Verse. 5775 (AR)

٨٠ - عَبَسَ

80 - Abasa (AR)

قُتِلَ الْاِنْسَانُ مَاۗ اَكْفَرَہٗ۝۱۷ۭ
Qutila alinsanu ma akfarahu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قتل الإنسان» لعن الكافر «ما أكفره» استفهام توبيخ، أي ما حمله على الكفر.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين، عجب عباده المؤمنين من ذلك، فكأنه قيل: وأي سبب في هذا العجب والترفع مع أن أوله نطفة قذوة وآخره جيفة مذرة، وفيها بين الوقتين حمال عذرة، فلا جرم ذكر تعالى ما يصلح أن يكون علاجاً لعجبهم، وما يصلح أن يكون علاجاً لكفرهم، فإن خلقة الإنسان تصلح لأن يستدل بها على وجود الصانع، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر والنشر. المسألة الثانية: قال المفسرون: نزلت الآية في عتبة بن أبي لهب، وقال آخرون: المراد بالإنسان الذين أقبل الرسول عليهم وترك ابن أم مكتوم بسببهم، وقال آخرون: بل المراد ذم كل غني ترفع على فقير بسبب الغنى والفقر، والذي يدل على ذلك وجوه أحدها: أنه تعالى ذمهم لترفعهم فوجب أن يعم الحكم بسبب عموم العلة وثانيها: أنه تعالى زيف طريقتهم بسبب حقارة حال الإنسان في الابتداء والانتهاء على ما قال: {أية : مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ... ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } تفسير : [عبس: 19- 21] وعموم هذا الزجر يقتضي عموم الحكم وثالثها: وهو أن حمل اللفظ على هذا الوجه أكثر فائدة، واللفظ محتمل له فوجب حمله عليه. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ } دعاء عليه وهي من أشنع دعواتهم، لأن القتل غاية شدائد الدنيا وما أكفره تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله، فقوله: {قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ } تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب، وقوله: {مَا أَكْفَرَهُ } تنبيه على أنواع القبائح والمنكرات، فإن قيل الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز والقادر على الكل كيف يليق به ذاك؟ والتعجب أيضاً إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، فالعالم بالكل كيف يليق به ذاك؟ الجواب: أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب وتحقيقة ما ذكرنا أنه تعالى بين أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب لأجل أنهم أتوا بأعظم أنواع القبائح، واعلم أن لكل محدث ثلاث مراتب أوله ووسطه وآخره، وأنه تعالى ذكر هذه المراتب الثلاثة للإنسان. أما المرتبة الأولى: فهي قوله:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}؟ «قتِل» أي لعِن. وقيل: عُذِّب. والإنسان الكافر. روى الأعمش عن مجاهد قال: ما كان في القرآن «قُتِل الإنسان» فإنما عُني به الكافر. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: نزلت في عُتْبة بن أبي لَهَب، وكان قد آمن، فلما نزلت «والنجم» ٱرتدّ، وقال: آمنت بالقرآن كلّه إلا النجم، فأنزل الله جل ثناؤه فيه «قتِل الإنسان» أي لُعن عُتبة حيث كفر بالقرآن، ودعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : اللَّهُمْ سلِّطْ عليه كلبك أسد الغاضِرة » تفسير : فخرج من فوره بتجارة إلى الشام، فلما ٱنتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيا، فجعلوه في وسط الرُّفقة، وجعلوا المتاع حوله، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد، فلما دنا من الرحال وثب، فإذا هو فوقه فمزقه، وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال: ما قال محمد شيئاً قَطُّ إلا كان. وروى أبو صالح عن ٱبن عباس «ما أكفره»: أيُّ شيء أكفره؟ وقيل: «ما» تعجب؛ وعادة العرب إذا تعجبوا من شيء قالوا: قاتله الله ما أحسنه! وأخزاه الله ما أظلمه؛ والمعنى: أعجبوا من كفر الإنسان لجميع ما ذكرنا بعد هذا. وقيل: ما أكفره بالله ونعمه مع معرفته بكثرة إحسانه إليه على التعجب أيضاً؛ قال ابن جريح أي ما أشدّ كفره! وقيل: «ما» استفهام أي أي شيء دعاه إلى الكفر؛ فهو ٱستفهام توبيخ. و «ما» تحتمل التعجب، وتحتمل معنى أيّ، فتكون ٱستفهاماً. {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} أي من أيّ شيء خلق الله هذا الكافر فيتكبر؟ أي ٱعجبوا لخلقه. {مِن نُّطْفَةٍ} أي من ماء يسيرٍ مَهِين جَماد {خَلَقَهُ} فلَم يغلط في نفسه؟! قال الحسن: كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين. {فَقَدَّرَهُ} في بطن أمه. كذا روى الضحاك عن ابن عباس: أي قدّر يديه ورجليه وعينيه وسائر آرابه، وحسناً ودميماً، وقصيراً وطويلاً، وشقياً وسعيداً. وقيل: «فقدّره» أي فسواه كما قال: { أية : أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } تفسير : [الكهف: 37]. وقال: { أية : ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ } تفسير : [الانفطار: 7]. وقيل: «فقدَّره» أطواراً أي من حال إلى حال؛ نطفة ثم علقة، إلى أن تم خَلْقه. {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} قال ابن عباس في رواية عطاء وقتادة والسدي ومقاتل: يَّسره للخروج من بطن أمه. مجاهد: يسَّره لطريق الخير والشر؛ أي بيَّن له ذلك. دليله: { أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ } تفسير : [الإنسان: 3] و { أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } تفسير : [البلد: 10]. وقاله الحسن وعطاء وابن عباس أيضاً في رواية أبي صالح عنه. وعن مجاهد أيضاً قال: سبيل الشقاء والسعادة. ٱبن زيد: سبيل الإسلام. وقال أبو بكر بن طاهر: يَسَّر على كل أحد ما خلقه له، وقدَّره عليه؛ دليله قوله عليه السلام: « حديث : ٱعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لما خُلقِ له » تفسير : . {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} أي جعل له قبراً يوارَى فيه إكراماً، ولم يجعله مما يلُقَى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي؛ قاله الفرّاء. وقال أبو عبيدة: «أقبره»: جعل له قبراً، وأمر أن يُقْبر. قال أبو عبيدة: ولما قَتَل عمرُ بن هُبيرة صالحَ بن عبد الرحمن، قالت بنو تميم ودخلوا عليه: أَقبِرنا صالحاً؛ فقال: دونكموه. وقال: «أَقبره» ولم يقل قَبَره؛ لأن القابر هو الدافن بيده، قال الأعشى: شعر : لو أَسْندتْ مَيْتا إلى نحرِها عاشَ ولم يُنقَلْ إلى قابِرِ تفسير : يقال: قبرت الميت: إذا دفنته، وأقبره الله: أي صيره بحيث يُقْبر، وجعل له قبراً؛ تقول العرب: بترت ذَنَب البعير، وأبتره الله، وعضبت قَرْن الثور، وأعضبه الله، وطردت فلاناً، والله أطرده، أي صيره طريداً. {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} أي أحياه بعد موته. وقراءة العامة «أَنشرهُ» بالألف. وروي أبو حَيْوة عن نافع وشعيب بن أبي حمزة «شاء نشره» بغير ألف، لغتان فصحيتان بمعنى؛ يقال: أنشر الله الميت ونَشَره؛ قال الأعشى: شعر : حتى يقولَ الناس مما رأَوا يا عَجَبَا لِلميتِ الناشِرِ تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} قال مجاهد وقتادة: «لَمّا يَقْضِ»: لا يقضي أحد ما أَمرِ به. وكان ٱبن عباس يقول: «لما يقضِ ما أمره» لم يف بالميثاق الذي أُخِذَ عليه في صلب آدم. ثم قيل: «كَلاَّ» ردع وزجر، أي ليس الأمر: كمَا يقول الكافر؛ فإن الكافر إذا أُخبر بالنُّشور قال: { أية : وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } تفسير : [فصلت: 50] ربما يقول قد قضيت ما أَمِرْت به. فقال: كلاّ لمْ يقض شيئاً بل هو كافر بي وبرسولي. وقال الحسن: أي حَقّاً لم يقض: أي لم يَعمل بما أُمر به. و «ما» في قوله: «لَمّا» عماد للكلام؛ كقوله تعالى: { أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 159] وقوله: { أية : عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } تفسير : [المؤمنون: 40] وقال الإمام ٱبن فُورَك: أي: كَلاّ لَمّا يقض الله لهذا الكافر ما أَمره به من الإيمان، بل أمره بما لم يقض له. ٱبن الأنباريّ: الوَقف على «كَلاّ» قبيح، والوقف على «أَمره» و «نشره» جيد؛ فـ «ـكلاَّ» على هذا بمعنى حَقًّا.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ذاماً لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: { قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُ} قال الضحاك عن ابن عباس: {قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ}: لعن الإنسان، وكذا قال أبو مالك. وهذا لجنس الإنسان المكذب؛ لكثرة تكذيبه بلا مستند، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم، قال ابن جريج: {مَآ أَكْفَرَهُ} أي: ما أشد كفره وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد: أي شيء جعله كافراً؟ أي: ما حمله على التكذيب بالمعاد؟ وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي. وقال قتادة {مَآ أَكْفَرَهُ}: ما ألعنه ثم بين تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه، فقال تعالى: { مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } أي: قدر أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد، { ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} قال العوفي عن ابن عباس: ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه، وكذا قال عكرمة والضحاك وأبو صالح وقتادة والسدي، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد: هذه كقوله تعالى: {أية : إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 3] أي: بيناه له، وأوضحناه، وسهلنا عليه عمله، وكذا قال الحسن وابن زيد، وهذا هو الأرجح، والله أعلم. وقوله تعالى: { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} أي: إنه بعد خلقه له أماته فأقبره، أي: جعله ذا قبر، والعرب تقول: قبرت الرجل، إذا ولى ذلك منه، وأقبره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله، وبترت ذنب البعير، وأبتره الله، وطردت عني فلاناً، وأطرده الله، أي: جعله طريداً، قال الأعشى:شعر : لَوْ أَسْنَدَتْ مَيْتاً إلى صَدْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ تفسير : وقوله تعالى: { ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} أي: بعثه بعد موته، ومنه يقال: البعث والنشور {أية : وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} تفسير : [الروم: 20]، {أية : وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} تفسير : [البقرة: 259] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن دراجاً أبا السمح أخبره عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه» تفسير : قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: «حديث : مثل حبة خردل، منه تنشؤون» تفسير : وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بدون هذه الزيادة، ولفظه: «حديث : كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق، وفيه يركب.»تفسير : وقوله تعالى: { كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} قال ابن جرير: يقول جل ثناؤه: كلا، ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر؛ من أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله {لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} يقول: لم يؤدِّ ما فرض عليه من الفرائض لربه عز وجل. ثم روى هو وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله تعالى: { كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} قال: لا يقضي أحد أبداً كل ما افترض عليه، وحكاه البغوي عن الحسن البصري بنحو من هذا، ولم أجد للمتقدمين فيه كلاماً سوى هذا، والذي يقع لي في معنى ذلك، والله أعلم، أن المعنى: { ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} أي: بعثه { كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} أي: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر من بني آدم؛ ممن كتب الله أن سيوجد منهم، ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كوناً وقدراً، فإذا تناهى ذلك عند الله، أنشر الله الخلائق، وأعادهم كما بدأهم. وقد روى ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قال عزير عليه السلام: قال الملك الذي جاءني: فإن القبور هي بطن الأرض، وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه القبور التي مد الله لها، انقطعت الدنيا، ومات من عليها، ولفظت الأرض ما في جوفها، وأخرجت القبور ما فيها. وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وقوله تعالى: { فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} فيه امتنان، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاماً بالية وتراباً متمزقاً {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} أي: أنزلناه من السماء على الأرض { ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً} أي: أسكناه فيها، فدخل في تخومها، وتخلل في أجزاء الحب المودع فيها، فنبت وارتفع، وظهر على وجه الأرض { فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً } فالحب كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها؛ القت أيضاً، وقال ذلك ابن عباس، وقتادة والضحاك والسدي، وقال الحسن البصري: القضب: العلف {وَزَيْتُوناً} وهو معروف، وهو أدم، وعصيره أدم، ويستصبح به ويدهن به، {وَنَخْلاً} يؤكل بلحاً وبسراً ورطباً وتمراً، ونيئاً ومطبوخاً، ويعتصر منه رب وخل { وَحَدَآئِقَ غُلْباً} أي: بساتين، قال الحسن وقتادة: غلباً: نخل غلاظ كرام، وقال ابن عباس ومجاهد: كل ما التف واجتمع. وقال ابن عباس أيضاً: غلباً الشجر الذي يستظل به، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { وَحَدَآئِقَ غُلْباً} أي: طوال، وقال عكرمة: غلباً: أي: غلاظ الأوساط. وفي رواية: غلاظ الرقاب، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب، رواه ابن أبي حاتم، وأنشد ابن جرير للفرزدق:شعر : عَوى فأَثأر أَغْلَبَ ضَيْغَمِيّاً فَوَيْلُ ابنِ المَراغَةِ ما اسْتَثَارَا تفسير : وقوله تعالى: { وَفَـٰكِهَةً وَأَبّاً} أما الفاكهة، فكل ما يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس: الفاكهة: كل ما أكل رطباً، والأبُّ: ما أنبتت الأرض؛ مما تأكله الدواب، ولا يأكله الناس، وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم. وقال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك: الأبُّ: الكلأ، وعن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: الأبُّ للبهائم كالفاكهة لبني آدم، وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أبٌّ. وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأبُّ. وقال ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس: الأبُّ: نبت الأرض مما تأكله الدواب، ولا يأكله الناس. ورواه ابن جرير من ثلاث طرق عن ابن إدريس، ثم قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك عن سعيد بن جبير قال: عدّ ابن عباس وقال: الأبُّ ما أنبتت الأرض للأنعام. وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام، وقال العوفي عن ابن عباس: الأبُّ: الكلأ والمرعى، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد وغير واحد. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله تعالى: { وَفَـٰكِهَةً وَأَبّاً} فقال: أيّ سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق رضي الله عنه. فأما ما رواه ابن جرير حيث قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: { عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} فلما أتى على هذه الآية: { وَفَـٰكِهَةً وَأَبّاً} قال: قد عرفنا الفاكهة، فما الأب؟ فقال: لعمرك يابن الخطاب إن هذا لهو التكلف. فهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس به، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض؛ لقوله: { فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَـٰكِهَةً وَأَبّاً } وقوله تعالى: { مَّتَـٰعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَـٰمِكُمْ} أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُتِلَ ٱلإِنسَٰنُ } لعن الكافر {مَآ أَكْفَرَهُ }؟ استفهام توبيخ، أي ما حمله على الكفر.

