Verse. 5739 (AR)

٧٩ - ٱلنَّازِعَات

79 - An-Nazi'at (AR)

ءَ اَنْتُمْ اَشَدُّ خَلْقًا اَمِ السَّمَاۗءُ۝۰ۭ بَنٰىہَا۝۲۷۪
Aantum ashaddu khalqan ami alssamao banaha

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أأنتم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه، أي منكرو البعث «أشد خلقا أم السماء» أشد خلقا «بناها» بيان لكيفية خلقها.

27

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم اعلم أنه تعالى لما ختم هذه القصة رجع إلى مخاطبة منكري البعث، فقال: {أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاءُ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في المقصود من هذا الاستدلال وجهان الأول: أنه استدلال على منكري البعث فقال: {أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاءُ } فنبههم على أمر يعلم بالمشاهدة. وذلك لأن خلقة الإنسان على صغره وضعفه، إذا أضيف إلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير، فبين تعالى أن خلق السماء أعظم، وإذا كان كذلك فخلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدوراً لله تعالى فكيف ينكرون ذلك؟ ونظيره قوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يس: 81] وقوله: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ }تفسير : [غافر: 57] والمعنى أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السماء أي عندكم، وفي تقديركم، فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد والثاني: أن المقصود من هذا الاستدلال بيان كونهم مخلوقين، وهذا القول ضعيف لوجهين أحدهما: أن من أنكر كون الإنسان مخلوقاً فبأن ينكر(ه) في السماء كان أولى وثانيهما: أن أول السورة كان في بيان مسألة الحشر والنشر، فحمل هذا الكلام عليه أولى. المسألة الثانية: قال الكسائي والفراء والزجاج: هذا الكلام تم عند قوله: {أَمِ ٱلسَّمَاء }. ثم قوله تعالى: {بَنَـٰهَا } ابتداء كلام آخر، وعند أبي حاتم الوقف على قوله: {بَنَـٰهَا } قال: لأنه من صلة السماء، والتقدير: أم السماء التي بناها، فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز، قال القفال: يقال: الرجل جاءك عاقل، أي الرجل الذي جاءك عاقل إذا ثبت أن هذا جائز في اللغة فنقول: الدليل على أن قوله: {بَنَـٰهَا } صلة لما قبله أنه لو لم يكن صلة لكان صفة، فقوله: {بَنَـٰهَا } صفة، ثم قوله: {رَفَعَ سَمْكَهَا} صفة، فقد توالت صفتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، فكان يجب إدخال العاطف فيما بينهما، كما في قوله: {أية : وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا }تفسير : [النازعات: 29] فلما لم يكن كذلك علمنا أن قوله: {بَنَـٰهَا } صلة للسماء، ثم قال: {رَفَعَ سَمْكَهَا } ابتداء بذكر صفته، وللفراء أن يحتج على قوله بأنه لو كان قوله: {بَنَـٰهَا } صلة للسماء لكان التقدير: أم السماء (التي) بناها، وهذا يقتضي وجود سماء ما بناها الله، وذلك باطل. المسألة الثالثة: الذي يدل على أنه تعالى هو الذي بنى السماء وجوه أحدها: أن السماء جسم، وكل جسم محدث، لأن الجسم لو كان أزلياً لكان في الأزل إما أن يكون متحركاً أو ساكناً، والقسمان باطلان، فالقول بكون الجسم أزلياً باطل. أما الحصر فلأنه إما أن يكون مستقراً حيث هو فيكون ساكناً، أو لا يكون مستقراً حيث هو فيكون متحركاً، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن يكون متحركاً، لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، وماهية الأزل تنافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن يكون ساكناً، لأن السكون وصف ثبوتي وهو ممكن الزوال، وكل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل المختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزلياً، وإنما قلنا: إن السكون وصف ثبوتي، لأنه يتبدل كون الجسم متحركاً بكونه ساكناً مع بقاء ذاته، فأحدهما لابد وأن يكون أمراً ثبوتياً، فإن كان الثبوتي هو السكون فقد حصل المقصود، وأن كان الثبوتي هو الحركة وجب أيضاً أن يكون السكون ثبوتياً، لأن الحركة عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان في غيره، والسكون عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان فيه بعينه، فالتفاوت بين الحركة والسكون ليس في الماهية، بل في المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير، وذلك وصف عارضي خارجي عن الماهية، وإذا كان كذلك فإذا ثبت أن تلك الماهية أمر وجودي في إحدى الصورتين وجب أن تكون كذلك في سورة أخرى، وإنما قلنا: إن سكون السماء جائز الزوال، لأنه لو كان واجباً لذاته لامتنع زواله، فكان يجب أن لا تتحرك السماء لكنا نراها الآن متحركة، فعلمنا أنها لو كانت ساكنة في الأزل، لكان ذلك السكون جائز الزوال، وإنما قلنا: إن ذلك السكون لما كان ممكناً لذاته، افتقر إلى الفاعل المختار لأنه لما كان ممكناً لذاته، فلا بد له من مؤثر، وذلك المؤثر لا يجوز أن يكون موجباً، لأن ذلك الموجب إن كان واجباً، وكان غنياً في إيجابه لذلك المعلول عن شرط لزم من دوامه دوام ذلك الأثر، فكان يجب أن لا يزول للسكون وإن كان واجباً ومفتقراً في إيجابه لذلك المعلول إلى شرط واجب لذاته، لزم من دوام العلة ودوام الشرط دوام المعلول، أما إن كان الموجب غير واجب لذاته، أو كان شرط إيجابه غير واجب لذاته كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل، وهو محال أو الإنتهاء إلى موجب واجب لذاته، وإلى شرط واجب لذاته، وحينئذ يعود الإلزام الأول، فثبت أن ذلك المؤثر لا بد وأن يكون فاعلاً مختاراً، فإذاً كل سكون، فهول فعل فاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث، لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد، والقصد إلى تكوين الكائن، وتحصيل الحاصل محال، فثبت أن كل سكون فهو محدث، فثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم في الأزل لا متحركاً ولا ساكناً، فهو إذاً غير موجود في الأزل، فهو محدث، وإذا كان محدثاً افتقر في ذاته، وفي تركيب أجزائه إلى موجد، وذلك هو الله تعالى، فثبت بالعقل أن باني السماء هو الله تعالى. الحجة الثانية: كل ما سوى الواجب فهو ممكن وكل ممكن محدث وكل محدث فعل صانع، إنما قلنا: كل ما سوى الواجب ممكن، لأنا لو فرضنا موجودين واجبين لذاتيهما لاشتركا في الوجود ولتباينا بالتعيين، فيكون كل منهما مركباً مما به المشاركة، ومما به الممايزة، وكل مركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فكل واحد من الواجبين بالذات ممكن بالذات هذا خلف، ثم ينقل الكلام إلى ذينك الجزأين، فإن كانا واجبين، كان كل واحد من تلك الأجزاء مركباً ويلزم التسلسل، وإن لم يكونا واجبين كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجود فثبت أن ماعدا الواجب ممكن وكل ممكن فله مؤثر وكل ما افتقر إلى المؤثر محدث، لأن الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء لاستحالة إيجاد الموجد، فلا بد وأن يكون إما حال الحدوث أو حال العدم، وعلى التقديرين فالحدوث لازم فثبت أن ما سوى الواجب محدث وكل محدث فلا بد له من محدث، فلا بد للسماء من بان. الحجة الثالثة: صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر مما هو الآن بمقدار خردلة، ولا يمتنع أن يكون أصغر بمقدار خردلة، فاختصاص هذا المقدار بالوقوع دون الأزيد والأنقص، لا بد وأن يكون بمخصص، فثبت أنه لا بد للسماء من بان: فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلق شيئاً وأعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام فيكون خالق السماء وبانيها هو ذلك الشيء؟ الجواب: من العلماء من قال: المعلوم بالعقل أنه لا بد للسماء من محدث وأنه لا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم والإله قديم واجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، فأما نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع فقوله في هذه الآية: {بَنَـٰهَا } يدل على أن باني السماء هو الله لا غيره، ومنهم من قال بل العقل يدل على بطلانه لأنه لما ثبت أن كل ما عداه محدث ثبت أنه قادر لا موجب، والذي كان مقدوراً له إنما صح كونه مقدوراً له بكونه ممكناً، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو الامتناع وهما يحيلان المقدورية، وإذا كان ما لأجله صح في البعض أن يكون مقدوراً لله وهو الإمكان والإمكان عام في الممكنات وجب أن يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة لله تعالى، وإذا ثبت ذلك ونسبة قدرته إلى الكل على السوية وجب أن يكون قادراً على الكل، وإذا ثبت أن الله قادر على الممكنات فلو قدرنا قادراً آخر قدر على بعض الممكنات، لزم وقوع مقدور واحد بين قادرين من جهة واحدة، وذلك محال، لأنه إما أن يقع بأحدهما دون الآخر وهو محال، لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا أولى من وقوعه بذاك أو بهما معاً، وهو أيضاً محال لأنه يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما معاً وغنياً عنهما معاً وهو محال، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب آخر سوى قدرة الله تعالى، وهذا الكلام جيد، لكن على قول من لا يثبت في الوجود مؤثراً سوى الواحد، فهذا جملة ما في هذا الباب. واعلم أنه تعالى لما بين في السماء أنه بناها، بين بعد ذلك أنه كيف بناها، وشرح تلك الكيفية من وجوه: أولها: ما يتعلق بالمكان، فقال تعالى: {رَفَعَ سَمْكَهَا }. واعلم أن امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عمقاً، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمي سمكاً، فالمراد برفع سمكها شدة علوها حتى ذكروا أن ما بين الأرض وبينها مسيرة خمسمائة عام، و(قد) بين أصحاب الهيئة مقادير الأجرام الفلكية وأبعاد ما بين كل واحد منها وبين الأرض. وقال آخرون: بل المراد: رفع سمكها من غير عمد. وذلك مما لا يصح إلا من الله تعالى. الصفة الثانية: قوله تعالى: {فَسَوَّاهَا } وفيه وجهان الأول: المراد تسوية تأليفها، وقيل: بل المراد نفي الشقوق عنها، كقوله: {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } تفسير : [الملك: 3] والقائلون بالقول الأول قالوا: {فَسَوَّاهَا } عام فلا يجوز تخصيصه بالتسوية في بعض الأشياء، ثم قال هذا يدل على كون السماء كرة، لأنه لو لم يكن كرة لكان بعض جوانبه سطحاً، والبعض زاوية، والبعض خطاً، ولكان بعض أجزائه أقرب إلينا، والبعض أبعد، فلا تكون التسوية الحقيقة حاصلة، فوجب أن يكون كرة حتى تكون التسوية الحقيقة حاصلة، ثم قالوا لما ثبت أنها محدثة مفتقرة إلى فاعل مختار، فأي ضرر في الدين ينشأ من كونها كرة؟.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً}: يريد أهل مكة، أي أخلقكم بعد الموت أشدّ في تقديركم {أَمِ ٱلسَّمَآءُ} فمن قَدَر على السماء قَدَر على الإعادة؛ كقوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} وقوله تعالى: {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم}، فمعنى الكلام التقريع والتوبيخ. ثم وصف السماء فقال: {بَنَاهَا} أي رفعها فوقكم كالبناء. {رَفَعَ سَمْكَهَا} أي أعلى سقْفها في الهواء؛ يقال: سَمَكت الشيءَ أي رفعته في الهواء، وسَمَك الشيءُ سُمُوكاً: ٱرتفع. وقال الفرّاء: كل شيء حَمَل شيئاً من البناء وغيره فهو سَمْك. وبناء مَسْمُوك وسَنام سامِك تامِك أي عالٍ، والمسموكات: السَّمَوات. ويقال: ٱسْمُك في الدَّيْم، أي ٱصعد في الدرجة. قوله تعالى: {فَسَوَّاهَا} أي خلقها خلقاً مستوياً، لا تفاوت فيه، ولا شُقوق، ولا فُطُور. {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} أي جعله مظلماً؛ غَطِشَ الليلُ وأغطشُه الله؛ كقولك: ظَلِم الليلُ وأظلمه الله. ويقال أيضاً: أغطشَ الليلُ بنفسه، وأغطشه الله؛ كما يقال: أظلَم الليلُ، وأظلمه الله. والغَطَش والغَبَش: الظلمة. ورجل أغطَش: أي أعمى، أو شبيه به، وقد غَطِش، والمرأة غَطْشاء؛ ويقال: ليلة غَطْشاء، وليلٌ أغطش، وفلاة غَطْشَى لا يُهْتَدَى لها؛ قال الأعشى: شعر : ويَهْماءَ بالليلِ غَطشَى الفَلا ةِ يؤنِسنِي صوتُ فَيادِها تفسير : وقال الأعشى أيضاً: شعر : عَقَرْتُ لهمْ مَوْهِناً ناقتِي وغامِرُهُمْ مدلهِمٌّ غَطِشْ تفسير : يعني بغامرهم ليلهم، لأنه غمرهم بسواده. وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضاف إلى السماء؛ ويقال: نجوم الليل، لأن ظهورها بالليل. {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أي أبرز نهارَها وضوءها وشمسها. وأضاف الضُّحا إلى السماء كما أضاف إليها الليل؛ لأن فيها سبب الظلام والضياء وهو غروب الشمس وطلوعها. {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أي بسطها. وهذا يشير إلى كون الأرض بعد السماء. وقد مضى القول فيه في أول «البقرة» عند قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ } تفسير : [البقرة: 29] مستوفًى. والعرب تقول: دَحَوْت الشيءَ أدحوه دحواً: إذا بسطته. ويقال لعش النعامة أُدحِيّ؛ لأنه مبسوط على وجه الأرض. وقال أمية بن أبي الصلت: شعر : وبثَّ الخلقَ فيها إِذ دَحاها فهُمْ قُطَّانُها حتّى التنادِي تفسير : وأنشد المبرّد: شعر : دحاها فلما رآها ٱستوت على الماءِ أرسى عليها الجِبالاَ تفسير : وقيل: دحاها سوّاها؛ ومنه قول زيد بن عمرو: شعر : وأَسلمتُ وجهي لمن أَسلمتْ له الأَرضُ تحمِل صَخْراً ثِقالا دحاها فلما ٱستوت شَدَّها بأيْدٍ وأرسَي عليها الجِبالا تفسير : وعن ٱبن عباس: خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان، قبل أن يخلق الدنيا بألف عام، ثم دُحيت الأرض من تحت البيت. وذكر بعض أهل العلم أنّ «بعد» في موضع «مع» كأنه قال: والأرض مع ذلك دحاها؛ كما قال تعالى: { أية : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } تفسير : [القلم: 13]. ومنه قولهم: أنت أحمق وأنت بعد هذا سَيِّءُ الخلق؛ قال الشاعر: شعر : فقلت لها عَنِّي إِليكِ فإنّنِي حَرَامٌ وإِني بعد ذاك لَبيبُ تفسير : أي مع ذلك لبيب. وقيل: بعد: بمعنى قبل؛ كقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ } تفسير : [الأنبياء: 105] أي من قبل الفرقان؛ قال أبو خِرَاش الهذليّ: شعر : حَمدتُ إِلهِي بعد عروة إِذنجا خِراشٌ وبعض الشر أهون مِن بعضِ تفسير : وزعموا أَن خِراشاً نجا قبل عروة. وقيل: «دحاها»: حرثَها وشقها. قاله ٱبن زيد. وقيل: دحاها مهّدها للأقوات. والمعنى متقارب. وقراءة العامة «والأَرضَ» بالنصب، أي دحا الأرض. وقرأ الحسن وعمرو ابن ميمون «والأرض» بالرفع، على الابتداء؛ لرجوع الهاء. ويقال: دحا يدحو دَحْوا ودَحَى يَدْحَى دحيا؛ كقولهم: طغَى يطغَى ويطغُو، وطغِىَ يطغى، ومحا يمحو ويمحي، ولَحَى العودَ يلحَى ويلحو، فمن قال: يدحو قال دحوت ومن قال يدحي قال دحْيت. {أَخْرَجَ مِنْهَا} أي أخرج من الأرض {مَآءَهَا} أي العيون المتفجرة بالماء. {وَمَرْعَاهَا} أي البنات الذي يُرْعَى. وقال القُتَبي: دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعاً للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح؛ لأن النار من العيدان والملح من الماء. {وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا} قراءةُ العامة «والجبالَ» بالنصْب، أي وأرسَى الجبال «أرساها» يعني: أثبتها فيها أوتاداً لها. وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون وعمرو بن عبيد ونصر بن عاصم «والجِبالُ» بالرفع على الابتداء. ويقال: هلا أدخل حرف العطف على «أخرج» فيقال: إنه حال بإضمار قد؛ كقوله تعالى: «حصِرت صدورهم». {مَتَاعاً لَّكُمْ} أي منفعة لكم. {وَلأَنْعَامِكُمْ} من الإبل والبقر والغنم. و «متاعا» نصب على المصدر من غير اللفظ؛ لأن معنى «أخرج مِنها ماءها ومرعاها» أمتع بذلك. وقيل: نصب بإسقاط حرف الصفة تقديره لتتمتعوا به متاعاً.

