Verse. 5746 (AR)

٧٩ - ٱلنَّازِعَات

79 - An-Nazi'at (AR)

فَاِذَا جَاۗءَتِ الطَّاۗمَّۃُ الْكُبْرٰى۝۳۴ۡۖ
Faitha jaati alttammatu alkubra

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإذا جاءت الطامة الكبرى» النفخة الثانية.

34

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع وفي اشتقاقها وجوه، قال المبرد: أخذت فيما أحسب من قولهم: طم الفرس طميماً، إذا استفرغ جهده في الجري، وطم الماء إذا ملأ النهر كله، وقال الليث: الطم طم البئر بالتراب، وهو الكبس، ويقال: طم السيل الركية إذا دفنها حتى يسويها، ويقال للشيء الذي يكبر حتى يعلو قد طم، والطامة الحادثة التي تطم على ما سواها ومن ثم قيل: فوق كل طامة طامة، قال القفال: أصل الطم الدفن والعلو، وكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه، ومنه الماء الطامي وهو الكثير الزائد، والطاغي والعاتي والعادي سواء وهو الخارج عن أمر الله تعالى المتكبر، فالطامة اسم لكل داهية عظيمة ينسى ما قبلها في جنبها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} أي الداهية العظمى، وهي النفخة الثانية، التي يكون معها البعث؛ قاله ٱبن عباس في رواية الضحاك عنه، وهو قول الحسن. وعن ٱبن عباس أيضاً والضحاك: أنها القيامة؛ سميت بذلك لأنها تطِمُّ على كل شيء، فتعم ما سواها لعظم هولها؛ أي تقلبه. وفي أمثالهم: شعر : جرى الوادِي فَطمَّ على القَرِيِّ تفسير : المبرد: الطامّة عند العرب الداهية التي لا تستطاع، وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم: طم الفرس طميماً إذا ٱستفرغ جهده في الجري، وطم الماء إذا ملأ النهر كله. غيره: هي مأخوذة من طمّ السيلُ الرّكِية أي دفنها، والطمّ: الدفن والعلو. وقال القاسم بن الوليد الهمْداني: الطامة الكبرى حين يُساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. وهو معنى قول مجاهد: وقال سفيان: هي الساعة التي يُسْلَم فيها أهل النار إلى الزبانية. أي الداهية التي طَمَّت وعظمت؛ قال: شعر : إن بعض الحبِّ يُعْمِي ويصِمْ وكذاك البغضُ أدْهَى وأَطَمْ تفسير : {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ} أي ما عمل من خير أو شر. {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ} أي ظهرت. {لِمَن يَرَىٰ} قال ٱبن عباس: يكشف عنها فيراها تتلظى كل ذي بصرَ. وقيل: المراد الكافر لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب. وقيل: يراها المؤمن ليعرف قدر النعمة ويصلَى الكافر بالنار. وجواب «فإذا جاءتِ الطامَّةُ» محذوف أي إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة. وقرأ مالك بن دينار: «وَبَرَزَتِ الجحِيمُ». عِكرمة: وغيره: «لمِن ترى» بالتاء، أي لمن تراه الجحيم، أو لمن تراه أنت يا محمد. والخطاب له عليه السلام، والمراد به الناس.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: { فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} وهو يوم القيامة، قاله ابن عباس، سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ} تفسير : [القمر: 46] { يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ مَا سَعَىٰ} أي: حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله؛ خيره وشره؛ كما قال تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} تفسير : [الفجر: 23] { وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ} أي: أظهرت للناظرين، فرآها الناس عياناً { فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} أي: تمرد وعتا { وَءاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} أي: قدمها على أمر دينه وأخراه { فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ} أي: فإن مصيره إلى الجحيم، وإن مطعمه من الزقوم، ومشربه من الحميم { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي: خاف القيام بين يدي الله عز وجل، وخاف حكم الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها، { فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ} أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء. ثم قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَـٰهَآ } أي: ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها إلى الله عز وجل، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين {أية : ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 187] وقال ههنا: { إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَـٰهَآ} ولهذا لما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، قال: «حديث : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.»تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا} أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده، اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله تعالى: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا} أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر، يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم، أو ضحى من يوم، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا} أما عشية، فما بين الظهر إلى غروب الشمس {أَوْ ضُحَـٰهَا} ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار، وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة. آخر تفسير سورة النازعات، و لله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ } النفخة الثانية.

الماوردي

تفسير : {فإذا جاءت الطامّةُ الكُُبْرى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها النفخة الآخرة، قاله الحسن. الثاني: أنها الساعة طمت كل داهية، والساعة أدهى وأمّر، قاله الربيع. الثالث: أنه اسم من أسماء القيامة يسمى الطامة، قاله ابن عباس. الرابع: أنها الطامة الكبرى إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، قاله القاسم بن الوليد، وهو معنى قول مجاهد. وفي معنى " الطامّة" في اللغة ثلاثة وجوه: أحدها: الغاشية. الثاني: الغامرة. الثالث: الهائلة، ذكره ابن عيسى، لأنها تطم على كل شيء أي تغطيه. {وأمّا مَنْ خاف مَقام رَبِّهِ ونَهَى النفْسَ عن الهَوى} فيه وجهان: أحدهما: هو خوفه في الدنيا من الله عند مواقعة الذنب فيقلع، قاله مجاهد. الثاني: هو خوفه في الآخرة من وقوفة بين يدي الله للحساب، قاله الربيع بن أنس، ويكون معنى: خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، قال الكلبي: وزجر النفس عن المعاصي والمحارم. {فإنّ الجنّةَ هي المأوَى} أي المنزل، وذكر أنها نزلت في مصعب بن عمير. {يسألونَكَ عن الساعةِ أيّانَ مُرْساها} قال ابن عباس: متى زمانها، قاله الربيع {فيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها} فيه وجهان: أحدهما: فيم يسألك المشركون يا محمد عنها ولست ممن يعلمها، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: فيم تسأل يا محمد عنها وليس لك السؤال، وهذا معنى قول عروة بن الزبير. {إلى ربِّك مُنْتَهاها} يعني منتهى علم الساعة: فكف النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال وقال: يا أهل مكة إن الله احتجب بخمس لم يُطْلع عيهن مَلَكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً فمن ادعى علمهن فقد كفر: {إن اللَّه عنده علم الساعة...} إلى آخر السورة. {إنّما أنْتَ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {مَنْذِرُ مَنْ يَخْشَاها} يعني القيامة. {كأنّهم يومَ يَرَوْنَها} يعني الكفار يوم يرون الآخرة. {لَمْ يَلْبَثُوا} في الدنيا. {إلاَّ عَشيّةً} وهي ما بعد الزوال. {أو ضُحاها} وهو ما قبل الزوال، لأن الدنيا تصاغرت عندهم وقلّت في أعينهم، كما قال تعالى: {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعةً من نهارٍ}.

