٧٩ - ٱلنَّازِعَات
79 - An-Nazi'at (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: جواب القسم المتقدم محذوف أو مذكور فيه وجهان الأول: أنه محذوف، ثم على هذا الوجه في الآية احتمالات: الأول: قال الفراء التقدير: لتبعثن، والدليل عليه ما حكى الله تعالى عنهم، أنهم قالوا: {أية : أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً نَّخِرَةً }تفسير : [النازعات: 11] أي أنبعث إذا صرنا عظاماً نخرة الثاني: قال الأخفش والزجاج: لننفخن في الصور نفختين ودل على هذا المحذوف ذكر الراجفة والرادفة وهما النفختان الثالث: قال الكسائي: الجواب المضمر هو أن القيامة واقعة وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال: {أية : وَٱلذرِيَـٰتِ ذَرْواً }تفسير : [الذاريات: 1] ثم قال: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ } تفسير : [الذاريات: 5] وقال: {أية : وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوٰقِعٌ } تفسير : [المرسلات: 7،1] فكذلك ههنا فإن القرآن كالسورة الواحدة القول الثاني: أن الجواب مذكور وعلى هذا القول احتمالات الأول: المقسم عليه هو قوله: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ } والتقدير والنازعات غرقاً أن يوم ترجف الراجفة تحصل قلوب واجفة وأبصارها خاشعة الثاني: جواب القسم هو قوله: {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } تفسير : [النازعات: 15] فإن هل ههنا بمعنى قد، كما في قوله: {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَـٰشِيَةِ } تفسير : [الغاشية: 1] أي قد أتاك حديث الغاشية الثالث: جواب القسم هو قوله: {أية : إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىٰ }تفسير : [النازعات: 26]. المسألة الثانية: ذكروا في ناصب يوم بوجهين أحدهما: أنه منصوب بالجواب المضمر والتقدير لتبعثن يوم ترجف الراجفة، فإن قيل كيف يصح هذا مع أنهم لا يبعثون عند النفخة الأولى والراجفة هي النفخة الأولى؟ قلنا المعنى لتبعثن في الوقت الواسع الذي يحصل فيه النفختان، ولا شك أنهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع وهو وقت النفخة الأخرى، ويدل على ما قلناه أن قوله: {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } جعل حالاً عن الراجفة والثاني: أن ينصب يوم ترجف بما دل عليه: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } أي يوم ترجف وجفت القلوب. المسألة الثالثة: الرجفة في اللغة تحتمل وجهين أحدهما: الحركة لقوله: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ }تفسير : [المزمل: 14]. الثاني: الهدة المنكرة والصوت الهائل من قولهم: رجف الرعد يرجف رجفاً ورجيفاً، وذلك تردد أصواته المنكرة وهدهدته في السحاب، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } تفسير : [الأعراف: 91] فعلى هذا الوجه الراجفة صيحة عظيمة فيها هول وشدة كالرعد، وأما الرادفة فكل شيء جاء بعد شيء آخر يقال ردفه، أي جاء بعده، وأما القلوب الواجفة فهي المضطربة الخائفة، يقال: وجف قلبه يجف وجافاً إذا اضطرب، ومنه إيجاف الدابة، وحملها على السير الشديد، وللمفسرين عبارات كثيرة في تفسير الواجفة ومعناها واحد، قالوا: خائفة وجلة زائدة عن أماكنها قلقة مستوفزة مرتكضة شديدة الاضطراب غير ساكنة، أبصار أهلها خاشعة، وهو كقوله: {أية : خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ } تفسير : [الشورى: 45] إذا عرفت هذا فنقول، اتفق جمهور المفسرين على أن هذه الأمور أحوال يوم القيامة، وزعم أبو مسلم الأصفهاني أنه ليس كذلك ونحن نذكر تفاسير المفسرين ثم نشرح قول أبي مسلم. أما القول الأول: وهو المشهور بين الجمهور، أن هذه الأحوال أحوال يوم القيامة فهؤلاء ذكروا وجوهاً أحدها: أن الراجفة هي النفخة الأولى، وسميت به إما لأن الدنيا تتزلزل وتضطرب عندها، وإما لأن صوت تلك النفخة هي الراجفة، كما بينا القول فيه، والراجفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء على ما ذكره تعالى في سورة الزمر، ثم يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن بين النفختين أربعين عاماً، ويروى في هذه الأربعين يمطر الله الأرض ويصير ذلك الماء عليها كالنطف، وأن ذلك كالسبب للأحياء، وهذا مما لا حاجة إليه في الإعادة، ولله أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد وثانيها: الراجفة هي النفخة الأولى والرادفة هي قيام الساعة