٧٩ - ٱلنَّازِعَات
79 - An-Nazi'at (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلي إمكان القيامة، ثم أخبر عن وقوعها، ثم ذكر أحوالها العامة، ثم ذكر أحوال الأشقياء والسعداء فيها، قال تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا }. واعلم أن المشركين كانوا يسمعون إثبات القيامة، ووصفها بالأوصاف الهائلة، مثل أنها طامة وصاخة وقارعة، فقالوا على سبيل الاستهزاء: {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك، ويحتمل أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالاً، كقوله: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا }تفسير : [الشورى: 18] ثم في قوله: {مُرْسَـٰهَا } قولان أحدهما: متى إرساؤها، أي إقامتها أرادوا متى يقيمها الله ويوجدها ويكونها والثاني: {أَيَّانَ } منتهاها ومستقرها، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه. ثم إن الله تعالى أجاب عنه بقوله تعالى: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } وفيه وجهان الأول: معناه في أي شيء أنت عن تذكر وقتها لهم، وتبين ذلك الزمان المعين لهم، ونظيره قول القائل: إذا سأله رجل عن شيء لا يليق به ما أنت وهذا، وأي شيء لك في هذا، وعن عائشة «حديث : لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآية» تفسير : فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها، والمعنى أنهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها. ثم قال تعالى: {إِلَىٰ رَبّكَ مُنتَهَـٰهَا } أي منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه الوجه الثاني: قال بعضهم: {فِيمَ } إنكار لسؤالهم، أي فيم هذا السؤال، ثم قيل: {أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } أي أرسلك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل ذاكراً من أنواع علاماتها، وواحداً من أقسام أشراطها، فكفاهم بذلك دليلاً على دنوها ووجوب الاستعداد لها، ولا فائدة في سؤالهم عنها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} قال ٱبن عباس: سأل مشركو مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تكون الساعة ٱستهزاء، فأنزل الله عز وجل الآية. وقال عُروة بن الزبير في قوله تعالى: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا}؟ لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة، حتى نزلت هذه الآية {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ}. ومعنى «مُرْساها» أي قيامُها. قال الفرّاء: رُسُوُّها قيامها كرسوّ السفينةِ. وقال أبو عبيدة: أي منتهاها، ومرسَىٰ السفينة حيث تنتهي. وهو قول ٱبن عباس. الربيع بن أنس: متى زمانها. والمعنى متقارب. وقد مضى في «الأعراف» بيان ذلك. وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تقوم الساعة إلا بغَضْبة يغضَبُها ربك » تفسير : . «فِيم أنت مِن ذِكراها» أي في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها؟ وليس لك السؤال عنها. وهذا معنى ما رواه الزُّهْرِيّ عن عُروة بن الزُّبير قال: لم يزل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى نزلت {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} أي منتهى علمها؛ فكأنه عليه السلام لما أكثروا عليه سأل الله أن يعرفه ذلك، فقيل له: لا تسأل، فلست في شيء من ذلك. ويجوز أن يكون إنكاراً على المشركين في مسألتهم له؛ أي فيم أنت من ذلك حتى يسألوك بيانَه، ولست ممن يَعلَمه. رُوِي معناه عن ٱبن عباس. والذكْرَى بمعنى الذكر. {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} أي منتهى علمها، فلا يُوجَد عند غيره عِلم الساعة؛ وهو كقوله تعالى: { أية : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } تفسير : [الأعراف: 187] وقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34]. {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}. أي مخوِّف؛ وخَصَّ الإنذار بمن يَخْشى، لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذراً لكل مكلف؛ وهو كقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ}. وقراءة العامة «منذِر» بالإضافة غير منون؛ طلب التخفيف، وإلا فأصله التنوين؛ لأنه للمستقبل وإنما لا ينون في الماضي. قال الفراء: يجوز التنوين وتركه؛ كقوله تعالى: { أية : بَالِغُ أَمْرِهِ }، تفسير : [الطلاق: 3] و { أية : مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ } تفسير : [الانفال: 18] و «موهِنٌ كيدَ الكافِرين» والتنوين هو الأصل، وبه قرأ أبو جعفر وشَيبة والأعرج وٱبن مُحيصن وحُميد وعياش عن أبي عمرو «منذِرٌ» منونا، وتكون في موضع نصب، والمعنى نصب، إنما ينتفع بإنذارك من يخشى الساعة. وقال أبو علي: يجوز أن تكون الإضافة للماضي، نحو ضارب زيدٍ أمس؛ لأنه قد فعَلَ الإنذار، الآية ردّ على من قال: أحوال الآخرة غير محسوسةٍ، وإنما هي راحة الرُّوح أو تألمها من غير حِسّ. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} يعني الكفار يَرَونَ الساعة {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} أي في دنياهم، {إِلاَّ عَشِيَّةً} أي قدر عشية {أَوْ ضُحَاهَا} أي أو قدر الضُّحا الذي يلي تلك العشية، والمراد تقليل مدة الدنيا، كما قال تعالى: { أية : لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ } تفسير : [يونس: 45]. ورَوَى الضحاك عن ٱبن عباس: كأنهم يوم يَرَوْنَها لم يلبثوا إلا يوماً واحداً. وقيل: «لم يلبثوا» في قبورهم «إلا عشِية أو ضحاها»، وذلك أنهم ٱستقصروا مدّة لَبْثِهِم في القبور لمَا عاينوا من الهول. وقال الفرّاء: يقول القائل: وهل للعشية ضُحاً؟ وإنما الضحا لصدر النَهار، ولكن أضيف الضحا إلى العشية، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب؛ يقولون: آتيك الغداةَ أو عشيتَها، وآتيك العشيةَ أو غداتها، فتكون العشية في معنى آخر النهار، والغداة في معنى أوّل النهار؛ قال: وأنشدني بعض بني عُقَيل: شعر : نحنُ صَبَحْنا عامِرا في دارِها جُرْداً تَعَادَىَ طَرَفَي نهارِها عِشيـةِ الهِـلالِ أو سِرارِهـا تفسير : أراد: عشيةِ الهلالِ، أو سِرار العشية، فهو أشدّ من آتيك الغداة أو عَشِيَّها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَسْئَلُونَكَ } أي كفار مكة {عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا } متى وقوعها وقيامها؟.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} متى منتهاها أو زمانها سألوا عنها استهزاء فنزلت.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} يعني: قريشاً، قال البخاري عن غيره: {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا} متَى مُنْتَهَاهَا، ومُرْسَى السفينةِ حيثُ تَنْتَهِي، انتهى، ثم قال تعالى لنبيه على جهة التوقيفِ: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} أي من ذِكْرِ تَحْدِيدِها ووقتِها، أي: لستَ من ذلك في شيء، إنما أنت منذر، وباقي الآيةِ بيِّنٌ، قَال الفخر؛ قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا} تفسيرُ هذه الآيةِ هُو كما ذَكَرَ في قوله: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}تفسير : [الأحقاف:35] والمعنى: أن ما أنكرُوه سَيَرَوْنَه حتَّى كأنَّهُمْ كَانُوا أبَداً فيهِ، وكأَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيَا إلا ساعة من نهارٍ، يريدُ لم يلبثوا إلا عشيَّةً أو ضُحَى يومها، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا}. لما سمع المشركون أخبار القيامة، ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل: "الطَّامة الكبرى"، و "الصَّاخَّة"، و "القاَرِعَة"، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً، متى تكون الساعة؟. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك إيهاماً لأيقاعهم أنَّه لا أصْلَ لذلكَ، ويحتملُ أنَّهم كانوا يسألونه عن وقت القيامة استعجالاً كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} تفسير : [الشورى: 18]. وقوله: {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}، أي: إقامتها، والمعنى: أيُّ شيء يقيمُها ويوجدُها، ويكون المعنى: أيان منتهاها ومستقرها، كما أنَّ مرسى السفينة: مستقرّها الذي تنتهي إليه فأجابهم الله - تعالى - بقوله: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا}. قوله "فِيْمَ" خبر مقدم, و "أنْتَ" مبتدأ مؤخرٌ، و "مِنْ ذِكْراهَا" متعلقٌ بما تعلق به الخبر، والمعنى: أنت في أي شيء من ذكراها، أي: ما أنْتَ من ذكراهَا لهم وتبين وقتها في شيء. وقال الزمخشري: حديث : وعن عائشة - رضي الله عنها - لم يزل رسول الله عليه وسلم يذكر الساعة، ويسأل عنها ويذكرها حتى نزلت، قال: "فَهوَ عَلى هَذَا تَعجَّبَ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرهِ لَهَا كأنَّهُ قِيلَ: فِي أيِّ شُغلٍ واهتمامٍ أنْتَ من ذِكرِهَا والسُّؤال عَنْهَا ". تفسير : وقيل: الوقف على قوله: "فيم"، وهو خبر مبتدأ مضمر، أي: فيم هذا السؤال، ثم يبتدئ بقوله: "أنْت مِنْ ذِكراهَا" أي: إرسالك، وأنت خاتم الأنبياء، وآخر الرسل، والمبعوث في تسمية ذكر من ذكراها، وعلامة من علاماتها، فكفاهُم بذلك دليلاً على دُنوِّها، ومشارفتها، والاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها. قاله الزمخشري: وهو كلام حسنٌ، لولا أنَّه يخالف الظاهر، وتفكيك لنظم الكلام. ومعنى "إلى ربِّك مُنتَهاهَا" منتهى علمها، كقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 187]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34]. قال القرطبي: ويجوز أن يكون إنكاراً على المشركين في مسألتهم له، أي: فيم أنت من ذلك حتى يسألوك بيانه، ولست ممن يعلمه، وروي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما. قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}. العامة: على إضافة الصفة لمعمولها تخفيفاً. وقرأ عمر بن عبد العزيزِ وأبو جعفرٍ، وطلحةُ، وابن محيصنٍ: بالتنوين، ويكون في موضع نصب، والمعنى: إنَّما ينتفع بإنذارك من يخشى الساعة. قال الزمخشري: وهو الأصل، والإضافة تخفيف، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال، فإذا أريد الماضي، فليس إلا الإضافة، كقولك: هو منذرٌ زيدٍ أمس. قال أبو حيان: قوله: "هُو الأصل" يعني: "التنوين"، هو قول قاله غيره. ثم اختار أبو حيَّان: أن الأصل الإضافة، قال: لأنَّ العمل إنما هو بالشبه، والإضافة أصل في الأسماء، ثم قال: وقوله: "ليس إلا الإضافة" فيه تفصيل وخلاف مذكورفي كتب النحو. قال شهاب الدين: لا يلزمه أن يذكر إلاَّ محل الوفاق، بل هذان اللذان ذكرهما مذهب جماهير الناس. فصل في معنى الآية المعنى: إنَّما أنت مُخوِّف، وخص الإنذار بمن يخشى؛ لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذراً لكلِّ مكلَّف، كقوله: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يس: 11]. قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} يعني: الكُفَّار، يرون الساعة. {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} في دنياهم، {إِلاَّ عَشِيَّةً} أي: قدر عشيَّةٍ، {أَوْ ضُحَاهَا} أي: أو قدْرَ الضُّحى الذي يلي تلك العَشيَّة، والمراد: تقليل مدة الدنيا، كقوله تعالى: {أية : لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} تفسير : [الأحقاف: 35]. وأضاف الضحى إلى العشية إضافة الظرف إلى ضمير الظرف الآخر تجوُّزاً واتِّساعاً. وذكرهما؛ لأنَّهما طرفا النهار، وحسَّن هذه الإضافة وقوع الكلمة فاصلة. قإن قيل: قوله تعالى: {أَوْ ضُحَاهَا} معناه: ضُحَى العشيَّة، وهذا غيرر معقولٍ؛ لأنَّه ليس للعشيَّة ضُحى؟. فالجواب: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الهاء والألف صلة للكلام، يريد: لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى. وقال الفرَّاء والزجاجُ: المرادُ بإضافة الضُّحى إلى العشية على عادة العرب، يقولون: آتيك الغداة أو عشيها، وآتيك العشية أوغداتها، فتكون العشية في معنى: آخر النهار، والغداة في معنى: أول النهار؛ وأنشد بعض بني عقيل: [الرجز] شعر : 5107أ- نَحْنُ صَبَحْنَا عَامراً في دَارِهَا جُرْداً تَعَادَى طَرفَيْ نَهارِهَا عَشِيَّةَ الهِلالِ أو سِرَارِهَا تفسير : وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
البقاعي
تفسير : ولما قسمهم هذا التقسيم المفهم أن هذا شيء لا بد منه، استأنف ذكر استهزائهم تعجيباً منهم فقال: {يسئلونك} أي قريش على سبيل التجديد والاستمرار سؤال استهزاء وإنكار واستبعاد: {عن الساعة} أي البعث الآخر لكثرة ما تتوعدهم بها عن أمرنا. ولما كان السؤال عنها مبهماً بينه بقوله: {أيان مرساها *} أي في أي وقت إرساؤها أي وقوعها أو ثباتها واستقرارها. ولما كان إيراد هذا هكذا مفهماً للإنكار عليهم في هذا السؤال، وكان من المعلوم أنه يقول: إنهم ليسألونني وربما تحركت نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم إلى إجابتهم لحرصه على إسلامهم شفقة عليهم، فطمه عن ذلك وصرح بالإنكار بقوله: {فيم} أي في أي شيء {أنت من ذكراها *} أي ذكرها العظيم لتعرفها وتبين وقتها لهم حرصاً على إسلامهم، وذلك لا يفيد علمها، ثم عرفها بما لا يمكن المزيد عليه مما أفادته الجملة التي قبل من أنه لا يمكن علمها لغيره سبحانه وتعالى فقال: {إلى ربك} أي المحسن إليك وحده {منتهاها *} أي منتهى علمها وجميع أمرها. ولما كان غاية أمرهم أنهم يقولون: إنه متقول من عند نفسه، قلب عليهم الأمر فقال: {إنما أنت} أي يا أشرف المرسلين {منذر} أي مخوف على سبيل الحتم الذي لا بد منه مع علمك بما تخوف به العلم الذي لا مرية فيه {من يخشاها *} أي فيه أهلية أن يخافها خوفاً عظيماً فيعمل لها لعلمه بإتيانها لا محالة وعلمه بموته لا محالة وعلمه بأن كل ما تحقق وقوعه فهو قريب، وذلك لا يناسب تعيين وقتها فإن من فيه أهلية الخشية لا يزيده إبهامها إلا خشية، وغيره لا يزيده ذلك إلا اجتراء وإجراماً، فما أرسلناك إلا للإنذار بها لا للإعلام بوقتها، فإن النافع الأول دون الثاني، ولست في شيء مما يصفونك به كذباً منهم لأنا ما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ولا أنت مبعوث لتحرير وقت الساعة وعلم عينه، وإنما قصره على من يخشى لأن غيره لا ينتفع بإنذاره، فكان كأنه لم يحصل له الإنذار، ولهذا المعنى أضاف إشارة إلى أنه عريق في إنذار من يخشى، وأما غيره فهو منذر له في الجملة أي يحصل له صورة الإنذار لأنه منذره بمعنى أنه لا يحصل له معنى الإنذار. ولما أثبت أنه منذر، وكان أخوف الإنذار الإسراع، قال مستأنفاً محقراً لهم الدنيا مزهداً لهم فيها: {كأنهم} أي هؤلاء المنكرين لصحة الإنذار بها {يوم يرونها} أي يعلمون قيامها علماً هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من