٧٨ - ٱلنَّبَأ
78 - An-Naba' (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً}: مِفعال من الرَّصَد والرصَد: كل شيء كان أمامك. قال الحسن: إن على النار رَصَداً، لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجيء بجواز حُبِس. وعن سُفيان رضي الله عنه قال: عليها ثلاث قَناطر. وقيل «مِرصاداً» ذات أَرْصاد على النسب، أي ترصد من يمرّ بها. وقال مقاتل: مَحْبِساً. وقيل: طريقاً وممرّاً، فلا سبيل إلى الجنة حتى يَقْطع جهنم. وفي الصّحاح: والمِرصاد: الطريق. وذكر القُشَيريّ: أن المرصاد المكان الذي يَرصُد فيه الواحد العدوّ، نحو المِضمار: الموضع الذي تُضَمَّر فيه الخيل. أي هي معدّة لهم؛ فالمِرصاد بمعنى المحلّ؛ فالملائكة يرصدون الكفار حتى ينزلوا بجهنم. وذكر الماورديّ عن أبي سِنان أنها بمعنى راصدة، تجازيهم بأفعالهم. وفي الصحاح: الراصد الشيءِ: الراقبُ له؛ تقول: رصدَه يرصدُه رَصْداً ورَصَداً، والترصُّد: الترقب. والمَرْصَد: موضع الرصْد. الأصمعيّ: رَصَدْته أرصُده: ترقبته، وأرْصدته: أعددت له. والكسائي: مثله. قلت: فجهنم مُعَدّة مترصّدة، مُتفعِّل من الرصْد وهو الترقب؛ أي هي متطلعة لمِن يأتي. والمِرصاد مِفعال من أبنية المبالغة كالمِعطار والمِغيار، فكأنه يكثر من جهنم ٱنتظار الكفار. {لِّلطَّاغِينَ مَآباً} بدل من قوله: «مِرصادا» والمآب: المرجع، أي مرجعاً يرجعون إليها؛ يقال: آب يَئُوب أوبة: إذا رجع. وقال قتادة: مأوًى ومنزلاً. والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر، أو في دنياه بالظلم. قوله تعالى: {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، فكلما مضى حُقُب جاء حُقُب. والحُقُب بضمتين: الدهر والأحقاب الدهور. والحِقْبة بالكسر: السَّنة؛ والجمع حِقَب؛ قال متمم بن نُويرة التميمي: شعر : وكنا كنَدْمانَيْ جَذيمة حِقبةً مِن الدَّهرِ حتى قيل لنْ يتصدّعَا فلما تفرّقنا كأَنِّي ومالِكاً لِطولِ ٱجتماعٍ لم نبِتْ ليلة معَاً تفسير : والحُقُب بالضم والسكون: ثمانون سنة. وقيل: أكثر من ذلك وأقل، على ما يأتي، والجمع: أحقاب. والمعنى في الآية؛ لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها؛ فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليه؛ إذ في الكلام ذكر الآخرة وهو كما يقال أيام الآخرة؛ أي أيام بعد أيام إلى غير نهاية، وإنما كان يدل على التوقيت لو قال خمسة أحقاب أو عشرة أحقاب. ونحوه وذكر الأحقاب لأن الحُقُب كان أبعد شيء عندهم، فتكلم بما تذهب إليه أوهامُهم ويعرفونها، وهي كناية عن التأبيد، أي يمكثون فيها أبداً. وقيل: ذكر الأحقاب دون الأيام؛ لأن الأحقاب أهول في القلوب، وأدل على الخلود. والمعنى متقارب؛ وهذا الخلود في حق المشركين. ويمكن حمل الآية على العُصاة الذين يخرجون من النار بعد أحقاب. وقيل: الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغَسَّاق، فءذا ٱنقضت فيكون لهم نوع آخر من العقاب؛ ولهذا قال: {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً }. و «لابِثِين» ٱسم فاعل من لبِث، ويقويه أن المصدر منه اللَّبْث بالإسكان، كالشُّرْب. وقرأ حمزة والكسائي «لبِثِين» بغير ألف وهو ٱختيار أبي حاتم وأبي عبيد، وهما لغتان؛ يقال: رجل لابِث ولبِث، مثل طمِع وطامِع، وفرِه وفارِه. ويقال: هو لَبِث بمكان كذا: أي قد صار اللَّبث شأنه، فشبه بما هو خلقة في الإنسان نحو حَذِر وفَرِق؛ لأن باب فَعِل إنما هو لما يكون خِلْقة في الشيء في الأغلب، وليس كذلك ٱسم الفاعل من لابث. والحُقُبُ: ثمانون سنة في قول ٱبن عمر وٱبن مُحَيصن وأبي هريرة، والسنة ثلثمائة يوم وستون يوماً، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا؛ قاله ٱبن عباس. وروى ٱبن عمر هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو هريرة: والسنة ثلثمائة يوم وستون يوماً كل يوم مثل أيام الدنيا. وعن ٱبن عمر أيضاً: الحُقُب: أربعون سنة. السُّدِّيّ: سبعون سنة. وقيل: إنه ألف شهر. رواه أبو أمامة مرفوعاً. بشير بن كعب: ثلثمائة سنة. الحسن: الأحقاب لا يَدرِي أحدكم هي، ولكن ذكروا أنها مائة حُقُب، والحُقُب الواحد منها سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون. وعن أبي أمامة أيضاً، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الحُقُب الواحد ثلاثون ألفَ سنة » تفسير : ذكره المهدويّ. والأوّل الماورديّ. وقال قُطرب: هو الدهر الطويل غير المحدود. وقال عمر رضي الله عنه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : والله لا يخرُج من النار من دخلها حتى يكون فيها أحقاباً، الحُقُب بضع وثمانون سنة، والسنة ثلثمائة وستون يوماً، كلّ يوم ألفُ سنة مما تَعُدُّون؛ فلا يتكلنَّ أحدكم على أنه يخرج من النار »تفسير : . ذكره الثعلَبيّ. القُرظيّ: الأحقاب: ثلاثة وأربعون، حُقُباً كل حُقُب سبعون خَريفاً، كل خريف سبعمائةِ سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة. قلت: هذه أقوال متعارضة، والتحديد في الآية للخلود، يحتاج إلى توقيف يقطَع العُذْر، وليس ذلك بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما المعنى ـ والله أعلم ـ ما ذكرناه أوّلاً؛ أي لابثين فيها أزماناً ودهوراً، كلما مضى زمن يعقبه زمن، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبد الآبدين من غير ٱنقطاع. وقال ٱبن كَيْسان: معنى {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً } لا غاية لها ٱنتهاء، فكأنه قال أبداً. وقال ٱبن زيد ومُقاتل: إنها منسوخة بقوله تعالى: {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} يعني أن العدد قد ٱنقطع، والخلود قد حصل. قلت: وهذا بعيد؛ لأنه خبر، وقد قال تعالى: { أية : وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ } تفسير : [الأعراف: 40] على ما تقدم. هذا في حق الكفار، فأما العُصاة الموحدون فصحيح ويكون النسخ بمعنى التخصيص. والله أعلم. وقيل: المعنى «لابِثِين فِيها أحقابا» أي في الأرض، إذ قد تقدم ذكرها ويكون الضمير في «لا يذوقون فِيها بردا ولا شراباً» لجهنم. وقيل: واحد الأحقاب حُقُب وحِقْبَةً؛ قال: شعر : فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِهَا فَأنتَ بِما أَحْدَثْتَهُ بِالمُجَرَّبِ تفسير : وقال الكميت: شعر : مَـرّ لهـا بعـد حِقبـةٍ حِقَبُ تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا} أي في الأحقاب {بَرْداً وَلاَ شَرَاباً} البرد: النوم في قول أبي عبيدة وغيره؛ قال الشاعر: شعر : ولو شِئتُ حَرَّمتُ النساءَ سِواكُمُ وإِن شِئت لم أَطْعَمُ نُقاخاً ولا بَرْدَا تفسير : وقاله مجاهد والسُّدّيّ والكسائيّ والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي؛ وأنشدوا قول الكنديّ: شعر : بَرَدت مَراشفُها عليَّ فصدنِي عنها وعن تقبِيلِها الْبَرْد تفسير : يعني النوم. والعرب تقول: مَنع البَرْدُ البَرْد، يعني: أذهب البرد النوم. قلت: وقد جاء الحديث. « حديث : أنه عليه الصلاة والسلام سُئل هل في الجنة نوم. فقال: «لا؛ النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها» » تفسير : فكذلك النار؛ وقد قال تعالى: { أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ } تفسير : [فاطر:36] وقال ٱبن عباس: البَرْدُ: برد الشراب. وعنه أيضاً: البرد النوم: والشراب الماء. وقال الزّجاج: أي لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظِل، ولا نومٍ. فجعل البرد برد كل شيء له راحة، وهذا برد ينفعهم، فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به، فلا ينفعهم، فلهم منه من العذاب ما الله أعلم به. وقال الحسن وعطاء وٱبن زيد: بَرْداً: أي رَوْحاً وراحة؛ قاله الشاعر: شعر : فلا الظلَّ مِن بردِ الضحى تستطيعُه ولا الفَيْءَ أوقات العَشِيّ تذوقُ تفسير : «لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً» جملة في موضع الحال من الطاغين، أو نعت للأحقاب؛ فالأحقاب ظرف زمان، والعامل فيه «لابِثِين» أو «لبِثِين» على تعدية فِعل. {إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً} ٱستثناء منقطع في قول من جعل البرد النوم، ومن جعله من البرودة كان بدلاً منه. والحميم: الماء الحار؛ قاله أبو عبيدة. وقال ٱبن زيد: الحميم: دموع أعينهم، تجمع في حياض ثم يُسْقَونه. قال النحاس: أصل الحميم: الماء الحار، ومنه ٱشتق الحَمّام، ومنه الحُمَّي، ومنه { أية : وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ }: تفسير : [الواقعة: 42] إنما يراد به النهاية في الحر. والغَسّاق: صديد أهل النار وقَيْحُهم. وقيل الزَّمْهَرير. وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين، وقد مضى في «ص» القول فيه. {جَزَآءً وِفَاقاً} أي موافقاً لأعمالهم. عن ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما؛ فالوِفاق بمعنى الموافقة كالقِتال بمعنى المقاتلة. و «جزاء» نصب على المصدر، أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم؛ قاله الفَرّاء والأخفش. وقال الفراء أيضاً: هو جمع الوِفق، والوفق واللفق واحد. وقال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. وقال الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم الله بما يسوءهم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ} أي لا يخافون {حِسَاباً} أي محاسبة على أعمالهم. وقيل: معناه لا يرجون ثواب حساب. الزجاج: أي إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم. {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} أي بما جاءت به الأنبياء. وقيل: بما أنزلنا من الكتب. وقراءة العامة «كِذّاباً» بتشديد الذال، وكسر الكاف، على كَذَّب، أي كَذَّبوا تكذيباً كبيراً. قال الفراء: هي لغة يمَانِيَة فصيحة؛ يقولون: كَذَّبت به كِذَّاباً، وخرقت القميص خِرَّاقاً؛ وكل فِعل في وزن (فَعَّلَ) فمصدره فِعَّال مشدد في لغتهم؛ وأنشد بعض الكلابيين: شعر : لقد طالَ ما ثَبَّطْتني عن صاحبتي وعن حِوجٍ قِضَّاؤُها مِن شِفائِتا تفسير : وقرأ علي رضي الله عنه «كِذَاباً» بالتخفيف وهو مصدر أيضاً. وقال أبو عليّ: التخفيف والتشديد جميعاً: مصدر المكاذبة، كقول الأعشى: شعر : فصدقتها وكَذَبتُها والمرءُ ينفعهُ كِذَابه تفسير : أبو الفتح: جاءا جميعاً مصدر كَذَبَ وكَذَّب جميعاً. الزمخشري: «كِذَاباً» بالتخفيف مصدر كَذَب؛ بدليل قوله: شعر : فصدقتُها وكَذَبْتُها والمرءُ ينفعهُ كِذَابهْ تفسير : وهو مثل قوله: { أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17] يعني وكذبوا بآياتنا أَفكَذَبوا كِذَاباً. أو تنصِبه بـ «ـكَذَّبوا»، لأنه يتضمن معنى كَذَبوا؛ لأن كل مُكَذِّب بالحقّ كاذِب؛ لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبين، فبينهم مُكاذبة. وقرأ ٱبن عمر «كُذَّاباً» بضم الكاف والتشديد، جمع كاذب؛ قاله أبو حاتم. ونصبه على الحال الزمخشريّ. وقد يكون الكُذَّاب: بمعنى الواحد البليغ في الكَذِب، يقال: رجل كُذّاب، كقولك حُسَان وبُخَّال، فيجعله صفة لمصدر «كَذَّبوا» أي تكذيباً كُذَّاباً مفرطاً كذبهُ. وفي الصحاح: وقوله تعالى: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} وهو أحد مصادر المشدّد؛ لأن مصدره قد يجيء على (تفعيل) مثل التكليم وعلى (فِعَّال) كِذَّابٍ وعلى (تفعِلة) مثل توصِية، وعلى (مُفَعَّلٍ)؛ «ومَزَّقْناهم كلَّ مُمَزَّقٍ». {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} «كلَّ» نصب بإضمار فعل يدل عليه «أحصيناه» أي وأحصينا كل شيء أحصيناه. وقرأ أبو السَّمَّال «وكلُّ شيءٍ» بالرفع على الابتداء. «كِتاباً» نصب على المصدر؛ لأن معنى أحصينا: كتبنا، أي كتبناه كتاباً. ثم قيل: أراد به العلم، فإن ما كُتِب كان أبعد من النسيان. وقيل: أي كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة. وقيل: أراد ما كُتب على العباد من أعمالهم. فهذه كتابة صدرت عن الملائكة الموكَّلين بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة؛ دليله قوله تعالى: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ } تفسير : [الانفطار: 10-11]. {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} حديث : قال أبو بَرْزة: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في القرآن؟ فقال: «قوله تعالى: {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}» تفسير : أي « أية : كلما نضِجَتْ جُلودُهْمَ بَدَّلناهم جلوداً غيرَها » تفسير : [النساء: 56] و « أية : كلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً} تفسير : [الإسراء: 97].
