٧٨ - ٱلنَّبَأ
78 - An-Naba' (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً} أي وقتاً ومجمعاً وميعاداً للأوّلين والآخرين؛ لما وعد الله من الجزاء والثواب. وسمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه. قوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} أي للبعث {فَتَأْتُونَ} أي إلى موضع العَرْض، {أَفْوَاجاً} أي أمما، كل أمّة مع إمامهم. وقيل: زمراً وجماعات. الواحد: فوج. ونصب يوماً بدلاً من اليوم الأوّل. وروي من حديث معاذ بن جبل قلت: « حديث : يا رسول الله! أرأيت قوله تعالى{يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ بنَ جَبَل لقد سألت عن أمر عظيم» ثم أرسل عينيه باكياً، ثم قال: «يُحشَر عشرة أصناف من أمتي أشتاتاً قد ميزهم الله تعالى من جماعات المسلمين، وبدل صُوَرهم، فمنهم على صورة القِرَدة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم مُنكَّسون: أرجلهم أعلاهم، ووجوهُهم يُسْحَبون عليها، وبعضهم عُمْي يتردّدون، وبعضهم صُمٌّ بُكْمٌ لا يعقلون، وبعضهم يَمضُغون ألسنتهم، فهي مُدلاَّة على صدورهم، يسيل القَيح من أفواههم لعاباً، يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من النار، وبعضهم أشدّ نَتْناً من الجِيف، وبعضهم ملبسون جلابيب سابغة من القَطران لاصقة بجلودهم؛ فأما الذين على صورة القردة فالقَتَّات من الناس ـ يعني النمام ـ وأَما الذين على صورة الخنازير، فأهل السُّحْت والحرام والمَكْس. وأما المنكَّسون رؤوسهم ووجوههم، فأَكَلة الربا، والعُمْي: من يجور في الحكم، والصم البكم: الذين يعجبون بأعمالهم. والذين يمضغون ألسنتهم: فالعلماء والقُصّاص الذين يخالف قولهم فعلهم. والمقطعة أيديهم وأرجلهم: فالذين يؤذون الجيران. والمصلَّبون على جذوع النار: فالسعاة بالناس إلى السلطان والذين هم أشد نَتْناً من الجِيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات، ويمنعون حق الله من أموالهم. والذين يلْبَسون الجلابيب: فأهل الكِبْر والفخر والخَيَلاء ». تفسير : قوله تعالى: {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} أي لنزول الملائكة؛ كما قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً}. وقيل: تقطعت، فكانت قِطعاً كالأبواب فٱنتصاب الأبواب على هذا التأويل بحذف الكاف. وقيل: التقدير فكانت ذات أبواب؛ لأنها تصير كلها أبواباً. وقيل: أبوابها طُرُقها. وقيل: تنحلّ وتتناثر، حتى تصير فيها أبواب. وقيل: إن لكل عبد بابين في السماء: باباً لعمله، وباباً لرزقه، فإذا قامت القيامة ٱنفتحت الأبواب. وفي حديث الإسراء: « حديث : ثُمّ عرج بنا إلى السماء فٱستَفْتح جبريل، فقيل: من أنت قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وَقَد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتح لنا » تفسير : . {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} أي لا شيء كما أنَّ السراب كذلك: يظنه الرائي ماء وليس بماء. وقيل: «سُيِّرت» نسِفت من أصولها. وقيل: أُزيلت عن مواضعها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن يوم الفصل، وهو يوم القيامة: أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله عز وجل؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لاَِجَلٍ مَّعْدُودٍ} تفسير : [هود: 104] { يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} قال مجاهد: زمراً زمراً، قال ابن جرير: يعني: تأتي كل أمة مع رسولها، وكقوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ} تفسير : [الإسراء: 71] وقال البخاري: { يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما بين النفختين أربعون» تفسير : قالوا: أربعون يوماً؟ قال: «حديث : أبيت»تفسير : قالوا: أربعون شهراً؟ قال: «حديث : أبيت» تفسير : قالوا: أربعون سنة؟ قال: «حديث : أبيت» تفسير : قال: «حديث : ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.»تفسير : { وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَٰباً} أي: طرقاً ومسالك لنزول الملائكة { وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} كقوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل: 88] وكقوله تعالى: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} تفسير : [القارعة: 5] وقال هٰهنا: {فَكَانَتْ سَرَاباً} أي: يخيل إلى الناظر أنها شيء، وليست بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، كما قال تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً } تفسير : [طه: 105 ــــ 107]، وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} تفسير : [الكهف: 47] وقوله تعالى: { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} أي: مرصدة معدة {لِلطَّـٰغِينَ} وهم المردة العصاة المخالفون للرسل {مَـئَاباً} أي: مرجعاً ومنقلباً، ومصيراً ونزلاً. وقال الحسن وقتادة في قوله تعالى: { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} يعني: أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا، وإلا احتبس، وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر. وقوله تعالى: { لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} أي: ماكثين فيها أحقاباً، وهي جمع حقب، وهو المدة من الزمان، وقد اختلفوا في مقداره، فقال ابن جرير: عن ابن حميد عن مهران عن سفيان الثوري عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي ابن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة، وهكذا روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وابن عباس وسعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك، وعن الحسن والسدي أيضاً: سبعون سنة كذلك، وعن عبد الله بن عمرو: الحقب: أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون،رواهما ابن أبي حاتم. وقال بشير بن كعب: ذكر لي أن الحقب الواحد ثلاثمئة سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل سنة ثلاثمئة وستون يوماً، كل يوم منها كألف سنة، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ثم قال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمرو بن علي بن أبي بكر الأسفذني، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} قال: فالحقب شهر، الشهر ثلاثون يوماً، والسنة اثنا عشر شهراً، والسنة ثلاثمئة وستون يوماً، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة، وهذا حديث منكر جداً، والقاسم هو والراوي عنه، وهو جعفر بن الزبير، كلاهما متروك. وقال البزار: حدثنا محمد بن مرداس، حدثنا سليمان بن مسلم أبو العلاء قال: سألت سليمان التيمي: هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقاباً» تفسير : قال: والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمئة وستون يوماً مما تعدون، ثم قال: سليمان بن مسلم بصري مشهور، وقال السدي: { لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً}: سبعمئة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمئة وستون يوماً، كل يوم كألف سنة مما تعدون، وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}. وقال خالد بن معدان: هذه الآية وقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} تفسير : [هود: 107] في أهل التوحيد، رواهما ابن جرير، ثم قال: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: { لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} متعلقاً بقوله تعالى: { لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً} ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذاباً من شكل آخر، ونوع آخر. ثم قال: والصحيح أنها لا انقضاء لها؛ كما قال قتادة والربيع بن أنس، وقد قال قبل ذلك: حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن زهير عن سالم: سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى: { لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} قال: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، وقال سعيد عن قتادة: قال الله تعالى: { لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} وهو ما لا انقطاع له، وكلما مضى حقب، جاء حقب بعده. وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة. وقال الربيع بن أنس: { لَّـٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله عز وجل، وذكر لنا أن الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمئة وستون يوماً، وكل يوم كألف سنة مما تعدون، رواهما أيضاً ابن جرير. وقوله تعالى: { لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً} أي: لا يجدون في جهنم برداً لقلوبهم، ولا شراباً طيباً يتغذون به، ولهذا قال تعالى: { إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً} قال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم، ومن الشراب الغساق، وكذا قال الربيع بن أنس، فأما الحميم، فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموّه، والغساق هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه، وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة ص بما أغنى عن إعادته ــــ أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه ــــ قال ابن جرير: وقيل: المراد بقوله: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً} يعني: النوم؛ كما قال الكندي:شعر : بَرَدَتْ مَراشِفُها عَلَيَّ فصدَّني عنْها وعن قُبُلاتِها البَرْدُ تفسير : يعني بالبرد: النعاس والنوم. هكذا ذكره، ولم يعزه إلى أحد. وقد رواه ابن أبي حاتم من طريق السدي عن مرة الطيب، ونقله عن مجاهد أيضاً. وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضاً. وقوله تعالى: {جَزَآءً وِفَـٰقاً} أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا، قاله مجاهد وقتادة وغير واحد. ثم قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً} أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثَمَّ داراً يجازون فيها ويحاسبون {وَكَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا كِذَّاباً} أي: وكانوا يكذبون بحجج الله، ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله صلى الله عليه وسلم، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة. وقوله: {كِذَّاباً} أي: تكذيباً، وهو مصدر من غير الفعل، قالوا: وقد سمع أعرابي يستفتي الفراء على المروة: الحلق أحب إليك أو القِصّار؟ وأنشد بعضهم:شعر : لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطْتني عَنْ صحابَتي وَعَنْ حوجٍ قِضّاؤُها مِنْ شِفائِيا تفسير : وقوله تعالى: {وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ كِتَـٰباً} أي: وقد علمنا أعمال العباد كلهم، وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وقوله تعالى: { فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} أي: يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه، فلن نزيدكم إلا عذاباً من جنسه، وآخر من شكله أزواج، قال قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية: { فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} قال: فهم في مزيد من العذاب أبداً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا جسر بن فرقد عن الحسن قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: { فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} قال: «حديث : أهلك القوم بمعاصيهم الله عز وجل» تفسير : جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ } بين الخلائق {كَانَ مِيقَٰتاً } وقتاً للثواب والعقاب.