الماوردي

تفسير : {قُتِلَ الإنسانُ ما أكْفَرَه} في " قتل " وجهان: أحدهما: عُذِّب. الثاني: لعن. وفي " الإنسان" ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه إشارة إلى كل كافر، قاله مجاهد. الثاني: أنه أمية بن خلف، قاله الضحاك. الثالث: أنه عتبة بن أبي لهب حين قال: إني كفرت برب النجم إذا هوى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللَّهم سلّطْ عليه كلبك" تفسير : فأخذه الأسد في طريق الشام، قاله ابن جريج والكلبي. وفي " ما أكْفَرَه" ثلاثة أوجه: أحدها: أن " ما" تعجب، وعادة العرب إذا تعجبوا من شيء قالوا قاتله الله ما أحسنه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: أعجبوا من كفر الإنسان لجميع ما ذكرنا بعد هذا. الثاني: أي شيء أكفره، على وجه الاستفهام، قاله السدي ويحيى بن سلام. الثالث: ما ألعنه، قاله قتادة. {ثم السبيلَ يَسّرَهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: خروجه من بطن أمه، قاله عكرمة والضحاك. الثاني: سبيل السعادة والشقاوة، قاله مجاهد. الثالث: سبيل الهدى والضلالة، قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: سبيل منافعه ومضاره. {ثُمَّ أَماتَهُ فأَقْبَرَهُ} فيه قولان: أحدهما: جعله ذا قبر يدفن فيه، قاله الطبري، قال الأعشى: شعر : لو أسْنَدَتْ مَيْتاً إلى نَحْرِها عاشَ ولم يُنْقلْ إلى قابر تفسير : الثاني: جعل من يقبره ويواريه، قاله يحيى بن سلام. {ثُمَّ إذا شاءَ أَنشَرَهُ} يعني أحياه، قال الأعشى: شعر : حتى يقولَ الناسُ مما رأوْا يا عجباً للميّت الناشِرِ تفسير : {كلاّ لّما يَقْضِ ما أَمَرَهُ} فيه قولان: أحدهما: أنه الكافر لم يفعل ما أمر به من الطاعة والإيمان، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه على العموم في المسلم والكافر، قال مجاهد: لا يقضي أحد أبداً ما افترض عليه، وكلاّ ها هنا لتكرير النفي وهي موضوعة للرد. ويحتمل وجه حمله على العموم أن الكافر لا يقضيه عمراً، والمؤمن لا يقضيه شهراً. {فَلْيَنظُرِ الإنسانُ إلى طَعامِه} فيه وجهان: أحدهما: إلى طعامه الذي يأكله وتحيا نفسه به، من أي شيء كان، قاله يحيى. الثاني: ما يخرج منه أي شيء كان؟ ثم كيف صار بعد حفظ الحياة وموت الجسد. قال الحسن: إن ملكاً يثني رقبة ابن آدم إذا جلس على الخلاء لينظر ما يخرج منه. ويحتمل إغراؤه بالنظر إلى وجهين: أحدهما: ليعلم أنه محل الأقذار فلا يطغى. الثاني: ليستدل على استحالة الأجسام فلا ينسى. {أنّا صَبَبْنا الماءَ صبّاً} يعني المطر. {ثم شَقَقْنا الأرضَ شقّاً} يعني بالنبات. {فَأَنْبَتْنَا فيها حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً} والقضب: القت والعلق سمي بذلك لقضبه بعد ظهوره. {وزَيْتوناً ونخْلاً * وحدائقَ غُلْباً} فيه قولان: أحدهما: نخلاً كراماً، قاله الحسن. الثاني: الشجر الطوال الغلاظ، قال الكلبي: الْغلب الغِلاط، قال الفرزدق: شعر : عَوَى فأَثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميّاً فَوَيْلَ ابنِ المراغةِ ما استثار تفسير : وفي " الحدائق" ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها ما التف واجتمع، قاله ابن عباس. الثاني: أنه نبت الشجر كله. الثالث: أنه ما أحيط عليه من النخل والشجر، وما لم يحط عليه فليس بحديقة حكاه أبو صالح. ويحتمل قولاً رابعاً: أن الحدائق ما تكامل شجرها واختلف ثمرها حتى عم خيرها. ويحتمل الغُلْب أن يكون ما غلبت عليه ولم تغلب فكان هيناً. {وفاكهةً وأبّاً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن الأبّ ما ترعاه البهائم، قاله ابن عباس: وما يأكله الآدميون الحصيدة، قال الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : له دعوة ميمونة ريحها الصبا بها يُنْبِتُ الله الحصيدة والأَبّا تفسير : الثاني: أنه كل شيء ينبت على وجه الأرض، قاله الضحاك. الثالث: أنه كل نبات سوى الفاكهة، وهذا ظاهر قول الكلبي. الرابع: أنه الثمار الرطبة، قاله ابن أبي طلحة. الخامس: أنه التبن خاصة، وهو يحكي عن ابن عباس أيضاً، قال الشاعر: شعر : فما لَهم مَرْتعٌ للسّوا م والأبُّ عندهم يُقْدَرُ تفسير : ووجدت لبعض المتأخرين سادساً: أن رطب الثمار هو الفاكهة، ويابسها الأبّ. ويحتمل سابعاً: أن الأبّ ما أخلف مثل أصله كالحبوب، والفاكهة ما لم يخلف مثل أصله من الشجر. روي أن عمر بن الخطاب قرأ {عبس وتولّى} فلما بلغ إلى قوله تعالى: {وفاكهة وأبّا} قال: قد عرفنا الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا هو التكلف وألقى العصا من يده. وهذا مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من قبورهم فهم كنبات الزرع بعد دثوره، وتضمن امتناناً عليهم بما أنعم.

