٧٨ - ٱلنَّبَأ
78 - An-Naba' (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : وذلك لأن الملائكة أعظم المخلوقات قدراً ورتبة، وأكثر قدرة ومكانة، فبين أنهم لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالاً لربهم وخوفاً منه وخضوعاً له، فكيف يكون حال غيرهم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لمن يقول بتفضيل الملك على البشر أن يتمسك بهذه الآية، وذلك لأن المقصود من الآية أن الملائكة لما بقوا خائفين خاضعين وجلين متحيرين في موقف جلال الله، وظهور عزته وكبريائه، فكيف يكون حال غيرهم، ومعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كانوا أشرف المخلوقات. المسألة الثانية: اختلفوا في الروح في هذه الآية، فعن ابن مسعود أنه ملك أعظم من السموات والجبال. وعن ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً، وعن مجاهد: خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون، وليس بناس، وعن الحسن وقتادة هم بنو آدم، وعلى هذا معناه ذو الروح، وعن ابن عباس أرواح الناس، وعن الضحاك والشعبي هو جبريل عليه السلام، وهذا القول هو المختار عند القاضي. قال: لأن القرآن دل على أن هذا الاسم اسم جبريل عليه السلام، وثبت أن القيام صحيح من جبريل والكلام صحيح منه، ويصح أن يؤذن له فكيف يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه، أو إلى القرآن الذي لا يصح وصفه بالقيام. أما قوله: {صَفَّا } فيحتمل أن يكون المعنى أن الروح على الاختلاف الذي ذكرناه، وجميع الملائكة يقومون صفاً واحداً، ويجوز أن يكون المعنى يقومون صفين، ويجوز صفوفاً، والصف في الأصل مصدر فينبىء عن الواحد والجمع، وظاهر قول المفسرين أنهم يقومون صفين، فيقوم الروح وحده صفاً، وتقوم الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم، وقال بعضهم: بل يقومون صفوفاً لقوله تعالى: {أية : وَجَاء رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } تفسير : [الفجر: 22]. المسألةالثالثة: الاستثناء إلى من يعود؟ فيه قولان: أحدهما: إلى الروح والملائكة، وعلى هذا التقدير؛ الآية دلت على أن الروح والملائكة لا يتكلمون إلا عند حصول شرطين إحداها: حصول الإذن من الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }تفسير : [البقرة: 255] والمعنى أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله. والشرط الثاني: أن يقول: صواباً، فإن قيل: لما أذن له الرحمن في ذلك القول، علم أن ذلك القول صواب لا محالة، فما الفائدة في قوله: {وَقَالَ صَوَاباً }؟ والجواب من وجهين: الأول: أن الرحمن أذن له في مطلق القول ثم إنهم عند حصول ذلك الإذن لا يتكلمون إلا بالصواب، فكأنه قيل: إنهم لا ينطلقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ثم بعد ورود ذلك الإذن يجتهدون، ولا يتكلمون إلا بالكلام الذي يعلمون أنه صدق وصواب، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة والعبودية الوجه الثاني: أن تقديره: لا يتكلمون إلا في حق {مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } والمعنى لا يشفعون إلا في حق شخص أذن له الرحمن في شفاعته وذلك الشخص كان ممن قال صواباً، واحتج صاحب هذا التأويل بهذه الآية على أنهم يشفعون للمذنبين لأنهم قالوا صواباً وهو شهادة أن لا إله إلا الله، لأن قوله: {وَقَالَ صَوَاباً } يكفي في صدقه أن يكون قد قال صواباً واحداً، فكيف بالشخص الذي قال القول الذي هو أصوب الأقوال وتكلم بالكلام الذي هو أشرف الكلمات القول الثاني: أن الاستثناء غير عائد إلى الملائكة فقط بل إلى جميع أهل السموات والأرض، والمقول الأول أولى لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى. واعلم أنه تعالى لما قرر أحوال المكلفين في درجات الثواب والعقاب، وقرر عظمة يوم القيامة قال بعده:
البيضاوي
تفسير : {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } تقرير وتوكيد لقوله {لاَّ يَمْلِكُونَ }، فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صواباً كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه، فكيف يملكه غيرهم و {يَوْمٍ } ظرف لـ {لاَّ يَمْلِكُونَ }، أو لـ {يَتَكَلَّمُونَ } و {ٱلرُّوحُ } ملك موكل على الأرواح أو جنسها، أو جبريل عليه السلام أو خلق أعظم من الملائكة. {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ } الكائن لا محالة. {فَمَن شَاء ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ } إلى ثوابه. {مَـئَاباً } بالإيمان والطاعة. {إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } يعني عذاب الآخرة، وقربه لتحققه فإن كل ما هو آت قريب ولأن مبدأه الموت. {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } يرى ما قدمه من خير أو شر، و {ٱلْمَرْء } عام. وقيل هو الكافر لقوله: {إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ } فيكون الكافر ظاهراً وضع موضع الضمير لزيادة الذم، و {مَا } موصولة منصوبة بينظر أو استفهامية منصوبة بـ {قَدَّمْتُ }، أي ينظر أي شيء قدمت يداه. {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً } في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف، أو في هذا اليوم فلم أبعث، وقيل يحشر سائر الحيوانات للاقتصاص ثم ترد تراباً فيود الكافر حالها. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة عم سقاه الله برد الشراب يوم القيامة».
