٧٩ - ٱلنَّازِعَات
79 - An-Nazi'at (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها من وجهين: الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث حتى انتهوا في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء في قولهم: {أية : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَـٰسِرَةٌ } تفسير : [النازعات: 12] وكان ذلك يشق على محمد صلى الله عليه وسلم فذكر قصة موسى عليه السلام، وبين أنه تحمل المشقة الكثيرة في دعوة فرعون ليكون ذلك كالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم الثاني: أن فرعون كان أقوى من كفار قريش وأكثر جمعاً وأشد شوكة، فلما تمرد على موسى أخذه الله نكال الآخرة والأولى، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك إن أصروا أخذهم الله وجعلهم نكالاً. المسألة الثانية: قوله: {هَل أَتَاكَ } يحتمل أن يكون معناه أليس قد {أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } هذا إن كان قد أتاه ذلك قبل هذا الكلام، أما إن لم يكن قد أتاه فقد يجوز أن يقال: {هَلُ أَتَاكَ } كذا، أم أنا أخبرك به فإن فيه عبرة لمن يخشى. المسألة الثالثة: الوادي المقدس المبارك المطهر، وفي قوله: {طُوًى } وجوه: أحدها: أنه اسم وادي بالشام وهو عند الطور الذي أقسم الله به في قوله: {أية : وَٱلطُّورِ * وَكِتَـٰبٍ مُّسْطُورٍ }تفسير : [الطور: 2,1] وقوله: {أية : وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ } تفسير : [مريم: 52] والثاني: أنه بمعنى يا رجل بالعبرانية، فكأنه قال: يا رجل اذهب إلى فرعون، وهو قول ابن عباس والثالث: أن يكون قوله: {طُوًى } أي ناداه {طُوًى } من الليلة {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } لأنك تقول جئتك بعد {طُوًى } أي بعد ساعة من الليل والرابع: أن يكون المعنى بالوادي المقدس الذي طوى أي بورك فيه مرتين. المسألة الرابعة: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {طُوًى } بضم الطاء غير منون، وقرأ الباقون بضم الطاء منوناً، وروي عن أبي عمرو. طوى بكسر الطاء، وطوى مثل ثنى، وهما اسمان للشيء المثنى، والطي بمعنى الثني، أي ثنيت في البركة والتقديس، قال القراء: {طُوًى } واد بين المدينة ومصر، فمن صرفه قال: هو ذكر سمينا به ذكراً، ومن لم يصرفه جعله معدولاً عن جهته كعمر وزفر، ثم قال: والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيراً، أي لم أجد اسماً من الواو والياء عدل عن فاعلة إلى فعل غير {طُوًى }. المسألة الخامسة: تقدير الآية: إذ ناداه ربه وقال اذهب إلى فرعون، وفي قراءة عبدالله أن اذهب، لأن في النداء معنى القول. وأما أن ذلك النداء كان بإسماع الكلام القديم، أو بإسماع الحرف والصوت، وإن كان على هذا الوجه فكيف عرف موسى أنه كلام الله. فكل ذلك قد تقدم في سورة طه. المسألة السادسة: أن سائر الآيات تدل على أنه تعالى في أول ما نادى موسى عليه السلام ذكر له أشياء كثيرة، كقوله في سورة طه: {نُودِيَ يٰمُوسَىٰ إِنّي أَنَاْ رَبُّكَ } إلى قوله: {أية : لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ * ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } تفسير : [طه: 24,23] فدل ذلك على أن قوله ههنا: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } من جملة ما ناداه به ربه، لا أنه كل ما ناداه به، وأيضاً ليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى فرعون فقط، بل إلى كل من كان في ذلك الطرف، إلا أنه خصه بالذكر، لأن دعوته جارية مجرى دعوة كل ذلك القوم. المسألة السابعة: الطغيان مجاوزة الحد، ثم إنه تعالى لم يبين أنه تعدى في أي شيء، فلهذا قال بعض المفسرين: معناه أنه تكبر على الله وكفر به، وقال آخرون: إنه طغى على بني إسرائيل، والأولى عندي الجمع بين الأمرين، فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به، وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم، وكما أن كمال العبودية ليس إلا صدق المعاملة مع الخالق ومع الخلق، فكذا كمال الطغيان ليس إلا الجمع بين سوء المعاملة مع الخالق ومع الخلق. واعلم أنه تعالى لما بعثه إلى فرعون لقنه كلامين ليخاطبه بهما: فالأول: قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِي ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} أي قد جاءك وبلغك «حدِيث موسى» وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. أي إن فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ثم أخذناه، وكذلك هؤلاء. وقيل: «هل» بمعنى «ما» أي ما أتاك، ولكن أُخبرت به، فإن فيه عِبرةً لمن يخشَى. وقد مضى من خبر موسى وفرعونَ في غير موضع ما فيه كفاية. وفي «طُوًى» ثلاث قراءات: قرأ ٱبن محيصن وٱبن عامر والكوفيون «طُوى» منونا وٱختاره أبو عبيد لخفة الاسم. الباقون بغير تنوين؛ لأنه معدول مثل عُمر وقُثَم؛ قال الفرّاء: طُوَى: واد بين المدينة ومصر. قال: وهو معدول عن طاوٍ، كما عدل عمر عن عامر. وقرأ الحسن وعِكرمة «طِوَى» بكسر الطاء، ورُوي عن أبي عمْرو، على معنى المُقَدَّس مرة بعد مرة؛ قاله الزَّجاج؛ وأنشد: شعر : أَعَاذِلَ إِنّ اللوم في غيرِ كنهِهِ عليَّ طِوَى مِن غَيِّكِ المتردِّدِ تفسير : أي هو لوم مكرر عليّ. وقيل: ضم الطاء وكسرها لغتان، وقد مضى في «طه» القول فيه. {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} أي ناداه ربه، فحذف، لأن النداء قول؛ فكأنه؛ قال له ربه {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ}. {إِنَّهُ طَغَىٰ} أي جاوز القدر في العصيان. ورُوي عن الحسن قال: كان فرعون عِلْجا من هَمْدان. وعن مجاهد قال: كان من أهل إِصطَخر. وعن الحسن أيضاً قال: من أهل أَصْبهان، يقال له ذو ظفر، طوله أربعة أشبار. {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} أي تسلِم فتطهرَ من الذنوب. وروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: هل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله. {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي وأُرشدك إلى طاعة ربك {فَتَخْشَىٰ} أي تخافه وتتقيه. وقرأ نافع وٱبن كثير «تَزَّكَّى» بتشديد الزاي، على إدغام التاء في الزاي لأن أصلها تتزكى. الباقون: «تَزَكَّى» بتخفيف الزاي على معنى طرح التاء. وقال أبو عمرو: «تَزَّكَّى» بالتشديد تَتَصَدَّق بـ ـالصدقة، و «تَزَكّى» يكون زكياً مؤمناً. وإنما دعا فرعون ليكون زكياً مؤمناً. قال: فلهذا ٱخترنا التخفيف. وقال صخر بن جُوَيْرية: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال له: «ٱذهب إِلى فِرعون» إلى قوله {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} ولن يفعل؛ فقال: يا رب، وكيف أذهب إليه وقد علمتَ أنه لا يفعل؟ فأوحى الله إليه أن ٱمض إلى ما أمرتك به، فإن في السماء ٱثني عشر ألف ملَك يطلبون علم القَدر، فلم يبلغوه وَلا يدركوه. {فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} أي العلامة العُظْمَى وهي المعجزة. وقيل: العصا. وقيل: اليد البيضاء تَبُرق كالشمس. وروى الضحاك عن ٱبن عباس: الآية الكبرى قال العصا. الحسن: يده وعصاه. وقيل: فَلْق البحر. وقيل: الآية: إشارة إلى جميع آياته ومعجزاته. {فَكَذَّبَ} أي كذب نبيّ الله موسى {وَعَصَىٰ} أي عصى ربه عز وجل. {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ} أي ولىَّ مدْبراً معرِضاً عن الإيمان «يسعَى» أي يعمل بالفساد في الأرض. وقيل: يعمل في نكاية موسى. وقيل: «أدبر يسعَى» هارباً من الحية. {فَحَشَرَ} أي جمع أصحابه ليمنعوه منها. وقيل: جمع جنوده للقتال والمحاربة، والسَّحَرة للمعارضة. وقيل: حشر الناس للحضور. {فَنَادَىٰ} أي قال لهم بصوت عال {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} أي لا رب لكم فوقي. ويروَي: إن إبليس تصور لفرعون في صورة الإِنس بمصر في الحمام، فأنكره فرعون، فقال له إبليس: ويْحَك! أما تعرفني؟ قال: لا. قال: وكيف وأنت خلقتني؟ ألست القائل أنا ربُّكم الأعلَى. ذكره الثعلبيّ في كتاب العرائس. وقال عطاء: كان صنع لهم أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتها، فقال أنا رب أصنامكم. وقيل: أراد القادة والسادةَ، هو ربهم، وأولئك هم أرباب السَّفلة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ فنادى فحشر؛ لأن النداء يكون قبل الحشر. {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} أي نكال قوله: { أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } تفسير : [القصص: 38] وقوله بعد: «أنا ربكم الأعلَى» قاله ٱبن عباس ومجاهد وعِكرمة. وكان بين الكلمتين أربعون سنة؛ قاله ٱبن عباس. والمعنى: أمهله في الأولى، ثم أخذه في الآخرة، فعذبه بكلمتيه. وقيل: نكالُ الأولى: هو أن أغرقه، ونكال الآخرة: العذابُ في الآخرة. وقاله قتادة وغيره. وقال مجاهد: هو عذاب أوّل عمره وآخره. وقيل: الآخرة قوله «أنا ربكم الأعلَى» والأولى تكذيبه لموسى. عن قتادة أيضاً. و «نكالَ» منصوب على المصدر المؤكَّد في قول الزَّجاج؛ لأن معنى أخذه الله: نكَّل الله به، فأخرج نكالَ مكانَ مصدر من معناه، لا من لفظه. وقيل: نصب بنزع حرف الصفة، أي فأخذه الله بنكال الآخرة، فلما نزِع الخافض نُصِب. وقال الفرّاء: أي أخذه الله أخذاً نكالاً، أي للنكال. والنكال: ٱسم لما جعل نكالاً للغير أي عقوبة له حتى يعتبر به. يقال: نكَّل فلان بفلان: إذا أثخنه عقوبة. والكلمة من الامتناع، ومنه النكولُ عن اليمين، والنِّكْل القيد. وقد مضى في سورة «المزمل» والحمد لله. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} أي ٱعتباراً وعظة. {لِّمَن يَخْشَىٰ} أي يخاف الله عزّ وجلّ.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم عن عبده ورسوله موسى عليه السلام: أنه ابتعثه إلى فرعون، وأيده الله بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة: { إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} فقوله تعالى: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} أي هل سمعت بخبره {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ} أي: كلمه نداء {بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ} أي: المطهر {طُوًى} وهو اسم الوادي على الصحيح؛ كما تقدم في سورة طه، فقال له: { ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} أي: تجبر وتمرد وعتا { فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} أي: قل له: هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به وتسلم وتطيع؟ {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي: أدلك إلى عبادة ربك {فَتَخْشَىٰ} أي: فيصير قلبك خاضعاً له مطيعاً خاشعاً بعدما كان قاسياً خبيثاً بعيداً من الخير { فَأَرَاهُ ٱلأَيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية، ودليلاً واضحاً على صدق ما جاءه به من عند الله، { فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ} أي: فكذب بالحق، وخالف ما أمره به من الطاعة، وحاصله أنه كفر قلبه، فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمه بأن ما جاء به حق لا يلزم منه أنه مؤمن به؛ لأن المعرفة علم القلب، والإيمان عمله، وهو الانقياد للحق والخضوع له. وقوله تعالى: { ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ} أي: في مقابلة الحق بالباطل، وهو جمعه السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى عليه السلام من المعجزات الباهرات { فَحَشَرَ فَنَادَىٰ} أي: في قومه، { فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ما علمت لكم من إله غيري بأربعين سنة، قال الله تعالى: { فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} أي: انتقم الله منه انتقاماً جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين في الدنيا {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ} تفسير : [هود: 99] كما قال تعالى: { أية : وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ} تفسير : [القصص: 41] وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: {نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} أي: الدنيا والآخرة، وقيل: المراد بذلك: كلمتاه الأولى والثانية، وقيل: كفره وعصيانه، والصحيح الذي لا شك فيه الأول، وقوله: { إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} أي: لمن يتعظ وينزجر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَلُ أَتَٰكَ } يا محمد {حَدِيثُ مُوسَىٰ } عامل في.
