Verse. 5709 (AR)

٧٨ - ٱلنَّبَأ

78 - An-Naba' (AR)

رَّبِّ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَمَا بَيْنَہُمَا الرَّحْمٰنِ لَا يَمْلِكُوْنَ مِنْہُ خِطَابًا۝۳۷ۚ
Rabbi alssamawati waalardi wama baynahuma alrrahmani la yamlikoona minhu khitaban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربِّ السماوات والأرض» بالجر والرفع «وما بينهما الرحمنِ» كذلك وبرفعه مع جر رب «لا يملكون» أي الخلق «منه» تعالى «خطابا» أي لا يقدر أحد أن يخاطبه خوفا منه.

37

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: رب السموات والرحمن، فيه ثلاثة أوجه من القراءة الرفع فيهما وهو قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، والجر فيهما وهو قراءة عاصم وعبدالله بن عامر، والجر في الأول مع الرفع في الثاني، وهو قراءة حمزة والكسائي، وفي الرفع وجوه أحدها: أن يكون رب السموات مبتدأ، والرحمن خبره، ثم استؤنف لا يملكون منه خطاباً وثانيها: رب السموات مبتدأ، والرحمن صفة ولا يملكون خبره وثالثها: أن يضمر المبتدأ والتقدير هو: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } هو {الرحمن} ثم استؤنف: {لاَّ يَمْلِكُونَ } ورابعها: أن يكون {ٱلرَّحْمَـٰنُ } و{لاَّ يَمْلِكُونَ } خبرين وأما وجه الجر فعلى البدل من ربك، وأما وجه جر الأول، ورفع الثاني فجر الأول بالبدل من ربك، والثاني مرفوع بكونه مبتدأ وخبره لا يملكون. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {ويملكون} إلى من يرجع؟ فيه ثلاثة أقوال: الأول: نقل عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشركين يريد لا يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون يقبل الله ذلك منهم والثاني: قال القاضي: إنه راجع إلى المؤمنين، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون أن يخاطبوا الله في أمر من الأمور، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور، ثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل، وأن الثواب الذي أوصله المؤمنين عدل، وأنه ما يخسر حقهم، فبأي سبب يخاطبونه، وهذا القول أقرب من الأول لأن الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار والثالث: أنه ضمير لأهل السموات والأرض، وهذا هو الصواب، فإن أحداً من المخلوقين لا يملك مخاطبة الله ومكالمته. وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة على هذا الكلام لأنه نفى الملك والذي يحصل بفضله وإحسانه، فهو غير مملوك، فثبت أن هذا السؤال غير لازم، والذي يدل من جهة العقل على أن أحداً من المخلوقين لا يملك خطاب الله وجوه الأول: وهو أن كل ما سواء فهو مملوكه والمملوك لا يستحق على مالكه شيئاً وثانيها: أن معنى الاستحقاق عليه، هو أنه لو لم يفعل لاستحق الذم. ولو فعله لاستحق المدح، وكل من كان كذلك كان ناقصاً في ذاته، مستكملاً بغيره وتعالى الله عنه وثالثها: أنه عالم بقبح القبيح، عالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح، وكل من امتنع كونه فاعلاً للقبيح، فليس لأحد أن يطالبه بشيء، وأن يقول له لم فعلت. والوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة، والوجه الثالث يتفرع على قول المعتزلة فثبت أن أحداً من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه ويطالب إلهه. واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أحداً من الخلق لا يمكنه أن يخاطب الله في شيء أو يطالبه بشيء قرر هذا المعنى، وأكده فقال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {رَّبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ}: قرأ ٱبن مسعود ونافع وأبو عمرو وٱبن كثير وزيد عن يعقوب، والمفضل عن عاصم: «رَبُّ» بالرفع على الاستئناف، «الرحمنُ» خبره. أو بمعنى: هو رب السموات، ويكون «الرحمن» مبتدأ ثانياً. وقرأ ٱبن عامر ويعقوب وٱبن محيصن كلاهما بالخفض، نعتاً لقوله: {جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ} أي جزاء من ربك رب السموات الرحمنِ. وقرأ ٱبن عباس وعاصم وحمزة والكسائي: «رَبِّ السموات» خفضاً على النعت، «الرحمن» رفعاً على الابتداء، أي هو الرحمن. وٱختاره أبو عُبيد وقال: هذا اعدلُها؛ خفض «رَبِّ» لقربه من قوله {مِّن رَّبِّكَ} فيكون نعتاً له، ورفع «الرحمن» لبعده منه، على الاستئناف، وخبرهُ {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} أي لا يملكون أن يسألوه إلاّ فيما أَذِن لهم فيه. وقال الكسائي: «لا يملِكون مِنه خِطابا» بالشفاعة إلا بإذنه. وقيل: الخطاب: الكلام؛ أي لا يملكون أن يخاطبوا الربَّ سبحانه إلا بإذْنه؛ دليله: « أية : لا تَكَلَّم نفس إِلا بِإذْنِهِ » تفسير : [هود: 105]. وقيل: أراد الكفار «لا يمِلكُون منه خِطاباً»، فأمّا المؤمنون فيَشْفَعُون. قلت: بعد أن يُؤْذن لهم؛ لقوله تعالى: { أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] وقوله تعالى: { أية : يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً } تفسير : [طه: 109]. قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} «يومَ» نصب على الظرف؛ أي يوم لا يملِكون منه خطاباً يومَ يقوم الروح. وٱختلف في الروح على أقوال ثمانية: الأوّل ـ أنه مَلَك من الملائكة. قال ٱبن عباس: ما خلق الله مخلوقاً بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يومُ القيامة قام هو وحده صفّاً، وقامت الملائكة كلهم صفّاً، فيكون عِظَمُ خَلْقه مثل صفوفهم. ونحو منه عن ٱبن مسعود؛ قال: الروح ملك أعظم من السموات السبع، ومن الأرضين السبع، ومن الجبال. وهو حِيال السماء الرابعة، يسبحُ اللَّهَ كل يوم ٱثنتي عشرة ألفَ تسبيحة؛ يخلق الله من كل تسبيحة ملكاً، فيجيء يوم القيامة وحده صفّاً، وسائر الملائكة صَفاً. الثاني ـ أنه جبريل عليه السلام. قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير. وعن ٱبن عباس: إن عن يمين العرش نَهْراً من نور، مثلَ السموات السبع، والأرضين السبع، والبحار السبع، يَدْخل