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ } ظرف ل «لا يملكون» {يَقُومُ ٱلرُّوحُ } جبريل أو جند الله {وَٱلْمَلَٰئِكَةُ صَفّاً } حال، أي مصطفين {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } أي الخلق {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ } في الكلام {وَقَالَ } قولاً {صَوَاباً } من المؤمنين والملائكة كأن يشفعوا لمن ارتضى.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في {الروح} المذكورة في هذا الموضع، فقال الشعبي والضحاك: هو جبريل عليه السلام ذكره خاصة من بين الملائكة تشريفاً، وقال ابن مسعود: هو ملك كريم أكبر الملائكة خلقة يسمى بـ {الروح} ، وقال ابن زيد: كان أبي يقول هو القرآن، وقد قال الله تعالى: {أية : أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى: 52] أي من أمرنا. قال القاضي أبو محمد: فالقيام فيه مستعار يراد ظهوره مثول آثاره، والأشياء الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه ومع هذا ففي القول قلق، وقال مجاهد: {الروح} خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون وقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الروح خلق غير الملائكة لهم حفظة للملائكة كما الملائكة حفظة لنا" تفسير : ،وقال ابن عباس والحسن وقتادة: {الروح} هنا اسم جنس: يراد به أرواح بني آدم والمعنى يوم تقوم الروح في أجسادها إثر البعث والنشأة الآخرة، ويكون الجميع من الإنس والملائكة {صفاً} ولا يتكلم أحد هيبة وفزعاً {إلا من أذن له الرحمن} من ملك أو نبي وكان أهلاً أن يقول {صواباً} في ذلك الموطن، وقال ابن عباس: الضمير في {يتكلمون} عائد على الناس خاصة و "الصواب" المشار إليه لا إله إلا الله، قال عكرمة أي قالها في الدنيا. وقوله تعالى: {ذلك اليوم الحق} أي الحق كونه ووجوده، وفي قوله: {فمن شاء اتخذ إلى ربه} مكاناً وعد ووعيد وتحريض، و "المآب" المرجع وموضع الأوبة، والضمير الذي هو الكاف والميم في {أنذركم} هو لجميع العالم وإن كانت المخاطبة لمن حضر النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار، و "العذاب القريب": عذاب الآخرة، ووصفه بالقرب لتحقق وقوعه وأنه آت وكل آت قريب الجمع داخل في النذارة منه، ونظر المرء إلى {ما قدمت يداه} من عمل قيام الحجة عليه، وقال ابن عباس {المرء} هنا المؤمن، وقرأ ابن ابي إسحق: " المُرء" بضم الميم وضعفها أبو حاتم، وقوله تعالى: {ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} قيل إن هذا تمنٍّ أن يكون شيئاً حقيراً لا يحاسب ولا يلتفت إليه، وهذا قد نجده في الخائفين من المؤمنين فقد قال عمر بن الخطاب: ليتني كنت بعرة، وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر: إن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص لبعضها من بعض ثم يقول لها من بعد ذلك: كوني تراباً، فيعود جميعها تراباً، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله، قال أبو القاسم بن حبيب: رأيت في بعض التفاسير أن {الكافر} هنا إبليس إذا رأى ما حصل للمؤمنين من بني آدم من الثواب قال: {يا ليتني كنت تراباً} ، أي كآدم الذي خلق من تراب واحتقره هو أولاً. نجز تفسير سورة {النبأ} والحمد لله حق حمده.
ابن عبد السلام
تفسير : {الرُّوحُ} خلق كهيئة الناس وليسوا بناس وهم جند لله تعالى أو أشراف الملائكة أو حفظة على الملائكة أو جبريل عليه السلام أو ملك من أعظم الملائكة خلقاً "ع" أو أرواح بني آدم تقوم صفاً والملائكة صفاً أو بنو آدم أو القرآن {لا يَتَكَلَّمُونَ} لا يشفعون {إِلا مَنْ أّذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} في الشفاعة "ح" أو لا يتكلمون بشيء إلا من أذن له الرحمن بشهادة أن لا إله إلا الله. {صَوَاباً} حقاً أو قول لا إله إلا الله أو قول الروح يومئذٍ "لا تُدخل الجنة إلا بالرحمة ولا النار إلا بالعمل "ح".
الخازن
تفسير : {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} قيل هو جبريل عليه الصلاة والسلام وقال ابن عباس: الروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقاً أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفاً، وقامت الملائكة كلهم صفاً واحداً فيكون من عظم خلقه مثلهم، وقال ابن مسعود: الروح ملك عظيم أعظم من السموات والأرض والجبال وهو في السماء الرابعة يسبح الله كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يجيء يوم القيامة صفاً وحده، وقيل الروح خلق على صورة بني آدم وليسوا بناس يقومون صفاً والملائكة صفاً هؤلاء جند وهؤلاء جند وقال ابن عباس الروح خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم، وعنه أنهم بنو آدم يقومون صفاً والملائكة صفاً، وقيل يقوم سماطان سماط من الروح وسماط من الملائكة {لا يتكلمون} يعني الخلق كلهم إجلالاً لعظمته تعالى جلّ جلاله وتعالى عطاؤه وشأنه من هول ذلك اليوم {إلا من أذن له الرحمن} أي في الكلام {وقال صواباً} أي حقاً في الدنيا وعمل به، وقيل قال لا إله إلا الله قيل الاستثناء يرجع إلى الروح والملائكة، ومعنى الآية لا يشفعون إلا في شخص أذن الرحمن في الشفاعة له، وذلك الشخص ممن كان يقول صواباً في الدنيا، وهو لا إله إلا الله {ذلك اليوم الحق} أي الكائن الواقع لا محالة وهو يوم القيامة. {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً} أي سبيلاً يرجع إليه وهو طاعة الله وما يتقرب به إليه {إنا أنذرناكم} أي خوفناكم في الدنيا {عذاباً قريباً} أي في الآخرة وكل ما هو آت قريب {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} يعني من خير أو شر مثبتاً في صحيفته ينظر إليه يوم القيامة. {ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} قال عبد الله بن عمرو "إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الدّواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص للشّاة الحماء من الشاة القرناء نطحتها. فإذا فرغ من القصاص قيل لها كوني تراباً فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً" وقيل يقول الله عز وجل للبهائم بعد القصاص إنا خلقناكم وسخرناكم لبني آدم وكنتم مطيعين لهم أيام