البيضاوي

تفسير : {أأنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } أصعب خلقاً. {أَمِ ٱلسَّمَاء } ثم بين كيف خلقها فقال: {بَنَـٰهَا } ثم بين البناء فقال: {رَفَعَ سَمْكَهَا } أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها لذاهب في العلو رفيعاً. {فَسَوَّاهَا } فعدلها أو فجعلها مستوية، أو فتممها بما يتم به كمالها من الكواكب والتداوير وغيرها من قولهم: سوى فلان أمره إذا أصلحه. {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم، وإنما أضافه إليها لأنه يحدث بحركتها. {وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا } وأبرز ضوء شمسها. كقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا }تفسير : [الشمس: 1] يريد النهار. {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } بسطها ومهدها للسكنى. {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا } بتفجير العيون. {وَمَرْعَـٰهَا } ورعيها وهو في الأصل لموضع الرعي، وتجريد الجملة عن العاطف لأنها حال بإضمار قد أو بيان للدحو. {وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا } أثبتها وقرىء «وَٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ» بالرفع على الابتداء، وهو مرجوح لأن العطف على فعلية. {مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلأَِنْعَـٰمِكُمْ } تمتيعاً لكم ولمواشيكم. {فَإِذَا جَاءتِ ٱلطَّامَّةُ } الداهية التي تطم أي تعلو على سائر الدواهي. {ٱلْكُبْرَىٰ } التي هي أكبر الطامات وهي القيامة، أو النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ مَا سَعَىٰ } بأن يراه مدوناً في صحيفته وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة، وهو بدل من {فَإِذَا جَاءتِ } و {مَا } موصولة أو مصدرية {وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ } وأظهرت. {لِمَن يَرَىٰ } لكل راء بحيث لا تخفى على أحد، وقرىء {وَبُرّزَتِ } و «لمن رأى» و «لمن ترى» على أن فيه ضمير الجحيم كقوله تعالى: {أية : إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }تفسير : [الفرقان: 12] أو أنه خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أي لمن تراه من الكفار، وجواب {فَإِذَا جَاءتِ } محذوف دل عليه {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ } أو ما بعده من التفضيل. {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ } حتى كفر. {وَءاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } فانهمك فيها ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس. {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } هي مأواه واللام فيه سادة مسد الإضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي، وهي فصل أو مبتدأ. {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } مقامه بين يدي ربه لعلمه بالمبدأ والمعاد. {وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } لعلمه بأنه مرد.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى محتجاً على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: {ءَأَنتُمْ} أيها الناس {أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ} يعني: بل السماء أشد خلقاً منكم؛ كما قال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وقال تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [يس: 81] وقوله تعالى: {بَنَـٰهَا} فسره بقوله: { رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء، وقوله تعالى: { وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا} أي: جعل ليلها مظلماً أسود حالكاً، ونهارها مضيئاً مشرقاً نيراً واضحاً، وقال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون {وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا} أي: أنار نهارها. وقوله تعالى: { وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا} فسره بقوله تعالى: { أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَـٰهَا} وقد تقدم في سورة حم السجدة أن الأرض خلقت قبل خلق السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، وهذا معنى قول ابن عباس وغير واحد، واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله، يعني: ابن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {دَحَـٰهَا} ودحيُها: أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال، والسبل والآكام، فذلك قوله: { وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا} وقد تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله تعالى: { وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا} أي: قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم، الرؤوف بخلقه الرحيم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما خلق الله الأرض، جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم، الماء، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم، يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله» تفسير : وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن عطاء عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: لما خلق الله الأرض، قمصت وقالت: تخلق عليّ آدم وذريته يلقون عليّ نتنهم، ويعملون عليّ بالخطايا، فأرساها الله بالجبال، فمنها ما ترون، ومنها ما لا ترون، وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمه. غريب جداً. وقوله تعالى: { مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَـٰمِكُمْ} أي: دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها. وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعاً لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار، إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ءَأَنْتُمْ } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه، أي منكرو البعث {أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ } أشدّ خلقاً؟ {بَنَٰهَا } بيان لكيفية خلقها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا } أي أخلقكم بعد الموت، وبعثكم أشدّ عندكم، وفي تقديركم أم خلق السماء؟ والخطاب لكفار مكة، والمقصود به: التوبيخ لهم والتبكيت؛ لأن من قدر على خلق السماء؟ التي لها هذا الجرم العظيم وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو بين للناظرين كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أوّل مرّة؟ ومثل هذا قوله سبحانه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ }تفسير : [غافر: 57] وقوله: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يۤس: 81] ثم بيّن سبحانه كيفية خلق السماء فقال: {بَنَـٰهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا } أي: جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض، ورفع سمكها أي: أعلاه في الهواء، فقوله: {رَفَعَ سَمْكَهَا } بيان للبناء، يقال سمكت الشيء أي: رفعته في الهواء، وسمك الشيء سموكاً: ارتفع. قال الفرّاء كل شيء حمل شيئًا من البناء أو غيره فهو سمك، وبناء مسموك، وسنام سامك أي: عال، والسموكات: السمٰوات: ومنه قول الفرزدق:شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعزّ وأطول تفسير : قال البغوي: رفع سمكها، أي: سقفها. قال الكسائي، والفراء، والزجاج: تمّ الكلام عند قوله: {أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا } لأنه من صلة السماء، والتقدير: أم السماء التي بناها، فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز. ومعنى {فَسَوَّاهَا }: فجعلها مستوية الخلق معدّلة الشكل لا تفاوت فيها، ولا اعوجاج، ولا فطور، ولا شقوق. {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } الغطش: الظلمة أي: جعله مظلماً، يقال غطش الليل وأغطشه الله، كما يقال أظلم الليل وأظلمه الله، ورجل أغطش، وامرأة غطشى لا يهتديان. قال الراغب: وأصله من الأغطش، وهو الذي في عينه عمش، ومنه فلاة غطشى: لا يهتدى فيها، والتغاطش التعامي. قال الأعشى:شعر : ودهماء بالليل غطشى الفلا ة يؤنسني صوت قيادها تفسير : وقوله:شعر : وغامرهم مدلهم غطش تفسير : يعني: غمرهم سواد الليل، وأضاف الليل إلى السماء؛ لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضافة إلى السماء. {وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا } أي: أبرز نهارها المضيء بإضاءة الشمس، وعبر عن النهار بالضحى؛ لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، وأضافه إلى السماء؛ لأنه يظهر بظهور الشمس، وهي: منسوبة إلى السماء. {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } أي: بعد خلق السماء، ومعنى {دحاها} بسطها، وهذا يدلّ على أن خلق الأرض بعد خلق السماء، ولا معارضة بين هذه الآية، وبين ما تقدّم في سورة فصلت من قوله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } تفسير : [فصلت: 11] بل الجمع بأنه سبحانه خلق الأرض أوّلاً غير مدحوّة، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، وقد قدّمنا الكلام على هذا مستوفى هنالك، وقدّمنا أيضاً بحثاً في هذا في أوّل سورة البقرة عند قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] وذكر بعض أهل العلم أن بعد بمعنى مع، كما في قوله: {أية : عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } تفسير : [القلم: 13]، وقيل: بعد بمعنى قبل، كقوله: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } تفسير : [الأنبياء: 105] أي: من قبل الذكر، والجمع الذي ذكرناه أولى، وهو قول ابن عباس وغير واحد، واختاره ابن جرير. يقال: دحوت الشيء أدحوه: إذا بسطته، ويقال: لعشّ النعامة أدحى؛ لأنه مبسوط على الأرض. وأنشد المبرد:شعر : دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا تفسير : وقال أمية بن أبي الصلت:شعر : وبثّ الخلق فيها إذا دحاها فهم قطانها حتى التنادي تفسير : وقال زيد بن عمرو بن نفيل:شعر : وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً دحاها فلما استوت شدّها بأيد وأرسى عليها الجبالا تفسير : قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال. وقرأ الحسن، وعمرو بن ميمون، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، وأبو السماك، وعمرو بن عبيد، ونصر بن عاصم بالرفع على الابتداء. {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَـٰهَا } أي: فجر من الأرض الأنهار والبحار والعيون. وأخرج منها مرعاها. أي: النبات الذي يرعى، ومرعاها مصدر ميميّ أي: رعيها، وهو في الأصل موضع الرعي، والجملة إما بيان وتفسير لدحاها؛ لأن السكنى لا تتأتى بمجرِّد البسط بل لا بد من تسوية أمر المعاش من المأكل والمشرب. وإما في محل نصب على الحال. {وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا } أي: أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد للأرض لتثبت وتستقرّ، وأن لا تميد بأهلها. قرأ الجمهور بنصب الجبال على الاشتغال. وقرأ الحسن، وعمرو بن ميمون، وأبو حيوة، وأبو السماك، وعمرو بن عبيد، ونصر بن عاصم بالرفع على الابتداء، قيل: ولعل وجه تقديم ذكر إخراج الماء، والمرعى على إرساء الجبال مع تقدم الإرساء عليه للاهتمام بأمر المأكل والمشرب {مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلأَعَـٰمِكُمْ } أي منفعة لكم ولأنعامكم من البقر، والإبل، والغنم، وانتصاب متاعاً على المصدرية أي: متعكم بذلك متاعاً أو هو مصدر من غير لفظه؛ لأن قوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَـٰهَا } بمعنى متع بذلك، أو على أنه مفعول له أي: فعل ذلك لأجل التمتيع، وإنما قال: {لَّكُمْ وَلاِنْعَـٰمِكُمْ } لأن فائدة ما ذكر من الدحوّ، وإخراج الماء، والمرعى كائنة لهم ولأنعامهم، والمرعى يعمّ ما يأكله الناس والدواب. {فَإِذَا جَاءتِ ٱلطَّامَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ } أي: الداهية العظمى التي تطمّ على سائر الطامات. قال الحسن، وغيره: وهي النفخة الثانية. وقال الضحاك، وغيره: هي القيامة سميت بذلك، لأنها تطمّ على كل شيء لعظم هولها. قال المبرد: الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع، وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم: طمّ الفرس طميماً: إذا استفرغ جهده في الجري، وطمّ الماء: إذا ملأ النهر كله. وقال غيره: هو من طمّ السيل الركية أي دفنها، والطمّ الدفن. قال مجاهد، وغيره: الطامة الكبرى هي التي تسلم أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها، وجواب إذا قيل: هو قوله: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ }. وقيل: محذوف أي: فإن الأمر كذلك، أو عاينوا أو علموا، أو أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة. وقال أبو البقاء: العامل فيها جوابها وهو معنى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ } تفسير : [الفجر: 23] فإنه منصوب بفعل مضمر، أي: أعني يوم يتذكر، أو يوم يتذكر يكون كيت، وكيت. وقيل: إن الظرف بدل من إذا، وقيل: هو بدل من الطامة الكبرى؛ ومعنى تذكر الإنسان ما سعى: أنه يتذكر ما عمله من خيرّ، أو شرّ؛ لأنه يشاهده مدوّناً في صحائف عمله، و«ما» مصدرية، أو موصولة {وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ } معطوف على جاءت، ومعنى برّزت: أظهرت إظهاراً لا يخفى على أحد. قال مقاتل: يكشف عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق، وقيل: {لِمَن يَرَىٰ } من الكفار، لا من المؤمنين؛ والظاهر أن تبرز لكلّ راء، فأما المؤمن فيعرف برؤيتها قدر نعمة الله عليه بالسلامة منها، وأما الكافر فيزداد غماً إلى غمه، وحسرة إلى حسرته. قرأ الجمهور {لمن يرى} بالتحتية. وقرأت عائشة، ومالك ابن دينار، وعكرمة، وزيد بن عليّ بالفوقية، أي: لمن تراه الجحيم، أو لمن تراه أنت يا محمد. وقرأ ابن مسعود "لمن رأى" على صيغة الفعل الماضي. {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ } أي: جاوز الحد في الكفر والمعاصي. {وَءاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } أي: قدّمها عن الآخرة، ولم يستعدّ لها، ولا عمل عملها. {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } أي: مأواه، والألف واللام عوض عن المضاف إليه، والمعنى: أنها منزله الذي ينزله، ومأواه الذي يأوي إليه لا غيرها. ثم ذكر القسم الثاني من القسمين فقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } أي: حذر مقامه بين يدي ربه يوم القيامة. قال الربيع: مقامه يوم الحساب. قال قتادة: يقول إن لله عزّ وجلّ مقاماً قد خافه المؤمنون. وقال مجاهد: هو خوفه في الدنيا من الله عزّ وجلّ عند مواقعة الذنب فيقلع عنه، نظيره قوله: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 46] والأوّل أولى. {وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } أي: زجرها عن الميل إلى المعاصي والمحارم التي تشتهيها. قال مقاتل: هو الرجل يهمّ بالمعصية، فيذكر مقامه للحساب، فيتركها {فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } أي: المنزل الذي ينزله، والمكان الذي يأوي إليه لا غيرها. {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } أي: متى وقوعها وقيامها. قال الفراء: أي: منتهى قيامها كرسوّ السفينة. قال أبو عبيدة: ومرسى السفينة حين تنتهي، والمعنى: يسألونك عن الساعة متى يقيمها الله، وقد مضى بيان هذا في سورة الأعراف {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } أي: في أيّ شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها، والمعنى: لست في شيء من علمها، وذكراها إنما يعلمها الله سبحانه، وهو إنكار وردّ لسؤال المشركين عنها أي: فيم أنت من ذلك حتى يسألونك عنه ولست تعلمه؟ {إِلَىٰ رَبّكَ مُنتَهَـٰهَا } أي: منتهى علمها، فلا يوجد علمها عند غيره، وهذا كقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي }تفسير : [الأعراف: 187]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ }تفسير : [لقمان: 34] فكيف يسألونك عنها، ويطلبون منك بيان وقت قيامها؟ {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } أي: مخوّف لمن يخشى قيام الساعة، وذلك وظيفتك ليس عليك غيره من الإخبار بوقت قيام الساعة، ونحوه مما استأثر الله بعلمه، وخصّ الإنذار بمن يخشى؛ لأنهم المنتفعون بالإنذار، وإن كان منذراً لكلّ مكلف من مسلم وكافر. قرأ الجمهور بإضافة: {منذر} إلى ما بعده. وقرأ عمر بن عبد العزيز، وأبو جعفر، وطلحة، وابن محيصن، وشيبة، والأعرج، وحميد بالتنوين، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. قال الفراء: والتنوين، وتركه في منذر صواب كقوله: {أية : بَـٰلِغُ أَمْرِهِ }تفسير : [الطلاق: 3] و {أية : مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [الأنفال: 18]. قال أبو عليّ الفارسي: يجوز أن تكون الإضافة للماضي، نحو ضارب زيد أمس. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا } أي: إلاّ قدر آخر نهار أو أوّله، أو قدر الضحى الذي يلي تلك العشية، والمراد تقليل مدّة الدنيا، كما قال: {أية : لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ } تفسير : [الأحقاف: 35]. وقيل: لم يلبثوا في قبورهم إلاّ عشية أو ضحاها. قال الفراء، والزجاج: المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافته إلى يوم العشية على عادة العرب، يقولون: آتيك الغداة أو عشيتها، وآتيك العشية أو غداتها، فتكون العشية في معنى آخر النهار، والغداة في معنى أوّل النهار. ومنه قول الشاعر:شعر : نحن صبحنا عامراً في دارها جرداً تعادى طرفي نهارها عشية الهلال أو سرارها تفسير : والجملة تقرير لما يدل عليه الإنذار من سرعة مجيء المنذر به. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {رَفَعَ سَمْكَهَا } قال: بناها {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } قال: أظلم ليلها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه. {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } قال: وأظلم ليلها {وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا } قال: أخرج نهارها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وَٱلأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } قال: مع ذلك. وأخرج عبد ابن حميد، وابن أبي حاتم عنه أيضاً أن رجلاً قال له: آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى، فقال: إنما أتيت من قبل رأيك، قال: اقرأ: {قُلْ أَءنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } حتى بلغ: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء }تفسير : [فصلت: 9 - 11] وقوله: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } قال: خلق الله الأرض قبل أن يخلق السماء، ثم خلق السماء، ثم دحى الأرض بعد ما خلق السماء، وإنما قوله: {دَحَـٰهَا }: بسطها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: {دَحَـٰهَا } أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال، والرمال، والسبل، والآكام وما بينهما في يومين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الطامة من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا }». وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة قالت: «ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل الله: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبّكَ مُنتَهَـٰهَا } فانتهى، فلم يسأل عنها». وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبّكَ مُنتَهَـٰهَا } فكفّ عنها. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس. قال السيوطي بسند ضعيف: إن مشركي مكة سألوا النبيّ فقالوا: متى الساعة استهزاء منهم؟ فأنزل الله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } يعني: مجيئها {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } يعني: ما أنت من علمها يا محمد {إِلَىٰ رَبّكَ مُنتَهَـٰهَا } يعني: منتهى علمها. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على النبيّ سألوه عن الساعة، فينظر إلى أحدث إنسان منهم، فيقول: «حديث : إن يعش هذا قامت عليكم ساعتكم».