الماوردي
تفسير : {هلْ أتاكَ حديثُ موسى * إذ ناداه ربه بالوادِ المقدَّسِ طُوَىً} فيه قولان: أحدهما: وهو قول مبشر بن عبيد هو واد بأيلة. الثاني: وهو قول الحسن، هو واد بفلسطين. وفي "المقدَّس" تأويلان: أحدهما: المبارك، قاله ابن عباس. الثاني: المطهر، قاله الحسن: قدّس مرتين. وفي " طُوَىً" أربعة أقاويل: أحدها: أنه أسم الوادي المقدس، قاله مجاهد وقتادة وعكرمة. الثاني: لأنه مر بالوادي فطواه، قاله ابن عباس. الثالث: لأنه طوي بالبركة، قاله الحسن. الرابع: يعني طأ الوادي بقدمك، قاله عكرمة ومجاهد. ويحتمل خامساً؛ أنه ما تضاعف تقديسه حتى تطهّر من دنس المعاصي، مأخوذ من طيّ الكتاب إذا ضوعف. {فَقُلْ هل لك إلى أن تَزَكّى} فيه قولان: أحدهما: إلى أن تُسْلِم، قال قتادة. الثاني: إلى أن تعمل خيراً، قاله الكلبي. {فأَراهُ الآيةَ الكُبْرَى} فيها قولان: أحدهما: أنها عصاه ويده، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنها الجنة والنار، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: أنه كلامه من الشجرة. قوله {فَحَشَرَ فنادَى} فيه وجهان: أحدهما: حشر السحرة للمعارضة، ونادى جنده للمحاربة. الثاني: حشر الناس للحضور ونادى أي خطب فيهم. {فأخَذَهُ الله نَكالََ الآخرة والأُولى} فيها أربعة أقاويل: أحدها: عقوبة الدنيا والآخرة، قال قتادة: عذبه الله في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالنار. الثاني: عذاب أول عُمرِه وآخره، قاله مجاهد. الثالث: الأولى قوله: " ما علمت لكم مِن إلهٍ غيري" والآخرة قوله " أنا ربكم الأعلى "، قاله عكرمة، قال ابن عباس: وكان بينهما أربعون سنة، وقال مجاهد: ثلاثون سنة، قال السدي: وهي الآخرة ثلاثون سنة. الرابع: عذاب الأولى الإمهال، والآخرة في النار، من قوله تعالى: {النار يعرضون عليها} الآية، قاله الربيع.
النسفي
تفسير : {هل أتاك حديث موسى} استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب أن يشيع والتشريف للمخاطب به {إذ ناداه رَبُّهُ} حين ناداه {بالوَادِ المقَدَّسِ} المبارك المطهر {طوًى} اسمه {اذهب إلى فرعون} على إرادة القول {إنَّهُ طغى} تجاوز الحد في الكفر والفساد. {فقل هل لّك إلى أن تَزَكَّىٰ} هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان بالطاعة والإيمان. وبتشديد الزاي: حجازي {وَأَهْدِيَكَ إلَىٰ رَبِّكَ} وأرشدك إلى معرفة الله بذكر صفاته فتعرفه {فَتَخْشَىٰ} لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة قال الله تعالى: {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28] أي العلماء به. وعن بعض الحكماء: اعرف الله فمن عرف الله لم يقدر أن يعصيه طرفة عين. فالخشية ملاك الأمور من خشي الله أتى منه كل خير، ومن آمن اجترأ على كل شر. ومنه الحديث «حديث : من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل»تفسير : بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه باللطف في القول ويستنزله بالمداراة عن عتوه كما أمر بذلك في قوله تعالى: {أية : فقولا له قولاً ليناً}تفسير : [طه: 44] {فأراه الآية الكبرى} أي فذهب فأرى موسى فرعون العصا أو العصا واليد البيضاء لأنهما في حكم آية واحدة {فَكَذَّبَ} فرعون بموسى والآية الكبرى وسماهما ساحراً وسحراً {وعَصَىٰ} الله تعالى {ثمّ أدْبَرَ} تولى عن موسى {يَسْعَىٰ} يجتهد في مكايدته، أو لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً يسرع في مشيته وكان طيّاشاً خفيفاً {فَحَشَرَ} فجمع السحرة وجنده {فَنَادَىٰ} في المقام الذي اجتمعوا فيه معه {فقال أنا ربّكم الأعلى} لا رب فوقي وكانت لهم أصنام يعبدونها {فأخذه الله نكال الآخرة} عاقبة الله عقوبة الآخرة والنكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم. ونصبه على المصدر لأن أخذ بمعنى نكل كأنه قيل: نكل الله به نكال الآخرة أي الإحراق {والأُولىٰ} أي الإغراق، أو نكال كلمتيه الآخرة وهي {أية : أنا ربكم الأعلى}تفسير : والأولى وهي {أية : ما علمت لكم من إله غيري}تفسير : [القصص: 38] وبينهما أربعون سنة أو ثلاثون أو عشرون {إنّ في ذلك} المذكور {لَعِبْرَةً لّمن يخشىٰ} الله. {ءَأنتُمْ} يا منكري البعث {أشَدُّ خَلْقاً} أصعب خلقاً وإنشاء {أم السَّمَاءُ} مبتدأ محذوف الخبر أي أم السماء أشد خلقاً. ثم بين كيف خلقها فقال {بناها} أي الله. ثم بين البناء فقال {رَفَعَ سَمْكَهَا} أعلى سقفها. وقيل: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو رفيعاً مسيرة خمسمائة عام {فسواها} فعدلها مستوية بلا شقوق ولا فطور {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} أظلمه {وأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أبرز ضوء شمسها، وأضيف الليل والشمس إلى السماء لأن الليل ظلمتها والشمس سراجها {والأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحَاهَا} بسطها وكانت مخلوقة غير مدحوة فدحيت من مكة بعد خلق السماء بألفي عام. ثم فسر البسط فقال {أَخْرَجَ منها مَاءَها} بتفجير العيون {ومَرْعَاهَا} كلأها ولذا لم يدخل العاطف على {أخرج} أو {أخرج} حال بإضمار «قد». {والجبال أرساها} أثبتها وانتصاب الأرض والجبال بإضمار دحاً وأرسى على شريطة التفسير {متاعاً لَّكُمَ ولأنعامِكُمْ} فعل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعماكم {فإذا جاءتِ الطَّامَّةُ الكبرى} الداهية العظمى التي تطم على الدواهي أي تعلو وتغلب وهي النفخة الثانية، أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. {يوم يَتَذَكَّرُ الإنسانُ} بدل من {إذا جاءت} أي إذا رأى أعماله مدونة في كتابه يتذكرها وكان قد نسيها {ما سعى} مصدرية أي سعيه أو موصولة {وبُرِّزَتِ الجحيم} وأظهرت {لمن يرى} لكل راء لظهورها ظهوراً بيناً. {فأمّا} جواب {فإذا} أي إذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك {من طغى} جاوز الحد فكفر {وَءَاثَرَ الحَياةَ الدُّنْيَا} على الآخرة باتباع الشهوات {فإن الجَحِيمَ هِيَ المأوى} المرجع أي مأواه، والألف واللام بدل من الإضافة وهذا عند الكوفيين، وعند سيبويه وعند البصريين هي المأوى له {وأمّا من خاف مَقَامَ رَبِّهِ} أي علم أن له مقاماً يوم القيامة لحساب ربه {وَنَهَىٰ النَّفْسَ} الأمارة بالسوء {عن الهوى} المؤذي أي زجرها عن اتباع الشهوات. وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها، والهوى ميل النفس إلى شهواتها {فإنّ الجَنَّةَ هِيَ المأْوَىٰ} أي المرجع {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيَّانَ مُرْسَاهَا} متى إرساؤها أي إقامتها يعني متى يقيمها الله تعالى ويثبتها {فِيمَ أنتَ مِن ذِكْرَاهَآ} في شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به أي ما أنت من ذكراها لهم وتبيين وقتها في شيء كقولك: ليس فلان من العلم في شيء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت، فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها أي أنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها. {إلى رَبِّكَ مُنتَهَاها} منتهى علمها متى تكون لا يعلمها غيره، أو فيم إنكار لسؤالهم عنها أي فيم هذا السؤال. ثم قال {أنت من ذكراها} أي إرسالك وأنت آخر الأنبياء علامة من علاماتها فلا معنى لسؤالهم عنها، ولا يبعد أن يوقف على هذا على {فيم} وقيل {فيم أنت من ذكراها} متصل بالسؤال أي يسألونك عن الساعة أيان مرساها ويقولون أين أنت من ذكراها. ثم استأنف فقال {إلى ربك منتهاها} {إنّما أنت منذر من يخشاها} أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها. {منذر} منون: يزيد وعباس {كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} أي الساعة {لم يَلْبَثُوا} في الدنيا {إلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} أي ضحى العشية استقلوا مدة لبثهم في الدنيا لما عاينوا من الهول كقوله: {أية : لم يلبثوا إلا ساعة من نهار}تفسير : [الأحقاف:35] [يونس: 45] وقوله: {أية : قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم}تفسير : [الكهف:19][المؤمنون: 113] وإنما صحت إضافة الضحى إلى العشية للملابسة بينهما لاجتماعهما في نهار واحد، والمراد أن مدة لبثهم لم تبلغ يوماً كاملاً ولكن أحد طرفي النهار عشيته أو ضحاه، والله أعلم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {هل أتاك حديث موسى} يا محمد وذلك أنه صلى الله عليه وسلم شق عليه حين كذبه قومه، فذكر له قصة موسى عليه الصلاة والسلام وأنه كان يتحمل المشاق من قومه ليتأسى به {إذ ناداه ربه بالواد المقدس} أي المطهر {طوى} هو اسم واد بالشام عند الطور {اذهب إلى فرعون إنه طغى} أي علا وتكبر وكفر بالله {فقل هل لك إلى أن تزكى} أي تتطهر من الشّرك والكفر، وقيل معناه تسلم وتصلح العمل وقال ابن عباس: تشهد أن لا إله إلا الله {وأهديك إلى ربك} أي أدعوك إلى عبادة ربك وتوحيده {فتخشى} يعني عقابه وإنما خص فرعون بالذكر، وإن كانت دعوة موسى شاملة لجميع قومه لأن فرعون كان أعظمهم فكانت دعوته دعوة لجميع قومه {فأراه} أي أرى موسى فرعون {الآية الكبرى} يعني اليد البيضاء والعصا {فكذب} يعني فرعون بأنها من الله {وعصى} أي تمرد وأظهر التجبر {ثم أدبر} أي أعرض عن الإيمان {يسعى} يعمل الفساد في الأرض {فحشر} أي فجمع قومه وجنوده {فنادى} أي لما اجتمعوا {فقال} يعني فرعون لقومه {أنا ربكم الأعلى} أي لا رب فوقي، وقيل أراد أن الأصنام أرباب وهو ربها وربهم {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} أي عاقبة فجعله عبرة لغيره بأن أغرقه في الدنيا ويدخله النار في الآخرة، وقيل أراد بالآخرة والأولى كلمتي فرعون وهما قوله {أية : ما علمت لكم من إله غيري} تفسير : [القصص: 38] وقوله {أنا ربكم الأعلى} وكان بينهما أربعون سنة {إن في ذلك} أي في الذي فعل بفرعون حين كذب وعصى {لعبرة} أي عظة {لمن يخشى} أي يخاف الله عز وجل ثم عاتب منكري البعث فقال تعالى: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها} معناه أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السّماء عندكم في تقديركم. فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد، لأن خلق الإنسان على صغره وضعفه إذا أضيف إلى خلق السماء مع عظمها وعظم أحوالها كان يسيراً فبين تعالى: أن خلق السماء أعظم، وإذا كان كذلك كان خلقكم بعد الموت أهون على الله تعالى: فكيف تنكرون ذلك مع علمكم بأنه خلق السموات والأرض ولا تنكرون ذلك. ثم إنه تعالى ذكر كيفية خلق السّماء والأرض فقال تعالى: {رفع سمكها...