الماوردي
تفسير : {إنّ يومَ الفصلِ} يعني يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يفصل فيه الحكم بين الأولين والآخرين والمثابين والمعاقبين. {كانَ مِيقاتاً} فيه وجهان: أحدهما: ميعاداً للإجتماع. والثاني: وقتاً للثواب والعقاب. {وسُيِّرتِ الجبالُ فكانتْ سَراباً} فيه وجهان: أحدهما: سُيّرت أي أزيلت عن مواضعها. الثاني: نسفت من أصولها. " فكانت سراباً" فيه وجهان: أحدهما: فكانت هباءً. الثاني: كالسراب لا يحصل منه شيء كالذي يرى السراب يظنه ماء وليس بماء. {إنّ جهنّمَ كانت مِرْصاداً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني أنها راصدة فجازتهم بأعمالهم، قاله أبو سنان. الثاني: أن على النار رصداً، لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجىء بجواز لم يجز، قاله الحسن. الثالث: أن المرصاد وعيد أوعد الله به الكفار، قاله قتادة. {للطّاغينَ مَآباً} فيه قولان: أحدهما: مرجعاً ومنقلباً، قاله السدي. الثاني: مأولى ومنزلاً، قاله قتادة. والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر أو في دنياه بالظلم. {لابِثينَ فيها أَحْقاباً} يعني كلما مضى حقب جاء حقب وكذلك إلى الأبد واختلفوا في مدة الحقب على سبعة أقاويل: أحدها: ثمانون سنة، قاله أبو هريرة. الثاني: أربعون سنة، قاله ابن عمر. الثالث: سبعون سنة، قاله السدي. الرابع: أنه ألف شهر، رواه أبو أمامة مرفوعاً. الخامس: ثلاثمائة سنة، قاله بشير بن كعب. السادس: سبعون ألف سنة، قاله الحسن. السابع: أنه دهر طويل غير محدود، قاله قطرب. وفي تعليق لبثهم بالأحقاب قولان: أحدهما: أنه على وجه التكثير، كلما مضت أحقاب جاءَت بعدها أحقاب، وليس ذلك بحد لخلودهم في النار. الثاني: أن ذلك حد لعذابهم بالحميم والغسّاق، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب. {لا يَذُوقونَ فيها بَرداً ولا شَراباً} في البرد ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه برد الماء، وبرد الهواء، وهو قول كثير من المفسرين. الثاني: أنه الراحة، قاله قتادة. الثالث: أنه النوم، قاله مجاهد والسدي وأبو عبيدة. وأنشد قول الكندي: شعر : بَرَدَتْ مَراشِفُها علىَّ فَصَدَّني عنها وعن تَقْبيلِها البَرْدُ تفسير : يعني النوم. والشراب ها هنا: العذاب. ويحتمل أن يريد بالشراب الري، لأن الشراب يروي وهم فيها عطاش أبداً. {إلاّ حَميماً وغَسّاقاً} أما الحميم ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الحارّ الذي يحرق، قاله ابن عباس. الثاني: دموع أعينهم في النار تجتمع في حياض في النار فيُسقونْه، قاله ابن زيد. الثالث: أنه نوع من الشراب لأهل النار، قاله السدي. وأما الغسّاق ففيه أربعة أقاويل: أحدهاك أنه القيح الغليظ، قاله ابن عمر. الثاني: أنه الزمهرير البارد الذي يحرق من برده، قاله ابن عباس. الثالث: أنه صديد أهل النار، قاله قتادة. الرابع: أنه المنتن باللغة الطحاوية، قاله ابن زيد. {جزاءً وِفاقاً} وهو جمع وفق، قال أهل التأويل: وافق سوءُ الجزاء سوءَ العمل. {إنهم كانوا لا يَرْجُونَ حِساباً} فيه وجهان: أحدهما: لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، قاله ابن عباس. الثاني: لا يخافون وعيد الله بحسابهم ومجازاتهم، وهذا معنى قول قتادة. {وكذّبوا بآياتِنا كِذّاباً} يعني بآيات القرآن، وفي " كِذّاباً" وجهان: أحدهما: أنه الكذب الكثير. الثاني: تكذيب بعضهم لبعض، ومنه قول الشاعر: شعر : فَصَدَقْتُهــا وَكَذَبْتُهــا والمرءُ يَنْفعُــهُ كِذابُـــهْ تفسير : وهي لغة يمانية.
ابن عطية
تفسير : {يوم الفصل} هو يوم القيامة، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين، وبين الحق والباطل، و " الميقات " مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد، وقوله: {يوم ينفخ} بدل من اليوم الأول، و {الصور} : القرن الذي ينفخ فيه لبعث الناس. هذا قول الجمهور، ويحتمل هذا الموضع أن يكون {الصور} فيه جمع صورة أي يوم يرد الله فيه الأرواح إلى الأبدان، هذا قول بعضهم في {الصور} وجوزه أبو حاتم، والأول أشهر وبه تظاهرت الآثار، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله {أية : ثم نفخ فيه أخرى} تفسير : [الزمر:68] وقرأ أبو عياض "في الصوَر" بفتح الواو، و "الأفواج" الجماعات يتلو بعضها بعضاً، واحدها فوج، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة والحسن: "وفتّحت"، بشد التاء على المبالغة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: " وفتَحت" دون شد، وقوله تعالى: {فكانت أبواباً} قيل معناه: تتفطر وتتشقق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدارات، وقال آخرون فيما حكى مكي بن أبي طالب: الأبواب هنا فلق الخشب التي تجعل أبواباً لفتوح الجدارات أي تتقطع السماء قطعاً صغاراً حتى تكون كألواح الأبواب. والقول الأول أحسن، وقال بعض أهل العلم: تتفتح في السماء أبواب الملائكة من حيث يصعدون وينزلون. وقوله تعالى: {فكانت سراباً} عبارة عن تلاشيها وفنائها بعد كونها هباء منبثاً، ولم يرد أن الجبال تعود تشبه الماء على بعد من الناظر إليها، و {مرصاداً} : موضع الرصد، ومنه قوله تعالى: {أية : إن ربك لبالمرصاد} تفسير : [الفجر:14]، وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: " لا يدخل أحد الجنة حتى يجوز على جهنم، فمن كانت عنده أسباب نجاة نجا وإلا هلك". وقال قتادة: تعلمن أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وفي الحديث الصحيح: "حديث : إن الصراط جسر ينصب على متن جهنم ثم يجوز عليه الناس فناج ومكردس" تفسير : ،وقال بعض المتأولين: {مرصاداً} مفعال بمعنى راصد، وقرأ أبو معمر المنقري: " أن جهنم " بفتح الألف والجمهور: على كسرها، و "الطاغون": الكافرون، و " المآب " المرجع، و " الأحقاب": جمع حقب بفتح القاف، وحِقب: بكسر الحاء، وحقُب: بضم القاف، وهو جمع حقبة ومنه قول متمم: [الطويل] شعر : وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن تصدعا تفسير : وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة، ويقال للسنة أيضاً حقبة، وقال بشر بن كعب: حدها على ما ورد في الكتب المنزلة ثلاثمائة سنة، وقال هلال الهجري: ثمانون سنة قالا في كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم من ألف سنة، وقال ابن عباس وابن عمر: الحقب ستون ألف سنة، وقال الحسن: الحقب سبعون ألف سنة, وقيل خمسون ألف سنة, وقال ابو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ثلاثون ألف سنة وكثر الناس في هذا اللازم أن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يلبثون {أحقاباً} كلما مر حقب جاء غيره إلى ما لا نهاية، قال الحسن: ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ومن الناس من ظن لذكر الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن حيان: الحقب سبعة عشر ألف سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى: {أية : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً} تفسير : [النبأ: 30]، وقد ذكرنا فساد هذا القول، وقال آخرون الموصوفون باللبث {أحقاباً} عصاة المؤمنين، وهذا أيضاً ضعيف ما بعده في السورة يدل عليه، وقال آخرون: إنما المعنى: {لابثين فيها أحقاباً} غير ذائقين برداً ولا شراباً، فهذه الحال يلبثون أحقاباً ثم يبقى العذاب سرمداً وهم يشربون أشربة جهنم، وقرأ الجمهور " لابثين " وقرأ حمزة وحده وابن مسعود وعلقمة وابن وثاب وعمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وابن جبير" لبثن " جمع لبث، وهي قراءة معترضة لأن فعلاً إنما يكون فيما صار خلقاً كحذر وفرق، وقد جاء شاذاً فيما ليس بخلق وأنشد الطبري وغيره في ذلك بيت لبيد: [الكامل] شعر : أو مسحل عمل عضادة سمحج بسراته ندب له وكلوم تفسير : قال المعترض في القراءة: لا حجة في هذا البيت لأن عملاً قد صار كالخلق الذي واظب على العمل به حتى أنه ليسمى به في وقت لا يعمل فيه كما تقول كاتب لمن كانت له صناعة وإن لم يكتب أكثر أحيانه، قال المحتج لها: شبه لبث بدوامه بالخلق لما صار اللبث من شأنه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْفَصْلِ} بين الأولين والآخرين {مِيقَاتاً} للثواب والعقاب أو ميعاداً للجمع.