم يقل لا يذوقون فيها البرد بل قال يذوقون فيها برداً واحداً، وهو البرد الذي ينتفعون به ويستريحون إليه. المسألة الثالثة: ذكروا في الحميم أنه الصفر المذاب وهو باطل بل الحميم الماء الحار المغلي جداً. المسألة الرابعة: ذكروا في الغساق وجوهاً. أحدها: قال أبو معاذ كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشيء الذي يتقذرونه خاشاك. وثانيها: أن الغساق هو الشيء البارد الذي لا يطاق، وهو الذي يسمى بالزمهرير. وثالثها: الغساق ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات المستقذرة، وفي كتاب الخليل غسقت عينه، تغسق غسقاً وغساقاً. ورابعها: الغساق هو المنتن، ودليله ما روي أنه عليه السلام قال: لو أن دلواً من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا. وخامسها: أن الغاسق هو المظلوم قال تعالى: {أية : ومن شر غاسق إذا وقب} تفسير : [الفلق: 3] فيكون الغساق شراباً أسود مكروهاً يستوحش كما يستوحش الشيء المظلم، إذا عرفت هذا فنقول إن فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير: لا يذوقون فيها برداً إلا غساقاً ولا شراباً إلا حميماً، إلا أنهما جمعاً لأجل انتظام الآى، ومثله من الشعر قول امرىء القيس: شعر : كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدي وكرها العناب والحشف البالي تفسير : والمعنى كأن قلوب الطير رطباً العناب ويابساً الحشف البالي. أما إن فسرنا الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستنثاء بالحمي والغساق راجعاً إلى البرد والشراب معاً، وأن يكون مختصاً بالشراب فقط. أما الاحتمال الأول: فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ في الحميم والصديد المنتن. وأما الاحتمال الثاني: فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن والله أعلم بمراده، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب؟ قلنا: إنه مائع فأمكن أن يشرب في الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم. المسألة الخامسة: قرأ حمزة والكسائي وعاصم من رواية حفص عنه غساقاً بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول نعت والثاني اسم. واعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه: {جَزَاء وِفَـٰقاً } وفي المعنى وجهان: الأول: أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنهم أتوا بمعصية شديدة فيكون العقاب {وِفَـٰقاً } للذنب، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] والثاني: أنه {وِفَـٰقاً } من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق، ولم ينقص عنه وذكر النحوين فيه وجوهاً: أحدها: أن يكون الوفاق والموافق واحداً في اللغة والتقدير جزاء موافقاً وثانيها: أن يكون نصباً على المصدر والتقدير جزاء وافق أعمالهم {وِفَـٰقاً } وثالثها: أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل وكرم لكونه كاملاً في ذلك المعنى، كذلك ههنا لما كان ذلك الجزاء كاملاً في كونه على وفق الاستحقاق وصف الجزاء بكونه {وِفَـٰقاً } ورابعها: أن يكون بحذف المضاف والتقدير جزاء ذا وفاق وقرأ أبو حيوة {وِفَـٰقاً } فعال من الوفق، فإن قيل كيف يكون هذا العذاب البالغ في الشدة الغير المتناهي بحسب المدة {وِفَـٰقاً } للإتيان بالكفر لحظة واحدة، وأيضاً فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعاً بخلق الله وإيجاده فكيف يكون هذا وفاقاً له؟ وأما على مذهب المعتزلة فكان علم الله بعدم إيمانهم حاصلاً ووجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام أحد المتنافيين كان التكليف بإدخال المنافي الثاني في الوجود ممتنعاً لذاته وعينه، ويكون تكليفاً بالجمع بين المتنافيين، فكيف يكون مثل هذا العذاب الشديد الدائم وفاقاً لمثل هذا الجرم؟ قلنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. واعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم شرح أنواع جرائمهم، وهي بعد ذلك نوعان:
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً } منيراً {وَهَّاجاً } وقاداً: يعني الشمس.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَهَّاجاً} مضيئاً "ع" أو متلألئاً أو من وهج الحرّ أو وقاداً جمع الضياء والحَمَى، والسراج هنا: الشمس.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعلنا} انشأنا وأبدعنا {سراجا} هو الشمس والتعبير عندها بالسراج من روادف التعبير عن خلق السموات بالبناء قال الراغب السراج الزاهر بفتيلة ودهن ويعبر به عن كل شئ مضيئ ويقال للسراج مصباح {وهاجا} وقادا متلألئا من وهجت النار اذا اضاءت او بالغا فى الحرارة من الوهج وهو الحر وهو ما قال بعض المفسرين سراجا وهاجا اى مضيئا جامعا بين النور والحرارة يعنى جراغى افروخته وتابان. يقال ان الشمس والقمر خلقا فى بدء امرهما من نور العرش ويرجعان فى القيامة الى نور العرش وذلك فيما روى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال الا احدثكم بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما قال قلنا بلى يرحمك الله فقال ان رسول الله عليه السلام سئل عن ذلك فقال ان الله تعالى لما ابرز خلقه احكاما ولم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسين من نور عرشه فاما ما كان فى سابق علمه ان يدعها شمسا فانه خلقها من مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وما كان فى سابق علمه ان يطمسها ويحولها قمرا فانه خلقها دون الشمس فى العظم ولكن انما يرى صغرهما لشدة ارتفاعهما فى السماء وبعدهما من الارض فلو ترك الله الشمس والقمر كما كان خلقهما فى بدء امرهما لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل ولا يدرى الاجير متى يعمل ومتى يأخذ اجره ولا يدرى الصائم متى يصوم ومتى يفطر ولا تدرى المرأة متى تعتد ولا يدرى المسلمون متى وقت صلاتهم ومتى وقت حجهم فكان الرب تعالى انظر لعباده وارحم بهم فأرسل جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فطمس منه الضوء وبقى فيه النور فذلك قوله تعالى {أية : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}تفسير : فالسود الذى ترونه فى القمر شبه الخطوط فيه فهو أثر المحو قال فاذا قامت القيامة وقضى الله بين الناس وميز بين اهل الجنة والنار ولم يدخلوهما بعد يدعو الرب تعالى بالشمس والقمر ويجاء بهما اسودين مكورين قد وقفا فى زلازل وبلابل ترعد فرآئصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن فاذا كانا حيال العرش خرا لله ساجدين فيقولان الهنا قد علمت طاعتنا لك وأدبنا فى عبادتك وشرعتنا للمضى فى امرك ايام الدنيا فلا تعذبنا بعبادة المشركين ايانا فقد علمت انا لم ندعهم الى عبادتنا ولم نذهل عن عبادتك فيقول الرب صدقتما انى قد قضيت على نفسى ان ابدئ واعيد وانى معيدكما الى ما ابدأتكما منه فارجعا الى ما خلقتكما منه فيقولان ربنا مم خلقتنا فيقول خلقتكما من نور عرشى فارجعا اليه قال فتلمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الابصار نورا فيختلطان بنور العرش فذلك قوله تعالى {أية : يبدئ ويعيد}تفسير : كذا فى كشف الاسرار وقال الشيخ رضى الله عنه فى الفتح المكى واما الكواكب كلها فهى فى جهنم مظلمة الاجرام عظيمة الخلق وكذلك الشمس والقمر والطلوع والغروب لهما فى جهنم دآئما انتهى. يقول الفقير لعل التوفيق بين هذا وبين الخبر السابق ان كلا من الشمس والقمس حامل لشيئين النورية والحرارة فما كان فيهما من قبيل النور فيتصل بالعرش من غير جرم لان الجرم لا يخلو من الغلظة والظلمة والكثافة وما كان من قبيل النار والحرارة فيتصل بالنار مع جرمهما فكل منهما يرجع الى اصله فان قلت كان الظاهر ان يتصل نورهما بنور النبى عليه السلام لانهما مخلوقان من نوره قلت ان العرش والكرسى خلقا من نوره وخلق القمران من نور العرش فهما فى الحقيقة مخلوقان من نور النبى عليه السلام ومتصل نورهما بنوره والكل نوره والحمد لله تعالى. شعر : شمسهء نه مسند وهفت اختران ختم رسل خواجهء بيغمبران