من قوله: {أية : عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ }تفسير : [النمل: 72] أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعاداً لها فهي رادفة لهم لاقترابها وثالثها: الراجفة الأرض والجبال من قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ } والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك ورابعها: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى القول الثاني: وهو قول أبي مسلم أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة، وذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر النازعات بنزع القوس والناشطات بخروج السهم، والسابحات بعدو الفرس، والسابقات بسبقها، والمدبرات بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي والعدو، ثم بنى على ذلك فقال الراجفة هي خيل المشركين وكذلك الرادفة ويراد بذلك طائفتان من المشركين غزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقت إحداهما الأخرى، والقلوب الواجفة هي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [محمد: 20] كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف، وردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفاً، وخشعت أبصارهم جبناً وضعفاً، ثم قالوا: {أية : أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَـٰفِرَةِ }تفسير : [النازعات: 10] أي نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف لأجلها وقالوا أيضاً: {أية : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَـٰسِرَةٌ } تفسير : [النازعات: 12] فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأوسطه حكاية لحال المنافقين وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر، ثم إنه سبحانه وتعالى أجاب عن كلامهم بقوله: {أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وٰحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } تفسير : [النازعات: 14,13] وهذا كلام أبي مسلم واللفظ محتمل له وإن كان على خلاف قول الجمهور. قوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ } اعلم أنه تعالى لم يقل: القلوب يومئذ واجفة، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل المراد منه قلوب الكفار، ومما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: {أية : أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَـٰفِرَةِ }تفسير : [النازعات: 10] وهذا كلام الكفار لا كلام المؤمنين، وقوله: {أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ } لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم، وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: كيف جاز الابتداء بالنكرة؟ الجواب: قلوب مرفوعة بالابتداء وواجفة صفتها وأبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله: {أية : لَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } تفسير : [البقرة: 221]. السؤال الثاني: كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب؟ الجواب: معناه أبصار أصحابها بدليل قوله يقولون، ثم اعلم أنه تعالى حكى ههنا عن منكري البعث أقوالاً ثلاثة: أولها: قوله تعالى: {يَقُولُونَ أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَـٰفِرَةِ } يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفراً فهي في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة، كما قيل: {أية : فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21] و {أية : مَّاء دَافِقٍ } تفسير : [الطارق: 6] أي منسوبة إلى الحفر والرضا والدفق أو كقولهم نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته، أي إلى طريقته وفي الحديث: «حديث : إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته»تفسير : أي على أول تأسيسه وحالته الأولى وقرأ أبو حيوة في الحفرة، والحفرة بمعنى المحفورة يقال: حفرت أسنانه، فحفرت حفراً، وهي حفرة، هذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفور، إذا عرفت هذا ظهر أن معنى الآية: أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا. وثانيها: قوله تعالى: {أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰماً نَّخِرَةً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وعاصم ناخرة بألف، وقرأ الباقون نخرة بغير