ابن عبد السلام

تفسير : {قُتِلَ} عذب أو لعن {الإِنسَانُ} كل كافر أو أمية بن خلف أو عتبة بن أبي لهب حين قال كفرت برب النجم إذا هوى فقال الرسول صلى الله عليه سلم "حديث : اللهمّ سلّط عليه كلبك " تفسير : فأخذه الأسد في طريق الشام. {مَآ أَكْفَرَهُ} ما أشدّ كفره أو أي شيء أكفره على جهة الاستفهام أو ما ألعنه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ}: دعاء على اسْمِ الجنسِ، وهو عُمُومٌ يرادُ به الإنسانُ الكافِرُ، ومعنى {قُتِلَ}: أي: هو أهلٌ أنْ يُدْعَى عليْه بهذا، وقال مجاهد: {قَتِلَ} معناه: لُعِنَ وَهَذَا تَحَكُّمٌ * ت *: ليسَ بتحكمٍ وقد تقدم نحوُه عن غيرِ واحدٍ. وقوله تعالى: {مَا أَكْفَرَهُ} يحتملُ معنى التعجبِ، ويحتملُ الاستفهامَ توبيخاً، وقيلَ: حديث : الآيةُ نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بنِ أبي لهبٍ، وذلك أنَّه غَاضَبَ أبَاه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسْلَم ثم إن أباه اسْتَصْلَحَه وأعطَاه مالاً وجهَّزَه إلى الشامِ، فبعث عتبةُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنِّي كافرٌ بربِّ النَّجْمِ إذَا هَوَىٰ فدعَا عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ حَتَّى يَأْكُلَهُ»تفسير : ، ثم إن عُتْبَةَ خَرَجَ في سُفْرَة فجاءَ الأسَدُ فأكلَه من بينْ الرُّفْقَةِ. وقوله تعالى: {مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ} استفهامٌ على معنى التقرير على تفاهةِ الشيءِ الذي خُلِقَ الإنسانُ منه، {فَقَدَّرَهُ} أي جعَلَه بقَدَرٍ وَحَدٍّ معلومٍ، {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} قال ابن عباس وغيره: هي سبيلُ الخُرُوجِ من بطن أمِّهِ، وقال الحسنُ، ما معناه أن السبيلَ هي سبيلُ النظرِ المؤدِّي إلى الإيمانِ. وقوله {فَأَقْبَرَهُ} معناه: أمَر أنْ يُجْعَلَ له قبرٌ، وفي ذلك تكريمٌ له؛ لِئَلاَّ يطرحَ كسائرِ الحيوان. وقوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ} يريدُ: إذا بَلَغَ الوقتَ الذي قَدْ شاءَه؛ وهو يومُ القيامةِ، و{أَنشَرَهُ} معناه: أحْيَاه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}. أي: لُعِنَ. وقيل: عُذِّبَ، والإنسان: الكافرُ. روى الأعمشُ عن مجاهدٍ قال: ما كان في القرآن من قتل الإنسان، فإن ما عني به الكافر. قال النحويون: وهذا إما تعجبٌ، أو استفهام تعجبٍ. قال ابن الخطيب: اعلم أنَّه - تعالى - لما ذكر ترفُّع صناديد قريش على فقراء المسلمين عجب [عباده] المؤمنين من ذلك، فكأنَّه قيل: وأيُّ سببٍ في هذا الترفُّع مع أنَّه أوله نطفة مَذِرَة، وآخره جِيفةٌ قذرةٌ، وهو فيما بين الوقتين حمال عذرة، فلا جرم أن يذكر - تعالى - ما يصلُح أن يكون علاجاً لعجبهم، وعلاجاً لكفرهم فإنَّ خلقة الإنسان تصلُح لأن يستدلّ بها على وجود الصانع، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر. قيل: نزلت في عتبةَ بنِ أبي لهبٍ، والظاهر العموم. وقوله تعالى: {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ} دعاء عليه بأشدِّ الأشياءِ؛ لأنَّ القتل غاية شدائدِ الدُّنيا، و {مَآ أَكْفَرَهُ}، تعجُّبٌ من إفراطهِ في كفرانِ نعمةِ اللهِ. فإن قيل: الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز، والقادر على الكُلِّ كيف يليق به ذلك؟ والتعجب أيضاً إنما يليق بالجاهل بسبب الشَّيء، فالعالمُ به كيف يليق ذلك بِهِ؟. فالجواب: أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب، لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب، حيث أتوا بأعظم القبائحِ كقولهم إذا تعجَّبُوا من شيءٍ قاتلهُ اللهُ ما أخَسّه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا بعد هذا. وقيل: ما أكفرهُ بالله ونعمه مع معرفته بكثرة إحسانه إليه، والاستفهام بقوله: {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} قيل: استفهامُ توبيخٍ، أي: أيُّ شيءٍ دعاهُ إلى الكفر. وقيل: استفهام تحقير، له، فذكر أوَّل مراتبه، وهو قوله تعالى: {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ}، ولا شك أن النطفة شيءٌ حقيرٌ مهينٌ، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر، وقوله: "فقدَّره" اي: أطواراً. وقيل: سوَّاه لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} تفسير : [الكهف: 37]، وقدَّر كُلَّ عُضوٍ في الكيفيَّة والكميَّة بالقدر اللائق لمصلحته، لقوله تعالى: {أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} تفسير : [الفرقان: 2]، ثُمَّ لما ذكر المرتبة الوسطى قال تعالى: {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ}. قيل: المراد: تيسير خروجه من بطنِ أمِّه، ولا شكَّ أن خروجه حيًّا من أضيقِ المسالك من أعجب العجائبِ، يقالُ: إنه كان رأسه في بطن أمه من فوقٍ، ورجلاهُ من تحتٍ، فإذا جاء وقت الخروج انقلب، فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام، المراد منه قوله تعالى: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد:10]، أي: التمييز بين الخير والشرِّ. وقيل: مخصوصٌ بالدين. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ}. يجوز أن يكون الضمير للإنسان، والسبيل ظرف، أي: يسر للإنسان الطريق، أي: طريق الخير، والشر، كقوله تعالى: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد:10]. وقال أبو البقاء: ويجوز أن ينتصب بأنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ "يسره"، والهاء للإنسان، أي: يسره السبيل، أي: هداه له. قال شهاب الدين: فلا بد من تضمينه معنى"أعْطَى" حتى ينصب اثنين، أو حُذف حرف الجر أي: يسَّره للسَّبيل، ولذلك قدره بقوله: "هَداه له"، ويجوز أن يكون "السَّبيل" منصوباً على الاشتغالِ بفعلٍِ مقدرٍ، والضمير له، تقديره: ثم يسِّر السبيل يسَّره، أي: سهلهُ للناس، كقوله تعالى: {أية : أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 50]، وتقدَّم مثله في قوله تعالى: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الإنسان: 3]. فصل في تفسير الآية روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهدٍ قالا: سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن زيد: سبيل الإسلام، وقال أبو بكر بن طاهر: يسّر على كلّ أحد ما خلقهُ لهُ وقدره عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ لمَا خُلِقَ لَهُ ". تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} هذه المرتبة الثالثة، أي: جعل له قبراً يوارى فيه يقال: قبرهُ إذا دفنه، وأقبرهُ، أي: جعلهُ بحيث يقبر، وجعل له قبراً إكراماً له، ولم يجعله ممَّن يُلْقَى على وجه الأرض تأكله الطير. قاله الفراء. قال أبو عبيدة: "أقْبَرَهُ" جعل له قبراً، وأمرَ أن يقبر، والقَابِرُ: هو الدَّافن بيده؛ قال: الأعشى: [السريع] شعر : 5108- لَوْ أسْندَتْ مَيْتاً إلى نَحْرِهَا عَاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قَابرِ تفسير : يقال: قبرت الميت "أي" دفنته، وأقبره الله أي: صيَّرهُ بحيثُ جعل لهُ قبراً. وتقول العرب: بترت ذنب البعير وأبتره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله وطردت فلاناً، والله أطرده، أي: صَيَّره طريداً. قوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ}. أي: أحياه بعد موته، ومفعول شاء محذوف، أي: شاء إنشارهُ، و "أنشره" جواب "إذا". وقرأ العامة: "أنْشَرَ"، بالألف. وروى أبو حيوة عن نافع وشعيب عن ابن أبي حمزة: "نَشَرهُ" ثلاثياً بغير ألف. ونقلها أبو الفضل أيضاً، وقال: هما لغتان بمعنى الإحياء. قال ابن الخطيب: وإنَّما قال: "إذا شَاءَ أنشرهُ" إشعاراً بأنَّ وقته غير معلوم، فتقديمه وتأخيره موكولٌ إلى مشيئة الله تعالى. قوله تعالى: {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} "كلاَّ": ردعٌ للإنسان عن تكبُّره، وترفعه، وعن كفره، وإصراره عن إنكار التوحيد، وعلى إنكار البعث، والحشر والنشر وقوله تعالى: {لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} قال مجاهد وقتادة: لا يقضي أحدٌ جميع ما أمر به، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفكُّ عن تقصير ألبتَّة. قال ابن الخطيب: وعندي في هذا التفسير نظر؛ لأن الضمير فيه عائد إلى المذكور السَّابق, وهو الإنسان في قوله تعالى: {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} وليس المراد من الإنسان هنا: جميع الإنسان، بل الإنسان الكافر، فقوله تعالى: {لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ}، كيف يمكن حمله على جميع الناس؟. وقال ابن فورك: كلاَّ لما يقض الله ما أمره، [كلا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر، بل أمره بما لم يقض له به وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول لما يقض ما أمره]: لم يبال بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم - عليه الصلاة والسلام -. وقيل: المعنى: إن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به من التَّأمُّلِ في دلائل الله تعالى، والتَّدبُّر في عجائب خلقه. قوله: "ما أمره"، "ما": موصولة. قال أبو البقاء: بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، أي: ما أمره به. قال شهابُ الدين: وفيه نظر، من حيثُ إنَّه قدر العائد مجروراً بحرف لم يجر الموصول، ولا أمره به، فإن قلت: "أمر" يتعدى إليه بحذف الحرف، فاقدره غير مجرور. قلت: إذا قدرته غير مجرور فإمَّا أن تُقدِّره متصلاً أو منفصلاً، وكلاهما مشكل، لما تقدم في أول "البقرة" عند قوله تعالى: {أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 3]. وقال الحسن: "كلاَّ" معناه: "حقًّا"، "لما يقض": أي: لم يعمل بما أمره به. قال القرطبي: و "ما" في قوله: "لما" عماد للكلام، كقوله تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 159]، وقوله تعالى: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} تفسير : [المؤمنون: 40]. وقال ابن الأنباريِّ: الوقف على "كلاَّ" قبيح، والوقف على "أمره" و "نشره" جيد، فـ "كلا" على هذا بمعنى حقًّا.