جبريل كل يوم فيه سحراً فيغتسل، فيزداد نوراً على نوره، وجمالاً على جماله، وعظماً على عظمه، ثم ينتفض فيخلق الله من كل قطرة تقع من ريشه سبعين ألفَ مَلَك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألفاً البيت المعمور، والكعبة سبعون ألفاً لا يعودُون إليهما إلى يوم القيامة. وقال وهب: إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله تعالى تَرعَّدَ فرائصُه؛ يخلق الله تعالى من كل رَعدة مائة ألف مَلَك، فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسة رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إِلا أنت؛ وهو قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} في الكلام «وقال صواباً» يعني قول: «لا إله إلا أنت». والثالث ـ روى ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الرُّوح في هذه الآية جندٌ من جنود الله تعالى، ليسوا ملائكة، لهم رُؤوس وأيد وأرجل، يأكلون الطعام » تفسير : . ثم قرأ {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}، فإن هؤلاء جُند، وهؤلاء جُند. وهذا قول أبي صالح ومجاهد. وعلى هذا هم خَلْق على صورة بني آدم، كالناس وليسوا بناس. الرابع ـ أنهم أشرافِ الملائكة؛ قاله مقاتل بن حَيّان. الخامس ـ أنهم حَفَظَة على الملائكة؛ قاله ٱبن أبي نجيح. السادس ـ أنهم بنو آدم، قاله الحسن وقتادة. فالمعنى ذوو الروح. وقال العَوَفي والقُرَظيّ: هذا مما كان يكتمه ٱبن عباس؛ قال: الرُّوح: خلق من خلق الله على صور بني آدم، وما نَزَلَ مَلَك من السماء إلا ومعه واحد من الرُّوح. السابع ـ أرواح بني آدم تقوم صَفًّا، فتقوم الملائكة صفّاً، وذلك بين النفختين، قبل أن تردّ إلى الأجساد؛ قاله عَطية. الثامن ـ أنه القرآن؛ قاله زيد بن أسلم، وقرأ « أية : وكذلك أوحَيْنا إِليك رُوحاً مِن أمرِنا ». تفسير : [الشورى: 52] و «صفًّا»: مصدر أي يقومون صُفوفاً. والمصدر ينبيء عن الواحد والجمع، كالعدل والصوم. ويقال ليوم العيد: يوم الصف. وقال في موضع آخر: { أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } تفسير : [الفجر: 22] هذا يدل على الصفوف، وهذا حينَ العرض والحساب. قال معناه القُتَبيُّ وغيره. وقيل: يقوم الروح صفاً، والملائكة صفاً، فهم صفان. وقيل: يقوم الكل صفاً واحداً. {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} أي لا يشفَعون {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} في الشفاعة {وَقَالَ صَوَاباً} يعني حقًّا؛ قاله الضحاك ومجاهد. وقال أبو صالح: لا إله إلا الله. وروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: يَشفعون لمن قال لا إله إلا الله. وأصل الصواب: السداد من القول والفعل، وهو من أصاب يصيب إصابة؛ كالجواب من أجاب يجيب إجابة. وقيل: «لا يتكلمون» يعني الملائكة والرُّوح الذين قاموا صفاً، لا يتكلمون هيبة وإجلالاً «إِلا من أذِن له الرحمنُ» في الشفاعة وهم قد قالوا صوابا، وأنهم يوحِّدون الله تعالى ويسبحونه. وقال الحسن: إن الرُّوح يقول يوم القيامة: لا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، ولا النار إلا بالعمل. وهو معنى قوله تعالى: {وَقَالَ صَوَاباً}. قوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ} أي الكائن الواقع {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً} أي مرجعاً بالعمل الصالح؛ كأنه إذا عمل خيراً ردّه إلى الله عز وجل، وإذا عمل شراً عده منه. ويَنْظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام: « حديث : والخير كله بيديك، والشر ليس إليك »تفسير : . وقال قتادة: «مآباً»: سبيلاً. قوله تعالى: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً}: يخاطب كفار قريش ومشركي العرب؛ لأنهم قالوا: لا نبعث. والعذاب عذاب الآخرة، وكل ما هو آتٍ فهو قريب، وقد قال تعالى: { أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } تفسير : [النازعات: 46] قال معناه الكلبي وغيره. وقال قتادة: عقوبة الدنيا؛ لأنها أقرب العذابين. قال مقاتل: هي قتلُ قريش ببدْر. والأظهر أنه عذاب الآخرة، وهو الموت والقيامة؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، فإن كان من أهل الجنة رأى مَقعدَه من الجنة، وإن كان من أهل النار رأى الخِزْي والهوان؛ ولهذا قال تعالى: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} بَيَّن وقت ذلك العذاب؛ أي أنذرناكم عذاباً قريباً في ذلك اليوم، وهو يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، أي يراه، وقيل: ينظر إلى ما قدمت فحذف إلى. والمرء ها هنا المؤمن في قول الحسن؛ أي يجد لنفسه عملاً، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملاً، فيتمنى أن يكون تراباً. ولما قال: {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ} علم أنه أراد بالمرء المؤمن. وقيل: المرء ها هنا: أبيّ خلف وعُقْبة بن أبي مُعَيط. «ويقول الكافِر» أبو جهل. وقيل: هو عام في كل أحد وإنسان يَرَى في ذلك اليوم جزاء ما كَسَب. وقال مُقاتل: نزلت قوله «يوم ينظر المرء ما قدمت يداه» في أبي سَلَمة بن عبد الأسَد المخزوميّ {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}: في أخيه الأسود بن عبد الأسد. وقال الثعلبيّ: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: الكافر: ها هنا إبليس، وذلك أنه عاب آدم بأنه خُلِق من تراب، وٱفتخر بأنه خُلق من نار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة والرحمة، ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب، تمنى أنه يكون بمكان آدم، فـ «يقول ياليتنِي كنت ترابا» قال: ورأيته في بعض التفاسير للقُشَيري أبي نصر. وقيل: أي يقول إبليس ياليتني خُلِقت من التراب ولم أقل أنا خير من آدم. وعن ٱبن عمر: إذا كان يومُ القيامة مُدَّتِ الأرض مَدَّ الأدِيم، وحُشِر الدوابُّ والبهائم والوحوش، ثم يوضعُ القِصاص بين البهائم، حتى يُقْتَص للشاة الجمَّاء من الشاة القَرْناء بنطحتها، فإذا فرغ من القِصاص بينها قيل لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: {يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}. ونحوه عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم. وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة»، مجوداً والحمد لله. ذكر أبو جعفر النّحاس: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع، قال حدثنا سَلَمة بن شبيب، قال حدثنا عبد الرازق، قال حدثنا مَعْمر، قال أخبرني جعفر بن بَرْقان الجَزَريّ، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: إن الله تعالى يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم يقال للبهائم والطير كوني تراباً، فعند ذلك «يقول الكافر: ياليتني كنتُ تُرابا». وقال قوم: «ياليتنِي كنت ترابا»: أي لم أبعث، كما قال: { أية : يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ }. تفسير : [الحاقة: 25] وقال أبو الزّناد: إذا قُضِي بين الناس، وأُمِر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهلِ النار إلى النار، قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجنّ: عودُوا تراباً، فيعودن تراباً، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم «ياليتني كنت تراباً». وقال ليث بن أبي سليم: مؤمنو الجنّ يعودون تراباً. وقال عمر بن عبد العزيز والزهريّ والكلبيّ ومجاهد: مؤمنو الجِنةِ حول الجنة في رَبِضٍ ورِحاب وليسوا فيها. وهذا أصح، وقد مضى في سورة «الرحمن» بيان هذا، وأنهم مكلَّفون: يُثابون ويعاقبون، فهم كبني آدم، والله أعلم بالصواب.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء، وقوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه؛ كقوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255] وكقوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا ما هو؟ على أقوال: أحدها: ما رواه العوفي عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم. الثاني: هم بنو آدم، قاله الحسن وقتادة. وقال قتادة: هذا مما كان ابن عباس يكتمه. الثالث: أنهم خلق من خلق الله على صور بني آدم، وليسوا بملائكة ولا ببشر، وهم يأكلون ويشربون، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش. الرابع: هو جبريل، قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك، ويستشهد لهذا القول بقوله عز وجل: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 193 ــــ 194] وقال مقاتل بن حيان: الروح هو أشرف الملائكة، وأقرب إلى الرب عز وجل، وصاحب الوحي. الخامس: أنه القرآن، قاله ابن زيد كقوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : الآية [الشورى: 52]. والسادس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ} قال: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقاً. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا رواد بن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة هو أعظم من السموات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة يجيء يوم القيامة صفاً وحده. وهذا قول غريب جداً. وقد قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب الله بن رزق أبو هريرة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثني عطاء عن عبد الله بن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن لله ملكاً لو قيل له: التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة، لفعل. تسبيحه: سبحانك حيث كنت»تفسير : وهذا حديث غريب جداً، وفي رفعه نظر، وقد يكون موقوفاً على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات، والله أعلم. وتوقف ابن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها، والأشبه عندي ــــ والله أعلم ــــ أنهم بنو آدم. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} كقوله: {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [هود: 105] وكما ثبت في الصحيح: «حديث : ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل» تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ صَوَاباً} أي: حقاً، ومن الحق: لا إله إلا الله؛ كما قاله أبو صالح وعكرمة، وقوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ} أي: الكائن لا محالة {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَـئَاباً} أي: مرجعاً وطريقاً يهتدي إليه، ومنهجاً يمر به عليه. وقوله تعالى: {إِنَّآ أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} يعني: يوم القيامة؛ لتأكد وقوعه صار قريباً؛ لأن كل ما هو آت آت {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي: يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها، قديمها وحديثها؛ كقوله تعالى: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا} تفسير : [الكهف: 49] وكقوله تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰباً} أي: يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا تراباً، ولم يكن خلق، ولا خرج إلى الوجود، وذلك حين عاين عذاب الله، ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة، وقيل: إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا، فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرغ من الحكم بينها، قال لها: كوني تراباً، فتصير تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: {يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰباً} أي: كنت حيواناً، فأرجع إلى التراب، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما. آخر تفسير سورة النبأ. ولله الحمد والمنة. وبه التوفيق والعصمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَ&#1649لأَرْضِ } بالجرّ والرفع {وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَٰنِ } كذلك وبرفعه مع جرّ رَبِّ {لاَّ يَمْلِكُونَ } أي الخلق {مِنْهُ } تعالى {خِطَاباً } أي لا يقدر أحد أن يخاطبه خوفاً منه.