ألف، واختلفت الرواية عن الكسائي فقيل: إنه كان لا يبالي كيف قرأها، وقيل: إنه كان يقرؤها بغير ألف، ثم رجع إلى الألف، واعلم أن أبا عبيدة اختار نخرة، وقال: نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت، فوجدناها كلها العظام النخرة، ولم نسمع في شيء منها الناخرة، وأما من سواه، فقد اتفقوا على أن الناخرة لغة صحيحة، ثم اختلف هؤلاء على قولين: الأول: أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد قال الأخفش هما جميعاً لغتان أيهما قرأت فحسن، وقال الفراء: الناخر والنخر سواء في المعنى بمنزله الطامع والطمع، والباخل والبخل، وفي كتاب «الخليل» نخرت الخشبة إذا بليت فاسترخت حتى تتفتت إذا مست، وكذلك العظم الناخر، ثم هؤلاء الذين قالوا: هما لغتان والمعنى واحد اختلفوا فقال الزجاج والفراء: الناخرة أشبه الوجهين بالآية لأنها تشبه أواخر سائر الآي نحو الحافرة والساهرة، وقال آخرون: الناخرة والنخر كالطامع والطمع، واللابث واللبث وفعل أبلغ من فاعل القول الثاني: أن النخرة غير والناخرة غير، أما النخرة فهو من نخر العظم ينخر فهو نخر مثل عفن يعفن فهو عفن، وذلك إذا بلي وصار بحيث لو لمسته لتفتت، وأما الناخرة فهي العظام الفارغة التي يحصل من هبوب الريح فيها صوت كالنخير، وعلى هذا الناخرة من النخير بمعنى الصوت كنخير النائم والمخنوق لا من النخر الذي هو البلى. المسألة الثانية: إذاً منصوب بمحذوف تقدير إذا كنا عظاماً نرد ونبعث. المسألة الثالثة: اعلم أن حاصل هذه الشبهة أن الذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله: أنا هو هذا الجسم المبني بهذه البنية المخصوصة، فإذا مات الإنسان فقد بطل مزاجه وفسد تركيبه فتمتنع إعادته لوجوه أحدها: أنه لا يكون الإنسان العائد هو الإنسان الأول إلا إذا دخل التركيب الأول في الوجود مرة أخرى، وذلك قول بإعادة عين ما عدم أولاً، وهذا محال لأن الذي عدم لم يبق له عين ولا ذات ولا خصوصية، فإذا دخل شيء آخر في الوجود استحال أيقال بأن العائد هو عين ما فني أولاً وثانيها: أن تلك الأجزاء تصير تراباً وتتفرق وتختلط بأجزاء كل الأرض وكل المياه وكل الهواء فتميز تلك الأجزاء بأعيانها عن كل هذه الأشياء محال وثالثها: أن الأجزاء الترابية باردة يابسة قشفة فتولد الإنسان الذي لا بد وأن يكون حاراً رطباً في مزاجه عنها محال، هذا تمام تقرير كلام هؤلاء الذين احتجوا على إنكار البعث بقولهم: {أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً نَّخِرَةً } والجواب: عن هذه الشبهة من وجوه أولها: وهو الأقوى: لا نسلم أن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا هو هذا الهيكل، ثم إن الذي يدل على فساده وجهان الأول: أن أجزاء هذا الهيكل في الزوبان والتبدل، والذي يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا ليس في التبدل والمتبدل مغاير لما هو غير متبدل والثاني: أن الإنسان قد يعرف أنه هو حال كونه غافلاً عن أعضائه الظاهرة والباطنة، والمشعور به مغاير لما هو غير مشعور به وإلا لاجتمع النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال، فثبت أن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا ليس هو هذا الهيكل، ثم ههنا ثلاث احتمالات أحدها: أن يكون ذلك الشيء موجوداً قائماً بنفسه ليس بجسم ولا بجسماني على ما هو مذهب طائفة عظيمة من الفلاسفة ومن المسلمين وثانيها: أن يكون جسماً مخالفاً بالماهية لهذه الأجسام القابلة للإنحلال والفساد سارية فيها سريان النار في الفحم وسريان الدهن في السمسم وسريان ماء الورد في جرم الورد فإذا فسد هذا الهيكل تقلصت تلك الأجزاء وبقيت حية مدركة عاقلة، إما في الشقاوة أو في السعادة وثالثها: أن يقال: إنه جسم مساو لهذه الأجسام في الماهية إلا أن الله تعالى خصها بالبقاء والاستمرار من أول حال تكون شخص في الوجود إلى آخر عمره، وأما سائر الأجزاء المتبدلة تارة بالزيادة وأخرى بالنقصان فهي غير داخلة في المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل تلك الأجزاء. وتبقى حية، إما في السعادة أو في الشقاوة، وإذا ظهرت هذه الاحتمالات ثبت أنه لا يلزم من فساد البدن وتفرق أجزائه فساد ما هو الإنسان حقيقة، وهذا مقام حسن متين تنقطع به جميع شبهات منكري البعث. وعلى هذا التقدير لا يكون لصيرورة العظام نخرة بالية متفرقة تأثير في دفع الحشر والنشر ألبتة، سلمنا على سبيل المسامحة أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل، فلم قلتم: إن الإعادة ممتنعة؟ (أولاً): المعدوم لا يعاد: قلنا: أليس أن حال عدمه لم يمتنع عندكم صحة الحكم عليه بأنه يمتنع عوده، فلم لا يجوز أن لا يمتنع على قولنا أيضاً صحة الحكم عليه بالعود، قول: ثانياً: الأجزاء القليلة مختلطة بأجزاء العناصر الأربعة، قلنا لكن ثبت أن خالق العالم عالم بجميع الجزئيات، وقادر على كل الممكنات فيصح منه جمعها بأعيانها. وإعادة الحياة إليها. قوله: ثالثاً: الأجسام القشفة اليابسة لا تقبل الحياة. قلنا: نرى السمندل، يعيش في النار، والنعامة تبتلع الحديدة المحماة، والحيات الكبار العظام متولدة في الثلوج، فبطل الاعتماد على الاستقراء، والله الهادي إلى الصدق والصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ } النفخة الأولى بها يرجف كل شيء، أي يتزلزل فوصفت بما يحدث منها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، وهو جوابُ القسمِ: تقديرهُ: لتُبْعَثُنَّ، لدلالةِ ما بعده عليه. قال الفرَّاءُ: ويدل عليه قوله تعالى: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} ألسْتَ ترى أنه كالجواب لقولهم: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} نُبعث؟ فاكتفى بقوله: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً}؟. وقال الأخفشُ والزجاجُ: يَنْفُخْنَ في الصُّورِ نَفْخَتَيْنِ، بدليل ذكر "الرَّادفة" و "الرَّاجفَةِ"، وهما النَّفختانِ. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف جعلت "يَوْمَ تَرْجفُ" ظرفاً للمضمر الذي هو لَتُبْعَثُنَّ، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟. قلت: المعنى: لتبعثن في الوقت الواسع الذي تقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى, ودلَّ على ذلك أن قوله: {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} جعل حالاً عن "الرَّاجِفَة". وقيل: العامل مقدر، أي: اذكر يوم ترجفُ. وفي الجواب على هذا التقدير وجوهٌ: أحدها: قوله: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} تفسير : [النازعات: 26]. واستقبحه أبو بكر بن الأنباري، لطول الفصل. الثاني: أنه قوله: {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} تفسير : [النازعات: 15]؛ لأن "هَلْ" بمعنى: "قَدْ". وهذا غلطٌ؛ لأنه كما تقدَّم في "هَلْ أتَى" أنَّها لا تكون بمعنى "قد" إلاَّ في الاستفهام على ما قال الزمخشري. الثالث: أن الجواب: "تَتْبعُهَا" وإنَّما حذفتِ "اللامُ"، والأصل: "اليَوْمَ تَرْجفُ الرَّاجفةُ تَتْبعُهَا"، فحذفت "اللاَّمُ"، ولم تدخل نون التوكيد على تتبعها للفصل بين "اللام" المقدَّرة، وبين الفعل المقسمِ عليه بالظرف، ومثله: {أية : لإِلَى ٱللهِ تُحْشَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 158]. وقيل: في الكلام تقديم، وتأخير، أي: يَوْمَ تَرْجفُ الرَّاجفةُ، تَتْبعُهَا الرَّادفةُ والنَّازعات. وقال أبو حاتم: هو على التقديم، والتأخير، كأنه قالأ: فإذا هم بالساهرة والنازعات. قال ابنُ الأنباريُّ: وهذا خطأ؛ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام. وقيل: "يَوْمَ" منصوب بما دلَّ عليه "راجِفةٌ"، أي: يَوْمَ تَرْجفُ رَجَفَتْ. وقيل: بما دلَّ عليه "خَاشِعَة" أي: يوم ترجف خشعت، وقوله: "تَتْبعُهَا الرَّادفَةُ" يجوز أن يكون حالاً من "الرَّاجِفَةُ"، وأن يكون مستأنفاً. فصل في تفسير الآية قال عبد الرحمن بن زيد: "الرَّاجِفَةُ" أي: المُضطَرِبَةُ، ومعناه: أنَّ الأرض تضطرب، و "الرَّادفة" السَّاعة. وقال مجاهدٌ: الزلزلةُ تتبعها الرادفة، أي: الصيحة. وعنه - أيضاً -، وابن عباس والحسن وقتادة: هما الصَّيحتان، أي: النفختان، أمَّا الأولى فتُمِيْتُ كُلَّ شيء بإذنِ الله تعالى، وأمَّا الثانية فتُحْيِي كُلَّ شيءٍ بإذن الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بَيْنَ النَّفْخَتيْنِ أرْبعُونَ سنةً ". تفسير : وقال مجاهد: "الرَّاجفَةُ" الرجفة حين تنشقُّ السَّماءُ، وتُحْملُ الأرضُ والجبالُ، فتُدَكُّ دكَّةً واحدةٍ [وذلك بعد الزلزلة وقيل: الرجفة تحرك الأرض والرادفة زلزلة أخرى تفني الأرضين]. وأصل "الرَّجفَةِ" الحركةُ، قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ} تفسير : [المزمل: 14]، وليست الرجفة هناك من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف الرَّعدُ يرجف رجفاً ورجيفاً، أي: أظهرت الصوت والحركة، ومنه