ابن عبد السلام

تفسير : {الطَّآمَّةُ} النفخة الآخرة "ح" أو الساعة طمت كل داهية أو اسم للقيامة "ع" أو سوق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار والطامة في اللغة الغاشية أو الغامرة أو الهائلة تطم كل شيء أي تغطيه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} في جواب "إذا" أوجه: أحدها: قوله: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ}، نحو: "إذا جاءك بنو تميمٍ، فأما العاصي فأهنه، وأمَّا الطائع فأكرمه". وقيل: محذوف. فقدَّرهُ الزمخشريُّ: فإن الأمر كذلك، أي: فإنَّ الجحيمَ مأواهُ. وقدَّره غيرهُ: انقسم الرَّاءون قسمين. وقيل: عاينُوا أو علموا. وقيل: جوابها أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة. وقال أبو البقاء: العامل فيها جوابها، وهو معنى قوله تعالى: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ}. والطَّامةُ الكبرى: الدَّاهيَة العُظمَى التي تطمّ على غيرها من الدَّواهي لعظمها، و "الطَّمُّ": "الدفن"، ومنه: طمَّ السَّيلُ الرَّكية، وفي المثل: جَرَى الوادِي فطمَّ على القُرَى. وقيل: مأخوذٌ من قولهم: طمَّ الفرس طميماً، إذا استفرغ جهده في الجري، والمراد بها في القرآن: النَّفخة الثانية؛ لأن بها يحصل ذلك. قال ابن عباس: هي النَّفخةُ الثانية التي يكون معها البعث. وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أيضاً، والضحاك: أنَّها القيامة، سميت بذلك؛ لأنَّها تطمُّ على كل شيء فتغمره. وقال القاسمُ بنُ الوليد الهمداني: الطامةُ الكبرى حين يساق أهل الجنَّة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. قوله: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ} بدل من "إذا"، أو: منصوباًَ بإضمار فعلٍ، أي: أعني: يوم أو يوم يتذكر كيت وكيت. قوله: {مَا سَعَىٰ} أي: ما عمل من خير أو شر يراه مكتوباً في كتابه فيتذكرهُ، وكان قد نسيه، لقوله تعالى: {أية : أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ} تفسير : [المجادلة: 6]. قوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ} العامة على بنائه للمفعول مشدداً، و {لِمَن يَرَىٰ} بياء الغيبة. وزيدُ بن علي وعائشة وعكرمة: مبنيًّا للفاعل مخففاً، و "ترى" بتاء من فوق، فجوزوا في تاء "ترى" أن تكون للتأنيث، وفي "ترى" ضمير الجحيم، كقوله تعالى: {أية : إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [الفرقان: 12]، وأن تكون للخطاب، أي: ترى أنت يا محمد، والمراد: ترى الناس. وقرأ عبد الله: "لمن رأى" فعلاً ماضياً. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "بُرِّزَتْ" كشفت عنها تتلظّى، فيراه كل ذي بصرٍ، فالمؤمنون يمرُّون عليها، {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71]، وأمَّا الكفار فهي مأواهُم. وقيل: الرؤية هنا: استعارة، كقولهم: قد تبين الصبح لذي عينين. وقيل: المراد: الكافر؛ لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب. وقيل: يراها المؤمن ليعرف قدر النَّعمةِ. قوله: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} أي: تجاوز الحدَّ في العصيان. قيل: نزلت في النَّضْرِ وأبيه الحارث، وهي عامة في كل كافرٍ آثر الحياة الدنيا على الآخرة. قوله: {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} إمَّا هي المأوى له، أو هي مأواه، وقامت "أل" مقام الضمير، وهو رأي الكوفيين وقد تقدم تحقيق هذا والرد على قائله، خلافاً للبصريين؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 5106- رَحيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيقَةٌ بِجَسِّ النَّدامَى بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ تفسير : إذ لو كانت "أل" عوضاً من الضمير لما جمع بينهما في هذا البيت، ولا بُدَّ من أحد هذين التأويلين في الآية الكريمة لأجل العائد من الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ، والذي حسَّن عدم ذكر العائد كون الكلمة وقعت رأس فاصلة. وقال الزمخشري "فإن الجحيم مأواهُ، كما تقول للرجل: غُضَّ الطَّرف، تريد طرفك، وليس الألف و "اللام" بدلاً من الإضافة، ولكن لما علم أنَّ الطَّاغي هو صاحب المأوى، وأنَّه لا يغُضُّ طرف غيره تركت الإضافة، ودخول الألف واللام في "المأوى" والطرف، للتعريف؛ لأنهما معروفان". قال أبو حيان: "وهو كلام لا يتحصَّل منه الرابط العائد على المبتدأ، إذ قد نفى مذهب الكوفيين، ولم يقدّر ضميراً محذوفاً ضميراً كما قدَّره البصريون، فرام حصول الرابط بلا رابط". قال شهابُ الدِّين: "ولكن لما علم إلى آخره، هو عين قول البصريين، ولا أدري كيف خفي عليه هذا". قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} اي: حَذِرَ مقامه بين يدي ربه. وقال الربيعُ: مقامه يوم الحساب. وقال مجاهدٌ: خوفه في الدنيا من الله عند مواقعه الذَّنب فقلع عنه، نظيره: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46]. {ونَهَى النَّفْس عن الهَوى} أي: زجرها عن المعاصي والمحارم. قال ابن الخطيب: هذان الوصفان مضادَّان للوصفين المتقدمين، فقوله تعالى: {مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} ضدُّ قوله: "فأمَّا من طغى"، "ونَهَى النفس" ضدُّ قوله: "وآثر الحياةَ الدُّنيا" فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح دخل في هذين الهوى، وسيأتي زمان يقوى الهوى الحقَّ، فنعوذُ بالله من ذلك الزمنِ. قوله: {فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} أي: المنزل، نزلت لآيتان في مصعبِ بن عميرٍ، وأخيه عامرِ بنِ عميرٍ. ورى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أمَّا من طغى فهو أخٌ لمصعب بن عمير، أسر يوم بدر، فأخذته الأنصار، فقالوا: من أنت. قال: أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلمَّا أصبحُوا حدَّثوا مصعب بن عمير حديثه، فقال: ما هو لي بأخ، شدُّوا أسيركم، فإنَّ أمَّه أكثر أهل البطحاءِ حلياً ومالاً، فأوثقوه حتى بعثت أمه في فدائه . "وأمَّا من خَاف مَقامَ ربِّهِ" حديث : فمصعب بن عمير، وَقَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم "أحُدٍ" حين تفرَّق الناس عنه، حتى نفذت المشاقص في جوفه، وهي السِّهام، فلما رأه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشطحاً في دمهِ، قال: "عِندَ اللهِ أحْتسبهُ". وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لَقِدْ رأيْتهُ وعَليْهِ بُرْدَانِ ما تُعرفُ قيمتُهما وإنَّ شِراكَ نَعْليهِ مِنْ ذَهَبٍ" ". تفسير : وعن ابن عباس: - رضي الله عنهما - "نزلت هذه الآية في رجلين: أبو جهل بن هشام، ومصعب بن عمير". وقال السديُّ: نزل قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} في أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه. وقال الكلبيُّ: هما عامَّتان.