البقاعي

تفسير : ولما كان الوصف بهذه الأوصاف العالية للكتبة الذين أيديهم ظرف للصحف التي هي ظرف للتذكرة للتنبيه على علو المكتوب وجلالة مقداره وعظمة آثاره وظهور ذلك لمن تدبره وتأمله حق تأمله وأنعم نظره، عقبه بقوله ناعياً على من لم يقبل بكليته عليه داعياً بأعظم شدائد الدنيا التي هي القتل في صيغة الخبر لأنه أبلغ: {قتل الإنسان} أي هذا النوع الآنس بنفسه الناسي لربه المتكبر على غيره المعجب بشمائله التي أبدعها له خالقه، حصل قتله بلعنه وطرده وفرغ منه بأيسر سعي وأسهله من كل من يصح ذلك منه لأنه أسرع شيء إلى الفساد لأنه مبني على النقائص إلا من عصم الله {ما أكفره *} أي ما أشد تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه وغير ذلك من أمره، فهو دعاء عليه بأشنع دعاء وتعجيب من إفراطه في ستر محاسن القرآن التي لا تخفى على أحد ودلائله على القيامة وكل شيء لا يسع أحداً التغبير في وجه شيء منها، وهذا الدعاء على وجازته يدل على سخط عظيم وذم بليغ وهو وإن كان في مخصوص فالعبرة بعمومه في كل من كفر نعمة الله، روي أنها نزلت في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه وأعطاء مالاً وجهزه إلى الشام فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كافر برب النجم إذا هوى، وأفحش في غير هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : اللهم أبعث عليه كلباً من كلابك"تفسير : فلما انتهى إلى مكان من الطريق فيه الأسد ذكر الدعاء فجعل لمن معه ألف دينار إن أصبح حياً فجعلوه في وسط الرفقة والمتاع والرحال فأقبل الأسد إلى الرحال ووثب فإذا هو فوقه فمزقه فكان أبوه يندبه ويبكي عليه وقال: ما قال محمد شيئاً إلا كان، ومع ذلك فما نفعه ما عرف من ذلك، فسبحان من بيده القلوب يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وكل ذلك من هدايته وإضلاله شاهد بأن له الحمد. ولما كان اكثر انصباب التعجيب منه ناظراً إلى تكذيبه بالساعة لأجل ظهور أدلتها في القرآن جداً ولأنه توالت في هذه السور إقامة الأدلة عليها مما لا مزيد عليه، شرع في إقامة الديل عليها بآية الأنفس من ابتداء الخلق في أسلوب مبين لخسته وحقارته وأن من ألبسه أثواب الشرف بعد تلك الخسة والحقارة جدير منه بالشكر لا بالكفر، فقال منبهاً له بالسؤال: {من أي شيء} والاستفهام للتقرير مع التحقير {خلقه *} ثم أجاب إشارة إلى أن الجواب واضح لا يحتاج فيه إلى وقفة أصلاً فقال مبيناً حقارته: {من نطفة} أي ماء يسير جداً لا من غيره {خلقه} أي أوجده مقدراً على ما هو عليه من التخطيط {فقدره} أي هيأه لما يصلح من الأعضاء الظاهرة والباطنة والأشكال والأطوار إلى أن صلح لذلك ثم جعله في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن ثم الرحم ثم المشيمة، أو هي على ما قال أهل التشريح ثلاثة أغشية: أحدها المشيمة تتصل بسرة الجنين تمده بالغذاء، والثاني يقبل بوله، والثالث يقبل البخارات التي تصعد منه بمنزلة العرق والوسخ في أبدان الكاملين، وأعطاه قدرة لما أراده منه {ثم} أي بعد انتهاء المدة {السبيل} أي الأكمل في العموم والاتساع والوضوح لا غيره، وهو مخرجه من بطن أمه وطريقه إلى الجنة أو النار {يسره *} أي سهل له أمره في خروجه بأن فتح فم الرحم وألهمه أن ينتكس، وذلل له سبيل الخير والشر، وجعل له عقلاً يقوده إلى ما يسر له منهما، وفيه إيماء إلى أن الدنيا دار الممر، والمقصد غيرها وهو الأخرى التي تدل عليها الدنيا، ولذلك عقبه بقوله عاداً الموت من النعم لأنه لو دام الإنسان حياً مع ما يصل إليه من الضغف والخوف لكان في غاية البشاعة والشماتة لأعدائه والمساءة لأوليائه على أن الموت سبب الحياة الأبدية: {ثم} أي بعد أمور قدرها سبحانه من أجل وتقلبات {أماته} وأشار إلى إيجاب المبادرة إلى التجهيز بالفاء المعقبة في قوله {فأقبره *} أي جعل له قبراً فغيبه فيه وأمر بدفنه تكرمة له وصيانة عن السباع، والإقبار جعلك للميت قبراً وإعطاؤك القتيل لأهله ليدفنوه، والمعنى الامتنان بأنه جعل للأنسان موضعاً يصلح لدفنه وجعله بعد الموت بحيث يتمكن من دفنه، ولو شاء لجعله يتفتت مع النتن ونحوه مما يمنع من قربانه، أو جعله بحيث يتهاون به فلا يدفن كبقية الحيوانات، فقد عرف بهذا أن أول الإنسان نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، فما شرفه بالعلم إلا الذي أبدعه وصوره، وذلك موجب لأن يشكره لا أن يكفره. ولما كانت مدة البرزخ طويلة، وكان البعث أمراً محققاً غير معلوم الوقت بالعين بغيره تعالى، عبر عن المعاني الثلاثة بأداتي التراخي والتحقق فقال: {ثم إذا شاء} أي إنشاره {أنشره} أي بعثه من قبره كما كان في دنياه بزيادة أنه على تركيب قوي لا يتهيأ فيه فراق الروح الجسد. ولما كان إخباره بأنه مع الذي يسر له السبيل قد يفهم أنه لا يعمل إلا بما يرضيه، نفى ذلك على سبيل الردع فقال: {كلا} أي ليرتدع هذا الإنسان الذي عرف أن هذه حالاته أولاً وآخراً واثناءً ومخرجاً تارة من مخرج البول وأخرى من مخرج الحيض ومقبراً، ولينزجر وليعرف، نفسه بالذلة والخسة والحاجة والعجز، وليعرف ربه سبحانه بالعزة والعظمة والكبرياء والفناء والقدرة على تشريف الحقير وتحقير الشريف، وبأنه سبحانه لا يلزمه شيء فلا يلزم من تعريف هذا الإنسان السبيل وتمييزه له لأنه لا يفعل إلا ما لا يعاتب عليه، فإنه لا يكون من الإنسان وغيره إلا ما يريده، وتارة يريد هداه، وتارة يريد ضلاله، فقد يأمر بما لا يريده ويريد ما لا يأمر به ولا يرضاه، ولذلك قال مستأنفاً نفي ما أفهمه بتيسيره للسبيل من أن الإنسان يفعل جميع ما أمره به الله الذي يسر له السبيل: {لما يقض} أي يفعل الإنسان فعلاً نافذاً ماضياً {ما أمره *} أي به الله كله من غير تقصير ما من حين تكليفه إلى حين إقباره بل من حين وجد آدم عليه الصلاة والسلام إلى حين نزول هذه الآية وإلى آخر الدهر، لأن الإنسان مبني على النقصان والإله منزه التنزه الأكمل، وما قدروا الله حق قدره، وأيضاً الإنسان الذي هو النوع لم يعمل بأسره بحيث لم يشذ منه فرد جميع ما أمره، بل أغلب الجنس عصاه وكذب بالساعة التي هي حكمة الوجود، وإن صدق بها بعضهم كان تصديقه بها تكذيباً لأنه يعتقد أشياء منها على خلاف ما هي عليه. ولما ردعه بعد تفصيل ما له في نفسه من الآيات، وأشار إلى ما له من النقائص، شرع يقيم الدليل على تقصيره بأنه لا يقدر على شكر نعمة المنعم فيما له من المطعم الذي به قوامه فكيف بغيرها في أسلوب دال على الإنشار بآيات الآفاق منبه على سائر النعم في مدة بقائه المستلزم لدوام احتياجه إلى ربه فقال مسبباً عن ذلك: {فلينظر الإنسان} أي يوقع النظر التام على كل شيء يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ومدّ له المدى فقال: {إلى طعامه *} يعني مطعومه وما يتصل به ملتفتاً إليه بكليته بالاعتبار بما فيه من العبر التي منها أنا لو لم نيسره له هلك. ولما كان المقصود النظر إلى صنائع الله تعالى فيه. وكانت أفعال الإنسان وأقواله في تكذيبه بالعبث أفعال من ينكر ذلك الصنع، قال سبحانه مفصلاً لما يشترك في علمه الخاص والعام من صنائعه في الطعام، مؤكداً تنبيهاً على أن التكذيب بالعبث يستلزم التكذيب بإبداع النبات وإعادته، وذلك في أسلوب مبين أن الإنسان محتاج إلى جميع ما في الوجود، ولو نقص منه شيء اختل أمره، وبدأ أولاً بالسماوي لأنه أشرف، وبالماء الذي هو حياة كل شيء، تنبيهاً له على ابتداء خلقه: {أنّا} أي على ما لنا من العظمة {صببنا الماء} أي الذي جعلنا منه كل شيء حي {صباً *} وثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال: {ثم} أي بعد مهلة من إنزال الماء، وفاوتنا بينها في البلاد والنبات {شققنا} أي بما لنا من العظمة {الأرض} بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أصعب الأشياء فكيف بالأرض اليابسة المتكزرة جداً عند مخالطة الماء، وحقق المعنى فقال: {شقاً *} ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له مبيناً الاحتياج إلى النبات بقوله: {فأنبتنا} أي أطلعنا على وجه الاتصال الموجب للتغذي والنمو {فيها} بسبب الشق {حباً *} أي لاقتيات الإنسان وغيره من الحيوان كالحنطة والشعير والرز وغيرها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏قتل الإِنسان ما أكفره‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في عتبة بن أبي لهب حين قال‏:‏ كفرت برب النجم إذا هوى، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه الأسد بطريق الشام‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ ما كان في القرآن قتل الإِنسان إنما عني به الكافر‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏{‏ما أكفره‏}‏ قال‏:‏ ما أشد كفره وفي قوله‏:‏ ‏ {‏فقدره‏}‏ قال‏:‏ نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم كذا ثم كذا ثم كذا، ثم انتهى خلقه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏خلقه فقدره‏} ‏ قال‏:‏ قدره في رحم أمه كيف شاء‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ثم السبيل يسره‏} ‏ يعني بذلك خروجه من بطن أمه يسره له‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏{‏ثم السبيل يسره‏}‏ قال‏:‏ خروجه من الرحم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏ثم السبيل يسره‏} ‏ قال‏:‏ خروجه من بطن أمه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح ‏ {‏ثم السبيل يسره‏}‏ قال‏:‏ خروجه من الرحم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏ثم السبيل يسره‏} ‏ قال‏:‏ هو كقوله‏:‏ ‏{أية : ‏إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً}تفسير : ‏[الإِنسان: 3‏]‏ الشقاء والسعادة‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ قرأت في التوراة، أو قال في مصحف إبراهيم، فوجدت فيها‏:‏ يقول الله يا ابن آدم ما أنصفتني، خلقتك ولم تك شيئاً، وجعلتك بشراً سوياً، وخلقتك من سلالة من طين، ثم جعلتك نطفة في قرار مكين، ثم خلقت النطفة علقة، فخلقت العلقة مضغة، فخلقت المضغة عظاماً، فكسوت العظام لحماً، ثم أنشأناك خلقاً آخر‏.‏ يا ابن آدم هل يقدر على ذلك غيري‏؟‏ ثم خففت ثقلك على أمك حتى لا تتمرض بك، ولا تتأذى، ثم أوحيت إلى الأمعاء أن اتسعي، وإلى الجوارح أن تفرق فاتسعت الأمعاء من بعد ضيقها، وتفرقت الجوارح من بعد تشبيكها، ثم أوحيت إلى الملك الموكل بالأرحام أن يخرجك من بطن أمك فاستخلصتك على ريشة من جناحه، فاطلعت عليك فإذا أنت خلق ضعيف، ليس لك سن يقطع ولا ضرس يطحن، فاستخلصت لك في صدر أمك عرقاً يدر لك لبناً بارداً في الصيف، حاراً في الشتاء، واستخلصته لك من بين جلد ولحم ودم وعروق، ثم قذفت لك في قلب والدتك الرحمة، وفي قلب أبيك التحنن، فهما يكدان ويجهدان ويربيانك ويغذيانك ولا ينامان حتى ينوماك‏.‏ ابن آدم‏:‏ أنا فعلت ذلك بك لا لشيء استأهلته به مني أو لحاجة استعنت على قضائها‏.‏ ابن آدم فلما قطع سنك وطحن ضرسك أطعمتك فاكهة الصيف في أوانها وفاكهة الشتاء في أوانها، فلما أن عرفت أني ربك عصيتني، فالآن إذا عصيتني فادعني فإني قريب مجيب وادعني فإني غفور رحيم‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏لما يقض ما أمره‏} ‏ قال‏:‏ لا يقضي أحد أبداً كل ما افترض عليه‏.‏ أخرج ابن المنذر عن عبدالله بن الزبير في قوله‏:‏ ‏ {‏فلينظر الإِنسان إلى طعامه‏}‏ قال‏:‏ إلى مدخله ومخرجه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التواضع من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ‏ {‏فلينظر الإِنسان إلى طعامه‏} ‏ قال‏:‏ إلى خرئه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏فلينظر الإِنسان إلى طعامه‏}‏ قال‏:‏ ملك يثني رقبة ابن آدم إذا جلس على الخلاء لينظر ما يخرج منه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي قلابة قال‏:‏ مكتوب في التوراة يا ابن آدم انظر إلىما بخلت به إلى ما صار‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن بشير بن كعب أنه كان يقول لأصحابه إذا فرغ من حديثه‏:‏ انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيجيء فيقف على مزبلة، فيقول‏:‏ انظروا إلى عسلهم وإلى سمنهم وإلى بطهم وإلى دجاجهم إلى ما صار‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {‏أنا صببنا الماء صبا‏ً}‏ قال‏:‏ المطر ‏ {‏ثم شققنا الأرض شقا‏ً}‏ عن النبات‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ‏ {‏وقضباً‏}‏ قال‏:‏ الفصفصة يعني القت ‏{‏وحدائق غلبا‏ً} ‏ قال‏:‏ طوال ‏ {‏وفاكهة وأبا‏ً} ‏ قال‏:‏ الثمار الرطبة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الحدائق كل ملتف والغلب ما غلظ، والأب ما أنبت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏وحدائق غلبا‏ً}‏ قال‏:‏ ملتفة ‏{‏وفاكهة‏} ‏ وهو ما أكل الناس {‏وأباً‏}‏ ما أكلت الأنعام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال‏:‏ الغلب الكرام من النخل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ‏{‏غلباً‏}‏ قال‏:‏ غلاظاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏وحدائق غلبا‏ً} ‏ قال‏:‏ شجر في الجنة يستظل به لا يحمل منه شيئا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الأب الحشيش للبهائم‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ الأب الكلأ والمرعى‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏{‏وأبا‏ً} ‏ قال‏:‏ الأب ما يعتلف منه الدواب‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال نعم أما سمعت قول الشاعر‏: شعر : ترى به الأب واليقطين مختلطاً على الشريعة يجري تحتها العذب تفسير : وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد عن إبراهيم التيمي قال‏:‏ سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله‏:‏ ‏ {و‏أبا‏ً}‏ فقال‏:‏ أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم‏.‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب والحاكم وصححه عن أنس أن عمر قرأ على المنبر ‏ {‏فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وأباً‏} ‏ قال‏:‏ كل هذا قد عرفناه فما الأب‏؟‏ ثم رفع عصا كانت في يده، فقال‏:‏ هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك أن لا تدري ما الأب اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به‏.‏ وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن السدي قال‏:‏ الحدائق البساتين، والغلب ما غلظ من الشجر، والأب العشب ‏ {‏متاعاً لكم ولأنعامكم‏} ‏ قال‏:‏ الفاكهة لكم، والعشب لأنعامكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد ‏ {‏وقضبا‏ً} ‏ قال‏:‏ الفصافص ‏ {‏وحدائق غلبا‏ً}‏ النخل الكرام ‏ {‏وفاكهة‏} ‏ لكم ‏ {‏وأبا‏ً} ‏ لأنعامكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ ‏ {‏غلبا‏ً} ‏ مشقة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ الفاكهة التي يأكلها بنو آدم، والأب المرعى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ الفاكهة ما تأكل الناس ‏{‏وأبا‏ً} ‏ ما تأكل الدواب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ ما طاب واحلولى فلكم، والأب لأنعامكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏وأبا‏ً}‏ قال‏:‏ الكلأ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي رزين ‏ {‏وفاكهة وأبا‏ً} ‏ قال‏:‏ النبات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال‏:‏ الأب الكلأ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ الأبّ هو التبن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ كل شيء ينبت على الأرض فهو الأب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن يزيد أن رجلاً سأل عمر عن قوله‏:‏ ‏ {‏وأبا‏ً} ‏ فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن أنس قال‏:‏ قرأ عمر ‏{‏وفاكهة وأبا‏ً}‏ فقال‏:‏ هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب‏؟‏ ثم قال‏:‏ مه نهينا عن التكلف‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي وائل أن عمر سئل عن قوله‏:‏ ‏ {‏وأبا‏ً}‏ ما الأب‏؟‏ ثم قال‏: ما كلفنا هذا أو ما أمرنا بهذا‏.‏