سُمِّيت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة النَّاس فيها. وقيل: الرجفة هذه منكرة في السحاب، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} تفسير : [الأعراف: 78]. وأما الرادفة: فكل شيء جاء بعد شيء آخر، يقال: ردفهُ: أي: جاء بعده. قوله: {قُلُوبٌ} مبتدأ، و "يومئذ" منصوب بـ "وَاجِفَة"، و "وَاجِفَة" صفة القلوب، وهو المسوغ للابتداء بالنكرة، و "أبْصارُهَا" مبتدأ ثانٍ، و "خَاشِعَة" خبره، وهو وخبره خبر الأول، وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: أبصار أصحاب القلوب. قال ابن عطية: وجاز ذلك، أي: الابتداء بـ "قُلُوب"؛ لأنها تخصصت بقوله: "يَوْمَئِذ". ورد عليه أبو حيان: بأن ظرف الزَّمان لا يخصص الجثث، يعني: لا يوصف به الجثث. و "الواجِفة": الخائفة الوجلة، قاله ابن عباس، يقال: وجَفَ يَجِفُ وجِيفاً، وأصله: اضطراب القلب. قال قيس بن الخطيم: [المنسرح] شعر : 5088- إنَّ بَنِي جَحْجَبَى وأسرتَهُمْ أكْبَادُنَا مِنْ وَرائِهمْ تَجِفُ تفسير : وقال السديُّ: زَائلةٌ عن أماكنها، ونظيره: {أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} تفسير : [غافر: 18]. وقال المؤرج، قلقة مستوفزة، مُرتكضةٌ غير ساكنة. وقال المبرد: مضطربة، والمعنى متقارب، والمراد: قلوب الكفَّار، يقال: وجَفَ القلب يَجِفُ وجِيفاً: إذا خفق، كما يقال: وجَبَ يَجِبُ وَجِيْباً - بالياء الموحدة - بدل الفاء، ومنه وجيف الفرس والنَّاقة في العدوِ. والإيجاف: حمل الدابة على السير السريع. قوله: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} أي: مُنْكَسِرةٌ ذليلة من هول ما ترى، نظيره: {أية : خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} تفسير : [القلم: 43]. قوله: {يَقُولُونَ} أي: يقول هؤلاء المكذِّبون المنكِرُونَ للبعث إذا قيل لهم: إنكم تُبْعَثُون، قالوا منكرين متعجبين: أنُرَدُّ بعد موتتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء، كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم: {أية : أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 49]. قوله: {فِي ٱلْحَافِرَةِ} "الحافرة": التي يرجعُ الإنسان فيها من حيث جاء، يقال: رجع في حافرته، ثم يعبر عن الرجوع في الأحوال من آخر الأمر إلى أوله؛ قال: [الوافر] شعر : 5089- أحَافِرةً عَلى صَلعٍ وشَيْبٍ؟ مَعاذَ اللهِ من سَفهٍ وعَارِ تفسير : يقول: أأرجعُ ما كنت عليه في شبابي مع الغزلِ والصبا بعد أن شبت وصلعت؟. وأصله: أنَّ الإنسان إذا رجع في طريقه أثرت قدماه فيها حفراً. وقال الراغبُ، في قوله تعالى: {فِي ٱلْحَافِرَةِ} مثل لمن يرد من حيث جاء، أي: أنَحْيَا بعد أن نموت؟. وقيل: "الحَافرة"، الأرضُ التي جُعلتْ قبُورهُمْ فيها، ومعناه: أئِنَّا لمردودون ونحن في الحافرة؟ أي: في القبور. وقوله: "في الحافرة" على هذا في موضع الحال، ويقال: رجع الشيخ إلى حافرته، أي: هرم لقوله تعالى: {أية : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} تفسير : [النحل: 70]. وقولهم: "النقد عند الحافرة" لما يباع نقداً، وأصله من الفرس إذا بيع، فيقال: لا يزول حافره، أو ينقد ثمنه. والحفر: تآكل الأسنان، ود حفر فوه حفراً، وقد أحفر المهر للأثناء والأرباع. والحافرة: "فاعلة" بمعنى: "مفعولة"، وهي الأرض التي تحفر قبورهم فيها فهي بمعنى: "المحفورة"، كقوله تعالى: {أية : مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق: 6]، و {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} تفسير : [القارعة: 7]، والمعنى: أئِنَّا لمردودون في قبورنا. وقيل: على النسب، أي: ذاتُ حفر. وقيل: سُمِّيت الأرض الحافرة؛ لأنها مستقر الحوافر، كما سمِّيت القدم أرضاً؛ لأنها على الأرض، لقولهم: الحافرة جمع حافرة بمعنى: القدم أي: نمشي أحياء على أقدامنا، ونطأ بها الأرض. وقيل: هي أول الأمر. ويقول التجار: "النقد في الحافرة" أي في أول السّوم؛ وقال الشاعر: [السريع] شعر : 5090- آلَيْتُ لا أنْسَاكُم فاعْلَمُوا حَتَّى يُرَدَّ النَّاسُ في الحَافِرَهْ تفسير : وقال ابن زيدٍ: الحافرة "النَّار"، وقرأ: "تلك إذا كرَّه خاسرة". وقال مقاتلٌ وزيدُ بن أسلم: هي اسم من أسماء النار. وقال ابنُ عبَّاسٍ: الحافرة في كلام العرب: الأرض التي تغيَّرت وأنتنت بأجسادِ موتاها، من قولهم: حفرت أسنانه، أي: تآكلت، أي: دكها الوسخُ من باطنها وظاهرها، ويجوز تعلقه بـ "مردودون"، أو: بمحذوف على أنه حال. فصل في تفسير