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلْنَا} اى خلقنا {سِرَاجاً وَهَّاجاً} لا يمكن وجودكم ولا بقاؤكم بدونه.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} أي خلقنا شيئا منيرا وقادا يتلألأ وهو الشمس، يقال وهجت النار أي أضأت وهو صفة مبالغة أو سراجا بالغا في الوهج وهو الحر والأول للكلبي والثاني للحسن قال بعضهم الوهج بجمع النور والحر وعن ابن كثير أن إطلاق السراج على الشمس مجاز وهو الصحيح.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلْنَا} خلقنا. {سِرَاجاً} شَمْسَاً كالمصباح. {وَهَّاجاً} مضيئاً يقال وهجت النار أضاءت أو وهاجاً حاراً، يقال وهجت النار بالغت فى الحرارة والشمس أحر من النار إِلا أنه لا يصلنا من حرها إِلا ما نشاهد منه ولا يصح جعل سراجاً مفعولاً أولاً ووهاجاً ثانياً لأَنه لا مسوغ للابتداء به والفعل الناسخ إِنما يدخل على النكرة إِذا كان لها مسوغ قبل دخوله اللهم إِلا أن يقال التعظيم بل هو متعد لواحد ووهاجاً نعتاً، وشهر أن الشمس فى السماء الرابعة، وعن عبد الله ابن عمرو بن العاص هى فى الرابعة إِلينا ظهرها ولهبها فوق ويخسفها عطارد فيما قيل والقمر إِذ هما تحتها، والقمر فى الأُولى يكسف زحلا فى السابعة والمشترى فى السادسة والمريخ فى الخامسة والشمس فى الرابعة وعطارد فى الثالثة والزهرة فى الثانية ويكسف سائر الثوابت الجارية فى ممر الدرارى هذه وقال بعض القدماء الزهرة وعطارد فوق الشمس، وقال لا يكسفانها واعترض بأَنهما لا يكسفانها ولو كانا تحتها لأَن شرط الكسف أن يكون الكاسف على سمت المكسوف وذكر بعض أنه وجدت الزهرة على قرص الشمس مرتين بينهما نيف وعشرون سنة.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلْنَا } أي أنشأنا وأبدعنا {سِرَاجاً وَهَّاجاً } مشرقاً متلألئاً من وهجت النار إذا أضاءت أو بالغاً في الحرارة من الوهج، والمراد به الشمس والتعبير عنها بالسراج من روادف التعبير عن خلق السمٰوات بالبناء. ونصب {سِرَاجاً} على المفعولية و{وَهَّاجاً} على الوصفية له. وجوز بعضهم أن يكونا مفعولين للجعل على أنه هنا مما يتعدى إليهما. وتعقب بأنه مخالف للظاهر للتنكير فيهما وإن قيل السراج الشمس وهي لانحصارها في فرد كالمعرفة. واختلف في موضع الجعل والمشهور أنه في السماء الرابعة ولم نر فيه أثراً سوى ما في «البحر» من عبد الله بن عمرو بن العاص قال الشمس في السماء الرابعة إلينا ظهرها ولهبها يضطرم علواً، والمذكور في كتب القوم أنهم جعلوا سبعة أفلاك للسيارات السبع على ترتيب خسف بعضها بعضاً أقصاها لزحل والذي تحته للمشتري ثم للمريخ والأدنى للقمر والذي فوقه لعطارد ثم للزهرة إذ وجدوا القمر يكسف الست من السيارات وكثيراً من الثوابت المحاذية لطريقته في ممر البروج وعلى هذا الترتيب وجدوا الأدنى يكسف الأعلى والثوابت تنكسف بالكل ويعلم الكاسف من المنكسف باختلاف اللون فأيهما ظهر لونه عند الكسف فهو كاسف وأيهما خفي لونه فهو منكسف وبقي الشك في أمر الشمس إذ لم يعرف انكساف شيء من الكواكب بها لاضمحلال نورها في ضيائها عند القرب منها ولا انكسافها بشيء من الكواكب غير القمر، فذهب بعض القدماء إلى أن فلكي الزهرة وعطارد فوق فلكها مستدلين عليه بأنهما لا يكسفانها كما يكسفها القمر وهو باطل إذ من شرط كسف السافل العالي أن يكونا معاً والبصر على خط واحد مستقيم وإلا لم يكسفه كما في أكثر اجتماعات القمر وإذا كان كذلك فمن المحتمل أن يكون مدارهما بين الشمس والإبصار ولأن جرميهما عندهم صغيران غير مظلمين كجرم القمر حتى يكسفاها ولأنه إذا كسف القمر من جرم الشمس ما مساحته مساوية لجرم أحد هذين الكوكبين أو أكثر لا يظهر المنكسف للابصار على ما نص عليه بطليموس في «الاقتصاص» وذهب بعض من تقادم عهدهم إلى أنهما تحت فلك الشمس وإن لم تكسف بهما استحساناً لما في ذلك من حسن الترتيب وجودة / النظام على ما بين في موضعه ومال إليه بطليموس. قال في «المجسطي» ونحن نرى ترتيب من تقادم عهده أقرب إلى الإقناع لأنه أشبه بالأمر الطبيعي