حياتكم فارجعوا إلى ما كنتم عليه كونوا تراباً، فإذ رأى الكافر ذلك تمنى، وقال يا ليتني كنت في الدّنيا في صورة بعض هذه البهائم، وكنت اليوم تراباً وإذا قضى الله بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وقيل لسائر الأمم سوى الناس والجن عودوا تراباً فيعودون تراباً فحينئذ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً، وقيل معناه إن الكافر إذا رأى ما أنعم الله به على المؤمنين من الخير، والرحمة، قال يا ليتني كنت تراباً يعني متواضعاً في طاعة الله في الدنيا، ولم أكن جباراً متكبراً، وقيل إن الكافر هاهنا هو إبليس، وذلك أنه عاب آدم وكونه خلق من تراب، وافتخر عليه بأنه خلق من نار فإذا كان يوم القيامة، ورأى ما فيه آدم وبنوه المؤمنين من الثواب والرحمة، وما هو فيه من الشّدة والعذاب قال يا ليتني كنت تراباً قال أبو هريرة رضي الله عنه يقول التراب لا ولا كرامة لك من جعلك مثلي، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ} اخْتُلِفَ في الرُّوحِ المذكورِ هنا فقال الشعبي والضحاك: هو جبريلُ ـــ عليه السلام ـــ؛ وقال ابن مسعودٍ: هو مَلَكٌ عظيم أكبرُ الملائكةِ خِلْقَةً يسمَى الرُّوح، وقال ابن زيد: هو القرآن، وقال مجاهدٌ: الروحُ خَلْقٌ على صورة بني آدمَ يأكلُون ويَشْرَبُونَ، وقالَ ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الرُّوحُ خَلْقٌ غَيْرُ المَلاَئِكَةِ هُمْ حَفَظَةٌ لِلْمَلاَئِكَةِ؛ كَمَا المَلاَئِكَةُ حَفَظَةٌ لَنَا»تفسير : ، وقيلَ الرُّوح اسمُ جنسٍ لأرواحِ بني آدم، والمعنى: يوم تَقُوم الأرواحُ في أجسادها إثْرَ البَعْثِ، ويكونُ الجميعُ من الإنس والملائِكَةِ صفًّا ولاَ يتكلمُ أحدٌ منهم هَيْبَةً وفَزَعاً إلا مَنْ أذنَ له الرحمنُ مِنْ مَلَكٍ أو نبي؛ وكان أهلاً أنْ يقولَ صواباً في ذلك الموطنِ، وقال البخاريُّ: {صَوَاباً}: حَقًّا في الدنيا وعَمِلَ به، انتهى،، وفي قوله: {فَمَن شَاءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَـئَاباً} وعدٌ ووعيدٌ وتحريضٌ، والعذابُ القريبُ: هو عذاب الآخرةِ، إذ كلُّ آتٍ قريبٌ، وقال أبو هريرةَ وعبدُ اللَّه بن عمر: إن اللَّه تعالى يُحْضِرُ البهائم يَومَ القيامةِ فيقتصُّ لبعضها من بعضٍ، ثم يقول لَها بَعْدَ ذلكَ: كوني تراباً فيعودُ جميعُها تراباً؛ فعند ذلك يقول الكافر: {يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰباً} * قلت *: وَاعْلَمْ رحمكَ اللَّه أَني لم أقفْ على حديثٍ صحيحٍ في عَوْدِها تراباً، وقدْ نَقَلَ الشيخُ [أبُو العباسِ القَسْطَلاَّنِيُّ عن] الشيخ أبي الحكم بن أبي الرَّجَّالِ إنكارَ هذا القولِ، وقال: ما نُفِثَ روحُ الحياةِ في شَيْءٍ فَفَنِيَ بَعْدَ وجودِه، وقد نقَلَ الفَخْرُ هنا عن قَوْم بقاءَها وأن هذه الحيواناتِ إذا انْتَهَتْ مدةُ إعراضِها جعلَ اللَّه كلَّ ما كانَ مِنْهَا حَسَنَ الصُّورَةِ ثواباً لأهلِ الجنةِ، وما كانَ قَبيحَ الصورةِ عقاباً لأَهْلِ النارِ، انتهى، والمُعَوَّلُ عليه في هذا: النقلُ فإنْ صَحَّ فيه شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وَجَبَ اعْتِقَادُه وصِيرَ إليه، وإلا فلا مدخلَ للعَقْلِ هنا، واللَّه أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ}. منصوب على الظرف، إمَّا بـ "لا يَتكلَّمُونَ" بعده، وإمَّا بـ "لا يَمْلِكُونَ" و "صفًّاً" حال: أي: مُصطفِّيْنَ، و "لاَ يَتَكلَّمُونَ" إمَّا حال أو مستأنف. فصل في المراد بالروح احتلفوا في الروح. فقال ابن عباس: هو ملك ما خلق الله بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفًّا، وقام الملائكة كلهم صفًّا، ونحوه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: الرُّوح ملك أعظم من السموات السبع والأرضين السبع والجبال. وقيل: جبريل - عليه الصلاة والسلام - قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير. وروى عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : الرُّوحُ في هَذِهِ الآيةِ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللهِ لَيْسُوا مَلائِكةً لَهُمْ رُءوسٌ وأيْدٍ وأرْجُلٌ يَأكُلونَ الطَّعام، ثُمَّ قَرَأَ: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}تفسير : ، وهذا قول أبي صالح، ومجاهد، وعلي - رضي الله عنهم - وعلى هذا هو خلقٌ على صورة بني آدم كالناس، وليسوا بناس، وما ينزل من السماء ملك إلاَّ ومعه واحد منهم، نقله البغوي. وعن ابن عباس - رضي الله عنه - "هُمْ أرْواحُ النَّاسِ". وقال مقاتل بن حيان: هُمْ أشراف الملائكة. وقال ابن أبي نجيحٍ: هم حفظة على الملائكة. وقال الحسن وقتادة: هم بنو آدم، والمعنى: ذو الروح. وقال العوفي، والقرظي: هذا ممَّا كان يكتمه ابن عباس. وقيل: أرواح بني آدم تقومُ صفًّا، فتقومُ الملائكةُ صفًّا، وذلك بين النَّفختين قبل أن تردُّ إلى الأجسادِ. قاله عطية. وقال زيد بن أسلم: هو القرآن. وقرأ: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]، و {صَفّاً} مصدر؛ أي: يقومون صفوفاً، والمصدر يغني عن الواحد والجمع كالعدل، والصوم، ويقال ليوم العيد: يوم الصف. وقال في موضع آخر سبحانه: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : [الفجر: 22]، وهذا يدل على الصفوف، وهذا حين العرض والحساب، قيل: هما صفان. وقيل: يقوم الكلُّ صفًّا واحداً، "لا يتَكلَّمُونَ" أي: لا يشفعون. قوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ} يجوز أن يكون بدلاً من "واو" يتكلَّمون، وهو الأرجح، لكونه غير موجب، وأن يكون منصوباً على أصل الاستثناء. والمعنى: لا يشفعون إلاَّ من أذن لهُ الرحمن في الشفاعة. وقيل: لا يتكلمون إلا في حقِّ من أذنَ له الرحمنُ، وقال صواباً. والمعنى: لا يشفعون إلاَّ في حقِّ شخصٍ أذن الرحمن في شفاعته، وذاك الشخص كان ممن قال صواباً، والمعنى قال صواباً، يعنى: "حقًّا". قاله الضحاك ومجاهد. وروى الضحاكُ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا يشفعون إلاَّ لمن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأصل الصَّواب: السداد من القول والفعل، وهو من أصاب يصيب إصابة، كالجواب من أجاب يجيبُ. وقيل: "لا