الماوردي

تفسير : {يومَ يقومُ والرُّوحُ الملائكةُ صَفّاً} في الروح ها هنا ثمانية أقاويل: أحدها: الروح خلق من خلق الله كهيئة الناس وليسوا أناساً، وهم جند للَّه سبحانه، قاله أبو صالح. الثاني: أنهم أشرف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان. الثالث: أنهم حفظة على الملائكة، قاله ابن أبي نجيح. الثالث: أنهم حفظة على الملائكة خلقاً، قاله ابن عباس. الرابع: أنه ملك من أعظم الملائكة خلقاً، قاله ابن عباس. الخامس: هو جبريل عليه السلام، قاله سعيد بن جبير. السادس: أنهم بنو آدم، قاله قتادة. السابع: أنهم بنو آدم، قاله قتادة. الثامن: أنه القرآن، قاله زيد بن أسلم. {لا يتكلمونَ إلا مَنْ أَذِنَ له الرحمنُ} فيه قولان: أحدهما: لا يشفعون إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة، قاله الحسن. الثاني: لا يتكلمون في شيء إلا من أذن له الرحمن شهادة أن لا إله إلا الله، قاله ابن عباس. {وقالَ صَواباً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني حقاً، قاله الضحاك. الثاني: قول لا إله إلا الله، قاله أبو صالح. الثالث: أن الروح يقول يوم القيامة: لا تُدخل الجنة إلا بالرحمة، ولا النار إلا بالعمل، فهو معنى قوله " وقال صواباًَ" قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: أنه سؤال الطالب وجواب المطلوب، لأن كلام الخلق في القيامة مقصور على السؤال والجواب. {ذلك اليومُ الحقُّ} يعني يوم القيامة، وفي تسميته الحق وجهان: أحدهما: لأن مجئيه حق وقد كانوا على شك. الثاني: أنّ الله تعالى يحكم فيه بالحق بالثواب والعقاب. {فمن شاءَ اتّخَذ إلى ربِّه مآباً} فيه وجهان: أحدهما: سبيلاً، قاله قتادة. الثاني: مرجعاً، قاله ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: اتخذ ثواباً لاستحقاقه بالعمل لأن المرجع يستحق على المؤمن والكافر. {إنّا أنذْرْناكم عَذاباَ قريباً} فيه وجهان: أحدهما: عقوبة الدنيا، لأنه أقرب العذابين، قاله قتادة، وقاله مقاتل: هو قتل قريش ببدر. الثاني: عذاب يوم القيامة، لأنه آت وكل آت قريب، وهو معنى قول الكلبي. {يومَ ينظُرُ المْرءُ ما قدَّمَتْ يَداهُ} يعني يوم ينظر المرء ما قدّم من عمل خير، قال الحسن: قدَّم فقَدِم على ما قَدَّم. ويحتمل أن يكون عامّاً في نظر المؤمن إلى ما قدّم من خير، ونظر الكافر إلى ما قدّم من شر. {ويقولُ الكافرُ يا لَيْتني كنتُ تُراباً} قال مجاهد يبعث الحيوان فيقاد للمنقورة من الناقرة، وللمركوضة من الراكضة، وللمنطوحة من الناطحة، ثم يقول الرب تعالى: كونوا تراباً بلا جنة ولا نار، فيقول الكافر حينئذ: يا ليتني كنت تراباً وفي قوله ذلك وجهان: أحدهما: يا ليتني صرت اليوم مثلها تراباً بلا جنة ولا نار، قاله مجاهد. الثاني: يا ليتني كنت مثل هذا الحيوان في الدنيا وأكون اليوم تراباً، قاله أبو هريرة: وهذه من الأماني الكاذبة كما قال الشاعر: شعر : ألا يا ليتني والمْرءُ مَيْتُ وما يُغْني من الحدثانِ لَيْت. تفسير : قال مقاتل: نزل قوله تعالى: {يوم ينظر المرء ما قدّمت يداهُ} في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ونزل قوله تعالى: {ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} في أخيه الأسود بن عبد الأسد.