لتوسط الشمس بين ما يبعد عنها كل البعد وبين ما لا يبعد عنها إلا يسيراً ثم قوى عزمه لما رأى بعد الشمس المعلوم من الأرض مناسباً لهذا الموضع لأنه لما وجد بين أبعد بعد القمر وأقرب قرب الشمس بعداً يمكن أن يوجد فيه فلكا الزهرة وعطارد وأبعادهما المختلفة قال في «الاقتصاص» مثل هذا الفضاء لا يحسن أن يترك عطلاً ولا يحسن أن يكون فيه المريخ فضلاً عن غيره فليكونا فيه وتأكد هذا عند بعض المتأخرين بأنه شوهدت الزهرة على قرص الشمس في وقتين بينهما نيف وعشرون سنة وكانت أول الحالين في ذروة التدوير وفي الثاني في أسفله ويبطل به ما ظن من كون عطارد والزهرة مع الشمس في كرة ومركز تدويرهما لاستحالة أن ترى الزهرة في الذروة على هذا الوجه وهذه أمور ضعيفة بعضها خطابـي إقناعي وبعضها مبين ما فيه في محله. وقد زعم بعض الناس أنه كما وجد في وجه القمر محو فكذا في وجه الشمس فوق مركزها بقليل نقطة سوداء وأهل الأرصاد اليوم على ما سمعنا من غير واحد جازمون بأن في قرصها سواداً وعلامات مختلفة ولهم في ذلك كلام مذكور في كتبهم وعليه ففي تشبيههما بالسراج من الحسن ما فيه. وعن بعضهم أن النور كخيمة عليها، ورأيت في بعض كتبهم أنه ينشق من حوالي جرمها والكلام في مقدار جرمها وبعدها عن الأرض عند كل من المتقدمين والمعاصرين من الفلاسفة مما لا حاجة لنا به في هذا المقام مع ما في ذلك من الاختلاف المفضي بيانه بما له وعليه إلى مزيد تطويل.
ابن عاشور
تفسير : ذِكرُ السماوات يناسبه ذكر أعظم ما يشاهده الناس في فضائها وذلك الشمس، ففي ذلك مع العبرة بخلقها عبرة في كونها على تلك الصفة ومنّة على الناس باستفادتهم من نورها فوائد جمة. والسراج: حقيقته المصباح الذي يستضاء به وهو إناء يجعل فيه زيت وفي الزيت خرقة مفتولة تسمى الذُّبَالة تُشْعل بنار فتضيء ما دام فيها بلل الزيت. والكلامُ على التشبيهِ البليغ والغرض من التشبيه تقريب صفة المشبّه إلى الأذهان كما تقدم في سورة نوح. وزيد ذلك التقريب بوصف السراج بالوهّاج، أي الشديد السَّنا. والوهاج: أصله الشديد الوَهج (بفتح الواو وفتح الهاء، ويقال: بفتح الواو وسكون الهاء) وهو الاتقاد يقَال: وَهَجَت النار إذا اضطرمت اضطراماً شديداً. ويطلق الوهاج على المتلألىء المضيء وهو المراد هنا لأن وصف وهاج أُجريَ على سراج، أي سراجاً شديد الإِضاءة، ولا يقال: سراج ملتهب. قال الراغب: الوَهجُ حصول الضوء والحرِّ من النار. وفي «الأساس» عَدَّ قولَهم: سراج وهاج في قسم الحقيقة. وعليه جرى قوله في «الكشاف»: «متلألئاً وقَّاداً. وتوهجت النار، إذ تلمظت فتوهجت بضوئها وحرّها» فإذن يكون التعبير عن الشمس بالسراج في هذه الآية هو مَوقع التشبيه. ولذلك أوثر فعل: {جعلنا} دون: خلقنا، لأن كونها سراجاً وهّاجاً حالة من أحوالها وإنما يعلق فعل الخلق بالذوات. فالمعنى: وجعلنا لكم سراجاً وهّاجاً أو وجعلنا في السبع الشداد سراجاً وهّاجاً على نحو قوله تعالى: { أية : ألم تروا كيف خلق اللَّه سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً } تفسير : [نوح: 15، 16] وقوله: { أية : تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً } تفسير : [الفرقان: 61] سواء قَدَّرْتَ ضمير {فيها} عائداً إلى {السماء} أو إلى (البروج) لأن البروج هي بروج السماء. وقوله: {سراجاً} اسم جنس فقد يراد به الواحد من ذلك الجنس فيحتمل أن يراد الشمس أو القمر.
د. أسعد حومد
تفسير : (13) - وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً مُنِيراً مُتَلأْلِئاً بَالِغاً الغَايَةَ فِي الضِّيَاءِ وَالحَرَارَةِ، لِتَنْتَفِعَ بِهَا الكَائِنَاتُ الحَيَّةُ التِي تَعِيشُ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} معناهُ مُتلألىءٌ. ويقال مُضيءٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 3455- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سِرَاجاً وَهَّاجاً}: [الآية: 13]، قال: الوهاج: المنير.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):