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً } راصدة أو مرصدة.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِرْصَاداً} راصدة تجازيهم بأعمالهم أو عليها رصد فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجىء بجواز حبس "ح" أو المرصاد وعيد من الله تعالى وعد به الكفار.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} "مِفْعَالاً" من الرصد، والرصد: كل شيء كان أمامك. قرأ ابن يعمر وابن عمر والمنقري: "أنَّ جَهنَّمَ" بفتح "أن". قال الزمخشريُّ: على تعليل قيام الساعة، بأن جهنم كانت مرصاداً للطَّاغين، كأنَّه قيل: كان ذلك لإقامة الجزاء، يعني: أنه علَّة لقوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} إلى آخره. قال القفال: في المرصاد قولان: أحدهما: أنَّ المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه، كالمضمارِ اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل، والمِنْهَاج: اسم للمكان الذي ينهج فيه، أي: جهنم معدَّة لهم فالمرصاد بمعنى المحل، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول: أنَّ خزنة جهنم يرصدون الكفَّار. والثاني: أن مجاز المؤمنين، وممرهم على جهنم، لقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71]، فخزنة الجنة يَسْتقبلُونَ المؤمنين عند جهنم، ويرصدونهم عندها. القول الثاني: أنَّ "المِرصَاد" "مِفْعَال" من الرصد، وهو "الترقب" بمعنى أنَّ ذلك يكثر منه، و "المِفْعَالُ" من أبنية المبالغة كـ "المِعطَاء، والمِعْمَار، والمِطْعَان". قيل: إنَّها ترصد أعداءَ اللهِ، وتشتد عليهم لقوله تعالى: تكاد تميَّزُ من الغيظ. وقيل: ترصدُ كُلَّ منافقٍ وكافرٍ. فصل دلت الآية على أنَّ جهنم كانت مخلوقة لقوله تعالى أن جهنم كانت مرصاداً وإذا كانت كذلك كانت الجنة لعدم الفارق. قوله: {لِّلطَّاغِينَ} يجوز أن يكون صفة لـ "مِرْصَاداً"، وأن يكون حالاً من "مآباً" كان صفته فلما تقدَّم نصبَ على الحال، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون متعلقاً بنفس "مِرْصَاداً"، أو بنفس "مآباً"؛ لإنه بمعنى مرجع. قال ابن الخطيب: إن قيل بأن: "مِرصَاداً" للكافرين فقط، كان قوله: "للطَّاغين" من تمام ما قبله، والتقدير: كانت مرصاداً للطَّاغين، ثم قوله: "مآباً" بدل قوله: "مرصاداً"، وإن قيل: إنَّ مرصاداً مطلقاً للكفَّار والمؤمنين كان قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} كلاماً تاماً وقوله تعالى: {لِّلطَّاغِينَ مَآباً} كلاماً مبتدأ، كأنه قيل: إنَّ جهنَّم كانت مرصاداً للكل، و "مآباً" للطَّاغين خاصَّة، فمن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله: "مرصاداً" ومن ذهب إلى القول الثاني وقف عليه. قال القرطبيُّ: "للطَّاغِينَ مآباً" بدلٌ من قوله: "مِرصَاداً"، والمَآبُ" المرجع، أي: مرجعاً يرجعون إليه، يقال: آب يثوب أوْبَة: إذا رجع. وقال قتادة: مأوى ومنزلاً، والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر ودنياه بالظلم. قوله: {لاَّبِثِينَ}. منصوب على الحال من الضمير المستتر في "للطاغين"، وفي حال مقدرة. وقرأ حمزة: "لبثين" دون ألف. والباقون: "لابثين" بألف. وضعف مكي قراءة حمزة، قال: ومن قرأ: "لبثين" شبهه بما هو خلقة في الإنسان نحو حِذْر وفِرْق، وهو بعيد؛ لأن اللبث ليس مما يكون خلقة في الإنسان وباب فعل إنما يكون لما هو خلقة في الإنسان. وليس اللبس بخلقة. ورجَّح الزمخشري قراءة حمزة، فقال: "قرأ: لابثين "ولبثين" واللبث أقوى؛ لأن اللاَّبث يقال لمن وجد منه اللبث، ولا يقال: لبث إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفكّ منه". وما قاله الزمخشري أصوب. وأمَّا قولُ مكيٍّ: اللبث ليس بخلقة، فمسلم لكنه بولغ في ذلك، فجعلَ بمنزلة الأشياء المختلفة. و "لابثين" اسم فاعل من "لبث"، ويقويه أنَّ المصدر منه "اللّبث" - بالإسكان - كـ "الشرب". قوله: "أحْقَاباً" منصوب على الظرف، وناصبه "لاَبِثيْنَ"، هذا هو المشهور، وقيل: منصوب بقوله: "لا يذوقون"، وهذا عند من يرى تقدم معمول ما بعد "لا" عليها وهو أحد الأوجه، وقد مر هذا مستوفًى في أواخر الفاتحة وجوَّز الزمخشري أن ينتصب على الحال. قال: "وفيه وجه آخر: وهو أن يكون من: حَقِبَ عامنا إذا قلَّ مطرهُ وخيرهُ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق، فهو حقبٌ وجمعه: "أحْقَاب"، فينتصب حالاً عنهم، بمعنى: لابثين فيها بحقبين جحدين". وتقدم الكلام على الحقب في سورة "الكهف". قال القرطبي: و "الحِقْبَةُ" - بالكسر-: السَّنة، والجمع حِقَب؛ قال متممُ بنُ نويرةَ: [الطويل] شعر : 5075- وكُنَّا كَنَدْمَانَي جَذيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حتَّى قيلَ: لَنْ يتصدَّعا تفسير : والحُقْبُ - بالضم والسكون -: ثمانون سنة. وقيل: أكثر من ذلك وأقل، والجمع: "أحْقَاب". قال الفراءُ: أصل الحقبة من الترادُف والتتابُع، يقال: "أحْقَبَ": إذا أردف، ومنه الحقبة، ومنه كل من حمل وزراً فقد احتقب، فعلى هذا معناه: لابثين فيها أحقاباً، أي: دُهوْراً مُترادِفَةً يتبع بعضهم بعضاً. فصل في تحرير معنى الآية المعنى: ماكثين في النَّار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، فكُلَّما مضى حُقبٌ جاء حُقبٌ، و "الحُقُبُ" -بضمتين-: الدَّهْرُ: والأحقابُ، الدهور، والمعنى: لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها، فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليها، إذ في الكلام ذكر الآخرة، كما يقال: أيَّامُ الآخرة، أي: أيام بعد أيام إلى غير نهاية، أي: لابثين فيها أزماناً ودهوراً، كُلَّما مضى زمنٌ يعقبهُ زمنٌ، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبداً من غير انقطاع، فكأنه قال: أبداً، وإنَّما كان يدل على التوقيت لو قال: خمسة أحقاب، أو عشرة ونحوه، وذكر الأحقاب؛ لأن الحقب كان أبعد شيء عندهم، فذكر ما يفهمونه، وهو كناية عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبداً. وقيل: ذكر الأحقاب دون الأيام؛ لأن الأحقاب أهول في القلوب، وأدل على الخلود، وهذا الخلود في حق المشركين، ويمكن حمله على العصاة الذين يخرجونَ من النار بعد العذاب. وقيل: الأحقاب وقت شربهم الحميم والغسَّاق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العذاب، ولهذا قال تعالى: {لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} أي: في الأرض لتقدم ذكرها ويكون {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً} جهنم. قوله: {لاَّ يَذُوقُونَ}. فيه أوجه: أحدها: أنه مستأنف، أخبر عنهم بذلك. الثاني: أنه حال من الضمير في "لابِثيْنَ" غير ذائقين، فهي حال متداخلة. الثالث: أنه صفة لـ "أحْقَاب". قال مكي: واحتمل الضمير؛ لأنه فعل فلم يجب إظهاره كأن قد جرى صفة على غير من هو له، وإنَّما جاز أن يكون نعتاً لـ "أحْقَاب" لأجل الضمير العائد على "الأحقاب" في "فيها"، ولو كان في موضع "يَذُوقُونَ" اسم فاعل لكان لا بُدَّ من إظهار الضمير إذا جعلته وصفاً لـ "أحقاب". الرابع: أنه تفسير لقوله تعالى: {أَحْقَاباً} إذا جعلته منصوباً على الحال بالتأويل المتقدم عن الزمخشري، فإنه قال: "وقوله تعالى: {لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً}. تفسير له". الخامس: أنه حال أخرى من "للطاغين" كـ "لابثين". فصل في معنى هذا البرد قال أبو عبيدة: البَرْدُ: النومُ؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 5076- فَلوْ شِئْتُ حَرَّمتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نِعَاجاً ولا بَرْدَا تفسير : وهو قول مجاهد والسديِّ والكسائيِّ والفضل بن خالدٍ وأبي معاذٍ النحويِّ. والعرب تقول: منع البَرْدُ البَرْدَ، يعني: أذهب النوم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: البرد برد الشراب. وعنه - أيضاً - البرد: النَِّوم، والشراب: الماء. قال الزجاج: لا يذوقُونَ فيها بَرْدَ ريحٍ، ولا بَرْدَ نومٍ, ولا بَرْدَ ظلٍّ. فجعل البرد كل شيء له رائحة. وقال الحسن وعطاء وابن زيد: بَرداً: أي روحاً ورائحة. قوله: {إِلاَّ حَمِيماً}. يجوز أن يكون استثناء متَّصلاً من قوله: "شراباً"، ويجوز أن يكون مُنْقَطِعاً. قال الزمخشري: "يعني لا يَذُوقُون فيها برداً، ولا روحاً ينفس عنهم حر النَّار "ولا شراباً" يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميماً وغسَّاقاً". قال شهاب الدين: "ومكي لمَّا جعله منقطعاً جعل البرد عبارة عن النوم، قال: فإن جعلته النوم كان "إلا حميماً" استثناء ليس من الأول". وإنَّما الذي حمل الزمخشري على الانقطاع مع صدق الشراب على الحميم والغسَّاق، وصفة له بقوله: "ولا شراباً يسكن من عطشهم" فبهذا القيد صار الحميمُ ليس من جنس هذا الشراب؛ وإطلاق البردِ على النوم لغة هذيل، وأنشد البيت المتقدم. وقول العرب: منع البرد، قيل: وسمي بذلك لأنه يقطع سورة العطش، والذوق على هذين القولين مجاز، أعني: كونه روحاً ينفس عنهم الحر، وكونه النوم مجاز، وأمَّا على قوله من جعله اسماً للشراب الباردِ المستلذّ كما تقدَّم عن ابن عباس رضي الله عنهما وأنشد قول حسان رضي الله عنه: [الكامل] شعر : 5077- يَسْقُون مَنْ ورَدَ البَريصَ عَليْهِمُ بَرَدى تُصفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ تفسير : قال ابنُ الأثيرِ: البريص: الماء القليل، والبرصُ: الشيء القليل؛ وقال الآخر: [الطويل] شعر : 5078- أمَانيَّ مِنْ سُعْدى حِسانٌ كأنَّما سَقتْكَ بِهَا سُعْدَى عَلى ظَمَإٍ بَرْدَا تفسير : والذوق حقيقة، إلا أنه يصير فيه تكرار بقوله بعد ذلك "ولا شراباً". الثالث: أنَّه بدلٌ من قوله: "وَلا شَراباً" وهو الأحسنُ؛ لأن الكلام غير موجب. قال أبو عبيدة: الحَمِيمُ: الماءُ الحارّ. وقال ابن زيد: دموع أعينهم تجمع في حياض، ثم يسقونه. وقال النحاس: أصل الحميمِ الماءُ الحار، ومنه اشتقَّ الحمَّام، ومنه الحُمَّى ومنه ظل من يحموم، إنَّما يراد به النهاية في الحر، والغسَّاق: صديد أهل النار وقيحهم. وقيل: الزَّمهرير، وتقدم خلاف القرَّاء في "غسَّاقاً" والكلام عليه وعلى "حَمِيم". قال أبو معاذ: كنت أسمع مشايخنا يقولون: الغسَّاقُ: فارسية معربةٌ، يقولون للشيء الذي يتقذرونه: خاشاك. قوله: {جَزَآءً} منصوبٌ على المصدر، وعامله إما قوله: "لا يذوقون" إلى آخره؛ لأنه من قوة جوزوا بذلك، وإمَّا محذوف، و "وَفَاقاً" نعت له على المبالغةِ، أو على حذف مضاف، أي: ذا مبالغة. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: معناه: موافقاً لأعمالهم، فالوفاقُ بمعنى: "الموافقة" كالقتال من المقاتلة. قال الفراء والأخفش: أي: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم. وقال الفراء أيضاً: هو جمع الوفقِ واللَّفقِ واحد. وقال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. وقال الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة فأتاهم الله بما يسوؤهم. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: بتشديد الفاء من "وفقه كذا". قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً}. أي: لا يخافون حساباً، أي: محاسبة على أعمالهم، وقيل: لا يرجون ثواب حساب. وقال الزجاج: إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، فيرجون حسابهم، فهو إشارة إلى أنَّهم لم يكونوا مؤمنين. قوله تعالى: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} قرأ العامة: "كِذَّاباً" بتشديد الذال، وكسر الكاف. وكان من حق مصدر "فعَّل" أن يأتي على "التَّفعيل" نحو صرَّف تصريفاً. قال الزمخشري: و "فعَّال" في باب "فعَّل" كله فاشٍ في كلام فصحاءٍ من العرب لا يقولون غيره، وسمعني بعضهم أفسر آية، فقال: لقد فسرتها فسَّاراً ما سمع بمثله. قال غيره: وهي لغة بعض العرب يمانية؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 5079- لَقدْ طَالَ ما ثَبَّطتَنِي عَنْ صَحابَتِي وعَنْ حَاجَةٍ قِضَّاؤها من شِفَائِيَا تفسير : يريد: تَقْضِيَتُهَا، والأصل على "التفعيل"، وإنَّما هو مثل "زكَّى تَزْكِيَةً". وسمع بعضهم يستفتي في حجه، فقال: آلحلق أحبُّ إليك أم القصَّار؟ يريد التقصير. قال الفراء: "هي لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذبت كذّاباً، وخرَّقتُ القميص خِرَّاقاً، وكل فعل وزن "فعَّل" فمصدره "فِعَّال" في لغتهم مشددة". وقرأ علي والأعمش وأبو رجاء وعيسى البصري: بالتخفيف. وهو مصدر أيضاً، إمَّا لهذا الفعل الظاهر على حذف الزوائد، وإمَّا لفعل مقدر كـ "أنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتاً". قال الزمخشري: "وهو مثل قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] يعني وكذبوا بآياتنا، فكذبوا كذاباً، أو تنصبه بـ "كذبوا"؛ لأنه يتضمن معنى "كذّبوا"، لأن كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة، فمعناه: وكذبوا بآياتنا، فكاذبوا مكاذبة، أو كذبوا بها مكاذبين؛ لأنَّهم كانوا عند المسلمين مكاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنَّهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب، فعل من يغالب فيبلغ فيه أقصى جهده". وقال أبو الفضل: وذلك لغة "اليمن"، وذلك بأن يجعل مصدر "كذب" مخففاً "كِذَباً" بالتخفيف مثل "كَتَبَ كِتَاباً" فصار المصدر هنا من معنى الفعل دون لفظه, مثل: "أعطيته عطاءً". قال شهابُ الدِّينِ: أمَّا "كذب كذاباً" بالتخفيف، فهو مشهور، ومنه قول الأعشى [مجزوء الكامل] شعر : 5080- فَصدَقْتُهَـــا وكَذبْتُهَـــا والمَـرْءُ يَنْفعــهُ كِذَابُــهْ تفسير : وقرأ عمر بن عبد العزيز والماجشون: "كُذاباً" بضم الكاف وتشديد الذال، وفيها وجهان: أحدهما: أنه جمع كاذبِ، نحو: ضراب "في" ضارب, وعلى هذا، فانتصابه على الحال المؤكدة، أي: وكذبوا في حال كونهم كاذبين. قاله أبو البقاء. والثاني: أنَّ "الكُذَّاب" بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل كذاب، كقولك: حسان، فيجعل وصفاً لمصدر كذبوا: أي تكذيباً كذباً مفرطاً كذبه. قاله الزمخشري. قال القرطبي: وفي "الصِّحاح": وقوله تعالى: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} وهو أحد مصار المشدد؛ لأن مصدره قد يجيء على "تَفْعِلَة" مثل "تَوصِيَة"، وعلى "مُفَعَّل" مثل: {أية : وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} تفسير : [سبأ: 19]. قوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ} العامة على النصب على الاشتغال، وهو الراجح، لتقدم جملة فعلية. وقرأ أبو السمال: برفع "كُل" على الابتداء، وما بعده الخبر وهذه الجملة معترض بها بين السبب والمسبب، لأنَّ الأصل: "وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابَا" فـ "ذوقوا" مُسَبَّبٌ عن تَكْذيبهم. قوله: "أحْصَيْنَاهُ". فيه أوجه: أحدها: أنه مصدر من معنى أحصينا، أي: إحصاءً، فالتجوُّز في نفس المصدر. الثاني: أنه مصدر لـ "أحْصَيْنَا" لأنَّه في معنى: "كَتَبْنَا" فالتجوُّز في نفس الفعل. قال الزمخشري: "لانتفاءِ الإحْصاءِ"، والكتبة في معنى الضبط، والتحصيل. قال ابن الخطيب: وإنَّما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة؛ لأن الكتابة هي النهاية في قوة العلم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قَيِّدُوا العِلْمَ بالكِتَابَةِ" تفسير : فكأنَّهُ تعالى قال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً} إحصاءً في القوة والثبات والتأكُّد، كالمكتوب، والمراد من قوله: "كِتَاباً" تأكيد ذلك الإحصاء والعلم، وهذا التأكيد إنَّما ورد على حسب ما يليق بأفهام أهل الظاهر، فإن المكتوب يقبل الزوال، وعلمُ الله - تعالى - بالأشياءِ لا يقبل الزوال؛ لأنَّه واجبٌ لذاته. الثالث: أن يكُون منصوباً على الحال، بمعنى مكتوباً في اللوح المحفوظ، لقوله تعالى: {أية : وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يس: 12]. وقيل: أراد ما كتبته الملائكة الموكلون بالعباد، بأمر الله - تعالى - إياهم بالكتابة، لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 10، 11]. فصل في المراد بالإحصاء معنى {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} أي: علمنا كُلَّ شيء علماً كما هو لا يزول، ولا يتبدل ونظيره قوله تعالى: {أية : أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ} تفسير : [المجادلة: 6]. قال ابن الخطيب: وهذه الآية لا