الآية قال ابن الخطيب: هذه الأحوال المتقدمة هي أحوال القيامة عند جمهور المفسرين. وقال أبو مسلم: هذه الأحوال ليست هي أحوال القيامة؛ لأنه فسَّر "النَّازعات" بنزعِ القوسِ، و "المُدبِّرات" بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي، والعدو، ثم بنى على ذلك فقال: "الرَّاجفَة" هي خيلُ المشركين، وكذلك "الرَّادفة"، وهما طائفتان من المشركين غزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقت إحداهما الأخرى، والقلوب الواجفة، هي القلقةُ، والأبصار الخاشعة، هي أبصار المنافقين، كقوله تعالى: {أية : يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [محمد: 20]، كأنَّه قيل: لمَّا جاء خيل العدو ترجف؛ لأنها اضطربت قلوب المنافقين خوفاً، وخشعت أبصارهم جُبْناً وضَعْفاً ثم قالوا: "أئِنَّا لمردودون فِي الحَافِرَةِ" أي: نرجع إلى الدنيا حتى نتحمّل هذا الخوف لأجلها. وقالوا أيضاً: "تِلْكَ إذا كَرَّة خَاسِرةٌ"، فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، وأوسطه حكاية لحال المنافقين، وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر، ثم إنه - تعالى - أجاب عن كلامهم بقوله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ}. قال ابن الخطيب: وكلام أبي مسلم محتملٌ، وإن كان على خلاف قولِ الجمهور. قوله تعالى: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً}. قرأ الأخوان وأبو بكر: "نَاخِرَةً" بألف. والباقون: "نَخِرة" بدُونِهَا. وهما كـ "حَاذِرٍ، وحَذِر" فاعل لمن صدر عنه الفعل، و "فعل" لمن كان فيه غريزة أو كالغريزة. وقيل: ناخِرَة، ونخِرَة بمعنى: بالية. يقال: نَخِر العظم - بالكسر - أي بلي وتفتَّت. وقيل: نَاخِرةٌ، أي: صارت الريح تَنْخَر فيها، أيك تصوت، ونَخِرَةٌ أي: ينخر فيها دائماً. وقيل: ناخرة، أي: بالية، ونخرة: متآكلة. وعن أبي عمرو: النَّاخرة: التي لم تنخر بعد، والنَّخرةُ: البالية. وقيل: النَّاخرةُ: المصوت فيها الريح، والنَّاخرة: البالية التي تعفّنت. قال الزمخشري: "نَخِرَ العَظْمُ فهو نَخِرٌ ونَاخِرٌ، كقولك: طمع، فهو طَمِعٌ وطَامِع، و "فَعِل" أبلغ من فاعل، وقد قُرئ بهما، وهو البالي الأجوف الذي تمرُّ فيه الريح، فيسمع له نخير". ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : 5091- وأخْلَيْتُهَا مِنْ مُخِّهَا فكَأنَّهَا قَوارِيرُ في أجْوافِهَا الرِّيحُ تَنْخُرُ تفسير : وقال الرَّاجز لفرسه: [الرجز] شعر : 5092- أقْدِمْ سَجاجِ إنَّها الأسَاوِرَهْ ولا يَهُولنكَ رُءُوسٌ نَادِرَهْ فإنَّمَا قَصْرُكَ تُرْبُ السَّاهِرَهْ ثُمَّ تَعُودُ بَعْدَهَا في الحَافِرَهْ مِنْ بَعْدِ مَا كُنت عِظَاماً نَاخِرَهْ تفسير : ونُخْرةُ الريح - بضم النون - شدة هبوبها، والنُّخْرَةُ أيضاً: مقدم أنف الفرس، والحمار، والخنزير، يقال: هشم نخرته، أي: مقدم أنفه. و "إذَا" منصوبٌ بمُضْمَرٍ، أي: إذَا كُنَّا كذا نُردُّ ونُبعَثُ. قوله تعالى: {قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}. "تلك" مبتدأ بها إلى الرَّجفةِ والردة في الحافرة، و "كَرَّةٌ" خبرها، و "خاسرة" صفة، أي: ذاتُ خسرانٍ، أو أسند إليها الخسار مجازاً والمراد أصحابُها، والمعنى: إن كان رجوعنا إلى القيامة حقاً، فتلك الرجعة رجعة خاسرة [خائبة]، وهذا أفادته "إذن" فإنها حرف جواب وجزاء عند الجمهور. وقيل: قد لا تكون جواباً. وعن الحسن: أن "خاسرة" بمعنى كاذبة، أي: ليست كائنة. وقال الربيع بن أنس: خاسرةٌ على من كذَّب بها. وقيل: كَرَّةُ خُسران، والمعنى: أهْلُهَا خاسرون، كقولك: تِجَارةٌ رابحةٌ، أي: يَرْبَحُ صاحبها. وقال قتادة ومحمد بن كعب أي: لئن رجعنا أحياءً بعد الموت لنحشرن بالنَّار، وإنَّما قالوا هذا لأنَّهُم أوعدُوا بالنار، و "الكَرُّ": "الرجوع"، يقال: كرَّهُ، وكَرَّ بنفسه، يتعدى ولا يتعدَّى. والكَرَّةُ: المرَّةُ، الجمع: الكرَّات. قوله: {فَإِنَّمَا هِيَ} ضمير الكرة، أي: لا تحسبوا تلك الكرَّة صعبة على الله تعالى. قال الزمخشري: "فإن قلت: بم يتعلق قوله: "فإنما هي"؟. قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها فإنما هي زجرة واحدة، يعني بالتعلُّق من حيث المعنى، وهو العطف. وقوله: "فإذَا هُمْ" المفاجأة والسبب هنا واضحان. والزجرة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: في النَّفخةِ الواحدة "فإذا هُمْ" أي: الخلائق أجمعون، "بالساهرة" أي: على وجه الأرض من الفلاة، وصفت