الماوردي

تفسير : {وأَغْطَشَ لَيْلَها وأَخْرَجَ ضُحاها} معناه أظلم ليلها، وشاهد الغطش أنه الظلمة قول الأعشى: شعر : عَقَرْتُ لهم مَوْهِنا ناقتي وغامِرُهُمْ مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ تفسير : يعني يغمرهم ليلهم لأنه غمرهم بسواده. وفي قوله: " وأخرج ضُحاها" وجهان: أحدهما: أضاء نهارها وأضاف الليل والضحى إلى السماء لأن منهما الظلمة والضياء. الثاني: قال ابن عباس أن أخرج ضحاها: الشمس. {والأرضَ بَعْد ذلك دَحاها} في قوله " بَعْد" وجهان: أحدهما: مع وتقدير الكلام: والأرض مع ذلك دحاها، لأنها مخلوقة قبل السماء، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أن " بعد" مستعملة على حقيقتها لأنه خلق الأرض قبل السماء ثم دحاها بعد السماء، قاله ابن عمر وعكرمة. وفي " دحاها" ثلاثة أوجه: أحدها: بسطها، قاله ابن عباس، قال أمية بن أبي الصلت: شعر : وَبَثَّ الخلْق فيها إذْ دَحاها فَهُمْ قُطّانُها حتى التنادي تفسير : قال عطاء: من مكة دحيت الأرض، وقال عبد الله بن عمر: من موضع الكعبة دحيت. الثاني: حرثها وشقها، قاله ابن زيد. الثالث: سوّاها، ومنه قول زيد بن عمرو: شعر : وأسْلَمْتُ وجهي لمن أسْلَمتْ له الأرضُ تحمل صَخْراً ثِقالا دحاها فلما اسْتَوتْ شدّها بأيْدٍ وأرْسَى عليها الجبالا

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً}، يريد: أهل "مكّة"، أي: أخلقكم بعد الموت أشدُّ في تقديركم أم السماءُ؟. فمن قدر على خلقِ السَّماء على عظمها، وعظم أحوالها، قدر على الإعادة، وهذا كقوله: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57]. والمقصود من الآية الاستدلال على منكري البعث، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} تفسير : [يس: 81]. ومعنى الكلام: التقريع والتوبيخ. ثم وصف تعالى السماء، فقال: "أم السَّماءَ بَناهَا" عطف على "أنتم"، وقوله" "بَنَاهَا" بيان لكيفية خلقه إياها، فالوقف على "السَّماءِ"، والابتداء بما بعدها، ونظيره قوله - تعالى - في "الزخرف": {أية : أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} تفسير : [الزخرف: 58]. وقوله: "رَفَعَ سَمْكهَا" جملة مفسرة لكيفية البناء، "والسَّمْك": "الارتفاع". قال الزمخشريُّ: "جعل مقدار ذهابها في سمتِ العلوِّ مديداً رفيعاً". وسكمتُ الشيء: رفعته في الهواء، وسمك هو، أي: ارتفع سُمُوكاً، فهو قاصرٌ ومتعدٍّ، وبناء مسموك، وسنامٌ سَامِكٌ تَامِكٌ، أي: عالٍ مرتفعٌ، وسماك البيت ما سمكته به، والمسموكاتُ: السماوات ويقال: اسمك في الدّيم، أي: اصعد في الدرجة، والسماك: نجم معروف، وهما اثنان، رامح وأعزل؛ قال الشاعر: [الكامل] شعر : 5099- إنَّ الذي سَمكَ السَّماءَ بَنَى لَنَا بَيْتاً دَعَائِمُهُ اعَزُّ وأطْوَلُ تفسير : وقال البغويُّ: "رفَعَ سمْكهَا" أي: سقفها. فصل في الكلام على هذه الآية قال الكسائيُّ والفراء والزجاج: هذا الكلام تم عند قوله تعالى: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا}، قال: لأنَّه من أصله السماء، والتقدير: "أم السماء التي بناها" فحذف "التي"، ومثل هذا الحذف جائز. قال القفالُ: يقال: الرجل جاءك عاقل، أي: الرجل الذي جاءك عاقل، وإذا ثبت جواز ذلك في اللغة، فنقول: الدَّليل على أن قوله تعالى: "بَنَاهَا" صلةٌ لما قبله، أنَّه لو لم يكن صلة لكان صفة فقوله: "بَنَاهَا" صفة، ثم قوله: "رَفَعَ سَمْكهَا" صفة، فقد توالت صفتان، لا تعلُّق لإحداهما بالأخرى، فكان يجب إدخال العاطف بينهما، كما في قوله: "وأغطَشَ ليْلهَا"، ولمَّا لم يكن كذلك، علمنا أنَّ قوله: "بَناهَا" صلةٌ للسَّماءِ، فكان التقدير: أم السَّماء التي بناهَا"، وهذا يقتضي وجود سماءٍ ما بَنَاهَا اللهُ، وذلك باطل. وقوله: {فَسَوَّاهَا} أي: خَلقهَا خَلْقاً مستوياً، لا تفاوت فيه، ولا فطور، ولا شقوق. فصل فيمن استدل بالآية على أن السماء كرة قال ابن الخطيب: واستدلُّوا بهذه الآية على كونِ السَّماء كُرةً، قالوا: لأنه لو لم تكن كرةً لكان بعضُ جوانبها سطحاً، والبعض زاويةً والبعضُ خطًّا، ولكان بعض أجزائه اقرب إلينا، والبعض الآخر أبعد، فلا تحصل التَّسويةُ الحقيقية، ثُمَّ قالوا: لما ثبت أنَّها محدثةٌ مُفتقِرةٌ إلى فاعل مختار، فأيُّ ضررٍ في الدِّين يُنافِي كونها كرة. قوله تعالى: {وَأَغْطَشَ}. أي: أظلم بلغة أنمار، يقال: غطشَ الليلُ، وأغطشته أنا؛ قال: [المتقارب] شعر : 5100- عَقرْتُ لَهُمْ نَاقَتِي مَوهِناً فَليْلهُم مُدلَهِمٌّ غَطِشْ تفسير : وليل أغطش، وليلة غطشاء. قال الراغب: وأصله من الأغطش، وهو الذي في عينه شبه عمش، ومنه فلاة غَطْشَى لا يهتدى فيها، والتَّغَاطشُ: التَّعامِي انتهى. ويقال: أغْطشَ اللَّيْلُ قاصراً كـ "أظلم"، فـ "أفْعَلَ" فيه متعدٍّ ولازمٍ، فالغَطَشُ والغَتَشُ: الظُّلمة، ورجل أغطش، أي: أعْمَى، أو شبيهٌ به، وقد غطش، والمرأة: غطشاءُ، وفلاة غَطْشَى لا يهتدى لها؛ قال الأعشى: [المتقارب] شعر : 5101- وبَهْمَاءَ بالليْلِ غَطْشَى الفَلاَ ةِ يُؤنِسُنِي صَوْتُ قَيَّادِهَا تفسير : ومعنى قوله: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} أي: جعلهُ مُظلماً، وأضاف اللَّيل إلى السَّماء؛ لأنَّ الليل يكون بغروب الشمس، والشمس تضاف إلى السماء، ويقال: نجُومُ اللَّيْلِ؛ لأنَّ ظهورها بالليل. قوله: {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا}، فيه حذف، أي: ضحى شمسها، وأضاف الليل والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما، وإنَّما عبَّر عن النَّهارِ بالضحى؛ لأنَّ الضُّحى أكمل النَّهار بالنَّور والضَّوءِ. قوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أي: بسطها، و "بَعْدَ" على بابها من التأخير، ولا معارضة بينها وبين آية فُصلت؛ لأنَّه - تعالى - خلق الأرض غير مدحوة، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض. وقول أبي عبيدة: إنَّها بمعنى: "قَبْلَ" منكرٌ عند العلماء. والعرب تقول: دحوتُ الشيء ادحوهُ دحْواً: إذا بسطه، ودحَى يَدحِي دَحْياً: إذا بسطه، فهو من ذوات الواو والياء، فيكتب بالألف، والياء. وقيل لعشّ النَّعامة: أدحو، وأدحى لانبساطه في الأرض. وقال أمية بن أبي الصلت: [الوافر] شعر : 5102- وبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحاهَا فَهُمْ قُطَّانُهَا حتَّى التَّنَادِي تفسير : وقيل: دَحَى بمعنى سوَّى. قال زيدُ بنُ عمرو بن نفيلٍ: [المتقارب] شعر : 5103- وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَنْ أسْلمَتْ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْراً ثِقَالاً تفسير : دَحَاهَا فلمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا بأيدٍ وأرْسَى عَلَيْهَا الجِبَالا والعامة: على نصب الأرض، والجبال على إضمار فعلٍ مفسَّر بما بعده، وهو المختار لتقدُّم جملة فعلية. ورفعهما الحسن، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة وأبو السمال وعمرو بن عبيد، برفعهما علىالابتداء، وعيسى برفع "الأرض" فقط. فصل روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: خلق الله تعالى الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان، وكان قبل أن يخلق الدُّنيا بألفي عام، ثم دُحيتِ الأرض من تحت البيت. وحكى القرطبي عن بعض أهل العلم أنَّ "بَعْدَ" هنا في موضع: "مع"، كأنَّه قال: والأرض مع ذلك دحاها، كقوله تعالى: {أية : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} تفسير : [القلم: 13]، ومنه قولهم: "أنت أحمق، وأنت بعد هذا سيِّئُ الخلقِ"؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 5104 - فَقُلت لَهَا: عَنِّي إليْك فإنَّنِي حَرامٌ, وإنِّي بَعْدَ ذَاكَ لَبِيبُ تفسير : أي: مع ذلك. وقيل: "بعد" بمعنى: "قبل", كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [الأنبياء: 105] أي: من قبلِ الفرقان؛ قال أبو كثير: [الطويل] شعر : 5105- حَمدْتُ إلَهِي بَعْدَ عُرْوةَ إذْ نَجَا خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أهونُ مِنَ بعضِ تفسير : وزعموا أن خِراشاً نجا قبل عروة. وقيل: "دَحاهَا" حرثها