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}. أي: وقتاً ومجمعاً وميعاداً للأولين والآخرين؛ لما وعد اللهُ الجزاء والثواب، وسمِّي يوم الفصل؛ لأنَّ الله - تعالى - يفصل فيه بين خلقِه. قوله: {يَوْمَ يُنفَخُ}. يجوز أن يكون بدلاً من "يَوْمِ الفَصْلِ"، أو عطف بيان له، أو منصوباً بإضمار "أعني". و "أفواجاً" حال من فاعل "تَأتُونَ". وقرأ أبو عياض: "في الصُّوَرِ" بفتح الواو وتقدم مثله. فصل في النفخة الآخرة هذا النفخ هو النفخة الأخيرة التي عندها يكون الحشر، وهذا هو النفخ للأرواح. وقيل: هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه للبعث. "فتأتون" أي: إلى موضع العرض. "أفواجاً" أي: أمَماً كُل أمَّةٍ مع إمامهم. روى معاذُ بن جبل - رضي الله عنه - حديث : قلت: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا مُعَاذُ، لَقَدْ سَألْتَنِي عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ"، ثم أرسل عينيه باكياً - ثم قال عليه الصلاة والسلام: "يُحْشَرُ عَشَرَةُ أصْنَافٍ مِنْ أمَّتِي أشْتَاتاً قَدْ مَيَّزهمُ اللهُ - تَعَالَى - مِنْ جَمَاعَاتِ المُسْلِمِيْنَ وبَدَّلَ صُورَهُمْ، فَمِنْهُمْ على صُورةِ القِرَدَةِ، وبَعْضهُمْ عَلى صُورَةِ الخَنَازِيرِ، وَبَعْضُهُمْ مُنَكَّسِيْنَ أرْجُلهُمْ أعلاهُمْ وَوُجُوهُم يُسْحَبُونَ عليْهَا، وبَعضُهمْ عُمْياً، وبَعْضهُم صُمًّا، وبَعْضُهُمْ يَمْضُغُونَ ألْسنَتَهُمْ فَهِيَ مُدَلاَّة على صُدورِهِمْ، يَسِيلُ القَيْحُ مِنْ أفْواهِهِم، يَتقذَّرهمُ الجَمْعُ، وبَعَْضهُمْ مُقطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجٌُلهمْ مُصلَّبين على جذُوع مِنْ نَارٍ، وبَعضُهم أشَدُّ نَتْناً مِنَ الجِيفِ، وبَعْضُهمْ مُلْبَسِينَ جَلابِيبَ لاصقةً بِجُلوْدهِمْ، فأمَّا الذينَ على صُورةِ القِردَةِ: فالقَتَّاتُ مِنَ النَّاسِ - يَعْنِي: النَّمَّامَ - وأمَّا الَّذينَ عَلى صُورةِ الخَنَازِيرِ فأهْلُ السُّحْتِ والحَرامِ والمَكْسِ، وأمَّا المُنكِسُونَ رُءوسَهُمْ وَوُجوهمْ فأكلَةُ الرِّبَا، وأمَّا العُمْيُ: فالَّذيْنَ يَجُورُونَ في الحُكْمِ، وأمَّا الصُمُّ البُكْمُ: فالمُعْجَبُونَ بأعْمالِهمْ، وأمَّا الَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهُمْ، فالعُلمَاءُ الَّذينَ يُخَالفُ قَوْلهُم فِعلهُمْ، وأمَّا الَّذينَ قُطِعَتْ أيْديهِمْ وأرْجُلهُمْ فالَّذينَ يُؤذُونَ الجِيرانَ، وأمَّا المُصَلَّبُونَ فِي جُذوْعِ النَّارِ، فالسَّعاة بالنَّاسِ إلى السُّلطانِ، وأمَّا الَّذينَ أشَدُّ نَتْناً مِنَ الجِيَفِ، فالَّذينَ يَتَّبعُنَ الشَّهواتِ واللَّذَّاتِ، ويَمْنعُونَ حَقَّ اللهِ فِي أمْوالِهمْ، وأمَّا الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الجَلابِيْبَ فأهْلُ الكِبْرِ والفَخْرِ والخُيَلاء ". تفسير : قوله تعالى: {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً}. قرأ أبو عامر وحمزة والكسائي: "فُتِحَتْ" خفيفة، والباقون بالتثقيل. والمعنى: كُسرتْ أبوابها المفتَّحةُ لنزول الملائكة كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} تفسير : [الفرقان: 25]. وقيل: تقطَّعت، فكانت قطعاً كالأبواب، فانتصاب الأبواب على هذا بحذف الكاف. وقيل: التقدير: كانت ذات أبواب؛ لأنها تصير كلها أبواباً. وقيل: أبوابها: طرقها. وقيل: إنَّ لكل عبد باباً في السماء لعمله، وباباً لرزقه، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب. قال القاضي: هذا الفتح هو معنى قوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1]، {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 1] إذ الفتح والتشقق تتقارب. قال ابنُ الخطيب: وهذا ليس بقوي؛ لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التَّشقُّق والتفطُّر، فربما تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق ولا تفطر، بل الدلائل الصحيحة دلت على أن حصول فتح هذه الأبواب بحصول التفطُّر والتشقُّق بالكلِّية. فإن قيل: قوله تعالى: {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} يفيد أنَّ السَّماء بكليتها تصير أبواباً بفعل ذلك. فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ تلك الأبواب لمَّا كثرت جدًّا صارت كأنَّها ليست إلا أبواباً؛ كقوله تعالى: {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} تفسير : [القمر: 12] أي: صارت كلها عيوناً تتفجَّر. وثانيها: قال الواحديُّ: هذا من باب حذف المضاف، أي: فكانت ذات أبواب. وثالثها: أنَّ الضمير في قوله تعالى: {فَكَانَتْ أَبْوَاباً} يعود إلى السماء، والتقدير: فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً لنزول الملائكة. قوله تعالى: {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً}. أي: لا شيء كما أن السراب كذلك يظنه الرائي ماء وليس بماء. وقيل: نُسفَتْ من أصُولِهَا. وقيل: أزيلتْ عن مواضعها. قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - ذكر أحوال الجبال بوجوهٍ مختلفةٍ، ويمكن الجمع بينها بوجوه، بأن تقول: أول أحوالها: الاندِكَاكُ، وهو قول تعالى: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 14]. والحالة الثانية: أن تصير كالعهنِ المنفوش، وهو قوله تعالى: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} تفسير : [القارعة: 5]. والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء، وهو قوله تعالى: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 5، 6]. والحالة الرابعة: أن تنسف؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة تارة في مواضعها في الأرض، فترسل الرياح، فتنسفها عن وجه الأرض، فتطيِّرها في الهواء كأنها مارة، فمن نظر إليها يحسبها لتكاثفها أجساداً جامدة، وهي في الحقيقة مارة، إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها مندكة منتسفة. والحالة الخامسة: أن تصير سراباً، أي: لأي شيء كما رؤي السراب من بعد.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر ما دل على غاية القدرة ونهاية الحكمة فدل قطعاً على الوحدانية لأنه لو كان التعدد لم تكن الحكمة ولم تتم القدرة، فأثمر المحبة لمن اتصف بذلك، فأنتج للطائع الشوق إلى لقائه والترامي إلى مطالعة كمال نعمائه، وللعاصي ما هو حقيق به من الخوف من لقائه ليرده ذلك عن إعراضه وإبائه، أتبع ما أعلم أنه ما ذكره إلا للدلالة على النبأ العظيم في لقاء العزيز الرحيم، فقال منتجاً عما مضى من الوعيد وما دل على تمام القدرة مؤكداً لأجل إنكارهم: {إن يوم الفصل} أي الذي هو النبأ العظيم، وتقدم الإنذار به في المرسلات وما خلق الخلق إلا لجمعهم فيه وإظهار صفات الكمال ليفصل فيه بين كل ملبس فصلاً لا شبهة فيه ويؤخذ للمظلوم من الظالم {كان} أي في علم الله وحكمته كوناً لا بد منه جعل فيه كالجبلة في ذوي الأرواح {ميقاتاً *} أي حداً يوقت به الدنيا وتنتهي عنده مع ما فيها من الخلائق. ولما ذكره، ذكر ما فيه تعظيماً له وحثاً على الطاعة فقال مبدلاً منه أو مبيناً له: {يوم} ولما كان الهائل المفزع النفخ، لا كونه من معين، بنى للمفعول قوله {ينفخ} أي من نافخ أذن الله له {في الصور} وهو قرن من نور على ما قيل سعته أعظم ما بين السماء والأرض وهي نفخة البعث وهي الثانية من النفخاات الأرض كما مر في آخر الزمر، ولذلك قال: {فتأتون} أي بعد القيام من القبور إلى الموقف أحياء كما كنتم أول مرة لا تفقدون من أعضائكم وجلودكم وأشعاركم وأظفاركم وألوانكم الأصلية شيئاً يجمعكم من الأرض بعد أن تمزقتم فيها، واختلط تراب من بلي منكم بترابها وتراب بعضكم ببعض، وتمييز ذلك وجمعه وتركيبه كما كان وإعادة الروح فيه يسير عليه سبحانه وتعالى كما فعل ذلك كله من نطفة بعد أن فعله في آدم عليه السلام من تراب لا أصل له في الحياة، حال كونكم {أفواجاً *} أي أمماً وزمراً وجماعات مشاة مسرعين كل أمة بإمامها، روى الثعلبي وابن مردويه عن البراء رضي الله عنهم - وقال شيخنا ابن حجر في ترجمة محمد بن