السلمي

تفسير : سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء منع الانسان عن طريق الخيرات لجهله بطلب رشده وسكونه إلى ما وعد له ربه. وقال الواسطى - رحمة الله عليه -: ما أجهله بالمعرفة وذلك لجهله.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ}. لُعِنَ الإنسان ما أعظم كُفْره!.. {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ}. خَلَقَه وصَوَّرَه وقَدَّره أطواراً: من نطفةٍ، ثم عَلَقَةٍ، ثم طوراً بعد طور. قوله جلّ ذكره: {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ}. يَسَّّرَ عليه السبيلَ في الخير والشرِّ، وألهمه كيف التصرُّف. ويقال: يَسَّرَ عليه الخروجَ من بطن أُمِّه يخرج أولاً رأسه منكوساً. {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}. أي: جعل له قَبْراً لئلا تفترِسَه السِّباعُ والطيورُ ولئلا يفتضح. {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ}. بَعَثَه من قبره. {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ}. أي: عصى وخالَفَ ما أُمِرَ به. ويقال: لم يقضِ الله له ما أمره به، ولو قضى عليه وله ما أمره به لَمَا عصاه. قوله جلّ ذكره: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً}. في الإشارة: صَبَبْنا ماءَ الرحمةِ على القلوب القاسية فَلانَتْ للتوبة، وصببنا ماءَ التعريف على القلوب فنبتت أزهارُ التوحيد وأنوارُ التجريد. {وَقَضْباً} أي القَتّ. {وَحَدَآئِقَ غُلْباً} متكاثفةً غلاظاً. {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً}. الفاكهة: جمع الفواكه، و {وَأَبّاً}: المرعى. {مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ...}. {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} أي: القيامة؛ فيومئذٍ يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، ثم بيَّن ما سبب ذلك فقال.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} لعن الله الكافر وعظم كفره حين لم يعرف صانعه ولم يعرف نفسه التى لو عرفها عرف صانعها وكذلك عرفه ماهية نفسه بقوله {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} اى قدره اصنافا واطوارا وفى كل صنف وطور له خلقه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قتل الانسان} دعاء عليه بأشنع الدعوات فان القتل غاية شدآئد الدنيا وأفظعها ومن فسر القتل باللعن أراد به الاهلاك الروحانى فانه اشد العقوبات وهو بالفارسية لعنت كرده باد انسان يعنى كافر. وفى عين المعانى عذب {ما اكفره} ما اشد كفره بالله مع كثرة احسانه اليه وبالفارسية جه كافر ترين خلقست. تعجب من افراطه فى الكفران اى على صورته فان حقيقة التعجب انما تتصور من الجاهل بسبب ما خفى من سبب الشئ والذى أحاطه علمه بجميع المعلومات لا يتصور منه ذلك فهو فى الحقيقة تعجب من الله لخلقه وبيان لاستحقاقه للدعاء عليه اى اعجبوا من كفره بالله ونعمه مع معرفته بكثرة احسانه اليه وادعوا عليه بالقتل واللعن ونحو ذلك لاستحقاقه لذلك قال بعضهم لعن الله الكافر وعظم كفره حيث لم يعرف صانعه ولم يعرف نفسه التى لو عرفها عرف صانعها وقال ابن الشيخ هذا الدعاء وارد على اسلوب كلام العرب فهو ليس من قبيل دعاء من يعجز عن انتقام من يسوءه وكذا هذا التعجب ليس على حقيقته لانه تعالى منزه عن العجز والجهل بل المقصود بايراد ما هو فى صورة الدعاء الدلالة على سخطه العظيم والتنبيه على انه استحق اهول العقوبات واشنعها وبايراد صيغة التعجب الذم البليغ له من حيث ارتكابه اقبح القبائح ولا شك ان السخط يجوز من الله وكذا الذم ويجوز أن يكوم ما اكفره استفهاما بمعنى التقريع والتوبيخ اى اى شئ حمله على الكفر والمراد من الانسان اما من استغنى عن القرءآن المذكور نعوته واما الجنس باعتبار انتظامه له ولا مثاله من افراده لا باعتبار جمع افراده.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قُتِلَ الإِنسانُ} أي: لُعن، والمراد: إمّا مَن استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نُعُوته الجليلة، الموجبة للإقبال عليه، والإيمان به، وإمّا الجنس باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده, وقيل: المراد: أُميّة أو: عُتبة بن ربيعة. {ما أكْفَرَه}، ما أشد كفره! تعجبٌ من إفراطه في الكفران، وبيانٌ لاستحقاقه الدعاء عليه، وقيل: "ما" استفهامية، توبيخي، أي: أيُّ شيء حَمَلَه على الكفر؟! {من أي شيءٍ خَلَقهُ} أي: من أيِّ شيءٍ حقيرٍ خلَقَه؟ ثم بيّنه بقوله: {من نطفةٍ خَلَقَه} أي: مِن نطفة مذرة ابتداء خلقه، {فقدَّره}؛ فهيّأه لِما يصلح له، ويليق به من الأعضاء والأشكال، أو: فقدّره أطوراً إلى أن تَم خلقه. {ثم السبيلَ يَسَّرهُ} أي: يَسّر له سبيل الخروج من بطن أمه، بأن فتح له فم الرحم، وألهمه أن يتنكّس ليسهل خروجه. وتعريف "السبيل" باللام للإشعار بالعموم، أو: يَسْر له سبيل الخير أو الشر، على ماسبق له، أو يَسْر له سبيل النظر السديد، المؤدِّي إلى الإيمان، وهو منصوب بفعل يُفسره ما بعده. {ثم أماته فأقْبَره} أي: جعله ذا قبرٍ يُوارَى فيه تكرمةً، ولم يجعله مطروداً على وجه الأرض تأكله السباع والطير، كسائر الحيوان. يُقال: قبرتَ الميت: إذا دفنته، وأقبرته: أمرت بدفنه. وعدّ الإماتة من النِعم؛ لأنها وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم، ولأنها سبب وصول الحبيب إلى حبيبه. {ثم إِذا شاء أنْشَرَهُ} أي: إذا شاء نَشْرَه، على القاعدة المستمرة مِن حذف مفعول المشيئة، أي: ثم ينشره في الوقت الذي شاء، وهو يوم القيامة، وفي تعلُّق الإنشار بمشيئته ـ تعالى ـ إيذان بأنّ وقته غير متعين، قال ابن عرفة: تعليق المعاد بالمشيئة جائز، جارٍ على مذهب أهل السنة؛ لأنهم يقولون: إنه جائز عقلاً، واجب شرعاً، وأمّا المعتزلة فيقولون بوجوبه، بناء على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين. هـ. {كلاَّ}، ردع للإنسان عما هو عليه، ثم بيَّن سبب الردع فقال: {لمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ} أي: لم يقضِ العبد جميع ما أمَرَه اللهُ به؛ إذ لا يخلوا العبد من تقصيرٍ ما، فإن قلت: "لَمَّا" تقتضي توقع منفيها، وهو هنا متعذر كما قلتَ؟. قلتُ: الأمر الذي أمر الله به عبادَه في الجملة: هو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وهو ممكن عادة، متوقع في الجملة, وقد وصل إليه كثير من أوليائه تعالى، فمَن وصل إليه فلا تقصير في حقه، وإن كانت المعرفة غير متناهية، ومَن لم يصل إليه فهومُقصِّر، غير أنَّ عقابه هو احتجابه عن ربه. والله تعالى أعلم. ثم أَمَرَ بالتفكُّر في نِعم الله، ليكون سبباً للشكر، الذي هو: صرف كلية العبد في طاعة مولاه، فلعله يقضي ما أَمَرَه فقال: {فلينظر الإِنسانُ إِلى طعامه} أي: فلينظر إلى طعامه الذي هو قِوام بدنه، وعليه يدور أمر معاشه، كيف صيَّرناه، {أَنَّا صَبَبْنَا الماءَ} أي: الغيث {صَبًّا} عجيباً، فمَن قرأ بالفتح فبدل اشتمال من الطعام، وبالكسر استئناف. {ثم شققنا الأرضَ} بإخراج النبات، أو: بالحرث، وهو فعل الله في الحقيقة؛ إذ لا فاعل سواه، {شَقًّا} بديعاً لائقاً بما يشقها من النبات، صِغراً أو كِبراً، وشكلاً وهيئة، أو: شقاً بليغاً؛ إذ لا ينبت بمطلق الشق، وإذا نبت لا يتم عادة. و"ثم" للتراخي التي بين الصبّ والشق عادة، سواء قلنا بالنبات أو بالكَراب، وهو الحراثة. {فأنبتنا فيها حَبًّا} كالبُر والشعير وغيرهما مما يتغذّى به. قال ابن عطية: الحب: جمع حبة ـ بفتح الحاء، وهو: كل ما يتخذه الناس ويُرَبونه، والحِبة ـ بكسر الحاء: كل ما ينبت من البذور ولا يُحْفل به ولا هو بمتخَذ. هـ. {وعِنباً} أي: ثمرة الكَرْم، وهذا يؤيد أن المراد بالشق: حفر الأرض بالحرث أو غيره، لأنَّ العنب لا يشق الأرض في نباته، وإنما يغرس عوداً. وقال أبو السعود: وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع ما قيّد به المعطوف عليه، فلا ضرر في في خُلُو نبات العنب عن شق الأرض. هـ. {وقَضْباً} وهو كل ما يقضب، أي: يُقطع ليُؤكل رطباً من النبات، كالبقول والهِلْيَوْن ونحوه مما يُؤكل غضاً، وهو جملة النِعَم التي أنعم الله بها، ولا ذكر له في هذه الآية إلاّ في هذه اللفظة. قاله ابن عطية. والهِلْيَوْن ـ بكسر الهاء وسكون اللام: جمع هليونة، وهو الهِنْدَبا. قاله ابن عرفة اللغوي، وقيل: هو الفِصْفَصَة، وهو ضعيف؛ لأنها للبهائم، وهي داخلة في الأَبْ. {وزيتوناً ونخلا}، الكلام فيهما كما تقدّم في العنب، {وحدائقَ}؛ بساتين {غُلْباً}: جمع غلباء، أي: غلاظ الأشجار مع نعومتها، وصفَ به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، {وفاكهةً} أي: ما تتفكهون به من فواكه الصيف والخريف، {وأبًّا} أي: مرعَى لدوابكم، من: أبَّه: إذا أمَّه, أي قصده، لأنه يُؤم وينتجع، اي: يُقصد، أو: من أب لكذا: إذا تهيأ له؛ لأنه مُتهيأ للرعي، أو: فاكهة يابسة تُؤب للشتاء. وعن الصِّدِّيق رضي الله عنه أنه سُئل عن الأب، فقال: أيُّ سماء تُظلني، وأيّ أرض تُقلني إذا قلتُ في كتاب الله ما لا علم لي به. وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية، فقال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبُّ؟ ثم رفع عصاً كانت بيده، فقال: هذا لعَمْرُ الله التكلُّف، وما عليك يا ابن أمر عمر، ألاَّ تدري ما الأبُّ؟ ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم وما لا فلتَدعُوه. هـ. وهذه اللفظة من لغات البادية، فلذلك خفيت على الحواضر. {متاعاً لكم ولأنعامكم} أي: جعل ذلك تمتيعاً لكم ولمواشيكم, فإنّ بعض هذه المذكورات طعام لهم، وبعضها علف لدوابهم، و {متاعاً}: مفعول لأجله، أو: مصدر مؤكد لفعله المضمر بحذف الزوائد، أي: متّعكم بذلك متاعاً، والالتفات لتكميل الامتنان، والله تعالى أعلم. الإشارة: قُتل الإنسان؛ لُعن الغافل عن ذكر الله, لقوله عليه السلام: "حديث : الدنيا مَلعونَةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلاَّ ذِكْرُ الله وما وَالاهُ، وعالماً ومُتَعلِّماً "تفسير : ، فلم يخرج من اللعنة إلاّ الذاكر والعالِم والمتعلم إذا أخلصا، ثم عجب تعالى من شِدة كفره لنِعمه، حيث لم يُشاهد المُنعِّم في النِعم، فيقبض منه، ويدفع إليه، ثم ذكر أول نشأته ومنتهاه، وما تقوم به بِنْيتِه فيما بينهما؛ ليحضه على الشكر. قال القشيري: {من أيّ شيء خلقه..} الخ، يعني: ما كان له ليكفر، لأنّا خلقناه من نطفة الوجود المطلق وهيأناه لمظهرية ذاتنا وصفاتنا، وأسمائنا. هـ. ثم قال: {ثم السبيل يَسَّره} أي: سهلنا عليه سبيل الظهور لِمَظاهر الأسماء الجلالية والجمالية، ثم أماته عن أنانيته، فأقبره في قبر الفناء عن رؤية الفناء، ثم إذا شاء أنشره بالبقاء بعد الفناء. كلاَّ لِيرتدع عن كفرانه لنِعمنا، وليستغرق أحواله في شهود ذاتنا، ليكون شاكراً لأنعُمنا، لمَّا يقضِ ما اَمَرَه، وهو الوصول إلى حضرة العيان. فكل مَن وصل إلى حضرة الشهود بالفناء والبقاء فقد قضى ما أَمَرَه به مولاه، وكل مَن لم يصل إليها فهو مُقَصِّر، ولو أعطي عبادة الثقلين. قال القشيري: ويُقال: لم يقضِ الله له أمره به، ولو قضى له ما أمره به لَمَا عصاه. هـ. وقال الورتجبي: لم يفِ بالعهد الأول، حين خاطبه الحق بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى }تفسير : [الأعراف:172] ولم يأتِ بمراد الله منه، وهو العبودية الخالصة. هـ. قلت: يعني مع انضمام شهود عظمة الربوبية الصافية. وقوله تعالى: {فلينظر الإنسانُ إلى طعامه} أي: الحسي والمعنوي، وهو قوت القلوب والأرواح، أنَّا صببنا الماء صبًّا، أي: صببنا ماء العلوم والواردات على القلوب الميتة فحييت. قال القشيري: صَبَبْنا ماءَ الرحمة على القلوب القاسية فَلاَنتْ للتوبة، وماء التعريف على القلوب الصافية فنبتت فيها أزهار التوحيد وأنوارُ التجريد. هـ. ثم شققنا أرض البشرية بأنواع العبادات والعبودية، شقًّا، فأنبتنا فيها: في قلبها حَبَّ المحبة، وكَرْمَ الخمرة الأزلية، وقَضْب الزهد في زهرة الدنيا وشهواتها، وزيتوناً يشتعل بزيتها مصابيح العلوم، ونخلاً يجنى منها ثمار حلاوة المعاملة، وحدائق، أي: بساتين المعارف متكاثفة التجليات، وأبًّا، أي: مرعى لأرواحكم، بالفكرة والنظرة في أنوار التجليات الجلالية والجمالية، فيأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، كما قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه: شعر : الخلقُ نوار, وأنا رعيت فيهم هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم تفسير : متاعاً لكم، أي: لقلوبكم وأرواحكم، بتقوية العرفان في مقام الإحسان، ولأنعامكم أي: نفوسكم بتقوية اليقين في مقام الإيمان. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أحوال النشر الموعود به في قوله: {إذا شاء أنشره}، وقال الكواشي: ثم أومأ إلى أنه لا بد من الموت، وإن حصل الانتفاع المذكور فإنه فانٍ مفارق، فقال: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ}.