بما يقع فيها، وهو السهر لأجل الخوف. وقيل: لأن السراب يجري فيها من قولهم: "عين ساهرة" أي: جارية الماء، وفي ضدها نائمة. [قال الزمخشري: "والساهرةُ: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك؛ لأن السراب يجري فيها] من قولهم: عين ساهرة: أي: جارية الماء، وفي ضدِّها نائمة؛ قال الأشعثُ بن قيسٍ: [الطويل] شعر : 5093- وسَاهِرةٍ يُضْحِي السَّرابُ مُجَلِّلاً لأقْطَارِهَا قدْ جُبْتُهَا مُتلثِّماً تفسير : أي: ساكنها لا ينام خوف الهلكة انتهى؛ وقال أميَّةُ: [الوافر] شعر : 5094- وفِيهَا لَحْمُ سَاهِرةٍ وبَحْرٍ ومَا فَاهُوا به لهُمُ مُقِيمُ تفسير : يريد: لحم حيوان أرض ساهرة؛ وقال أبو كبير الهذليُّ: [الكامل] شعر : 5095- يَرْتدْنَ سَاهِرةً كَأنَّ جَمِيمهَا وعَمِيمَهَا أسْدافُ ليْلٍ مُظْلِمِ تفسير : وقال الراغب: هي وجه الأرض. وقيل: أرض القيامة، وحقيقتها التي يكثر الوطء بها، كأنَّها سهرت من ذلك. والأسهران: عرقان في الأنف. والساهور: غلافُ القمر الذي يدخل فيه عند كسوفه؛ قال: [البسيط] شعر : 5096-............................. أوْ شُقَّةٌ خَرجتْ مِنْ بَطْنِ سَاهُورِ تفسير : أي: هذه المرأة بمنزلة قطعة القمرِ. وقال أمية بن أبي الصلت: [الكامل] شعر : 5097- قَمَــرٌ وسَاهُــورٌ يُســلُّ ويُغْمَــدُ تفسير : وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"حديث : السَّاهرة: أرض من فضَّةٍ لم يُعْصَ اللهُ عليها مُنْذُ خَلقهَا ". تفسير : وقيل: أرض يجددها الله يوم القيامة. وقيل: السَّاهرة: اسم الأرض السابعة يأتي الله بها، فيحاسب عليها الخلائقَ، وذلك حين تبدَّلُ الأرض غير الأرض. وقال الثَّوري: السَّاهرة: أرضُ "الشَّام". وقال وهبُ بن منبه: جبلُ بيتِ المقدسِ. وقال عثمانُ بنُ أبي العاتكةِ: إنَّه اسم مكان من الأرض بعينه، بـ "الشام"، وهو الصقع الذي بين جبل "أريحَا" وجبل "حسَّان" يمُدُّه الله كيف يشاء. وقال قتادةُ: هي جهنَّم، أي: فإذا هؤلاءِ الكُفَّار في جهنَّم، وإنَّما قيل لها: ساهرة؛ لأنَّهُم لا ينامون عليها حينئذ. وقيل: السَّاهرة بمعنى: الصحراء على شفيرِ جهنَّم، أي: يوقفون بأرض القيامة، فيدوم السهر حينئذ.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} منصوبٌ بالجوابِ المُضمرِ، والمرادُ بالراجفةِ الواقعةُ التي ترجفُ عندَهَا الأجرامُ الساكنةُ، أي تتحركُ حركةً شديدةً وتتزلزلُ زلزلةً عظيمةً كالأرضِ والجبالِ، وهيَ النَّفخةُ الأُولى، وقيلَ: الرَّاجفةُ الأرضُ والجبالُ لقولِه تعالى: { أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ} تفسير : [سورة المزمل، الآية 14] وقولُه تعالَى: {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} أي الواقعةُ التي تُردِفُ الأُولى، وهيَ النفخةُ الثانيةُ حالٌ من الراجفةُ مصححةٌ لوقوعِ اليومِ ظرفاً للبعثِ أي لتبعثنَّ يومَ النفخةِ الأُولى حالَ كونِ النفخةِ الثانيةِ تابعةً لها لا قبلَ ذلكَ فإنَّه عبارةٌ عن الزمانِ الممتدِّ الذي يقعُ فيهِ النفختانِ وبـينهما أربعونَ سنةً واعتبارُ امتدادِه معَ أنَّ البعثَ لا يكونُ إلا عنذَ النفخةِ الثانيةِ لتهويل اليومِ ببـيان كونِه موقعاً لداهيتينِ عظيمتينِ لا يَبْقى عندَ وقوعِ الأُولى حيٌّ إلا ماتَ ولا عندَ وقوعِ الثانيةِ ميتٌ إلا بُعثَ وقامَ، ووجْهُ إضافتِه إلى الأُولى ظَاهِرٌ وقيلَ: يومَ ترجفُ منصوبٌ باذكُرْ فتكونُ الجملةُ استئنافاً مقرراً لمضمون الجوابِ المُضْمرِ كأنَّه قيلَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: اذكُر لهم يومَ النفختينِ فإنه وقتُ بعثِهم، وقيلَ: هو منصوبٌ بما دلَّ عليه قولُه تعالَى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} أي يومَ ترجفُ وجفتِ القلوبُ، قيلَ: قلوبٌ مبتدأٌ ويومئذٍ متعلقٌ بواجفةٌ وهيَ صفةٌ لقلوبٌ مُسوِّغةٌ لوقوعِه مبتدأً.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم ترجف الراجفة} منصوب بالجواب المضمر وهو لتبعثن والمراد بالراجفة الواقعة التى ترجف عندها الاجرام الساكنة كالارض والجبال اى تتحرك حركة شديدة وتتزلزل زلزلة عظيمة من هول ذلك اليوم وهى النفخة الاولى اسند اليها الرجف مجازا على طريق اسناد الفعل الى سببه فان حدوث تلك النفخة سبب لاضطراب الاجرام الساكنة من الرجفان وهى شدة الاضطراب ومنه الرجفة للزلزلة لما فيه من شدة الاضطراب وكثرة الانقلاب وفيه اشعار بأن تغير السفلى مقدم على تغير العلوى وان لم يكن مقطوعا.