يتكلَّمون" يعني: الملائكة، والروح الذين كانوا صفًّا لا يتكلمون هيبة وإجلالاً إلا من أذن له الرب تعالى في الشفاعة، وهم الذين قالوا صواباً، وأنهم يوحدون الله - تعالى - ويسبِّحونه. قوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ}. "ذلك" إشارة إلى ما تقدَّم ذكره {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً}، أي: موجباً بالعمل الصالح. وقال قتادة: "مآباً" سبيلاً. ثم إنه - تعالى - زاد في تخويف الكفَّار فقال تعالى: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} يعني العذاب في الآخرة، وسماه قريباً؛ لأن كل ما هو آت قريب. كقوله تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46]. وقال قتادة: عقوبة الدنيا؛ لأنه أقرب العذابين. وقال مقاتل: هي قتل قريش بـ "بدر"، وهذا خطاب لكفَّار قريش، ولمشركي العرب؛ لأنهم قالوا: لا نُبْعَثُ، وإنَّما سمَّاهُ إنذاراً؛ لأنَّه - تعالى - قد خوَّف بهذا الوصف نهاية التخويف، وهو معنى الإنذار. قوله: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ}. يجوز أن يكون بدلاً من "يوم" قبله، وأن يكون منصوباً بـ "عذاباً" أي: العذاب واقع في ذلك اليوم. وجوّز أبو البقاء ان يكون نعتاً لـ "قريباً" ولو جعله نعتاً لـ "عَذاباً" كان أولى. والعامَّة: بفتح ميم "المرء" وهي الغالبة، وابن أبي إسحاق: بضمها، وهي لغة يتبعُون اللام الفاء. وخطَّأ أبو حاتم هذه القراءة، وليس بصواب لثبوتها لغة. فصل في المراد بـ "المرء" أراد بالمرء: المؤمن في قول الحسن، أي: ليجد لنفسه عملاً، فأمَّا الكافر فلا يجد لنفسه عملاً، فيتمنى أن يكون تراباً، قال: {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ} فعلم أنه أراد بالمرء المؤمن، وقيل: المراد هنا أبيُّ بنُ خلفٍ، وعُقبَةُ بنُ أبِي معيط، ويَقول الكافِرُ: أبو جهل. وقيل: هو عام في كل أحد يرى في ذلك اليوم جزاء ما كسبَتْ. قوله: {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}. يجوز في "ما" أن تكون استفهامية معلقة لـ "يَنْظُر" على أنَّه من النظر، فتكون الجملة في موضع نصب على إسقاط الخافض، وأن تكون موصولة مفعولة بها، والنَّظر بمعنى الانتظارِ، أي: ينتظر الذي قدمت يداه. قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}. العامة: لا يدغمون تاء "كنت تراباً" قالوا: لأنَّ الفاعل لا يحذف، والإدغامُ يشبه الحذف، وفي قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ} وضع الظاهر موضع المضمر شهادة عليه بذلك. فصل في نزول هذه الآية قال مقاتل: نزل قوله تعالى: {يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} في أبِي سلمةَ بْنِ عَبْدِ الأسدِ المخزوميِّ. ويقول الكافر: "يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً" في أخيه بْنِ عبدِ الأسدِ. وقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: الكافر هنا إبليس - لعنة الله عليه - وذلك بأنه عاب آدم - عليه الصلاة والسلام - بأنه خلقَ من تُرابٍ، وافتخر بأنه خلقَ من نار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه من آدم وبنوه من الثواب والراحة، ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب، تمنى أنه كان بمكان آدم، فيقول: يا ليتني كنت تراباً، قال: ورأيته في بعض التفاسير للقشيري أبي نصر. روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "حديث : يُحْشَرُ الخَلقُ كُلُّهُمْ مِنْ دابَّةٍ، وطَائِرٍ، وإنْسَانٍ، ثُمَّ يُقَالُ للبَهَائِمِ والطَّيْرِ: كُونُوا تُرَاباً، عند ذلكَ يَقُولُ الكَافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً ". تفسير : وقيل: معنى "يا ليتني كنت تراباً" أي: لم أبعثْ. وقال أبو الزناد: إذا قُضِيَ بين الناس، وأمِرَ بأهْلِ الجنَّة إلى الجنَّة، وأهْلِ النَّار إلى النار، قيل لسائر الأمم ولو من الجن: عودوا تراباً، فيعودون تراباً، فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم: يا ليتني كنت تراباً. وقال ليث بن أبي سليم: مُؤمنو الجِنِّ يعُودُونَ تُرَاباً. وقال عُمرُ بْنُ عبدِ العزِيْزِ والزُّهْرِيُّ والكلبيُّ ومجاهدٌ: مؤمنو الجِنِّ حول الجنَّةِ في رَبضِ ورحابٍ وليسوا فيها، وهذا أصح، فإنهم مُكَلَّفُونَ: يُثَابُونَ ويُعَاقَبُونَ كبَنِي آدمَ. روى الثعلبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} سقاه الله تعالى بَرْدَ الشَّرابِ يَوْمَ القِيَامَةِ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} [الآية: 38]. قال: لما كان إليهم من بره فمن كان مأذونًا فى الكلام كان موافقًا على قدر علمه. قال أبو عثمان: علامة المأذون له فى الكلام: صوابًا قوله وصدقه، ومن ظهر فى كلامه خلل وزلل أو ظهر فى خطابه كذب دل بذلك على أنه غير مأذون له فى الكلام.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} من كان كلامه فى الدنيا من حيث الاحوال والاحوال من حيث الوجد والوجد من حيث الكشف والكشف من حيث المشاهدة والمشاهدة من حيث المعاينة فهو ما دون فى الدنيا والأخرة يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة ينقذ الله به الخلائق من ورطة الهلاك قال ابن عطا الخالص ما كان له والصواب ما كان على السنة قال الواسطى لاهل الحق قال صوابا لما كان اليهم من بره فمن كان ماذونا فى الكلام كان موفقا على قدرعلمه قال الاستاذ انما يظهر الهيبة على العموم لاهل الجمع فى ذلك اليوم واما الخواص واصحاب الحضور فهم ابدا بمشهد العز بنعت الهيبة لا نفس لهم ولا فرحة احاط بهم سرادقها واستولت عليهم حقايقها.