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاذاجاءت الطامة الكبرى} قال فى الصحاح كل شئ كثر حتى علا وغلب فقد طم من باب رد والكبرى تأنيث الاكبر من كبر بالضم بمعنى عظم لا من كبر بالكسر بمعنى اسن وهذا شروع فى بيان احوال معادهم اثر بيان احوال معاشهم والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها عما قليل كما ينبئ عنه لفظ المتاع والمعنى فاذا جاء وقت طلوع وقوع الداهية العظمى التى تطم على سائر الطامات والدواهى اى تعلوها وتغلبها فوصفها بالكبرى يكون للتأكيد ولو فسر بما تعلو على الخلائق وتغلبهم كان مخصصا والمراد القيامة او النفخة الثانية فانه يشاهد يوم القيامة من الآيات الهائلة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل وعند النفخة الثانية تحشر الخلائق الى موقف القيامة خصت النازعات بالطامة وعبس بالصاخة لان الطم ان كان بمعنى النفخة الأولى للاهلاك فهو قبل الصخ اى الصوت الشديد الذى يحيى له الناس حين يصيخون له كما ينتبه النائم بالصوت الشديد فهو بمعنى النفخة الثانية فجعل السابق للسورة السابقة واللاحق للاحقة وان كان بمعنى النفخة الثانية فحسن الموقع فى كلا الموضعين لان العلم ورد بعد قوله تتبعها الرادفة والصخ بعد ما بين عدم اصاخة النبى عليه السلام لابن ام مكتوم.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو جعفر وعياش عن أبي عمرو {إنما أنت منذر من يخشاها} بالتنوين. الباقون على الاضافة. والمعنى واحد. فمن نون جعل "من" فى موضع النصب. وإنما اختار ذلك، لانه جعله {منذراً} في الحال. ومن اضافه استخف ذلك كما استخف في قوله {أية : عارضاً مستقبل أوديتهم}تفسير : والتنوين مقدر، لان المعنى إنه منذر فى الحال، وفيما بعد. ومن اضاف جعلها في موضع جر. والمنذر النبي صلى الله عليه وآله قال الله تعالى {أية : إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}تفسير : قال قوم: المنذر النبي صلى الله عليه وآله والهادي علي عليه السلام. وقيل {لكل قوم هاد} داع يدعوهم الى الحق. يقول الله تعالى مهدداً للمكلفين من خلقه {فإذا جاءت الطامة الكبرى} قال ابن عباس: الطامة القيامة. وقال الحسن: الطامة هي النفخة الثانية. وقيل: هى الصيحة التي تطمّ على كل شيء، وهى الصيحة التي يقع معها البعث والحساب والعقاب والثواب وقيل هى الطامة الغامرة الهائلة، وفى المثل: ما من طامة إلا وفوقها طامة قال الفراء: يقال: تطم على كل شيء يطم. وقال قوم: الطامة الغامرة، لما يتدفق بغلظها وكثرتها. وقيل: هى الغاشية المجللة التي تدفق الشيء بالغلظ، ثم بين متى مجيئها فقال {يوم يتذكر الإنسان ما سعى} ومعناه تجيء الطامة فى يوم يتذكر الانسان ما عمله في دار التكليف من خير او شر وسعى فيه، ويعلم ما يستحقه من ثواب وعقاب {وبرزت الجحيم لمن يرى} أي لمن يراها ويبصرها شاهداً، فالتبريز اظهار الشيء بمثل التكشيف الذي يقضي اليه بالاحساس، ويقال: فلان مبرز فى الفضل إذا ظهر به اتم الظهور، وبارز قرنه أي ظهر اليه من بين الجماعة. ثم قسم احوال الخلق فى ذلك اليوم من العصاة والمطيعين، فقال {فأما من طغى} بأن تجاوز الحد الذي حده الله، وارتكب المعاصي والطغيان والعصيان بمجاوزة الحد فيه الى الافراط فيه، فكل كافر طاغ بافراطه في ظلم نفسه، وظلم النفس كظلم غيرها فى التعاظم، وقوله {وآثر الحياة الدنيا} معناه اختار منافع الحياة الدنيا بارتكاب المعاصي وترك ما وجب عليه، فالايثار إرادة الشيء على طريقة التفضيل له على غيره، ومثله الاختيار، لانه يختاره على انه خير من غيره، فمن آثر الأدنى على الاولى فهو منقوص بالحاجة، كما ان من آثر القبيح على الحسن كان منقوصاً. وقيل: المعنى من آثر نعيم الحياة الدنيا على نعيم الآخرة والحياة حياتان: حياة الدنيا وهى المنقطعة الفانية، وحياة الآخرة، وهى الدائمة، فمن آثر الباقي الدائم على الفاني المنقطع كان حسن الاختيار، ومن آثر الفاني على الباقي كان سيء الاختيار مقبحاً. ثم بين تعالى ما له في الآخرة فقال {فإن الجحيم هي المأوى} اي النار مثواه ومستقره وموضع مقامه. ثم ذكر من هو بضد ذلك فقال {وأما من خاف مقام ربه} ومعناه من خاف مقام مسألة ربه عما يجب فعله أو تركه وعمل بموجب ذلك بأن فعل الطاعة وأمتنع من المعصية {ونهى نفسه عن الهوى} وما تدعو اليه شهواته، فالهوى اريحية في النفس تدعو إلى ما لا يجوز فى العقل، فاتباع الهوى مذموم، وليس يجوز أن يعمل شيئاً لداعي الهوى وإن عمل لداعي العقل على موافقة الهوى لم يضره. وقيل: هم قوم صغرت الدنيا فى عينهم حين رأوا الآخرة - ذكره قتادة - وقيل: الزهد في الدنيا، والرغبة في الاخرة هو التمسك بطاعة الله وأجتناب معصيته. ثم بين تعالى ما له في مقابلة ذلك من الثواب فقال {فإن الجنة هي المأوى} أي هي مقره ومأواه، فالالف واللام تعاقب الضمير كقولهم مررت بحسن الوجه أي حسن وجهه. وقال الزجاج: تقديره هي المأوى له ولا يكون بدلا من الهاء كما لا يكون بدلا من الكاف في قولك غض الطرف، قال: وقال الشاعر: شعر : فغض الطرف إنك من نمير فلا سعداً بلغت ولا كلابا تفسير : ويروى (فلا كعباً) والجنة البستان الذى يجنه الشجر فجنة الخلد بهذه الصفة على ما فيها من القصور والابنية الحسنة التي قد جمعت كل تحفة وطرفة مما تشتهي الانفس وتلذ الاعين، من غير أذى ملحق بحال في عاجل ولا آجل. وروي أن قصورها مبنية بفاخر الجوهر من الياقوت والزبرجد، ومنه ما هو بلبنة من فضة ولبنة من ذهب، فتعظيم الله لها وتشويقه اليها يدل على أنها على اجل حال تشتهي فيها مع أنه لا يتعاظم في مقدور الله - عز وجل -. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله، فقال {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} أى متى يكون قيامها على ما وصفها فـ {أيان} بمعنى (متى) الا أن (متى) أكثر استعمالا في السؤال عن الزمان ونظيرها (أين) في السؤال عن المكان. ولذلك فسرت {أيان} بـ (متى) والارساء الثبوت من قولهم: رست السفينة ترسو رسوا فهي راسية إذا ثبتت ومنه. قوله {أرساها} ويجوز أن يكون المراد بالمرسى المصدر. ويجوز أن يكون وقت الارساء والمعنى متى ثبت أمرها بقيامها. وقوله {فيم أنت من ذكراها} أى انه ليس عندك علم متى تكون، وإنما عندك علم أنها تكون - ذكره الحسن - وقال غيره: هي حكاية قولهم، أى قد اكثرت من ذكرها، فمتى تكون؟. وقوله {إلى ربك منتهاها} أى قل لهم إلى الله تعالى إجراؤها، فالمنتهى موضع بلوغ الشيء، وكأنه قيل: إلى ربك منتهى أمرها باقامتها لان منتهى أمرها بذكرها ووصفها والاقرار بها إلى الرسول باقامتها، ومنتهى أمرها اقامتها إلى الله تعالى لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وقيل: المعنى إلى ربك منتهى علمها أى لا يعلم إلا هو متى وقت قيامها - ذكره الحسن -. وقوله {إنما أنت منذر من يخشاها} خطاب من الله للنبي صلى الله عليه وآله بأنه إنما يخوف من يخاف ذلك اليوم وهو يوم القيامة، وإنما خص الانذار بمن يخشى، لانه لما كان المنتفع بالانذار من يخشى فكأنه خص بالانذار. والكافر لما لم ينتفع بذلك فكأنه لم ينذر أصلا. ثم بين تعالى سرعة مجيئها وقرب حضورها فقال {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} وقال قتادة: معناه إنهم إذا رأوا الآخرة صغرت الدنيا فى أعينهم حتى كأنهم لم يقيموا بها إلا مقدار عشية أو مقدار ضحاها يعني ضحى العشية. وأضيف الضحى إلى العشية، وضحوة الضحى اليوم الذي يكون فيه، فاذا قلت أتيتك صباحاً ومساء، فالمعنى أتيتك العشية أو غداتها، قال الفراء: وانشدني بعض بني عقيل: شعر : نحن صبحنا عامراً في دارها عشية الهلال أو سرارها قبل اصفرار الشمس واحمرارها تفسير : أراد عشية الهلال أو عشية سرار العشية فهذا أشد من ذلك،