زهير في لسان الميزان: إنه ظاهر الوضع - أن معاذاً رضي الله عنه سأل عن هذه الأفواج فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن أمتي تحشر على عشرة أصناف: على صور القردة، وعلى صور الخنازير، وبعض منكسون يسحبون على وجوههم، وبعض عمي وبعض صم بكم، وبعض يمضغون ألسنتهم، فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعض منقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعض مصلوبون على جذوع من نار، وبعض أشد نتناً من الجيف، وبعض ملبسون جباباً سابغة من قطرن لازقة بجلودهم، فسرهم بالقتات وآكلي السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين بأعمالهم والعلماء الذين يخالف قولهم فعلهم والمؤذين للجيران والساعين بالناس للسلطان، والتابعين للشهوات المانعين حق الله تعالى والمتكبرين خيلاء ". تفسير : ولما ذكر الآية في أنفسهم ذكر بعض آيات الآفاق، وبدأ بالعلوي لأنه أشرف فقال بانياً للمفعول لأن المفزع مطلق التفتيح، ولأن ذلك أدل على قدرة الفاعل وهوان الأمور عليه: {وفتحت السماء} أي شقق هذا الجنس تشقيقاً كبيراً، وقرأ الكوفيون بالتخفيف لأن التكثير يدل عليه ما سبب عن الفتح من قوله: {فكانت} أي كلها كينونة كأنها جبلة لها {أبواباً} أي كثيرة جداً لكثرة الشقوق الكبيرة بحيث صارت كأنها لا حقيقة لها إلا الأبواب. ولما ذكر السقف، ذكر أقرب الأرض إليه وأشدها، فقال على طريقة كلام القادرين أيضاً: {وسيرت} أي حملت بأيسر أمر على السير {الجبال} على ما تعلمون من صلابتها وصعوبتها في الهواء كأنها الهباء المنثور، وعلى ذلك دل قوله: {فكانت} أي كينونة راسخة {سراباً *} أي لا نرى فيها إلا خيالاً يتراءى وهي سائرة تمر مر السحاب ثم تخفى لتناثر أجزائها كالهباء - يا لها من عظمة تجب لها القلوب وتتعاظم الكروب. ولما بين أن يوم الفصل هو النبأ العظيم بعد أن دل عليه وذكر ما فيه من المسير، ذكر ما إليه من الدارين المصير، فقال بعد التذكير بما في الجبال من العذاب بحزونتها وما فيها من السباع والحشرات والأشجار الشائكة والقواطع المتشابكة وغير ذلك من عجائب التقدير مؤكداً لتكذيبهم: {إن جهنم} أي النار التي تلقى أصحابها متجهمة لهم بغاية ما يكرهون {كانت} أي جبلة وخلقاً {مرصاداً *} أي موضع رصد لأعداء الله ترصدهم فيها خزنة النار، فإذا رأوهم كردسوهم فيها، ولأولياء الله ترصدهم فيها خزنة الجنة لإنجائهم من النار عند ورودها أو هي راصدة بليغة الرصد للكفار حتى صارت مجسدة من الرصد لتجمع أصحابها فلا يفوت منهم واحد كالمطعان لكثير الطعن، والمكثار للمبالغ في الإكثار، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن على جسر جهنم سبعة مجالس يسأل عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاماً جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج، فإن جاء به تاماً جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فينسأل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا قيل: انظروا فإن كان له تطوع تكمل به أعماله. فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة. ولما كان درء المفاسد أولى من جلب المصالح، قدم ذكر المخوف فقال: {للطاغين} أي المجاوزين لحدود الله {مآباً *} أي مرجعاً ومأوى بعد أن كان الله ذرأهم لها فكأنهم كانوا فيها ثم هيأهم للخروج منها والبعد عنها بفطرهم الأولى، ثم بما أنزل الله من الكتب وأرسل من الرسل فكأنه بذلك أخرجهم منها، ثم رجعوا إليها بما أحدثوا من التكذيب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان يوم الفصل} اى فصل الله بين الخلائق وبين السعدآء والاشقياء باعتبار تفاوت الهيئات والصور والاخلاف والاعمال وتناسبها {كان} فى علمه وتقديره الازلى والا فثبوت الميقاتية ليوم الفصل غير مقيد بالزمان الماضى لانه امر مقرر قبل حدوث الزمان ايضا {ميقاتا} وميعادا لبعث الاولين والآخرين وما يترتب عليه من الجزآء ثوابا وعقابا لا يكاد يتخطاه بالتقدم والتأخر فالميقات وهو الوقت الموقت اى المعين اخص من مطلق الوقت فهو هنا زمان مقيد بكونه وقت ظهور ما وعد الله من البعث والجزآء.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ يومَ الفَصْلِ} بين الخلائق، فيتميز المحسن من المسيء، والمحقّ من المبطل، {كان} في علم الله تعالى وتقديره {ميقاتاً}؛ وقتاً محدوداً, ومُنتهى معلوماً لوقوع الجزاء, أو: ميعاداً لجمع الأولين والآخرين، وما يترتب عليه من الجزاء ثواباً وعقاباً، لا يكاد يتخطاه بالتقدُّم ولا بالتأخُّر، وهو {يوم ينفخ في الصور} نفخة ثانية، فـ"يوم" بدل من "يوم الفصل"، أو عطف بيان له، مفيد لزيادة تخفيمه وتهويله في تأخير الفصل، فإنه زمان ممتد، في مبدئه النفحة، وفي بقيته الفصل وآثاره. والصُور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لمّا خلق الله السموات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضع له على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، حتى يؤمر بالنفخ فيه، فيؤمر به، فينفخ نفخةً لا يبقى عندها في الحياة غير ما شاء الله، وذلك قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّماواتِ...} [الزمر:68] الآية، ثم يؤمر بأخرى، فينفخ نفخه لا يبقى معها ميت إلاَّ بُعث وقام، وذلك قوله تعالى: {ثُمََّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر:68]. تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فتأتون} فصيحة تفصح عن جملة حُذفت ثقةً بدلالة الحال عليها، وإيذاناً بغاية سرعة الإتيان، كما في قوله تعالى: {أية : أّنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَـٱنفَلَقَ}تفسير : [الشعراء:63] أي: فتبعثون من قبوركم فـتأتون عقب ذلك من غير لبث {أفواجاً}؛ جماعات مختلفة الأحوال، متباينة، الأوضاع، حسب اختلاف أعمالكم وتباينها، مِن راكب، وطائر، وماش خفيف وثقيل، ومكب على وجهه, وغير ذلك من الأحوال العظيمة، أو: أمماً، كل أمة مع رسولها، كما في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناَسِ بِإِمَامِهْم } تفسير : [الكهف:47]. {وفُتِحت السماءُ} أي: تشققت لنزول الملائكة، وصيغة الماضي لتحقُّق وقوعه، {فكانت أبواباً}؛ فصارت ذات أبواب وطرق وفروج, وما لها اليومَ من فُروج. {وسُيْرت الجبالُ} في الجو على هيئتها بعد قلعها من مقارها، {فكانت سَرَاباً}؛ هباءً، تخيل الشمس أنها سراب، وهَل هذا التسيير قبل البعث, فلا يقع إلاَّ على أرض قاع صفصف، وهو ما تقتضيه ظواهر الآيات، كقوله: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ } تفسير : [الكهف:47] وقوله: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} تفسير : [الحاقة:14، 15] والفاء تقتضي الترتيب، أو لا يقع إلاّ بعد البعث، وهو ظاهر الآية هنا وسورة القارعة. وهو الذي اقتصر عليه أبو السعود، قال: يُبدل اللهُ الأرض, ويُغيّر هيئاتها، ويُسَيّر الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النفخة الثانية ليشاهدوها. هـ. والله أعلم بحقيقة الأمر. ثم شرع في تفصيل أحكام الفصل بعد بيان هوله، وقدَّم بيان حال الكفرة ترهيباً، فقال: {إنَّ جهنم كانت مِرْصَاداً} أي: موضع الرصد، وهو الارتقاب والانتظار، أي: تنتظر الكفار وترتقبهم ليدخلوا فيها، أو طريقاً يمر عليه الخلق، فالمؤمن يمر عليها، والكافر يقع فيها، أي: كانت في علم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه الخزنةُ الكفارَ ليعذبوهم فيها، {للطاغين مآباً}: نعت لمرصاد، أي: كائناً للطاغين مرجعاً يرجعون إليه لا محالة، {لابثين فيها}، ماكثين فيها، وهو حال مُقدَّرة من المستكن في الطاغين. وقرأ حمزة (لبثين)، وهو أبلغ من "لابثين" لأنَّ اللابث مَن يقع منه مطلق اللَّبْث، واللَّبِث مَن شأنه اللبث والمقام، و {أحقاباً}: طرف للبثهم، جمع حُقب، كقُفْل وأقفال، وهو الدهر، ولم يرد به عدداً محصوراً، بل كلما مضى حُقب تبعه حقب، إلى غير نهاية، ولا يستعمل الحُقب إلاّ حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها. وقيل: الحقب ثمانون سنة، ورُوي عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه ثلاثون ألف سنة. وقال