وشقَّها، قاله ابن زيد. وقيل: "دَحاهَا" مهَّدها للأقوات، والمعنى متقارب. قوله: {أَخْرَجَ}. فيه وجهان: أحدهما: أن يكون تفسيراً. والثاني: أن يكون حالاً. قال الزمخشري: فإن قلت هلاَّ أدخل حرف العطف على "أخرج"؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون "دَحَاهَا" بمعنى: بسطها، ومهَّدها للسُّكْنَى، ثم فسَّر التَّمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المأكلِ والمشربِ وإمكان القرار عليها. والثاني: أن يكون "أخْرَج" حالاً، بإضمار "قد"، كقوله تعالى: {أية : أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} تفسير : [النساء: 90]. واعلم أنَّ إضمار "قد" هو قول الجمهور، وخالف الكوفيون والأخفش. قوله: {مِنْهَا مَآءَهَا}، أي: من الأرض عيونها المتفجِّرة بالماء. و "مَرْعَاهَا" أي: النبات الذي يرعى، والمراد بمرعاها، ما يأكل النَّاسُ والأنعامُ، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً} تفسير : [عبس: 25، 26]، إلى قوله تعالى: {أية : مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [عبس: 32]، واستعير الرَّعي للإنسان، كما استعير الرَّتعُ في قوله: {أية : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} تفسير : [يوسف: 12], وقد قُرئ "نرتع" ويرتع من الرَّعي، والرعي في الأصل مكان أو زمان، أو مصدر، وهو هنا مصدر بمعنى: "المفعول"، وهو في حق الآدميين استعارة. قال ابن قتيبة: قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} تفسير : [الأنبياء: 30]، فانظر كيف دلَّ بقوله: "مَاءهَا ومَرْعاهَا" على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً، ومنها متاعاً للأنام من العشب، والشجر، والثمر، والحب والقضب، واللباس، والدواء، حتى النار والملح. أمَّا النار؛ فلأنها من العيدانِ، قال جلا وعلا: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} تفسير : [الواقعة: 71، 72]. وأمَّا الملحُ؛ فلأنَّه من الماءِ. قوله تعالى: {وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا}. قراءة العامة: بنصب "الجبال". وأرْسَى: ثبَّت فيها الجبال. وقرأ الحسنُ، وعمرو بنُ عبيدٍ، وعمرو بنُ ميمونٍ، ونصرُ بنُ عاصمٍ: بالرَّفعِ على الابتداءِ. قوله تعالى: {مَتَاعاً لَّكُمْ}. العامَّة: على النصب مفعولاً له، أو مصدراً لعاملٍ مقدرٍ، اي: متَّعكُمْ، أو مصدراً من غير اللفظ؛ لأن المعنى: أخرج منها ماءها ومرعاها أمتع بذلك. وقيل: نُصِبَ بإسقاط حرف الصفة، تقديره: لتتمتعوا به متاعاً، والمعنى منفعة لكم ولأنعامكم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏رفع سمكها‏} ‏ قال‏:‏ بناها ‏ {‏وأغطش ليلها‏} ‏ قال‏:‏ أظلم ليلها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏رفع سمكها‏} ‏ قال‏:‏ رفع بنيانها بغير عمد ‏ {‏وأغطش ليلها‏} ‏ قال‏:‏ أظلم ليلها ‏{‏وأخرج ضحاها‏} ‏ قال‏:‏ ابرزه ‏ {‏والأرض بعد ذلك دحاها‏} ‏ قال‏:‏ بسطها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏رفع سمكها‏} ‏ قال‏:‏ رفع بنيانها ‏ {‏وأغطش ليلها‏} ‏ قال‏:‏ أظلم ليلها ‏ {‏وأخرج ضحاها‏} ‏ قال‏:‏ نور ضوئها ‏{‏والأرض بعد ذلك دحاها‏}‏ قال‏:‏ بسطها ‏ {‏والجبال أرساها‏} ‏ قال‏:‏ أثبتها بها أن تميد بأهلها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏وأغطش ليلها‏} ‏ قال‏:‏ العشاء ‏ {‏وأخرج ضحاها‏} ‏ قال‏:‏ الشمس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏وأغطش ليلها‏} ‏ قال‏:‏ أظلم ليلها ‏ {‏وأخرج ضحاها‏}‏ قال‏:‏ أخرج نهارها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏والأرض بعد ذلك دحاها‏} ‏ قال‏:‏ مع ذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلاً قال له‏:‏ آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى فقال‏:‏ إنما أتيت من قبل رأيك اقرأ ‏{أية : ‏قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين‏}‏ تفسير : [فصلت: 9‏]‏ حتى بلغ ‏{أية : ‏ثم استوى إلى السماء وهي دخان‏}‏ تفسير : ‏[فصّلت: 41‏]‏ وقوله‏:‏ {‏والأرض بعد ذلك دحاها‏} ‏ قال‏:‏ خلق الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحا الأرض بعد ما خلق السماء، وإنما قوله‏:‏ دحاها بسطها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي ‏ {‏والأرض بعد ذلك دحاها‏}‏ قال‏:‏ دحيت من مكة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏أخرج منها ماءها‏}‏ قال‏:‏ فجر منها الأنهار ‏ {‏ومرعاها‏} قال‏:‏ ما خلق الله من نبات أو شيء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ‏ {‏دحاها‏}‏ قال‏:‏ دحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام وما بينهما في يومين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏متاعاً لكم‏} ‏ قال‏:‏ منفعة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ بلغني أن الأرض دحيت دحياً من تحت الكعبة‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عليّ قال‏: ‏حديث : ‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما قضى صلاته رفع رأسه فقال‏:‏ "‏تبارك رافعها ومدبرها" ثم رمى ببصره إلى الأرض فقال‏:‏ "تبارك داحيها وخالقها" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا جاءت الطامة الكبرى‏}‏ قال‏:‏ الطامة من أسماء يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن القاسم بن الوليد الهمذاني في قوله‏:‏ ‏{‏فإذا جاءت الطامة الكبرى‏}‏ قال‏:‏ إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمرو بن قيس الكندي ‏ {‏فإذا جاءت الطامة الكبرى‏} ‏ قال‏:‏ إذا قيل اذهبوا به إلى النار‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏وبرزت الجحيم لمن يرى‏} ‏ قال‏:‏ لمن ينظر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فإذا جاءت الطامة‏} ‏ قال‏:‏ إذا دفعوا إلى مالك خازن النار وفي قوله‏:‏ ‏ {‏فأما من طغى‏} ‏ قال‏:‏ عصى، وفي قوله‏:‏ {‏يسألونك عن الساعة أيان مرساها‏} ‏ قال‏:‏ حينها ‏{‏فيم أنت من ذكراها‏} ‏ قال‏:‏ الساعة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت {‏فيم أنت من ذكراها‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال‏:‏ إن مشركي أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ متى تقوم الساعة استهزاء منهم، فنزلت ‏ {‏يسألونك عن الساعة أيان مرساها‏} ‏ يعني متى مجيئها ‏ {‏فيم أنت من ذكراها‏} ‏ ما أنت من علمها يا محمد ‏ {‏إلى ربك منتهاها‏} ‏ يعني منتهى علمها ‏ {‏إنما أنت منذر من يخشاها‏} ‏ يعني من يخشى القيامة ‏ {‏كأنهم يوم يرونها‏} ‏ يعني يرون القيامة ‏ {‏لم يلبثوا‏} ‏ في الدنيا ولم ينعموا بشيء من نعيمها {‏إلا عشية‏}‏ ما بين الظهر إلى غروب الشمس ‏{‏أو ضحاها‏}‏ ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار‏. وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل عليه ‏{‏فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها‏}‏ فلم يسأل عنها‏.‏ وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عروة مرسلاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت ‏{‏فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها‏}‏ فكف عنها‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏حديث : كانت الأعراب إذا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة فينظر إلى أحدث إنسان فيهم فيقول‏:‏ إن يعش هذا قرناً قامت عليكم ساعتكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إنما يدخل الجنة من يرجوها، وإنما يجتنب النار من يخشاها، وإنما يرحم الله من يرحم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير في قوله‏:‏ ‏ {‏إلى ربك منتهاها‏} ‏ قال‏:‏ علمها، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏إلا عشية‏}‏ قال‏:‏ من الدنيا ‏ {‏أو ضحاها‏}‏ قال‏:‏ العشية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏كأنهم يوم يرونها‏} ‏ الآية قال‏:‏ تدق الدنيا في أنفس القوم حين عاينوا أمر الآخرة‏.‏