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} اخر الملائكة هنا تعميما بعد التخصيص واخر الروح فى القدر تخصيصا بعد التعميم فالظاهر أن الروح من جنس الملائكة لكنه اعظم منهم خلقا ورتبة وشرفا اذ هو بمقابلة الروح الانسانى كما ان الملائكة بمقابلة القوى الروحانية ولا شك ان الروح اعظم من قواه التابعة له كالسلطان مع امرآئه وجنده ورعاياه وتفسير الروح بجبريل ضعيف وان كان هو مشتهرا بكونه روح القدس والروح الامين اذ كونه روحا ليس بالنسبة الى ذاته والا فالملائكة كلهم روحانيون وان كانوا اجساما لطيفة غير الارواح المهمية وانما هو بالنسبة الى كونه نافخ الروح وحامل الوحى الذى هو كالروح فى الاحياء وقد اتفقوا على ان اسرافيل اعظم من جبريل ومن غيره فلو كان احد يقوم صفا واحدا لكان هو اسرافيل دون جبراآئيل والله اعلم بمراده من الروح وان اختلفت الروايات فيه هذا ما لاح لى فى هذا المقام بعون الملك العلام وصفا حال اى مصطفين لكثرتهم وقيامهم بما امر الله فى امر العباد وقيل هما صفان الروح صف والملائكة صف وقيل صفوف وهو الاوفق لقوله تعالى {والملائكة صفا} ويوم ظرف لقوله تعالى {لا يتكلمون} وقوله تعالى {الا من اذن له الرحمن وقال صوابا} بدل من ضمير لا يتكلمون العائد الى اهل السموات والارض الذين من جملتهم الروح والملائكة وهو أرجح لكون الكلام غير موجب والمستثنى منه مذكور وفى مثله يختار البدل على الاستثناء وذكر قيامهم واصطفافهم لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء ربوبيته وتهويل يوم البعث الذى عليه مدار الكلام من مطلع السورة الى مقطعها والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى لا يتكلمون الخ ومؤكد له على معنى ان اهل السموات والارض اذ لم يقدروا يومئذ على ان يتكلموا بشئ من جنس الكلام الا من اذن الله له منهم فى التكلم وقال ذلك المأذون له قولا صوابا اى حقا صادقا او واقعا فى محله من غير خطأ فى قوله فكيف يملكون خطاب رب العزة مع كونه اخص من مطلق الكلام واعز منه مراما وقيل الا من اذن الخ منصوب على اصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون الا فى حق شخص اذن له الرحمن وقال ذلك الشخص صوابا اى حقا هو التوحيد وكلمة الشهادة دون غيره من اهل الشرك فانهم مما يقولوا فى الدنيا صوابا بل تفوهوا بكلمة الكفر والشرك واظهار الرحمن فى موقع الاضمار للايذان بأن مناط الاذن هو الرحمة البالغة لا ان احدا يستحقه عليه تعالى وفى عرآئس البقلى من كان كلامه فى الدنيا من حيث الاحوال والاحوال من حيث الوجد والوجد من حيث الكشف والكشف من حيث المشاهدة والمشاهدة من حيث المعاينة فهو مأذون فى الدنيا والآخرة يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة ينقذ الله به الخلائق من ورطة الهلاك قال ابن عطاء الخالص ما كان لله والصواب ما كان على وجه السنة وقال بعضهم انما تظهر الهيبة على العموم لاهل الجمع فى ذلك اليوم واما الخواص واصحاب الحضور فهم ابدا بمشهد العز بنعت الهيبة وفيه اشارة الا ان الاسرار والقلوب وقواهم الكائنين بين سموات الارواح وبين ارض النفوس لا يملكون أن يخاطبوا الحق فى شفاعة النفس الامارة والهوى المتبع بسبب لحمة النسب الواقع بينهم اذ الكل اولاد الروح والقالب كما لم يملك نوح عليه السلام أن يخاطب الحق فى حق ابنه كنعان بمعنى انه لم يقدر على انجائه اذ جاء الخطاب بقوله فلا تسألن ما ليس لك به علم.
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ} ظرف لواحد من الافعال السّابقة او لقوله: لا يتكلّمون، والرّوح ههنا عبارة عن ربّ النّوع الانسانىّ الّذى هو اعظم من جميع الملائكة ومقامه فوق مقام جميع الملائكة بل فوق عالم الامكان لم يكن مع احدٍ من الانبياء (ع)، وكان مع محمّدٍ (ص) وبعده مع اوصيائه (ع) ويعبّر عنه بروح القدس {وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} فى صفٍّ او حال كونهم مصطفّين {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ} فى الدّنيا {صَوَاباً} او قال عند الله صواباً.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثني علي بن محمد بن عمر الزهري [قال: حدثني محمد بن العباس بن عيسى عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن صالح بن سهل. ش]: عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر عليه السلام [في (ر: عن) قوله. ب، ر. تعالى. ر]: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلاّ من أذن له الرحمان وقال صواباً} قال: إذا كان يوم القيامة خطف قول (لا إله إلا الله) من [ش: عن] قلوب العباد في الموقف إلا من أقرّ بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وهو قوله: {إلا من أذن له الرحمان} من أهل ولاية علي فهم الذين يؤذن لهم بقول {لا إله إلاّ الله}. [فرات. ش] قال: حدثني القاسم بن الحسن بن حازم [أ: خازم] القرشي [قال: حدثنا الحسين بن علي النقاد عن محمد بن سنان. ش]: عن أبي حمزة الثمالي قال: دخلت على محمد بن علي عليهما السلام وقلت: يا ابن رسول الله حدثني بحديث ينفعني. قال: يا أبا حمزة كلّ يدخل الجنة إلا من أبى. قال: قلت: يا ابن رسول الله أحد يأبى [أن. أ، ب] يدخل الجنة؟ قال: نعم. قلت: من؟ قال: من لم يقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: قلت: يا ابن رسول الله حسبت [ظ] أن لا أروي هذا الحديث عنك. قال: ولِمَ؟ قلت: إني تركت المرجئة والقدرية والحرورية وبني أمية [كل. ن] يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال: أيهات أيهات إذا كان يوم القيامة سلبهم الله إياها لا يقولها [ش: فلم يقلها] إلا نحن وشيعتنا والباقون منها براء أما سمعت الله يقول: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صواباً} قال: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ} متعلق بيملكون أو بيتكلمون بناء على أنه لا صدر للا النافية غير العاملة، قال الحسن يوم يروح كل شيء في جسده قال للجنس وقيل الروح ملك موكل على الأرواح، وقال الشعبي والضحاك هو جبريل، وقال ابن عباس ملك ما خلق الله مخلوقا يقوم بعد العرش أعظم منه وإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا، وقال ابن مسعود ملك أعظم من السماوات والأرض والجبال أشرف الملائكة بعد جبريل الى الله في السماء الرابعة يسبح كل يوم إثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يجئ يوم القيامة صفا وحده. وقيل جنس على صورة بني آدم يقومون صفا والملائكة صفا هؤلاء جند وهؤلاء جند، وعن ابن عباس جنس على صورة بني آدم ما ينزل ملك إلا ومعه واحد منهم وعنه أنهم بنوا آدم يقومون صفا والملائكة صفا وعنه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خلق غير الملائكة حفظة للملائكة كما الملائكة حفظة لنا وقال مجاهد خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون وقال ابن زيد القرآن فعلى أنه من الملائكة فتخصيصه بالذكر تعظيم له. *{وَالمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} فإذا لم يقدر هؤلاء على أن يتكلموا إلا بشرط إذن الله لهم وقول الصواب ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فكيف يملك غيرهم خطابا فذلك توكيد لقوله{أية : لا يملكون منه خطابا} تفسير : والذين يأذن لهم الله هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، ومعنى قال صوابا تأهل لقول الصواب في ذلك الموطن وهو نحو الشفاعة لمن ارتضى، وقال البخاري قال صوابا قال حقا في الدنيا وعمل به فهو الأنبياء والمؤمنون، وقيل الصواب لا إله إلا الله، وقيل الضمير في يتكلمون للناس كلهم والخلق، والمستثنى الملائكة والروح، وقيل من أذن له هو السعيد فكأنه قيل لا يتكلمون وينفعون بكلامهم إلا من أذن له.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} يتعلق بيملك قبله أو بيتكلم بعده. {يَقُومُ الرُّوحُ} نوع من الملائكة أشرف من سائرهم عند الله عز وجل حفظة عليهم، وعن ابن عباس مرفوعا جند ليسوا ملائكة يأكلون ويشربون لهم أيد وأرجل ورءوس، وعن ابن مسعود الروح ملك أعظم من السماوات والأَرض والجبال وهو فى السماء الرابعة يسبح الله تعالى كل يوم اثنى عشر ألف تسبيحة يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكاً وذلك الملك الأَعظم يكون صفاً وحده ومعنى كونه فى السماء مع أنه بتلك العظمة أنه فيها منبسط إِلى فوق وخارج عنها أو ينطوى، وعن ابن عباس موقوفاً الروح جند لا ينزل ملك من السماء إِلا معه واحد منهم على صورة بنى آدم يقومون صفا والملائكة صفا وقيل سماطان سماط منهم وسماط من سائر الملائكة وقيل ملك ما خلق الله ملكاً أعظم منه إِلا العرش يقوم صفاً والملائكة صفاً فوه يسع الملائكة أو ملك يولج الأَرواح فى الأَجساد بنفسه وذلك بإِذن الله عز وجل، وعن ابن عباس جبريل يقوم يوم القيامة ترتعد فرائصه من عذاب الله تعالى يقول سبحانك لا إِله إِلا أنت ما عبدناك حق عبادتك، وقيل ملك بين منكبيه ما بين المشرق والمغرب أما سمعت قول الله عز وجل: يقوم الروح والملائكة صفا، وقال البيهقى أرواح الناس تقوم مع الملائكة بين النفختين ولا صحة له وهو مناف للآية، وقيل القرآن وقيامه ظهور أثره عن تصديقه وتكذيبه. {وَالْمَلائِكَةُ} عموم بعد تخصيص إِذا فسر الروح بملك أو ملائكة يذكر الخاص تشريفا قبل العام كما يذكر بعده. {صَفًّا} حال من الروح والملائكة أى مصطفين فهوحال ولا يلزم من كونهم مصطفين كونهم صفاً واحداً بل هو قابل لتعدد الصفوف كما أفصح به قول الله عز وجل {أية : والملك صفاً صفاً} تفسير : [الفجر: 22] فالملائكة صفوف متعددة والروح صف {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} أى أهل السماوات والأَرض ومنهم الروح أو الروح والملائكة قال ابن عباس أو الناس. {إِلاَّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} فى الكلام أن يتكلم. {وَقَالَ} بعد الإِذن. {صَوَاباً} حقاً من الشفاعة لمن ارتضى أى لمن قبله الله عز وجل وإِذا لم تملك الملائكة وأشرافهم القول إِلا بالإِذن مع الصواب فكيف يملكه غيرهم والملائكة من حيث إِنهم لا ذنب لهم ومن حيث إِنهم يأتون بالوحى ويتلقونه من اللوح المحفوظ ويتلون الأُمور الإِلهية ولا يفترون عن العبادة أفضل من البشر المؤمنين والبشر المؤمنون أفضل لتعبهم فى العبادة وترك الشهوات والصبر على المصائب وهذا الجانب أفضل وكثير ممن ليس وزيرا للملك ولا يباشر أحواله أفضل من وزرائه ومباشر أحواله وترى خدماً أخساء لهم ادلال عليه والدخول على حرمه ولا يجد ذلك من هو أعز منهم كما روى أن عابداً رأى رجلاً يدخل على أهل السلطان فسأَل عنه فقالوا خصى فقال سبحان من وعظنى فيه بترك الشهوات ونيل المراد بتركها وإِذا كان الأَمر هكذا فكيف يملك المشرك أو كل من أراد منه خطابا وقد قيل وقال صوابا فى الدنيا وهو كلمة الشهادة مع توابعها وقيل من أذن له الرحمن فى شأَنه أن يتكلم عليه غيره والواضح ما مر وقال عطف على أذن وتجوز الحالية أى وقد قال صواباً فى الدنيا وأظهر لفظ الرحمن للإِيضاح وأن مناط الإِذن الرحمة البالغة إِذ لا يستحقه أحد.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً } قيل الروح خلق أعظم من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين، وقيل هو ملك ما خلق الله عز وجل بعد العرش خلقاً أعظم منه عن ابن عباس أنه إذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفاً والملائكة صفاً، وعن الضحاك أنه لو فتح فاه لوسع جميع الملائكة عليهم السلام. وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ في «العظمة» وابن مردويه عن ابن عباس أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال((حديث : الروح جند من جنود الله تعالى ليسوا ملائكة لهم رؤس وأيد وأرجل))تفسير : وفي رواية حديث : يأكلون الطعام ثم قرأ {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً } وقال هؤلاء جند وهؤلاء جند تفسير : وروي القول بهذا عن مجاهد وأبـي صالح. وقيل هم أشراف الملائكة وقيل هم حفظة الملائكة وقيل ملك موكل على الأرواح قال في «الإحياء» الملك الذي يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجسام فإنه يتنفس فيكون في كل نفس من أنفاسه روح في جسم وهو حق يشاهده أرباب القلوب ببصائرهم. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك أنه جبريل عليه السلام وهو قول لابن عباس فقد أخرج هو عنه أيضاً أنه قال إِن جبريل عليه السلام يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقاً من عذاب الله تعالى يقول سبحانك لا إله إلا أنت ما عبدناك حق عبادتك وإن ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب أما سمعت قول الله تعالى {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً} وفي رواية البيهقي في «الأسماء والصفات» عنه أن المراد به أرواح الناس وأن قيامها مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد إلى الأجساد وهو خلاف الظاهر في الآية جداً ولعله لا يصح عن الحبر. وقيل القرآن وقيامه مجازعن ظهور آثاره الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز مع ما لا يخفى ولم يصح عندي فيه هنا شيء. و{يَوْمَ} ظرف للايملكون و{صَفّاً} حال أي مصطفين قيل هما صفان الروح صف واحد أو متعدد والملائكة صف آخر وقيل صفوف وهو الأوفق لقوله تعالى: {أية : وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }تفسير : [الفجر: 22] وقيل: يوم يقوم الروح والملائكة الكل صفاً واحداً وجوز أن يكون ظرفاً لقوله تعالى: {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } وقوله سبحانه: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } بدل من ضمير {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} وهو عائد إلى أهل السماوات والأرض الذين من جملتهم الروح والملائكة، وذكر قيامهم مصطفين لتحقيق عظمة سلطانه تعالى وكبرياء ربوبيته عز وجل وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار الكلام من مطلع السورة الكريمة إلى مقطعها. والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى: {لاَّ يَمْلِكُونَ } الخ ومؤكد له على معنى أن أهل السماوات والأرض إذا لم يقدروا حينئذ أن يتكلموا بشيء من جنس الكلام إلا من أذن الله تعالى له منهم في التكلم مطلقاً وقال ذلك المأذون له بعد الإذن في مطلق التكلم قولاً صواباً أي حقاً من الشفاعة لمن ارتضى فكيف يملكون خطاب رب العزة جل جلاله مع كونه أخص من مطلق الكلام وأعز منه مراماً؟ وجوز أن يكون ضمير {لاَّ يَمْلِكُونَ } إلى الروح والملائكة والكلام مقرر لمضمون قوله تعالى: {لاَّ يَمْلِكُونَ } الخ أيضاً لكن على معنى أن الروح والملائكة مع كونهم أفضل الخلائق وأقربهم من الله تعالى إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما هو صواب من الشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم؟ وذكره بعض أهل السنة فتعقب بأنه مبني على مذهب الاعتزال من كون الملائكة عليهم السلام أفضل من البشر مطلقاً / وأنت تعلم أن من أهل السنة أيضاً من ذهب إلى هذا كأبـي عبد الله الحليمي والقاضي أبـي بكر الباقلاني والإمام الرازي ونسب إلى القاضي البيضاوي وكلامه في «التفسير» هنا لا يخلو عن إغلاق وتصدى من تصدى لتوجيهه وأطالوا في ذلك على أن الخلاف في أفضليتهم بمعنى كثرة الثواب وما يترتب عليها من كونهم أكرم على الله تعالى وأحبهم إليه سبحانه لا بمعنى قرب المنزلة ودخول حظائر القدس ورفع ستارة الملكوت بالاطلاع على ما غاب عنا والمناسبة في النزاهة وقلة الوسائط ونحو ذلك فإنهم بهذا الاعتبار أفضل بلا خلاف، وكلام ذلك البعض يحتمل أن يكون مبنياً عليه وهذا كما نشاهده من حال خدام الملك وخاصة حرمه فإنهم أقرب إليه من وزرائه والخارجين من أقربائه وليسوا عنده بمرتبة واحدة وإن زادوا في التبسط والدلال عليه. وعن ابن عباس أن ضمير {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} للناس وجوز أن يكون {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ} الخ منصوباً على أصل الاستثناء والمعنى لا يتكلمون إلا في حق شخص أذن له الرحمن وقال ذلك الشخص في الدنيا صواباً أي حقاً هو التوحيد وقول لا إله إلا الله كما روي عن ابن عباس وعكرمة وعليه قيل يجوز أن يكون {قَالَ صَوَاباً} في موضع الحال مِنْ (مَنْ) بتقدير قد أو بدونه لا عطفاً على {أَذِنَ} ومن الناس من جوز الحالية على الوجه الأول أيضاً لكن من ضمير {يَتَكَلَّمُونَ} باعتبار كل واحد أو باعتبار المجموع وظن أن قول بعضهم المعنى لا يتكلمون بالصواب إلا بإذنه لا يتم بدون ذلك وفيه ما فيه. وقيل جملة {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ} حال من الروح والملائكة أو من ضميرهم في {صَفّاً} والجمهور على ما تقدم. وإظهار الرحمن في موقع الإضمار للإيذان بأن مناط الإذن هو الرحمة البالغة لا أن أحداً يستحقه عليه سبحانه وتعالى كما أن ذكره فيما تقدم للإشارة إلى أن الرحمة مناط تربيته عز وجل.
ابن عاشور
تفسير : {يوم} متعلق بقوله: { أية : لا يملكون منه خطاباً } تفسير : [النبأ: 37]، أي لا يتكلم أحد يومئذ إلاّ من أذن له الله. وجملة {لا يتكلمون} مؤكدة لجملة {لا يملكون منه خطاباً} أعيدت بمعناها لتقرير المعنى إذ كان المقام حقيقاً، فالتقرير لقصد التوصل به إلى الدلالة على إبطال زعم المشركين شفاعة أصنامهم لهم عند الله، وهي دلالة بطريق الفحوى فإنه إذا نُفي تكلمهم بدون إذن نفيت شفاعتهم إذ الشفاعة كلام مَن له وجاهة وقبول عند سامعه. وليبنى عليها الاستثناء لبُعد ما بين المستثنَى والمستثنى منه بمتعلقات { أية : يملكون } تفسير : [النبأ: 37] من مجرور ومفعول به، وظرفٍ، وجملةٍ أضيف لها. وضمير {يتكلمون} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {يملكون}. والقول في تخصيص {لا يتكلمون} مثل القول في تخصيص { أية : لا يملكون منه خطاباً } تفسير : [النبأ: 37] وقوله: { أية : إلا من أذن له الرحمٰن } تفسير : [طه: 109] استثناء من ضمير {لا يتكلمون} وإذ قد كان مؤكداً لضمير {لا يملكون} فالاستثناء منه يفهم الاستثناء من المؤكَّد به. والقيام: الوقوف وهو حالة الاستعداد للعمل الجِد وهو من أحوال العبودية الحق التي لا تُستحق إلا لله تعالى. وفي الحديث: « حديث : من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار »تفسير : ، أي لأن ذلك من الكبرياء المختصة بالله تعالى. والرُّوح: اختلف في المراد منه اختلافاً أثاره عطف الملائكة عليه فقيل هو جبريل. وتخصيصه بالذكر قبل ذكر الملائكة المعطوف عليه لتشريف قدره بإبلاغ الشريعة، وقيل المراد: أرواح بني آدم. واللام لتعريف الجنس: فالمفرد معها والجمع سواء. والمعنى: يومَ تُحْضَر الأرواح لتودع في أجسادها، وعليه يكون فعل {يقوم} مستعملاً في حقيقته ومجازه. و{الملائكة} عطف على {الروح}، أي ويَقوم الملائكة صفّاً. والصف اسم للأشياء الكائنة في مكان يجانبُ بعضُها بعضاً كالخط. وقد تقدم في قوله تعالى: {ثم ائتُوا صفاً} في سورة طه (64)، وفي قوله: { أية : فاذكروا اسم اللَّه عليها صوافّ } تفسير : في سورة الحج (36)، وهو تسمية بالمصدر من إطلاق المصدر على اسم الفاعل، وأصله للمبالغة ثم صار اسماً، وإنما يصطف