الحسن: ليس للأحقاب عدة إلاّ الخلود. {لا يَذُوقون فيها بَرْداً ولا شَراباً}: حال من ضمير "لابثين" أي: غير ذائقين فيها {برداً} أي: نسيماً بارداً، بل لهباً حاراً، {ولا شراباً} بارداً، {إلاَّ حميماً}؛ ماءً حاراً، استثناء منقطع، أي: لا يذوقون في جهنم، أو في الأحقاب، برداً، ولا ينفس عنهم غم حر النهار، أو: نوماً، فإنَّ النوم يطلق عليه البرد، لأنه يبرد سَوْرة العطش, ولا شراباً يُسكن عطشهم، لكن يذوقون فيها ماءً حاراً، يحرق ما يأتي عليه، {وغسَّاقاً} أي: صديداً يسيل من أجسادهم. وفي القاموس: وغَساق كسَحاب وشدّاد: البادرُ المنتن. وقال الهروي عن الليث: (وغساقاً) أي: مُنتناً، ودلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أنَّ دلواً من غساق يُهرَاقُ في الدنيا، لأنتَنَ أهلُ الدنيا "تفسير : ، وقيل: ما يسيل من أعينهم من دموعهم يسقون به مع الحميم، يقال: غسقت عينه تغْسَق، إذا سالت. ثم قال: ومَن قرأ بالتخفيف، فهو البارد الذي يُحرق ببرده. هـ. {جزاءً وِفاقاً} أي: جُوزوا بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم الخبيثة، مصدر بمعنى الصفة، أو: ذا وفاق. {إِنهم كانوا لا يرجون حِساباً} أي: لا يخافون محاسبة الله إياهم، أو: لا يؤمنون بالبعث فيرجعوا حسابه، {وكذّبوا بآياتنا} الناطقة بذلك {كِذَّاباً} أي: تكذيباً مفرطاً، ولذلك كانوا مصرِّين على الكفر وفنون المعاصي. و"فعّال" في باب فعّل فاش. {وكلَّ شيءٍ} من الأشياء، ومِن جملتها أعمالهم الخبيثة، {أحصيناه} أي: حفظناه وضبطناه {كِتاباً}، مصدر مؤكد لأحصينا؛ لأنَّ الإحصاء والكتابة من وادٍ واحد، أو: حال بمعنى مكتوب في اللوح المحفوظ, أو في صحف الحفظة، والجملة اعتراض، وقولة تعالى: {فذُوقوا فلن نزيدكم إِلاَّ عذاباً} مسبب عن كفرهم بالحساب، وتكذيبهم بالآيات، أي: فذوقوا جزاء تكذيبكم والالتفات شاهد على شدّة الغضب. روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنَّ هذه الآية أشدُّ ما في القرآن على أهل النار ". تفسير : الإشارة: إنَّ يوم الفصل بين العمومية والخصوصية، أو تقول: بين الانتقال من مقام أهل اليمين إلى مقام المقربين، كان في علم الله ميقاتاً، أي: مؤقتاً، وهو يوم انتقاله من شهود الأكوان إلى شهود المكوِّن، أو من مقام البرهان إلى مقام العيان. يوم يُنفخ في صور الأرواح التي سبقت لها العناية، فيُزعجها شوق مقلق أو خوف مزعج، فتأتون إلى حضرة القدس، تسيرون إليها على يد الخبير أفواجاً، وفُتحت سماء الأرواح ليقع العروج إليها من تلك الأرواح السائرة، فكانت أبواباً، وسُيرت جبال العقل حين سطوع أنوار الحقائق، فكانت سراباً، فلا يبقى من نور العقل إِلاّ ما يميز به بين الحس والمعنى، وبين الشريعة والحقيقة. إنَّ جهنم البُعد كانت مِرصاداً، للطاغين المتكبرين عن حط رؤوسهم للخبير، الباقين مع عامة أهل اليمين، مآباً لا يبرحون عنها، لابثين فيها أحقاباً مدة عمرهم وما بعد موتهم، لا يذوقون فيها برد الرضا، ولا شراب نسيم التسليم، إلاَّ حميماً: حر التدبير والاختيار، وغساقاً: نتن حب الدنيا وهمومها، جزاءً موافقاً لميلهم إلى الحظوظ والهوى، إنهم كانوا لا يرجون حِساباً، فلم يحاسبوا نفوسهم، ولا التفتوا إلى إخلاصها، وكذّبوا بأهل الخصوصية، وهم الأولياء الدالون على الله، ثم يقال لهم: ذّوقوا وبال القطيعة، فلن نزيدكم إلاّ تعباً وحرصاً وجزعاً.عائذاً بالله من سوء القضاء، وشماتة الأعداء. ثم شفع بضدهم، فقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}.
الطوسي
تفسير : قرأ {وفتحت} بالتخفيف أهل الكوفة إلا الاعشى والبرجمي. الباقون بالتشديد. وقرأ حمزة وروح {لبثين فيها} بغير الف مثل (مزجين، وفرهين) الباقون {لابثين} بألف على اسم الفاعل، وهو الأجود، لأنه من (لبث) فهو (لابث) وحجة حمزة أنه مثل (طمع) و (طامع). واللبث البطئ. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً عن المفضل "غساقاً" مشددة. الباقون بالتخفيف، وهما لغتان. فالغساق صديد أهل النار - فى قول ابراهيم وقتادة وعكرمة وعطية - وقال أبو عبيدة: الغساق ماء وهو من الغسل أي سيال. وقال غيره: هو البارد. وقيل: المنتن. يقول الله تعالى {إن يوم الفصل} يعني يوم الدين وهو يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بالحكم بين الخلائق {كان ميقاتاً} أي جعله الله وقتاً للحساب والجزاء فالميقات منتهى المقدار المضروب لوقت حدوث أمر من الأمور، وهو مأخوذ من الوقت، كما أن الميعاد من الوعد، والميزان من الوزن والمقدار من القدر. والمفتاح من الفتح. وقوله {يوم ينفخ في الصور} فالنفخ إخراج ريح الجوف من الفم، ومنه نفخ الزق، والنفخ فى البوق، ونفخ الروح فى البدن يشبه بذلك، لانها تجري فيه كما تجري الريح، يجري مجرى الريح فى الشيء، والصور قرن ينفخ فيه فى حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله وقال الحسن: هو جمع صورة. وبه قال قتادة. ومعناه: إذكر يوم ينفخ فى الصور {فتأتون أفواجاً} فالفوج جماعة من جماعة. والأفواج جماعات من جماعات، فالناس يأتون على تلك الصفة الى أن يتكاملوا فى أرض القيامة. وكل فريق يأتي مع شكله. وقيل تأتي كل أمة مع نبيها، فلذلك جاؤا أفواجاً أي زمراً. وقوله {وفتحت السماء فكانت أبواباً} معناه وشققت السماء، فكانت كقطع الأبواب. وقيل: صار فيها طرق ولم يكن كذلك قبل. وقوله {وسيرت الجبال فكانت سراباً} معناه زيلت الجبال عن أماكنها وأذهب بها حتى صارت كالسراب. وقوله {إن جهنم كانت مرصاداً} إخبار منه تعالى بأن جهنم تكون يومئذ مرصاداً. والمرصاد هو المعد لأمر على ارتقابه الوقوع فيه، وهو مفعال من الرصد. وقيل: المعنى ذات ارتقاب لاهلها تراصدهم بنكالها. والرصد عمل ما يترقب به الاختطاف. وقوله {للطاغين} يعني جهنم للذين طغوا في معصية الله وتجاوزوا الحد "مآبا" أي مرجعاً، وهو الموضوع الذي يرجع اليه، فكأن المجرم قد كان باجرامه فيها ثم رجع اليها، ويجوز أن يكون كالمنزل الذي يرجع اليه. وقوله {لابثين فيها أحقاباً} أي ماكثين فيها أزماناً كثيرة، وواحد الاحقاب حقب من قوله {أية : أو أمضي حقباً}تفسير : أي دهراً طويلا. وقيل واحده حقب، وواحد الحقب حقبة، كما قال الشاعر: شعر : وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا تفسير : وإنما قال {لابثين فيها أحقاباً} مع انهم مخلدون مؤبدون: لا انقضاء لها إلا انه حذف للعلم بحال أهل النار من الكفار باجماع الامة عليه {لابثين فيها أحقاباً لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً} ثم يعذبون بعد ذلك بضرب آخر كالزقوم والزمهرير ونحوه من أصناف العذاب، ومن قرأ "لبثين" بلا الف استشهد فى تعدي (فعل) بقول الشاعر: شعر : ومسحل سح عضاده سحج بسراتها ندب له وكلوم تفسير : وقال ابن عباس: الحقب ثمانون سنة. وقال الحسن: سبعون سنة. وقال قوم: هو اكثر من ذلك. وقوله {لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً} قال ابو عبيدة: البرد ها هنا النوم قال الكندي: شعر : فيصدني عنها وعن قبلتها البرد تفسير : أي النوم، فكأنهم لا ينامون من شدة ما هم فيه من العذاب، ولا يجدون شراباً يشربوه {إلاحميماً وغساقاً} فالحميم الحار الشديد الحرارة والغساق صديد أهل النار - فى قول إبراهيم وقتادة وعطية وعكرمة - يقال: غسقت القرحة غسقاً إذا سال صديدها، وكذلك الجروح، ومنه قوله {أية : ومن شر غاسق إذا وقب} تفسير : والغاسق الليل إذا لبس الاشياء بظلمته. كأنه يسيل عليه بظلامه، وقال الحسن: الجنة والنار مخلوقتان فى الايام الستة الأول، وهي الجنة التي سكنها آدم، وهي الجنة التي يسكنها المتقون في الآخرة. ثم يفنيها الله لهلاك الخلائق. ثم يعيدها، فلا يفنيها أبداً. وقال قوم: هما مخلوقتان، ولا يفنيهما الله. وقال آخرون: هما غير مخلوقتين والجنة التي كان فيها آدم جنة أخرى ليست جنة الخلد. وقوله {جزاء وفاقاً} قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة: معناه وافق الجزاء أعمالهم، فالوفاق الجاري على المقدار، فالجزاء وفاق لانه جار على مقدار الاعمال في الاستحقاق، وذلك أنه يستحق على الكفر أعظم مما يستحق على الفسق الذي ليس بكفر. ويستحق على الفسق أعظم مما يستحق على