اسماعيل حقي

تفسير : {ءانتم اشد خلقا} خطاب لاهل مكة المنكرين للبعث بناء على صعوبته فى زعمهم بطريق التوبيخ والتبكيت بعدما بين كمال سهولته بالنسبة الى قدرة الله تعالى بقوله تعالى {أية : فانما هى زجرة واحدة}تفسير : فالشدة هنا بمعنى الصعوبة لا بمعنى الصلابة لانها لا تلائم المقام اى أخلقكم بعد موتكم اشق واصعب فى تقديركم وزعمكم والا فكلا الامرين بالنسبة الى قدرة الله واحدة {ام السماء} ام خلق السماء بلا مادة على عظمها وقوة تأليفها وانطوائها على البدائع التى تحار العقول فى ملاحة ادناها وهو استفهام تقرير ليقروا بأن خلق السماء اصعب فيلزمهم بأن يقول لهم ايها السفهاء من قدر على الصعب الاعسر كيف لا يقدر على اعادتكم وحشركم وهى اسهل وايسر فخلقكم على وجه الاعادة اولى ان يكون مقدور الله فكيف تنكرون ذلك قوله ءانتم مبتدأ واشد خبره وخلقا تمييز والسماء عطف على أنتم وحذف خبره لدلالة خبر أنتم عليه اى ام السماء اشد خلقا {بناها} الله تعالى وهو استئناف وتفصيل لكيفية خلقها المستفاد من قوله ام السماء فيتم الكلام حينئذ عند قوله ام السماء ويبتدأ من قوله بناها وام متصلة واستعمل البناء فى موضع السقف فان السماء سقف مرفوع والبناء انما يستعمل فى اسافل البناء لا فى الاعالى للاشارة الى انه وان كان سقفا لكنه فى البعد عن الاختلال والانحلال كالبناء فان البناء ابعد عن تطرق الاختلال اليه بالنسبة الى السقف.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: مخاطباً أهلَ مكة، المنكرين للبعث, بناء على صعوبته في زعمهم، وتوبيخاً وتبكيتاً، بعدما بيّن سهولته على قدرته بقوله: {فَإِنَّمَا هِي زَجْرَةٌ وَاحدَةٌ} {أأنتم أشدُّ خَلْقاً} أي: أَخَلْقُكم بعد موتكم أشق وأصعب في تقديركم {أم السماءُ} أي: أم خلق السماء على عِظمها وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقول عن ملاحظة أدناها، وهذا كقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى } تفسير : [يَس:81]. ثم بيَّن كيفية خلقها فقال: {بناها} أي: الله، وفي عدم ذكر الفاعل، فيه وفيما عطف عليه، من التنبيه على تعينه وتفخيم شأنه عزّ وجل ما لا يخفى. {رَفَعَ سَمْكَها} أي: أعلى سقفها من الأرض، وذهب بها إلى سمت العلوّ مدًّا رفيعاً مسيرة خمسمائة عام {فسوّاها} أي: فعدّلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور، أو: تممها بما جعل فيها من الكواكب والدراري، وغيرها مما لا يعلمه إلاَّ الخلاَّق العليم، من قولهم: سوَّى فلان أمره: إذا أصلحه. {وأغْطشَ ليلها} أي: أظلمه، ويُقال: غطش الليل وأغطشه الله، كما يُقال: ظلُم وأظلمه الله. {وأخرج ضحاها} أي: أبرز نهارها، عبّر عنه بالضُحى، لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان. ويجوز أن يكون أضاف الضحى إليها بواسطة الشمس، أي: أبرز ضوء شمسها. والتعبير بالضُحى لأنه وقت قيام سلطانها وكما إشراقها. {والأرضَ بعد ذلك دحاها} أي: بسطها ومهّدها لسكْنى أهلها وتقلُّبهم في أقطارها، وكانت حين خُلقت كورة غير مدحوةٍ، فدحيت من تحت مكة بعد خلق السماء بألفي عام. ثم فسّر الدحو فقال: {أخرج منها ماءها} بتفجير عيونها وإجراء أنهارها، {ومرعاها}؛ كلأها، وهو ما ترعاه البهائم، وهو في الأصل: موضع الرعي، أو: مصدر ميمي بمعنى المفعول، وتجريد الجملة من العاطف إِمّا لأنها تفسير لدحاها، أو تكملة له، فإنَّ السكنى لا تتأتى لمجرد البسط، بل لا بد من تهيئة أمر المعاش من المأكل والمشرب حتماً، أو: لأنها حال بإضمار "قد" عند الجمهور، أو بدونه عند الكوفيين. {والجبالَ أرساها} أي: أثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها، وإرساء الجبال لها من باب الحكمة، وإلاَّ فالقدرة هي الحاملة للكل. وانتصاب الأرض والجبال بفعل يُفسره ما بعده. ولعل تقديم إخراج الماء والمرعى ذكراً مع تقديم الإرساء عليه وجوداً؛ لإبراز كمال الاعتناء بأمر المأكل والمشرب. وهذا كما ترى يدل بظاهره على تأخر دحو الأرض عن خلق السماء وما فيها، كما يروى عن الحسن: من أنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس، كهيئة الفِهْر، عليه دخان ملزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفِهْرَ في موضعها وبسط منها الأرض، وذلك قوله تعالى: {أية : كَانَتَا رَتْقاً...}تفسير : [الأنبياء:30]. وفي القاموس: الفِهْرُ بالكسر: الحَجَرُ قَدْرَ ما يدق به الجَوْزُ، أو ما يملأ الكفَّ. هـ. والتحقيق في المسألة: أنَّ أول ما خلق اللهُ العرش من القبضة النورانية المحمدية، ثم خلق ياقوتة صفراء، فذابت من هيبته تعالى فصارت ماء، ثم اضطرب الماء فعلته زبدة، فخلق منها الأرض، ثم علا منه دخان فخلق منه السماء، ثم دحا الأرض وهيّأ فيها أقواتها للناس والأنعام وغيرهما، كما قال تعالى: {متاعاً لكم ولأنعامكم} أي: فجعل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم، فهو مفعول لأجله؛ لأنَّ فائدة البسط والتمهيد وإخراج الماء والمرعى واصلة للإنسان والأنعام، أو: مصدر من غير لفظه، فإنَّ قوله تعالى: {أخرج منها ماءها ومرعاها} في معنى: متّعكم بذلك. {فإذا جاءت الطامةُ الكبرى} أي: الداهية العُظمى التي تطمّ على سائر الدواهي، أي: تعلوها وتغلبها، من قولك: طمّ الأمر: إذا علا وغلب، وهي القيامة، أو النفخة الثانية، أو: الساعة التي يُساق فيها الخلائق إلى محشرهم, أو: التي يُساق فيها أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، {يوم يتذكَّرُ الإِنسانُ ما سعَى} أي: يتذكر فيه كل واحد ما عمله من خير وشر، بأن يُشاهده مدوناً في صحيفته، وقد كان نسيه مِن فرط الغفلة، وطول الأمل، كقوله تعالى: {أية : أحْصَـٰهُ ٱللهُ وَنَسُوهُ }تفسير : [المجادلة:6]. و"يوم": بدل من "إذا" والأحسن: أنه مفعول بفعل محذوف، أي: أعني. {وبُرّزَت الجحيمُ} أي: أظهرت إظهاراً بيناً لا يخفى على أحد {لمن يرى} كائناً مَن كان، فلا تتوقف رؤيتها إلاّ على وجود حاسة البصر، ولا مانع من الرؤية ولا حاجب. يُروى أنه يُكشف عنها فتلتظي نيرانها كل ذي بصر. {فأمَّا مَن طَغَى} أي: جاوز الحدّ في العصيان {وآثر الحياةَ الدنيا} الفانية، فانهمك فيما متع به فيها، ولم يستعد للحياة الآخرة الأبدية بالإيمان والطاعة، {فإِنَّ الجحيم} التي ذكر شأنها {هي المأوى} أي: مأواه. فاللام سادّة مسد الإضافة للعلم بأنَّ صاحب المأوى هو الطاغي، وجملة "فأمّا": جواب "إذا" على طريقة: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّى هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ...}تفسير : [البقرة:38]، وقيل: جواب "إذا" محذوف، وهي تفصيل له، أي: إذا جاءت انقسم الناس على قسمين، فأمّا مَن طغى.. الخ، والذي يستدعيه فخامة التنزُّل، ويقتضيه مقام التهويل؛ أنَّ الجواب المحذوف تقديره: يكون من عظائم الشؤون ما لم تُشاهده العيون، ثم فصَّل أحوال الناس بقوله: فأمّا.. الخ. {وأمّا مَن خاف مَقامَ ربه} أي: مُقامه بين يدي مالك أمره يوم الطامة الكبرى، يوم يتذكر الإنسانُ ما سعى. {ونهى النفسَ عن الهوى} المُرْدِيِّ، أي: زجرها عن اتّباع الشهوات الفانية، ولم يعتد بمتاع الحياة الدنيا وزهرتها، ولم يغتر بزخارفها وزينتها، علماً منه بوَخَامة عاقبتها، وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فيتذكّر مقامه للحساب فيتركها. والهوى: ميل النفس إلى ما تهوى من غير تقييد بالشريعة، {فإِنَّ الجنة هي المأوى} له لا لغيره، وسيأتي تحقيقه في الإشارة. الإشارة: فإذا جاءت الطامة، وهو التجلَّي الجلالي الذي لايعرفه فيه إلاّ الرجال، يومئذ يتذكر الإنسان ما سعى فيه من علم التوحيد، فمَن كان عارفاً بالله في جميع الأشياء عرفه في جميع التجليات، كيفما تلوّنت، ومَن كان قاصراً في المعرفة في البعض وأنكره في البعض، كما في حديث القيامة، حيث يتجلّى لبعض عباده في صورة لا يعرفونها، فيُنكرونه، ويقولون، هذا موضعنا حتى يأتينا ربنا، ثم يتجلّى لهم في صورة يعرفونها، فيُقرونه، وهذا لقصورهم في المعرفة، ولو عرفوا الله في جميع تجلياته ما أنكروه في شيء منها، وبُرّزت الجحيم لمَن يرى، أي: وبُرّزت حينئذ نار القطيعة لمَن يرى. قال القشيري: أي: ظهرت جحيم الحجاب لمَن يراه غيرَ الأشياء، فإنه عين الأشياء في جميع التجليات، الجمالية والجلالية، العلوية والسفلية، الصورية والمعنوية. هـ. فأمَّا مَن طغى وتبع هواه، وآثر الحياة الدنيا، والاشتغال بها عن الإقبال على الله، فإنَّ الجحيم هي المأوى، أي: جحيم الحرمان عن مشاهدة الرحمن، وأمّا مَن خاف مقام ربه، أي: قيام ربه بالأشياء، أو على الأشياء، واطلاعه عليها، أو قيامه بين يدي الله غداً للحساب، فالأول لأهل المشاهدة، والثاني لأهل المراقبة، والثالث لأهل المحاسبة، ونهى النفسَ عن الهوى، عن كل ما يشغل عن الله، ويُقسي القلبَ عن ذكر مولاه، مما تهواه النفوس، فإنّ الجنة هي المأوى، جنة المعارف لمَن ترك ما تهوى نفسُه من المباحات، وجنة الزخارف لمَن ترك ما تهواه من المحرّمات. قال الورتجبي: خاطب تعالى العبادَ بهذه الآية في أوائل مقاماتهم، حين وجب عليهم ترك النفوس، وشرَه هواها، والميل إلى حظوظها، لأنهم في وقت قصودهم إلى الله لا يجوز لهم الرخص والرفاهية، فقد وجب عليهم الإعراض عن حظوظ أنفسهم، خوفاً من الاحتجاب عن الوصول إلى الله تعالى، ولعلمهم بأنه محيط بحركات شهوات نفوسهم الخفية، حين تميل بخفاياها إلى مرادها دون الله، فإذا جادوها وقهروها بتأييد الله أوصلهم الله مقامَ مشاهدته، وهي جنة العارفين، فإذا ترقُّوا إلى درجات المعرفة لم يحتاجوا إلى قهر النفس عن الهوى، فإنّ نفوسهم وأجسامهم وشياطينهم صارت روحانية، فجانست الأرواح الملكوتية، فشهوات نفوسهم هناك من تواثير حلاوة أرواحهم في مشاهدة الحق، فتشتهي الأنفسُ ما تشتهي الأرواحُ في الغيوب والعقول والقلوب، فيضطرهم هناك إلى كل شيء يكون للنفوس والأرواح، جنات تظهر فيها أنوار شهود الحق، وأين الكافر والمعطِّل والمدّعِي من هذا المقام؟ وهم خلقوا من الجهالة، فيموتون في الضلالة، وأصحاب القلوب والمعارف عيش أرواحهم عيش الربانيين، وعيش نفوسهم عيش الجنّانيين ـ أي أهل الجنة الحسية ـ والله قادر بذلك يختص برحمته مَن يشاء، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أسلم شيطاني "تفسير : . وقال: " حديث : نحن معاشر الأنبياء أجسادنا روح "تفسير : ثم قال عن سهل: لا يَسلم من الهوى إلاَّ الأنبياء وبعض الصدّيقين، ليس كلهم، وإنما يسلم من الهوى مَن ألزم نفسه الأدب. هـ. قلت: الذي يُلزم نفسه الأدب هو الذي ينزل إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، وقليل ما هم. ذم ذكر سؤالهم عن الطامة، فقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا}.

الجنابذي

تفسير : {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} عظماً واتقاناً وادامةً {أَمِ ٱلسَّمَآءُ} يعنى انّ خلقكم ابتداءً اضعف من خلق السّماء وقد خلقكم وخلق السّماء فكيف يكون عاجزاً عن خلقكم ثانياً {بَنَاهَا} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ او حال.

الهواري

تفسير : قوله: {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا} بغير عمد {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام. قال عز وجل: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} أي: وأظلم ليلها {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أي: شمسها ونورها. قال: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ} أي: بسطها [بعد خلق السماوات والأرض. قال بعضهم: وكان بدء الخلق، فيما بلغنا أنها كانت طينة في موضع بيت المقدس ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض] فقال لها اذهبي أنت كذا واذهبي أنت كذا. ومن مكة بسطت الأرض، ثم جعل فيها جبالها وأنهارها وأشجارها. قال عز وجل: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} أي: أثبتها وجعلها أوتاداً للأرض. قال الحسن: لما خلق الله الأرض جعلت تميد، وقد فسرنا حديثه في غير هذا الموضع بأجمعه. قال عز وجل: {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأََنْعَامِكُمْ} أي: تستمتعون به إلى الموت. وهذا تبع للكلام الأول: أخرج منها ماءها ومرعاها [للإمتاع لكم]. قال عز وجل: {فَإِذَا جَآءَتِ الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى} أي: النفخة الآخرة {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى} أي: ما عمل، يوم يحاسب الله الناس بأعمالهم. {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى}. قال تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى} أي: كفر {وَءَاثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: لم يؤمن بالآخرة لقولهم: (أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) تفسير : [المؤمنون: 37]. قال عز وجل: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى} أي المنزل، أي منزله. {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي: موقفه بين يدي الله. ذكروا عن مجاهد في قوله عز وجل: (أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) تفسير : [الرحمن:46] قال: من أراد ذنباً فذكر الله أنه قائم عليه فتركه. فقال ها هنا: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} أي: منزله.