القبور من علمهم بما مر من زمانهم وما يأتي منه {لم يلبثوا} أي في الدنيا وفي القبور {إلا عشية} أي من الزوال إلى غروب الشمس. ولما كانوا على غير ثقة من شيء مما يقولونه قال: {أو ضحاها *} أي ضحى عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال، والعشية ما بعد ذلك، أضيف إليها الضحى لأنه من النهار، ولإضافة تحصل بأدنى ملابسة، وهي هنا كونهما من نهار واحد، فالمراد ساعة من نهار أوله أو آخره، لم يستكملوا نهاراً تاماً ولم يجمعوا بين طرفيه، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم"حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" تفسير : وهذا تعبير لنا بما نحسه تقريباً لعقولنا وإن كانت القاعدة أنه لا نسبة لما يتناهى إلى ما لا يتناهى على أن الكفار أيضاً يستقصرون مدة لبثهم، فكأنهم أصناف: بعضهم يقول: إن لبثتم إلا عشراً، وبعضهم يقول: إن لبثتم إلا يوماً، وبعضهم يتحير فيقول: اسأل العادين، أو أن تلك أقوالهم، والحق من ذلك هو ما أخبر الله به غير مضاف إلى أقوالهم من أن ما مضى لهم في جنب ما يأتي كأنه ساعة من نهار بالنسبة إلى النهار الكامل كما قال تعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسلام{أية : ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم}تفسير : [يونس: 45] على أن منهم من يقول ذلك أيضاً كما قال تعالى في سورة المؤمنين حين قال تعالى{أية : كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين}تفسير : [المؤمنون: 112 – 113] وذلك بالنسبة إلى ما كشف لهم عن أنهم يستقبلونه مما لا آخر له أو أنهم لما نزعتهم نفحة إسرافيل عليه الصلاة والسلام بيد القدرة من قبورهم غرقاً نزعاً شديداً فقاموا ورأوا تلك الأهوال وعلموا ما يستقبلونه من الأوجال استقصروا مدة لبثهم قبل ذلك لأن من استلذ شيئاً استقصر مدته وهم استلذوا ذلك وإن كان من أمرّ المرّ في جنب لهم عن أنهم لاقوه، فقد رجع آخرها بالقيامة على أولها، والتف مفصلها بنزع الأنفس اللوامة على موصلها، واتصلت بأول ما بعدها من جهة الخشية والتذكر فيا طيب متصلها، فسبحان من جعله متعانق المقاطع والمطالع، وأنزله رياضاً محكمة المذاهب والمراجع، والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
ابو السعود
تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا} مَتَى إرساؤُها أي إقامتُها يريدونَ متى يقيمُها الله تعالَى ويُثبتُها ويُكَوِّنُها وقيل: أيانَ مُنتهاهَا ومُستقرهَا كما أنَّ مَرسى السفينةِ حيثُ تنتهي إليهِ وتستقرُّ فيهِ. وقولُه تعالَى: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} إنكارٌ وردٌّ لسؤالِ المشركينَ عنْهَا أيْ في أيِّ شيءٍ أنتَ مِنْ أنْ تذكرَ لهُم وقتَها وتعلمهم بهِ حَتَّى يسألُونكَ بـيانَها، كقولِه تعالَى: {أية : يَسْـئَلُونَكَ كَأنَّكَ حَفِىٌ عَنْهَا } تفسير : [سورة الأعراف، الآية 187] أي ما أنتَ من ذِكْراهَا لهُم وتبـيـينِ وقتِها في شيءٍ لأنَّ ذلكَ فرعُ علمكَ به وأنَّى لكَ ذلكَ وهو مما استأثرَ بعلمه علامُ الغيوبِ ومن قال بصدد التعليل فإنَّ ذكرَها لا يزيدُهم إلا غياً فقد نَأَى عن الحقِّ وقيلَ: فيمَ إنكارٌ لسؤالهم وما بعدَهُ من الاستئنافِ تعليلٌ للإنكار وبـيانٌ لبطلان السؤالِ أيْ فيمَ هذا السؤالُ ثمَّ ابتُدِىءَ فقيلَ: أنتَ من ذِكرَاها، أي إرسالُك وأنتَ خاتمُ الأنبـياءِ المبعوثُ في نسيم الساعةِ علامةٌ من علاماتِها، ودليلٌ يدُلُّهم على العلمِ بوقُوعِها عن قريبٍ فحسبُهم هذه المرتبةُ من العلمِ فمَعْنى قولِه تعالى: {إِلَىٰ رَبّكَ مُنتَهَـٰهَا} على هذا الوجهِ إليهِ تعالَى يرجعُ مُنْتهى علمِها أيْ علمُها بكُنهِها وتفاصيلُ أمرِها وقتَ وقوعِها لا إلى أحدٍ غيرِه وإنما وظيفتُهم أنْ يعلموا باقترابِها ومُشارفتِها، وقدْ حصلَ لهم ذلكَ بمبعثكَ، فما مَعْنى سؤالِهم عنها بعدَ ذلك. وأمَّا على الوجهِ الأولِ فمعناهُ إليهِ تعالَى انتهاءُ علمِها ليسَ لأحدٍ منه شيءٌ ما كائناً من كانَ فلأيِّ شيءٍ يسألونَكَ عنها. وقولُه تعالى: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا} على الوجه الأولِ تقريرٌ لما قبلَهُ من قوله تعالى: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} وتحقيقٌ لما هُو المرادُ منه وبـيانٌ لوظيفتِه عليه الصلاةُ والسلامُ في ذلكَ الشأنِ فإنَّ إنكارَ كونهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في شيءٍ من ذِكراهَا مما يُوهمُ بظاهرِه أنْ ليسَ له عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنْ يذكرَها بوجهٍ من الوجوهِ فأُزيحَ ذلكَ ببـيانِ أنَّ المنفَى عنه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذكرُهَا لهم بتعيـينِ وقتِها حسبَما كانُوا يسألونَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنهَا فالمَعْنى إنما أنتَ منذرُ من يخشاهَا، وظيفتُكَ الامتثالُ بما أُمرتَ من بـيانِ اقترابِها وتفصيلِ ما فيها