الذنب الصغير. وقوله {إنهم كانوا لا يرجون حساباً} أي لا يرجون المجازاة على الأعمال ولا يتوقعونه - وهو قول الحسن وقتادة - وقيل: معناه إنهم كانوا: لا يرجون حسن الجزاء في الحساب لتكذيبهم فالرجاء التوقع لوقوع أمر يخاف ألا يكون، فهؤلاء كان يجب عليهم أن يتوقعوا الحساب على يقين أنه يكون، فلم يفعلوا الواجب في هذا، ولا قاربوه لاعتقادهم أنه لا يكون فاللوم أعظم لهم والتقريع لهم أشد. وقيل: معنى لا يرجون لا يخافون كما قال الهذلي: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وحالفها في بيت نوب عوامل تفسير : وقوله {وكذبوا بآياتنا كذاباً} معناه جحدوا بآيات الله وحججه، ولم يصدقوا بها. وإنما جاء المصدر على فعال للمبالغة مع اجرائه على نظيره الذي يطرد قبل آخره الف نحو الانطلاق والاقتدار والاستخراج والقتال والكرام، والمصدر الجاري على فعل التفعيل نحو التكذيب والتحسين والتقديم، وقد خرج التفعيل عن النظير لما تضمن من معنى التكثير، كما خرج التفاعل والمفاعلة للزيادة على أقل الفعل، فانه من اثنين. ومثل كداب، حملته حمالا وحرقته حراقاً. وقوله {وكل شيء أحصيناه كتاباً} معناه وأحصينا كل شيء أحصيناه فى كتاب، فلما حذف حرف الجر نصبه، وقيل: إنما نصبه لان فى احصيناه معنى كتبناه، فكأنه قال كتبناه كتاباً، ومثل كذبته كذاباً قصيته قصاء قال الشاعر: شعر : لقد طال ما تبطتني عن صحابتي وعن جوح قصاؤها من شقائيا تفسير : والوجه فى إحصاء الاشياء فى الكتاب ما فيه من الاعتبار للملائكة بموافقة ما يحدث لما تقدم به الاثبات مع أن تصور ذلك يقتضي الاستكثار من الخير والاجتهاد فيه، كما يقتضي إذا قيل للانسان ما تعمله فانه يكتب لك وعليك. وقوله {فذوقوا} أي يقال لهؤلاء الكفار ذوقوا ما كنتم فيه من العذاب {فلن نزيدكم إلا عذاباً} لان كل عذاب يأتي بعد الوقت الاول فهو زائد عليه.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: اذا لم تهملهم بلا حسابٍ وثوابٍ وعقابٍ فهل لهم موعد لذلك؟ - او اذا لم تهملهم بلا ولىٍّ ورئيسٍ فهل لظهور ذلك الولىّ موعد؟ - فقال: انّ يوم الفصل كان موعداً لهم، والمراد بيوم الفصل يوم خروج الرّوح عن البدن، او يوم فصل المحقّ عن المبطل والنّاجى من الهالك.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ} بين الخلق *{كَانَ} في علم الله وحكمه *{مِيقَاتاً} حدا توقت به الدنيا أو حدا للخلائق يردونه ويصلون اليه وقيل وقتا للثواب والعقاب.
الالوسي
تفسير : شروع في بيان سر تأخير ما يتساءلون عنه ويستعجلون به قائلين {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [يونس: 48] ونوع تفصيل لكيفية وقوعه وما سيلقونه عند ذلك من فنون العذاب حسبما جرى به الوعيد إجمالاً. وقال بعض الأجلة إنه لما أثبت سبحانه صحة البعث كان مظنة السؤال عن وقته فقيل {إِن} الخ وأكد لأنه مما ارتابوا فيه وليس بذاك أي إن يوم فصل الله تعالى شأنه بين الخلائق كان في علمه عز وجل ميقاتاً وميعاداً لبعث الأولين والآخرين وما يترتب عليه من الجزاء ثواباً وعقاباً لا يكاد يتخطاه بالتقدم والتأخر. وقيل حداً توقت به الدنيا وتنتهي إليه أو حداً للخلائق ينتهون إليه لتمييز أحوالهم والأول أوفق بالمقام على أن الدنيا تنتهي على ما قيل عند النفخة الأولى. وأياً ما كان فالمضي في {كَانَ} باعتبار العلم، وجوز أن يكون بمعنى يكون، وعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه.
ابن عاشور
تفسير : هذا بيان لما أجمله قوله: { أية : عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون } تفسير : [النبأ: 2 ـــ 3] وهو المقصود من سياق الفاتحة التي افتتحت بها السورة وهيأتْ للانتقال مناسبة ذكر الإِخراج من قوله: { أية : لِنخرج به حبّاً ونباتاً } تفسير : [النبأ: 15] الخ، لأن ذلك شُبه بإخراج أجساد الناس للبعث كما قال تعالى: { أية : فأنبتنا به جنات وحب الحصيد } تفسير : في سورة ق (9) إلى قوله: { أية : كذلك الخروج } تفسير : في سورة ق (11). وهو استئناف بياني أعقب به قوله: { أية : لنخرج به حباً ونباتاً } تفسير : [النبأ: 15] الآية فيما قصد به من الإِيماء إلى دليل البعث. وأكد الكلام بحرف التأكيد لأن فيه إبطالاً لإِنكار المشركين وتكذيبهم بيوم الفصل. ويومُ الفصل: يوم البعث للجزاء. والفصل: التمييز بين الأشياء المختلطة، وشاع إطلاقه على التمييز بين المعاني المتشابهة والملتبسة فلذلك أطلق على الحكم، وقد يضاف إليه فيقال: فصل القضاء، أي نوع من الفصل لأن القضاء يميز الحق من الظلم. فالجزاء على الأعمال فصل بين الناس بعضهم من بعض. وأوثر التعبير عنه بيوم الفصل لإِثبات شيئين: أحدهما: أنه بَيَّن ثبوت ما جحدوه من البعث والجزاء وذلك فصل بين الصدق وكذبهم. وثانيهما: القضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اعتدى به بعضهم على بعض. وإقحام فعل {كان} لإِفادة أن توقيته متأصل في علم الله لِما اقتضته حكمته تعالى التي هو أعلم بها وأن استعجالهم به لا يقدّمه على ميقاته. وتقدم { أية : يوم الفصل } تفسير : غير مرة أخراها في سورة المرسلات (14). ووصف القرآن بالفصل يأتي في قوله تعالى: { أية : إنه لقول فصل } تفسير : في سورة الطارق (13). والميقات: مفعال مشتق من الوقت، والوقت: الزمان المحدَّد في عمل ما، ولذلك لا يستعمل لفظ وقت إلا مقيداً بإضافة أو نحوها نحو وقت الصلاة. فالميقات جاء على زنة اسم الآله وأريد به نفس الوقت المحدد به شيء مثل مِيعاد ومِيلاد، في الخروج عن كونه اسم آلة إلى جعله اسماً لنفس ما اشتق منه. والسياق دل على متعلق ميقات، أي كان ميقاتاً للبعث والجزاء. فكونه {ميقاتاً} كناية تلويحية عن تحقيق وقوعه إذ التوقيت لا يكون إلا بزمن محقق الوقوع ولو تأخر وأبطأ. وهذا رد لسؤالهم تعجيله وعن سبب تأخيره، سؤالاً يريدون منه الاستهزاء بخبره. والمعنى: أن ليس تأخر وقوعه دَالاَّ على انتفاء حصوله. والمعنى: ليس تكذيبكم به مما يحملنا على تغيير إبانة المحدد له ولكن الله مستدرجكم مدة. وفي هذا إنذار لهم بأنه لا يُدرَى لعله يحصل قريباً قال تعالى: { أية : لا تأتيكم إلا بغتة } تفسير : [الأعراف: 187] وقال: { أية : قل عسى أن يَكون قريباً } تفسير : [الإسراء: 51]. و{يوم ينفخ في الصور} بدل من {يوم الفصل}. وأضيف {يوم} إلى جملة {ينفخ في الصور} فانتصب {يوم} على الظرفية وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى جملة أولها مُعرب وهو المضارع. وفائدة هذا البدل حصول التفصيل لبعض أحوال الفصل وبعض أهوال يوم الفصل. والصُّور: البوق، وهو قرنُ ثَور فارغ الوسط مضيق بعض فراغه ويتخذ من الخشب أو من النحاس، يَنفخ فيه النافخ فيخرج منه الصوت قوياً لنداء الناس إلى الاجتماع، وأكثر ما ينادى به الجيش والجموع المنتشرة لتجتمع إلى عمل يريده الآمر بالنفخ. وبُني {ينفخ} إلى النائب لعدم تعلق الغرض بمعرفة النافخ وإنما الغرض معرفة هذا الحادث العظيم وصورة حصوله. والنفخ في الصور يجوز أن يكون تمثيلاً لهيئة دعاء الناس وبعثهم إلى الحشر بهيئة جمع الجيش المتفرق لراحة أو تتبع عدوَ فلا يلبثون أن يتجمّعوا عند مقر أميرهم. ويجوز أن يكون نفخٌ يحصل به الإِحياء لا تُعلم صفته فإن أحوال الآخرة ليست على أحوال الدنيا، فيكون النفخ هذا معبَّراً به عن أمر التكوين الخاص وهو تكوين الأجساد بعد بلاها وبَثّ أرواحها في بقاياها. وقد ورد في الآثار أن المَلك الموكّل بهذا النفخ هو إسرافيل، وقد تقدم ذكر ذلك غير مرة. وعطف {تأتون} بالفاء لإفادة تعقيب النفخ بمجيئهم إلى الحساب. والإِتيان: الحضور بالمكان الذي يمْشي إليه الماشي فالإِتيان هو الحصول. وحذف ما يحصل بين النفخ في الصور وبين حضورهم لزيادة الإِيذان بسرعة حصور الإِتيان حتّى كأنه يحصل عند النفخ في الصور وإن كان المعنى: ينفخ في الصور فتحيَوْن فتسيرون فتأتون. و{أفواجاً} حال من ضمير {تأتون}، والأفواج: جمع فوج بفتح الفاء وسكون الواو، والفوج: الجماعة المتصاحبة من أناس مقسَّمين باختلاف الأغراض، فتكون الأمم أفواجاً، ويكون الصالحون وغيرهم أفواجاً قال تعالى: { أية : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها } تفسير : [الملك: 8] الآية. والمعنى: فتأتون مقسَّمين طوائف وجماعات، وهذا التقسيم بحسب الأحوال كالمؤمنين والكافرين وكل أولئك أقسام ومراتب.