اطفيش

تفسير : {أَأَنْتُمْ} بإبدال الهمزة الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه وبتحقيق الهمزتين *{أَشَدُّ} أصعب *{خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} عطف على أنتم لا على المستتر في أشد ولو وجد الفعل لأن اسم التفضيل لا يرفع ظاهرا إلا إن كان هذا مما يغتفر في ثانيه ما لا يغتفر في أوله أو كان هذا على اللغة القليلة من رفع اسم التفضيل الضاهر ولو في عبر مسألة الكحل ولا صعوبة في شيء من ذلك على الله والكل سهل لكنه جرى على ما يظهر في بادي الرأي من كون السماء أشد ويجوز كون السماء مبتدأ محذوف الخبر أي أشد فتكون أم منقطعة بمعنى بل أو متصلة واستأنف أمر السماء بقوله *{بَنَاهَا} وفسر البناء بقوله *{رَفَعَ سَمْكَهَا} أي جعل سمكها في جهة العلو رفيعا وقيل السمك السقف وقيل رفع سمكها بمعنى أوقفها بغير عمد. *{فَسَوَّاهَا} عدلها وجعلها مستوية ملساء لا تفاوت ولا فطور وتممها بما يتم به أمرها من كواكب وتدوير وغير ذلك كقولهم سوى فلان أمره إذا أصلحه.

اطفيش

تفسير : {أأنْتُمْ أشَدُ خَلْقاً} أيها المقسم عليك بالنازعات لتبعثن. {أمِ السَّمَاءُ} عطف على أنتم مقدم فى التقدير على أشد لا بد أن يقولوا السماء أشد لعظم وسعها وغلظها وانطوائها على بدائع لا يدركها العقل قدر على خلقها فكيف لا يقدر على بعثكم وقد كنتم من قبل ولا يصعب عليه تعالى شئ وفصل خلقها بقوله. {بَنَاهَا} إِلى ضحاها وأضمر فى بنى ورفع وسوى وأغطش وأخرج تعظيماً له بأَنه معلوم بهذه الأَفعال لا يشارك فيها ولا يتوهم غيره.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {ءأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } خطاب للمخاطبين في جواب القسم أعني لتبعثن من أهل مكة المنكرين للبعث بناء على صعوبته في زعمهم بطريق التوبيخ والتبكيت بعدما بين كمال سهولته بالنسبة إلى قدرة الله تعالى بقوله سبحانه:{ أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ}تفسير : [النازعات: 13] ونصب (خلقاً) على التمييز وهو محول عن المبتدا أي أخلقكم بعد موتكم أشد أي أشق وأصعب في تقديركم؟ {أَمِ ٱلسَّمَاء } أي أم خلق السماء على عظمها وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقول عن ملاحظة أدناها. وقوله تعالى: {بَنَـٰهَا } الخ بيان وتفصيل لكيفية خلقها المستفاد من قول تعالى {أَمِ ٱلسَّمَاء} وفي عدم ذكر الفاعل فيه وفيما عطف [عليه] من الأفعال من التنبيه على تعيينه وتفخيم شأنه عز وجل ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الاعتبار بأمثالهم من الأمم الذي هو تخويف وتهديد على تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إبطال شبهتهم على نفي البعث وهي قوله: { أية : أإنا لمردودون في الحافرة } تفسير : [النازعات: 10] وما أعقبوه به من التهكم المبني على توهم إحالة البعث. وإذ قد فرضوا استحالة عود الحياة إلى الأجسام البالية إذ مثلوها بأجساد أنفسهم إذ قالوا: { أية : أإنَّا لمردودون } تفسير : [النازعات: 10] جاء إبطال شبهتهم بقياس خلق أجسادهم على خلق السماوات والأرض فقيل لهم: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء}، فلذلك قيل لهم هنا أأنتم بضميرهم ولم يقل: آالإِنسان أشدّ خلقاً، وما هم إلا من الإِنسان، فالخطاب موجه إلى المشركين الذين عبر عنهم آنفاً بضمائر الغيبة من قوله: { أية : يقولون } تفسير : [النازعات: 10] إلى قوله: { أية : فإذا هم بالساهرة } تفسير : [النازعات: 14]، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب. فالجملة مستأنفة لقصد الجواب عن شبهتهم لأن حكاية شبهتهم بــــ {يقولون أإنا} إلى آخره، تقتضي ترقب جواب عن ذلك القول كما تقدم الإِيماء إليه عند قوله: { أية : يقولون أَإنَّا لمردودون } تفسير : [النازعات: 10]. والاستفهام تقريري، والمقصود من التقرير إلجاؤهم إلى الإِقرار بأنّ خلق السماء أعظم من خلقهم، أي مِن خلق نوعهم وهو نوع الإِنسان وهم يعلمون أن الله هو خالق السماء فلا جرم أن الذي قدر على خلق السماء قادر على خلق الإِنسان مرة ثانية، فينتج ذلك أن إعادة خلق الأجساد بعد فنائها مقدورة لله تعالى لأنه قدَر على ما هو أعظم من ذلك قال تعالى: { أية : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون } تفسير : [غافر: 57]، ذلك أن نظرهم العقلي غيَّمت عليه العادة فجعلوا ما لم يألفوه مُحالاً، ولم يلتفتوا إلى إمكان ما هو أعظم مما أحالوه بالضرورة. و{أشد}: اسم تفضيل، والمفضل عليه محذوف يدل عليه قوله {أم السماء}. ومعنى {أشد} أصعب، و{خلقاً} مصدر منتصب على التمييز لنسبة الأشدّية إليهم، أي أشد من جهة خلق الله إياكم أشد أم خلقه السماء، فالتمييز مُحوّل عن المبتدأ. و{السماء} يجوز أن يراد به الجنس وتعريفه تعريف الجنس، أي السماوات وهي محجوبة عن مشاهدة الناس فيكون الاستفهام التقريري مبنياً على ما هو مشتهر بين الناس من عظمة السماوات تنزيلاً للمعقول منزل المحسوس. ويجوز أن يراد به سماء معينة وهي المسماة بالسماء الدنيا التي تلوح فيها أضواء النجوم فتعريفه تعريف العهد، وهي الكرة الفضائية المحيطة بالأرض ويَبدو فيها ضوء النهار وظلمةُ الليل، فيكون الاستفهام التقريري مبنياً على ما هو مشاهد لهم. وهذا أنسب بقوله: {وأغطَشَ ليلَها وأخرج ضحاها} لعدم احتياجه إلى التأويل. وجملة {بناها} يجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان شدة خلق السماء، ويجوز أن تكون بدل اشتمال في قوله: {أم السماء}، لأنه في تقدير: أم السماء أشد خلقاً. وقد جعلت كلمة {بناها} فاصلة فيكون الوقف عندها ولا ضير في ذلك إذ لا لبس في المعنى لأن {بناها} جملة و{أم} المعادلة لا يقع بعدها إلا اسم مفرد. والبناء: جعل بيت أو دار من حجارة، أو آجر أو أدم، أو أثواب من نسيج الشعر، مشدودة شُققه بعضها إلى بعض بغَرز أو خياطة ومقامة على دعائم، فما كان من ذلك بأدم يسمى قُبة وما كان بأثواب يسمى خيمة وخباء. وبناء السماء: خلقها، استعير له فعل البناء لمشابهتها البيوت في الارتفاع. وجملة {رفع سمكها فسواها} مبنية لجملة {بناها} أو بدل اشتمال منها وسلك طريق الإِجمال ثم التفصيل لزيادة التصوير. والسّمْك: بفتح السين وسكون الميم: الرَّفع في الفضاء كما اقتصر عليه الراغب سواء اتصل المرفوع بالأرض أو لم يتصل بها وهو مصدر سَمَكَ. والرَّفع: جعل جسم معتلياً وهو مرادف للسمْك فتعدية فعل {رفع} إلى «السمك» للمبالغة في الرفع، أي رَفَعَ رفْعَهَا أي جَعله رفيعاً، وهو من قبيل قولهم: لَيل ألْيَل، وشِعر شاعر، وظِل ظليل. والتسوية: التعديل وعدم التفاوت، وهي جعل الأشياء سواء، أي متماثلة وأصلها أن تتعلق بأشياء وقد تتعلق باسم شيء واحد على معنى تعديل جهاته ونواحيه ومنه قوله هنا: {فسواها}، أي عَدَّل أجزاءها وذلك بأن أتقن صنعها فلا ترى فيها تفاوتاً. والفاء في {فسواها} للتعقيب. وتسوية السماء حصلت مع حصول سمكها، فالتعقيب فيه مثل التعقيب في قوله: { أية : فنادى فقال أنا ربكم الأعلى } تفسير : [النازعات: 23، 24]. وجملة {وأغطش ليلها} معطوفة على جملة {بناها} وليست معطوفة على {رفع سمكها} لأن إغطاش وإخراج الضحى ليس مما يبين به البناء. والإِغطاش: جعله غاطشاً، أي ظلاماً يقال: غَطَش الليل من باب ضرب، أي أظلم. والمعنى: أنه خَصَّ الليل بالظلمة وجعله ظلاماً، أي جعل ليلها ظلاماً، وهو قريب من قوله: {رفع سمكها} من باب قولهم: ليل ألْيَل. وإخراج الضحى: إبراز نور الضحى، وأصل الإِخراج النقل من مكان حاوٍ واستعير للإِظهار استعارة شائعة. والضحى: بروز ضوء الشمس بعد طلوعها وبعد احمرار شعاعها، فالضحى هو نور الشمس الخالص وسمي به وقته على تقدير مضاف كما في قوله تعالى: { أية : وأن يحشر الناس ضحى } تفسير : [طه: 59] يدل لذلك قوله تعالى: { أية : والشمس وضحاها } تفسير : [الشمس: 1]، أي نورها الواضح. وإنما جعل إظهار النور إخراجاً لأن النور طارىء بعد الظلمة، إذ الظلمة عَدَم وهو أسبق، والنور محتاج إلى السبب الذي ينيره. وإضافة (ليل) و(ضحى) إلى ضمير {السماء} إن كان السماء الدنيا فلأنهما يلوحان للناس في جوّ السماء فيلوح الضحى أشعة منتشرة من السماء صادرة من جهة مطلع الشمس فتقع الأشعة على وجه الأرض ثم إذا انحجبت الشمس بدورة الأرض في اليوم والليلة أخذ الظلام يحلّ محلّ ما يتقلص من شعاع الشمس في الأفق إلى أن يصير ليلاً حالكاً محيطاً بقسم من الكرة الأرضية. وإن كان السماء جنساً للسماوات فإضافة ليل وضحى إلى السماوات لأنهما يلوحان في جهاتها.