الجنابذي

تفسير : {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ} دعاء على الانسان المطلق بسبب شأنه الّذى اودعه الله فيه من كفران النّعمة، او الكفر بالله، او الرّسول (ص) او الولاية، وجوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حال الانسان مع ما جعلته تذكرة من القرآن او شأن الرّسالة او الولاية؟ - فقال: قتل الانسان {مَآ أَكْفَرَهُ} يعنى حاله شدّة الكفران او الكفر، والصّيغة للتّعجّب او مركّبة من لفظة ما الاستفهاميّة والفعل الماضى من باب الافعال، ويجوز ان يكون المقصود من قوله ما اكفره ما اكفره بعلىٍّ (ع).

الأعقم

تفسير : {قتل الإِنسان ما أكفره} الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وقيل: في القوم الذين تقدم ذكرهم في أول السورة، وقيل: معناه لعن الإِنسان وهو الكافر، وقيل: دعا عليه، أي قاتله الله تعالى يعني أي شيء أوجب أن يكفرهم بين {من أي شيء خَلقَه}، فقال: {من نطفة خلقَه} وهو ماء الرجل والمرأة {فقدّره} أي أحسن التقدير، وقيل: نقله من حال الرحال إلى حال الكمال {ثم السبيل يسّره} أي سهل له الطريق، وقيل: طريق خروجه من بطن أمه، وقيل: طريق الخير والشر بيّن له ذلك {ثم أماته} قيل: خلق الموت فيه {فأقبره} قيل: صيَّره بحيث يقبر، وقيل: أمر بأن يقبر ولم يجعله فيمن يلقى إلى السباع والطير، وقيل: أضاف الاقبار إلى نفسه لأنه خلق الأرض الذي يقبر فيها وأمر بأن يقبر {ثم إذا شاء أنشره} أحياه بعد موته للجزاء {كلا} ردع على الكفار أي ليس الأمر كما ظن، وقيل: حقاً {لمّا يقض ما أمره} الله به {فلينظر الإِنسان إلى طعامه} أي ما يطعمه من الأطعمة اللذيذة كيف خلقها تعالى، وقيل: فلينظر إلى مدخله ومخرجه {أنا صببنا الماء صباً} أنزلنا الغيث من السحاب {ثم شققنا الأرض شقاً} لنخرج النبات مع ضعفه {فأنبتنا فيها} في الأرض {حبّاً} أراد جنس الحبوب وما فيها من العنب {وقضباً} قيل: الرطبة عن ابن عباس، وقيل: العلف يعني أقوات الأنعام {وزيتوناً} الذي منه الزيت {ونخلاً} {وحدائق غلباً} أي بساتين تشتمل على أشجار عظام غلاظ مختلفة، وقيل: غلبا مكثفة، وقيل: طولاً، وقيل: النخل الكرام {وفاكهة} سائر أنواع ما يتفكه {وأبّا} قيل: هو التين {متاعاً لكم ولأنعامكم} {فإذا جاءت الصَّاخة} أي القيامة، وقيل: هي النفخة الثانية {يوم يفر المرء من أخيه} {وأمه وأبيه} {وصاحبته وبنيه} أي من زوجته {لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه} أي أمر عظيم يكفيه لا يفرع إلى غيره، وقيل: أول من يفر عن أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، وصاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح (عليه السلام) {وجوه يومئذ مسفرة} مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء {ضاحكة مستبشرة} من قيام، وقيل: من آثار الوضوء {ووجوه يومئذ عليها غبرة} غبار يعلوها فيه سوادٌ كالدخان وكان الله عز وجل يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمع الفجور إلى الكفرة {ترهقها قترة} قيل: ظلمة وسواد وقيل: هو الدخان، وقيل: هو الغبار {أولئك هم الكفرة الفجرة} من تقدم ذكرهم الخارجون عن أمر الله.

اطفيش

تفسير : {قُتِلَ الإِنْسَانُ} أى جنس الكافر وهذا من أشنع دعاء العرب وهم يستعملون هذا في اللعن قاله مجاهد وادعى بعض أنه تحكم وقال إن المراد أنه أهل أن يدعى عليه بذلك وقيل الإنسان عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمه ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالا وجهزه الى الشام فبعث عتبة الى النبي صلى الله عليه وسلم أني كافر برب النجم إذا هوى فدعى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال اللهم ابعث عليه كلبك حتى يأكله فجاءه الأسد في سفره المذكور فأكله من بين الرفقة وقصته ابسطها في غير هذا وقيل الإنسان أمية بن خلف وقيل الذين قتلوا يوم بدر *{مَا أَكْفَرَهُ} استفهام توبيخي أي ما حمله على الكفر أو تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله، قال جار الله ولا ترى أسلوبا أغلظ منه ولا أخشن مسا ولا أذل على سخط الله ولا أبعد شوطا في المذلة مع تقارب طرفيه ولا أجمع للوم على قصر متنه وقد ألهم الله عز وجل امرء القيس النطق بهذه الآية وهي لما تنزل وله عز وجل أن يفعل ما يشاء وقد يقال أن ما نطق به امروء القيس ولو اتفق لفظه مع هذه الآية حيث قال {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} لكنها في القرآن أفصح متضمنة لمعان لم يقصدها امرء القيس ولا خطرت بباله أو بال أحد ثم دل على انحطاط قدره من حيث أنه مخلوق من نطفة وصائر الى القبر ومن حيث أنه غير شاكر لما هو مغمور فيه من أصول النعم وفروعها بقوله.

اطفيش

تفسير : {قُتِلَ الإِنْسَانُ} ذم بصورة الدعاء باللعن أو القتل أو امر بالدعاء أى قل يا محمد أو يا من يصلح للقول قتل الإِنسان.. إِلخ، وقيل المراد أنه ستقتل الكفار بإِنزال آية القتال والماضى للتحقق وهو ضعيف والإِنسان جنس الكافر أو الكفرة المذكورون المستغنون الذين اشتغل - صلى الله عليه وسلم - بهم عن ابن أُم مكتوم وقد قيل نزلت فى عتبة بن أبى جهل غاضب أباه فأَسلم فأَرضاه أبوه بمال فارتد وجهزه إِلى الشام فبعث إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كافر برب النجم إِذا هوى فقال - صلى الله عليه وسلم - اللهم ابعث عليه كلبك حتى يفترسه فكان أبوه يندبه وينوح ويقول ما يقول محمد شيئاً إِلا كان فلما كان فى أثناء الطريق ذكر دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - فجعل لمن معه ألف دينار إِن أصبح حياً فجعلوه وسط الرفقة والمتاع فجاء أسد فقتله ومزقه وقيل نزلت فى أُمية بن خلف وقيل فى قتلى بدر. {مَا أكْفَرَهُ} تعجيب من إِفراطه فى الكفر ولا كافر غير مفرط فى الكفر لأَن أدنى كفر إِفراط ولو تفاوتوا وقيل ما استفهامية إِنكارية أى أى شئ صيره كافراً ولم يسمع مع ما يشاهد من الدلائل قبل نزول القرآن قتل الإِنسان ما أكفره ولا يصح من نسب لامرئ القيس هكذا... شعر : أيتمنى فى الصيف الشتاء فإِذا جاء الشتاء أنكره فهو لا يرضى بحال واحد قتل الإِنسان ما أكفره تفسير : بل ذلك شعر موضوع اقتبس من الاية كقوله قتل الإِنسان.. إِلخ فإِنى لم أره فى نسخ ديوانه ولا فى شرحه ولا سيما نسخة عتيقة مجودة صححت عند ابى على الشلوبين فى أندلس ولم أجد فيها ذلك وأذن الشلوبين لتلميذه له فى روايته وذلك أكثر من خمسمائة عام ولم يتغير كأَنه كتب الآن وكأَنه صنعت أوراقه الآن.