}.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} أي: قد جاءك وبلغك، وهذه تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: أنَّ فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ثُمَّ أخذناه, وكذلك هؤلاء. وقيل: "هَلْ" بمعنى: "ما" أي: ما أتاك، ولكِّي أخبرك به، فإنَّ فيه عِبْرَةً لمن يخشى. وقال ابنُ الخطيبِ: قوله: "هَلْ أتَاكَ" يحتملُ أن يكون معناه: أليْسَ قَدْ أتَاكَ حديثُ موسى، هذا إن كان قد أتاه ذلك قبل هذا الكلام، أمَّا إن لم يكن قد أتاه، فقد يجوز أن يقال: "هَلْ أتَاكَ" أي: أنا أخبرك وتقدم الكلام على موسى وفرعون فإنَّ فيه عبرة لمن يخشى. قوله: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ} منصوب بـ "حديث" لا بـ "أتاك"؛ لاختلاف وقتيهما، وتقدم الخلاف بين القراء في "طُوَى" في سورة [طه: 12]. و "الوادي المقدس": المُبَاركُ المُطَهَّر. قال الفراء: "طُوى" واد بين "المدينة" و "مصر"، قال: وهو معدولٌ، من "طاو"، كما عدل "عُمَرُ" من "عامر". قال الفراء: مَنْ صرفه قال: هو ذكر، ومن لم يصرفه جعله معدولاً كـ "عمر، وزفر". قال: "والصَّرفُ أحبُّ إليَّ إذا لم أجد في المعدول نظيراً" أي: لم أجد له اسماً من الواو والياء عدلَ من "فاعل" إلى "فُعَل" غير طُوى. وقيل: "طوى" معناه: يا رجل، بالعبْرَانيَّةِ، فكأنَّه قيل: اذهب يا رجل إلى فرعون، [قاله ابن عباس. وقيل: الطوى: أي: ناداه بعد طويّ من الليل اذهب إلى فرعون]؛ لأنك تقول: جئتك بعد طويّ، أي بعد ساعة من الليل. وقيل: معناه "بالوَادِ المُقدَّسِ طُوى" أي بُورِكَ فيهِ مرَّتيْنِ. قوله: {ٱذْهَبْ} يجوز أن يكون تفسيراً للنداء، ناداه اذهب، ويجوز أن يكون على إضمار القول. وقيل: هو على حذف، أي: أن اذهب، ويدل له قراءة عبد الله: أن اذهب. و "أن" هذه الظَّاهرة أو المقدرة، يحتملُ أن تكون تفسيرية، وأن تكون مصدرية، أي: ناداه ربُّه بكذا. "اذهب إلى فرعون إنه طغى" أي تجاوز القدر في العصيان. قال ابنُ الخطيب: ولم يُبيِّنُ أنَّه طغَى في أيِّ شيءٍ. فقيل: تكبَّر على الله تعالى، وكفر به. وقيل: تكبَّر على الخلقِ واسْتعبَدهُمْ. روي عن الحسن قال: كان فرعون علجاً من "همدان". وقال مجاهد: كان من أهل "إصطخر" وعن الحسن - أيضاً - كان من أهل "أصبهان"، يقال له: ذو ظفر، طوله أربعة أشبارٍ. قوله: {هَل لَّكَ} خبر مبتدأ مضمر. و {إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} متعلِّق بذلك المبتدأ، وهو حذفٌ سائغٌ، والتقدير: هل لك سبيل إلى التزكية، ومثله: هل لك في الخير، تريد: هل لك رغبة في الخير؛ قال: [الطويل] شعر : 5098- فَهَلْ لَكمُ فِيهَا إليَّ فإنَّنِي بَصِيرٌ بِمَا أعْيَا النِّطاسِيَّ حِذْيَمَا تفسير : وقال أبو البقاء: لمَّا كان المعنى: أدعوك، جاء بـ "إلى". وقال غيره: يقال: هل لك في كذا، هل لك إلى كذا كما تقول: هل ترغب فيه وهل ترغب إليه؟. قال الواحدي: المبتدأ محذوف في اللفظ، مراد في المعنى، والتقدير: هل لك إلى أن تزكَّى حاجة. وقرأ نافع وابن كثير: بتشديد الزاي من "تزكَّى" والأصل تتزكى، وكذلك "تَصدَّى" في السورة تحتها، فالحرميان: أدغما، والباقون: حذفوا، نحو تنزل، وتقدَّم الخلاف في أيتهما المحذوفة. فصل في تفسير الآية معنى "هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزكَّى" أي: تُسْلِم فتطهرُ من الذُّنُوبِ. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - هل لك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله. و "أهْديكَ إلى ربِّك فتَخْشَى" أي: تخافُه وتتقيه. قال ابن الخطيب: سائر الآيات تدل على أنه - تعالى - لمَّا نادى موسى - عليه الصلاة والسلام - ذكر له أشياء كثيرة، كقوله تعالى في سورة "طه": {أية : نُودِيَ يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ} تفسير : [طه: 11، 12] إلى قوله: {أية : لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} تفسير : [طه: 23، 24]. فدلَّ [قوله تعالى - هاهنا -: "اذْهَبْ إلى فِرعَوْنَ إنَّه طَغَى"] أنه من جملة ما ناداه به [لا كل ما ناداه به]، وأيضاً فليس الغرض أنَّه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى فرعون فقط بل إلى كل من كان في الطور، إلاَّ أنَّه خصَّه دعوته جاريةٌ مجرى دعوةِ كُلِّ القَوْمِ. فصل في كلام المعتزلة تمسَّك المعتزلة بهذه الآية في إبطال القول بأن الله - تعالى - يخلق فعل العبد، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير، أي: لك سبيل إلى أن تزكَّى، ولو كان ذلك بفعل الله - تعالى - لا نقلب الكلام حجةً على موسى. والجواب: ما تقدَّم في نظائره. حكى القرطبيُّ عن صخرِ بنِ جويرية قال: "لمَّا بعث الله تعالى موسى - عليه الصلاة والسلام - إلى فرعون، قال له: "اذْهَبْ إلى فِرْعَونَ" إلى قوله: "وأهْديكَ إلى ربِّك فتَخْشَى"، ولن يفعل، فقال: يا رب، وكيف أذهب إليه، وقد علمت أنه لا يفعل، فأوحى الله - تعالى - إليه أن امض إلى ما أمرتَ به، فإنَّ في السماء اثني عشر ألفاً ملك، يطلبون علم القدرة، فلم يبلغوه، ولم يدركوه". قوله تعالى: {فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} "الفاء" في "فأراه": معطوف على محذوف، يعني فذهب فأراه، كقوله تعالى: {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ} تفسير : [البقرة: 60] أي: فضرب فانفجرت. واختلفوا في الآية الكبرى، أي: العلامة العظمى، وهي المعجزة. فقيل: هي العصا. وقيل: اليدُ البيضاءُ تبْرقُ كالشَّمْسِ، قاله مقاتل والكلبي. والأول: قول عطاء وابن عباس؛ لأنَّه ليس في اليد إلا انقلاب لونها، وهذا كان حاصلاً في العصا؛ لأنَّها لمَّا انقلبت حيّة، فلا بد وأن يتغيَّر اللون الأول، فإذن كل ما في اليد، فهو حاصل في العصا، وأمور أخر، وهي الحياة في الجرم الجمادي، وتزايد الأجر إليه، وحصول القدرةِ الكبيرة والقُوَّة الشديدة، وابتلاعها أشياء كثيرة، وزوال الحياة، والقدرة عليها، وبقاء تلك الأجزاء التي عظمت، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين صارت العصا بهما حيَّة، وكلُّ واحدٍ من هذه الوجوه كان معجزاً مستقلاً في نفسه، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصا. وقال مجاهد: هي مجموع العصا واليد. وقيل: فلق البحر، وقيل: جميع آياته ومعجزاته. {فَكَذَّبَ} أي: كذَّب بِنَبِيِّ الله موسى و "عصى" ربَّه تبارك وتعالى. فإن قيل: كل من كذَّب الله فقد عصى، فما فائدة قوله: "فكذب وعصى"؟. فالجواب: كذَّب بالقول، وعصى بالتمرد والتجبر. {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ} أي: يعملُ بالفساد في الأرض. وقيل: يعمل في نكاية موسى. وقيل: "أدْبَرَ يَسْعَى" هارباً من الحيَّة. قال ابن الخطيب: معنى "أدْبَرَ يَسْعَى" أي: أقبل يسعى، كما يقالُ: أقبل يفعل كذا، يعني: إن شاء يفعل، فموضع "أدبر" موضع "أقبل" لئلاَّ يوصف بالإقبَالِ. قوله: {فَحَشَرَ فَنَادَىٰ} لم يذكر مفعولاهما، إذ المراد: فعل ذلك، أو يكون التقدير: فحشر قومه فناداهم. وقوله: "فَقَالَ" تفسير للنِّداء. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: فنادى فحشر؛ لأنَّ النداء قبل الحشر، ومعنى "حشر"، أي: جمع السَّحرة، وجمع أصحابه ليَمْنَعُوهُ من الحيَّة. وقيل: جمع جنوده للقتال، والمحاسبة، و "السَّحَرةُ": المعارضة. وقيل: حَشَرَ النَّاس للُضُور "فنادى", أي: قال لهم بصوتٍ عالٍ. {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} أي: لا ربَّ فوقِي. وقيل: أمر منادياً ينادي فنادى في النَّاس بذلك. وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ذلك. وعن ابن عباس، ومجاهدٍ، والسديِّ، وسعيد بن جبير، ومقاتلٍ: كلمته الأولى {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38] والأخرى: {أنَا ربُّكمُ الأعْلَى}. قال ابنُ عباس: كان بين الكلمتين أربعون سنة، والمعنى: أمهله في الأولى، ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه. قال ابن الخطيب: واعلم أنَّا بينَّا في سورة "طه" أنه لا يجوز أن يعتقد الإنسانُ في نفسه كونه خالقاً للسماوات والأرض والجبال والنبات والحيوان، فإنَّ العلمَ بفسادِ ذلك ضروريٌّ، فمن تشكك فيه كان مجنوناً، ولو كان مجنوناً لما جاز من الله بعثة الرسل إليه، بل الرَّجل كان دهرياً منكراً للصَّانع والحشر والنشر، وكان يقول: ليس لأحدٍ أمرٌ ولا نهيٌ إلاَّ لي "فأنَا ربُّكم"، بمعنى مربيكم والمُحسنُ إليكم، وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمرٌ، أو نهيٌ، أو يبعث إليكم رسولاً. قال القاضي: وقد كان الأليق به بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية ألا يقول هذا القول؛ لأن عند ظهور الدلالة والمعجزة، كيف يليق أن يقول: "أنَا ربُّكم الأعْلَى" فدلت هذه الآية أنَّه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول. قوله تعالى: {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} يجوز أن يكون مصدر الأخذِ، والتجوز إما في الفعل، أي: نكل بالأخذِ نكال الآخرة، وإما في المصدر، أي: أخذه أخذ نكالٍ، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي: لأجلِ نكالهِ، ويضعف جعله حالاً لتعريفه، وتأويله كتأويل جهدك وطافتك، غير مقيس. ويجوز أن يكون مصدراً مؤكِّداً لمضمون الجملة المتقدِّمة، أي: نكل الله [به] نكال الآخرة. قاله الزَّمخشريُّ، وجعله كوعد الله، وصبغة الله. وقال القرطبيُّ: وقيل: نُصِبَ بنَزْعِ حرف الصِّفة، أي: فأخذه الله بنكال الآخرة، فلمَّا نُزعَ الخافضُ نُصِبَ. والنكال: اسم لما جعل نكالاً للغير، أي: عقوبة له حتى يعتبر، يقال: نَكَل فلانٌ بفلانِ، إذا ألحقهُ عُقوبة، والكلمة من الامتناع، ومنه النُّكُول عن اليمين، والنكل: القيد وقد مضى في سورة "المزمل"، والنكال: بمنزلة التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم. والآخرة والأولى: إمَّا الدَّاران وإمَّا الكلمتان, والاخرة قوله: "أنَا ربُّكمُ الأعْلَى"، والأولى: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38], كما تقدم, فحذف الموصول للعلم به. فصل في تفسير الآخرة والأولى قيل: الآخرة والأولى: هما الكلمتان كما تقدَّم. وقال الحسنُ وقتادةُ: "نكال الآخرة والأولى": هو أن أغرقهُ في الدَّنيَا وعذّبه في الآخرة. وروي عن قتادة - أيضاً -: الآخرةُ قوله: {أنَا ربُّكمُ الأعْلَى}, والأولى تكذيبه بموسى عليه الصلاة والسلام. قال الفقال: وهذا كأنَّه هو الأظهرُ؛ لأنَّه - تعالى - قال: {فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} فذكر القصتين، ثم قال: {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ}. فظهر أنَّ المراد: أنَّه عاقبه على هذين الأمرين. ثمَّ إنَّه - تعالى - ختم هذه القصة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}، إنَّ فيما قصصنا عليك اعتباراً وعظةً لمن يخاف.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} قال: عصى وفي قوله: {فأراه الآية الكبرى} قال: عصاه ويده، وفي قوله: {ثم أدبر يسعى} قال: يعمل بالفساد، وفي قوله: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} قال: الأولى ما علمت لكم من إله غيري، والآخرة قوله: أنا ربكم الأعلى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: {فأراه الآية الكبرى} قال: عصاه ويده، وفي قوله: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} قال: صابته عقوبة الدنيا والآخرة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن صخر بن جويرية قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} إلى قوله: {وأهديك إلى ربك فتخشى} ولن يفعله، فقال موسى: يا رب كيف أذهب إليه وقد علمت أنه لا يفعل، فأوحى الله إليه أن امض إلى ما أمرت به فإن في السماء اثني عشر ألف ملك يطلبون علم القدر، فلم يبلغوه، ولم يدركوه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {هل لك إلى أن تزكى} قال: هل لك إلى أن تقول لا إله إلا الله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: {هل لك إلى أن تزكى} قال: إلى أن تقول لا إله إلا الله. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {هل لك إلى أن تزكى} قال: إلى أن تخلص، وفي قوله: {ثم أدبر يسعى} قال: ليس بالشد يعمل بالفساد والمعاصي. وأخرج ابن المنذر عن الربيع في قوله: {ثم أدبر يسعى} قال: أدبر عن الحق وسعى يجمع. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قال موسى: يا فرعون هل لك في أن أعطيك شبابك لا تهرم، وملكك لا ينزع منك، وترد إليك لذة المناكح والمشارب والركوب، وإذا مت دخلت الجنة وتؤمن بي فوقعت في نفسه هذه الكلمات وهي اللينات، قال: كما أنت حتى يأتي هامان، فلما جاء هامان أخبره فعجزه هامان، وقال تصير تعبد إذا كنت رباً تُعْبَدُ فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه وجمعهم {أنا ربكم الأعلى} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} قال: بقوله: {أنا ربكم الأعلى} والأولى قوله: ما علمت. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك مثله. وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} قال: هما كلمتاه الأولى {أية : ما علمت لكم من إله غيري} تفسير : [القصص: 38] والأخرى {أنا ربكم الأعلى} وكان بينهما أربعون سنة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبدالله بن عمرو قال: بين كلمتيه أربعون سنة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن خيثمة قال: كان بين قول فرعون {ما علمت لكم من إله غيري} وقوله: {أنا ربكم الأعلى} أربعون سنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {هل اتاك حديث موسى} كلام مستأنف وارد لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه بانه يصيبهم مثل ما أصاب من كان اقوى منهم واعظم يعنى فرعون ومعنى هل أتاك ان اعتبر هذا او ما أتاه من حديثه ترغيب له فى استماع حديثه وحمل له على طلب الاخبار كأنه قيل هل أتاك حديث موسى قبل هذا ام أنا اخبرك به كما قال الحسن رحمه الله اعلام من الله لرسوله حديث موسى كقول الرجل لصاحبه هل بلغك ما لقى اهل البلد وهو يعلم انه لم يبلغه وانما قال ليخبره به انتهى وان اعتبر اتيانه قبل هذا وهو المتبادر من الايجاز فى الاقتصاص استفهام تقرير له اى حمل له على الاقرار بأمر يعرفه قبل ذلك اى أليس قد أتاك حديثه وبالفارسية آيا جنين نيست كه آمد بتو خبر موسى كليم عليه السلام تاتسلى دهى دل خودرا برتكذيب قوم وخبر فرستادى ازو عدهء مؤمنا ووعيد كافران. يعنى قد جاءك وبلغك حديثه عن قريب كأنه لم يعلم بحديث موسى وانه لم يأته بعد والا لما كان يتحزن على اصرار الكفار على انكار البعث وعلى استهزآئهم به بل يتسلى بذلك فهل بمعنى قد المقربة للحكم الى الحال وهمزة الاستفهام قبلها محذوفة وهى للتقرير وزيد ليس لانه اظهر دلالة على ذلك لا لانه مقدر فى النظم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هل أتاك حديثُ موسى}, تشويقاً لما يُلقى إليه مِن خبره، أي: هل أتاك حديثه، أنا أُخبرك به، إن كان هذا أول ما أتاه من حديثه. وإن كان تقدّم قبل هذا حديثه، وهو المتبادر، فالمعنى: أليس قد آتاك حديثه. وقوله: {إِذْ ناداه رَبُّه}: ظرف للحديث لا للإتيان، لاختلاف وقتهما, أي: هل وصلك حديثه ناداه ربه {بالوادِ المقدّس}؛ المبارك المطهّر، اسمه: {طُوى} بالصرف وعدمه. فقال في ندائه له: {اذهبْ إِلى فرعون إِنه طَغَى}؛ تجاوز الحدّ في الكفر والطغيان، {فقلْ} له بعد أن تأتيه: {هل لك إِلى أن تزكَّى} أي: هل لك رغبة وتَوَجُّه إلى التزكية والتطهير من دنس الكفر والطغيان بالطاعة والإيمان. قال ابن عطية: "هل" هو استدعاء حسن. قال الكواشي: يقال: هل لك في كذا؟ وهل لك إلى كذا؟ كقولك: هل ترغب في كذا، وهل ترغب إلى كذا. قال: وأخبر تعالى أنه أمر موسى بإبلاغ الرسالة إلى فرعون بصيغة الاستفهام والعرض، ليكون أصغى لأذنه، وأوعى لقلبه، لِما له عليه من حق التربية. هـ. وأصله: "تتزكى"، فحذف إحدى التاءين، أو: أدغمت، فيمن شدّد الزاي. {وأهْدِيَكَ إِلى ربك}؛ وأهديك إلى معرفته، بذكر دلائل توحيده وصفات ذاته، {فتخشَى}، لأنَّ الخشية لا تكون إلاَّ مع المعرفة، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰؤُاْ} تفسير : [فاطر:28] أي: العلماء بالله. وقال بعض الحكماء: اعرفوا الله، فمَن عرف الله لم يقدر أن يعصيه طرفةَ عين. فالخشية ملاك الأمر, فمَن خشي الله أتى منه كل خير, ومَن أَمِنَ اجترأ على كل شر. ومنه الحديث: "حديث : مَن خشي أدلج، ومَن أدلج بلغ المنزل" تفسير : . قال النسفي: بدأ مخاطبته بالاستفهام، الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلامَ الرقيق، ليستدعيه باللطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوّه، كما أمر بذلك في قوله: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِِّناً} تفسير : [طه:44] هـ. {فأراه الآيةَ الكبرى}، الفاء: فصيحة تفصح عن جملة قد طويت تعويلاً على تفصيلها في السور الأخرى، فإنه عليه السلام ما أراه إياها عقب هذا الأمر، بل بعدما جرى بينه وبينه من المحاورات إلى أن قال: {أية : إِن كُنتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ فَأْتِ}تفسير : [الأعراف:106]. والآية الكبرى: العصا، أو: هي واليد، لأنهما في حكم آية واحدة. ونسبتُها إليه عليه السلام بالنسبة إلى الظاهر، كما أنّ نسبتها إلى نون العظمة في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا}تفسير : [طه:56] بالنظر إلى الحقيقة {فكذَّب وعَصَى} أي: كذَّب موسى عليه السلام. وسمَّى معجزته سحراً، وعصى اللهَ عزّ وجل بالتمرُّد، بعدما عَلِمَ صحة الأمر ووجوب الطاعة، أشد العصيان وأقبحه، حيث اجترأ على إنكار وجود رب العالمين رأساً. وكان اللعين وقومه مأمورين بعبادته عزّ وجل، وترك القولة العظيمة التي يدّعيها الطاغية، ويقبلها منه الفئة الباغية، لا بإرسال بني إسرائيل من الأسر فقط. قاله أبو السعود. {ثم أّدْبَر} أي: تولَّى عن الطاعة، أو: انصرف عن المجلس {يسعَى} في معارضة الآية، أو: أدبر هارباً من الثعبان، فإنه رُوي أنه عليه السلام لمّا ألقى العصا انقلب