الجنابذي

تفسير : {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} يعنى اذا كان خلق السّماء اشدّ من خلقكم ابتداء، وخلقكم ثانياً اسهل من خلقكم ابتداءً فلا مانع من خلقكم ثانياً وقد اخبركم به فهو محقّق لا محاله فاذا جاءت القيامة، سمّيت بالطّامة الدّاهية الّتى تغلب ما سواها والقيامة داهية تغلب جميع الدّواهى.

اطفيش

تفسير : {فَإِذاً جَاءَتِ الطَّامَّةُ} الداهية التي تطم على الدواهي أى تعلوها وأكد ذلك بقوله *{الكُبْرَى} أي التي هي أكبر الطامات قال ابن عباس هي يوم القيامة وقيل النفخة الثانية وقيل الساعة التي يساق فيها أهل الجنة الى الجنة وأهل النار الى النار.

اطفيش

تفسير : {فَإِذَا جَاءَتِ} الفاء للترتيب على ما قبل. {الطَّامَّةُ} الداهية العظمى من طم على الشئ وطمه غلبه واستولى عليه. {الْكُبْرَى} تأكيد فى المعنى لأَن الأَكبرية من معنى الطامة وليس تفسيره بكونها غالبة على الخلائق لا يقدرون على دفعها مخرجاً لها عن الأَعظمية فيكون وصفها بالكبرى مخصصاً كما قيل وقيل كونها طامة أكبر من كل طامة إِنما هو باعتبار ما عرفوه من الدواهى وكونها أكبر هو على الإِطلاق ويؤخذ من لفظ الكبرى فيكون مخصصاً أو جرد عن بعض معناه فيكون معناه الكبيرة فيوصف باسم التفضيل بعد وهو الكبرى تأنيث الأَكبر فهو مخصص ولا يخفى أنها يوم القيامة وهو معدود فى أسمائه يوم القيامة وهو أعظم الدواهى لما فيه وقيل النفخة الأُولى وهو رواية عن ابن عباس والحسن وأخرج ابن أبى شيبة أنها الساعة التى يساق فيها أهل الجنة للجنة وأهل النار للنار وعن مجاهد أنها الساعة التى يساق فيها أهل النار للنار.