من فنونِ الأهوالِ كما تحيطُ به خبراً، لا تعيـينِ وقتِها الذي لم يُفوضْ إليكَ فما لهم يسألونَكَ عمَّا ليسَ من وظائِفكَ بـيانُه. وعلى الوجهِ الثانِي هو تقريرٌ لقولِه تعالى: {أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} ببـيانِ أنَّ إرسالَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو خاتمُ الأنبـياءِ عليهم السلامُ منذرٌ بمجيءِ الساعةِ كما ينطقُ به قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "حديث : بعثتُ أنَا والساعةَ كهاتينِ إنْ كادتْ لتسبقُني"تفسير : . وقُرِىءَ منذرٌ بالتنوينِ وهو الأصلُ والإضافةُ تخفيفٌ صالحٌ للحالِ والاستقبالِ، فإذا أُريدَ الماضِي تعينتِ الإضافةُ. وتخصيصُ الإنذارِ بمن يخشَى مع عمومِ الدعوةِ لأنَّه المنتفعُ بهِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {يسألونك} مى برسند ترا اى يا محمد {عن الساعة} اى القيامة {ايان مرساها} ارساؤها اى اقامتها يريدون متى يقيمها الله ويثبتها ويكونها فأيان ظرف بمعنى متى واصله اى آن ووقت والمرسى مصدر بمعنى الارساء وهو الاثبات وهو مبتدأ وايان خبره بتقدير المضاف اذ لا يخبر بالزمان عن الحدث والتقدير متى وقت ارسائها كان المشركون يسمعون اخبار القيامة واوصافها الهائلة مثل انها طامة كبرى وصاخة وقارعة فيقولون على سبيل الاستهزآء ايان مرسها.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يسألونك عن الساعةِ أيّان مُرْسَاها} أي: متى إرساؤها، أي: إقامتها، يُريدون: متى يُقيمها الله تعالى ويكوّنها، وقيل: إيّان منتهاها ومستقرها، كما أنّ مرسى السفينة المحل التي تنتهي إليه وتستقر فيه، {فِيمَ أنتَ مِن ذِكراها} أيّ: في أي شيء أنت مِن أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به؟ أي: ما أنت من ذكراها وتبيين وقتها لهم في شيءٍ حتى يسألونك بيانها، إنما أنت نذير بها، كقولك: ليس فلان من العلم في شيءٍ وهو إنكار ورد لسؤال المشركين عنها، لأنَّ علمها مما استأثر به علاّم الغيوب وقيل: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت، فكفّ، فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها، أي: أنت في شُغل وأي شغل أنت من الاهتمام بالسؤال عنها. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة كثيراً، فما نزلت هذه الآية انتهى عن ذلك. ولا يرده قوله: {أية : كَأَنَّكَ حَفِيُّ عَنْهَا} تفسير : [الأعراف:187] أي: إنهم يزعمون أنك مُبالغ في السؤال عنها حتى علمتها ولست كما يزعمون، لأنّا نقول هذه الآية نزلت قبل تلك، وأنه كان أولاً يسأل عنها حتى نُهي بهذه الآية فانتهى، كما ذكر في الحديث المذكور، فنزلت تلك مخبرة عن حاله بعد انتهائه. والله أعلم. قال القشيري: من أين لك علمها ولم نعلمك بذلك، وقيل: يوقف على قوله: "فِيمَ" أي: هذا السؤال الذي يسألونك فيم، أي: في أي شيء هو، فيكون إنكاراً لسؤالهم، ثم ابتدأ: " مِن ذكراها" أي: إن ظهورك وبعثك وأنت خاتم النبيين من جملة ذكراها، أي: أشراطها وعلامتها، ومؤذن بقيامها، فلا حاجة لسؤالهم عنها، ويرده: عدم الإتيان بهاء السكت، ويجاب: بأنه ليس بلازم، وإنما تَلزمُ فيما جرّ بإضافة اسم، لبقائه على حرف واحد، كما هو مقرر في محله، مع عدم ثبوته في المصحف. ثم أومأ تعالى إلى أنه مختص بحقيقة علمها، فقال: {إِلى ربك منتهاها}؛ منتهى علمها متى يكون، لا يعلمها غيره، {إِنما أنت منذرُ من يخشاها} أي: لم تُبعث لتُعلمهم وقت الساعة، وإنما بُعثت لتُخوّف مِن أهوالها مَن يخاف شدائدها، {كأنهم يوم يرونها} أي: الساعة {لم يَلبثوا} في الدنيا {إِلاَّ عشيةً أو ضُحاها} أي: ضحى العشية، استقلُّوا مدّة لبثهم في الدنيا لما عاينوا من الهول، كقوله: {أية : لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} تفسير : [الأحقاف:35] وإنما صحّ إضافة الضحى إلى العشية للملابسة، لاجتماعهما في نهارٍ واحد، والمراد: أن مدة لبثهم لم تبلغ يوماً كاملاً، ولكن أحد طرفي النهار عشية يومٍ واحدٍ أوضحاه. وقال أبو السعود: الآية إما تقرير وتأكيد لما يُنبىء عنه الإنذار من سرعة مجيء المنذَر به، أي: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الإنذار إلاّ عشية يوم واحد أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضيف ضحاه إلى عشيته. وإمّا رد لما أدمجوه في سؤالهم, فإنهم كانوا يسألون عنها بطريق الاستهزاء مسعجلين لها، فالمعنى: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الوعيد بها إلاّ عشية أو ضُحاها، واعتبار كون اللبث في القبور أو في الدنيا لا يقتضيه المقام، وإنما الذي يقتضيه اعتبار كونه بعد الإنذار، أو بعد الوعيد، تحقيقاً للإنذار، وردًّا لاستبطائهم. والجملة على الأول: حال من الموصول، فإنه على تقدير الإضافة وعلى عدمها مفعول لمُنذر، كما أنَّ قوله تعالى: { أية : كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِنَ ٱلنَّهَارٍ } تفسير : [يونس:45] حال من