الناس في المقامات التي يكون فيها أمر عظيم فصفّ الملائكة تعظيم لله وخضوع له. والإذن: اسم للكلام الذي يفيد إباحةَ فعل للمأذون، وهو مشتق من: أَذِن له، إذا استمع إليه قال تعالى: { أية : وأذنت لربها وحُقَّت } تفسير : [الإنشقاق: 2]، أي استمعت وأطاعت لإِرادة الله. وأذِن: فعل مشتق من اسم الأذْن وهي جارحة السمع، فأصل معنى أذِنَ له: أمال أذنَه، أي سَمْعَه إليه يقال: أذن يأذَن أذناً كفَرح، ثم استعمل في لازم السمع وهو الرضى بالمسموع فصار أذِنَ بمعنى رضي بما يطلب منه أو ما شأنه أن يطلب منه، وأباحَ فعله، ومصدره إذن بكسر الهمزة وسكون الذال فكأنّ اختلاف صيغة المصدرين لقصد التفرقة بين المعنيين. ومتعلق {أذِنَ} محذوف دل عليه {لا يتكلمون}، أي من أذن له في الكلام. ومعنى أذْن الرحمان: أن من يريد التكلم لا يستطيعُه أو تعتريه رهبة فلا يُقدم على الكلام حتى يستأذن الله فأذن له، وإنما يستأذنه إذا ألهمه الله للاستئذان فإن الإِلهام إذن عند أهل المكاشفات في العامل الأخروي فإذا ألقى الله في النفس أن يستأذن استأذن الله فأذن له كما ورد في حديث الشفاعة من إحجام الأنبياء عن الاستشفاع للناس حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: « حديث : فأَنْطَلِقُ فآتِي تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل ثم يفتح الله عليَّ من محامد وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقول: ارفع رأسك واشْفع تُشفَّع » تفسير : . وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: { أية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } تفسير : [الأنبياء: 28]، أي لمن علموا أن الله ارتضى قبول الشفاعة فيه وهم يعلمون ذلك بإلهام هو من قبيل الوحي لأن الإِلهام في ذلك العالم لا يعتريه الخطأ. وجملة {وقال صواباً} يجوز أن تكون في موضع الحال من اسم الموصول، أي وقد قال المأذون له في الكلام {صواباً}، أي بإذن الله له في الكلام إذا علم أنه سيتكلم بما يرضي الله. ويجوز أن تكون عطفاً على جملة {أذن له الرحمٰن}، أي وإلا من قال صواباً فعُلم أن من لا يقول الصواب لا يؤذَن له. وفعل {وقال صواباً} مستعمل في معنى المضارع، أي ويقول صواباً، فعبر عنه بالماضي لإفادة تحقق ذلك، أي في علم الله. وإطلاق صفة {الرحمٰن} على مقام الجَلالة إيماء إلى أن إذن الله لمن يتكلم في الكلام أثر من آثار رحمته لأنه أذن فيما يحصل به نفع لأهل المحشر من شفاعة أو استغفار.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}. تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيانه، عند الكلام على قوله تعالى من سورة الكهف: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً}تفسير : [الكهف: 48]. وقد ذكر ابن كثير لمعنى الروح هنا سبعة أقوال هي: أرواح بني آدم، أبو بنو آدم أنفسهم، أو خلق من خلق الله على صور بني آدم ليسوا بملائكة ولا بشر، ويأكلون ويشربون، أو جبريل أو القرآن، أو ملك عظيم بقدر جميع المخلوقات. ونقلها الزمخشري وحكاها القرطبي، وزاد: ثامناً وهم حفظة على الملائكة، وتوقف ابن جرير في ترجيح واحد منها. والذي يشهد له القرآن بمثل هذا النص أنه جبريل عليه السلام، كما في قوله تعالى: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}تفسير : [القدر: 4]، ففيه عطف الملائكة على الروح من باب عطف العام على الخاص، وفي سورة القدر عطف الخاص على العام. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ}. قال الزمخشري: لشدة هول الموقف، وهؤلاء وهم أكرم الخلق على الله وأقربهم إلى الله، لا يتكلمون إلاَّ من أذن له الرحمن، فغيرهم من الخلق من باب أولى. وقال ابن كثير: هو مثل قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [هود: 105] ومثله قوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة: 255]. والواقع أن هذا كله مما يدل على أن ذلك اليوم لا سلطة ولا سلطان لأحد فقط، حتى ولا بكلمة إلاَّ من أذن فيها، كما قال تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16].
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلْمَلاَئِكَةُ} (38) - اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ المُرَادِ بِالرُّوحِ هُنَا: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّهَا أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ. وَقِيلَ أَيْضَاً إِنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. وَقَيِلَ بَلْ هُوَ مَلكٌ عَظِيمٌ. وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ المَلاَئِكَةَ عَلَى جَلاَلَةِ أَقْدَارِهِمْ وَرَفِيعِ دَرَجَاتِهِمْ، يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ صَفّاً لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا فِي هَذَا اليَوْمِ، إِجْلاَلاً لِرَبِّهِم العَظِيمِ، وَوُقُوفاً عِنْدَ مَنَازِلِهِمْ، إِلاَّ إِذَا أَذِنَ لَهُمْ رَبُّهُمْ، وَقَالُوا قَوْلاً صِدْقاً صَوَاباً. الرُّوحُ - جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} معناه مَلكٌ أَعظمُ من المَلائكةِ خَلقاً. ويقال: الرُّوحُ: بنو آدم ويقال: هم عَلَى صُورةِ بَني آدم، وهم في السَّماءِ يأكلونَ، ولهم أيدٍ وأرجلٌ ورءوسٌ، وليسوا بملائكةِ. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} معناه حَقٌ وشهادةُ أن لاَ إلهَ إلاّ الله مُنتهى الصَّوابِ.
همام الصنعاني
تفسير : 3469- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ}: [الآية: 38]، قال: الروح، هم بنو آدم. 3470- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة عن ابن عباس: هم على صورة بني آدم: قال، وقال قتادة: هم في السماء. 3471- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الروح، خلق على صورة بن آدم. 3472- عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن مسلم، عن مجاهد قال: الروح يأكلون؛ ولهم أيدٍ وأرجل، ولهم رؤوس، وليسوا بملائكة.. 3473- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قال: الروح يشبهون الناس، وليسوا بملائكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):