تقبل التأويل، لأن الله - تبارك وتعالى - ذكر هذا تقديراً لما ادعاه من قوله تعالى: "جَزَاءً وفاقاً"، كأنه تعالى قال: أنا عالم بجميع ما فعلوه، وعالم بجهات تلك الأفعال، وأحوالها؛ واعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلاَّ قدر ما يكون وفاقاً لأعمالهم، وهذا القدر إنما يتمُّ بثبوت كونه عالماً بالجُزئيَّاتِ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كافر قطعاً. قوله تعالى: {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} قال ابن الخطيب: هذه "الفاء" للجزاء، فنبَّه على أنَّ الأمر بالذوق معلَّل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم، فهذه "الفاء" أفادت عين فائدة قوله: "جزاء وفاقاً". فإن قيل: أليْسَ أنه - تعالى - قال في صفة الكفار: {أية : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 174]. فها هنا لمَّا قال تعالى لهم: "فذوقوا"، فقد كلَّمهُمْ؟. فالجواب: قال أكثر المفسرين: ويقال لهم: "فَذُوقُوا". ولقائلٍ أن يقول: قوله: {فَلَن نَّزِيدَكُمْ} لا يليق إلا بالله، والأقرب في الجواب أن يقال: قوله: {أية : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ} تفسير : [آل عمران: 77] معناه: ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع، فإن تخصيص العموم سائغ عند حصول القرينة، فإن قوله: {أية : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ} تفسير : [آل عمران: 77] إنما ذكره لبيان أنَّه - تعالى - لا يقيم لهم وزناً، وذلك لا يحصل إلال من الكلام الطيب. فإن قيل: إن كانت هذه الزيادة غير مستحقة كانت ظلماً، وإن كانت مستحقة كان تركها في أول الأمر إحساناً، والكريم لا يليق به الرجوع في إحسانه. والجواب: أنَّها مستحقةٌ، ودوامها زيادة لفعله بحسب الدوام، وأيضاً: فترك المستحق في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط. فصل في الالتفات في هذه الآية قال ابنُ الخطيبِ: قوله تعالى: {فَذُوقُواْ} يفيد معنى التعليل، وهو التفات من الغيبةِ للخطابِ، فهو دالٌّ على الغضبِ، وفيه مبالغاتٌ: منها أنَّ "لن" للتأكيد، ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله: "فذوقوا" بعد ذكر العذاب، قال أبو بزرة رضي الله عنه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في القرآن، قال عليه الصلاة والسلام: قوله: {فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} [النبأ: 30] أي: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} تفسير : [النساء: 56]، و {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} تفسير : [الإسراء: 97].
اسماعيل حقي
تفسير : {ان جهنم كانت مرصادا} اى انها كانت فى حكم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه ويرقب خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها فالمرصاد اسم للمكان الذى يرصد فيه كالنهاج اسم للمكان الذى ينهج فيه اى بسلك قال الراغب المرصاد موضع الرصد كالمرصد لكن يقال للمكان الذى اختص بالترصد وقوله {ان جهنم كانت مرصاد}ا تنبيه على ان عليها مجاز الناس انتهى كأنه عمم المرصاد حيث ان الصراط محبس للاعدآء وممر للاولياء والاول اولى لان الترصد فى مثل ذلك المكان الهائل انما هو للتعذيب وهو للكفار والاشقياء.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} رصده رقبه والمرصاد الطّريق او المكان يرصد فيه العدوّ كأنّ الخزنة يرصدون فى جهنّم اعداء اولياء الله والجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما يفعل بهم بعد اتيانهم افواجاً؟ -
الأعقم
تفسير : {إن جهنم كانت مرصاداً} أي طريقاً منصوبة للعالمين فهي موردهم {للطاغين مآباً} لمن جاوز حدّ الله مصيرا ومرجعاً {لابثين فيها أحقاباً} أي مقيمين فيها أزماناً ودهوراً لا نقضي لها، وقيل: لابثين فيها أحقاباً {لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً} فكأنهم يعذبون مرة بالنار فلا يذوقون شيئاً ومرة بالحميم والغساق ومرة بالزمهرير، واختلفوا في معنى الحقب قال بعضهم: ليس له حدّ معلوم وإنما هو اسم للزمان والدهر، وعن ابن مسعود: لا يعلم الأحقاب إلا الله، وعن الحسن: والله ما هو إلا إذا مضى حقب دخل أحقب آخر كذلك أبد الآبدين فليس للأحقاب مدة إلا الخلود في النار، وقد روي أن الحقب سبعون ألف سنة كل يوم كألف سنة مما تعدون، وقيل: أربعون سنة كل يوم منها ألف سنة، وقيل: ثمانون سنة كل سنة اثني عشر شهراً كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة، وقيل: بضع وثمانون سنة، السنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة مما تعدون، وقيل: الحقب ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة {لا يذوقون فيها} أي في جهنم {برداً ولا شراباً} يعني برد يدفع عن النار ولا شراباً يدفع العطش {إلاَّ حميماً} وهو الماء الحار {وغساقاً} قيل: صديد أهل النار، وقيل: دموع أهل النار، وقيل: الزمهرير قيل: استثناء من.... والغساق، وقيل: الغساق واد في جهنم {جزاء} بحسب أعمالهم {وفاقاً} أي وفق أعمالهم {إنهم كانوا لا يرجون حساباً} بل لا يرجون لتكذيبهم جزاء وحساباً، وقيل: لا يخافون الحساب {وكذّبوا بآياتنا كذّاباً} أي بأدلتنا {وكل شيء أحصيناه كتاباً} يعني لم نعاقبهم حتى أحصى عليهم أفعالهم القليل والكثير، وقيل: كتاب الحفظة ثم يقال لهم: {فذوقوا} العذاب، قيل: هذا نداء من الله لهم، وقيل: بل يقوله الخزنة {فلن