الالوسي

تفسير : {قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ } دعاء عليه بأشنع الدعوات وأفظعها {مَا أَكْفَرَهُ } تعجيب من إفراطه في الكفران وبيان لاستحقاقه الدعاء عليه والمراد به إما من استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة للإقبال عليه والإيمان به وإما الجنس باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده، ورجح هذا بأن الآية نزلت على ما أخرج ابن المنذر حديث : عن عكرمة في عتبة بن أبـي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كافر برب النجم إذا هوى فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم ابعث عليه كلبك حتى يفترسه» فلما كان في أثناء الطريق ذكر الدعاء فجعل لمن معه ألف دينار إن أصبح حياً فجعلوه وسط الرفقة والمتاع حوله فأقبل أسد إلى الرحال ووثب فإذا هو فوقه فمزقه فكان أبوه يندبه ويبكي عليه ويقول ما قال محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً قط إلا كان تفسير : وسيأتي إن شاء الله تعالى خبر في هذه القصة أطول من هذا الخبر فلا تغفل. ثم إن هذا كلام في غاية الإيجاز وقد قال جار الله ((لا ترى أسلوباً أغلظ منه ولا أدل على سخط ولا أبعد شوطاً في المذمة مع تقارب طرفيه ولا أجمع للأئمة على قصر متنه)) حيث اشتمل على ما سمعت من الدعاء مراداً به إذ لا يتصور منه تعالى لازمه وعلى التعجب المراد به لاستحالته عليه سبحانه التعجيب لكل سامع. وقال الإمام ((إن الجملة الأولى تدل على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب عرفاً والثانية تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعاً)) ولم يسمع ذلك قبل نزول القرآن وما نسب إلى امرىء القيس من قوله: شعر : يتمنى المرء في الصيف الشتا فإذا جاء الشتا أنكره فهو لا يرضى بحال واحد قتل الإنسان ما أكفره تفسير : / لا أصل له ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مولد أراد الاقتباس لا جاهلي. وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى: {قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ } خبراً عن أنه سيقتل الكفار بإنزال آية القتال وعبر بالماضي مبالغة في أنه سيتحقق ذلك وليس بشيء ونحوه ما قيل إن (ما) استفهامية أي أي شيء أكفره أي جعله كافراً بمعنى لا شيء يسوغ له أن يكفر.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي نشأ عن ذكر من استغنى فإنه أريد به معين واحد أو أكثرُ، وذلك يبيِّنه مَا وقع من الكلام الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين صناديد المشركين في المجلس الذي دخل فيه ابن أم مكتوم. والمناسبة وصفُ القرآن بأنه تذكرة لمن شاء أن يتذكر، وإذ قد كان أكبر دواعيهم على التكذيب بالقرآن أنه أخبر عن البعث وطالَبهم بالإِيمان به كان الاستدلال على وقوع البعث أهم ما يعتنى به في هذا التذكير وذلك من أفنان قوله: { أية : فمن شاء ذكره } تفسير : [عبس: 12]. والذي عُرِّف بقوله: { أية : من استغنى } تفسير : [عبس: 5] يشمله العموم الذي أفاده تعريف {الإِنسان} من قوله تعالى: {قُتل الإنسان ما أكفره}. وفعل قُتل فُلانٌ أصله دعاء عليه بالقتل. والمفسرون الأولون جعلوا: {قتل الإنسان} أنه لُعِن، رواه الضحاك عن ابن عباس وقاله مجاهد وقتادة وأبو مالك. قال في «الكشاف»: «دعاء عليه وهذا من أشنع دعواتهم»، أي فمورده غير مورد قوله تعالى: { أية : قاتلهم اللَّه } تفسير : [التوبة: 30] وقولِهم: قاتَل الله فلاناً يريدون التعجب من حاله، وهذا أمر مرجعه للاستعمال ولا داعي إلى حمله على التعجيب لأن قوله: {ما أكفره} يغني عن ذلك. والدعاء بالسوء من الله تعالى مستعمل في التحقير والتهديد لظهور أن حقيقة الدعاء لا تناسب الإلٰهية لأن الله هو الذي يتوجه إليه الناس بالدعاء. وبناء {قُتِل} للمجهول متفرع على استعماله في الدعاء، إذ لا غرض في قاتِل يَقتله، وكثر في القرآن مبنياً للمجهول نحو { أية : فقُتل كيف قَدَّر } تفسير : [المدثر: 19]. وتعريف {الإنسان} يجوز أن يكون التعريفَ المسمى تعريفَ الجنس فيفيد استغراق جميع أفراد الجنس، وهو استغراق حقيقي، وقد يراد به استغراق معظم الأفراد بحسب القرائن فتولَّدَ بصيغة الاستغراق ادعاء لعدم الاعتداد بالقليل من الأفراد، ويسمى الاستغراق العرفي في اصطلاح علماء المعاني، ويسمى العامَّ المرادَ به الخصوص في اصطلاح علماء الأصول والقرينة هنا ما بُين به كفر الإِنسان من قوله: {مِن أي شيء خلقه} إلى قوله: {ثم إذا شاء أنشره} فيكون المراد من قوله: {الإنسان} المشركين المنكرين البعث، وعلى ذلك جملة المفسرين، فإن معظم العرب يومئذ كافرون بالبعث. قال مجاهد: ما كان في القرآن {قُتل الإنسان} فإنما عُني به الكافر. والأحكام التي يحكم بها على الأجناس يراد أنها غالبة على الجنس، فالاستغراق الذي يقتضيه تعريف لفظ الجنس المحكوم عليه استغراق عرفي معناه ثبوت الحكم للجنس على الجملة، فلا يقتضي اتصاف جميع الأفراد به، بل قد يخلو عنه بعض الأفراد وقد يخلو عنه المتصف به في بعض الأحيان، فقوله: {ما أكفره} تعجيب من كفر جنس الإنسان أو شدة كفره وإن كان القليل منه غير كافر. فآل معنى الإنسان إلى الكفار من هذا الجنس وهم الغالب على نوع الإِنسان. فغالب الناس كفروا بالله من أَقدم عصور التاريخ وتفَشَّى الكفر بين أفراد الإِنسان وانتصروا له وناضلوا عنه. ولا أعجبَ من كفر من أَلَّهوا أعْجز الموجودات من حجارة وخشب، أو نَفَوا أن يكون لهم رب خلقهم. ويجوز أن يكون تعريف {الإنسان} تعريف العهد لشخص معين من الإنسان يُعيِّنه خبر سبب النزول، فقيل: أريد به أميةُ بن خلف، وكان ممن حواه المجلس الذي غشيه ابن أم مكتوم، وعندي أن الأولى أن يكون أراد به الوليد بن المغيرة. وعن ابن عباس أن المراد عتبة بن أبي لهب، وذكر في ذلك قصة لا علاقة لها بخبر المجلس الذي غشيه ابن أم مكتوم، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، والمناسبة ظاهرة. وجملة {ما أكفره} تعليل لإنشاء الدعاء عليه دعاء التحقير والتهديد. وهذا تعجيب من شدة كفر هذا الإنسان. ومعنى شدة الكفر أن كفره شديد كَمّاً وكيْفاً، ومتىً، لأنه كفر بوحدانية الله، وبقدرته على إعادة خلق الأجسام بعد الفناء، وبإرساله الرسول، وبالوحي إليه صلى الله عليه وسلم وأنه كفر قوي لأنه اعتقاد قوي لا يقبل التزحزح، وأنه مستمر لا يقلع عنه مع تكرر التذكير والإِنذار والتهديد. وهذه الجملة بلغت نهاية الإِيجاز وأرفع الجزالة بأسلوب غليظ دال على السخط بالغ حدّ المذمة، جامع للملامة، ولم يسمع مثلها قبلها، فهي من جوامع الكلم القرآنية. وحذف المتعلِّق بلفظ {أكفره} لظهوره من لفظ «أكفَرَ» وتقديرُه: ما أكفره بالله. وفي قوله: {قتل الإنسان ما أكفره} محسّن الاتِّزَان فإنه من بحر الرمل من عروضه الأولى المحذوفة. وجملة {من أي شيء خلقه} بيان لجملة {قُتل الإنسان ما أكفره}، لأن مفاد هذه الجملة الاستدلال على إبطال إحالتهم البعث وذلك الإِنكار من أكبر أصول كفرهم. وجيء في هذا الاستدلال بصورة سؤال وجواب للتشويق إلى مضمونه، ولذلك قرن الاستفهام بالجواب عنه على الطريقة المتقدمة في قوله تعالى: { أية : عم يتساءلون عن النبأ العظيم } تفسير : [النبأ: 1 ـــ 2]. والاستفهام صوري، وجعل المستفهم عنه تعيين الأمر الذي به خلق الإنسان لأن المقام هنا ليس لإِثبات أن الله خلق الإِنسان، بل المقام لإِثبات إمكان إعادة الخلق بتنظيره بالخلق الأول على طريقة قوله تعالى: { أية : أفعيينا بالخلق الأول } تفسير : [ق: 15] أي كما كان خلق الإنسان أول مرة من نطفة يكون خلقه ثاني مرة من كائن مَّا، ونظيره قوله تعالى: { أية : فلينظر الإِنسان مِمّ خُلِقَ خُلِقَ من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر } تفسير : في سورة الطارق (5 8). والضمير المستتر في قوله: {خلقَه} عائد إلى لله تعالى المعلوم من فعل الخلق لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله خالق الإنسان. وقدم الجار والمجرور في قوله: {من نطفة خلقه} محاكاة لتقديم المبيَّن في السؤال الذي اقتضى تقديمَه كونُه استفهاماً يستحق صدر الكلام، مع الاهتمام بتقديم ما منه الخلق، لما في تقديمه من التنبيه للاستدلال على عظيم حكمة الله تعالى إذ كوّن أبدع مخلوقٍ معروف من أهون شيء وهو النطفة. وإنما لم يستغن عن إعادة فعل خلقه في جملة الجواب مع العلم به بتقدم ذكر حاصله في السؤال لزيادة التنبيه على دقة ذلك الخلق البديع. فذكر فعل {خلقه} الثاني من أسلوب المساواة ليس بإيجاز، وليس بإطناب. والنطفة: الماء القليل، وهي فُعلة بمعنى مفعولة كقولهم: قُبضةُ حَب، وغُرفة ماء. وغلب إطلاق النطفة على الماء الذي منه التناسل، فذُكرت النطفة لتعيُّن ذكرها لأنها مادة خلق الحيوان للدلالة على أن صنع الله بديع فإمكان البعث حاصل، وليس في ذكر النطفة هنا إيماء إلى تحقير أصل نشأة الإنسان لأن قصد ذلك محل نظر، على أن المقام هنا للدلالة على خلقٍ عظيم وليس مقام زجر المتكبر. وفُرع على فعل {خلقه} فعلُ {فقدَّره} بفاء التفريع لأن التقدير هنا إيجاد الشيء على مقدار مضبوط منظم كقوله تعالى: { أية : وخلق كل شيء فقدره تقديراً } تفسير : [الفرقان: 2] أي جعل التقدير من آثار الخلق لأنه خلقه متهيئاً للنماء وما يلابسه من العقل والتصرف وتمكينه من النظر بعقله، والأعمال التي يريد إتيانها وذلك حاصل مع خلقه مدرَّجاً مفرعاً. وهذا التفريع وما عطف عليه إدماج للامتنان في خلال الاستدلال. وحرف {ثم} من قوله: {ثم السبيل يسره} للتراخي الرتبي لأن تيسير سبيل العمل الإنساني أعجب في الدلالة على بديع صنع الله لأنه أثَرُ العقل وهو أعظم ما في خلق الإنسان وهو أقوى في المنة. و{السبيلَ}: الطريق، وهو هنا مستعار لما يفعله الإنسان من أعماله وتصرفاته تشبيهاً للأعمال بطريق يمشي فيه الماشي تشبيهَ المحسوس بالمعقول. ويجوز أن يكون مستعاراً لمسقط المولود من بطن أمه فقد أطلق على ذلك المَمر اسم السبيل في قولهم: «السبيلان» فيكون هذا من استعمال اللفظ في مجازيه. وفيه مناسبة لقوله بعده: {ثم أماته فأقبره}، فـ{أماته} مقابل {خلقه} و{أقبره} مقابل {ثم السبيل يسره} لأن الإِقبار إدخال في الأرض وهو ضد خروج المولود إلى الأرض. والتيسير: التسهيل، و{السبيل} منصوب بفعل مضمر على طريق الاشتغال، والضمير عائد إلى {السبيل}. والتقدير: يسّر السبيل له، كقوله: { أية : ولقد يسرنا القرآن للذكر } تفسير : [القمر: 17] أي لذِكر الناس. وتقديم {السبيل} على فعله للاهتمام بالعبرة بتيسير السبيل بمعنييه المجازيين، وفيه رعاية للفواصل. وكذلك عطف {ثم أماته} على {يسّره} بحرف التراخي هو لتراخي الرتبة فإن انقراض تلك القُوى العقلية والحسيّة بالموت، بعد أن كانت راسخة زمناً ما، انقراض عجيب دون تدريج ولا انتظارِ زمانِ يساوي مدة بقائها، وهذا إدماج للدلالة على عظيم القدرة. ومن المعلوم بالضرورة أن الكثير الذي لا يُحصى من أفراد النوع الإنساني قد صار أمره إلى الموت وأن من هو حيّ آيل إلى الموت لا محالة، فالمعنى: ثم أماته ويُميته. فصيغة المضي في قوله: {أماته} مستعملة في حقيقته وهو موت من مات، ومجازِه وهو موت من سيموتون، لأن موتهم في المستقبل محقق. وذكر جملة: {ثم أماته} توطئة وتمهيد لجملة {فأقبره}. وإسناد الإماتة إلى الله تعالى حقيقة عقلية بحسب عرف الاستعمال. وهذا إدماج للامتنان في خلال الاستدلال كما أدمج: {فقدره ثم السبيل يسره} فيما سبق. و{أقبره} جعله ذا قبر، وهو أخص من معنى قَبَره، أي أن الله سَبّب له أن يقبر. قال الفراء: «أي جعله مقبوراً، ولم يجعله ممن يُلقى للطير والسباع ولا ممن يلقى في النواويس» (جمع ناووس صندوق من حجر أو خشب يوضع فيه الميت ويجعل في بيت أو نحوه). والإِقبار: تهيئة القبر، ويقال: أقبره أيضاً، إذا أمر بأن يُقبر، ويقال: قبر المَيت، إذا دفنه، فالمعنى: أن الله جعل الناس ذوي قبور. وإسناد الإِقبار إلى الله تعالى مجاز عقلي لأن الله ألهم الناس الدَّفن كما في قصة دفن أحد ابني آدم أخاه بإلهام تقليده لفعل غراب حفر لغراب آخر ميتٍ حفرةً فواراه فيها، وهي في سورة العقود، فأسند الإِقبار إلى الله لأنه ألهم الناس إياه. وأكد ذلك بما أمر في شرائعه من وجوب دفن المَيت. والقول في أن صيغة المضي مستعملة في حقيقتها ومجازها نظير القول في صيغة {أماته}. وهذه كلها دلائل على عظيم قدرة الله تعالى وهم عَدوها قاصرة على الخلق الثاني، وهي تتضمن منناً على الناس في خلقهم وتسويتهم وإكمال قواهم أحياء، وإكرامهم أمواتاً بالدفن لئلا يكون الإنسان كالشيء اللّقي يجتنب بنو جنسه القرب منه ويهينه التقام السباع وتمزيق مخالب الطير والكلاب، فمحل المنة في قوله: {ثم أماته} هو فيما فرع عليه بالفاء بقوله: {فأقبره} وليست الإِماتة وحدها منة. وفي الآية دليل على أن وجوب دفن أموات الناس بالإِقبار دون الحرق بالنار كما يفعل مجوس الهند، ودون الإِلقاء لسباع الطير في ساحات في الجبال محوطة بجدران دون سقف كما كان يفعله مجوس الفرس وكما كان يفعله أهل الجاهلية بموتى الحروب والغارات في الفيافي إذ لا يوارونهم بالتراب وكانوا يفتخرون بذلك ويتمنونه قال الشنفَرَى: شعر : لا تقبروني إن قبري محرَّم عليكم ولكن أبشري أمَّ عامر تفسير : يريد أن تأكله الضبع، وأبطل الإسلام ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم دفَن شهداء المسلمين يوم أحد في قبور مشتركة، ووارَى قتلى المشركين ببدر في قليب، قال عمرو بن معديكرب قبل الإِسلام: شعر : آليتُ لا أدفِن قتلاكُمُ فدَخِّنُوا المَرْءَ وسِرْبَالَه تفسير : وجملة: {ثم إذا شاء أنشره} رجوع إلى إثبات البعث وهي كالنتيجة عقب الاستدلال. ووقع قوله: {إذا شاء} معترضاً بين جملة {أماته} وجملة: {أنشره} لرد توهم المشركين أن عدم التعجيل بالبعث دليل على انتفاء وقوعه في المستقبل و(إذا) ظرف للمستقبل ففعل المضي بعدها مؤول بالمستقبل. والمعنى: ثم حين يشاء ينشره، أي ينشره حين تتعلق مشيئته بإنشاره. و{أنشره} بعثه من الأرض وأصل النشر إخراج الشيء المخبأ يقال: نشر الثوب، إذ أزال طيّه، ونشر الصحيفة، إذا فَتحها ليقرأها. ومنه الحديث: « حديث : فنشروا التوراة » تفسير : . وأما الإِنشار بالهمز فهو خاص بإخراج الميت من الأرض حيّاً وهو البعث، فيجوز أن يقال: نُشِر الميت، والعَرب لم يكونوا يعتقدون إحياء الأموات إلا أن يكونوا قد قالوه في تخيلاتهم التوهمية. فيكون منه قول الأعشى: شعر : حتى يقول الناس ممّا رأوا يا عَجَباً للْمَيِّتِ النَّاشِر تفسير : ولذلك قال الله تعالى: { أية : ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } تفسير : [هود: 7]. وفي قوله: {إذا شاء} ردّ لشبهتهم إذ كانوا يطلبون تعجيل البعث تحدياً وتهكماً ليجعلوا عدم الاستجابة بتعجيله دليلاً على أنه لا يكون، فأعلمهم الله أنه يقع عندما يشاء الله وقوعه لا في الوقت الذي يسألونه لأنه موكول إلى حكمة الله، واستفادة إبطال قولهم من طريق الكناية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قتل الإِنسان: لعن الإِنسان الكافر. ما أكفره: أي ما حمله على الكفر؟. من أي شيء خلقه: من نطفة خلقه. فقدّره: أي من نطفة إلى علقة غلى مضغة فبشر سويّ. ثم السبيل يسره: أي سبيل الخروج من بطن أمه. إذا شاء أنشره: أي إذا شاء إحياءه أحياه. كلا: حقا أو ليس الأمر كما يدعي الإِنسان أنه أدى ما عليه من الحقوق. لما يقض ما أمره: أي ما كلفه به من الطاعات والواجبات في نفسه وماله. إلى طعامه: أي كيف قدر ودبر له. حبا وعنبا: أي الحب الحنطة والشعير والعنب هو المعروف. وقضبا: أي ألقت الرطب وسمي قضبا لأنه يقضب أي يقطع مرة بعد مرة. وحدائق غلبا: أي كثيرة الأشجار والواحدة غلباء كحمراء كثيفة الشجر. وفاكهة وأبا: أي ما يتفكه به من سائر الفواكه والأب التبن وما ترعاه البهائم. متاعا لكم ولأنعامكم: أي ما تقدم ذكره منفعة لكم ولأنعامكم التي هي الإِبل والبقر والغنم. معنى الآيات: بعدما عاتب الربّ تبارك وتعالى رسوله على انشغاله بأولئك الكفرة المشركين وإعراضه عن ابن أم مكتوم الأعمى فكان أولئك المشركون هم السبب في إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن ابن أم مكتوم وفي عتاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فاستوجبوا لذلك لعنة الله تعالى عليهم لكفرهم وكبريائهم جَرَّدَ الله تعالى شخصا منهم غير معلوم والمراد كل كافر متكبر مثلهم فقال {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ} أي الكافر {مَآ أَكْفَرَهُ} أي ما حمله على الكفر والكبر. فلينظر {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} ربَّه الذي يكفر به؟ إنه خلقه من نطفة قذرة {خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} أي أطوارا نطفة فعلقة فمضغة. أمن كان هذا حاله يليق به أن يكفر ويتكبر ويستغني عن الله؟ فلينظر إلى مبدئه ومنتهاه وما بينهما مبدأه نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة. وهو بينهما حامل عذرة. كيف يكفر وكيف يتكبر؟ وقوله تعالى {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} فلولا أن الله تعالى يسر له طريق الخروج من بطن أمه والله ما خرج. {ثُمَّ أَمَاتَهُ} بدون استشارته ولا أخذ رأيه {فَأَقْبَرَهُ} هيأ له من يقبره وإلا لأنتن وتعفن وأكلته الكلاب، {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} {كَلاَّ}. أما يصحو هذا المغرور أما يفيق هذا المخدوع. {لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} فما له لا يقضي ما أمره ربّه من الإِيمان به وطاعته {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} الذي حياته متوقفة عليه كيف يتم له بتقدير الله تعالى وتدبيره لعله يذكر فيشكر {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً} كالبر والشعير والذرة وسائر الحبوب المقتاتة وعنبا يأكله رطبا ويابسا {وَقَضْباً} وهو القت الرطب يقضب أي يقطع مرة بعد مرة وهو علف البهائم، {وَزَيْتُوناً} يأكله حبا ويدهن به زيتا {وَنَخْلاً} يأكله ثمره بسرا ورطبا وتمرا {وَحَدَآئِقَ غُلْباً} أي بساتين ملتفة الأشجار كثيرتها الواحدة غلباء {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} الفاكهة لكم والأب علف لدوابكم {مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} أي هذه المذكورات بعضها متاعا لكم أي منافع تتمتعون بها وبعضها لأنعامكم وهو القضب والأب منفعة لها تعيش عليها فبأي وجه تكفر ربك يا أيها الإِنسان الكافر؟. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته وهي مقتضية للإِيمان به وبآياته ورسوله ولقائه. 2- الاستدلال بالصنعة على الصانع. وأن أثر الشيء يدل عليه، ولذا يتعجب من كفر الكافر بربه وهو خلقه ورزقه وكلأ حياته وحفظ وجوده إلى أجله. 3- بيان أن الإِنسان لا يزال مقصراً في شكر ربّه ولو صام الدهر كله وصلى في كل لحظة من لحظاته.