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 17- إن يوم الفصل بين الخلائق كان ميعاداً مقدراً للبعث. 18- يوم ينفخ فى الصور للبعث فتأتون إلى المحشر جماعات جماعات. 19- وشققت السماء من كل جانب فصارت أبواباً. 20- وسُيِّرت الجبال بعد قلعها من مقارها وتَفَتُتِها، فصارت تريك صورة الجبال وهى غبار متكاثف كالسراب يريك صورة الماء وليس بماء. 21- إن جهنم كانت موضع رصد يترقب منه الخزنة أهلها. 22- للطغاة المتجبرين مصيراً سيئاً يجازون فيه ما انتهكوا من حدود الله وحرمات العباد. 23- ماكثين فيها دهوراً متتابعة. 24- لا يذوقون فيها نسيماً ينفس عنهم حرها، ولا شراباً يسكن عطشهم فيها. 25- لكن يذوقون ماء بالغاً الغاية فى الحرارة، وصديداً يسيل من جلود أهلها. 26- جزاء موافقاً لأعمالهم السيئة. 27- إنهم كانوا لا يتوقعون الحساب، فيعملوا للنجاة منه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن يوم الفصل: أي الفصل بين الخلائق ليجزي كل امرئ بما كسب. كان ميقاتا: أي ذا وقت محدد معين لدى الله عز وجل فلا يتقدم ولا يتأخر. يوم ينفخ في الصور: أي يوم ينفخ إسرافيل في الصور. فتأتون أفواجا: أي تأتون أيها الناس جماعات جماعات إلى ساحة فصل القضاء. وفتحت السماء: أي لنزول الملائكة. وسيرت الجبال: أي ذُهب بها من أماكنها. فكانت سرابا: أي مثل السراب فيتراءى ماء وهو ليس بماء فكذلك الجبال. إن جهنم كانت مرصادا: أي راصدة لهم مرصدة للظالمين مرجعا يرجعون إليها. لابثين فيها أحقابا: أي دهورا لا نهاية لها. لا يذوقون فيها بردا: أي نوما ولا شرابا مما يشرب تلذذا به إذ شرابهم الحميم. وغساقا: أي ما يسيل من صديد أهل النار، جوزوا به عقوبة لهم. جزاء وفاقا: إذ لا ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النار. كذابا: أي تكذيبا. فلن نزيدكم إلا عذابا: أي فوق عذابكم الذي أنتم فيه. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى آيات قدرته على البعث والجزاء الذي أنكره المشركون واختلفوا فيه ذكر في هذه الآيات عرضا وافيا للبعث الآخر وما يجري فيه، وبدأ بذكر الأحداث للانقلاب الكوني، ثم ذكر جزاء الطاغين تفصيلا فقال عز وجل {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} أي بين الخلائق كان ميقاتا لما أعد الله للمكذبين بلقائه الكافرين بتوحيده المنكرين لرسالة نبيه فيه، يجزيهم الجزاء الأوفى، ثم ذكر تعالى أحداثا تسبقه فقال {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} أي يوم ينفخ إسرافيل نفخة البعث وهي الثانية فتأتون أيها الناس أفواجا أي جماعات. {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ} أي انشقت {فَكَانَتْ أَبْوَاباً} لنزول الملائكة منها {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} هباء منبثا كالسراب في نظر الرائي. وقوله تعالى {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} أي إنه بعد الحساب يأتي الجزاء وها هي ذي جهنم قد أرصدت وأعدت فهي مرصاد، مرصاد لمن؟ للطاغين المتجاوزين الحد الذي حدد لهم وهو أن يؤمنوا بربهم ويعبدوه وحده ويتقربوا إليه بفعل محابه وترك مكارهه فتجاوزوا ذلك إلى الكفر بربهم والإِشراك به وتكذيب رسوله وفعل مكارهه وترك محابه هؤلاء هم الطاغون الذي أرصدت لهم جهنم فكانت لهم مرصادا ومرجعا ومآبا {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} أي دهورا، {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً} أي نوما لأن النوم يسمى البرد في لغة بعض العرب، {وَلاَ شَرَاباً} ذا لذة {إِلاَّ حَمِيماً} وهو الماء الحار {وَغَسَّاقاً} وهو ما يسيل من صديد أهل النار {جَزَآءً وِفَاقاً} أي موافقا لذنوبهم لأنه لا أعظم من الكفر ذنبا ولا من النار عذابا ثم ذكر تعالى مقتضى هذا العذاب فقال {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً} أي ما كانوا يؤمنون بالحساب ولا بالجزاء ولا يخافون من ذلك {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} أي بآياته وحججه تكذيبا زائدا. وقوله تعالى {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} إذ كانت الملائكة تكتب أعمالهم وتحصيها عليهم فهم يتلقون جزاءهم العادل ويقال لهم توبيخا وتبكيتا وهم في أشد العذاب وأمرّه {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} فيعظم عندهم الكرب ويستحكم من نفوسهم اليأس. وهذا جزاء من تنكر لعقله فكفر بربه وآمن بالشيطان وعبد الهوى. والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التنديد بالطغيان وبيان جزاء الظالمين. 2- التنديد بالتكذيب بالبعث والمكذبين به. 3- أعمال العباد مؤمنهم وكافرهم كلها محصاة عليها ويجزون بها. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر آثارها. 5- أبديّة العذاب في الدار الآخرة وعدم إمكان نهايته.
القطان
تفسير : يوم الفصل: يوم القيامة لأن الله تعالى يفصل فيه بين الناس. ميقاتا: وقتاً للحساب والجزاء. أفواجا: جماعات، واحده فوج. وسُيرت الجبال: زالت عن أماكنها. سرابا: السراب ما يرى في نصف النهار كأنه ماء وهو خيال ليس بشيء، وكذلك تسير الجبال. مرصادا: مكان الارتقاب والانتظار. للطاغين: للمعتدين الظالمين. مآبا: مرجعاً. لابثين: مقيمين. أحقابا: واحدها: حُقب وحِقب، وهو المدة الطويلة من الدهر. حميما: ماء حارا. غسّاقا: صديدا وعرقا دائم السيلان من اجسادهم. وِفاقا: وفق أعمالهم السيئة. كِذّابا: تكذيبا. كتابا: كتابة. بعد ان نبّه الله عبادَه الى هذه الظواهر الباهرة، ووجه انظارهم الى آياته في هذا الكون العجيب - أخذ يبيّن ما اختلفوا فيه ونازعوا في إمكان حصوله وهو يومُ الفصل، ويذكُر لهم بعضَ ما يكون فيه، تخويفاً لهم من الاستمرار على التكذيب بعد ما وضَحت الأدلةُ واستبانَ الحق. {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً} إن يوم القيامة هو يومُ الفصلِ بين الخلائق، وهو ميعاد مقدَّر للبعث. ثم بيّن هذا اليومَ وزاد في تهويله فقال: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} في ذلك اليومِ يُنفخ في البوق فتُبعثون من قبورِكم وتأتون الى المَحْشَرِ جماعاتٍ جماعاتٍ. {وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} وانشقّت السماءُ من كل جانب وتصدّعت فصارت أبوابا، وذلك هو خرابُ العالم ونهايتُه. وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا ان نَعلم ما في حقيقة ذلك الصور، لأن الحياةَ الآخرة وجميعَ ما فيها تختلف عن حياتنا الدنيا. {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} وزالت الجبالُ عن أماكنها وتفتَّتَتْ صخورُها وذهبت هَباءً كالسراب. فالآخرةُ عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها، فنؤمن بما ورد به الخبر عنها ولا نبحث. فالنشأةُ الاخرى قد تكون غير هذه الحياة فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابا ندخُل من أيها شئنا بإذن الله. وقد يكون معنى تفتُّح السماء ما عنى بقوله: إذا السماءُ انشقّت.. اذا السماءُ انفطرت.. يوم تَشَقَّقُ السماءُ بالغمام.. يعني يومَ يقعُ الاضطراب في نظام الكواكب، فيذهب التماسُك بينها ولا يكون فيها ما يسمّى سماء الا مسالكَ وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء، وذلك هو خرابُ الكون. وقد ذُكر زوالُ الجبال في القرآن في عدة آيات منها قوله تعالى {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 14]. وقوله: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} تفسير : [المعارج: 9، القارعة: 5]، وقوله {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 5، 6]. وبعد ان عدّد الله تعالى وُجوهَ إحسانه، ودلائلَ قدرته على إرسال رسوله الكريم، وذكَرَ يومَ الفصل وما فيه من أهوال وشدائد - ذكر هُنا وعيدَ المكذّبين وبيانَ ما يلاقونه فقال: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً...} ان جهنّم تترصَّد وتنتظر الجاحدين، وهي منزلُهم، ومرجعُهم إليها، حيث يستقرّون دهوراً متلاحقة كلّما انقضى زمن تجدَّد لهم زمن آخر. أما أحوالهم فيها وما يذوقونه من عذاب فقد بيّنه بقوله: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً.....} إنهم لا يذوقون في جهنّم نَسيماً يُنَفِّسُ عنهم حَرَّها، ولا شراباً يسكِّن عطشهم فيها، بل يجدون ماء بالغاً الغاية من الحرارة، وصديداً مُنِتنا يزيد في عذابهم، وهو جزاء موافق لأعمالهم السيئة. والسببُ في ذلك كله: إنهم لم يؤمنوا بالله ولا بالبعثِ والحساب والجزاء. كما أنهم: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} أي بالغوا في التكذيب بآياتنا وما فيها من براهينَ وبيّنات. ثم بين الله تعالى أن كل شيء من أعمالهم مكتوبٌ يُنْشَر يومَ القيامة. {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} أي أحصيناه مكتوباً في كتابٍ {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف: 49]. {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} فذوقوا ما أنتم فيه من العذابِ الأليم، فلنْ يكون لكم منا إلا عذابٌ أشدّ وأقوى. وكما جاء في قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} تفسير : [ص: 57، 58]. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لم ينزِل على أهل النار آيةٌ أشدّ من هذه الآية {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}. قراءات قرأ أهل الكوفة: وفتحت السماء: بالتخفيف، وقرأ الباقون: وفتّحت بتشديد التاء. وقرأ حمزة وروح: لَبِثينَ بكسر الباء من غير الف بعد اللام، وقرأ الباقون: لابثين بالف بعد اللام. وقرأ حفص وحمزة والكسائي: غسّاقا بالتشديد، والباقون غَسَاقا بفتح الغين والسين من غير تشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {مِيقَاتاً} (17) - وَيَكُونُ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الفَصْلِ، مَوْعِداً مُقَدَّراً لِلْبَعْثِ، يَجْمَعُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مِنَ الخَلاَئِقِ لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمْ، وَيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَيَجْزِيَ كُلاً بِمَا يَسْتَحِقُّ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال: سبحانه: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} الفارق بين احتجاب أصحاب الحيرة والضلال، وأرباب العناية والوصال {كَانَ} له {مِيقَاتاً} [النبأ: 17] وقتاً معيناً في حضرة علم الله، مقدراً في لوح قضائه، لم يطلع أحداً عليه وعلى تعيينه، بل أخبرهم بأماراته وعلاماته. اذكر يا أكمل الرسل {يَوْمَ} أي: يوم إذ حل وقت يوم الفصل، وقيام الساعة {يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} النفخة الأولى؛ لبعث الموتى، وإذا وصل لهم ذلك الصدى فيخرجون من قبورهم حيارى سكارى مبهوتين، ثمَّ ينفخ فيه ثانياً، للحشر {فَتَأْتُونَ} المحشر {أَفْوَاجاً} [النبأ: 18] زمراً زمراً، فرقاً فرقاً. {وَ} يومئذٍ {فُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ} أي: خرقت وشقت {فَكَانَتْ} الخرق والشقوق لها {أَبْوَاباً} [النبأ: 19]. {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ} عن وجه الأرض، وتحركت فطارت أجزاؤها، كالهباء نحو الهواء {فَكَانَتْ} أشكالها وهيئاتها {سَرَاباً} [النبأ: 20] أي: كالسراب يُرى على صورة الجبال، ولا حقيقة لها كما هي الآن عند العارف المكاشف. {إِنَّ جَهَنَّمَ} يومئذٍ {كَانَتْ مِرْصَاداً} [النبأ: 21] مرصداً ومصيراً لعموم العباد، يعبرها أهل الجنة على تفاوت سرعة وبطء، مترتباً على تفاوت أعمالهم وأحوالهم ومقاماتهم: منهم من لا يلتفت نحوها، ولا يدركها أين هي وإن عبرها. ومنهم من يعبرها، كالبرق الخاطف، ثمَّ الأمثل الأمثل فينجون من غوائلها، ويسقط فيها أهل النار، ويبتلون بأغلالها وسلاسلها فتصير {لِّلطَّاغِينَ} المصرِّين على كفرهم وطغيانهم {مَآباً} [النبأ: 22] مرجعاً ومأوى، لا يخرجون منها. بل يكونون {لاَّبِثِينَ} ماكثين {فِيهَآ أَحْقَاباً} [النبا: 23] وأيّ أحقاب، أحقاباً لا كأحقاب الدنيا، بل لا نهاية لها، ولا غاية لحدها فذكرها كنايةً عن عدم نهايتها. وهم {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا} أي: في جهنم البعد والحرمان {بَرْداً} لحرمانهم عن لذة برد اليقين في النشأة الأولى {وَلاَ شَرَاباً} [النبأ: 24] لأنهم لم يشربوا في النشأة الأولى من زلال الإيمان شربة، ولا من رحيق العرفان جرعة. لذلك لم يشربوا في النشأة الأخرى {إِلاَّ حَمِيماً} ماءً حاراً، سخن بنيران غضبهم وشهواتهم، بحيث يقطع أمعالهم من شدة حرارته. {وَغَسَّاقاً} [النبأ: 25] صديداً يسيل من جراحات أهل النار بدل ما يأكلون ويشربون من أموال اليتامى والمظلومين ظلماً. وبالجملة: جوزوا فيها {جَزَآءً وِفَاقاً} [النبأ: 26] موافقاً مطابقاً لأعمالهم التي آتوا بها في دار الدنيا. وبالجملة: {إِنَّهُمْ كَانُواْ} حين يمموا على المعاصي، وعزموا على الآثام {لاَ يَرْجُونَ} ولا يأملون {حِسَاباً} [النبأ: 27] ولا يخافون عذاباً. {وَ} لهذا {كَذَّبُواْ} بآياتنا الدالة على كمال قدرتنا، واقتدارنا على وجوه الإنعام والانتقام، وعلى رسلنا المنزلة إليهم بتلك الآيات {بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} [النبأ: 28] تكذيبً بليغاً، وإنكاراً شديداً إلى حيث يستهزئون بالآيات والرسل. {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} [النبأ: 29] يعني: هم وإن بالغوا في التكذيب والعناد فصلنا عليهم أعمالهم، وأحصينا لهم جميع خصائلهم المذمومة في صحف أعمالهم، سيحاسبون عليها على التفصيل، ويجازون بمقتضاها. وبعدما يحاسبون ويؤاخذون، يقال لهم زجراً عليهم وتوبيخاً: {فَذُوقُواْ} أيها المسرفون المفرطون {فَلَن نَّزِيدَكُمْ} بأعمالكم وتكذيبكم {إِلاَّ عَذَاباً} [النبأ: 30] فوق العذاب. في الحديث - صلوات الله على قائله -: "حديث : هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة الذي يتساءل عنه المكذبون، ويجحده المعاندون، أنه يوم عظيم، وأن الله جعله { مِيقَاتًا } للخلق. { يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا } ويجري فيه من الزعازع والقلاقل ما يشيب له الوليد، وتنزعج له القلوب، فتسير الجبال، حتى تكون كالهباء المبثوث، وتشقق السماء حتى تكون أبوابا، ويفصل الله بين الخلائق بحكمه الذي لا يجور، وتوقد نار جهنم التي أرصدها الله وأعدها للطاغين، وجعلها مثوى لهم ومآبا، وأنهم يلبثون فيها أحقابا كثيرة و { الحقب } على ما قاله كثير من المفسرين: ثمانون سنة. وهم إذا وردوها { لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا } أي: لا ما يبرد جلودهم، ولا ما يدفع ظمأهم. { إِلا حَمِيمًا } أي: ماء حارا، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، { وَغَسَّاقًا } وهو: صديد أهل النار، الذي هو في غاية النتن، وكراهة المذاق، وإنما استحقوا هذه العقوبات الفظيعة جزاء لهم ووفاقا على ما عملوا من الأعمال الموصلة إليها، لم يظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم، ولهذا ذكر أعمالهم، التي استحقوا بها هذا الجزاء، فقال: { إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا } أي: لا يؤمنون بالبعث، ولا أن الله يجازي الخلق بالخير والشر، فلذلك أهملوا العمل للآخرة. { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا } أي: كذبوا بها تكذيبا واضحا صريحا وجاءتهم البينات فعاندوها. { وَكُلَّ شَيْءٍ } من قليل وكثير، وخير وشر { أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا } أي: كتبناه في اللوح المحفوظ، فلا يخشى المجرمون أنا عذبناهم بذنوب لم يعملوها، ولا يحسبوا أنه يضيع من أعمالهم شيء، أو ينسى منها مثقال ذرة، كما قال تعالى: {أية : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا }. تفسير : { فَذُوقُوا } أيها المكذبون هذا العذاب الأليم والخزي الدائم { فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا } وكل وقت وحين يزداد عذابهم [وهذه الآية أشد الآيات في شدة عذاب أهل النار أجارنا الله منها].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):