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ} ظرف للمدبّرات امراً، او لمحذوفٍ هو جواب القسم اى لتبعثنّ يوم ترجف الرّاجفة، او لقوله تعالى:{ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ}، او لقوله تعالى: {وَاجِفَةٌ}، ويكون يومئذٍ تأكيداً له او لاذكر او ذكّر مقدّراً ورجف بمعنى حرّك وتحرّك واضطرب شديداً، ورجفت الارض زلزلت، والمراد بالرّاجفة النّفخة الاولى.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام [في قوله. ب، ر]: {يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة}: الراجفة الحسين بن علي والرادفة علي بن أبي طالب عليهما السلام وهو أول من ينفض رأسه من التراب الحسين بن علي في خمسة وتسعين ألفاً وهو قول الله: {أية : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} تفسير : [ 51 - 52/ غافر].
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} متعلق بالجواب المحذوف أو بالمدبرات على أن التدبير مراد به التدبير في ذلك اليوم أو بما دل عليه {أية : قلوب يومئذ واجفة} تفسير : أو بواجفة *{تَرْجِفُ الرَّاجِفَةُ} النفخة الأولى التي يرجف كل شيء بها أي يتزلزل وصفه بما يحدث من غيرها بسببها أو المراد الأجرام الساكنة اليوم المتحركة تحركا شديدا وقتئذ كالأرض والجبال بدليل {أية : يوم ترجف الأرض والجبال} تفسير : وقال ابن زيد الراجفة الموت وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ثلث الليل قام فقال يأيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الرجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه وروي إذا ذهب ربع الليل وصححوا الأول وقيل الراجفة القيامة أي موت الخلائق.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} متعلق بنبعث المقدر جوابا للقسم أو مفعول به لأَذكر والمعنى اذكر لهم يوم النفختين فإِنه وقت بعثهم. {تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} تقع الواقعة التى تتحرك أى تحصل أو النفخة التى ترجف الأَجرام عنها وأسند الرجف إِلى النفخة لأَن النفخة سببها أو الراجفة المحركة وهى النفخة الأُولى ورجف يتعدى ويلزم وقيل المراد الأَجرام الساكنة تشتد حركتها حينئذ كالأَرض والجبال كما قال الله جل وعلا: {أية : يوم ترجف الأَرض والجبال} تفسير : [المزمل: 14] وسميت راجفة على اعتبار الأَول.
الالوسي
تفسير : منصوب بالجواب المضمر. والمراد بالراجفة الواقعة أو النفخة التي ترجف الأجرام عندها على أن الإسناد إليها مجازي لأنها سبب الرجف أو التجوز في الطرف بجعل سبب الرجف راجفاً. وجوز أن تفسر الراجفة بالمحركة ويكون ذلك حقيقة لأن رجف يكون بمعنى حرك وتحرك كما في «القاموس» وهي النفخة الأولى. وقيل المراد بها الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذٍ كالأرض والجبال لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ }تفسير : [المزمل: 14] وتسميتها راجفة باعتبار الأول ففيه مجاز مرسل وبه يتضح فائدة الإسناد. وقوله تعالى: {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ}.
الشنقيطي
تفسير : هما النفختان في الصور، الراجفة هي الاولى، والرادفة هي الثانية، كما في قوله تعالى: { أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}تفسير : [الزمر: 68]. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة يس عند قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}تفسير : [يس: 51]، وسميت الأولى الراجفة، لما يأخذ العالم كله من شدة الرجفة، كما في قوله تعالى: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [الحاقة: 14] وقوله: {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر: 68]. وذكر ابن كثير عن الإمام أحمد رحمه الله بسنده: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه. فقال رجل: يا رسول الله: أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذاً يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك"تفسير : وسنده قال أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - الحديث".
د. أسعد حومد
تفسير : (6) - حِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَرْجُفُ الأَرْضُ رَجْفَةً شَدِيدَةً تَتَحَرَّكُ مِنْهَا الجِبَالُ، وَيُسْمَعُ لَهَا صَوْتٌ شَدِيدٌ (وَهَذَا جَوَابُ القَسَمِ).
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} فالرّاجفةُ: النَّفخةُ الأُولى، والرَّادفةُ: النَّفخةُ الثَّانيةُ، والرَّاجفةُ: الزّلزلةُ. والرَّادفةُ: كُلُّ شَيءٍ يَجيءُ بعدَ شَيءٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):