ثعباناً أشعر، فاغراً فاه، بين لحييه ثمانون ذرعاً, فوضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على القصر، فتوجه نحو فرعون، فهرب وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً من قومه وقيل: إنها ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مُرني بما شئت، وجعل فرعون يقول: بالذي أرسلك إلاّ أخذته، فأخذه فعاد عصا.. {فحشَرَ} أي: فجمع السحرة، كقوله: {أية : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} تفسير : [الشعراء:53] أو: جمع الناس، {فنادَى} في المقام الذي اجتمعوا فيه، قيل: قام خطيباً، {فقال أنا ربكم الأعلَى} لا رب فوقي، وكان لهم أصنام يعبدونها. وهذه العظيمة لم يجترىء عليها أحد قبله. قال ابن عطية: وذلك نهاية في المخارقة، ونحوُها باقٍ في ملوك مصر وأتباعهم. هـ. قيل: إنما قال ذلك ابنُ عطية لأنَّ ملك مصر في زمانه كان إسماعيليًّا، وهو مذهب يعتقدون فيه إلهية ملوكهم. وكان أول مَن ملكها منهم: المعتز بن المنصور بن القاسم بن المهدي عبيد الله، وآخرهم العاضد. وقد طهَّر الله مصر من هذا المذهب، بظهور الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذا رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيراً. هـ. من الحاشية. {فأخَذَه اللهُ نكال الآخرةِ والأُولى} بالإغراق، فالنكال: مصدر بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم، وهو التعذيب الذي ينكل مَن رآه أو سمعه، ويمنعه من تعاطي ما يُفضي إليه. وهو منصوب على أنه مصدر مؤكد، كوعْدَ الله وصبغةَ الله، وقيل: مصدر لـ"أخذ"، أي: أخذه الله أخذ نكال الآخرة، وقيل: مفعول من أجله، أي: أخذه الله لأجل نكال الآخرة. وإضافته إلى الدارين باعتبار وقوع بعض الأخذ فيهما، لا باعتبار أنَّ ما فيه من المنع والزجر يكون فيهما، فإنَّ ذلك لا يتصور في الآخرة، بل في الدنيا، فإنَّ العقوبة الأخروية تنكل مَن يسمعها، وتمنعه من تعاطي ما يؤدي إليها لا محالة. وقيل: المراد بالآخرة والأولى: قوله: {أنا ربكم الأعلى} وقوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى }تفسير : [القصص:38]. قيل: كان بين الكلمتين أربعون سنة، فالإضافة إضافة المسبب إلى السبب. {إِنَّ في ذلك} أي: فيما ذكره من قصة فرعون وما فعل به {لَعِبرةً} عظيمة {لِمن} شأنه أن {يَخْشَى} وهو مَن عرف الله تعالى وسطوته. الإشارة: جعل القشيري موسى إشارة إلى القلب، وفرعون إشارة إلى النفس، فيُقال: هل أتاك حديث القلب حين ناداه ربه بالحضرة المقدسة, بعد طي الأكوان عن مرآة نظره، فقال له: اذهب إلى فرعون النفس إنه طغى. وطغيانها: إرادتها العلو والاستظهار، فقل له: هل لك إلى أن تَزَكَّى وتتطهر من الخبائث، لتدخل الحضرة، فأَهديك إلى معرفة ربك فتخشى، فإنما يخشى اللهَ مَن عرفه. فأراه الآية الكبرى مِن خرق العوائد ومخالفة الهوى، فكَذَّب وعصى، حين رأى عزم القلب على مجاهدته، فحشر جنوده مِن حب الدنيا والرئاسة، وإقبال الناس والحظوظ والشهوات، فنادى، فقال: أنا ربكم الأعلى، فلا تعبدوا غيري. هذا قول فرعون النفس، فأخذه اللهُ نكال الآخرة والأولى، أي: استولى جند القلب عليه، فأغرقه في قلزوم بحر الفناء والبقاء. إنَّ في ذلك لعبرة لمَن يخشى، ويسلك طريق التزكية، فإنه يصل إلى بحر الأحدية. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ولمّا أقسم تعالى في صدر السورة على البعث، بيَّن سهولته على قدرته، فقال: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع {طوى إذهب} غير منونة. الباقون {طوىً إذهب} منونة. وقرأ نافع "تزكى" مشددة الزاي بمعنى تتزكى، فادغم التاء في الزاي. الباقون خفيفة الزاي، فحذفت احدى التاءين. قال ابو عمرو: يقال: تزكى مشدداً إذا أردت تتصدق، ولم يدع موسى فرعون إلى ان يتصدق، وهو كافر. وإنما قال له هل لك ان تصير زاكياً، قال: فالتخفيف هو الاختيار. ومن نون "طوى" جعله اسم واد، ومن لم ينون جعله اسم الارض، لانه معدول من (طاو). ومن كسر الطاء قال: قدس مرتين، وتبين فيه البركة مرتين، مثل ثنى وعدى. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول له {وهل أتاك} يا محمد {حديث موسى} فلفظه لفظ الاستفهام والمراد به التقرير {إذ ناداه ربه} أى حين ناداه الله {بالواد المقدس طوى} فالنداء الدعاء على طريقة يا فلان، والندا مدّ الصوت بندائه، فمعنى {ناداه} قال له يا موسى. ثم أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي و {الوادي المقدس} يعني المطهر و {طوى} قال مجاهد وقتادة: واد، وقيل طوى التقديس. وقرأ الحسن "طوى" بكسر الطاء. وقيل طوي بالبركة والتقديس بندائه مرتين، قال طرفة بن العبد: شعر : أعاذل إن اللوم في غير كنهه علي طوى من غيك المتردد تفسير : أى اللوم المكرر، و "طوى" غير مصروف، لانه اسم البقعة من الوادي وهو معرفة، ويجوز أن يكون معدولا من (طاوى) في قول الزجاج. وقوله {إذهب إلى فرعون إنه طغى} اخبار من الله - عز وجل - عن حال فرعون بأنه طغى، ومعناه تجاوز الحد فى الاستعلاء، والتمرد والفساد، يقال طغى يطغى طغياناً فهو طاغ، ونظيره البغي، بغى على الناس يبغي بغياً فهو باغ وهم البغاة والطغاة، ونظير الطغيان العدوان، وهو المجاوزة لحد الصغيرة، وكل من طغى فقد عتا واعتدى. ثم ذكر ما أمره أن يقول له بأن قال {فقل هل لك إلى أن تزكى} أي ادعوه إلى الله وطريق الجنة، و "قل" على وجه التلطف فى الكلام {هل لك إلى أن تزكى} وتطهر من المعاصي، فالتزكي طلب الطالب أن يصير زاكياً، تزكي يتزكى تزكياً، والزاكي النامي فى الخير، والزكاء النماء فى الخير، ولو نمى فى الشر لم يكن زاكياً {وأهديك إلى ربك فتخشى} معناه وأهديك الى طريق الحق الذي إذا سلكته وصلت إلى رضى الله وثوابه، فالهداية الدالة على طريق الرشد من الغي. وقد يكون دلالة على معنى ليس برشد ولا غي كالدلالة على الحركة فقط. وقوله {فتخشى} فالخشية توقع المضرة من غير قطع بها لا محالة، والخشية والخوف والتقية نظائر، يقال: خشي يخشى خشية، فهو خاش، وذاك مخشي. وفى الكلام حذف وتقديره فأتاه فدعاه {فأراه الآية الكبرى} وقوله {فكذب وعصى} حكايه عن فرعون أنه كذب موسى في ما دعاه اليه وجحد نبوته وعصاه في ما أمره به من طاعة الله {ثم أدبر يسعى} أي ولى فرعون الدبر بعد ذلك، فالادبار تولية الدبر، ونقيضه الاقبال وأقبل فلان إذا استقامت له الأمور على المثل أي هو كالمقبل إلى الخير، وأدبر فلان إذا اضطربت عليه حاله، ففرعون ولى الدبر ليطلب ما يكسر به حجة موسى عليه السلام فى الآية الكبرى، وهي المعجزة العظيمة، فما ازداد إلا غواية، لأنه لا يقاوم الضلال الحق. وقوله {ثم أدبر يسعى} فالسعي الاسراع فى المشي، وفي إدباره يسعى فى هذه الحال دليل على خوفه. وقيل: إنه لما رأى العصا انقلبت حية في عظمها خاف منه، فادبر يسعى. وقوله {فحشر فنادى} فالحشر الجمع من كل جهة، وقد يكون الجمع بضم جزء إلى جزء، فلا يكون حشراً، فاذا جمع الناس من كل جهة، فذلك الحشر، ولهذا سمي يوم الحشر. والحاشر الذي يجمع الناس من كل جهة الى الخراج، وإنما طلب السحرة، فلما اجتمعوا ناداهم فقال لهم {أنا ربكم الأعلى} فالأعلى المختص بعلو معنى صفته على غيره مما لا يناله بكيد وينال هو به، ومن هنا خرج بالغلو الى التعظيم، ولم يكن مثل ذلك فى جهة من الجهات، وكأنه قال: أنا الذي أنال بالضرر من شئت ولا ينالني غيري. وكذب - لعنه الله - إنما هذه صفة الذي خلقه وخلق جميع الخلق، ومعنى {نادى} ها هنا قال: يامعشر الناس أنا ربكم الأعلى، إذ نادى بهذا القول. وقيل: كلمته الاولى {أية : ما علمت لكم من إله غيري}تفسير : وقوله الآخر هذا {أنا ربكم الأعلى} ذكره ابن عباس ومجاهد والشعبي والضحاك. ثم حكى تعالى ما عامله به من العقاب فقال {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} فالنكال عقاب بنكل من الاقدام على سببه بشدته، نكل به تنكيلا إذا شوه به في عقابه بما يكون زاجراً لغيره عن مثل حذيه أشد الزجر الذي يزعج النفس. وقال الحسن وقتادة: معناه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقال مجاهد: أول عمله وآخره وقال بعضهم: نكاله فعلته الأولى، وهو قوله {ما علمت لكم من إله غيري} وفعلته الأخيرة هو قوله {أنا ربكم الأعلى} وقال قوم: معناه نكال الدنيا بالغرق ونكال الآخرة ما صار اليه بعد الموت من العقاب. وقال الحسن {الآية الكبرى} اليد البيضاء. وقال غيره: قلب العصا حية.
الجنابذي
تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قال: ما افعل بهؤلاء المنكرين المكذّبين؟ - وما تفعل انت بهم؟ - فقال: افعل بهم ما فعل موسى (ع) بفرعون وقومه، ونفعل بهم ما فعلنا بفرعون وقومه، فلا تكن فى ضيقٍ ممّا يمكرون فانّ لك عليهم سلطاناً كما لموسى (ع) على قوم فرعون.
اطفيش
تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} الاستفهام للتقرير وقيل هل بمعنى قد وهذه تسلية بأن موسى قد كذبه قومه وصبر فاصبر أنت وإن قومك يهلكهم الله كما أهلك قوم موسى.
اطفيش
تفسير : اللفظ استفهام والمراد التحقيق أى قد اتاك حديث موسى قبل هذا فتذكره فقد اهلك مكذبيك كما أهلكت مكذبى موسى أو المراد الاستفهام التقريرى أى أليس قد اتاك حديث موسى فما لك يضيق صدرك وإِن لم يأْته حديثه قبل هذه الآية قيل وهو خلاف المتبادر قلت هو وجه حسن يستعمل فى مقام التحقق إِذا أمر عند صاحبه قال ألم يكن كذا يخاطب به من لا علم له به كقوله: شعر : ألم تريانى كلما جئت زائراً تفسير : الخ فالاستفهام ترغيب له فى استماعه وتوسيع لقلبه بأُحدوثة طريفة يمال إِليها ويستراح بها أى هل أتاك حديث أخبرك به وكأَنه قال: بلى أخبرنى.