الضمير في "نحشرهم" أي: نحشرهم مشبّهين بمَن لم يلبث في الدنيا إلاّ ساعة من النهار، خلا أن التشبيه هناك في الأحوال الظاهرة من الزي والهيئة، وفيما نحن فيه من الاعتقاد، كأنه قيل: عِدْهم مشبهين يوم يرونها في الاعتقاد بمَن لم يلبث بعد الإنذار بها إلاّ تلك المدة اليسيرة، وعلى الثاني: مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. هـ. الإشارة: يسألونك أيها العارف عن الساعة التي يفتح الله فيها على المتوجِّه بالدخول في مقام الفناء في الذات، أيَّان مُرْساها، إنما أنت منذر مَن يخشى فواتها، أي: إنما أنت مُبَيّن الطريق التي توصل إليها، وتُخوِّف من العوائق التي تعوق عنها، وليس مِن وظيفتك الإعلام بوقتها، لأنها موهبة من الكريم الوهّاب, كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاّ عشية أو ضحاها، أي: يستصغرون مدة مجاهدتهم وسيرهم في جانب عظمها. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أي: متى مجيئها. {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَآ} تفسير الحسن: إنه ليس عليك من ذكرها شيء، أي: ليس عليك في ذلك علم متى تكون، وقد علمت أنها كائنة. وقال الكلبي: فيم أنت من ذكراها، أي فيم أنت من أن تسأل عنها ولم أخبرك عنها متى تجيء. قال عز وجل: {إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} أي: منتهى علم مجيئها. قال: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} أي: إنما يقبل نذارتك من يخشى الساعة. وقال في آية أخرى: (أية : الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)تفسير : [الأنبياء:49]. قال عز وجل: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} يعني الساعة {لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} أي: عشية أو ضحوة. قال بعضهم: أول ساعة من النهار، تصاغرت الدنيا عندهم فجاءهم الأمر كأنهم لم يروها.
اطفيش
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} يوم القيامة والضمير لقريش *{أَيَّانَ} متى *{مَرْسَاهَا} مصدر ميمي أي أرساءها أي اثباتها أو اسم مكان أي إيان موضع إرسائها أي انتهائها واستقرارها في مرسى السفينه وهو ما تنتهي اليه وتستقر فيه ولكن المكان في الآية مجاز وقيل المنتهى المجئ.
اطفيش
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَن السَّاعَةِ} سؤال إِنكار وتعجيز. {أيَّانَ} اسم استفهام بمعنى متى مقدم. {مُرْسَاهَا} مبتدا مصدر ميمى أى إِرساءها أى إِثباتها يرسيها هو الله عز وجل كما قال والجبال أرساها ومن الثلاثى الجبال الرواسى أى الثوابت والجملة مفعول به ليسأل علق هو عنها بالاستفهام ويجوز أن يكون أيان ظرف مكان مجازاً ومرساها اسم مكان مجازاً أى أين موضع انتهائها بأَن ينزل يوم القيامة كشخص سائر لا يوصل إِليه ما لم يستقر فى موضع.
الالوسي
تفسير : أي متى إرساؤها أي إقامتها يريدون متى يقيمها الله تعالى ويكونها ويثبتها، فالمرسى مصدر ميمي من سار بمعنى ثبت ومنه الجبال الرواسي وحاصل الجملة الاستفهامية السؤال عن زمان ثبوتها ووجودها وجوز أن يكون المرسى بمعنى المنتهى أي متى منتهاها ومستقرها كما أن مرسى السفينة حيث تنتهي إليه وتستقر فيه كذا قيل وتقدير الاستفهام بمتى يقتضي أن المرسى اسم زمان وقوله كما أن الخ ظاهر في أنه اسم مكان ولذا قيل الكلام على الاستعارة بجعل اليوم المتباعد فيه كشخص سائر لا يدرك ويوصل إليه ما لم يستقر في مكان فجعل وقت إدراكه مستقراً له فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني منشؤه أن المشركين كانوا يسألون عن وقت حلول الساعة التي يتوعدهم بها النبي صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله عنهم غير مرة في القرآن كقوله: { أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } تفسير : [يونس: 48]. وكان سؤالهم استهزاء واستخفافاً لأنهم عقدوا قلوبهم على استحالة وقوع الساعة وربما طلبوا التعجيل بوقوعها وأوهموا أنفسهم وأشياعهم أن تأخر وقوعها دليل على اليأس منها لأنهم يتوهمون أنهم إذا فعلوا ذلك مع الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان صادقاً لحَمِي غضب الله مُرسِله سبحانه فبادر بإراءتهم العذاب وهم يتوهمون شؤون الخالق كشؤون الناس إذا غضب أحدهم عجَّل بالانتقام طيشاً وحنقاً قال تعالى: { أية : لو يؤاخذهم بما كسبوا لعَجّل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً } تفسير : [الكهف: 58]. فلا جرم لما قُضي حق الاستدلال على إمكان البعث بإقامة الدليل وضرب الأمثال، وعرض بعقاب الذين استحقوا بها في قوله: { أية : فإذا جاءت الطامة الكبرى } تفسير : [النازعات: 34]، كان ذلك مثاراً لسؤالهم أن يقولوا: هل لمجيء هذه الطامة الكبرى وقت معلوم؟ فكان الحال مقتضياً هذا الاستئناف البياني قضاء لحق المقام وجواباً عن سابق الكلام. فضمير «يسألون» عائد إلى المشركين أصحاب القلوب الواجفة والذين قالوا: { أية : أإنا لمردودون في الحافرة } تفسير : [النازعات: 10]. وحكي فعل السؤال بصيغة المضارع للدلالة على تجدد هذا السؤال وتكرره. والساعة: هي الطامة فذكر الساعة إظهار في مقام الإِضمار لقصد استقلال الجملة بمدلولها مع تفنن في التعبير عنها بهذين الاسمين { أية : الطامة } تفسير : [النازعات: 34] و{الساعة}. و{أيان مرساها} جملة مبينة للسؤال. و{أيّان} اسم يستفهم به عن تعيين الوقت. والاستفهام مستعمل في الاستبعاد كنايةً وهو أيضاً كناية عن الاستحالة و{مُرساها} مصدر ميمي لفعل أرسى، والإِرساء: جعل السفينة عند الشاطىء لقصد النزول منها. واستعير الإِرساء للوقوع والحصول تشبيهاً للأمر المغيَّب حصوله بسفينة ماخرة البحر لا يُعرف وصولها إلا إذا رسَتْ، وعليه فــــ {أيّان} ترشيح للاستعارة، وتقدم نظير هذه في سورة الأعراف. وقوله: {فيم أنت من ذكراها} واقع موقع الجواب عن سؤالهم عن الساعة باعتبار ما يظهر من حال سؤالهم عن الساعة من إرادة تعيين وقتها وصرف النظر عن إرادتهم به الاستهزاء، فهذا الجواب من تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، وهو من تلقي السائل بغير ما يتطلب تنبيهاً له على أن الأولى به أن يهتم بغير ذلك، وهو مضمون قوله: {إنما أنت منذر من يخشاها}. وهذا ما يسمى بالأسلوب الحكيم، ونظيره ما روي في الصحيح حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال له: «ماذا أعْدَدْتَ لها؟» تفسير : ، أي كان الأولى لك أن تصرف عنايتك إلى الاستكثار من الحسنات إعداداً ليوم الساعة. والخطاب وإن كان موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالمقصود بلوغه إلى مسامع المشركين فلذلك اعتبر اعتبارَ جواب عن كلامهم وذلك مقتضى فصل الجملة عن التي قبلها شأن الجواب والسؤال. و(ما) في قوله: {فيم} اسم استفهام بمعنى: أي شيء؟ مستعملة في التعجيب من سؤال السائلين عنها ثم توبيخهم. و(في) للظرفية المجازية بجعل المشركين في إحفائهم بالسؤال عن وقت الساعة كأنهم جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم محوطاً بذكر وقت الساعة، أي متلبساً به تلبس العالم بالمعلوم فدُل على ذلك بحرف الظرفية على طريقة الاستعارة في الحرف. وحُذف ألف (ما) لوقوعها بعد حرف الجر مثل { أية : عَمّ يتساءلون } تفسير : [النبأ: 1]. و{فيم} خبر مقدم و{أنت} مبتدأ، و{مِن ذكراها} إما متعلق بالاستقرار الذي في الخبر أو هو حال من المبتدأ. و{مِن}: إما مّبينة للإِبهام الذي في (ما) الاستفهامية، أي في شيء هو ذكراها، أي في شيء هو أن تَذْكرها، أي لستَ متصدياً لشيء هو ذكرى الساعة، وإما صفةٌ للمبتدأ فهي اتصالية وهي ضرب من الابتدائية ابتداؤها مجازي، أي لست في شيء يتصل بذكرى الساعة ويحوم حوله، أي ما أنت في شيء هو ذكر وقت الساعة، وعلى الثاني: ما أنت في صلة مع ذكر الساعة، أي لا ملابسة بينك وبين تعيين وقتها. وتقديم {فيم} على المبتدأ للاهتمام به ليفيد أن مضمون الخبر هو مناط الإِنكار بخلاف ما لو قيل: أأنت في شيء من ذكراها؟ والذكرى: اسم مصدر الذِّكر، والمراد به هنا الذكر اللساني. وجملة {إلى ربك منتهاها} في موقع العلة للإِنكار الذي اقتضاه قوله: {فيم أنت من ذكراها} ولذلك فصلت، وفي الكلام تقدير مضاف، والمعنى: إلى ربك عِلم منتهاها. وتقديم المجرور على المبتدأ في قوله: {إلى ربك منتهاها} لإِفادة القصر، أي لا إليك، وهذا قصر صفة على موصوف. والمنتهى: أصله مكان انتهاء السير، ثم أطلق على المصير لأن المصير لازم للانتهاء قال تعالى: { أية : وأن إلى ربك المنتهى } تفسير : [النجم: 42] ثم توسّع فيه فأطلق على العلم، أي لا يعلمها إلا الله، فقوله: {منتهاها} هو في المعنى على حذف مضاف، أي علم وقت حصولها كما دل عليه قوله: {أيّان مرساها}. ويجوز أن يكون {منتهاها} بمعنى بلوغ خبرها كما يقال: أنهيت إلى فلان حادثة كذا، وانتهى إليَّ نبأ كذا. وقوله: {إنما أنت مُنذر من يخشاها} استئناف بياني ناشىء عن جملة {فِيمَ أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها} وهو أن يسأل السامع عن وجه إكثار النبي صلى الله عليه وسلم ذِكرها وأنها قريبة، فأجيب بأن النبي صلى الله عليه وسلم حظه التحذير من بَغْتَتِها، وليس حظه الإِعلام بتعيين وقتها، على أن المشركين قد اتخذوا إعراض القرآن عن تعيين وقتها حجة لهم على إحالتها لأنهم لجهلهم بالحقائق يحسبون أن من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم الغيب ولذلك تكرر في القرآن تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كما في قوله تعالى: { أية : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب } تفسير : [الأنعام: 50]. وأفادت {إنما} قصر المخاطب على صفة الإنذار، أي تخصيصه بحال الإِنذار وهو قصر موصوف على صفة فهو قصر إضافي، أي بالنسبة إلى ما اعتقدوه فيه بما دل عليه إلحافهم في السؤال من كونه مطلعاً على الغيب. وقوله: {منذر من يخشاها} قرأه الجمهور بإضافة {منذر} إلى {من يخشاها}. وقرأه أبو جعفر بتنوين {منذر} على أن {من يخشاها} مفعوله. وفي إضافة {منذر} إلى {من يخشاها} أو نصبِه به إيجازُ حذف تقديره: منذرها فينتذر من يخشاها، وقرينة ذلك حاليَّة للعلم المتواتر من القرآن بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينذر جميع الناس لا يخص قوماً دون آخرين فإن آيات الدعوة من القرآن ومقامات دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا عامة. ولا يُعرف من يَخشى الساعة إلا بعد أن يؤمِن المُؤمن ولو عرف أحد بعينه أنه لا يؤمن أبداً لما وجهت إليه الدعوة، فتعين أن المراد: أنه لا ينتفع بالإِنذار إلا من يخشى الساعة ومن عداه تمُرّ الدعوة بسمعه فلا يَأبَهُ بها، فكان ذكر {من يخشاها} تنويهاً بشأن المؤمنين وإعلاناً لمزيتهم وتحقيراً للذين بقُوا على الكفر قال تعالى: { أية : وما أنت بمُسمِع مَن في القبور إن أنت إلا نذير } تفسير : [فاطر: 22، 23]. وعلى هذا القانون يفهم لماذا وجه الخطاب بالإِيمان إلى ناس قد علم الله أنهم لا يؤمنون، وكَشف الواقعُ على أنهم هلكوا ولم يؤمنوا مثل صناديد قريش أصحاب القليب قليبِ بدر مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة، ولماذا وُجه الخطاب بطلب التقوى ممن علم الله أنه لا يتقي مثل دُعّار العرب الذين أسلموا ولم يتركوا العدوان والفواحش، ومثل أهل الردة الذين لم يكفروا منهم ولكنهم أصرّوا على منع الزكاة وقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه، فمن مات منهم في ذلك فهو ممن لم يتق الله لأن ما في علم الله لا يبلغ الناس إلى علمه ولا تظهر نهايته إلا بعد الموت وهي المسألة المعروفة عند المتكلمين من أصحابنا بمسألة المُوافاة.
الواحدي
تفسير : {يسألونك عن الساعة} يعني: القيامة. {أيَّان مرساها} متى وقوعها وثبوتها؟ قال الله تعالى: {فيم أنت} يا محمد {من ذكراها} أي: ليس عندك علمها. {إلى ربك منتهاها} منتهى علمها. {إنما أنت منذر مَنْ يخشاها} إنَّما ينفع إنذارك من يخشاها. {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا} في قبورهم {إلاَّ عَشِيَّةً أو ضحاها} أَيْ: نهارها. استقصروا مدَّة لبثهم في القبور لما عاينوا من الهول.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} {مُرْسَاهَا} (42) - كَانَ المُشْرِكُونَ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّاعَةِ... عِنَاداً وَاسْتِهْزَاءً، مَتَى تَكُونُ؟، وَيُلِحُّونَ عَلَيهِ فِي التَّعْجِيلِ بِقِيَامِهَا. وَكَانَ النَّبِيُّ يَتَمَنَّى أَنْ يَجِيبَهُمْ عَمَّا يَسْأَلُونَ، حِرْصاً مِنْهُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ. فَنَهَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَمَنَّي مَا لاَ يُرْجَى. لأَِنَّ السَّاعَةَ عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ مَهْمَّتُهُ الإِنْذَارُ، وَتَبْلِيغُ رِسَالَةِ رَبِّهِ، أَمَّا المُعَانِدُونَ فَلْيَذَرُهُمْ وَشَأْنَهم. وَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّ المُشْرِكِينَ يَسْأَلُونَ مَتَى تَكُونُ السَّاعَةُ؟. أَيَّانَ مُرْسَاهَا - مَتَى يُقِيمُهَا اللهُ وَيُثَبِّتُهَا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} معناه متى زمانُها؟ ويقالُ: مُنتهاها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: يسألك المتعنتون المكذبون بالبعث { عَنِ السَّاعَةِ } متى وقوعها و { أَيَّانَ مُرْسَاهَا } فأجابهم الله بقوله: { فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا } أي: ما الفائدة لك ولهم في ذكرها ومعرفة وقت مجيئها؟ فليس تحت ذلك نتيجة، ولهذا لما كان علم العباد للساعة ليس لهم فيه مصلحة دينية ولا دنيوية، بل المصلحة في خفائه عليهم، طوى علم ذلك عن جميع الخلق، واستأثر بعلمه فقال: { إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا } أي: إليه ينتهي علمها، كما قال في الآية الأخرى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغته يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. تفسير : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } أي: إنما نذارتك [نفعها] لمن يخشى مجيء الساعة، ويخاف الوقوف بين يديه، فهم الذين لا يهمهم سوى الاستعداد لها والعمل لأجلها. وأما من لا يؤمن بها، فلا يبالي به ولا بتعنته، لأنه تعنت مبني على العناد والتكذيب، وإذا وصل إلى هذه الحال، كان الإجابة عنه عبثا، ينزه الحكيم عنه [تمت] والحمد لله رب العالمين.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم وَالنَّازِعَاتِ 665 - أنا أحمدُ بنُ سُليمان، نا مُؤمَّلُ بنُ الفضلِ، نا عيسى، عن إسماعيل، نا طارقُ بن شهابٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان لا يزالُ يذكرُ من شأنِ السَّاعةِ حتى نزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا} [42] الآيةُ كُلُّها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):