Verse. 5801 (AR)

٨١ - ٱلتَّكْوِير

81 - At-Takweer (AR)

اِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ۝۱۠ۙ
Itha alshshamsu kuwwirat

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذا الشمس كوِّرت» لففت وذهب بنورها.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى ذكر اثني عشر شيئاً، وقال: إذا وقعت هذه الأشياء فهنالك {علمت نفس ما أحضرت} [التكوير: 14] فالأول: قوله تعالى: {إذا الشمس كورت} وفي التكوير وجهان أحدهما: التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة، وفي الحديث «حديث : نعوذ بالله من الحور بعد الكور» تفسير : أي من التشتت بعد الألفة والطي واللف، والكور والتكوير واحد، وسميت كارة القصار كارة لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد، ثم إن الشي الذي يلف لا شك أن يصير مختفياً عن الأعين، فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس وتصييرها غائبة عن الأعين بالتكوير، فلهذا قال بعضهم: كورت أي طمست، وقال آخرون: انكسفت، وقال الحسن: محى ضؤوها وقال المفضل بن سلمة: كورت أي ذهب ضؤوها، كأنها استترت في كارة الوجه الثاني: في التكوير يقال: كورت الحائط ودهورته إذا طرحته حتى يسقط، قال الأصمعي: يقال طعنه فكوره إذا صرعه، فقوله: {إذا الشمس كورت} أي ألقيت ورميت عن الفلك وفيه قول ثالث: يروى عن عمر أنه لفظة مأخوذة من الفارسية، فإنه يقال للأعمى كور، وههنا سؤالان: السؤال الأول: ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية الجواب: بل على الفاعلية رافعها فعل مضمر، يفسره كورت لأن {إذا}، يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط. السؤال الثاني: روي أن الحسن جلس بالبصرة إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن فحدث عن أبي هريرة أنه عليه السلام، قال: «حديث : إن الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة، فقال الحسن، وما ذنبهما؟ قال: إني أحدثك عن رسول الله» تفسير : فسكت الحسن، والجواب: أن سؤال الحسن ساقط، لأن الشمس والقمر جمادان فإلقاؤهما في النار لا يكون سبباً لمضرتهما، ولعل ذلك يصير سبباً لازدياد الحر في جهنم، فلا يكون هذا الخبر على خلاف العقل الثاني: قوله تعالى: {وَإذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ}. أي تناثرت وتساقطت كما قال تعالى: {أية : وإذا الكواكب انتثرت} تفسير : [الإنفطار: 2] والأصل في الانكدار الانصباب، قال الخليل: يقال انكدر عليهم القوم إذا جاؤوا أرسالاً فانصبوا عليهم، قال الكلبي: تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على وجه الأرض، قال عطاء: وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور، وتلك السلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات من في السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة. الثالث: قوله تعالى: {وَإذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}. أي عن وجه الأرض كقوله: {أية : وسيرت الجبال فكانت سراباً} تفسير : [النبأ: 20] أو في الهواء كقوله: {أية : تمر مر السحاب} تفسير : [النمل: 88]. الرابع: قوله: {وإذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}. فيه قولان: القول الأول: المشهور أن {العشار} جميع عشراء كالنفاس في جمع نفساء، وهي التي على حملها عشرة أشهر، ثم اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعزها عليهم، و{عطلت} قال ابن عباس: أهملها أهلها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة، وليس شيء أحب إلى العرب من النوق الحوامل، وخوطب العرب بأمر العشار لأن أكثر مالها وعيشها من الإبل. والغرض من ذلك ذهاب الأموال وبطلان الأملاك، واشتغال الناس بأنفسهم كما قال: {أية : يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} تفسير : [الشعراء: 88، 98] وقال: {أية : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} تفسير : [الأنعام: 94]. والقول الثاني: أن العشار كناية عن السحاب تعطلت عما فيها من الماء، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه أشبه بسائر ما قبله، وأيضاً فالعرب تشبه السحاب بالحامل، قال تعالى: {أية : فالحاملات وقراً} تفسير : [الذاريات: 2]. الخامس: قوله تعالى: {وإذا الوحوش حُشِرَتْ}. كل شيء من دواب البر مما لا يستأنس فهو وحش، والجمع الوحوش، و{حشرت} جمعت من كل ناحية، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، قال المعتزلة: إن الله تعالى يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها على آلامها التي وصلت إليها في الدنيا بالموت والقتل وغير ذلك، فإذا عوضت على تلك الآلام، فإن شاء الله أن يبقى بعضها في الجنة إذا كان مستحسناً فعل، وإن شاء أن يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر، وأما أصحابنا فعندهم أنه لا يجب على الله شيء بحكم الاستحقاق، ولكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها موتى فتموت، والغرض من ذلك هذه القصة ههنا وجوه أحدها: أنه تعالى إذا كان (يوم القيامة) يحشر كل الحيوانات إظهاراً للعدل، فكيف يجوز مع هذا أن لا يحشر المكلفين من الإنس والجن؟ الثاني: أنها تجتمع في موقف القيامة مع شدة نفرتها عن الناس في الدنيا وتبددها في الصحاري، فدل هذا على أن اجتماعها إلى الناس ليس إلا من هول ذلك اليوم والثالث: أن هذه الحيوانات بعضها غذاء للبعض، ثم إنها في ذلك اليوم تجتمع ولا يتعرض بعضها لبعض وما ذاك إلا لشدة هول ذلك اليوم، وفي الآية قول آخر: لابن عباس وهو أن حشر الوحوش عبارة عن موتها، يقال ـ إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم ـ حشرتهم السنة، وقرىء حشرت بالتشديد. السادس: قوله تعالى: {وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ}. قرىء بالتخفيف والتشديد، وفيه وجوه: أحدها: أن أصل الكلمة من سجرت التنور إذا أوقدتها، والشيء إذا وقد فيه نشف ما فيه من الرطوبة، فحينئذ لا يبقى في البحار شيء من المياه ألبتة، ثم إن الجبال قد سيرت على ما قال: {أية : وسيرت الجبال} تفسير : [النبأ: 20] وحينئذ تصير البحار والأرض شيئاً واحداً في غاية الحرارة والإحراق، ويحتمل أن تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت فارتفعت فاستوت برؤوس الجبال، ويحتمل أن الجبال لما اندكت وتفرقت أجزاؤها وصارت كالتراب وقع ذلك التراب في أسفل الجبال، فصار وجه الأرض مستوياً مع البحار، ويصير الكل بحراً مسجوراً وثانيها: أن يكون {سجرت} بمعنى {فجرت} وذلك لأن بين البحار حاجزاً على ما قال: {أية : مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان} تفسير : [الرحمن: 19،20] فإذا رفع الله ذلك الحاجز فاض البعض في البعض، وصارت البحار بحراً واحداً، وهو قول الكلبي: وثالثها: {سجرت} أوقدت، قال القفال: وهذا التأويل يحتمل وجوهاً الأول: أن تكون جهنم في قعور البحار، فهي الآن غير مسجورة لقيام الدنيا، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله تأثير تلك النيران إلى البحار، فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك والثاني: أن الله تعالى يلقي الشمس والقمر والكواكب في البحار، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك والثالث: أن يخلق الله تعالى بالبحار نيراناً عظيمة حتى تتسخن تلك المياه، وأقول هذه الوجوه متكلفة لا حاجة إلى شيء منها، لأن القادر على تخريب الدنيا وإقامة القيامة لا بد وأن يكون قادراً على أن يفعل بالبحار ما شاء من تسخين، ومن قلب مياهها نيراناً من غير حاجة منه إلى أن يلقى فيها الشمس والقمر، أو يكون تحتها نار جهنم. واعلم أن هذه العلامات الستة يمكن وقوعها في أول زمان تخريب الدنيا، ويمكن وقوعها أيضاً بعد قيام القيامة، وليس في اللفظ ما يدل على أحد الاحتمالين، أما الستة الباقية فإنها مختصة بالقيامة. السابع: قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}. وفيه وجوه أحدها: قرنت الأرواح بالأجساد وثانيها: قال الحسن: يصيرون فيها ثلاثة أزواج كما قال: {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة * فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون} تفسير : [الواقعة: 7 ـ 10] وثالثها: أنه يضم إلى كل صنف من كان طبقته من الرجال والنساء، فيضم المبرز في الطاعات إلى مثله، والمتوسط إلى مثله وأهل المعصية إلى مثله، فالتزويج أن يقرن الشيء بمثله، والمعنى أن يضم كل واحد إلى طبقته في الخير والشر ورابعها: يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان كما قال: {أية : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} تفسير : [الصافات: 22] قيل فزدناهم من الشياطين وخامسها: قال ابن عباس زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين وسادسها: قرن كل امرىء بشيعته اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني، وقد ورد في خبر مرفوع وسابعها: قال الزجاج: قرنت النفوس بأعمالها. واعلم أنك إذا تأملت في الأقوال التي ذكرناها أمكنك أن تزيد عليها ما شئت. الثامن: قوله تعالى: {وَإِذَا الْموْءُدَةُ سُئِلَتْ}. {بِأىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}. فيه مسائل: المسألة الأولى: وأديئد مقلوب من آد يئود أوداً ثقل قال تعالى: {أية : ولا يؤوده حفظهما} تفسير : [البقرة: 255] أي يثقله؛ لأنه إثقال بالتراب كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد بقاء حياتها ألبسها جبة من صوف أو شعر لترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتها ستة أشبار فيقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أقاربها وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها إلى البئر فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، وقيل: كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنت رمتها في الحفرة، وإذا ولدت ابناً أمسكته، وههنا سؤالان: السؤال الأول: ما الذي حملهم على وأد البنات؟ الجواب: الخوف من لحوق العار بهم من أجلهم أو الخوف من الإملاق، كما قال تعالى: {أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} تفسير : [الإسراء: 31] وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات بالملائكة، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد فافتخر الفرزدق به في قوله: شعر : ومنا الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم توأد تفسير : السؤال الثاني: فما معنى سؤال الموؤدة عن ذنبها الذي قتلت به، وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟ الجواب: سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، وهو كتبكيت النصارى في قوله لعيسى: {أية : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} تفسير : [المائدة: 116]. المسألة الثانية: قرىء سألت، أي خاصمت عن نفسها، وسألت الله أو قاتلها، وقرىء قتلت بالتشديد، فإن قيل: اللفظ المطابق أن يقال: {سئلت * بأي ذنب قتلت} ومن قرأ سألت فالمطابق أن يقرأ: {بأي ذنب قتلت} فما الوجه في القراءة المشهورة؟ قلنا: الجواب: من وجهين الأول: تقدير الآية: وإذا الموؤودة سئلت (أي سئل) الوائدون عن أحوالها بأي ذنب قتلت والثاني: أن الإنسان قد يسأل عن حال نفسه عند المعاينة بلفظ المغايبة، كما إذا أردت أن تسأل زيداً عن حال من أحواله، فتقول: ماذا فعل زيد في ذلك المعنى؟ ويكون زيد هو المسئول، وهو المسئول عنه، فكذا ههنا. التاسع: قوله تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ}. قرىء بالتخفيف والتشديد يريد صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها، أي فرقت بينهم. العاشر: قوله تعالى: {وَإِذَا السَّمَآءُ كُشِطَتْ}. أي كشفت وأزيلت عما فوقها، وهو الجنة وعرش الله، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء، وقرأ ابن مسعود: قشطت، واعتقاب القاف والكاف كثير، يقال لبكت الثريد ولبقته، والكافور والقافور. قال الفراء: نزعت فطويت. الحادي عشر: قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}. أوقدت إيقاداً شديداً وقرىء سعرت بالتشديد للمبالغة، قيل: سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم، واحتج بهذه الآية من قال: النار غير مخلوقة الآن، قالوا: لأنها تدل على أن تسعيرها معلق بيوم القيامة. الثاني عشر: قوله تعالى: {وَإِذَا الجنةُ أُزْلِفتْ}. أي أدنيت من المتقين، كقوله: {وأزلفت الجنة للمتقين}. ولما ذكر الله تعالى هذه الأمور الإثني عشر ذكر الجزاء المرتب على الشروط الذي هو مجموع هذه الأشياء فقال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ}. ومن المعلوم أن العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها، وما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك الأعمال، والمراد: ما أحضرت من استحقاق الجنة والنار فإن قيل كل نفس تعلم ما أحضرت، لقوله : {أية : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً} تفسير : [آل عمران: 30] فما معنى قوله: {علمت نفس}؟ قلنا: الجواب: من وجهين الأول: أن هذا هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط، وإن كان اللفظ موضوعاً للقليل، ومنه قوله تعالى: {أية : ربما يود الذين كفروا} تفسير : [الحجر: 2] كمن يسأل فاضلاً مسألة ظاهرة ويقول: هل عندك فيها شيء؟ فيقول: ربما حضر شيء وغرضه الإشارة إلى أن عنده في تلك المسألة ما لا يقول به غيره. فكذا ههنا الثاني: لعل الكفار كانوا يتعبون أنفسهم في الأشياء التي يعتقدونها طاعات ثم بدا لهم يوم القيامة خلاف ذلك فهو المراد من هذه الآية. قوله تعالى: {فَلآ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ}. {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. الكلام في قوله: {لاَ أُقْسِمُ } قد تقدم في قوله: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ }تفسير : [القيامة: 1]، {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } فيه قولان: الأول: وهو المشهور الظاهرة أنها النجوم الخنس جمع خانس، والخنوس والانقباض والاستخفاء تقول: خنس من بين القوم وانخنس، وفي الحديث «حديث : الشيطان يوسوس إلى العبد فإذا ذكر الله خنس»تفسير : أي انقبض ولذلك سمي الخناس {والكنس} جمع كانس وكانسة يقال: كنس إذا دخل الكناس وهو مقر الوحش يقال كنس الظباء في كنسها، وتكنست المرأة إذا دخلت هودجها تشبه بالظبي إذا دخل الكناس. ثم اختلفوا في خنوس النجوم وكنوسها على ثلاثة أوجه فالقول الأظهر: أن ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السيارة واستقامتها فرجوعها هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس، ولا شك أن هذه حالة عجيبة وفيها أسرار عظيمة باهرة القول الثاني: ما روي عن علي عليه السلام وعطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها عبارة عن غيبوبتها عن البصر في النهار وكنوسها عبارة عن ظهورها للبصر في الليل أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها والقول الثالث: أن السبعة السيارة تختلف مطالعها ومغاربها على ما قال تعالى: {أية : بِرَبّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ }تفسير : [المعارج: 40] ولا شك أن فيها مطلعاً واحداً ومغرباً واحداً هما أقرب المطالع والمغارب إلى سمت رؤوسنا، ثم إنها تأخذ في التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السنة، ثم ترجع إليه فخنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع، وكنوسها عبارة عن عودها إليه، فهذا محتمل فعلى القول الأول يكون القسم واقعاً بالخمسة المتحيرة، وعلى القول الثاني يكون القسم واقعاً بجميع الكواكب وعلى هذا الاحتمال الذي ذكرته يكون القسم واقعاً بالسبعة السيارة، والله أعلم بمراده. والقول الثاني: أن {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } وهو قول ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش، وقال سعيد بن جبير: هي الظباء، وعلى هذا الخنس من الخنس في الأنف وهو تقعير في الأنف فإن البقر والظباء أنوفها على هذه الصفة {والكنس} جمع كانس وهي التي تدخل الكناس والقول هو الأول، والدليل عليه أمران:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال ٱبن عباس: تكويرها: إدخالها في العرش. والحسن: ذهاب ضوئها. وقاله قتادة ومجاهد: وروي عن ٱبن عباس أيضاً. سعيد بن جُبير: عُوِّرَتْ. أبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة، تلف فتمحي. وقال الربيع بن خيثم: «كورت» رمُيِ بها؛ ومنه: كوّرته فتكوّر، أي سقط. قلت: وأصل التكوير: الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها أي لاثها وجمعها فهي تُكَوَّر ويمحي ضوءها، ثم يُرمْى بها في البحر. والله أعلم. وعن أبي صالح: كوّرت: نكِّستْ. {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} أي تهافتت وتناثرت. وقال أبو عبيدة: ٱنصبَّت كما تنصَبّ العُقاب إذا ٱنكسرت. قال العجّاج يصف صقراً: شعر : أَبصرَ خِربان فضاء فانكدر تقضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَر تفسير : وروَى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا يَبقى في السماء يومئذ نجم إلا سقط في الأرض، حتى يفزَع أهل الأرض السابعة مما لَقِيت وأصاب العليا »تفسير : ، يعني الأرض. وروى الضحاك عن ٱبن عباس قال: تساقطت؛ وذلك أنها قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة من نور، فإذا جاءت النفخة الأولى مات من في الأرض ومن في السموات، فتناثرت تلك الكواكب وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. ويحتمل أن يكون ٱنكدارها طَمْس آثارها. وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها. وعن ٱبن عباس أيضاً: ٱنكدرت تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها. والمعنى متقارب. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} يعني قُلِعت من الأرض، وسيرت في الهواء؛ وهو مثل قوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً } تفسير : [الكهف: 47]. وقيل سيرُها تحوّلها عن منزلة الحجارة، فتكون كثيباً مَهِيلا، أي رملاً سائلاً، وتكون كالعِهن، وتكون هباء منثوراً، وتكون سَراباً، مثل السراب الذي ليس بشيء. وعادت الأرض قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أَمتا. وقد تقدم في غير موضع والحمد لله. {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ} أي النوق الحوامل التي في بطونها أولادها؛ الواحدة عُشَراء، أو التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك ٱسمها حتى تضع، وبعد ما تضع أيضاً. ومن عادة العرب أن يسمُّوا الشيء باسمه المتقدّم وإن كان قد جاوز ذلك؛ يقول الرجل لفرسه وقد قَرِح: هاتوا مُهْري، يسميه بمتقدّم ٱسمه؛ قال عنترة: شعر : لا تذكرِي مُهْرِي وما أطمعتُه فيكونَ جِلدُكِ مثلَ جِلدِ الأَجرب تفسير : وقال أيضاً: شعر : وحَمَلْتُ مُهرِي وسْطَها فمضاها تفسير : وإنما خص العِشار بالذكر، لأنها أعز ما تكون على العرب، وليس يُعَطلها أهلها إلا حال القيامة. وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عُشَرَاءَ، ولكن أراد به المثل؛ أن هول يوم القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عُشَراءُ لعطَّلها وٱشتغل بنفسه، وقيل: إنهم إذا قاموا من قبورهم، وشاهد بعضهم بعضاً، ورأوا الوُحوش والدوابّ محشورة، وفيها عِشارهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبئوا بها، ولم يهمَّهم أمرُها. وخُوطبت العرب بأمر العِشار؛ لأن ما لها وعيشها أكثره من الإبل. وروَي الضحاك عن ٱبن عباس: عُطِّلت: عَطَّلها أهلها، لاشتغالهم بأنفسهم. وقال الأعشى: شعر : هو الواهِبُ المائةَ المصطفا ةَ إما مَخاضاً وإما عِشارَا تفسير : وقال آخر: شعر : ترى المرءَ مهجوراً إذا قلَّ مالهُ وبيتُ الغِنى يُهْدَى له ويُزارُ وما ينفعُ الزوّارَ مالُ مَزُورِهِم إذا سَرَحَتْ شَوْلٌ له وعِشارُ تفسير : يقال: ناقة عُشَراء، وناقتان عُشَراوان، ونوق عِشارٌ وعُشَراوات، يبدلون من همزة التأنيث واواً. وقد عَشَّرت الناقة تعشيراً: أي صارت عُشَراء. وقيل: العِشار: السحاب يُعَطَّل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر؛ والعرب تشبه السحاب بالحامل. وقيل: الديار تُعَطَّل فلا تُسكن. وقيل: الأرض التي يُعَشَّر زرْعها تعطل فلا تزرع. والأوّل أشهر، وعليه من الناس الأكثر. {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي جمعتْ والحشر: الجمع. عن الحسن وقتادة وغيرهما. وقال ٱبن عباس: حَشْرها: موتها. رواه عنه عِكرمة. وحَشْر كل شيء: الموت غيرَ الجن والإنس، فإنهما يُوافيان يوم القيامة. وعن ٱبن عباس أيضاً قال: يُحْشَر كل شيء حتى الذُّباب. قال ٱبن عباس: تحشر الوحوش غداً: أي تجمع حتى يُقتصَّ لبعضها من بعض، فيقتصَّ للجَمّاء من القَرْناء، ثم يقال لها كوني تراباً فتموت. وهذا أصح مما رواه عنه عِكرمة، وقد بيناه في كتاب «التذكرة» مستوفى، ومضى في سورة «الأنعام» بعضُه. أي إن الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم. وقيل: عُنِي بهذا أنها مع نُفْرتها اليوم من الناس وتنددها في الصحارَى، تنضم غداً إلى الناس من أهوال ذلك اليوم. قال معناه أبيُّ بن كعب. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} أي ملئت من الماء؛ والعرب تقول: سَجَرت الحوضَ أَسَجِّره سَجْرا: إذا ملأته، وهو مسجور، والمسجور والساجر في اللغة: الملآن. وروى الربيع بن خيثم: سُجِّرت: فاضت ومُلئت. وقاله الكلبيّ ومقاتل والحسن والضحاك. قال ٱبن أبي زَمْنين: سُجِّرت: حقيقته مُلِئت، فيفِيض بعضها إلى بعض، فتصير شيئاً واحداً. وهو معنى قول الحسن. وقيل: أرسِل عَذْبها على مالحها، ومالحها على عذبها، حتى ٱمتلأت. عن الضحاك ومجاهد: أي فُجرت فصارت بحراً واحداً. القشيريّ: وذلك بأن يرفع الله الحاجز الذي ذكره في قوله تعالى: { أية : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } تفسير : [الرحمن: 20]، فإذا رفع ذلك البرزخ تفجرت مياه البحار، فعمت الأرض كلها، وصارت البحار بحراً واحداً. وقيل: صارت بحراً واحداً من الحميم لأهل النار. وعن الحسن أيضاً وقتادة وٱبن حيان: تيبس فلا يبقى من مائها قطرة. القُشَيْريّ: وهو من سَجَرْت التنور أَسْجُره سَجْرا: إذا أحميته، وإذا سُلّط عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرطوبة، وتُسَيَّر الجبال حينئذ، وتصير البحار والأرض كلها بساطاً واحداً، بأن يُمْلأَ مكان البحار بتراب الجبال. وقال النحاس: وقد تكون الأقوال متفقة؛ يكون تيبس من الماء بعد أن يفيض، بعضها إلى بعض، فتقلَب ناراً. قلت: ثم تُسَيَّر الجبال حينئذ، كما ذكر القشيري، والله أعلم. وقال ٱبن زيد وشَمِر وعطية وسفيان ووهب وعلي بن أبي طالب وٱبن عباس في رواية الضحاك عنه: أُوقدت فصارت ناراً. قال ٱبن عباس: يُكَوِّر الله الشمس والقمر والنجوم في البحر، ثم يبعث الله عليها ريحاً دَبُوراً، فتنفخُه حتى يصير ناراً. وكذا في بعض الحديث: «حديث : يأمر الله جل ثناؤه الشمس والقمر والنجوم فينتثرون في البحر، ثم يبعث الله جل ثناؤه الدَّبور فيسجِّرها ناراً، فتلك نار الله الكبرى، التي يعذب بها الكفار»تفسير : . قال القشيْري: قيل في تفسير قول ٱبن عباس {سُجِّرَتْ} أوقدت، يحتمل أن تكون جهنم في قُعور من البحار، فهي الآن غير مسْجورة لِقوام الدنيا، فإذا ٱنقضت الدنيا سُجِّرت، فصارت كلها ناراً يدخلها الله أهلها. ويحتمل أن تكون تحت البحر نار، ثم يوقد الله البحر كله فيصير ناراً. وفي الخبَر: البحر نار في نار وقال معاوية بن سعيد: بحر الروم وسْط الأرض، أسفله آبار مُطْبقة بنُحاس يُسَجَّر ناراً يوم القيامة. وقيل: تكون الشمس في البحر، فيكون البحر ناراً بحر الشمس. ثم جميع ما في هذه الآيات يجوز أن يكون في الدنيا قبل يوم القيامة ويكون من أشراطها، ويجوز أن يكون يوم القيامة، وما بعد هذه الآيات فيكون في يوم القيامة. قلت: رُوِي عن عبد الله بن عمرو: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طَبَق جَهَنم. وقال أبيّ بن كعب: ست آيات من قَبْل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم ذهب ضوء الشمس وبدت النجوم فتحيروا ودُهِشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم وتساقطت، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحرّكت واضطربت واحترقت، فصارت هباء منثوراً، ففزعت الإنس إلى الجنّ والجنّ إلى الإنس، واختلطت الدوابُّ والوحوش والهوامُّ والطير، وماج بعضها في بعض؛ فذلك قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} ثم قالت الجنّ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجَّج، فبينما هم كذلك تصدَّعتِ الأرض صَدْعة واحدة إلى الأرض السابعة السُّفلَى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذا جاءتهم ريح فأماتتهم. وقيل: معنى «سُجِّرت»: هو حُمْرة مائها، حتى تصير كالدم؛ مأخوذ من قولهم: عين سَجْراء: أي حمراء. وقرأ ابن كثير «سُجِرَت» وأبو عمرو أيضاً، إخباراً عن حالها مرة واحدة. وقرأ الباقون بالتشديد إخباراً عن حالها في تكرير ذلك منها مرة بعد أخرى. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال النعمان بن بشير: قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : وإِذا النفوس زُوّجت » تفسير : قال: « حديث : يُقْرَن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله » تفسير : . وقال عمر بن الخطاب: يُقْرَن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح. وقال ابن عباس: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة، السابقون زوج ـ يعني صنفاً ـ وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج. وعنه أيضاً قال: زُوّجت نفوس المؤمنين بالحُور العين، وقُرن الكافر بالشياطين، وكذلك المنافقون. وعنه أيضاً: قُرِن كل شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار، فيضم المَبرِّز في الطاعة إلى مثله، والمتوسط إلى مثله، وأهل المعصية إلى مثله؛ فالتزويج أن يُقرن الشيء بمثله؛ والمعنى: وإذا النفوس قُرنت إلى أشكالها في الجنة والنار. وقيل: يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من مَلِك وسطلان، كما قال تعالى: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ}. وقال عبد الرحمن بن زيد: جُعلوا أزواجاً على أشباه أعمالهم ليس بتزويج، أصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج، والسابقون زوج؛ وقد قال جل ثناؤه: { أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ } تفسير : [الصافات: 22] أي أشكالهم. وقال عِكرمة: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قرنت الأرواح بالأجساد؛ أي ردت إليها. وقال الحسن: ألحق كل امرىء بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد شيئاً من دون الله يُلْحَق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل: يُقْرَن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان، على جهة البغض والعداوة، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين. وقيل: قُرِنت النفوس بأعمالها، فصارت لاختصاصها به كالتزويج. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} الموءودة المقتولة؛ وهي الجارية تدفن وهي حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيؤودها أي يثقلها حتى تموت؛ ومنه قوله تعالى: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي لا يثقله؛ وقال متمم بن نُويرة: شعر : ومَوءودة مَقبورة فِي مَفازةٍ بآمتِها مَوْسودة لم تُمَهّد تفسير : وكانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين؛ إحداهما كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به. الثانية إما مخافة الحاجة والإملاق، وإما خوفاً من السبيْ والاسترقاق. وقد مضى في سورة «النحل» هذا المعنى، عند قوله تعالى: { أية : أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ } تفسير : [النحل: 59] مستوفًى. وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا، ويمنعون منه، حتى ٱفتخر به ٱلفرزدق، فقال: شعر : ومِنّا الَّذي منعَ الوائِداتِ فأحيا الوِئيد فلم يُوأَدِ تفسير : يعني جدّه صعصعة كان يشتريهن من آبائهن، فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موءودة. وقال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخضت على رأسها، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردّتِ التراب عليها، وإن ولدت غلاماً حبسته، ومنه قول الراجز: شعر : سَمَّيتها إذ وُلِدتْ تموتُ والقبرُ صِهرٌ ضامِنٌ زِمِّيتُ تفسير : الزِّميت الوقور، والزميت مثال الفِسيق أوقر من الزّمِيتِ، وفلان أزمت الناس أي أوقرهم، وما أشد تَزَمته؛ عن الفراء. وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم الله على ذلك، وتوعدهم بقوله: «وإِذا الموءودة سئِلت» قال عمر في قوله تعالى {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} قال: « حديث : جاء قيس ابن عاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنى وأدت ثمانَ بنات كنّ لي في الجاهلية، قال: «فأعتِق عن كل واحدة منهن رقبة» قال: يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: «فأهْدِ عن كل واحدة منهنّ بَدَنة إن شئت» » تفسير : . وقوله تعالى: «سُئِلت» سؤال الموءودة سُؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضُرِب: لم ضُرِبت؟ وما ذنبك؟ قال الحسن: أراد الله أن يُوبِّخ قاتلها؛ لأنها قُتِلت بغير ذنب. وقال ابن أسلم: بأي ذنب ضُرِبت، وكانوا يُضربونها. وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى «سئلت» قال: طُلِبت؛ كأنه يريد كما يُطلب بدم القتيل. قال: وهو كقوله: { أية : وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً } تفسير : [الأحزاب: 15] أي مطلوباً. فكأنها طُلِبت منهم، فقيل أين أولادكم؟! وقرأ الضحاك وأبو الضُّحا عن جابر بن زيد وأبي صالح «وإِذا الموءودة سَألت» فتتعلق الجارية بأبيها، فتقول: بأيّ ذنب قتلتني؟! فلا يكون له عذر؛ قاله ابن عباس وكان يقرأ {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سألت} وكذلك هو في مصحف أُبيّ. وروى عِكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقاً ولدُها بثدييها، ملطخاً بدمائه، فيقول يا ربّ، هذه أمي، وهذه قتلتني » تفسير : والقول الأوّل عليه الجمهور، وهو مثل قوله تعالى لعيسى: { أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 116]، على جهة التوبيخ والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموءودة توبيخ لوائدها، وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها؛ لأن هذا مما لا يصح إلا بذنب، فبأيّ ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها، كان أعظم في البلية وظهور الحجة على قاتلها. والله أعلم. وقريء «قُتِّلت» بالتشديد، وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يُعَذَّبون، وعلى أن التعذيب لا يُستَحقّ إلا بذنب. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ} أي فُتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كَتَبَت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تُطْوَى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: { أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49]. وروَى مَرْثَد بن وَدَاعة قال: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده { أية : فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } تفسير : [الغاشية: 10] إلى قوله: { أية : ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ } تفسير : [الحاقة: 24] وتقع صحيفة الكافر في يده «فِي سَمُومٍ وحَمِيم إلى قوله: ولا كريم». ورُوِي « حديث : عن أمّ سلمة رضي الله عنها. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُحْشَر الناس يوم القيامة حُفاة عراة» فقلت: يا رسول الله! فكيف بالنساء؟ قال: «شُغِل الناس يا أمَّ سَلَمة». قلت: وما شَغَلَهم؟ قال: «نشر الصحف فيها مثاقيل الذرّ ومثاقيل الخردل» » تفسير : . وقد مضى في سورة «سُبْحان» قول أبي الثوّار العدَوِيّ: هما نَشْرَتان وطَيَّة، أما ما حييت يا بن آدم فصحيفتك المنشورة، فأملِ فيها ما شئت، فإذا مِت طوِيت، حتى إذا بُعثت نشِرت {أية : اقرأ كِتابك كفى بِنفسِك اليوم عليك حسِيباً}تفسير : [الإسراء: 14]. وقال مقاتل: إذا مات المرء طُوِيت صحيفة عمله، فإذا كان يوم القيامة نُشِرت. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق الأمر يا بن آدم. وقرأ نافع وٱبن عامر وعاصم وأبو عمرو «نُشِرَتْ» مخففة، على نشرت مرة واحدة، لقيام الحجة. الباقون بالتشديد، على تكرار النشر، للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. وقيل: لتكرار ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ}: الكشط: قَلْع عن شدّة التزاق؛ فالسماء تُكْشَط كما يكْشَط الجلد عن الكبش وغيره، والقَشْط: لغة فيه. وفي قراءة عبد الله {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ قُشِطَت} وكَشَطْتُ البعير كشطاً: نزعت جلده، ولا يقال سَلَخْته؛ لأن العرب لا تقول في البعير إلا كَشَطْته أو جَلَّدته، وٱنكشط: أي ذهب؛ فالسماء تُنْزَع من مكانها كما ينزع الغِطاء عن الشيء. وقيل: تُطْوَى كما قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}، فكأن المعنى: قلِعت فطويت. والله أعلم. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} أي أوقدت فأُضْرمت للكفار وزيدَ في إحمائها. يقال: سَعَّرْتُ النار وأسعرتها. وقراءة العامة بالتخفيف من السعير. وقرأ نَافع وٱبن ذَكوانَ ورُوَيْس بالتشديد؛ لأنها أوقدت مرة بعد مرة. قال قتادة: سَعَّرها غضب الله وخطايا بني آدم. وفي الترمذِيّ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أوقد على النار ألفَ سنة حتى ٱحمرت، ثم أوقد عليها ألفَ سنةٍ حتى ٱبيضَّت، ثم أوقد عليها ألفَ سنة حتى ٱسودَّت، فهي سوداء مُظلمة » تفسير : ورُوِي موقوفاً. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} أي دَنَتْ وقُرِّبت من المتقين. قال الحسن: إنهم يُقَرَّبون منها؛ لا أنها تزول عن موضعها. وكان عبد الرحمن بن زيد يقول: زُينت: أزْلِفَتْ؟ والزلفى في كلام العرب: القُربة؛ قال الله تعالى: { أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ }، تفسير : [الشعراء: 90] وتزلف فلان تقرب. قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وما بعدها. قال عمر رضي الله عنه لهذا أُجري الحديث. ورُوِيَ عن ٱبن عباس وعمر رضي الله عنهما أنهما قرآها، فلما بلغا «علِمت نفس ما أحْضَرت» قالا لهذا أجريت القصة؛ فالمعنى على هذا إذا الشمس كورت وكانت هذه الأشياء، علمت نفس ما أحضرت من عملها. وفي الصحيحين عن عديّ بن حاتم قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدّمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم بين يديه، فتستقبله النار، فمن ٱستطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل » تفسير : وقال الحسن: «إِذ الشمس كورت» قسم وقع على قوله: «علِمت نفس ما أحضرت» كما يقال: إذا نفَرَ زيد نفر عمرو. والقول الأوّل أصح. وقال ٱبن زيد عن ٱبن عباس في قوله تعالى: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} إلى قوله: {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} ٱثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة؛ وقد بينا الستة الأولى بقول أبيّ بن كعب.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها تسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ } لفت من كورت العمامة إذا لففتها بمعنى رفعت لأن الثوب إذا أريد رفعه لف، أو لف ضوؤها فذهب انبساطه في الآفاق وزال أثره، وألقيت عن فلكها من طعنه فكوره إذا ألقاه مجتمعاً والتركيب للإرادة والجمع وارتفاع الشمس بفعل يفسره ما بعدها أولى لأن إذا الشرطية تطلب الفعل. {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } انقضت قال:شعر : أَبْصِرْ خَرْبَانَ فَضَاءَ فانكدر تفسير : أو أظلمت من كدرت الماء فانكدر. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيّرَتْ } عن وجه الأرض أو في الجو. {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ } النوق اللواتي أتى على حملهن عشرة أشهر جمع عشراء. {عُطّلَتْ } تركت مهملة، أو السحائب عطلت عن المطر، وقرىء بالتخفيف. {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } جمعت من كل جانب أو بعثت للقصاص ثم ردت تراباً، أو أميتت من قولهم إذا أجحفت السنة بالناس حشرتهم، وقرىء بالتشديد. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ } أحميت أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً، من سجر التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وروح بالتخفيف. {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوّجَتْ } قرنت بالأبدان أو كل منها بشكلها، أو بكتابها وعملها أو نفوس المؤمنين بالحور ونفوس الكافرين بالشياطين. {وَإِذَا ٱلْمَوْءودَةُ } المدفونة حية وكانت العرب تئد البنات مخافة الإِملاق، أو لحوق العار بهم من أجلهم. {سُئِلَتْ بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } تبكيتاً لوائدها كتبكيت النصارى بقوله تعالى لعيسى عليه الصلاة والسلام {أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [المائدة: 116]وقريء «سألت» أي خاصمت عن نفسها وسألت، وإنما قيل {قُتِلَتْ } على الإِخبار عنها وقرىء « قُتِلَتْ» على الحكاية.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} يعني: أظلمت. وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت، وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوءُها، وقال سعيد بن جبير: كورت: غورت. وقال الربيع بن خثيم: كورت: يعني: رمي بها، وقال أبو صالح: كورت: ألقيت، وعنه أيضاً: نكست، وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك: أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: {كُوِّرَتْ}: جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك، ذهب ضوءُها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس: { إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحاً دبوراً، فتضرمها ناراً، وكذا قال عامر الشعبي، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح عن ابن يزيد بن أبي مريم عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قول الله: { إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال: «حديث : كورت في جهنم.»تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن محمد بن حيان، حدثنا درست بن زياد، حدثنا يزيد الرقاشي، حدثنا أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» تفسير : هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة، ثم قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشمس والقمر يكوران يوم القيامة» تفسير : انفرد به البخاري، وهذا لفظه، وإنما أخرجه في كتاب بدء الخلق، وكان جديراً أن يذكره ههنا، أو يكرره كما هي عادته في أمثاله، وقد رواه البزار فجود إيراده فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه، فحدث قال: حدثنا أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة»تفسير : ، فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: ــــ أحسبه قال ــــ وما ذنبهما؟ ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث. وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} أي: انتثرت كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 2] وأصل الانكدار: الانصباب. قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك، إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك، إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض، { وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} قال: اختلطت { وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ} قال: أهملها أهلها، { وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} قال: قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر، قال: فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تتأجج، قال: فبينما هم كذلك، إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك، إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. رواه ابن جرير، وهذا لفظه، وابن أبي حاتم ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خُثيم والحسن البصري وأبو صالح وحماد بن أبي سليمان والضحاك في قوله جلا وعلا: { وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} أي: تناثرت، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} أي: تغيرت. وقال يزيد بن أبي مريم عن النبي صلى الله عليه وسلم: { وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} قال: «حديث : انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله، فهو في جهنم، إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا، لدخلاها» تفسير : رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم. وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} أي: زالت عن أماكنها، ونسفت، فتركت الأرض قاعاً صفصفاً، وقوله: { وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ} قال عكرمة ومجاهد: عشار الإبل، قال مجاهد: عطلت: تركت وسيبت. وقال أبي بن كعب والضحاك: أهملها أهلها، وقال الربيع بن خثيم: لم تحلب ولم تصر، تخلى منها أربابها، وقال الضحاك: تركت لا راعي لها. والمعنى في هذا كله متقارب، والمقصود أن العشار من الإبل، وهي خيارها، والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر ــــ واحدتها عشراء، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع ــــ قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتقاع بها بعد ما كانوا أرغب شيء فيها؛ بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر يوم القيامة، وانعقاد أسبابها، ووقوع مقدماتها. وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة، يراها أصحابها كذلك لا سبيل لهم إليها، وقد قيل في العشار: إنها السحاب تعطل عن المسير بين السماء والأرض؛ لخراب الدنيا. وقيل: إنها الأرض التي تعشر، وقيل: إنها الديار التي كانت تسكن، تعطلت لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه التذكرة، ورجح أنها الإبل، وعزاه إلى أكثر الناس. (قلت): لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم. وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي: جمعت؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 38] قال ابن عباس: يحشر كل شيء، حتى الذباب. رواه ابن أبي حاتم، وكذا قال الربيع بن خُثيم والسدي وغير واحد، وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه الخلائق موافية، فيقضي الله فيها ما يشاء، وقال عكرمة: حشرها: موتها. وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا عباد ابن العوام، حدثنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: { وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} قال: حشر البهائم: موتها، وحشر كل شيء: الموت، غير الجن والإنس؛ فإنهما يوقفان يوم القيامة، حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن أبي يعلى عن الربيع بن خُثيم: { وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} قال: أتى عليها أمر الله، قال سفيان: قال أبي: فذكرته لعكرمة، فقال: قال ابن عباس: حشرها: موتها، وقد تقدم عن أبي بن كعب أنه قال: { وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} اختلطت. قال ابن جرير: والأولى قول من قال: حشرت: جمعت. قال الله تعالى: {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً} أي: مجموعة. وقوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن داود عن سعيد بن المسيب قال: قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقاً، والبحر المسجور، { وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل الله عليها الرياح الدبور، فتسعرها وتصير ناراً تأجج، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} تفسير : [الطور: 6] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو طاهر، حدثني عبد الجبار ابن سليمان أبو سليمان النفاط ــــ شيخ صالح يشبه مالك بن أنس ــــ عن معاوية بن سعيد قال: إن هذا البحر بركة ــــ يعني: بحر الروم، وسط الأرض، والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة، أسجر. وهذا أثر غريب عجيب. وفي سنن أبي داود: «حديث : لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز؛ فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً» تفسير : الحديث. وقد تقدم الكلام عليه في سورة فاطر. وقال مجاهد والحسن بن مسلم: سجرت: أوقدت. وقال الحسن: يبست. وقال الضحاك وقتادة: غاض ماؤها، فذهب فلم يبق فيها قطرة، وقال الضحاك أيضاً: سجرت: فجرت، وقال السدي: فتحت وصيرت، وقال الربيع بن خثيم: سجرت: فاضت. وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أي: جمع كل شكل إلى نظيره؛ كقوله تعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن النعمان بن بشير: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} ــــ قال ــــ الضرباء، كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله» تفسير : وذلك بأن الله عز وجل يقول: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ} تفسير : [الواقعة: 7 ــــ 10] قال: هم الضرباء، ثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أخر عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير: أن عمر بن الخطاب خطب الناس، فقرأ: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} فقال: تزوجها: أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم، وفي رواية: هما الرجلان يعملان العمل، فيدخلان به الجنة أو النار، وفي رواية عن النعمان قال: سئل عمر عن قوله تعالى: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس. وفي رواية عن النعمان: أن عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ}؟ فسكتوا، قال: ولكن أعلمه، هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار، ثم قرأ: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22] وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال: الأمثال من الناس، جمع بينهم، وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة، واختاره ابن جرير، وهو الصحيح. [قول آخر] في قوله تعالى: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن سرار عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عاماً، فينبت منه كل خلق بلي من الإنسان أو طير أو دابة، ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه الأرض قد نبتوا، ثم ترسل الأرواح، فتزوج الأجساد، فذلك قول الله تعالى: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} وكذا قال أبو العالية وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري أيضاً في قوله تعالى: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أي: زوجت بالأبدان. وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين، وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في "التذكرة". وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } هكذا قراءة الجمهور: (سئلت). والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت؛ ليكون ذلك تهديداً لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم، فما ظن الظالم إذاً؟ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} أي: سألت. وكذا قال أبو الضحى: سألت، أي: طالبت بدمها. وعن السدي وقتادة مثله. وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود، وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن عائشة عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس، وهو يقول: «حديث : لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئاً» تفسير : ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذلك الوأد الخفي، وهو الموءودة سئلت» تفسير : ورواه مسلم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، وهو عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب. ورواه أيضاً ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن إسحاق السيلحيني عن يحيى بن أيوب، ورواه مسلم أيضاً وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك بن أنس، ثلاثتهم عن أبي الأسود به. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم، وتقري الضيف، وتفعل، هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: «حديث : لا» تفسير : قلنا: فإنها كانت وأدت أختاً لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: «حديث : الوائدة والموءودة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإسلام، فيعفو الله عنها» تفسير : ورواه النسائي من حديث داود بن أبي هند به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة وأبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الوائدة والموءودة في النار» تفسير : وقال أحمد أيضاً: حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء ابنة معاوية الصريمية عن عمها قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: «حديث : النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا قرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: «حديث : الموءودة في الجنة» تفسير : هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار، فقد كذب، يقول الله تعالى: { وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } قال ابن عباس: هي المدفونة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني وأدت بناتٍ لي في الجاهلية، قال: «حديث : أعتق عن كل واحدة منهن رقبة» تفسير : قال: يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: «حديث : فانحر عن كل واحدة منهن بدنة» تفسير : قال الحافظ أبو بكر البزار: خولف فيه عبد الرزاق، ولم يكتبه إلا عن الحسين بن مهدي عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني فيما كتب إلي قال: حدثنا عبد الرزاق، فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال: وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية، وقال في آخره: «حديث : فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة» تفسير : ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا قيس بن الربيع عن الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين قال: قدم قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية، أو ثلاث عشرة، قال: «حديث : أعتق عددهن نسماً» تفسير : قال: فأعتق عددهن نسماً، فلما كان في العام المقبل، جاء بمئة ناقة، فقال: يا رسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها ونسميها: القيسية. وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ} قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه، أو بشماله، وقال قتادة: يابن آدم تملي فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته. وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ} قال مجاهد: اجتذبت. وقال السدي: كشفت. وقال الضحاك: تنكشط فتذهب. وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} قال السدي: أحميت، وقال قتادة: أوقدت، قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} قال الضحاك وأبو مالك وقتادة والربيع بن خثيم: أي: قربت إلى أهلها. وقوله تعالى: { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} هذا هو الجواب، أي: إذا وقعت هذه الأمور، حينئذ تعلم كل نفس ما عملت، وأحضر ذلك لها؛ كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا} تفسير : [آل عمران: 30] وقال تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة، حدثنا ابن المبارك، حدثنا محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت: { إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال عمر لما بلغ: { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} قال: لهذا أجرى الحديث.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ } لففت وذهب بنورها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ } ارتفاع الشمس بفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال، وهذا عند البصريين. وأما عند الكوفيين والأخفش، فهو مرتفع على الابتداء. والتكوير الجمع، وهو مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها. قال الزجاج: لفت، كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي أكورها كوراً، وكوّرتها تكويراً: إذا لففتها. قال أبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة تلف، فتجمع. قال الربيع بن خثيم: {كورت} أي: رمى بها، ومنه كورته فتكوّر أي: سقط. وقال مقاتل، وقتادة، والكلبي: ذهب ضوؤها. وقال مجاهد: اضمحلت. قال الواحدي: قال المفسرون: تجمع الشمس بعضها إلى بعض ثم تلف، فيرمى بها. فالحاصل أن التكوير إما بمعنى لفّ جرمها، أو لفّ ضوئها، أو الرمي بها {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } أي: تهافتت، وانقضت، وتناكرت، يقال: انكدر الطائر من الهواء إذا انقضّ، والأصل في الانكدار الانصباب. قال الخليل: يقال: انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالاً، فانصبوا عليهم. قال أبو عبيدة: انصبت، كما ينصب العقاب. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذٍ نجوماً، فلا يبقى نجم في السماء إلاّ وقع على الأرض، وقيل: انكدارها طمس نورها. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيّرَتْ } أي: قلعت عن الأرض، وسيرت في الهواء، ومنه قوله: {أية : وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً }تفسير : [الكهف: 47]. {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطّلَتْ } العشار: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها الواحدة عشراء، وهي التي قد أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع. وخصّ العشار لأنها أنفس مال عند العرب، وأعزّه عندهم، ومعنى {عطلت}: تركت هملاً بلا راع، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم. قيل: وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا تكون فيه ناقة عشراء، بل المراد: أنه لو كان للرجل ناقة عشراء في ذلك اليوم، أو نوق عشار لتركها، ولم يلتفت إليها اشتغالاً بما هو فيه من هول يوم القيامة، وسيأتي آخر البحث إن شاء الله ما يفيد أن هذا في الدنيا. وقيل: العشار السحاب، فإن العرب تشبهها بالحامل، ومنه قوله: {أية : فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً } تفسير : [الذاريات: 2] وتعطيلها عدم إمطارها قرأ الجمهور: {عطلت} بالتشديد، وقرأ ابن كثير في رواية عنه بالتخفيف. وقيل: المراد أن الديار تعطل، فلا تسكن. وقيل: الأرض التي تعشر زرعها تعطل، فلا تزرع. {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } الوحوش ما توحش من دوابّ البرّ، ومعنى {حشرت}: بعثت حتى يقتص بعضها من بعض، فيقتصّ للجماء من القرناء. وقيل: حشرها موتها، وقيل: إنها مع نفرتها اليوم من الناس وتبدّدها في الصحارى تضم ذلك اليوم إليهم. قرأ الجمهور {حشرت} بالتخفيف، وقرأ الحسن، وعمرو بن ميمون بالتشديد. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ } أي: أوقدت، فصارت ناراً تضطرم. وقال الفرّاء: ملئت بأن صارت بحراً واحداً، وكثر ماؤها، وبه قال الربيع بن خثيم، والكلبي، ومقاتل، والحسن، والضحاك. وقيل: أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت، وقيل: فجرت، فصارت بحراً واحداً. وروي عن قتادة، وابن حبان أن معنى الآية: يبست، ولا يبقى فيها قطرة، يقال: سجرت الحوض أسجره سجراً إذا ملأته. وقال القشيري: هو من سجرت التنور أسجره سجراً إذا أحميته. قال ابن زيد، وعطية، وسفيان، ووهب، وغيرهم: أوقدت، فصارت ناراً، وقيل: معنى سجرت أنها صارت حمراء كالدم، من قولهم عين سجراء أي: حمراء. قرأ الجمهور {سجرت} بتشديد الجيم. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بتخفيفها. {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوّجَتْ } أي: قرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، وقرن بين رجل السوء مع رجل السوء في النار. وقال عطاء: زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين. وقيل: قرن كل شكل إلى شكله في العمل، وهو راجع إلى القول الأوّل. وقيل: قرن كل رجل إلى من كان يلازمه من ملك أو سلطان، كما في قوله: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ }تفسير : [الصافات: 22] وقال عكرمة: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوّجَتْ } يعني: قرنت الأرواح بالأجساد. وقال الحسن: ألحق كل امرىء بشيعته اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد شيئًا من دون الله يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان، أو إنسان، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين. وقيل: قرنت النفوس بأعمالها {وَإِذَا ٱلْمَوْءودَةُ سُئِلَتْ } أي: المدفونة حية، وقد كان العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار، أو الحاجة، يقال: وأد يئد وأداً، فهو وائد، والمفعول به موءود، وأصله مأخوذ من الثقل لأنها تدفن، فيطرح عليها التراب، فيثقلها فتموت، ومنه: {أية : وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } تفسير : [البقرة: 255] أي: لا يثقله، ومنه قول متمم بن نويرة:شعر : وموءودة مقبورة في مغارة تفسير : ومنه قول الراجز:شعر : سميتها إذ ولدت تموت والقبر صهر ضامن رميت تفسير : قرأ الجمهور: {الموءودة} بهمزة بين واوين ساكنين كالموعودة. وقرأ البزي في رواية عنه بهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة. وقرأ الأعمش: "المودة" بزنة الموزة. وقرأ الجمهور {سئلت} مبنياً للمفعول، وقرأ الحسن بكسر السين من سال يسيل. وقرأ الجمهور {قتلت} بالتخفيف مبنياً للمفعول، وقرأ أبو جعفر بالتشديد على التكثير. وقرأ عليّ، وابن مسعود، وابن عباس سألت مبنياً للفاعل: "قتلت" بضم التاء الأخيرة. ومعنى {سئلت} على قراءة الجمهور أن توجيه السؤال إليها لإظهار كمال الغيظ على قاتلها حتى كان لا يستحق أن يخاطب، ويسأل عن ذلك، وفيه تبكيت لقاتلها، وتوبيخ له شديد. قال الحسن: أراد الله أن يوبخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب، وفي مصحف أبيّ "وإذا الموءودة سألت بأيّ ذنب قتلتني". {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ } يعني: صحائف الأعمال نشرت للحساب؛ لأنها تطوى عند الموت، وتنشر عند الحساب، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: {أية : مَّالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49]. قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو {نشرت} بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير {وَإِذَا ٱلسَّمَاء كُشِطَتْ } الكشط قلع عن شدّة التزاق، فالسماء تكشط، كما يكشط الجلد عن الكبش، والقشط بالقاف لغة في الكشط، وهي: قراءة ابن مسعود. قال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. وقال الفراء: نزعت، فطويت. وقال مقاتل: كشفت عما فيها. قال الواحدي: ومعنى الكشط رفعك شيئًا عن شيء قد غطاه. {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعّرَتْ } أي: أوقدت لأعداء الله إيقاداً شديداً. قرأ الجمهور "سعرت" بالتخفيف، وقرأ نافع، وابن ذكوان، وحفص بالتشديد؛ لأنها أوقدت مرّة بعد مرّة. قال قتادة: سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم. {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } أي: قرّبت إلى المتقين، وأدنيت منهم. قال الحسن: إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. وقال ابن زيد: معنى {أزلفت} تزينت. والأوّل أولى لأن الزلفى في كلام العرب القرب. قيل: هذه الأمور الاثنا عشر: ستّ منها في الدنيا، وهي من أوّل السورة إلى قوله: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ }، وستّ في الآخرة وهي: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوّجَتْ } إلى هنا. وجواب الجميع قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } على أن المراد الزمان الممتدّ من الدنيا إلى الآخرة، لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كلّ جزء من أجزاء هذا الوقت الممتدّ، بل المراد: علمت ما أحضرته عند نشر الصحف يعني: ما عملت من خير، أو شرّ، ومعنى {ما أحضرت}: ما أحضرت من أعمالها، والمراد حضور صحائف الأعمال، أو حضور الأعمال نفسها، كما ورد أن الأعمال تصوّر بصور تدلّ عليها وتعرف بها، وتنكير نفس المفيد لثبوت العلم المذكور لفرد من النفوس، أو لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع أفرادها من الظهور، والوضوح بحيث لا يخفى على أحد، ويدلّ على هذا قوله:{أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } تفسير : [آل عمران: 30] وقيل: يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كلّ نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت، فكيف وكلّ نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه لعلك ستندم على ما فعلت، وربما ندم الإنسان على فعله. {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ } لا زائدة، كما تقدّم تحقيقه، وتحقيق ما فيه من الأقوال في أوّل سورة القيامة أي: فأقسم بالخنس، وهي: الكواكب وسميت الخنس من خنس: إذا تأخر لأنها تخنس بالنهار، فتخفى ولا ترى، وهي: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، كما ذكره أهل التفسير. ووجه تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم أنها تستقبل الشمس، وتقطع المجرّة. وقال في الصحاح: الخنس الكواكب كلها لأنها تخنس في المغيب، أو لأنها تخفى نهاراً، أو يقال هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة. قال الفراء: إنها الكواكب الخمسة المذكورة لأنها تخنس في مجراها، وتكنس أي: تستتر، كما تكنس الظباء في المغار، ويقال: سميت خنساً لتأخرها لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم. يقال: خنس عنه يخنس خنوساً إذا تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه ومضى عنه، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، ومعنى: {ٱلْجَوَارِ } أنها تجري مع الشمس والقمر، ومعنى: {ٱلْكُنَّسِ } أنها ترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها، وقيل: خنوسها خفاؤها بالنهار، وكنوسها غروبها. قال الحسن، وقتادة: هي النجوم التي تخنس بالنهار، وإذا غربت، والمعنى متقارب لأنها تتأخر في النهار عن البصر لخفائها فلا ترى، وتظهر بالليل، وتكنس في وقت غروبها. وقيل: المراد بها بقر الوحش لأنها تتصف بالخنس، وبالجوار، وبالكنس. وقال عكرمة: الخنس البقر، والكنس الظباء، فهي: تخنس إذا رأت الإنسان، وتنقبض، وتتأخر، وتدخل كناسها. وقيل: هي الملائكة. والأوّل أولى لذكر الليل والصبح بعد هذا، والكنس مأخوذ من الكناس الذي يختفى فيه الوحش، والخنس جمع خانس وخانسة، والكنس جمع كانس وكانسة. {وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } قال أهل اللغة: هو من الأضداد، يقال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، ويدل على أن المراد هنا أدبر قوله: {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر، كذا حكاه عنه الجوهري، وقال الحسن: أقبل بظلامه. قال الفراء: العرب تقول: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس الليل إذا أدبر، وهذا لا ينافي ما تقدّم عنه، لأنه حكي عن المفسرين أنهم أجمعوا على حمل معناه في هذه الآية على أدبر، وإن كان في الأصل مشتركاً بين الإقبال والإدبار. قال المبرد: هو من الأضداد. قال: والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو: ابتداء الظلام في أوّله، وإدباره في آخره. قال رؤبة بن العجاج:شعر : يا هند ما أسرع ما تعسعسا من بعد ما كان فتى ترعرعا تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : عسعس حتى لو نشاء إذ دنا كان لنا من ناره مقتبس تفسير : وقوله:شعر : الماء على الربع القديم تعسعسا تفسير : {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } التنفس في الأصل: خروج النسيم من الجوف، وتنفس الصبح إقباله لأنه يقبل بروح ونسيم، فجعل ذلك تنفساً له مجازاً. قال الواحدي: تنفس أي: امتدّ ضوؤه حتى يصير نهاراً، ومنه يقال للنهار إذا زاد تنفس، وقيل: {إِذَا تَنَفَّسَ } إذا انشقّ، وانفلق، ومنه تنفست القوس أي: تصدّعت. ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } يعني: جبريل لكونه نزل به من جهة الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأضاف القول إلى جبريل لكونه مرسلاً به، وقيل: المراد بالرسول في الآية محمد صلى الله عليه وسلم، والأوّل أولى. ثم وصف الرسول المذكور بأوصاف محمودة فقال: {ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ } أي: ذي قوّة شديدة في القيام بما كلف به، كما في قوله: {أية : شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ }تفسير : [النجم: 5]، ومعنى: {عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ }: أنه ذو رفعة عالية، ومكانة مكينة عند الله سبحانه، وهو في محل نصب على الحال من مكين، وأصله الوصف، فلما قدّم صار حالاً، ويجوز أن يكون نعتاً لرسول، يقال: مكن فلان عند فلان مكانة أي: صار ذا منزلة عنده ومكانة. قال أبو صالح: من مكانته عند ذي العرش أنه يدخل سبعين سرادقاً بغير إذن، ومعنى {مُّطَـٰعٍ } أنه مطاع بين الملائكة يرجعون إليه، ويطيعونه {ثَمَّ أَمِينٍ } قرأ الجمهور بفتح {ثمّ} على أنها ظرف مكان للبعيد، والعامل فيه مطاع، أو ما بعده، والمعنى: أنه مطاع في السماوات، أو أمين فيها أي: مؤتمن على الوحي وغيره، وقرأ هشيم، وأبو جعفر، وأبو حيوة بضمها على أنها عاطفة، وكان العطف بها للتراخي في الرتبة لأن ما بعدها أعظم مما قبلها، ومن قال: إن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: أنه ذو قوّة على تبليغ الرسالة إلى الأمة مطاع يطيعه، من أطاع الله أمين على الوحي. {وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } الخطاب لأهل مكة، والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: وما محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يرمونه به من الجنون، وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم، وهذه الجملة داخلة في جواب القسم، فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل به جبريل، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون، وأنه يأتي بالقرآن من جهة نفسه {وَلَقَدْ رَءاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ } اللام جواب قسم محذوف أي: وتالله لقد رأى محمد جبريل بالأفق المبين أي: بمطلع الشمس من قبل المشرق لأن هذا الأفق إذا كانت الشمس تطلع منه فهو مبين لأن من جهته ترى الأشياء. وقيل: الأفق المبين أقطار السماء ونواحيها، ومنه قول الشاعر:شعر : أخذنا بأقطار السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع تفسير : وإنما قال سبحانه: {وَلَقَدْ رَءاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ } مع أنه قد رآه غير مرّة لأنه رآه هذه المرّة في صورته له ستمائة جناح، قال سفيان: إنه رآه في أفق السماء الشرقي. وقال ابن بحر: في أفق السماء الغربي. وقال مجاهد: رآه نحو أجياد وهو مشرق مكة، و{المبين} صفة للأفق قاله الربيع. وقيل: صفة لمن رآه قاله مجاهد: وقيل معنى الآية: ولقد رأى محمد ربه عزّ وجلّ، وقد تقدّم القول في هذا في سورة النجم {وَمَا هُوَ } أي: محمد {عَلَى ٱلْغَيْبِ } يعني: خبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائباً علمه من أهل مكة {بِضَنِينٍ } بمتهم أي: هو ثقة فيما يؤدّي عن الله سبحانه. وقيل: {بضنين} ببخيل أي: لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التبليغ، وسبب هذا الاختلاف اختلاف القراء، فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: "بظنين" بالظاء المشالة أي: بمتهم، والظنة التهمة، واختار هذه القراءة أبو عبيد قال: لأنهم لم يبخلوا ولكن كذبوه. وقرأ الباقون {بضنين} بالضاد أي: ببخيل، من ضننت بالشيء أضنّ ضناً: إذا بخلت. قال مجاهد أي: لا يضن عليكم بما يعلم بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه. وقيل: المراد جبريل إنه ليس على الغيب بضنين، والأوّل أولى. {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ } أي: وما القرآن بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب. قال الكلبي: يقول إن القرآن ليس بشعر لا كهانة، كما قالت قريش. قال عطاء: يريد بالشيطان الشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه. ثم بكتهم سبحانه ووبخهم، فقال: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } أي: أين تعدلون عن هذا القرآن وعن طاعته كذا قاله قتادة. وقال الزجاج: معناه أيّ: طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم، يقال أين تذهب، وإلى أين تذهب؟ وحكى الفراء عن العرب: ذهبت الشام، وخرجت العراق، وانطلقت السوق أي: إليها. قال: سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة، وأنشد لبعض بني عقيل:شعر : تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا وأيّ الأرض تذهب بالصياح تفسير : تريد إلى أيّ الأرض تذهب، فحذف إلى. {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } أي: ما القرآن إلاّ موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم، وقوله: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ } بدل من العالمين بإعادة الجار، ومفعول المشيئة: {أَن يَسْتَقِيمَ } أي: لمن شاء منكم الاستقامة على الحقّ والإيمان والطاعة {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي: وما تشاءون الاستقامة إلاّ أن يشاء الله تلك المشيئة، فأعلمهم سبحانه أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلاّ بمشيئة الله وتوفيقه، ومثل هذا قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }تفسير : [يونس: 100] وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ }تفسير : [الأنعام: 111] وقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56] والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيّ في الشعب عن ابن عباس في قوله: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ } قال: أظلمت {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } قال: تغيرت. وأخرج ابن أبي حاتم، والديلمي عن أبي مريم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في قوله: {إِذَا ٱلسَّمَاء كُوّرَتْ } قال: كوّرت في جهنم {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } قال: انكدرت في جهنم، فكل من عبد من دون الله فهو: في جهنم، إلاّ ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي العالية قال: ست آيات من هذه السورة في الدنيا، والناس ينظرون إليها، وست في الآخرة {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ } إلى {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ } هذه في الدنيا، والناس ينظرون إليها. {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوّجَتْ } إلى {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } هذه في الآخرة. وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجنّ إلى الإنس، والإنس إلى الجنّ، واختلطت الدوابّ، والطير، والوحش، فماجوا بعضهم في بعض {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال: اختلطت {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطّلَتْ } قال: أهملها أهلها {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ } قال: الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة، وإلى السماء السابعة، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال: حشر البهائم موتها، وحشر كلّ شيء الموت غير الجنّ والإنس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب في المتفق، والمفترق عنه في قوله: {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال: يحشر كلّ شيء يوم القيامة حتى إن الدوابّ لتحشر. وأخرج البيهقي في البعث عنه أيضاً في قوله: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ } قال: تسجر حتى تصير ناراً. وأخرج الطبراني عنه: {سُجّرَتْ } قال: اختلط ماؤها بماء الأرض. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوّجَتْ } قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، كذلك تزويج الأنفس وفي رواية: ثم قرأ: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } تفسير : [الصافات: 22]. وأخرج نحوه ابن مردويه عن النعمان بن بشير مرفوعاً. وأخرج البزار، والحاكم في الكنى، والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال: جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعتق عن كل واحدة رقبة، تفسير : قال: إني صاحب إبل، قال: حديث : فأهد عن كل واحدة بدنة»تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } قال: قربت. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ } قال: هي الكواكب تكنس بالليل، وتخنس بالنهار، فلا ترى. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ } قال: خمسة أنجم: زحل، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزهرة، ليس شيء يقطع المجرّة غيرها. وأخرج ابن مردويه، والخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في الآية قال: هي النجوم السبعة: زحل، وبهرام، وعطارد، والمشتري، والزهرة، والشمس، والقمر، خنوسها رجوعها، وكنوسها تغيبها بالنهار. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن سعد، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود في قوله: {بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } قال: هي بقر الوحش. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هي البقر تكنس إلى الظلّ. وأخرج ابن المنذر عنه قال: تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: هي: الظباء. وأخرج ابن راهويه، وعبد بن حميد، والبيهقيّ في الشعب عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ }: قال: هي: الكواكب. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس {الخنس} البقر {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } الظباء، ألم ترها إذا كانت في الظلّ كيف تكنس بأعناقها، ومدّت نظرها. وأخرج أبو أحمد الحاكم في الكنى عن أبي العديس قال: كنا عند عمر بن الخطاب، فأتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين ما {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } فطعن عمر بمخصرة معه في عمامة الرجل، فألقاها عن رأسه، فقال عمر: أحروريّ؟ والذي نفس عمر بن الخطاب بيده لو وجدتك محلوقاً لأنحيت القمل عن رأسك، وهذا منكر، فالحرورية لم يكونوا في زمن عمر، ولا كان لهم في ذلك الوقت ذكر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } قال: إذا أدبر {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } قال: إذا بدا النهار حين طلوع الفجر. وأخرج الطبراني عنه {إِذَا عَسْعَسَ } قال: إقبال سواده. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } قال: جبريل. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود {وَلَقَدْ رَءاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ } قال: رأى جبريل له ستمائة جناح قد سدّ الأفق. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: إنما عنى جبريل أن محمداً رآه في صورته عند سدرة المنتهى. وأخرج ابن مردويه عنه بالأفق المبين، قال: السماء السابعة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ {بضنين} بالضاد، وقال: ببخيل. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ "وما هو على الغيب بظنين" بالظاء قال: ليس بمتهم. وأخرج الدارقطني في الأفراد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والخطيب في تاريخه عن عائشة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرؤه {بظنين} بالظاء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ } قالوا: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كذبوا يا محمد {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إذا الشمسُ كُوِّرَتْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني ذهب نورها وأظلمت، قاله ابن عباس. الثاني: غُوِّرَت، وهو بالفارسية كوبكرد، قاله ابن جبير. الثالث: اضمحلت، قاله مجاهد. الرابع: نكست، قاله أبو صالح. الخامس: جمعت فألقيت، ومنه كارة الثياب لجمعها، وهو قول الربيع بن خيثم. {وإذا النجوم انْكَدَرَتْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: تناثرت، قاله الربيع بن خيثم. الثاني: تغيرت فلم يبق لها ضوء، قاله ابن عباس. الثالث: تساقطت، قاله قتادة، ومنه قول العجاج: شعر : أبصَرَ خرْبان فضاء فانكَدَرْ تَقضِّيَ البازي إذا البازي كَسَر تفسير : ويحتمل رابعاً: أن يكون انكدارها طمس آثارها، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها. {وإذا الجبالُ سُيِّرتْ} يعني ذهبت عن أماكنها، قال مقاتل: فسويت بالأرض كما خلقت أول مرة وليس عليها جبل ولا فيها واد. {وإذا العِشارُ عُطِّلتْ} والعشار: جمع عشراء وهي الناقة إذا صار لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس أموالهم عندهم، قال الأعشى: شعر : هو الواهبُ المائةَ المصْطفا ةَ إمّا مخاضاً وإمّا عِشاراً تفسير : فتعطل العشار لاشتغالهم بأنفسهم من شدة خوفهم. وفي " عطلت" تأويلان: أحدهما: أُهملت، قاله الربيع. الثاني: لم تحلب ولم تدر، قاله يحيى بن سلام. وقال بعضهم: العشار: السحاب تعطل فلا تمطر. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنها الأرض التي يعشر زرعها فتصير للواحد عُشراً، تعطل فلا تزرع. {وإذا الوُحوشُ حُشِرتْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: جمعت، قاله الربيع. الثاني: اختلطت، قاله أبي بن كعب فصارت بين الناس. الثالث: حشرت إلى القيامة للقضاء فيقتص للجمّاء من القرناء، قاله السدي. الرابع: أن حشرها بموتها، قاله ابن عباس. {وإذا البحارُ سُجِّرتْ} فيه ثمانية تأويلات: أحدها: فاضت، قاله الربيع. الثاني: يبست، قاله الحسن. الثالث: ملئت، أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت، قاله أبو الحجاج. الرابع: فجرت فصارت بحراً واحداً، قاله الضحاك. الخامس: سيرت كما سيرت الجبال، قاله السدي. السادس: هو حمرة مائها حتى تصير كالدم، مأخوذ من قولهم عين سجراء أي حمراء. السابع: يعني أوقدت فانقلبت ناراً، قاله عليّ رضي الله عنه وابن عباس وأُبي بن كعب. الثامن: معناه أنه جعل ماؤها شراباً يعذب به أهل النار، حكاه ابن عيسى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف " سجرت" إخباراً عن حالها مرة واحدة، وقرأ الباقون بالتشديد إخباراً عن حالها في تكرار ذلك منها مرة بعد أخرى. {وإذا النفوسُ زُوِّجَتْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني عُمل بهن عملٌ مثل عملها، فيحشر العامل بالخير مع العامل بالخير إلى الجنة، ويحشر العامل بالشر مع العامل بالشر إلى النار، قاله عطية العوفي: حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة. الثاني: يزوج كل رجل نظيره من النساء فإن من أهل الجنة زوّج بامرأة من اهل الجنة، وإن كان من أهل النار زوّج بامرأة من أهل النار، قاله عمر بن الخطاب، ثم قرأ: {احْشُروا الذين ظلموا وأزواجهم} الثالث: معناه ردّت الأرواح إلى الأجساد، فزوجت بها أي صارت لها زوجاً، قاله عكرمة والشعبي. الرابع: أنه قرن كل غاو بمن أغواه من شيطان أو إنسان، حكاه ابن عيسى. ويحتمل خامساً: زوجت بأن أضيف إلى كل نفس جزاء عملها، فصار لاختصاصها به كالتزويج. {وإذا الموءوجة سُئِلَتْ} والموءودة المقتولة، كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت امرأته بنتاً دفنها حية، إما خوفاً من السبي والاسترقاق، وإما خشية الفقر والإملاق، وكان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه حتى افتخر الفرزدق فقال: شعر : ومِنّا الذي مَنَعَ الوائداتِ فأحْيا والوئيدَ فلم تُوأَدِ تفسير : وسميت موءودة للثقل الذي عليها من التراب، ومنه قوله تعالى: {ولا يئوده حفظهما} أي لا يثقله، وقال متمم بن نويرة: شعر : وموءودةٍ مقبورة في مفازةٍ بآمتها موسودة لم تُمهّدِ تفسير : فقال توبيخاً لقاتلها وزجراً لمن قتل مثلها {وإذا الموءودة سئلت} واختلف هل هي السائلة أو المسئولة، على قولين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أنها هي المسئولة: {بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ} فتقول: لا ذنب لي، فيكون ذلك أبلغ في توبيخ قاتلها وزجره. الثاني: أنها هي السائلة لقاتلها لم قتلت، فلا يكون له عذر، قاله ابن عباس وكان يقرأ: وإذا الموءودة سألت. قال قتادة: يقتل أحدهما بنته ويغذو كلبه، فأبى الله سبحانه ذلك عليهم. {وإذا الصُّحُف نُشِرَتْ} يعني صحف الأعمال إذا كتب الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت وتنشر في القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها قيقول:" {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحْصاها}. وقرأ حمزة والكسائي بتشديد نشّرت على تكرار النشر، وقرأ الباقون بالتخفيف على نشرها مرة واحدة، فإن حمل على المرة الواحدة فلقيام الحجة بها، وإن حمل على التكرار ففيه وجهان: أحدهما: للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع. الثاني: لتكرير ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه. {وإذا السماءُ كُشِطَتْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها يعني ذهبت، قاله الضحاك. الثاني: كسفت، قاله السدي. الثالث: طويت، قاله يحيى بن سلام، كما قال تعالى: {يوم نطوي السماء} الآية. {وإذا الجحيمُ سُعِّرَتْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أحميت، قاله السدي. الثاني: أُوقدت، قاله معمر عن قتادة. الثالث: سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم، قاله سعيد عن قتادة. {وإذا الجنّةُ أُزْلِفَتْ} أي قرّبت، قال الربيع: إلى هاتين الآيتين ما جرى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير. {عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرتْ} يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب {إذا الشمس كورت} وما بعدها، قال عمر بن الخطاب: لهذا جرى الحديث، وقال الحسن: {إذا الشمس كورت} قسم وقع على قوله {علمت نفسٌ ما أَحضَرَتْ}.

ابن عطية

تفسير : هذه كلها أوصاف يوم القيامة، و "تكوير الشمس": هو أن تدار ويذهب بها إلى حيث شاء الله كما يدار كور العمامة، وعبر المفسرون عن ذلك بعبارات، فمنهم من قال: ذهب نورها قاله قتادة، ومنهم من قال: رمي بها، قاله الربيع بن خيثم وغير ذلك مما هو أشياء توابع لتكويرها، و "انكدار النجوم": هو انقضاضها وهبوطها من مواضعها، ومنه قول الراجز [العجاج]: [الرجز] شعر : أبصر خربان فلاة فانكدرْ تقضّي البازي إذا البازي كسرْ تفسير : وقال ابن عباس: {انكدرت}: تغيرت، من قولهم: ماء كدر، أي متغير اللون، وتسيير الجبال هو قبل نسفها، وإنما ذلك في صدر هول القيامة، و: {العشار} جمع عشراء وهي الناقة التي قد مر لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند العرب وتهممهم بها عظيم للرغبة في نسلها، فإنها تعطل عند أشد الأهوال، وقرأ مضر عن اليزيدي: "عطِلت" بتخفيف الطاء، و "حشر الوحوش": جمعها، واختلف الناس في هذا الجمع ما هو؟ فقال ابن عباس: {حشرت} بالموت لا تبعث في القيامة ولا يحضر في القيامة غير الثقلين، وقال قتادة وجماعة: {حشرت} للجمع يوم القيامة، ويقتص للجماء من القرناء فجعلوا ألفاظ هذا الحديث حقيقة لا مجازاً مثالاً في العدل. وقال أبيّ بن كعب: {حشرت} في الدنيا في أول هول يوم القيامة فإنها تفر في الأرض وتجتمع إلى بني آدم تأنيساً بهم، وقرأ الحسن: "حشّرت" بشد الشين على المبالغة، و"تسجير البحار"، قال قتادة والضحاك معناه: فرغت من مائها وذهب حيث شاء الله وقال الحسن: يبست، وقال الربيع بن خيثم معناه: ملئت، وفاضت وفجرت من أعاليها، وقال أبي بن كعب وابن عباس وسفيان ووهب وابن زيد: معناه: أضرمت ناراً كما يسجر التنور، وقال ابن عباس: جهنم في البحر الأخضر، ويحتمل أن يكون المعنى ملكت، وقيد اضطرابها حتى لا تخرج على الأرض بسبب الهول فتكون اللفظة مأخوذة من ساجور الكلب، وقيل: هذه مجاز في جهنم، تسجر يوم القيامة وقد تقدم نظير هذه الأقوال منصوصة لأهل العلم في تفسير قوله تعالى: {أية : والبحر المسجور} تفسير : [الطور: 6] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "سجِرت" بتخفيف الجيم، وقرأ الباقون: بشدها، وهي مترجحة بكون البحار جميعاً كما قال: {أية : كتاباً يلقاه منشوراً} تفسير : [الإسراء: 13]، وكما قال: {أية : صحفاً منشرة} تفسير : [المدثر: 52]، ومثله {أية : قصر مشيد} تفسير : [الحج: 45] و {أية : بروج مشيدة} تفسير : [النساء: 78]، لأنها جماعة، وذهب قوم من الملحدين إلى أن هذه الأشياء المذكورة استعارات في كل ابن آدم وأحواله عند موته، والشمس نفسه والنجوم عيناه وحواسه، والعشار ساقاه، وهذا قول سوء وخيم غث ذاهب إلى إثبات الرموز في كتاب الله تعالى، و "تزويج النفوس": هو تنويعها، لأن الأزواج هي الأنواع والمعنى: جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن وكل شكل مع شكله، رواه النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله عمر بن الخطاب وابن عباس، وقال: هذا نظير قوله تعالى: {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة} تفسير : [الواقعة: 7] وفي الآية على هذا حض على خليل الخبر، فقد قال عليه السلام: "حديث : المرء مع من أحب" تفسير : ،وقال: "حديث : فلينظر أحدكم من يخالل" تفسير : ،وقال الله تعالى: {أية : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} تفسير : [الزخرف: 67]، وقال مقاتل بن سليمان: زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من الحور وغيرهن، وقال عكرمة والضحاك والشعبي: زوجت الأرواح الأجساد، وقرأ عاصم: "زوجت" غير مدغم، و {الموءودة}: اسم معناه المثقل عليها، ومنه: {أية : ولا يؤوده} تفسير : [البقرة: 255] ومنه أتأد، أي توقد، وأثقل وعرف هذا الاسم في البنات اللواتي كان قوم من العرب يدفنونهن أحياء يحفر الرجل شبه البر أو القبر ثم يسوق ابنته فيلقيها فيها، وإذا كانت صغيرة جداً خدّ لها في الأرض ودفنها، وبعضهم: كان يفعل ذلك خشية الإملاق وعدم المال، وبعضهم: غيرة وكراهية للبنات وجهالة وقرأ الجمهور: "الموءودة" بالهمز من وأد في حرف ابن مسعود: "وإذا الماودة"، وقرأ البزي: " الموودة " بضم الواو الأولى وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعمش: "الموْدة" بسكون الواو على وزن: الفعلة وقرأ بعض السلف: "الموَدّة " بفتح الواو والدال المشددة، جعل البنت مودة، وقرأ جمهور الناس: "سئلت"، وهذا على وجه التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك، لأنها تسأل ليصير الأمر إلى سؤال الفاعل، ويحتمل أن تكون مسؤولة عنها مطلوباً الجواب منهم، كما قال تعالى: {أية : إن العهد كان مسؤولاً} تفسير : [الإسراء:34]، وكما يسأل التراث والحقوق. وقرأ ابن عباس وأبيّ بن كعب وجابر بن زيد وأبو الضحى ومجاهد وجماعة كثيرة منهم ابن مسعود والربيع ين خيثم: "سألت"، ثم اختلف هؤلاء فقرأ أكثرهم: "قَتلْتَ" بفتح التاء وسكون اللام، وقرأ أبو جعفر: "قتّلت" بشد التاء على المبالغة، وقرأ ابن عباس وجابر وأبو الضحى ومجاهد: " قتلْتُ " بسكون اللام وضم التاء، وقرأ الأعرج والحسن: "سيلت" بكسر السين وفتح اللام دون همز، واستدل ابن عباس بهذه الآية في أن أولاد المشركين في الجنة لأن الله تعالى قد انتصر لهم من ظلمهم، و "الصحف المنشورة": قيل هي صحف الأعمال تنشر ليقرأ كل امرىء كتابه، وقيل هي الصحف التي تتطاير بالإيمان، والشمائل بالجزاء، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة: "نشِرت" بتخفيف الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: "نشّرت" بشد الشين على المبالغة، و "الكشط": التقشير، وذلك كما يكشط جلد الشاة حين تسلخ، و "كشط السماء": هو طيها كطي السجل، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "قشطت" بالقاف وهما بمعنى واحد، و {سعرت} معناه: أضرمت نارها، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: "سعّرت" بشد العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: بتخفيفها وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال قتادة: سعرها غضب الله تعالى وذنوب بني آدم و {أزلفت} الجنة معناه: قربت ليدخلها المؤمنون, وقرأ عمر بن الخطاب وجماعة من المفسرين إلى هذين, انتهى الحديث وذلك أن الغرض المقصود بقوله {وإذا} {وإذا} في جميع ما ذكر إما تم بقوله: {علمت نفس ما أحضرت} ، أي ما أحضرت من شر فدخلت به جهنم أو من خير فدخلت به الجنة، و {نفس} هنا اسم جنس، أي عملت النفوس ووقع الإفراد لتنبيه الذهن على حقارة المرء الواحد وقلة دفاعه عن نفسه.