الالوسي
تفسير : كلام مستأنف وارد لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه وتهديدهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من كان أقوى منهم وأعظم ومعنى {هَلْ أَتَاكَ} إن اعتبر أن هذا أول ما أتاه عليه الصلاة والسلام من حديثه عليه السلام / ترغيب له صلى الله عليه وسلم في استماع حديثه كأنه قيل هل أتاك حديثه أنا أخبرك به، وإن اعتبر إتيانه قبل هذا وهو المتبادر من الإيجاز في الاقتصاص أليس قد أتاك حديثه. وليس هل بمعنى قد على شيء من الوجهين. وقوله تعالى: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى}.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية اعتراض بين جملة { أية : فإنما هي زجرة واحدة } تفسير : [النازعات: 13] وبين جملة { أية : أأنتم أشد خلقاً } تفسير : [النازعات: 27] الذي هو الحجة على إثبات البعث ثم الإِنذار بما بعده دعت إلى استطراده مناسبة التهديد لمنكري ما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من البعث لتَماثُل حال المشركين في طغيانهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بحال فرعون وقومه وتماثل حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه بحال موسى عليه السلام مع فرعون ليحصل من ذكر قصة موسى تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وموعظة للمشركين وأيمتهم مثل أبي جهل وأميةَ بنِ خلف وأضرابهما لقوله في آخرها { أية : إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } تفسير : [النازعات: 26]. و {هل أتاك} استفهام صوري يقصد من أمثاله تشويق السامع إلى الخير من غير قصد إلى استعلام المخاطَبِ عن سابقِ علمه بذلك الخبر، فسواء في ذلك عَلِمه من قبل أو لم يعلمه، ولذلك لا ينتظِر المتكلم بهذا الاستفهام جواباً عنه من المسؤول بل يعقّب الاستفهام بتفصيل ما أوهم الاستفهام عنه بهذا الاستفهام كناية عن أهمية الخبر بحيث إنه مما يتساءل الناس عن علمه. ولذلك لا تستعمل العرب في مثله من حروف الاستفهام غيرَ {هل} لأنها تدل على طلب تحقيق المستفهَم عنه، فهي في الاستفهام مثل (قَد) في الإِخبار، والاستفهام معها حاصل بتقدير همزة استفهام، فالمستفهم بها يستفهم عن تحقيق الأمر، ومن قبيله قولهم في الاستفهام: أليس قد علمتَ كذا فيأتون بـ (قد) مع فعل النفي المقترن باستفهام إِنكار من غير أن يكون علم المخاطب محققاً عند المتكلم. والخطاب لغير معيّن فالكلام موعظة ويتبعه تسلية الرسول. و{أتاك} معناه: بلغك، استعير الإِتيان لحصول العلم تشبيهاً للمعقول بالمحسوس كأنَّ الحصول مجيء إنسان على وجه التصريحية، أو كأنَّ الخبر الحاصل إنسان أثبت له الإِتيان على طريقة الاستعارة المكنية، قال النابغة: شعر : أتاني أبيتَ اللعن أنَّك لُمتني تفسير : والحديث: الخبر، وأصله فعيل بمعنى فاعل من حدث الأمر إذا طرأ وكان، أي الحادث من أحوال الناس وإنما يطلق على الخبر بتقدير مضاف لا يذكر لكثرة الاستعمال تقديره خبر الحديث، أي خبر الحادث. و{إذْ} اسم زمان، واستعمل هنا في الماضي وهو بَدَل من {حديث موسى} بدل اشتمال لأن حديثه يشتمل على كلام الله إياه وغير ذلك. وكما جاز أن تكون (إذْ) بدلاً من المفعول به في قوله تعالى: { أية : واذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ كنتم أعداء } تفسير : [آل عمران: 103] يجوز أن تكون بدلاً من الفاعل وغيره. واقتصار ابن هشام وغيره على أنها تكون مفعولاً به أو بدلاً من المفعول به اقتصار على أكثر موارد استعمالها إذا خرجت عن الظرفية، فقد جوز في «الكشاف» وقوع (إذْ) مبتدأ في قراءة من قرأ: {لقد من اللَّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً} في سورة آل عمران (164). وأُضيف {إذْ} إلى جملة {ناداه ربه}. والمعنى: هل أتاك خَبر زمانِ نادى فيه موسى ربُّه. والواد: المكان المنخفض بين الجبال. والمقدّس: المطهّر. والمراد به التطهير المعنوي وهو التشريف والتبريك لأجل ما نزل فيه من كلام الله دون توسط ملَك يبلغ الكلام إلى موسى عليه السلام، وذلك تقديس خاص، ولذلك قال الله له في الآية الأخرى { أية : فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس } تفسير : [طه: 12]. وطُوى: اسم مَكان ولعله هو نوع من الأودية يشبه البئر المطوية، وقد سمي مكان بظاهر مكة ذَا طُوى بضم الطاء وبفتحها وكسرها. وتقدم في سورة طه. وهذا واد في جانب جبل الطور في برية سينا في جانبه الغربي. وقرأ الجمهور {طُوَى} بلا تنوين على أنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث بتأويل البُقعة، أو للعدل عن طَاوٍ، أو للعجمة. وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف منوناً باعتباره اسم وادٍ مذكَّر اللفظ. وجملة {اذْهب إلى فرعون} بيان لجملة {ناداه ربه}. وجملة {إنه طغى} تعليل للأمر في قوله: {اذهب}، ولذلك افتتحت بحرف (إنَّ) الذي هو للاهتمام ويفيد مُفاد التعليل. والطغيان إفراط التكبر وتقدم عند قوله { أية : للطاغين مئاباً } تفسير : في سورة النبأ (22). وفرعون: لقب ملك القِبط بمصر في القديم، وهو اسم معرَّب عن اللغة العبرانية ولا يعلم هل هو اسم للمَلك في لغة القِبط ولم يُطلقه القرآن إلا على ملك مصر الذي أرسل إليه موسى، وأُطلقَ على الذي في زمن يوسف اسم المَلِك، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: { أية : ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه } تفسير : في سورة الأعراف (103). و{هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك} عرْض وترغيب قال تعالى: { أية : فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى } تفسير : [طه: 44]. وقوله: {هل لك} تركيب جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا التركيب لأنه قصد به الإِيجاز يقال: هل لك إلى كذا؟ وهل لك في كذا؟ وهو كلام يقصد منه العرض بقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل؟ ومنه قول كعب: شعر : ألا بلّغا عني بجيراً رسالة فهل لك فيما قُلْت ويْحَكَ هَلْ لَكَا تفسير : بضم تاء (قلتُ). وقول بجير أخيه في جوابه عن أبياته: شعر : مَن مبلغٌ كعباً فهل لك في التي تَلومُ عليها باطلاً وهي أحزم تفسير : و{لك} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هل لك رغبة في كذا؟ فحُذف (رغبة) واكتفي بدلالة حرف (في) عليه، وقالوا: هل لك إلى كذا؟ على تقدير: هل لك مَيل؟ فحذف (مَيل) لدلالة (إلى) عليه. قال الطيبي: «قال ابن جني: متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر فكثيراً ما يُجرَى أحدهما مُجرى صاحبه فيعوَّل به في الاستعمال إليه (كذا) ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه وإن كان طريقُ الاستعمال والعرف ضده مأخذه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {هل لك إلى أن تزكى} وأنت إنما تقول: هل لك في كذا؟ لكنه لما دخله معنى: آخُذُ بك إلى كذا أو أدعوك إليه، قال: {هل لك إلى أن تزكى}. وقولُه تعالى: { أية : أُحِل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } تفسير : [البقرة: 187] لا يقال: رفثتُ إلى المرأة، إنما يقال: رفثتت بها، ومعها، لكن لما كان الرفث في معنى الإِفضاء عدّي بــــ (إلى) وهذا من أسَدّ مذاهب العربية، لأنه موضع يملك فيه المعنى عِنان الكلام فيأخذه إليه» ا هــــ. قيل: ليس هذا من باب التضمين بل من باب المجاز والقرينة الجارة. و{تزكّى} قرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر ويعقوب بتشديد الزاي على اعتبار أن أصله: تتزكى، بتاءين، فقلبت التاء المجاورة للزاي زاياً لتقارب مخرجيهما وأدغمت في الزاي. وقرأه الباقون بتخفيف الزاي على أنه حدفت إحدى التاءين اقتصاراً للتخفيف. وفعل {تزكى} على القراءتين أصله: تتزكى بتاءين مضارع تزكّى مطاوع زكاه، أي جعله زكياً. والزكاة: الزيادة، وتطلق على الزيادة في الخير النفساني قال تعالى: { أية : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } تفسير : [الشمس: 9، 10] وهو مجاز شائع ساوى الحقيقة ولذلك لا يحتاج إلى قرينة. والمعنى: حَثُّهُ على أن يستعد لتخليص نفسه من العقيدة الضالة التي هي خبث مجازي في النفس فيقبَلَ إرشاد من يرشده إلى ما به زيادة الخير فإن فعل المطاوعة يؤذن بفعل فَاعِل يعالج نفسه ويروضها إذ كان لم يهتد أن يزكي نفسه بنفسه. ولذلك أعقبه بعطف {وأهديك إلى ربك فتخشى} أي إن كان فيك إعداد نفسك للتزكية يكن إرشادي إياك فتخشى، فكان ترتيب الجمل في الذكر مراعىً فيه ترتبها في الحصول فلذلك لم يحتج إلى عطفه بفاء التفريع، إذ كثيراً ما يستغنى بالعطف بالواو مع إرادة الترتيب عن العطف بحرف الترتيب لأن الواو تفيد الترتيب بالقرينة، ويستغنى بالعطف عن ذكر حرف التفسير في العطف التفسيري الذي يكون الواو فيه بمعنى (أي) التفسيرية فإنَّ {أن تزكى وأهديك} في قوة المفرد. والتقدير: هل لك في التزكية وهدايتي إياك فخشيتك الله تعالى. والهداية الدلالة على الطريق الموصل إلى المطلوب إذا قبلها المَهْدي. وتفريع {فتخشى} على {أهديك} إشارة إلى أن خشية الله لا تكون إلا بالمعرفة قال تعالى: { أية : إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء } تفسير : [فاطر: 28]، أي العلماء به، أي يخشاه خشية كاملة لا خطأ فيها ولا تقصير. قال الطيبي: وعن الواسطي: أوائل العلم الخشية، ثم الإِجلال، ثم التعظيم، ثم الهيبة، ثم الفناء. وفي الاقتصار على ذكر الخشية إيجاز بليغ لأن الخشية ملاك كل خير. وفي «جامع الترمذي» عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حديث : من خَافَ أدْلَج ومن أَدْلَج بلغ المنزل» تفسير : . وذُكِر له الإِلٰه الحق بوصف {ربك} دون أن يذكر له اسمُ الله العلم أو غيره من طرق التعريف إلطافاً في الدعوة إلى التوحيد وتجنباً لاستطارة نفسه نفوراً، لأنه لا يعرف في لغة فرعون اسم لله تعالى، ولو عَرَّفه له باسمه في لغة إسرائيل لنَفر لأن فرعون كان يعبد آلهة باطلة، فكان في قوله: {إلى ربك} وفرعون يعلم أن له رباً إطماع له أن يرشده موسى إلى ما لا ينافي عقائده فيُصغي إليه سمعه حتى إذا سمع قوله وحجته داخَلهُ الإِيمان الحق مدرَّجاً، ففي هذا الأسلوب استنزالٌ لطائره. والخشية: الخوف فإذا أطلقت في لسان الشرع يراد بها خشية الله تعالى، ولهذا نُزل فعلها هنا منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول لأن المخشي معلوم مثل فعل الإِيمان في لسان الشرع يقال: آمَن فلان، وفلان مؤمن، أي مؤمن بالله ووحدانيته.