الالوسي

تفسير : الخ شروع في بيان معادهم إثر بيان أحوال معاشهم بقوله عز وجل {أية : مَتَاعاً}تفسير : [النازعات: 33] الخ والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها على ما قيل كما ينبىء عنه لفظ المتاع. والطامة أعظم الدواهي لأنه من طم بمعنى علا كما ورد في المثل جرى الوادي فطم على القَرِيِّ وجاء السيل فطم الركي. وعلوها على الدواهي غلبتها عليها فيرجع لما ذكر قيل فوصفها بالكبرى للتأكيد ولو فسر كونها طامة بكونها غالبة للخلائق لا يقدرون على دفعها لكان الوصف مخصصاً وقيل كونها طامة باعتبار أنها تغلب وتفوق ما عرفوه من دواهي الدنيا وكونها كبرى باعتبار أنها أعظم من جميع الدواهي مطلقاً وقيل غير ذلك. وأنت تعلم أن الطامة الكبرى صارت كالعلم للقيامة وروى كونها اسماً من أسمائها هنا عن ابن عباس أيضاً وعن الحسن أنها النفخة الثانية وأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر عن القاسم بن الوليد الهمداني أنها الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار وأخرجا عن عمرو بن قيس الكندي أنها ساعة يساق أهل النار إلى النار وفي معناه قول مجاهد هي إذا دفعوا إلى مالك خازن جهنم.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون التفريع على الاستدلال الذي تضمنه قوله: { أية : أأنتم أشد خلقاً أم السماء } تفسير : [النازعات: 27] الآيات، فإن إثبات البعث يقتضي الجزاء إذ هو حكمته. وإذا اقتضى الجزاء كان على العاقل أن يعمل لجزاء الحسنى ويجتنب ما يوقع في الشقاء وأن يهتم بالحياة الدائمة فيؤثرها ولا يكترث بنعيم زائل فيتورط في اتباعه، فلذلك فرع على دليل إثبات البعث تذكير بالجزاءين، وإرشاد إلى النجدين. وإذ قد قُدّم قبل الاستدلال تحذيرٌ إجماليّ بقوله: { أية : يوم تَرْجُف الراجفة } تفسير : [النازعات: 6] الآية كما يذكر المطلوب قبل القياس في الجدل، جيء عقب الاستدلال بتفصيل ذلك التحذير مع قرنه بالتبشير لمن تحلى بضده فلذلك عبر عن البعث ابتداءً بالراجفة لأنها مبدؤه، ثم بالزجرة، وأخيراً بالطامة الكبرى لما في هذين الوصفين من معنى يشمل الراجفة وما بعدها من الأهوال إلى أن يستقر كل فريق في مقره. ومن تمام المناسبة للتذكير بيوم الجزاء وقوعه عقب التذكير بخلق الأرض، والامتنان بما هَيّأ منها للإِنسان متاعاً به، للإِشارة إلى أن ذلك ينتهي عندما يحين يوم البعث والجزاء. ويجوز أن يجعل قوله: {فإذا جاءت الطامة الكبرى} مفرعاً على قوله: { أية : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } تفسير : [النازعات: 13، 14] فإن الطامة هي الزجرة. ومناط التفريع هو ما عقبه من التفصيل بقوله: {فأما من طغى} الخ إذ لا يلتئم تفريع الشيء على نفسه. (وإذا) ظرف للمستقبل فلذلك إذا وقع بعد الفعل الماضي صُرف إلى الاستقبال، وإنما يُؤتى بعد (إذا) بفعل الماضي لزيادة تحقيق ما يفيده (إذا) من تحقق الوقوع. والمجيءُ: هنا مجاز في الحصول والوقوع لأن الشيء الموقّت المؤجل بأجل يشبه شخصاً سائراً إلى غاية، فإذا حصل ذلك المؤجل عند أجله فكأنه السائرُ إلى، إذا بلغ المكان المقصود. والطامة: الحادثة، أو الوقعة التي تَطِمُّ، أي تعلو وتغلب بمعنى تفوق أمثالها من نوعها بحيث يقل مثلها في نوعها، مأخوذ من طَمَّ الماء، إذا غمر الأشياء وهذا الوصف يؤذن بالشدة والهول إذ لا يقال مثله إلا في الأمور المهولة ثم بولغ في تشخيص هولها بأن وصفت بــــ {الكبرى} فكان هذا أصرح الكلمات لتصوير ما يقارن هذه الحادثة من الأهوال. والمراد بالطامة الكبرى: القيامة وقد وصفت بأوصاف عديدة في القرآن مثل الصاخّة والقارعة والراجفة ووصفت بالكبرى. و{يوم يتذكر الإنسان ما سعى} بدل من جملة {فإذا جاءت الطامة الكبرى} بدل اشتمال لأن ما أضيف إليه يوم هو من الأحوال التي يشتمل عليها زمن مجيء الطامة وهو يوم القيامة ويوم الحساب. وتَذَكُّر الإِنسان ما سعاه: أن يوقَف على أعماله في كتابه لأن التذكر مطاوع ذكَّره. والتذكر يقتضي سبق النسيان وهو انمحاء المعلوم من الحافظة. والمعنى: يوم يُذَكَّر الإِنسان فيتذكر، أي يعرض عليه عمله فيعترف به إذ ليس المقصود من التذكر إلا أثره، وهو الجزاء فكني بالتذكر عن الجزاء قال تعالى: { أية : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } تفسير : [الإسراء: 14]. وتبريز الجحيم: إظهارها لأهلها. وجيء بالفعل المضاعف لإِفادة إظهار الجحيم لأنه إظهار لأجل الإِرهاب. والجحيم: جهنم. ولذلك قرن فعله بتاء التأنيث لأن جهنم مؤنثة في الاستعمال، أو هو بتأويل النار، والجحيم كل نار عظيمة في حفرة عميقة. وبنى فعل {بُرزت} للمجهول لعدم الغرض ببيان مُبَرّزها إذ الموعظة في الإِعلام بوقوع إِبرازها يومئذ. و{لمن يرى}، أي لكل راء، ففعلُ {يرى} منزّل منزلة اللازم لأن المقصود لمن له بصر، كقول البحتري:شعر : أنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَع وَاعِ تفسير : والفاء في قوله: {فأمّا من طغى} رابطة لجواب (إذا) لأن جملة {من طغى} إلى آخرها جملة اسمية ليس فيها فعل يتعلق به (إذا) فلم يَكن بين (إذا) وبين