ابو السعود

تفسير : {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا} بدلٌ من ربِّك وقولُه تعالَى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ} صفةٌ له وقيلَ: صفةٌ للأولِ وأياً ما كانَ ففي ذكرِ ربوبـيتِه تعالى للكلِّ ورحمتِه الواسعةِ إشعارٌ بمدارِ الجزاءِ المذكورِ. وقوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} استئنافٌ مقررٌ لما أفادَهُ الربوبـيةُ العامةُ من غايةِ العظمةِ والكبرياءِ واستقلالِه تعالى ما ذُكِرَ من الجزاءِ والعطاءِ من غيرِ أنْ يكونَ لأحدٍ قدرةٌ عليهِ. وقُرِىءَ برفعِهما فقيلَ على أنَّهما خبرانِ لمبتدأٍ مضمرٍ وقيلَ: الثَّانِي نعتٌ للأولِ وقيلَ: الأَولُ مبتدأٌ والثاني خبرُهُ ولا يملكونَ خبرٌ آخرُ أو هو الخبرُ والرحمنُ صفةٌ للأولِ، وقيلَ: لا يملكونَ حالٌ لازمةٌ وقيلَ: الأولُ مبتدأٌ والرحمنُ مبتدأٌ ثانٍ ولا يملكونَ خبرُهُ والجملةُ خبرٌ للأولِ، وحصلَ الربطَ بتكريرِ المبتدأِ بمعناهُ على رأي مَنْ يقولُ بهِ والأوجهُ أنْ يكونَ كلاهُما مرفوعاً على المدحِ أو يكونَ الثانِي نعتاً للأولِ ولا يملكونَ استئنافاً على حالِه ففيهِ ما ذُكرَ من لإشعارِه بمدارِ الجزاء والعطاءِ كما في البدليةِ لما أنَّ المرفوعَ أو المنصوبَ مدحاً تابعٌ لما قبلَهُ مَعْنى وإنْ كان مَنقطعاً عنه إعراباً كما فُصِّل في قولِه تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 3] من سورةِ البقرةِ وقُرِىءَ بجرِّ الأولِ على البدليةِ ورفعِ الثانِي على الابتداءِ والخبرُ ما بعدَهُ أو على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ مضمرٍ وما بعدَهُ استئنافٌ أو خبرٌ ثانٍ أو حالٌ وضميرُ لا يملكونَ لأهلِ السمواتِ والأرضِ أي لايملكونَ أنْ يخاطبُوه تعالَى من تلقاءِ أنفسِهم كما ينبىءُ عنه لفظُ الملكِ خطاباً مَا في شيءٍ مَا والمرادُ نفيُ قدرتِهم على أنْ يخاطبُوه تعالَى بشيءٍ من نقضِ العذابِ أو زيادةِ الثوابِ من غيرِ إذنِه على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وقيلَ ليسَ في أيديهم ممَّا يخاطبُ الله بهِ ويأمرُ به في أمرِ الثوابِ والعقابُ خطابٌ واحدٌ يتصرفونَ فيه تصرفَ الملاَّكِ فيزيدونَ فيهِ أو ينقصونَ منْهُ {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً} قيلَ: الروحُ خلقٌ أعظمُ من الملائكةِ وأشرفُ منهم وأقربُ من ربِّ العالمينَ وقيل: هو مَلكٌ ما خلقَ الله عزَّ وجلَّ بعدَ العرشِ خلقاً أعظمَ منْهُ. عنِ ابنٍ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا أنَّه إذا كانَ يومُ القيامةِ قامَ هو وحدَهُ صَفّاً والملائكةُ كلُّهم صفاً.وعنْهُ عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ: حديث : "الروحُ جندٌ من جنودِ الله تعالى ليسُوا ملائكةً لهم رؤوسٌ وأيدٍ وأرجلٌ يأكلونَ الطعامَ" ثُمَّ قرأَ {يومَ يقومُ الروحُ} الآيةَتفسير : . وهذَا قولُ أبـي صالحٍ ومجاهدٍ قالُوا ما ينزلُ من السماءِ ملكٌ إلا ومعه واحدٌ منُهم نقلَهُ البغويُّ. وقيل: هم أشرافُ الملائكةُ وقيلَ: هم حفظةٌ على الملائكةِ وقيلَ: جبريلُ عليهِ السَّلامُ. وصفَّا حالٌ أي مصطفينَ قيلَ: هما صفَّانِ الروحُ صفٌّ واحدٌ أو متعددٌ والملائكةُ صفٌّ وقيلَ: صفوفٌ وهو الأوفقُ لقولِه تعالى: {أية : وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } تفسير : [سورة الفجر، الآية 22] وقيلَ: يقومُ الكُلُّ صفّاً وَاحِداً. ويومَ ظرفٌ لقولِه تعالى: {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ}. وقولِه تعالى: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} بدلٌ من ضميرِ لا يتكلمونَ، العائدِ إلى أهلِ السمواتِ والأرضِ الذينَ من جُملتهم الروحُ والملائكةُ. وذكرُ قيامِهم واصطفافِهم لتحقيق عظمةِ سلطانِه وكبرياءِ ربوبـيتِه وتهويلِ يومِ البعثِ الذي عليهِ مدارُ الكلامِ من مطلعِ السورةِ الكريمةِ إلى مقطعِها. والجملةُ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ قولِه تعالى لا يملكونَ الخ ومؤكدٌ على مَعْنى أنَّ أهلَ السمواتِ والأرضِ إذَا لم يقدرُوا يومئذٍ على أنْ يتكلمُوا بشيءٍ من جنسِ الكلامِ إلاَّ مَنْ أذنَ الله تعالى له منُهم في التكلمِ وقال ذلكَ المأذونُ له قولاً صواباً أي حقّاً فكيفَ يملكون خطابَ ربِّ العزةِ مع كونه أخصَّ من مطلق الكلامُ وأعزَّ منه مراماً لا على معنى أنَّ الروحَ والملائكةَ مع كونِهم أفضلَ الخلائقِ وأقربَهم من الله تعالى إذَا لم يقدرُوا أنْ يتكلمُوا بما هُو صوابٌ من الشفاعة لمن ارتضَى إلا بإذنه فكيفَ يملكُه غيرُهم كما قيلَ فإنَّه مؤسسٌ على قاعدة الاعتزالِ فمن سلكَهُ مع تجويزه أنْ يكونَ يومَ ظرفاً للايملكونَ فقد اشتبَه عليهِ الشؤونُ واختلطَ به الظنونُ وقيلَ: إلا من أذنَ الخ منصوبٌ على أصلِ الاستثناءِ والمَعْنى لا يتكلمونَ إلا في حقِّ شخصٍ أذنَ له الرحمنُ وقالَ ذلكَ الشخصُ صواباً أي حقَّاً هُو التوحيدُ وإظهارُ الرحمنِ في موضعِ الإضمارِ للإيذانِ بأنَّ مناطَ الإذنِ هو الرحمةُ البالغةُ لا أنَّ أحداً يستحقُّه عليهِ سبحانَه وتعالَى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً}. وكيف تكون للمُكَوَّن المخلوقِ الفقيرِ المسكينِ مُكْنَةٌ أَنْ يملك منه خطاباً؟ أو يتنفَّسَ بدونه نَفَساً؟ كلاّ.. بل هو اللَّهُ الواحدُ الجبَّار. قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً}. إنما تظهر الهيبةُ على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم، وأمَّا الخواص وأصحابُ الحضور فَهُم أبداً بمشهدِ العِزِّ بنعت الهيبة، لا نَفَسَ لهم ولا راحة؛ أحاط بهم سرادُقها واستولت عليهم حقائها. قوله جلّ ذكره: {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً}. هم بمشهد الحقِّ، والحَكَمُ عليهم الحقُّ، حكم عليهم بالحق، وهم مجذوبون بالحقِّ للحقِّ. قوله جلّ ذكره: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً}. وهو عند أهلِ الغفلة بعيدٌ، ولكنَّه في التحقيق قريبٌ. {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}. مضوا في ذُلِّ الاختيار والتعنِّي، وبُعِثوا في حسرة التمنِّي، ولو أنهم رضوا بالتقدير لتخلَّصوا عن التمنِّي.

اسماعيل حقي

تفسير : {رب السموات والارض وما بينهما} بدل من ربك والمراد رب كل شئ وخالقه ومالكه {الرحمن} مفيض الخير والجود على كل موجود بحسب حكمته وبقدر استعداد المرحوم وهو بالجر صفة للرب وقيل صفة للاول واياما كان ففى ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة اشعار بمدار الجزآء المذكور قال القاشانى اى ربهم المعطى اياهم ذلك العطاء هو الرحمن لان عطاياهم من النعم الظاهرة الجليلة دون الباطنة الدقيقة فمشربهم من اسم الرحمن دون غيره وفى التأويلات النجمية رب سموات الارواح وارض النفوس وما بينهما من السر والقلب واقواهما الروحانية هو الرحمن اى الموصوف بجميع الاسماء والصفات الجمالية والجلالية لوقوعه بين الله الجامع وبين الرحيم فله وجه الى الالوهية المشتملة على القهر وله ايضا وجه الى الرحيم الجمالى المحض {لا يملكون منه خطابا} استئناف مقرر لما افادته الربوبية العامة من غاية العظمة والكبرياء واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزآء والعطاء من غير أن يكون لاحد قدرة عليه وضمير لا يملكون لاهل السموات والارض ومن فى منه صلة للتأكيد على طريقة قولهم بعت منك اى بعتك يعنى ان صلة خطابا قدم عليه فانقلب بيانا والمعنى لا يملكون ان يخاطبوه تعالى من تلقاء انفسهم كما ينبئ عنه لفظ الملك اذ المملوك لا يستحق على مالكه شيأ خطابا ما فى شئ ما لتفرده بالعظمة والكبرياء وتوحده فى ملكه بالامر والنهى والخطاب والمراد نفى قدرتهم على ان يخاطبوه تعالى بشئ من نقض العذاب وزيادة الثواب من غير اذنه على ابلغ وجه وآكده كانه قيل لا يملكون ان يخاطبوه بما سبق من الثواب والعقاب وبه يحصل الارتباط بين هذه الآية وبين ما قبلها من وعيد الكفار ووعد المؤمنين ويظهر منه ان نفى ان يملكوا خطابه لا ينافى الشفاعة باذنه قال القاشانى لانهم اى اهل الافعال لم يصلوا الى مقام الصفات فلاحظ لهم من المكالمة.