الشنقيطي
تفسير : بين تعالى هذا الحديث وموضوعه ومكانه بقوله تعالى بعده: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} [النازعات: 16-17] - إلى قوله - {أية : فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24]. قوله تعالى: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ} بين القرآن الكريم، أنه الطور في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً}تفسير : [القصص: 29] - إلى قوله - {أية : فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ}تفسير : [القصص: 30] والمباركة تساوي المقدس. فبين تعالى أن المناداة كانت بالطور وهو الواد المقدس، وهو طوى، وفي البقعة المباركة. وقد بين تعالى ما كان في ذلك المكان من مناجاة وأمر العصا والآيات الأخرى في سورة طه من أول قوله تعالى: {أية : وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ إِذْ رَءَا نَاراً}تفسير : [طه: 9-10] - إلى قوله - {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ}تفسير : [طه: 24]. وقد فصل الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه القول في ذلك الموقف في سورة مريم عند قوله تعالى: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ}تفسير : [مريم: 52]. وقد بين تعالى في سورة طه، كامل قصة المناداة من قوله: {أية : إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ}تفسير : [طه: 12-15]. ثم قصة العصا والآية في يده عليه السلام، وإرساله إلى فرعون إنه طغى، وسؤال موسى: {أية : رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي}تفسير : [طه: 25-26]، واستوزار أخيه معه، دون التعرض إلى أسلوب الدعوة، وفي هذه السورة الكريمة بيان لمنهج الدعوة، وما ينبغي أن يكون عليه نبي الله موسى مع عدو الله فرعون. وأسلوب العرض: هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى، ثم تقديم الآية الكبرى، ودليل صحة دعواه مما يلزم كل داعية اليوم أن يقف هذا الموقف، حيث لا يوجد اليوم أكثر من فرعون، ولا أشد طغياناً منه حيث ادعى الربوبية والألوهية معاً فقال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24]، وقال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38]، ولا يوجد اليوم أكرم على الله من نبي الله موسى وأخيه هارون. ومع ذلك فيكون منهج الدعوة من أكرم خلق الله إلى أكفر عباد الله بهذا الأسلوب الهادئ اللين الحكيم منطلقاً من قوله تعالى: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 44] فكانا كما أمرهما الله، وقالا كما علمهما الله، {أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ}تفسير : [النازعات: 18-19]، وهذا المنهج هو تحقيق لقوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ}تفسير : [النحل: 125]. وقد وضع القرآن منهجاً متكاملاً للدعوة إلى الله، وفصله العلماء بما يشترط في الداعي والمدعو إليه، ومراعاة حال المدعو. وقد قدم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}تفسير : [المائدة: 105] من سورة المائدة. وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}تفسير : [هود: 88] في سورة هود. وقوله تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125] في سورة النحل. ومجموع ذلك كله يشكل منهجاً كاملاً لمادة طريق الدعوة إلى الله تعالى، فيما يتعلق بالداعي والمدعو وما يدعو إليه، وكيفية ذلك والحمد لله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: موسى: أي موسى بن عمران عليه السلام. بالواد المقدس طوى: أي بالواد الطاهر المبارك المسمى بطوى. اذهب إلى فرعون: أي بأن اذهب إلى فرعون. إنه طغى: أي تجاوز حده كعبد إلى ادعاء الربوبية والألوهية. إلى أن تزكى: أي تسلم فتطهر من رجس الشرك والكفر بالإِسلام لله تعالى. وأهديك إلى ربك: أي أرشدك إلى معرفة ربك الحق فتخشاه وتطيعه فتنجو من عذابه. فأراه الآية الكبرى: أي العصا واليد إذ هي من أكبر الآيات الدالة على صدق موسى. ثم أدبر يسعى: أي بعد ما كذب وعصى رجع يجمع جموعه ويحشر جنوده لحرب موسى وقال كلمة الكفر أنا ربكم الأعلى فلا طاعة إلاّ لي. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى: أي عذبه تعالى عذاب الآخرة وهو قوله أنا ربكم الأعلى وعذاب الأولى وهي قوله ما علمت لكم من إله غيري. معنى الآيات: قوله تعالى هل أتاك حديث موسى الآيات.. المقصود من هذه الآيات تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعاني من تكذيب قومه له ولما جاء به من التوحيد والشرع فقص تعالى عليه طرفا من قصة موسى مع فرعون تخفيفا عليه، وتهديداً لقومه بعقوبة تنزل بهم كعقوبة فرعون الذي كان أشد منهم بطشاً وقد أهلكه الله فأغرقه وجنده.. فقال تعالى {هَلْ أَتَاكَ} يا رسولنا {حَدِيثُ مُوسَىٰ} بن عمران، {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} أي بالواد المطهر المبارك المسمى طوى ناده فأعلمه أولاً أنه لا إله إلا هو وأمره بعبادته، ثم أمره بأن يذهب إلى فرعون الوليد بن الريان ملك القبط بمصر فقال له اذهب إلى فرعون إنه طغى أي عتا وتكبر وظلم فأفحش في الظلم والفساد. وعلمه ما يقول له إذا انتهى إليه فقل {هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} أي إلى أن تسلم فتزكو روحك وتطهر بالإِسلام وأهديك إلى ربك فتخشى أي وأرشدك إلى ربك وأعرفك به فتخشى أي عقابه فتترك الظلم والطغيان قال تعالى فأراه الآية الكبرى والتي هي اليد والعصا، فكذب فرعون موسى في دعوته وعصى ربّه فلم يستجب له ولم يطعه فيما أمره به ودعاه إليه من الإِيمان برسالة موسى وإِرسال بني إسرائيل معه بعد الإِسلام لله ظاهرا وباطنا. ثم أدبر فرعون أي عن دعوة الحق رافضا لها يسعى في الباطل والشر {فَحَشَرَ} رجاله وجنده {فَنَادَىٰ} أي ناداهم ليعدهم إلى حرب موسى {فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} يعني أنه لا ربّ فوقه، {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ} أي عذبه {نَكَالَ} أي عذاب {ٱلآخِرَةِ} أي الكلمة وهي قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} ونكال الأولى وهي قوله {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38] وبين الكلمتين الخبيثتين أربعون سنة فالأولى قالها في بداية الدعوة حيث ادّعى أنه بحث واستقصى في البحث واجتهدو أنه بعد كل ذلك الاجتهاد لم يعلم أن للناس من قومه من إله سواه. وقوله تعالى إن في ذلك {لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} أي فيما قص تعالى من خبر موسى وفرعون {لَعِبْرَةً} أي عظة لمن يخشى الله وعذاب الدار الآخرة فيؤمن ويتقي أي فيزداد إيماناً وتقوى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تسلية الداعي إلى الله تعالى وحمله على الصبر في دعوته حتى ينتهي بها إلى غاياتها. 2- إثبات مناجاة موسى لربّه تعالى وأنه كلمه ربّه كفاحاً بلا واسطة. 3- تقرير أن لا تزكية للنفس البشرية إلا بالإِسلام أي بالعمل بشرائعه. 4- لا تحصل الخشية من الله للعبد إلا بعد معرفة الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء. 5- وجود المعجزات لا يستلزم الإِيمان فقد رأى فرعون أعظم الآيات كالعصا واليد وما آمن. 6- التنديد والوعيد الشديد لمن يدعي الربوبية والألوهية فيأمر الناس بعبادته.
القطان
تفسير : الواد المقدس: الوادي المبارك، طوى: اسم ذلك الوادي، وهو بين العقبة ومصر. طغى: تجاوز الحد فتكبر وكفر. تزكّى: اصلها تتزكى بتاءين: تتطهر من الشرك. أهديك: أدلّك. الآية الكبرى: العلامة الدالة على صدق موسى، وهي انقلاب العصا حية. أدبر يسعى: ذهب يدبّر المكايد لموسى. فحشر: فجمع السحرة. النكال: العذاب. رفع سَمكها فسوّاها: خلقها بأحسن نظام. أغطشَ ليلها: جعله مظلما. أخرجَ ضحاها: اظهر نورها وضياء شمسها. دحاها: مهّدها وجعلها قابلة للسكنى. مرعاها: نباتها. ارساها: أثبتها. متاعا: متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم. يذكر الله تعالى قصةَ موسى وفرعون تسليةً للرسول الكريم على ما يلاقيه من قومه، بحكْمِ تكذيبهم له وإنكارهم للبعث، وتماديهم في العُتُوِّ والطغيان. وذلك أن فرعون مع أنه كان أقوى من كفار قريشٍ وأشدَّ منهم شوكةً وأعظمَ سلطانا فإن الله أخَذه حينَ تمرد على ربه ولم يؤمن بموسى، فاحذَروا أن يصيبَكم ما أصابه. وقصة موسى وفرعون من أكثر القصص التي ترِدُ في القرآن في اساليب متنوعة. وهنا جاءت مختصرة سريعة في اسلوب استفهام رشيق مشوّق لتناسب طبيعة السورة. {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ.... الآيات} هل أتاك - يا محمد - حديث موسى مع فرعون، حين ناداه ربُّه في وادي طوى المقدّس في سيناء، حيث أمره أن يذهب الى فرعون وقومه ليهديهم الى الطريق المستقيم، بعد أن طغى واستكبر واستعبد الناس! ثم طلب الله تعالى الى موسى ان يُلينَ له القولَ فذلك أنجحُ للرسالة. {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} هذا كلام جميل في غاية الرقة واللطف. قل له يا موسى: هل ترغبُ أن تطهِّر نفسَك من الآثام التي انغمستَ فيها، وتعملَ بما أدلُّك عليه من طُرُق الخير، فترجعَ الى ربك وتؤمن به، وتخشى عاقبة مخالفته. ثم أراه الدليلَ الحسّيَّ على صدق نبوته {فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} وتلك هي قلبُ العصا التي معه حيّةً تسعى. فلم يقنع فرعون بما رأى وقال إنّ هذا سِحرٌ {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ} في تدبير سحرٍ مثله، {فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} حيث جَمَعَ السحرةَ وخطب فيهم قائلا إنه هو الربّ الأعلى، لا سلطانَ يعلو سلطانه. {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}. فعذّبه الله تعالى بالغَرَقِ في الدنيا، وبعذاب جهنم في الاخرة.. وفي هذا عبرة وموعظة لمن يخاف الله وله عقل يَتدبر وينظر في عواقب الأمور. إن الله سينصرك يا محمد على قومك كما نَصَرَ موسى على فرعون، وكان أشدَّ بأساً وأكثر جنداً من قومك هؤلاء. فاتبع يا محمد نهج موسى، ولِنْ لهم في الحديث، واصبر فإن الفوز لك. وبعد أن أورد قصص موسى وفرعون هذه عاد الى مخاطبة الجاحدين المنكرين من قريش بأن من خَلَقَ هذا الكونَ العجيب الكبير وما فيه - لا يُعجِزه بعثهم من جديد بعد موتهم. فإن كانوا قد غفلوا عن أنه خالقُهم، فلْينظروا الى السماءِ والى الأرضِ ليعلموا من خَلَقَهما وانشأهما. {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}. أيّهما أعظم: اعادةُ الناس كما بدأهم أولَ مرة أم إنشاء السماء في هذا النظام البديع الذي لا يختلف ولا يختلّ بل يسير فيه كل جرم في مداره! لقد رفع صانعُها أجرامها فوق رؤوسنا ووضعَ كل جرمٍ في وضعه. {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا}. لقد جعل ليلها مظلماً عندما تغيبُ الشمس، وأضاءها بشروق الشمس وارتفاعها وقت الضحى، وهو أشرفُ اوقاتها وأطيبها. {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}. ثم بسط الأرضَ ومهّدها للسكنى وسيّر الناسَ والأنعام عليها. فلفظةُ دحاها تعني التكويرَ والبسطَ في ذات الوقت، فتكون أدلَّ الالفاظ على الأرض المبسوطة في الظاهر المكوّرة في الحقيقة.. وهذا منتهى الإحكام في اختيار اللفظ المناسب. ثم بيّن ما لا بدّ منه في تأتّي سكناها من أمرِ المآكل والمشارِب وإمكان القرار عليها فقال: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} فجّر منها العيون والينابيع والانهار لأن الماء أساس الحياة، {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} تفسير : [الأنبياء: 30]. وأنبت فيها النبات الذي يأكله الناسُ والحيوان. ثم بعد ذلك ثبَّتَ الجبالَ في أماكنها وجعلَها كالأوتاد، حتى تحفظَ توازن الأرض. وهذا كله جعله الله {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} أي لخيرِ الإنسان يتمتع به. فهل الذي أوجده وأنشأه أولَ مرة يعجز عن إعادته وإنشائه مرة أخرى؟ {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]. قراءات: قرأ الجمهور: تزكّى بفتح الزاي من غير تشديد، وقرأ نافع وابن كثير: تزكى بتشديد الزاي، وقرأ أهل الحجاز والبصرة: طُوى بغير تنوين. والباقون بالتنوين.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَتَاكَ} (15) - شَقَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَكْذِيبُ قُرَيْشٍ لَهُ، وَاسْتِهْزَاؤُهُمْ بِهِ، فَذَكَّرَهُ اللهُ تَعَالَى بِقِصَّةِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، مَعَ فِرْعَوْنَ، لِيُسَلِّيَهُ، وَيُثَبِّتَ قَلْبَهُ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّ العَاقِبَةَ لِلرُّسُلِ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ المُكَذِّبِينَ.