جوابها ارتباط لفظي فلذلك تُجلب الفاء لربط الجواب في ظاهر اللفظ، وأما في المعنى فيعلم أن (إذا) ظرف يتعلق بمعنى الاستقرار الذي بين المبتدأ والخبر. و(أمَّا) حرف تفصيل وشرط لأنها في معنى: مَهما يكن شيء. والطغيان تقدم معناه آنفاً. والمراد هنا: طغى على أمر الله، كما دل عليه قوله: {وأما من خاف مقام ربه}. وقُدّم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة الدنيا فلما كان مسبباً عنه ذكر عقبه مراعاة للترتب الطبيعي. والإِيثار: تفضيل شيء على شيء في حال لا يتيسر فيها الجمع بين أحوال كل منهما. ويعدّى فعل الإِيثار إلى اسم المأثور بتعدية الفعل إلى مفعوله، ويعدّى إلى المأثور عليه بحرف (على) قال تعالى حكاية { أية : لقد آثرك الله علينا } تفسير : [يوسف: 91]، وقد يترك ذكر المأثور عليه إذا كان ذكر المأثور يشير إليه كما إذا كان المأثور والمأثور عليه ضدين كما هنا لما هو شائع من المقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة. وقد يترك ذكر المأثور اكتفاء بذكر المأثور عليه إذا كان هو الأهم كقوله تعالى: { أية : ويؤثرون على أنفسهم } تفسير : [الحشر: 9] لظهور أن المراد يؤثرون الفقراء. والمراد بالحياة الدنيا حظوظها ومنافعها الخاصة بها، أي التي لا تُشاركُها فيها حظوظُ الآخرة، فالكلام على حذف مضاف، تقديره: نعيم الحياة. ويفهم من فعل الإِيثار أن معه نبْذاً لنعيم الآخرة. ويرجع إيثار الحياة الدنيا إلى إرضاء هوى النفس، وإنما يعرف كلا الحظين بالتوقيف الإِلٰهي كما عرف الشرك وتكذيب الرسل والاعتداء على الناس والبطر والصلف وما يستتبعه ذلك من الأحوال الذميمة. وملاك هذا الإِيثار هو الطغيان على أمر الله، فإن سادتهم ومسيريهم يعلمون أن ما يدعوهم إليه الرسول هو الحق ولكنهم يكرهون متابعته استكباراً عن أن يكونوا تبعاً للغير فتضيعَ سيادتهم. وقد زاد هذا المفادَ بياناً قوله بعده: {وأما من خاف مقام ربه} الآية. وبه يظهر أن مناط الذم في إيثار الحياة الدنيا هو إيثارها على الآخرة، فأما الأخذ بحظوظ الحياة الدنيا التي لا يفيت الأخذُ بها حظوظ الآخرة فذلك غير مذموم، وهو مقام كثير من عِباد الله الصالحين حكاه الله تعالى عن صالحي بني إسرائيل من قولهم لقارون: { أية : وابْتَغِ فيما آتاك اللَّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } تفسير : [القصص: 77]. وقولُه: {من خاف مقام ربه} مقابل قوله: {من طغى} لأن الخوف ضد الطغيان وقوله: {نهى النفس عن الهوى} مقابل قوله: {وآثر الحياة الدنيا}. ونهى الخائف نفسه مستعار للانكفاف عن تناول ما تحبه النفس من المعاصي والهوى، فجعلت نفس الإِنسان بمنزلة شخص آخر يدعوه إلى السيئات وهو ينهاه عن هذه الدعوة، وهذا يشبه ما يسمى بالتجريد، يقولون: قالت له نفسه كذا فعصاها، ويقال: نهى قَلْبَه، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول عروة بن أذيْنة: شعر : وإذا وجَدْت لها وسَاوس سَلْوة شفَع الفُؤاد إلى الضمير فسلها تفسير : والمراد بــــ {الهوى} ما تهواه النفس فهو مصدر بمعنى المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق، فهو ما ترغب فيه قوى النفس الشهوية والغضبية مما يخالف الحق والنفعَ الكامل. وشاع الهوى في المرغوب الذميم ولذلك قيل في قوله تعالى: { أية : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من اللَّه } تفسير : [القصص: 50] أن {بغير هدى} حال فمؤكدة ليست تقييداً إذ لا يكون الهوى إلا بغير هدى. وتعريف {الهوى} تعريف الجنس. والتعريف في {المأوى} الأول والثاني تعريف العهد، أي مأوَى من طغى، ومأوى من خَاف مقام ربه، وهو تعريف مُغْنٍ عن ذكر ما يضاف إليه {مأوى} ومثله شائع في الكلام كما في قوله: غُضَّ الطرف، أي الطرف المعهود من الأمر، أي غض طرفك. وقوله: واملأ السمعَ، أي سمعك وقوله تعالى: { أية : وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال } تفسير : [الأعراف: 46]، أي على أعراف الحجاب، ولذلك فتقدير الكلام عند نحاة البصرة المأوى له أو مأواه عند نحاة الكوفة، ويسمي نحاة الكوفة الألف واللام هذه عوضاً عن المضاف إليه وهي تسمية حسنة لوضوحها واختصارها، ويأبى ذلك البصريون، وهو خلاف ضئيل، إذ المعنى متفق عليه. والمأوى: اسم مكان من أوَى، إذا رجع، فالمراد به: المقر والمسكن لأن المرء يذهب إلى قضاء شؤونه ثم يرجع إلى مسكنه. و{مقام ربه} مجاز عن الجلال والمهابة وأصل المقام مكان القيام فكان أصله مكان ما يضاف هو إليه، ثم شاع إطلاقه على نفس ما يضاف إليه على طريقة الكناية بتعظيم المكان عن تعظيم صاحبه، مثل ألفاظ: جناب، وكَنَفَ، وذَرَى، قال تعالى: { أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان } تفسير : [الرحمن: 46] وقال: { أية : ذلك لمن خاف مقامي } تفسير : [إبراهيم: 14] وذلك من قبيل الكناية المطلوب بها نسبة إلى المكنى عنه فإن خوف مقام الله مراد به خوف الله والمراد بالنسبة ما يَشمل التعلق بالمفعول. وفي قوله: {يوم يتذكر الإنسان ما سعى} إلى قوله: {فإن الجنة هي المأوى} محسن الجمع مع التقسيم. وتعريف {النفس} في قوله: {ونهى النفس} هو مثل التعريف في {المأوى}. وفي تعريف «أصحاب الجحيم» و«أصحاب الجنة» بطريق الموصول إيماء إلى أن الصلتين عِلتان في استحقاق ذلك المأوى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 34- فإذا جاءت القيامة التى تعم أهوالها. 