الشنقيطي

تفسير : لما كان فرعون على تلك المثابة من الطّغيان والكفر، وكان من أسباب طغيانه الملك والقوّة، كما في قوله تعالى: {أية : وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ}تفسير : [الفجر: 10]، وقوله: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [لقصص: 4]، وقوله عنه: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ}تفسير : [الزخرف: 51]. وهذه كلها مظاهر طغيانه وعوامل قوته، خاطبهم الله بما آل إليه هذا الطغيان، ثم خاطبهم في أنفسهم محذراً من طغيان القوة {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ}، حتى لو ادعيتم أنكم أشد قوة من فرعون، الذي أخذه الله نكال الآخرة والأولى، فهل أنتم أشد خلقاً أم السماء؟ وقد جاء الجواب مصرحاً بأن السماء أشد خلقاً منهم في قوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [غافر: 57]. وبين ضعف الإنسان في قوله في نفس المعنى { أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ}تفسير : [الصافات: 11]. وفي هذا بيان على قدرته تعالى على بعثهم بعد إماتتهم وصيرورتهم عظاماً نخرة. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، شي من ذلك عند آية الصافات { أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ}تفسير : [الصافات: 11]. قوله تعالى: {بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}. تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك. في سورة قۤ عند قوله تعالىٰ: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا}تفسير : [قۤ: 6].

الواحدي

تفسير : {أأنتم} أيُّها المنكرون للبعث {أشدُّ خلقاً أم السماء بناها}. {رفع سمكها} سقفها {فسوَّاها} بلا شقوقٍ ولا فطورٍ. {وأغطش} أَظلم {ليلها وأخرج ضحاها} أظهر نورها بالشَّمس. {والأرض بعد ذلك دحاها} بسطها، وكانت مخلوقةً غير مدحوَّةٍ. {أخرج منها ماءها ومرعاها} ما ترعاه النَّعم من الشَّجر والعشب. {والجبال أرساها}. {متاعاً} منفعةً {لكم ولأنعامكم}. {فإذا جاءت الطامة الكبرى} يعني: صيحة القيامة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أأنتم أشد خلقا أم السماء؟: أي أشد خلقا. رفع سمكها: أي غلظها وارتفاعها. فسواها: أي جعلها مستوية سطحا واحدا ما فيها نتوء ولا انخفاض. وأغطش ليلها: أي أظلمه جعله مظلما. وأخرج ضحاها: أي ضوءها ونهارها. والأرض بعد ذلك دحاها: أي بعد أن خلق الأرض خلق السماء ثم دحا الأرض أي بسطها وأخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها: أي أثبتها على سطح الأرض لتثبت ولا تميد بأهلها. متاعا لكم ولأنعامكم: أي اخرج من الأرض ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم وهي المواشي من الحيوان. معنى الآيات: قوله تعالى {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} الآيات.. سيقت هذه الآيات الكريمة لتقرير عقيدة البعث والجزاء بايراد أكبر دليل عقلي لا يرده العاقل أبدا وهو أن السماء في خلقها وما خلق الله فيها، وأن الأرض في خلقها وما خلق الله فيها أشد خلقا وأقوى وأعظم من خلق الإِنسان بعد موته فالبشرية كلها لا يساوي حجمها حجم كوكب واحد من كواكب السماء ولا سلسلة واحدة من سلاسل الجبال في الأرض فضلا عن السماء والأرض. إذاً فالذي قدر على خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها قادر قطعا ومن باب أولى على خلق الإِنسان مرة أخرى وقد خلقه أولاً فإِعادة خلقه بإِحيائه بعد موته أيسر وأسهل وأمكن من خلقه أولاً على غير مثال سبق، ولا صورة تقدمت، ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنهم لا يفكرون وهذا عرض الآيات قوله تعالى {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} أيها المنكرون للبعث المكذبون به {أَمِ ٱلسَّمَآءُ} والجواب الذي لا شك فيه هو أن السماء أشد خلقاً منهم وبيان ذلك فيما يلي: 1) بناها فهي سقف للأرض مرفوعة فوقها مسوّاة فلا انفطار فيها ولا ارتفاع لبعض وانخفاضاً لبعض آخر بل هي كالزجاجة في سمتها واعتدالها في خلقها. 2) رفع سمكها فإِن غلظها مقدر بمسيرة خمسمائة عام. 3) أغطش ليلها فجعله مظلما. 4) وأخرج ضحاها فجعل نهارها مضيئا. هذه هي السماء. والأرض بعد ذلك أي بعد أن خلقها أولا وقبل السماء عاد إليها فدحاها بأن بسطها للأنام وأخرج منها ماءها ففجر فيها عيونها وأخرج منها مرعى وهو ما يرعى من سائر الحبوب والثمار والنبات والأشجار منفعة للإِنسان ولحيوانه المفتقر إليه في ركوبه وطعامه وشرابه وما ذكر تعالى من مظاهر القدرة والعلم والحكمة والرحمة في الأرض لا يقل عما ذكر في السماء إن لم يكن أعظم فكيف إذاً ينكر الإِنسان على ربّه أن يعيده حيّاً بعد إماتته له ليحاسبه وليجزيه إنه بدل أن ينكر يجب عليه أن يشكر، ولكن الإِنسان ظلوم كفار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- بيان إفضال الله تعالى على الإِنسان وإنعامه عليه. 3- مشروعية الاستدلال بالكبير على الصغير وبالكثير على القليل وهو مما يعلم بداهة وبالضرورة إلا أن الغفلة أكبر صارف وأقوى حايل فلا بد من إزالتها أولا.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَأَنتُمْ} {بَنَاهَا} (27) - وَيَقُولُ تَعَالَى لِمَنْ يُنَاصِبُونَ النَّبِيَّ العِدَاءَ، وَيُنْكِرُونَ البَعْثَ والنُّشُورَ: إِنَّكُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِكُمْ، وَأَنَّ إِبْدَاعَهَا وَإِنْشَاءَهَا أَصْعَبُ مِنْ إِبْدَاعِكُمْ وَإِنْشَائِكُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ خَلَقْنَاهَا، وَلَمْ يُعْجِزْنَا أَمْرُ إِبْدَاعِهَا.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ أشار سبحانه إلى توبيخ المنكرين للنشأة الأخرى، وتقريعهم وتسفيههم بمقتضى عقلهم فقال: {ءَأَنتُمْ} أيها المنكرون المفرطون المسرفون {أَشَدُّ} وأصعب {خَلْقاً} وإيجاداً على سبيل الإعادة {أَمِ ٱلسَّمَآءُ} التي هي أرفع الأبنية وأعلاها، وأشدها نظاماً، وأقواها بنياناً؛ إذ هو سبحانه {بَنَاهَا} [النازعات: 27] بقدرته الكاملة. وأحسن بناءها، حيث {رَفَعَ سَمْكَهَا} وسقفها بلا أعمدة وأسانيد واسطوانات {فَسَوَّاهَا} [النازعات: 28] وعدلها بلا قصور وفتور. وبعدما سوَّاها أدارها على الاستدارة، ورتب على حركاتها الجديدين {وَأَغْطَشَ} أي: أظلم {لَيْلَهَا} الحاصل من حركاتها {وَأَخْرَجَ} أبرز وأظهر {ضُحَاهَا} [النازعات: 29] ضوء شمسها في النهار الحاصل من تلك الحركات. {وَ} بعدما رتبها كذلك خلق {ٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ} أي: بعد خلق السماوات وأعجب في خلقها بأن {دَحَاهَا} [النازعات: 30] مهدها وبسطها لمن يسكن عليها ويستقر فيها. وبعد بسطها كذلك {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا} حيث فجر فيها عيوناً، وأجرى أنهاراً {وَ} إن ظهر عليها أيضاً {مَرْعَاهَا} [النازعات: 31] تقويتاً لمن عليها وما عليها. {وَ} رتب {ٱلْجِبَالَ} الطوال الثقال عليها حتى {أَرْسَاهَا} [النازعات: 32] وأثبتها. وإنما مهدها وبسطها، وأنيت عليها وفجر منها؛ لتكون {مَتَاعاً لَّكُمْ} أي: تمتيعاً لكم عليها {وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 33] أيضاً، فإنها من لواحق معائشكم ومتمماتها. وبعدما فضل عليكم سبحانه بأنواع الخيرات والبركات {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} [النازعات: 34] والداهية العظمى التي هي عبارة عن قيام الساعة الموعودة. {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ} [النازعات: 35] حيث يعطى لهم صحائف أعمالهم مفصلة فينظرون فيها، ويتذكرون بها جميع ما صدر عنهم من الأعمال الصالحة والفاسدة فيجازون بمقتضاها. {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ} أي: ظهرت ولاحت {لِمَن يَرَىٰ} [النازعات: 36] أي: لكل من يتأتى منه الرؤية؛ أي: ظهر أمرها، بحيث لا يخفى على أحد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} [النازعات: 27] خطاب مع القوى القالبية {أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} [النازعات: 27]؛ أي: سماء الصدر التي بنيناها فرفعنا سقفها فوق القالب فسويناها بلا خرق وخدش وفرجة كما يقول: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} [النازعات: 28] {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} [النزاعات: 29]؛ أي: أظلم بصفة الجلال ليل القالب وأخرج بصفة الجمال ضحى الروح. {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]؛ يعني: البشرية، {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} [النازعات: 31]؛ أي: من أرض البشرية ماء الحياة، ومراعاها القوى القالبية والنفسية من الخواص الظاهرة، {وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا} [النازعات: 32] القوى المعدنية التي هي في القالب، وأرض البشرية بها مستحكمة غير مزلزلة، {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 33]؛ أي: يستمتع به اللطائف والقوى {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} [النازعات: 34] وهي القيامة النارية القالبية لا تظلم القيامات الترابية والمائية والهوائية القالبية، وهي هذه القيامة ظهور الرادفة. {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ} [النازعات: 35]؛ يعني: يظهر عليه في أرض الساهرة ما تراها في اليوم، ويحسبه أنه من قبيل الخيال فإذا شاهد تذكر ما سعى في عالم الدنيا من خير أو شر، {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ} [النازعات: 36] في تلك الساعة {لِمَن يَرَىٰ} [النازعات: 36] مقام فيها بالعمل الذي عمل في الدنيا فيما يجعل الله جزاءه فيها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينا دليلا واضحا لمنكري البعث ومستبعدي إعادة الله للأجساد: { أَأَنْتُمْ } أيها البشر { أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ } ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر { بَنَاهَا } الله. { رَفَعَ سَمْكَهَا } أي: جرمها وصورتها، { فَسَوَّاهَا } بإحكام وإتقان يحير العقول، ويذهل الألباب، { وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } أي: أظلمه، فعمت الظلمة [جميع] أرجاء السماء، فأظلم وجه الأرض، { وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا } أي: أظهر فيه النور العظيم، حين أتى بالشمس، فامتد الناس في مصالح دينهم ودنياهم. { وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ } أي: بعد خلق السماء { دَحَاهَا } أي: أودع فيها منافعها. وفسر ذلك بقوله: { أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } أي: ثبتها في الأرض. فدحى الأرض بعد خلق السماء، كما هو نص هذه الآيات [الكريمة]. وأما خلق نفس الأرض، فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } إلى أن قال: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين }. فالذي خلق السماوات العظام وما فيها من الأنوار والأجرام، والأرض الكثيفة الغبراء، وما فيها من ضروريات الخلق ومنافعهم، لا بد أن يبعث الخلق المكلفين، فيجازيهم على أعمالهم، فمن أحسن فله الحسنى ومن أساء فلا يلومن إلا نفسه، ولهذا ذكر بعد هذا القيام الجزاء، فقال: { فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ ...}.