الجنابذي

تفسير : {رَّبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ} قرئ ربّ السّماوات، والرّحمن بالجرّ والرّفع {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} منه حال من خطاباً او ظرف لغو متعلّق بلا يملكون اى لا يملكون مخاطبته او لا يملكون من اذنه مخاطبةً ولا يقدرون ولا يؤذنون فيها.

اطفيش

تفسير : {رَّبِّ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} خبر لمحذوف أي هو رب والرحمن نعته أن قلنا أنه صفة أو خبر بعد خبر ورب مبتدأ والرحمن خبر أو الرحمن بدل إن قلنا أنه غير صفة ولا يملكون خبر رب أن جعل مبتدأ أو خبر أخر أن جعل خبر لمحذوف ويجوز كون الرحمن مبتدأ ولا يملكون خبرا وقرأ الكوفيون وابن عامر يجر رب وهو بدل من ربك *{الرَّحْمَنِ} وقرأه عاصم وابن عامر بالخفض قيل ويعقوب على أنه نعت لرب لرب لا لمجرور من لان البدل لا يسبق النعت، وقرأ حمزة والكسائي بجر رب ورفع الرحمن على أنه خبر لمحذوف أو مبتدأ خبره لا يملكون وغير الكوفيين وابن عامر وعاصم برفع الاسمين *{لاَ يَمْلِكُونَ} أي الخلق أهل السماوات وأهل الأرض وقيل الملائكة *{مِنْهُ خِطَاباً} أي لا يقدرون على خطابه خوفا منه وفي هذا جواز خاطبت الله ومنعه صاحب السؤالات وقيل الخطاب الشفاعة إلا بإذنه وقيل الضمير للكفار أي لا يقدرون أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها وهذا في موطن خاص، وقيل ليس في أيدي الخلق مما يخاطب به الله ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون تصرف الملاك فيزيدون فيه أو ينقصون منه ولا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب إلا أن يهب لهم ذلك أو يأذن لهم فيه وذلك أنهم مملوكون له على الإطلاق فلا يستحقون عليه اعتراضا وذلك لا ينافي الشفاعة بإذنه.

اطفيش

تفسير : {رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ} رب مبتدأ والرحمن خبر أو خبر لمحذوف أى هو رب والرحمن خبر ثان أو نعت لرب أو بدل منه أو الرحمن مبتدأ ثان وقوله عز وجل: {لاَ يَمْلِكُونَ} أى أهل السماوات والأَرض وقيل المشركون. {مِنْهُ خِطَاباً} خبر الثانى والجملة خبر الأَول أو الجملة خبر لهو المقدر أو لرب أو رب مبتدأ والرحمن نعت أو بدل والجملة خبر رب والمعنى أنهم لا قدرة لهم أن يتكلموا لله عز وجل كلما شاءُوا وفى كل ما أرادوا من إِزالة العذاب أو نقصه أو جلب منفعة أو أن يكون لهم منه خطاب لهم أو أن يأذن لهم أن يتصرفوا بكلام فى غيرهم أو أن يخاطبوه بمعارضة على ما فعل ومن للابتداء متعلقة بيملك أو بمحذوف حال من خطابا وظاهر الاية وقوله {أية : ولا تخاطبني في الذين ظلموا} تفسير : [هود: 37، المؤمنون: 27] جواز أن يقال خاطبت الله ومنعه أصحابنا صاحب السؤالات وغيره لعدم وروده ولخروجه عن الأَدب ولا دليل فى الآيتين لأَن حاصلهما لا يملكون أن يتكلموا وليس فيهما إِجازة أن يقال خاطبت الله ولو قال أبوك لا تأمرنى بكذا لم يجز أن تقول أجاز لى أبى أن أقول أمرت أمرت أبى.