35- يوم يتذكر الإنسان ما عمله من خير أو شر. 36- وأظهرت الجحيم إظهاراً بيناً، يراها كل ذي بصر وقع الجزاء. 37، 38، 39- فأما مَن تجاوز الحد بعصيانه، واختار لنفسه الحياة الفانية، فإن النار المتأججة هفي مهواة هي المنزل لا غيرها. 40، 41- وأما مَن خاف عظمة ربه وجلاله، وكف نفسه عن الشهوات، فإن دار النعيم هى المنزل لا غيرها. 42- يسألونك - يا محمد - عن الساعة متى وقوعها؟. 43- ليس عِلْمها إليك حتى تذكرها لهم. 44- إلى ربك منتهى علمها لا إلى غيره. 45- إنما واجبك إنذار مَن يخاف لا الإعلام بوقتها. 46- كأنهم يوم يشاهدونها لم يلبثوا فى الدنيا إلا مقدار عشية أو ضحاها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الطامة الكبرى: أي النفخة الثانية وأصل الطامة الداهية التي تعلو على كل داهية. ما سعى: أي ما عمل في الدنيا من خير وشر. فأما من طغى: أي كفر وظلم. وآثر الحياة الدنيا: أي باتباع الشهوات. فإِن الجحيم هي المأوى: أي النار مأواه. مقام ربه: أي قيامه بين يديه ليسأله عما قدم وأخر. ونهى النفس عن الهوى: أي المردى المهلك باتباع الشهوات. فإن الجنة هي المأوى: أي مأواه الذي يأوي إليه بعد الحساب. عن الساعة: أي القيامة للحساب والجزاء. أيان مرساها: أي متى وقوعها وقيامها. فيم أنت من ذكراها: أي في أي شيء من ذكراها أي ليس عندك علمها حتى تذكرها. إلى ربك منتهاها: أي منتهى علمها إلى الله وحده فلا يعلمها سواه. لم يلبثوا: أي في قبورهم. إلا عشية أو ضحاها: أي عشية يوم أو ضحى تلك العشية. معنى الآيات: بعد أن بين تعالى مظاهر قدرته في حياة الناس وما خلق لهم فيها تدليلا على البعث والجزاء وذكر في هذه الآيات مظاهر قدرته في معادهم تدليلا على قدرته على بعثهم بعد موتهم ومحاسبتهم ومجازاتهم فقال عز من قائل {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} أي القيامة وسميت بالطامة الكبرى لأنها تطم على كل شيء ولا يعظمها شيء لا ريح عاد ولا صيحة ثمود ولا رجفة يوم الظلة. {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ} من خير أو شر لأنه أيقن أنه محاسب ومجزيّ بعمله. {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ} أي أبرزها فظهرت لمن يراها لا يخفيها شيء. والناس بعد ذلك مؤمن وكافر والطريق طريقان طريق جنة وطريق نار. {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ} أي عتا عن أمر ربّه فعصاه ولم يطعه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه. {وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} على الآخرة فعمل للدنيا وصرف كل جهده وطاقته لها، ولم يعمل للآخرة فما صام ولا صلى ولا تصدق ولا زكى {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} أي مأواه ومستقره ومثواه شرابه الحميم وطعامه الزقوم {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} وهو الوقوف بين يديه لمساءلته ومجازاته فأدى الفرائض واجتنب النواهي، {وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} أي نفسه عن هواها فلم يجبها في هوى يبغضه الله ولم يطعها في شيء حرمه الله فإِن الجنة دار السلام والأبرار والمتقين الأخيار هي مأواه ولنعم المأوى هي حيث العيون الجارية والسرر المرفوعة والأكواب الموضوعة والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة والكواعب العرب الأتراب ولقاء الأحباب. وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا} أي يسألك يا رسولنا المنكرون للبعث عن الساعة أي قيامها ومتى رسوها وثبوتها وهي كالسفينة سائرة ليل نهار متى ترسو؟ {فِيمَ} أي في أي شيء أنت من ذكراها أي ليس عندك علمها فتذكرها لهم إلى ربك وحده علم وقت مجيئها وساعة رسوها لتنقل الناس من دنياهم إلى آخرتهم، وبذلك تنتهي رحلتهم ويستقر قرارهم. وينتهي ليلهم ونهارهم. وقوله تعالى {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا} أي ليس إليك يا رسولنا علمها ولا منتهى أمرها إنما أنت مهمتك غير ما يطلب منك إنها إنذار من يخشى الساعة ويخاف حلولها لإِيمانه بها وبما يكون فيها من نعيم وجحيم أما من لا يؤمن بها فهو لا يخافها وسؤاله عنها سؤال استهزاء، فلا تحفل بهم ولا تهتم لهم فإِنهم يوم يرونها كأن لم يلبثوا في دنياهم هذه وقبورهم {إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا} أي عشية يوم أو ضحى تلك العشية لما يستقبلون من أهوال الموقف وفظائع العذاب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحوالها وصفاتها. 2- الناس يوم القيامة مؤمن تقيّ في الجنة، وكافر وفاجر في النار. 3- بيان استئثار الله تعالى بعلم الغيب والساعة. 4- بيان أي الشدائد ينسى بعضها بعضا فإِن عذاب القبر يهون أمام عذاب النار.