القطان

تفسير : قُتل الانسان: كلمة تقال للدعاء عليه بالعذاب. فقدّره: أنشأه في اطوار مختلفة. ثم السبيلَ يسّره: ثم سهّل له طريقه. فأقبره: فأماته وذهب به الى القبر. وأنشره: بعثه بعد الموت. وقَضْبا: كل ما يؤكل من النبات والخضار والبقول غضاً طريا. غلبا: ضخمة، عظيمة. وأبّا: ما ترعاه الدواب. الصاخّة: القيامة، لأنها تصرع الآذان. شأنٌ يغنيه: شغل يصرفه عن مساعدة غيره. مسفرة: مشرقة، مضيئة. مستبشرة: فرحة بما نالت من البشرى. عليها غَبرة: ما يصيب الانسان من الغبار والارهاق. ترهقها: تغشاها. قَتَرة: سواد كالدخان. بعد أن ذكر القرآن الكريم على أنه كتابُ موعظةٍ وذكرى وهدى للناس، يبين الله تعالى هنا جحودَ الإنسان وكفرَه الفاحشَ ولا سيّما أولئك الذين أُوتوا سَعةً من الرزق. ثم يذكّره بمصدر حياته ووجودِه، وأصلِ نشْأتِه، وكيف يسَّر له السبيلَ في حياته ثم تولى موتَه وبعثَه. ثم بعد ذلك ينعى على الانسان تقصيره في أمره، وأنه لا يؤدي ما عليه لخالِقِه، فيقول: {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ....}. هذه جملةُ دعاءٍ على كل جاحِد، والمرادُ بيانُ قُبحِ حالِه وتمرُّده وتكبُّره، فما أشدَّ كفره مع إحسان الله اليه! والحقُّ أن الانسانَ قد بلغ في كفره بالنعمة الإلهية مبلغاً يقضي بالعجب، فانه بعد ما رأى في نفسِه من آيات الله، وبعد ان مضى عليه تلك السّنون الطوال في الأرض، والتي شاهد فيها ما في هذا الكون الواسع العجيب من شواهدَ وادلّة ونظام بديع - لا يزال يجحَدُ أنعم الله عليه ولا يشكرها. ان الله تعالى لم يدَعِ الانسان سُدى، فقد أرسل إليه الهداةَ إثر الهداة، غير ان الانسان ظلّ سادراً في ضلاله، مغروراً بهذه الحياة الدنيا وما فيها من نعيم زائل. لذا شرع اللهُ يفصّل ما أجمَلَه ويبيّن ما افاض عليه من النِعم فقال: {مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ} إنه من أصلٍ متواضع جدا. {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} لقد خلقه اللهُ من نطفةٍ من ماء حقير، وقدّره أطوارا وأحوالا، وأتم خَلْقَه، وأودع فيه من القوى ما يمكّنَه من استعمال أعضائه، وصوَّره بأجملِ صورةٍ وأحسنِ تقويم. {ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ} ثم مهّد له سبيل الهداية، وسبيلَ الحياة، وأودع فيه أعظمَ خصائص الاستعدادِ ليعيشَ في هذه الحياة. حتى اذا انتهت الرحلة، صار الى النهاية الّتي يصير إليها كل حيٍّ بلا اختيار. {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} ثم قبض روحَه وأماته وكرّمه بأن يُقبر. {ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} حتى اذا حان الموعدُ الذي قدّره الله ليوم البعث اعادَه الى الحياةِ للحساب والجزاء. وهذا موعدٌ لا يعرفه إلا الله. إذن فإن الانسانَ ليس متروكا سُدى، ولا ذاهباً بغير حساب ولا جزاء. فهل قام بواجبه تجاه خالقه؟ {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} كلا، إنه مقصّر لم يؤدِ واجبَه ولم يشكر خالقه، ولم يقضِ هذه الرحلةَ على الأرض في الاستعداد ليومِ الحساب والجزاء. ثم أردف سبحانه بذكر الآياتِ المنبثّةَ في الآفاق، الناطقةَ ببديع صُنعِه والتي يراها الانسان أمامه ماثلةً للعيان فقال: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} عليه أن يتدبّر شأن نفسه، وينظر الى طعامه وطعام أنعامه في هذه الحياة: كيف يسّرناه له ودبّرناه! إنا أنزلنا الماءَ من السماء وجعلْنا منه كل شيء حي، وشققنا الأرضَ بالنبات كما تشاهدونه أمامكم، فأنبتْنا فيها حَباً يقتاتُ به الناسُ، وعنباً ونباتاً يؤكل رَطبا، وزيتونا طيِّبا ونخلاً مثمِرا غذاء جيدا، وحدائقَ ملتفة الأغصانِ جميلة. {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}. وبعد ان عدّد الله تعال نعمه على عباده، وذكّرهم بإحسانه اليهم في هذه الحياة، بحيث لا ينبغي للعاقل ان يتمرد - أردفَ هنا بتفصيلِ بعضِ أحوال يوم القيامة وأهوالِها فقال: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ....} إذا قامت القيامة التي بصيحتها تَصُكُّ الآذان وتصمّها، فإن المرء يهرب من أخيه ومن أُمه وأبيه، وزوجتِه وبنيه.. وهؤلاء هم أعزُّ الناس عنده. إن كل انسان في ذلك اليوم له شأنٌ يَشْغَله عن غيره. والناس في ذلك اليوم فريقان: فريقٌ ضاحك مستبشر بما سيلقاه من حُسن الاستقبال والنعيم المقيم، وفريق تعلو وجوهَهم قَتَرةٌ من سوادِ الحزن وكآبته. وهؤلاء هم الذين تمرّدوا على الله ورسوله {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} فمصيرهم الى جهنم. إن من طلبَ الحق لوجه الحق وعَمِل به بإيمان وإخلاص فهو الذي يضحك ويستبشر يوم القيامة، ومن اتبع هواه وشغل نفسه بتبرير الأهواء، واحتقر عقله، ورضي جهلَه، وشغل نفسه بالجَدَل والمِراء والتماس الحِيَل لتقرير الباطل وترويج الفاسد (كما كان يفعلُ أعداء الأنبياء، ولا يزال يأتيه السفهاء لينصروا به إصرار الاغبياء) ثم يُتْبع ذلك بأعمالٍ تطابق ما يهوى وتخالف ما يقول.. فهو الى جهنّم. وان المرء لَيجد الواحد من هذه الفئة يزعم الغيرة على الدين ولا تجدُ عملاً من أعماله ينطبق على ما قرره الدين. فالدِّين ينهى عن المعاصي وهو يقترفها، والدين يأمر بصيانة مصالح العامة وهو يفتِكُ بها ويبذّرها لمصلحته الخاصة. والدين يطالب أهله ببذلِ المال في سبيل الخير، وهو يسلب المالَ ليكنزه، فإن أنفق منه شيئا صرفه في سبيل الشر. والدينُ يأمر بالعدل وهو أظلمُ الظالمين، والدين يأمر بالصِدق وهو يكذب ويحبّ الكاذبين. فمن كان هذا شأنه فماذا يكون حاله يوم يتجلى الجبار، ويرتفع الستار! إنه سوف يجد كل شيء على خلاف ما كان يعرفه، يجد الحقَّ غير ما كان يعتقد، والباطلَ هو ما كان يعمل. عندئذٍ يتحقق أن ما كان يظنه من العمل خيراً لنفسه صار وبالاً عليها. فهذا النوع من الناس سوف تخيب آمالهم يوم القيامة، ويحاسَبون حسابا عسيرا، ويصدق فيهم قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ}، أعاذنا الله من هول ذلك اليوم، وهدانا برحمته الى العمل الصالح. قراءات: قرأ أهل الكوفة أنَّا، والباقون بكسر الهمزة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنسَانُ} (17) - يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى مَنْ أَنْكَرَ البَعْثَ وَالنُّشُورَ فَيَقُولُ: أَخْزَى اللهُ الإِنْسَانَ الكَفُورَ، وَلَعَنَهُ مَا أَشَدَّ كُفْرَانَهُ لِلنِّعَمِ التِي يَتَقَلَّبُ فِيهَا، وَمَا أَكْثَرَ ذُهُولَهُ عَنْ مُسْدِيهَا إِلَيْهِ، وَمُنْعِمِهَا عَلَيْهِ. قُتِلَ - لُعِنَ وَأُخْزِيَ وَعُذِّبَ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} معناه لُعِنَ.