الثعلبي
تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى * ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} قرأ أهل الحجاز وأيوب ويعقوب بتشديد الزاي أي تتزّكى ومثله روى العباس عن أبي عمرو، غيرهم بتخفيفه ومعناه تسلّم وتصلح وتطهّر. {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: أخبرنا ابن زنجويه قال: حدّثنا مسلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي عن عبيد الله بن أبي بكر قال: حدّثني صخر بن جويرية قال: لما بعث الله تعالى موسى (عليه السلام) إلى فرعون فقال له: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} إلى {فَتَخْشَىٰ} ولن يفعل. قال موسى (عليه السلام): يا رب وكيف أذهب إليه وقد علمت أنه لن يفعل؟ فأوحى الله تعالى إليه أن أمضِ إلى من أُمرت به فإن في السماء إثني عشر ألف ملك يطلبون علم القدر فلم يبلغوه ولم يدركوه. {فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} وهي العصا واليد البيضاء. {فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ} تولى وأعرض عن الإيمان. {يَسْعَىٰ} يعمل بالفساد {فَحَشَرَ} فجمع السحرة وقومه {فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} يقول ليس ربّ فوقي، وقيل: أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربّها وربكم، وقيل: أراد القادة والسادة {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ} فعاقبه الله {نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} يعني في الدنيا والآخرة، الأولى بالغرق وفي الآخرة بالنار، وقيل: نكال كلمته الأولى وهي قوله سبحانه {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38] وكلمته الآخرة هي قوله {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} وكان بينهما أربعون سنة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ * أَأَنتُمْ} أيها المنكرون للبعث {أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ} إن الذي قدر على خلق السماء قادر على أن يحيي الموتى وقوله {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57]. {بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا} سقفها، قال الفراء: كل شيء حمل شيئاً من البناء وغيره فهو سمك وبناء وسموك {فَسَوَّاهَا } بلا شطور ولا فطور {وَأَغْطَشَ} أظلم {لَيْلَهَا} والغطش أشد الظلمة ورجل أغطش أي أعمى {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أبرز وأظهر نهارها ونوره. {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} اختلفوا في معنى الآية، فقال ابن عباس: خلق الله سبحانه الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك أي بسطها، قال ابن عباس وعبد الله بن عمرو: خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام فدحيت الأرض من تحت البيت، وقيل معناه: والأرض مع ذلك دحاها كما يقال للرجل: أنت أحمق وأنت بعد هذا لئيم الحسب، أي مع هذا، قال الله عزّوجل: {أية : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} تفسير : [القلم: 13] أي مع ذلك، وقال الشاعر: شعر : فقلت لها عني إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب تفسير : يعني مع ذلك. ودليل هذا التأويل قراءة مجاهد "وَالأَرْضَ عِنْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا" وقيل بعد بمعنى قبل كقوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [الأنبياء: 105] أي من قبل الذكر وهو القرآن، وقال الهذلي: حملت الهي بعد عروة إذا نجا خراش وبعض الشراهون من بعض زعموا أن خراشا نجا قبل عروة. وقراءة العامة {وَٱلأَرْضَ} بالنصب، وقرأ الحسن {وَٱلأَرْضَ} رفعها بالأبتداء الرجوع الهاء وكلا الوجهين سائغان في عائد الذكر، والدّحو البسط والمدّ، ومنه أُدحيّ النعامة؛ لأنها تدحوه بصّدرها، يقال: دحا يدحوا دحواً ودحا يدحا دحياً لغتان مثل قولهم طغى يطغو أو يطغي وصغا يصغو ويصغي، ومحا يمحو ويمحي ولحي العود يلحوا أو يلحيّ، فمن قال: يدحو قال دحوت، ومن قال يدحا قال: دحيتُ. {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} قال القتيبي: أنظر كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعاً للأنعام من العشب والشجر والحبّ والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح، لأنّ النار من العيدان والملح من الماء. {وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا} قراءة العامة بالنصب وقرأ عمرو بن عبيد بالرفع. {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} وهي القيامة سميت بذلك؛ لأنها تطمُ على كلّ هائلة من الأمور فتغمر ما سواها بعظم هولها؛ أي يغلب، والطامة عند العرب الناهية التي لا تُستطاع، وإنّما أخرت من قولهم ظمّ الفرس طميمها إذا استفرغ جهده الجري. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا هناد ابن السهى قال: حدّثنا أبو أسامة عن ملك بن مغول عن القاسم الهمداني {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} قال الحسن: يسوق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ} عمل في الدنيا من خير أو شر {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ * فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ * يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} متى ظهورها وثبوتها {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} علمها عند الله ولست من علمها في شيء قالت عائشة: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآيات. {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} قراءة العامة بالإضافة وقرأ أبو جعفر وابن محيض منذر بالتنوين، ومثله روى العباس عن أبي عمرو. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} في الدنيا قيل: في قبورهم، {إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} قال الفراء: ليس للغاشية ضحى إنّما الضحى لصدر النهار ولكن هذا ظاهر من كلام العرب أن تقولوا أتتك العشية أو عداتها إنما معناه آخر يوم أو أوّله قال وأنشد بعض بني عقيل: شعر : نحن صبّحنا عامرا في دارها جردا تعاطى طرفي نهارها عشية الهلال أو سرارها. تفسير : بمعني عشية الهلال أو عشية سرار العشية.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ أشار سبحانه إلى تسلية حبيبه صلى الله عليه وسلم، وحثه على الاصطبار بأذيات أصحاب التكذيب والاستكبار فقال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} [النازعات: 15] يعني: بما اضطربت بتكذيب قومك، وإنكارهم عليك، وإعراضهم عن هدايتك وإرشادك يا أكمل الرسل، أليس قد أتيتك حديث أخيك موسى الكليم؛ حتى يسليك ويزيح كربك، ويرشدك إلى الصبر والثبات مثل أخيك؛ حتى تظفر على أعدائك مثله. وذلك وقت {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ} بلا وسيلة الملك، وسفارة السفير؛ إذ هو حينئذٍ من إفراط المحبة {بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ} عن رذائل الأغيار، والالتفات إلى ما سوى الملك الجبار {طُوًى} [النازعات: 16] أي: طويت دونه حينئذٍ مطلق التعينات والنقوش الطارئة على بحر الوجود من رياح الإضافات المعوجة الممنوحة. وبعدما تقرر في مقعد الصدق، وتمكن على مكمن اللاهوت أمره سبحانه بالالتفات إلى عالم الناسوت، والرجعة نحوه؛ للإرشاد والتكميل تتميماً لقضية الحكمة البالغة، المتقنة الإلهية بقوله: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} العالي العاتي، الباغي الطاغي {إِنَّهُ طَغَىٰ} [النازعات: 17] وتجاوز عن مقتضى العبودية طغياناً فاحشاً إلى أن ادَّعى الألوهية لنفسه. {فَقُلْ} مستفهماً أولاً على طريق الملاينة اللازمة لمرتبة النبوة والإرشاد: {هَل لَّكَ} بعدما انحرفت عن جادة العبودية بهذه الدعوى الكاذبة الباطلة ميل {إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} [النازعات: 18] وتتطهر عن رذيلة الكفر والطغيان، ونقيصة الظلم والعدوان. {وَأَهْدِيَكَ} وأرشدك أنا بإذن الله ووحيه {إِلَىٰ} توحيد {رَبِّكَ} وتقديس مربيك الذي أظهرك من كتم العدم، وربَّاك بأنواع اللطف والكرم، وبعدما تعرف وحدة ربك، وتؤمن بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وتصدق بكمال قدرته واقتداره على وجوده الانتقامات والإنعامات، وباستقلاله في عموم التدبيرات والتصرفات {فَتَخْشَىٰ} [النازعات: 19] حينئذٍ عن بطشه وقهره، وتشتغل بأداء المأمورات، وترك المنكرات والمحرمات، والاجتناب عن مطلق المنهيَّات، وبالجملة: تكون من زمرة أرباب العناية والكرامات، وتتخلص من نيران الطبيعة ودركاتها؟. وبعدما ذهب موسى لمقتضى أمر الله ووحيه إلى فرعون الطاغي الباغي، وبالغ في التبليغ وإظهار الدعوة، والملاينة على وجه الرفق والمداراة {فَأَرَاهُ} على سبيل التبيين والتوضيح {ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} [النازعات: 20] يعني: العصا وتقليبها حيَّة، أو جنس الآيات النازلة عليه. وبعدما سمع فرعون من موسى ما سمع، ورأى من الآيات ما رأى استكبر وعتا {فَكَذَّبَ} فرعون موسى {وَعَصَىٰ} [النازعات: 21] على المولى، وزاد على البغي والطغيان. {ثُمَّ} بعدما أقبل عليه موسى بالإرشاد والتكميل بأمر الله {أَدْبَرَ} فرعون عن الإقبال، وأقبل على البغي والضلال؛ لذلك {يَسْعَىٰ} [النازعات: 22] ويجتهد في المعارضة والإبطال. {فَحَشَرَ} جنوده وسحرة بلاده {فَنَادَىٰ} [النازعات: 23] على رءوس الملأ على سبيل الاستعلاء والاستكبار. {فَقَالَ} ذلك المسرف المفرط من كمال البطر والافتخار: {أَنَاْ رَبُّكُمُ} ومربيكم الأجلّ {ٱلأَعْلَىٰ} [النازعات: 24] من كل من يلي أمركم أيها البرايا. وبعدما أفرط في البغي والطغيان، وبالغ في الظلم والعدوان {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ} القدير القهَّار بمقتضى اسمه المضل المذل فجعل سبحانه طغيانه وعدوانه {نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} [النازعات: 25] أي: سبب الأغلال والسلاسل في النشأة الأخرى، وسبباً للإهلاك والإغراض في النشأة الأولى. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الشأن الذي جرى على فرعون من أنواع البلاء في النشأة الأولى والأخرى {لَعِبْرَةً} عظة عظيمة، وتذكيراً بليغاً {لِّمَن يَخْشَىٰ} [النازعات: 26] عن ضب الله، ومقتضيات قهره وجلاله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} [النازعات: 15] أيتها اللطيفة الخفية المبلغ {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ} [النازعات: 16] الأيمن السري إلى واد {ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} [النازعات: 16] الخفي وناداه ربه {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} [النازعات: 17] لطيفة قالبيتك الغير المستخلصة عن الباطل الملحة الملطخة بتراب الطبيعة، {إِنَّهُ طَغَىٰ} [النازعات: 17] أمر اللطيفة المبلغة {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ} [النازعات: 18]؛ أي: هل لك رغبة إلى أن تؤمن بالحق، وتصلح العمل بإخراج الباطل عن حقيقتك، وتشهد أن لا إله إلا الله وتكفر بآلهة هواك، {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} [النازعات: 19]؛ أي: أهديك إلى صراط مستقيم فتخشى من عذاب الجحيم المدخر في دار الإقامة بضلالتك عن الهدى والدين القويم. {فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} [النازعات: 20] من آيات النفس وهي بيضاء الهمة العلية بأي شيء أشارت أذعن إلى أمرها؟ وعصاه الذكر الذي به يبطل تسحر الشيطان، {فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ} [النازعات: 21]؛ يعني: كذب اللطيفة الفرعونية بيد الهمة وعصيت عصاء الذكر، وبعبارة أخرى: كذب اللطيفة المبلغة وعصى بها ربها وظن أنها من أثر التسحر، {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ} [النازعات: 22]؛ أي: أعرض عن الحق وسعى إلى الباطل، {فَحَشَرَ فَنَادَىٰ} [النازعات: 23]؛ أي: جمع القوى القالبية والنفسية فنادى القوى الشيطانية حين جمعوا {فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} [النازعات: 24]؛ يعني: أصنم الهوى ربكم وأنا رب الأصنام الهوائية؛ لأن الهوى انبعث من تلك اللطيفة القالبية. {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ} [النازعات: 25]؛ أي: عاقبه الله بنكال العاجل بتسلط اللطيفة عليه، وعذابه الآجل بإلقائه في قعر جهنم جحيم جسده المملوء من نيران الحسرة والندامة، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} [النازعات: 26]؛ أي: باعتبار وموعظة {لِّمَن يَخْشَىٰ} [النازعات: 26] لمن يؤمن باللطيفة ويخشى مما أوعد ويرجو بما وعده.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول [الله] تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } وهذا الاستفهام عن أمر عظيم متحقق وقوعه. أي: هل أتاك حديثه { إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى } وهو المحل الذي كلمه الله فيه، وامتن عليه بالرسالة، واختصه بالوحي والاجتباء فقال له { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } أي: فانهه عن طغيانه وشركه وعصيانه، بقول لين، وخطاب لطيف، لعله { يتذكر أو يخشى }. { فَقُلْ } له: { هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى } أي: هل لك في خصلة حميدة، ومحمدة جميلة، يتنافس فيها أولو الألباب، وهي أن تزكي نفسك وتطهرها من دنس الكفر والطغيان، إلى الإيمان والعمل الصالح؟ { وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ } أي: أدلك عليه، وأبين لك مواقع رضاه، من مواقع سخطه. { فَتَخْشَى } الله إذا علمت الصراط المستقيم، فامتنع فرعون مما دعاه إليه موسى. { فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى } أي: جنس الآية الكبرى، فلا ينافي تعددها {أية : فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنزعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ }. تفسير : { فَكَذَّبَ } بالحق { وَعَصَى } الأمر، { ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى } أي: يجتهد في مبارزة الحق ومحاربته، { فَحَشَرَ } جنوده أي: جمعهم { فَنَادَى فَقَالَ } لهم: { أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى } فأذعنوا له وأقروا بباطله حين استخفهم، { فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى } أي: صارت عقوبته (2) دليلا وزاجرا، ومبينة لعقوبة الدنيا والآخرة، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى } فإن من يخشى الله هو الذي ينتفع بالآيات والعبر، فإذا رأى عقوبة فرعون، عرف أن كل من تكبر وعصى، وبارز الملك الأعلى، عاقبه في الدنيا والآخرة، وأما من ترحلت خشية الله من قلبه، فلو جاءته كل آية لم يؤمن [بها].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):