القطان

تفسير : الطامة الكبرى: يوم القيامة لشدة اهوالها ولأنها تطمّ على كل أمر هائل. وبُرّزت الجحيم: ظهرت للعيان. آثر: فضّل. المأوى: المستقر. مقام ربه: جلاله وعظمته. نهى النفسَ عن الهوى: استقام وكفّها عن هواها. الساعة: يوم القيامة. أيّان مرساها: متى تقوم وتحصل. إلى ربك منتهاها: عِلمُ حصولها عند الله. لم يلبثوا الا عشية أو ضحاها: عندما يرون يوم القيامة يظنون انهم لم يقيموا إلا عشيةً من النهار أو وقت ضحاه. بعد ان ذكر الله تعالى خَلْقَ السماوات والأرض وما في هذا الكونِ من إبداعِ عجائب الخلق والتكوين، وبيّن انه قادرٌ على نشر الأموات كما قَدر على خلْقِ هذا الكون العجيب - بيّن هنا صدق ما أوحى به الى نبيّه الكريم من أن ذلك اليوم آت لا ريب فيه. فاذا جاءت الطامّةُ الكبرى في هولها العظيم، تُعرَضُ الأعمالُ على الناس، فيتذكر كل امرئ ما عمل. ويُظهِر الله الجحيمَ للعِيان فيراها كل إنسان. ومن ثم يوزَّع الجزاء على العاملين {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} وفضّل متاعها ولذائذَها على ثواب الآخرة، {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} حيث يجد مستَقرَّه ومأواه، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}، فآمنَ واستقامَ ونهى نفسَه عن هواها {فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}، حيث يجد النعيم الدائم. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا}. يسألك قومك يا محمد متى وقت الساعة، ومتى وقوعها؟ إن هذا ليس من اختصاصِك، لا أحدَ يعلم عنها شيئاً الا الله، فلا تشغل نفسَك بهذا الأمر ولا تكلّفْها عناءَ البحث عنه. {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} إنما أنت رسولٌ مبعوث للانذار والتعليم فدعْ علم ما لم تكلَّف به، واعمل ما أُمرت به. {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34]، {أية : إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187]. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} ان يوم القيامة آت لا ريب فيه، ويوم يراه هؤلاء المكذبون يحسبون أنهم لم يلبثوا في الدنيا الا مقدارَ عشية يوم أو ضحاه، فما أقصرَ هذه الحياة التي يتقاتل عليها الناس ويلهثون وراءها!

د. أسعد حومد

تفسير : (34) - فَإِذَا جَاءَتِ القِيَامَةُ بِأَهْوَالِهَا التِي تَشِيبُ لَهَا الوِلْدَانُ. وَالطَّامَّةُ - هِيَ الدَّاهِيَةُ التِي تَطُمُّ عَلَى الدَّوَاهِي، وَتَعْلُو عَلَيْهَا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} معناه السَّاعةُ تَطُمُّ عَلَى كُلِّ دَاهيةٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إذا جاءت القيامة الكبرى، والشدة العظمى، التي يهون عندها كل شدة، فحينئذ يذهل الوالد عن ولده، والصاحب عن صاحبه [وكل محب عن حبيبه]. و { يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى } في الدنيا، من خير وشر، فيتمنى زيادة مثقال ذرة في حسناته، ويغمه ويحزن لزيادة مثقال ذرة في سيئاته. ويعلم إذ ذاك أن مادة ربحه وخسرانه ما سعاه في الدنيا، وينقطع كل سبب ووصلة كانت في الدنيا سوى الأعمال. { وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى } أي: جعلت في البراز، ظاهرة لكل أحد، قد برزت لأهلها، واستعدت لأخذهم، منتظرة لأمر ربها. { فَأَمَّا مَنْ طَغَى } أي: جاوز الحد، بأن تجرأ على المعاصي الكبار، ولم يقتصر على ما حده الله. { وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } على الآخرة فصار سعيه لها، ووقته مستغرقا في حظوظها وشهواتها، ونسي الآخرة وترك العمل لها. { فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى } [له] أي: المقر والمسكن لمن هذه حاله، { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ } أي: خاف القيام عليه ومجازاته بالعدل، فأثر هذا الخوف في قلبه فنهى نفسه عن هواها الذي يقيدها عن طاعة الله، وصار هواه تبعا لما جاء به الرسول، وجاهد الهوى والشهوة الصادين عن الخير، { فَإِنَّ الْجَنَّةَ } [المشتملة على كل خير وسرور ونعيم] { هِيَ الْمَأْوَى } لمن هذا وصفه.