الالوسي

تفسير : {رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } بدل من لفظ {أية : رَّبِّكَ}تفسير : [النبأ: 36] وفي إبداله تعظيم لا يخفى وإيماء على ما قيل إلى ما روي في «كتب الصوفية» من الحديث القدسي حديث : لولاك لما خلقت الأفلاك تفسير : . وقوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنِ} صفة لربك أو لرب السماوات على الأصح عند المحققين من جواز وصف المضاف إلى ذي اللام بالمعرف بها، وجوز أن يكون عطف بيان وهل يكون بدلاً من لفظ {رَّبِّكَ} قال في «البحر» فيه نظر لأن الظاهر أن البدل لا يتكرر وقوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً } استئناف مقرر لما أفادته الربوبية العامة من غاية العظمة واستقلالاً له تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء من غير أن يكون لأحد قدرة عليه والقراءة كذلك مروية عن عبد الله وابن أبـي إسحٰق والأعمش وابن محيصن وابن عامر وعاصم. وقرأ الأعرج وأبو جعفر وشيبة وأبو عمرو والحرميان برفع الاسمين فقيل على أنهما خبران لمبتدأ مضمر أي هو رب السماوات الخ وقيل الأول هو الخبر والثاني صفة له أو عطف بيان وقيل الأول مبتدأ والثاني خبره و{لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ} خبر آخر أو هو الخبر والثاني نعت للأول أو عطف بيان وقيل لا يملكون حال لازمة وقيل الأول مبتدأ أول والثاني مبتدأ ثان و{لاَ يَمْلِكُونَ} خبره والجملة خبر للأول وحصل الربط بتكرير المبتدأ بمعناه على رأي من يقول به واختير أن يكون كلاهما مرفوعاً على المدح أو يكون الثاني صفة للأول و{لاَ يَمْلِكُونَ} استئنافاً على حاله لما في ذلك من توافق القراءتين معنى. وقرأ الأخوان والحسن وابن وثاب والأعمش وابن محيصن بخلاف عنهما بجر الأول على ماسمعت ورفع الثاني على الابتداء والخبر مابعده أو على أنه خبر لمبتدأ مضمر وما بعده استئناف أو خبر ثان وضمير {لاَ يَمْلِكُونَ} لأهل السمٰوات والأرض. و{مِنْهُ} بيان لخطاباً مقدم عليه أي لا يملكون أن يخاطبوه تعالى من تلقاء أنفسهم كما ينبىء عنه لفظ الملك خطاباً ما في شيء ما والمراد نفي قدرتهم على أن يخاطبوه عز وجل بشيء من نقص العذاب أو زيادة الثواب من غير إذنه تعالى على أبلغ وجه وآكده. وجوز أن يكون {مِنْهُ} صلة {يَمْلِكُونَ} و{مِنْ} ابتدائية والمعنى لا يملكون من الله تعالى خطاباً واحداً أي لا يملكهم الله تعالى ذلك فلا يكون في أيديهم خطاب يتصرفون فيه تصرف الملاك فيزيدون في الثواب أو ينقصون من العقاب وهذا كما تقول ملكت منه درهماً وهو أقل تكلفاً وأظهر من جعل {مِنْهُ} حالاً من {خِطَاباً} مقدماً وإضمار مضاف أي خطاباً / من خطاب الله تعالى فيكون المعنى لا يملكون خطاباً واحداً من جملة ما يخاطب به الله تعالى ويأمر به في أمر الثواب والعقاب. وظاهر كلام البيضاوي حمل الخطاب على خطاب الاعتراض عليه سبحانه في ثواب أو عقاب ومنه على ما سمعت منا أولاً أي لا يملكون خطابه تعالى والاعتراض عليه سبحانه في ثواب أو عقاب لأنهم مملوكون له عز وجل على الإطلاق فلا يستحقون عليه سبحانه اعتراضاً أصلاً، وأياً ما كان فالآية لا تصلح دليلاً على نفي الشفاعة بإذنه عز وجل. وعن عطاء عن ابن عباس أن ضمير {لاَ يَمْلِكُونَ} للمشركين وعدم الصلاحية عليه أظهر.