نزيدكم إلاَّ عذاباً} قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : هذه أشد آية على أهل النار" تفسير : {إن للمتقين} الذين يجتنبون الكبائر {مفازاً} منجى {حدائق} جنات وبساتين {وكواعب} أي جواري نواهد {أتراباً} متساوية في سن واحد {لا يسمعون فيها لغواً} أي كلاماً يكرهونه، وقيل: لا يسمعون ما يؤذيهم {ولا كذّاباً} قيل: لا يسمعون من أحد تكذيبه {جزاء من ربك} أي مكافأة على عملهم {عطاء} أي أعطاهم الله ذلك {حساباً} أي كافياً يكفيهم، وقيل: حساباً على قدر الاستحقاق {رب السماوات والأرض} فهو رب كل شيء {وما بينهما الرحمان لا يملكون منه خطاباً} كلاماً لأنه يفعل بحسب الاستحقاق والعدل والحكمة لا يكون لأحد فيه كلام {يوم يقوم الروح} قيل: جبريل، وقيل: ملك من أعظم الملائكة، وقيل: القرآن، وقيل: خلقاً على صور الآدميين يأكلون ويشربون، وقيل: أرواح بني آدم، وقيل: رد الأجساد الروح {والملائكة صفاً} أي واقفة {صفاً لا يتكلمون} أحد منهم {إلاَّ من أذن له الرحمان وقال صواباً} قيل: الذي يؤذن لهم فيه لا إله إلا الله، وقيل: يؤذن لمحمد في الشفاعة {ذلك اليوم الحق} قيل: ذلك اليوم الذي وعد الله به حق، وقيل: ذلك اليوم الذي يكون الحق لا الباطل {فمن شاء اتخذ} بالطاعة {إلى ربه} أي إلى رضائه والموضع الذي يحكم فيه {مآباً} قيل: مرجعاً، وقيل: سبيلاً {إنا أنذرناكم} خوفناكم {عذاباً قريباً} قيل: يوم القيامة، وقيل: يوم بدر {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} أي يجازى به، وقيل: يرى جميع ما قدم من أعماله الخير والشر والصغير والكبير مكتوباً فيجازى عليه فعند ذلك {يقول الكافر} عند يرى أعماله القبيحة {يا ليتني كنت تراباً} فيقول التراب لا وكرامة لك لئن جعلك مثلي.
اطفيش
تفسير : {إنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} اسم مكان على غير قياس كالمضمائر لموضع اضمار الخيل أي موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار.
اطفيش
تفسير : اسم لمكان الرصد كالمضمار لمكان إِضمار الخيل ترصد اى ترقب فيه الملائكة الكفار لتعذبهم أو المؤمنين لينقذوهم من فيحها والكفار ليعذبوهم والظاهر الأَول أو اسم آلة أى يرصد الله تعالى أو الملائكة بها الأَشقياء لدخولها والسعداء بالإِنجاء من فيحها بأَن يكون لها عمل فى ذلك بإِذن الله تعالى أو صفة مبالغة أى عظيمة الرصد للكفرة بالأَخذ وللمؤمنين بالمباعدة عن ضرهم بفيحها فإِن مفعال حقيقة فى مكان الفعل وزمانه والآلة والمبالغة والآلة ومن الزمان ميقات وإِسناد الرصد للنار حقيقة بأَن يخلق الله فيها إِدراكاً وكسباً أو مجاز فى الإِسناد أو تشبيه وأجيز أن مرصاداً للنسب أى ذات رصد كلابن لذى اللبن، وعن ابن عباس سبعة محابس يسأَل فى الأُولى عن شهادة أن لا إِله إِلا الله فإِن جاء به سئل فى الثانى عن الصلاة فإِن جاء بها تامة سئل فى الثالث عن الزكاة فإِن جاء بها تامة سئل فى الرابع عن الصوم فإِن جاء به تاماً سئل فى الخامس عن الحج فإِن جاء به تاماً سئل فى السادس عن العمرة فإِن جاء به تامة سئل فى السابع عن المظالم فإِن نجا منها دخل الجنة ويكمل فى ذلك كله فرضه بتطوعه.
الالوسي
تفسير : شروع في تفصيل أحكام الفصل الذي أضيف إليه اليوم إثر بيان هوله. والمرصاد اسم مكان كالمضمار للموضع الذي تضمر فيه الخيل، ومفعال يكون كذلك على ما صرح به الراغب والجوهري وغيرهما كما يكون اسم آلة وصفة مشبهة للمبالغة، والظاهر أنه حقيقة في الجميع أي موضع رصد وترقب ترصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهم وقيل ترصد فيه خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها، وقيل ترصد فيه الملائكة عليهم السلام الطائفتين لتعذب إحداهما وهي المؤمنة وتعذب الأخرى وهي الكافرة وجوز أن يكون صيغة مبالغة كمتحار أي مجدة في ترصد الكفرة لئلا يشذ منهم واحد أو مجدة في ترصد المؤمنين لئلا يتضرر أحد منهم من فيحها أو مجدة في ترصد الطائفتين على نحو ما سمعت آنفاً. وإسناد ذلك إليها مجاز أو على سبيل التشبيه وفي «البحر» أن مرصاداً معنى النسب أي ذات رصد وقد يفسر المرصاد بمطلق الطريق وهو أحد معانيه فيكون للطائفتين ومن هنا قال الحسن كما أخرج عنه ابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد في الآية لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار وقال قتادة كما أخرج هؤلاء عنه أيضاً اعلموا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن تكون جملة {إن جهنم كانت مرصاداً} في موضع خبر ثان لـــ{إنّ} من قوله: { أية : إن يوم الفصل كان ميقاتاً } تفسير : [النبأ: 17] والتقدير: إن يوم الفصل إنَّ جهنم كانت مرصاداً فيه للطاغين، والعائد محذوف دل عليه قوله: {مرصاداً} أي مرصاداً فيه، أي في ذلك اليوم لأن معنى المرصاد مقترب من معنى الميقات إذ كلاهما محدد لجزاء الطاغين. ودخول حرف (إنَّ) في خبر (إن) يفيد تأكيداً على التأكيد الذي أفاده حرف التأكيد الداخل على قوله: {يوم الفصل} على حد قول جرير: شعر : إنّ الخليفة إنَّ الله سربَله سِربال مُلْك به تُزجَى الخَواتِيم تفسير : ومنه قوله تعالى: { أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن اللَّه يفصل بينهم يوم القيامة } تفسير : كما تقدم في سورة الحج (17)، وتكون الجملة من تمام ما خوطبوا به بقوله: { أية : يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً } تفسير : [النبأ: 18]. والتعبير بــــ«الطّاغين» إظهار في مقام الإِضمار للتسجيل عليهم بوصف الطغيان لأن مقتضى الظاهر أن يقول: «لكم مئاباً». ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً عن جملة { أية : إن يوم الفصل كان ميقاتاً } تفسير : [النبأ: 17] وما لحق بها لأن ذلك مما يثير في نفوس السامعين تطلّب ماذا سيكون بعد تلك الأهوال فأجيب بمضمون {إن جهنم كانت مرصاداً} الآية. وعليه فليس في قوله: {للطاغين} تخريج على خلاف مقتضى الظاهر. وابتدىء بذكر جهنم لأن المقام مقام تهديد إذ ابتدئت السورة بذكر تكذيب المشركين بالبعث ولما سنذكره من ترتيب نظم هذه الجمل. وجهنم: اسم لدار العذاب في الآخرة. قيل: وهو اسم مُعرَّب فلعله معرب عن العبرانية أو عن لغة أخرى سامية، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : فحسبه جهنم ولبئس المهاد } تفسير : في سورة البقرة (206). والمرصاد: مكان الرصد، أي الرقابة، وهو بوزن مِفعال الذي غلب في اسم آلة الفعل مثل مِضمار للموضع الذي تضُمَّر فيه الخيل، ومنهاج للموضع الذي ينهج منه. والمعنى: أن جهنم موضع يرصد منه الموَكّلون بها، ويترقبون من يزجى إليها من أهل الطغيان كما يترقب أهل المرصاد من يَأتيه من عدوّ. ويجوز أن يكون مرصاد مصدراً على وزن المفعال، أي رصداً. والإِخبار به عن جهنم للمبالغة حتى كأنها أصل الرصد، أي لا تفلت أحداً ممن حق عليهم دخولها. ويجوز أن يكون مرصاد زنة مبالغة للراصد الشديد الرصد مثل صفة مغيار ومعطار، وصفت به جهنم على طريقة الاستعارة ولم تلحقه (ها) التأنيث لأن جهنم شبهت بالواحد من الرصد بتحريك الصاد، وهو الواحد من الحرس الذي يقف بالمرصد إذ لا يكون الحارس إلا رجلاً. ومتعلق: {مرصاداً} محذوف دل عليه قوله: {للطاغين مئاباً}. والتقدير: مرصاداً للطاغين، وهذا أحسن لأن قرائن السورة قِصارٌ فيحسن الوقف عند {مرصاداً} لتكون قرينة. ولك أن تجعل {للطاغين} متعلقاً بـــ {مرصاداً} وتجعل متعلق {مئاباً} مقدراً دل عليه {للطاغين} فيكون كالتضمين في الشعر إذ كانت بقيةً لِمَا في القرينة الأولى في القرينة المُوالية فتكون القرينة طويلة. ولو شئت أن تجعل {للطاغين} متنازعاً فيه بين {مرصاداً} أو {مئاباً} فلا مانع من ذلك معنىً. وأقحم {كانت} دون أن يقال: إن جهنم مرصادٌ للدلالة على أن جعلها مرصاداً أمر مقدر لها كما تقدم في قوله: { أية : إن يوم الفصل كان ميقاتاً } تفسير : [النبأ: 17]. وفيه إيماء إلى سعة علم الله تعالى حيث أعدّ في أزله عقاباً للطّاغين. و{مئاباً}: مكان الأوْب وهو الرجوع، أطلق على المقر والمسكن إطلاقاً أصله كناية ثم شاع استعماله فصار اسماً للموضع الذي يستقر به المرء. ونصب {مئاباً} على الحال من {جهنم} أو على أنه خبر ثان لفعل {كانت} أو على أنه بدل اشتمال من {مرصاداً} لأن الرصد يشتمل على أشياء مقصودة منها أن يكونوا صائرين إلى جهنم. و{للطاغين} متعلق بــــ {مئاباً} قدم عليه لإدخال الروع على المشركين الذين بشركهم طغوا على الله، وهذا أحسن كما علمت آنفاً. ولك أن تجعله متعلقاً بــــ {مرصاداً} أو متنازعاً فيه بين {مرصاداً} و{مئاباً} كما علمت آنفاً. والطغيان: تجاوز الحد في عدم الاكتراث بحق الغير والكِبْرُ، والتعريفُ فيه للعهد فالمراد به المشركون المخاطبون بقوله: { أية : فتأتون أفواجاً } تفسير : [النبأ: 18] فهو إظهار في مقام الإِضمار لقصد الإِيماء إلى سبب جعل جهنم لهم لأن الشرك أقصى الطغيان إذ المشركون بالله أعْرضوا عن عبادته ومتكبرون على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث أنِفوا من قبول دعوته وهم المقصود من معظم ما في هذه السورة كما يصرح به قوله: { أية : إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآياتنا كذاباً } تفسير : [النبأ: 27، 28]. هذا وأن المسلمين المستخفّين بحقوق الله، أو المعتدين على الناس بغير حق، واحتقاراً لا لمجرد غلبة الشهوة لهم حظ من هذا الوعيد بمقدار اقترابهم من حال أهل الكفر. واللابث: المقيم بالمكان. وانتصب {لابثين} على الحال من الطاغين. وقرأه الجمهور {لابثين} على صيغة جمع لابث. وقرأه حمزة ورَوح عن يعقوب {لَبثين على صيغة جَمْع (لَبثٍ) من أمثلة المبالغة مثل حَذِر على خلاف فيه، أو من الصفة المشبهة فتقتضي أن اللّبث شأنه كالذي يجثم في مكان لا ينفك عنه. وأحقاب: جمع حُقُب بضمتين، وهو زمن طويل نحو الثمانين سنة، وتقدم في قوله: { أية : أو أمضي حقباً } تفسير : في سورة الكهف (60). وجمعه هنا مراد به الطول العظيم لأن أكثر استعمال الحُقُب والأحقاب أن يكون في حيث يراد توالي الأزمان ويبين هذا الآيات الأخرى الدالة على خلود المشركين، فجاءت هذه الآية على المعروف الشائع في الكلام كناية به عن الدوام دون انتهاء. وليس فيه دلالة على أن لهذا اللبث نهاية حتى يُحتاج إلى دعوى نسخ ذلك بآيات الخلود وهو وهم لأن الأخبار لا تنسخ، أو يحتاج إلى جعل الآية لعصاة المؤمنين، فإن ذلك ليس من شأن القرآن المكي الأول إذ قد كان المؤمنون أيامئذ صالحين مخلصين مجدِّين في أعمالهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (21) - وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ تَكُونُ جَهَنَّمُ مُعَدَّةً وَمُرْصَدَةً لِلطَّاغِينَ، وَخَزَنَتُهَا يَتَرَقَّبُونَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا بِسُوءِ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا. مِرْصَاداً - مَوْضِعَ تَرَصُّدٍ لِلْكَافِرِينَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):