ابن عاشور

تفسير : {رَّبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ}. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر برفع {ربُّ} ورفع {الرحمنُ}، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بخفضهما، وقرأه حمزة والكسائي وخلف بخفض {رب} ورفع {الرحمنُ}، فأما قراءة رفع الاسمين فـــ {ربُّ} خبر مبتدأ محذوف هو ضميرٌ يعود على قوله: { أية : من ربك } تفسير : [النبأ: 36] على طريقة حذف المسند إليه حَذفاً سماه السكاكي حذْفاً لاتباع الاستعمال الوارد على تركه، أي في المقام الذي يجري استعمال البلغاء فيه على حذف المسند إليه، وذلك إذا جرى في الكلام وصف ونحوه لموصوف ثم ورد ما يصلح أن يكون خبراً عنه أو أن يكون نعتاً له فيختار المتكلم أن يجعله خبراً لا نعتاً، فيقدر ضمير المنعوت ويأتي بخبر عنه وهو ما يسمى بالنعت المقطوع. والمعنى: إن ربك هو ربهم لأنه رب السماوات والأرض وما بينهما ولكن المشركين عبدوا غيره جهلاً وكفراً لنعمته. و{الرحمنُ} خبر ثان. وأما قراءة جر الاسمين فهي جارية على أن {رب السمٰوات} نعت لـــ {ربك} من قوله: { أية : جزاء من ربك } تفسير : [النبأ: 36] و{الرحمٰن} نعت ثان. والرب: المالك المتصرف بالتدبير ورعي الرفق والرحمة، والمراد بالسماوات والأرض وما بينهما مسماها مع ما فيها من الموجودات لأن اسم المكان قد يراد به ساكنه كما في قوله تعالى: { أية : فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها } تفسير : في سورة الحج (45)، فإن الظلم من صفات سكان القرية لا صفة لذاتها، والخواء على عروشها من أحوال ذات القرية لا من أحوال سكانها، فكان إطلاق القرية مراداً به كلا المعنيين. والمراد بما بين السماوات والأرض: ما على الأرض من كائنات وما في السماوات من الملائكة وما لا يعلمه بالتفصيل إلا الله وما في الجو من المكونات حية وغيرها من أسحبة وأمطار وموجودات سابحة في الهواء. و{ما} موصولة وهي من صيغ العموم، وقد استفيد من ذلك تعميم ربوبيته على جميع المصنوعات. وأتبع وصف {رب السمٰوات} بذكر اسم من أسمائه الحسنى، وهو اسم {الرحمن} وخص بالذكر دون غيره من الأسماء الحسنى لأن في معناه إيماء إلى أن ما يفيضه من خير على المتقين في الجنة هو عطاء رحمان بهم. وفي ذكر هذه الصفة الجليلة تعريض بالمشركين إذ أنكروا اسم الرحمٰن الوارد في القرآن كما حكى الله عنهم بقوله: { أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } تفسير : [الفرقان: 60]. { لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا}. يجوز أن تكون هذه الجملة حالاً من {ما بينهما} لأن ما بين السماوات والأرض يشمل ما في ذلك من المخلوقات العاقلة، أو المزعوم لها العقل مثل الأصنام، فيتوهم أن مِن تلك المخلوقات من يستطيع خطاب الله ومراجعته. ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً لإبطال مزاعم المشركين أو للاحتراس لدفع توهم أن ما تشعر به صلة رب من الرفق بالمربوبين في تدبير شؤونهم يسيغ إقدامهم على خطاب الرب. والمِلك في قوله: {لا يملكون منه خطاباً} معناه القدرة والاستطاعة لأن المالك يتصرف فيما يملكه حسب رغبته لا رغبة غيره فلا يحتاج إلى إذن غيره. فنفي المِلك نفي للاستطاعة. وقوله: {منه} حال من {خطاباً}. وأصله صفة لخطاب فلما تقدم على موصوفه صار حالاً. وحرف (مِن) اتصالية وهي ضرب من الابتدائية فهي ابتدائية مجازية كقوله تعالى: { أية : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من اللَّه من شيء } تفسير : [الممتحنة: 4] فــــ (مِن) الأولى اتصالية والثانية لتوكيد النص، ومنه قولهم: لستُ منك ولستَ مني وقوله تعالى: { أية : ومن يفعل ذلك فليس من اللَّه في شيء } تفسير : [آل عمران: 28]، أي لا يستطيعون خطاباً يبلغونه إلى الله. وضمير {لا يملكون} عائد إلى (ما) الموصولة في قوله: {وما بينهما} لأنها صادقة على جميعهم. والخطاب: الكلام الموجّه لحاضر لدى المتكلم أو كالحاضر المتضمن إخباراً أو طلباً أو إنشاء مدح أو ذم. وفعل {يملكون} يعمّ لوقوعه في سياق النفي كما تعمّ النكرة المنفية. و{خطاباً} عام أيضاً وكلاهما من العام المخصوص بمخصص منفصل كقوله عقب هذه الآية { أية : لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً } تفسير : [النبأ: 38] وقوله: { أية : يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه } تفسير : [هود: 105] وقوله: { أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } تفسير : [البقرة: 255] وقوله: { أية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } تفسير : [الأنبياء: 28]. والغرض من ذكر هذا إبطالُ اعتذار المشركين حين استشعروا شناعة عبادتهم الأصنام التي شهَّر القرآن بها فقالوا: { أية : هؤلاء شُفعاؤنا عند الله } تفسير : [يونس: 18]، وقالوا: { أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } تفسير : [الزمر: 3].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (37) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ، وََأَنَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَخَالِقُهُمَا وَمَالِكُهُمَا، وَالمُدَبِّرُ لِشُؤُونِهِمَا، لاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِمَا ابْتِداءً وَمُبَاشَرَةً مُخَاطَبَتَهُ تَعَالَى إٍلاَّ بِإِذْنِهِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} معناه كَلامٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [النبأ: 37] بدل من ربك؛ يعني: جازى العباد في سماوات أطوار القلوب، وفي أرض استعداد الباقية القالبية من أنواع النعم بما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وتقر عين القلب من مشاهدة وجه الرب، {وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَـٰنِ} [النبأ: 37]؛ يعني: رب سماوات أطوار القلب وأرض استعدادات الباقية القالبية وبينهما من الصفات بالنفسانية المزكوة {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} [النبأ: 37]؛ يعني: لا يقدر أحد على خلق السماوات والأرض وما بينهما أن يكلمون الرب إلا بإذنه. {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ} [النبأ: 38] في ذلك اليوم في حضرة الرب، {وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} [النبأ: 38]؛ يعني: الروح الإنسانية إلا خليقة الرب في مملكة الوجود وملائكة قوى السر والقلب المطيعون لأمر الرب، {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} [النبأ: 38]؛ يعني: لم يرد من عرش وارد الإشارة لم يقدر قوة من القوى أن يخاطب الرب، وإذا خاطب بأمره وإذنه، {وَقَالَ صَوَاباً} [النبأ: 38] كما قال في الدنيا قول: "لا إله إ لا الله" وقال: {صَوَاباً}[النبأ: 38] حقاً صدقا. {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ} [النبأ: 39]؛ يعني: يوم الفصل يوم حق وقوعه، {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً} [النبأ: 39]؛ يعني: بعد تقرير ذلك اليوم، وتبيين أحواله وأحوال الخلق فمن شاء السلامة والسعادة اتخذ إلى حضرة الرب، وآب إلى [خدمته] آيباً تائباً {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} [النبأ: 40] إنا أعلمناكم أيتها القوى القالبية والنفسية عذاباً قريباً إليكم، بل عذاباً هو لا ينفك عنكم ساعة، بل هو من كسبكم بحيث صار وجودكم، ولكن من كثافة الحجب ورمد عيونكم لا تبصرونه اليوم، فلما كشف الغطاء وصار البصر حديد اليوم {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [النبأ: 40]؛ يعني: ينظر إلى ما كسبت يداه وقدمت لنفسه إلى الدار الباقية خيراً أم شراً، {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ} [النبأ: 40] في ذلك اليوم بعد اطلاعه على ما قدمت يداه من الشر، {يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40] يعني: فاقداً قوة الإدراك كما كنت قبل التركيب ولا ينفعه هذا الندم؛ لأنه كسب قوة الإدراك الباقية الدائمة الأبدية المؤلمة له في الآخرة أبد الآباد، فيا أيها الكاسب اكسب اليوم في دار الكسب لطيفة باقية متنعمة؛ لتتنعم بها أبد الآباد مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم اجعلنا من الصالحين بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: الذي أعطاهم هذه العطايا هو ربهم { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } الذي خلقها ودبرها { الرَّحْمَنِ } الذي رحمته وسعت كل شيء، فرباهم ورحمهم، ولطف بهم، حتى أدركوا ما أدركوا. ثم ذكر عظمته وملكه العظيم يوم القيامة، وأن جميع الخلق كلهم ذلك اليوم ساكتون لا يتكلمون و { لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فلا يتكلم أحد إلا بهذين الشرطين: أن يأذن الله له في الكلام، وأن يكون ما تكلم به صوابا، لأن { ذَلِكَ الْيَوْمُ } هو { الْحَقُّ } الذي لا يروج فيه الباطل، ولا ينفع فيه الكذب، وفي ذلك اليوم { يَقُومُ الرُّوحُ } وهو جبريل عليه السلام، الذي هو أشرف الملائكة { وَالْمَلائِكَةُ } [أيضا يقوم الجميع] { صَفًّا } خاضعين لله { لا يَتَكَلَّمُونَ } إلا بما أذن لهم الله به. فلما رغب ورهب، وبشر وأنذر، قال: { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا } أي: عملا وقدم صدق يرجع إليه يوم القيامة. { إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا } لأنه قد أزف مقبلا وكل ما هو آت فهو قريب. { يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } أي: هذا الذي يهمه ويفزع إليه، فلينظر في هذه الدنيا إليه، كما قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } تفسير : الآيات. فإن وجد خيرا فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ولهذا كان الكفار يتمنون الموت من شدة الحسرة والندم. نسأل الله أن يعافينا من الكفر والشر كله، إنه جواد كريم. تم تفسير سورة عم، والحمد لله رب العالمين