ابن عبد السلام

تفسير : {كُوِّرَتْ} ذهب نورها "ع" أو غُوِّرت أو اضمحلت أو نكست أو جمعت فألقيت ومنه كارة الثياب لجمعها.

النسفي

تفسير : مكية وهي تسع وعشرون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {إذا الشّمس كُوِّرَتْ} ذهب بضوئها من كورت العمامة إذا لفقتها أي يلف ضوءها لفاً فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق. وارتفاع {الشمس} بالفاعلية ورافعها فعل مضمر يفسره {كورت} لأن «إذا» يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط {وإذا النّجوم انكدرت} تساقطت {وإذا الجبال سُيِّرَت} عن وجه الأرض وأبعدت أو سيرت في الجو تسيير السحاب {وإذا العشارُ} جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة {عُطِّلَتْ} أهملت عطلها أهلها لاشتغالهم بأنفسهم وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذه الحالة لعزتها عندهم ويعطلون ما دونها. {عطلت} بالتخفيف عن اليزيدي {وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ} جمعت من كل ناحية. قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص فإذا قضى بينها ردت أتراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم كالطاوس ونحوه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حشرها موتها. يقال: إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتم السنة. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ } {سُجّرَتْ } مكي وبصري من سجر التنور إذا ملأه بالحطب أي ملئت، وفجر بعضاً إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً. وقيل: ملئت نيراناً لتعذيب أهل النار {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ } قرنت كل نفس بشكلها الصالح مع الصالح في الجنة والطالح مع الطالح في النار، أو قرنت الأرواح بالأجساد، أو بكتبها وأعمالها، أو نفوس المؤمنين بالحور العين ونفوس الكافرين بالشياطين {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ } المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات خشية الإملاق وخوف الاسترقاق {سُئِلَتْ } سؤال تلطف لتقول بلا ذنب قتلت، أو لتدل على قاتلها، أو هو توبيخ لقاتلها بصرف الخطاب عنه كقوله: {أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 116] الآية {بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } وبالتشديد: يزيد. وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يكون بلا ذنب {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ } {فُتِحَتْ } وبالتخفيف: مدني وشامي وعاصم وسهل ويعقوب. والمراد صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته ثم تنشر إذا حوسب، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم {وَإِذَا ٱلسَّمَاءُ كُشِطَتْ } قال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ } أوقدت إيقاداً شديداً. بالتشديد: شامي ومدني وعاصم غير حماد ويحيى للمبالغة {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } أدنيت من المتقين كقوله: {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ }تفسير : [ق: 31]. فهذه اثنتا عشرة خصلة ست منها في الدنيا والباقية في الآخرة. ولا وقف مطلقاً من أول السورة إلى {مَّا أَحْضَرَتْ } لأن عامل النصب في {إِذَا ٱلشَّمْسُ } وفيما عطف عليه جوابها وهو {عَلِمَتْ نَفْسٌ }أي كل نفس ولضرورة انقطاع النفس على كل آية جوز الوقف {مَّا أَحْضَرَتْ } من خير وشر. {فَلاَ أُقْسِمُ } «لا» زائدة {بِٱلْخُنَّسِ } بالرواجع بينا ترى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعاً إلى أوله {ٱلْجَوَارِ } السيارة {ٱلْكُنَّسِ } الغيب من كنس الوحش إذا دخل كناسه. قيل: هي الدراري الخمسة: بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشتري، تجري مع الشمس والقمر وترجع حتى تختفي تحت ضوء الشمس، فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل: هي جميع الكواكب {وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } أقبل بظلامه أو أدبر فهو من الأضداد. {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } امتد ضوءه. ولما كان إقبال الصبح يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفساً له مجازاً وجواب القسم {إِنَّهُ } أي القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ } أي جبريل عليه السلام. وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به {كَرِيمٍ} عند ربه {ذِى قُوَّةٍ } قدرة على ما يكلف لا يعجز عنه ولا يضعف {عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ } عند الله {مَّكِينٍ } ذي جاه ومنزلة. ولما كانت على حال المكانة على حسب حال المكين قال {عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ } ليدل على عظم منزلته ومكانته {مُّطَـٰعٍ ثَمَّ } أي في السماوات يطيعه من فيها أو عند ذي العرش أي عند الله يطيعه ملائكته المقربون يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه {أَمِينٍ} على الوحي {وَمَا صَـٰحِبُكُمْ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {بِمَجْنُونٍ } كما تزعم الكفرة وهو عطف على جواب القسم. {وَلَقَدْ رَءَاهُ } رأى محمد جبريل عليهما السلام على صورته {بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ } بمطلع الشمس {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ } وما محمد على الوحي {بِضَنِينٍ } ببخيل من الضن وهو البخل أي لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان بل يعلمه كما علم ولا يكتم شيئاً مما علم. {بظنين} مكي وأبو عمرو وعلي أي بمتهم فينقص شيئاً مما أوحي إليه أو يزيد فيه من الظنة وهي التهمة { وَمَا هُوَ } وما القرآن {بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ } طريد وهو كقوله: {أية : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ } تفسير : [الشعراء: 210]. أي ليس هو بقول بعض المسترقة للسمع وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } استضلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً أو ذهاباً في بنيات الطريق أي تذهب؟. مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدو لهم عنه إلى الباطل. وقال الزجاج: معناه فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم؟ وقال الجنيد: فأين تذهبون عنا وإن من شيء إلا عندنا {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } ما القرآن إلا عظة للخلق {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ } بدل من {ٱلْعَـٰلَمِينَ } {أَن يَسْتَقِيمَ } أي القرآن ذكر لمن شاء الاستقامة يعني أن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعوظين جميعاً {وَمَا تَشَاءُونَ } الاستقامة {إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } مالك الخلق أجمعين.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إذا الشّمس كورت} قال ابن عباس: أظلمت، وغورت، وقيل اضمحلت، وقيل لفت كما تلف العمامة، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض ومعناه أن الشّمس يجمع بعضها إلى بعض، ثم تلف فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها، قال ابن عباس: يكور الله الشّمس، والقمر، والنّجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث عليها ريحاً دبوراً فتضربها فتصير ناراً. (خ) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الشّمس والقمر يكوران يوم القيامة" تفسير : قيل إن الشّمس، والقمر، جمادان فإلقاؤهما في النّار يكون سبباً لازدياد الحر في جهنم. {وإذا النّجوم انكدرت} أي تناثرت من السماء، وسقطت على الأرض. قال الكلبي وعطاء: تمطر السّماء يومئذ نجوماً، فلا يبقى نجم إلا وقع {وإذا الجبال سيرت} أي عن وجه الأرض، فصارت هباء منثوراً. {وإذا العشار عطلت} يعني النوق الحوامل التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها، واحدتها عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال عند العرب فإذا كان ذلك اليوم عطلت، وتركت هملاً بلا راع أهملها أهلها، وقد كانوا لازمين لأذنابها ولم يكن مال أعجب إليهم منها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. {وإذا الوحوش} يعني من دواب البر {حشرت} أي جمعت يوم القيامة ليقتص لبعضها من بعض. وقال ابن عباس: حشرها موتها قال: وحشر كل شيء موته غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. {وإذا البحار سجرت} قال ابن عباس: أوقدت فصارت ناراً تضطرم، وقيل فجر بعضها في بعض العذاب، والملح حتى صارت البحار كلها بحراً واحداً وقيل صارت مياهها من حميم أهل النّار، وقيل سجرت أي يبست، وذهب ماؤها فلم تبق فيها قطرة. قال أبي بن كعب: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما النّاس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشّمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النّجوم فتحركت، واضطربت، وفزعت الإنس، والجن، واختلطت الدّواب، والطّير، والوحش، وماج بعضهم في بعض. فذلك قوله تعالى: {إذا الشّمس كورت وإذا النّجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت} فحينئذ تقول الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فينطلقون إلى البحر، فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم، وعن ابن عباس قال: هي اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا، وستة في الآخرة، وهي ما ذكر بعد هذه. وهو قوله تعالى: {وإذا النفوس زوجت} روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية، فقال: يقرن بين الرّجل الصّالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السّوء مع الرجل السوء في النّار، وقيل ألحق كل امرىء بشيعته اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، وقيل يحشر الرجل مع صاحب عمله، وقيل زوّجت النّفوس بأعمالها، وقيل زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشّياطين، وقيل معنى زوّجت ردت الأرواح إلى الأجساد.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {سجرت} بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. {قتلت} بالتشديد: يزيد و {نشرت} مخففاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم غير يحيى وحماد {الجوار} ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو في رواية {بظنين} بالظاء: ابن كثير وعلي وأبو عمرو ويعقوب. الباقون: بالضاد. الوقوف {كورت} ه ص {انكدرت} ه ص {سيرت} ه ك {عطلت} ه ك {حشرت} ه ك {سجرت} ه ك {زوّجت} ه ك {سئلت} ه ك {قتلت} ه ج لاعتراض الاستفهام بين النسق {نشرت} ه ص {كشطت} ه ك {سعرت} ه ك {أزلفت} ه ك الاستفهام بين السنق {نشرت} ه ص {كشطت} ه ك {سعرت} ه ك {أزلفت} ه ك {أحضرت} ه ط لتمام الشرط والجزاء والتقدير إذا كورت الشمس كورت ارتفعت الشمس بفعل مضمر تفسيره الظاهر وكذلك ما بعدها. وقوله {علمت} جواب عن الكل وهو العامل في " إذا " وما عطف عليها {بالخنس} ه لا {الكنس} ه لا {عسعس} ه ك {تنفس} ه ك {كريم} ه ك {مكين} ه ك {أمين} ه ط بناء على أن ما بعده مستأنف ومن جعل {وما صاحبكم} وما بعدها معطوف على جواب القسم لم يقف على {أمين} إلى قوله {فأين تذهبون}.{بمجنون} ه ج {المبين} ه ج {بضنين} ه ج {رجيم} ه ج {تذهبون} ه ط {للعالمين} ه لا لأن ما بعده بدل البعض {يستقيم} ه {العالمين} ه. التفسير: إنه سبحانه لما ذكر الطامة والصاخة في خاتمتي السورتين المتقدمتين أردفهما بذكر سورتين مشتملتين على أمارات القيامة وعلامات يوم الجزاء. أما هذه ففيها اثنا عشر شيئاً أوّلها تكوير الشمس وفيه وجهان: أحدهما إزالة النور لأن التكوير هو التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة. وفي الحديث "حديث : نعوذ بالله من الحور بعد الكور"تفسير : أي من التشتت بعد الألفة والاجتماع، ومنه كارة القصار وهي ثوب واحد يجمع ثيابه فيه. ولا يخفى أن الشيء الذي يلف يصير مخفياً عن الأعين فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس وصيرورتها غائبة عن الأعين بالتكوير. الثاني أن يكون من قولهم طعنه فحوره وكوره إذا ألقاه أي ألقيت ورميت عن الفلك. وثانيها انكدار النجوم أي تساقطها وتناثرها والأصل في الانكدار الانصباب وكل متراكب ففهي كدورة فلهذا يقال للجيش الكثير دهماء. قال الخليل: انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالاً فانصبوا عليهم. قال الكلبي: تمطر السماء يومئذ نجوماً فقال عطاء: وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور وتلك السلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات من في السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة. ويروى في الشمس والنجوم أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها. وثالثها تسيير الجبال وقد مر في سورة " عم ". ورابعها تعطيل العشار وهي جمع عشراء كالنفاس في نفساء. والعشراء الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع الحمل لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وهم العرب فخوطبوا بما هو مركوز في أذهانهم مصوّر في خزانة خيالهم، والغرض بيان شدّة الاشتغال بأنفسهم حتى يعطلوا ويهملوا ما هو أهم شيء عندهم. وقيل: العشار هي السحاب تعطلت عما فيها من الماء، ولعله مجاز من حيث إن العرب تشبه السحاب بالحامل. قال الله تعالى {أية : فالحاملات وقرا}تفسير : [الذاريات: 2] وخامسها حشر الوحوش والوحش ضد ما يستأنس به من دواب البر. قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، وفيه أنه سبحانه إذا كان لا يهمل أمر الوحوش فكيف يهمل أمر المكلفين. قال الإمام فخر الدين: وفيه دليل على أن هول ذلك اليوم بلغ مبلغاً لا يفرغ الوحوش للنفار عن الإنسان ولا بعضها للاحتراز عن بعض مع العداوة الطبيعية بين بعض الأصناف حتى صار بعضها غذاء بعض. قلت: هذا الاستدلال ضعيف فإن الوحوش في الدنيا أيضاً مجتمعة مع الناس ومع أضدادها لكن في أمكنة مختلفة، فلم لا يجوز أن تكون في القيامة أيضاً كذلك. وعن ابن عباس في رواية إن حشر الوحوش عبارة عن موتها وذلك إذا قضى بينها فردّت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاوس ونحوه. يقال: إذا اجتاحت السنة الناس وأموالهم حشرتهم السنة أي أماتتهم. السادس تسجير البحار أي تنشيف ما فيها من الرطوبة حتى لا يبقى فيها شيء من المياه وقد سبق في " الطور". السابع تزويج النفوس وهو اقتران الأرواح بالأجساد. وقال الحسن: هو كقوله {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة} تفسير : [الواقعة: 7] أي صنفتم أصنافاً ثلاثة وقريب منه قول من قال: هو أن يضم كل واحد إلى من يجانسه في طبقته من خير أو شر. وقول من قال: هو أن يقرن بين الرجل وبين من كان يلازمه في الدنيا من ملك أو سلطان. وقال ابن عباس: زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين، ويقرب منه قول الزجاج هو أن تقرن النفوس بأعمالها. الثامن سؤال الموؤدة. قال جار الله: وأد يئد مقلوب آد يؤد إذا أثقل لأنه إثقال بالتراب، وكانوا يدفنون بناتهم في الأرض أحياء خوفاً من الفقر ولخوف العار كما مر في " النحل " وغيره. ومعنى هذا السؤال تبكيت قاتلها كما يخاطب عيسى بقوله {أية : أأنت قلت للناس}تفسير : [المائدة: 116] والغرض تبكيت النصارى. وقيل: الموؤدة هي التي تسأل نفسها فهي السائلة والمسؤول عنها. وإنما قيل {قتلت} ماضياً مجهولاً غائباً بناء على أن الكلام إخبار عنها، ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت لقيل قتلت مجهولاً مخاطباً، ولو حكى كلامها حين سألت لقيل قتلت متكلماً مجهولاً وبه قرأ ابن عباس. قالت المعتزلة وبه يحتج صاحب الكشاف: إن في الآية دلالة على أن أطفال المشركين لا يعذبون لأنه تعالى إذا بكت الكافر بسببها فلأن لا يعذبها أولى. ويمكن أن يجاب بأن تعذيب الوائد للوأد من جهة أنه تصرف في ملك الله تعالى بغير حق لا ينافي تعذيب الموؤدة من جهة أخرى وهي أن حكمها في الإسلام والكفر حكم أبيها. التاسع نشر صحف الأعمال. عن قتادة: هي صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك حين موتك ثم تنشر يوم القيامة فلينظر رجل يملى في صحيفته. ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم. وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال قاله في الشكاف. العاشر كشط السماء كما يكشط الإهاب عن الذبيحة. والغطاء عن الشيء أي كشفت وأزيلت عما فوقها وهو الجنة وعرش الله تعالى. الحادي عشر والثاني عشر تسعير الجحيم أي إيقادها وإزلاف الجنة أي إدناؤها. استدل بعضهم بالآية على أن النار غير مخلوقة الآن لأنه علق تسعيرها بيوم القيامة، ويمكن المعارضة بأنها تدل على أن الجنة مخلوقة وإلا لم يمكن إزلافها على أن تعليق تسعير الجحيم بيوم القيامة لا ينافي وجودها قبل ذلك غير موقدة ايقاداً شديداً. وقيل: يسعرها غضب الله عز وجل وخطايا بني آدم. وقوله {علمت نفس ما أحضرت} كقوله {أية : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً}تفسير : [آل عمران: 30] والتنوين في {نفس} للتقليل على أنه مفيد للتكثير بحسب المقام نحو {أية : قد يعلم الله}تفسير : [النور: 63] {أية : ربما يود الذين كفروا}تفسير : [الحجر: 2] ويجوز عندي أن يكون للتعظيم أو للنوع يعني النفس الإنسانية لا النباتية ولا الحيوانية ولا الفلكية عند القائلين بها. وإسناد الإحضار إلى الأنفس مجاز لأن الملائكة أحضروها في الصحف أو في الموازين إلا أنها لما تسبب منها ذلك أسند إليها على أن آثار أعمالها إنما تلوح عليها. قال أهل التأويل: هذه الأحوال يمكن اعتبارها في وقت القيامة الصغرى وهي حالة الموت، فالشمس النفس الناطقة، وتكويرها قطع تعلقها، وانكدار النجوم تساقط القوى، وتسيير الجبال انعزال الأعضاء الرئيسة عن أفعالها، والعشار البدن يهمل أمرها، وحشر الوحوش ظهور نتائج الأفعال البهيمية والسبعية على الشخص، وتسجير البحار نفاد الأوهام الباطلة والأماني الفارغة فإنه بحر لا ساحل له دون الموت الاختياري أو الاضطراري، وتزويج النفوس انضمام كل ملكة إلى جنسها الظلمة إلى الظلمة والنور إلى النور، والموؤدة القوّة التي ضيعها المكلف في غير ما خلقت لأجله. وسمعت بعض المحققين من أساتذتي أنها كل مسألة سنحت للخاطر ولم تقيد بالكتابة حتى غابت. والسماء سماء الأرواح والباقي ظاهر. وحين أثبت المعاد شرع في النبوّات فأكدها بالحلف. والخنس جمع خانس، والكنس جمع كانس. والأكثرون على أنها السيارات الخمسة الجاريات مع النيرين في أفلاكها بالارتباطات المعلومة من الهيئة وقد ذكرنا طرفاً منها في البقرة بقوله {أية : إن في خلق السموات والأرض} تفسير : [الآية: 164] وفي قوله {أية : فسواهن سبع سموات} تفسير : [البقرة: 29] فخنوسها رجوعها ومنه الخناس للشيطان، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس ومنه كنس الوحش إذا دخل كناسه. والمنجمون يسمون زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد متحيرة لمشاهدة الوقوف والرجوع منها بعد الاستقامة وهي حركتها الخاصة من المغرب إلى المشرق على توالي البروج أي من الحمل إلى الثور ثم إلى الجوزاء وهكذا على الترتيب. فإذا تحركت القهقرى بعكس هذا الترتيب شبه الحركة اليومية. يقال: إنها راجعة أقسم الله بها إذ أحوالها أغرب ورباطاتها مع الشمس أعجب كما بين في ذلك العلم. وعن علي رضي الله عنه وهو قول عطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها غيبتها عن البصر بالنهار وكنوسها ظهورها للبصر في الليل كما يظهر الوحش من كناسه. وعن ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش وخنوسها صفة لأنوفها ومنه " رجل أخنس وامرأة خنساء " وفي هذا القول بعد عن الخنس المقسم بها لأنه لا يناسب ما بعده. وقال أهل التأويل: هي الحواس الخمس تظهر آثارها تارة وتغيب أخرى. ثم أقسم بالليل والنهار. ومعنى عسعس أقبل وأدبر فهو من الأضداد، وتنفس الصبح مجاز عن تخلصه من ظلمة الليل كنفس المكروب إذا وجد راحة أو مجاز عما يكون عنده من روح ونسيم. والضمير في {إنه} للقرآن، والرسول الكريم جبرائيل، وكرمه على ربه أن جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء، وكرمه في نفسه أنه لا يدل إلا على الخير والكمال. ومعنى كون القرآن قول جبرائيل أنه وصل منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن النزاع وقع من الكفرة في أنه قول محمد أو هو من السماء فأثبت الثاني ليلزم نفي الأول. وفي لفظ رسوله دلالة على أنه ليس قوله بالاستقلال. وقوله {ذي قوّة} كقوله {أية : ذي مرة} تفسير : [النجم: 6] وقد مر بالنجم. وقوله {عند ذي العرش} أي عند ربه بالقرب كقوله {أية : ومن عنده} تفسير : [الرعد: 43] والمكين ذو الجاه الذي يعطى ما يسأل يقال مكن فلان بضم الكاف مكانة. وقوله {ثم} إشارة إلى الظرف المذكور أي مطاع عند الله في الملائكة المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه {أمين} على الوحي والسفارة وقد عصمه الله من الخيانة والزلل. استدل في الكشاف بالآيات على تفضيل الملك على الأنبياء وقال: لأنه وصف جبرائيل بصفات الكرامة، ثم وصف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {وما صاحبكم بمجنون} وشتان بين الوصفين. قلت: أمثال هذا التغليط من باب الجنون وهذا نشأ من سماع لفظ المجنون. والتحقيق أن ذكر جبرائيل ومدحه وقع استطراداً لبيان مدح النبي صلى الله عليه وسلم والمبالغة في صدقه فإن الكفرة زعموا أن القرآن إفك افتراه مجنون به وأعانه عليه قوم آخرون فلم يكن بد من نفي الجنون عنه. ووصف جبرائيل بالأمانة والمكانة وغيرهما فإن شرف الرسول يدل على شرف المرسل إليه وصدقه، فالعجب من الزمخشري أنه كيف سمع لفظ المجنون فاعتراه حتى استدل به على مفضولية أشرف المخلوقات، ولم يعلم أن ذكر جبرائيل ووصفه بأوصاف الكمال اتفق لغرض تزكية النبي صلى الله عليه وسلم. والعجب من الإمام فخر الدين الرازي أيضاً أنه كيف أورد حجته الواهية في تفسيره ولم يتعرض للجواب عنه مع كمال حرصه على تزييف أدلتهم. ثم حكى أنه قد رأى جبرائيل على صورته الأصلية بحيث حصل عنده علم ضروري بأنه ملك مقرب لا شيطان رجيم فقال {ولقد رآه بالأفق المبين} وهو أفق الشمس كما مر في " النجم ". ثم أخبر عن صدقه وإشفاقه فقال {وما هو على الغيب بضنين} ومن قرأ بالظاء الذي مخرجه من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا كالذال والثاء فهو من الظنة التهمة أي ليس بمتهم بل هو ثقة فيما يؤدي عن الله بواسطة جبرائيل. ومن قرأ بالضاد الذي مخرجه من أصل حافة اللسان وما بينهما من الأضراس ومن يمين اللسان أو يساره وإخراجه من الجانب الأيسر الأسهل، وقد يسهل على بعض الناس كلاهما فمعناه أنه لا يضن بالوحي أي لا يبخل به من الضن وهو البخل، وفيه أنه يكتم شيئاً من الوحي مما أمر بإظهاره وأنه لا يمنع المستعدّين من الإرشاد والكمال {فأين تذهبون} بعد هذه البيانات وفيه استضلال لهم كقولك لتارك الجادّة إعتسافاً أين تذهب، مثلت حالهم في ترك الحق والعدول عنه إلى الباطل براكب التعاسيف الذي يستأهل أن يقال له أين تذهب. قوله {لمن شاء} فائدة هذا الإبدال أن نفع التذكير يعود إليهم فكأن غيرهم لم يوعظ والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السموات والأرض. ولا يخفى ما بينها وبين قوله {فأين تذهبون} من التناسب والطباق وفيه دليل القدرية إلا أن قوله {وما تشاؤن إلا أن يشاء الله} فيه دليل الجبرية كما مر في آخر {هل أتى} وغيره والله الموفق.

الثعالبي

تفسير : قوله سبحانه: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} هذه كلُّها أوصَافُ يومِ القيامةِ، وتكويرُ الشمسِ هو أن تُدَارَ كما يُدَارُ كَوْرُ العمامةِ ويُذْهَبُ بها إلى حيثُ شَاءَ اللَّه ـــ تعالى ـــ، وعبَّر المفسرونَ عن ذلك بعباراتٍ؛ فمنهم مَنْ قال: ذهب نورُها؛ قاله قتادة، ومنهم من قال: رُمِي بها؛ قاله الربيع بن خثيم وغير ذلك مما هو أسماءٌ توابعُ لتكْويرهِا،، وانْكِدَارُ النجومِ هو انْقِضَاضُها وهبوطُها من مواضِعها، وقال ابن عباس: انكدرتْ: تغيَّرَتْ من قولهم مَاءٌ كَدِرٌ و{ٱلْعِشَارُ}: جمع عُشَرَاءَ وهي الناقة التي قَدْ مَرَّ لحملِها عَشَرَةُ أشهرٍ، وهي أنْفَسُ مَا عِنْدَ العَرَبِ، وإنما تُعَطَّلُ عند أشدِّ الأهْوَال.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}: في ارتفاع الشمس وجهان: أصحهما: أنها مرفوعة بفعل مقدر مبني للمفعول، حذف وفسَّره ما بعده على الاشتغال، والرفع على هذا الوجه، أعني: إضمار الفعل واجبٌ عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون أن يليها غيره، ويتَأوَّلُون ما أوهمَ خلافَ ذلكَ. والثاني: أنَّها مرفوعة بالابتداء، وهو قول الكوفيين، والأخفش، لظواهر جاءت في الشعر، وانتصر له ابن مالك. قال الزمخشري: ارتفاع "الشمس" على الابتداء، أو الفاعليَّة؟. قلت: بل على الفاعلية ثم ذكر نحو ما تقدم، ويعني بالفاعلية: ارتفاعها بفعل الجملة، وقد مرَّ أنَّهُ يسمي مفعول ما لم يسم فاعله فاعلاً، وارتفاع "النجوم" وما بعدها، كما تقدَّم في "الشمس". فصل في تفسير معنى التكوير قد تقدَّم تفسير التَّكوير في أول "تنزيل". قيل: التَّلفيف على جهةِ الاستدارة، كتكوير العمامة. وفي الحديث: "حديث : نعُوذُ باللهِ مِنَ الحَوْرِ بَعدَ الكَوْرِ"تفسير : ، أي: من التشتت بعد الألفة. وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها. والحَوْرُ: بالحاء المهملة والراء؛ الطيُّ واللَّف، والكورُ والتَّكويرُ واحدٌ. وسميت كارَّة القصار: كارة؛ لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد. ثم إن الشيء الذي يلفّ يصير مختفياً عن الأعين، فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس، وغيبوبتها عن الأعين بـ "التكوير". فلهذا قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: تكويرها: إدخالها في العرش. وقال الحسنُ: ذهاب ضوئها، وهو قول مجاهدٍ وقتادة. وروي عن ابن عباس أيضاً وسعيد بن جبير: غورت. وقال الرًّبيعُ بنُ خيثمٍ: "كُوِّرتْ": رمي بها. ومنه كورته فتكور: أي: سقط. قال الأصمعي: يقال: طعنه فكوَّره وحوره أي: صرعه. فمعنى "كورت": أي: ألقيت ورميت عن الفلك. وعن أبي صالح: "كورت" نكست. وقال ابن الخطيب: وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن لفظة "كُوِّرتْ" مأخوذةٌ من الفارسية، فإنه يقال للأعمى: كور. قوله: {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} أي: تناثرت وتساقطت. قال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 2] والأصل في الانكدار: الانصباب. قال الخليل: انكدر عليهم القول إذا جاءوا أرسالاً، وانصبوا عليهم. وقال أبو عبيدة: انصبّ كما ينصب العقاب إذا كسرت؛ قال العجاجُ يصفُ صقراً: [الرجز] شعر : 5119- أبْصَرَ خِرْبَانَ فضَاءٍ فانْكَدرْ تَقضِّيَ البَازِيَ إذَا البَازِي كَسَرْ تفسير : روى ابن عباس - رضي الله عنهما -: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يَبْقَى في السَّمَاءِ يَوْمَئذٍ نَجمٌ إلاَّ سَقطَ في الأرْضِ ". تفسير : وروي ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النجوم قناديلُ معلقةٌ بين السماء والأرض بسلاسلَ من نور بأيدي الملائكة، فإذا مات من في السموات، ومن في الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. قال القرطبي: "ويحتمل أن يكون "انكدارها": طمسَ آثارها، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها. وعن ابن عباس - أيضاً -: "انْكَدرَتْ": تغيَّرت، فلم يبق لها ضوءٌ لزوالها عن أماكنها، والمعنى متقارب. قوله: {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ}، يعني: قطعت عن وجه الأرض وسيرت في الهواء، لقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} تفسير : [الكهف: 47]، وقوله تعالى: {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} تفسير : [النبأ: 20] في الهواء، لقوله تعالى: {أية : وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل: 88]. وقيل: سيرها أن تحوَّل عن صفة الجبال للحجارة، فتكون كثيباً مهيلاً، أي: رملاً سائلاً، وتكون كالعِهْن، وتكون هباءً منبثاً، وتكون مثل السَّراب الذي ليس بشيءٍ، وعادت الأرض قاعاً صفصفاً، {أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} تفسير : [طه: 107]. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ}. العشار: جمع عشراء، وهي: الناقة التي مر لحملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع في تمام السَّنة وكذلك يقال في جمع نفساء. قال القرطبي: وهو اسمها بعد ما تضع أيضاً، ومن عادة العرب أن يسمُّوا الشيء باسمه المتقدم، وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه وقد قرح: قربوا مهري يسميه بمتقدم اسمه، وإنَّما خصَّ العشار بالذكر؛ لأنَّها أعزُّ ما يكون عند العرب، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، أو المعنى: أنَّ يوم القيامة بحالٍ لو كان للرجل ناقة عشراء لعطَّلها، واشتغل بنفسه، يقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوتانِ، ونوقٌ عشارٌ وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واواً. وقد عشرت الناقة تعشيراً: أي: صارت عشراء. وقيل: "العِشَارُ": السَّحاب، و "عطلت": أي: لا تمطر. والعرب تشبه السحاب بالحامل، قال تعالى: {أية : فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} تفسير : [الذاريات: 2]. وقيل: الأرض تعطل زرعها. والتعطيل: الإهمال، ومنه قيل للمرأة: عاطل إذا لم يكن عليها حُليّ. وتقدم في "بئر معطلة". قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 5120- وجيدِ كَجيدِ الرِّئمِ لَيْسَ بفَاحِشٍ إذَا هِيَ نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطِّلِ تفسير : وقرأ ابنُ كثير في رواية: "عُطِلت" بتخفيف الطاء. قال الرازي: هو غلطٌ، إنما هو بفتحتين، بمعنى: "تعطَّلتْ"؛ لأن التشديد فيه للتعدي، يقال: عطلت الشيء، وأعطله فعطل. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ}، الوحوش: ما لم يتأنس به من حيوان البرّ، والوحشُ أيضاً: المكان الذي لا أنس فيه، ومنه: لقيته بوحش أي: ببلد قفر، والوحشُ: الذي يبيت وجوفه خالياً من طعامٍ، وجمعه: أوحاشٌ، وسمِّي به المنسوب إلى المكان الوحشيّ: وحشي، وعبر بالوحشيّ عن الجانب الذي يضاد الإنسي، والإنسي: ما يقبل من الإنسان وعلى هذا وحشي الفرس وإنسيه. وقوله تعالى: {حُشِرَتْ}. أي: جمعت، والحشرُ: الجمع قاله الحسنُ وقتادةُ وغيرهما. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حشرها موتها، رواه عكرمة، وحشر كلِّ شيءٍ: الموت لغير الجن والإنس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: يحشَرُ كلُّ شيءٍ حتى الذباب. وعن ابن عباس - أيضاً -: يحشر الوحوش غداً، أي: تُجمع، حتى يقتصّ لبعضها من بعض، فيقتص للجمَّاء من القرناء ثم يقال لها: كوني تراباً فتموت. وقرأ الحسن وابن ميمون: "حُشِّرت" بتشديد الشين. ومعنى الآية: أي: أنَّ الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم؟. وقيل: أي: أنَّها مع نفرتها اليوم من النَّاس، وتبددها في الصحاري، تنضمّ غداً إلى الناس من أهوال ذلك اليوم؛ قاله أبي بن كعب. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ}. قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمروٍ: "سُجِرتْ" بتخفيف الجيم. والباقون: بتثقيلها على المبالغة والتنكير. والمعنى: مُلئتْ من الماء، والعرب تقول: سجرتُ الحوضَ أسجره سجراً إذا ملأتهُ، وهو مسجورٌ، والمسجورُ والسَّاجرُ في اللغة: المَلآن. وروى الربيع بن خيثمٍ: "سُجِّرَت": فاضت وملئت، قال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} تفسير : [الانفطار: 3]. وقال الحسن: اختلطت وصارت شيئاً واحداً. وقيل: أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت. وقال القشيريُّ: يرفع الله الحاجز الذي ذكره - تعالى - في قوله: {أية : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 20]، فإذا رفع ذلك البرزج تفجَّرت مياه البحار، فعمَّت الأرض كلَّها، وصارت بحراً واحداً. وعن الحسن وقتادة وابن حيان: تيبس، فلا يبقى من مائها قطرةٌ. قال القشيريُّ: وهو من سجرتُ التنور أسجره سجراً: إذا أحميته، وإذا سلط عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرُّطوبة، وتقدم اشتقاق هذه المادة. قال القفالُ: وهذا التأويل يحتمل وجوهاً: الأول: أن تكون جهنم في قعر البحار، فهي الآن غير مسجرة بقوام الدنيا، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله تعالى تأثير ذلك النِّيران إلى البِحَار، فصارت مسجورة بالكلية، وهذا قولُ ابن زيد، وعطية، وسفيان، ووهب، وأبيّ، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس في رواية، والضحاك - رضي الله عنهم - أوقدت فصارت ناراً. الثاني: قال ابن عباس: يُكوِّر الله تعالى الشمس، والقمر، والنجوم في البحار، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك يبعث الله - تعالى - [لها] ريحاً دبوراً، فتنفخه حتى تصير ناراً، كذا جاء في الحديث. الثالث: أن يخلق الله - تعالى - تحت البحار نيراناً عظيمة حتى تسجر تلك المياه. قال ابن الخطيب: وهذه وجوه متكلِّفة، ولا حاجة إلى شيء منها؛ لأن القادر على تخريب الدنيا يقدر على أن يفعل في البحار ما شاء من تسجير مياهها، ومن قلب مياهها ناراً من غير حاجةٍ إلى أن يلقي فيها الشمس والقمر، أو يكون تحتها نار جهنم. قال القرطبيُّ: وروي عن ابنِ عمرو - رضي الله عنه -: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: ستّ آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذا ذهب ضوءُ الشمس، فتحيَّروا ودهشُوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذا تناثرت النجوم، وتساقطت، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت, واضطربت، واحترقت, فصارت هباءً منبثاً، ففزعتِ الجنُّ إلى الإنسِ، وفزعتِ الإنسُ إلى الجنِّ، واختلط الدواب، والوحش، والهوام والطير، وماج بعضها في بعض، فذلك قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ}، ثم قالت الجنُّ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجَّجُ، فبينما هم كذلك إذا تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذا جاءتهم ريح، فأماتتهم. وقال ابن الخطيب: وهذه العلامات يمكن أن تكون عند خراب الدنيا، وأن تكون بعد القيامة. وقيل: معنى "سُجِّرتْ" يحمر ماؤها حتى يصير كالدَّم، من قولهم: "عَيْنٌ سَجراءُ". أي: حمراء. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ}. العامة: على تشديد "الواو" من "زوَّجت" من التزويج. وروي عن عاصم: "زُوْوجَتْ" على وزن "فُوعِلتْ". قال أبو حيان: "والمُفاعَلةُ" تكون من اثنين. قال شهابُ الدِّين: وهي قراءةٌ مشكلةٌ؛ لأنَّه لا ينبغي أن يلفظ بواو ساكنة، ثم أخرى مكسورة، وقد تقدم أنه متى اجتمع مثلان، وسكن أولهما وجب الإدغام حتى في كلمتين، ففي كلمة واحدة أولى. فصل في المراد بالآية قال النُّعمانُ بنُ بشيرٍ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : {وإذَا النُّفوسُ زُوِّجَتْ} قال: "يُقْرَنُ كُل رجُلٍ مَعَ كُلِّ قومٍ كَانُوا يَعْملُونَ كعَملهِ" ". تفسير : قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يقرن الفاجرُ مع الفاجر، ويقرن الصالحُ مع الصالحِ. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة: السَّابقون زوج صِنْفاُ، وأصحاب اليمين زوجٌ، وأصحاب الشِّمال زوجٌ. وعنه أيضاً قال: زوجت نفوس المؤمنين بالحُورِ العينِ، وقُرِنَ الكفَّار والمنافقون بالشَّياطينِ. وقال الزجاجُ: قُرنَت النفوسُ بأعمالها. وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد أي: وقت ردت إليها قاله عكرمة. وقيل غير ذلك. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}. الموءودة: هي البِنْتُ تدفنُ حيَّة من الوأد، وهو الثقل, لأنها تثقل بالتراب والجندل. يقال: وأد يَئِدُ، كـ "وعد" "يعِد". وقال الزمخشري: "وأدَ يئد"، مقلوب من "آد يئود" إذا أثقل، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} تفسير : [البقرة: 255]؛ لأنه إثقال بالتراب. قال أبو حيان: ولا يدعى ذلك؛ لأن كلاًّ منهما كامل التصرف في الماضي، والأمر، والمضارع والمصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، وليس فيه شيء من مسوغات إدغام القلب، والذي يعلم به الأصالة من القلب أن يكون أحد النظمين فيه حكم يشهدُ له بالأصالةِ، والآخر ليس كذلك، أو أكثر استعمالاً من الآخر، وهذا على ما قرروهُ في أحكام علم التصريف. فالأول: كـ "يَئِسَ وأيِسَ". والثاني: كـ "طَأمَن واطمَأنَّ". والثالث: كـ "شوائع وشواعي". والرابع: كـ "لعمري، ورعملي". قرأ العامة: "الموءودة" بهمزة بين واوين ساكنتين, كالموعودة. وقرأ البزي في رواية بهمزة مضمومة، ثم واو ساكنة. وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون كقراءة الجماعة، ثم نقل حركة الهمزة إلى "الواو" قبلها، وحذفت الهمزة فصار اللفظ: "الموودة" بواو مضمومة، ثم أخرى ساكنة، فقلبت "الواو" المضمومة همزة، نحو "أجُوهٍ" في "وُجُوه" فصار اللفظ كما ترى، ووزنها الآن "مَفْعُولة"؛ لأن المحذوف "عين". والثاني: أن تكون الجملة اسم مفعول من "آدَهُ يئوده" مثل "قَادَه يَقُودُه"، والأصل: "مأوودة"، مثل: "مقوودة"، ثم حذف إحدى الواوين على الخلاف المشهور في الحذف من نحو: "مَقُول، ومَصُون"، فوزنها الآن إما "مَفعلة"، إن قلنا: إنَّ المحذوف الواو الزائدة، وإمَّا "مَفولة" إن قلنا: إن المحذوف عين الكلمة، وهذا يظهرُ فضل علم التصريف. وقرأ الموودة - بضم الواو الأولى - على أنه نقل حركة الهمزة بعد حذفها، ولم يقلب الواو همزة. وقرأ الأعمش: "المودة"، [بسكون الواو]، وتوجيهه: أنه حذف الهمزة اعتباطاً، فالتقى ساكنان، فحذف ثانيهما، ووزنها "المُفْلَة": لأن الهمزة عين الكلمة، وقد حذفت. وقال مكي: بل هو تخفيف قياسي، وذلك أنه نقل حركة "الهمزة" إلى "الواو" لم يهمزها، فاستثقل الضمة عليها فسكَّنها، فالتقى ساكنان، فحذف الثاني. وهذا كله خروج عن الظاهر. وإنما يظهر في ذلك ما نقله الفراء من أن حمزة وقف عليها كالموزة. قالوا: لأجل الخط لأنها رسمت كذلك، والرسم سُنة متبعة. والعامة على: "سُئِلَت" مبنياً للمفعول، مضموم السين. والحسن: يكسرها من سال يسال. وقرأ أبو جعفر: "قُتِّلتْ" - بتشديد التاء - على التكثير؛ لأن المراد اسم الجنس، فناسبه التكثير. وقرأ عليٌّ وابن مسعودٍ وابنُ عباسٍ - رضي الله عنهم - "سألَت" مبنياً للفاعل، "قُتِلتُ" بضم التاء الأخيرة والتي للمتكلم، حكاية لكلامها. وعن أبيّ وابن مسعودٍ - أيضاً - وابن يعمر: "سألتْ" مبنياً للفاعل، "قُتِلتْ" بتاء التأنيث الساكنة، كقراءة العامة. فصل في وأد أهل الجاهلية لبناتهم كانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين: إحداهما: كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فألحقٌوا البنات به؛ تبارك وتعالى عن ذلك. والثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وإمَّا خوفاً من السَّبْي والاسْترقَاقِ. قال ابن عبَّاسٍ: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخّضت على رأسها فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردَّت التراب عليها، وإن ولدتْ غلاماً حبسته، ومنه قول الراجز: [الرجز] شعر : 5121- سَمَّيْتُهَا إذْ وُلِدَتْ تَمُوتُ والقَبْرُ صِهْرٌ ضَامِنٌ زِمِّيتُ تفسير : وقيل: كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد إبقاء حياتها ألبسها جُبَّة من صوفٍ، أو شعرٍ، ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتُها ستة أشبار فيقول لأمّها: طيِّبيها، وزيَّنيها حتى أذهب بها إلى أقاربها [وقد حفر لها بئراً الصحراء]، فيذهب بها إلى البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض. وكان صعصعة بن ناجية ممن يمنع الوأد؛ فافتخر الفرزدق به في قوله: [المتقارب] شعر : 5122- ومِنَّا الذي مَنَعَ الوَائِدَاتِ وأحْيَا الوَئِيدَ فَلمْ يُوأدِ تفسير : فصل رُوَيَ حديث : أنَّ قيس بن عاصم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: إنِّي وأدتُ ثماني بنات كُنَّ لي في الجاهليَّة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأعْتِقْ عن كُلِّ واحدةٍ منهُنَّ رقبةٌ"، قال: يا رسول الله إنِّي صاحبُ إبل، قال عليه الصلاة والسلام: "فأهْدِ عَن كُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ بدنَةً إنْ شِئْتَ" ". تفسير : واعلم أنَّ سؤال الموءودة سؤالُ توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضرب: لِمَ ضُربتَ، وما ذنْبُكَ؟. قال الحسنُ: أراد الله توبيخ قاتلها؛ لأنها قتلت بغير ذنبٍ. وقال أبنُ أسلمُ: بأي ذنب ضربتْ، وكانوا يضربونها. وقيل في قوله تعالى: {سُئِلَتْ} معناه: طُلبتْ، كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل، وهو كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} تفسير : [الأحزاب: 15] أي: مطلوباً، فكأنها طلبت منهم، فقيل: أين أولادكم؟. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ المَرْأةَ الَّتي تَقْتلُ ولدهَا تَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مُتعلِّقٌ ولدُهَا بِثَدْيَيِْهَا، مُلطَّخاً بدمَائِهِ، فيقُولُ: يا ربِّ، هذهِ أمِّي، [وهذه] قَتلتْنِي ". تفسير : والأول قول الجمهور، كقوله تعالى لعيسى ابن مريم: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ} تفسير : [المائدة: 116]، على جهة التوبيخ، والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموءودة: توبيخ لوائدها وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها؛ لأن هذا مما لا يصحّ إلا بذنب، أي: فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها كان أعظم في البيّنة وظهور الحجة على قاتلها، وفي الآية دليل على أن الأطفال المشركين لا يعذَّبُون، وعلى أن التعذيب لا يستحقُّ إلاَّ بذنبٍ. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ}. قرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمرو: بالتثقيل، على تكرار النشر للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. وقيل: لتكرير ذلك من الإنسان. والباقون: بالتخفيف. ونافع وحفص وابن ذكوان "سُعِّرت" بالتثقيل، والباقون بالتخفيف. قوله: {نُشِرَتْ}، أي: فتحت بعد أن كانت مطويَّة، والمراد: صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير أو شر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف: 49]. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ}، أي قُشرت، من قولهم: كشط جلد الشَّاة، أي: سلخها. وقرأ الله "قشطت" - بالقاف - وقد تقدم أنهما متعاقبان كثيراً، وأنه قرئ: وقافوراً [وكافوراً] في {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} تفسير : [الإنسان: 1]. [يقال: لبكت الثريد ولبقته]. قال القرطبي: "يقال: كشَطْتُ البعير كشْطاً، نزعت جلده، ولا يقال: سلخته، لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته"، والمعنى: أزيلت عما فوقها. قال الفراء: طويت. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}، أي: أوقدت، فأضرمت للكفَّار، وزيد في إحمائها يقال: سعرتُ النَّار وأسْعرتُهَا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوقِدَ على النَّارِ ألْفَ سنةٍ حَتَّى اسْودَّتْ فهيَ مُظْلمةٌ ". تفسير : احتج بهذه الآية من قال: إن النار مخلوقة الآن؛ لأنه يدل على أنَّ سعيرها معلَّق بيوم القيامة. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}، أي: أدنيت وقرِّبتْ من المتَّقِينَ. قال الحسنُ - رضي الله عنه - [إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. وقال عبد الله بن زيد]: زُيِّنت، والزُّلْفَى في كلام العرب: القُربَة. قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ}، هذا جواب "إذا" أوَّل السُّورة وما عطف عليها، والمعنى: ما عملتْ من خيرٍ وشرٍّ. وروي عن ابن عباس وعمر - رضي الله عنهما - أنهما قرآها، فلما بلغا "علمت نفس ما أحضرت" قالا: لهذا أجريتِ القصَّةُ. قال ابن الخطيب: ومعلوم أنَّ العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد: إذا ما أحضرته في صحائفها، أو ما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك الأعمال، أو المراد: ما أحضرت من استحقاق الجنَّة والنَّار، فإنَّ كلَّ نفس تعلم ما أحضرت، لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} تفسير : [آل عمران: 30]. والتنكير في قوله: "نَفْسٌ" من عكس كلامهم الذي يقصدون به المبالغة، وإن كان اللفظ موضوعاً للتقليل، لقوله تعالى: {أية : رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الحجر: 2]، أو يكون المراد: أنَّ الكفار كانوا يتعبُون أنفسهم بما يظنونه طاعة، ثم يظهر لهم في القيامة خلاف ذلك.

البقاعي

تفسير : لما ختمت سورة عبس بوعيد الكفرة الفجرة بيوم الصاخة لجحودهم بما لهذا القرآن من التذكرة، ابتدئت هذه بإتمام ذلك، فصور ذلك اليوم بما يكون فيه من الأمور الهائلة من عالم الملك والملكوت حتى كأنه رأى عين كما رواه الإمام أحمد والترمذي والطبراني وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم برجال ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة رأي العين فليقرأ {إذا الشمس كورت}"تفسير : [التكوير: 1] فقال بادئاً بعالم الملك والشهادة لأنه أقرب تصوراً لما يغلب على الإنسان من الوقوف مع المحسوسات، معلماً بأنه سيخرب تزهيداً في كل ما يجر إليه وحثاً على عدم المبالاة والابتعاد من التعلق بشيء من أسبابه: {إذا الشمس} أي التي هي أعظم آيات السماء الظاهرة وأوضحها للحس. ولما كان المهول مطلق تكويرها الدال على عظمة مكورها، بني للمفعول على طريقة كلام القادرين قوله: {كورت *} أي لفت بأيسر أمر من غير كلفة ما أصلاً، فأدخلت في العرش - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فذهب ما كان ينبسط من نورها، من كورت العمامة - إذا لففتها فكان بعضها على بعض وانطمس بعضها ببعض، والثوب - إذا جمعته فرفعته، فالتكوير كناية عن رفعها أو إلقائها في جهنم زيادة في عذاب أهلها ولا سيما عبدتها، أو ألقيت عن فلكها، من طعنه فكوره أي ألقاه مجتمعاً، والتركيب للإدارة والجمع والرفع للشمس، فعل دل عليه "كورت" لأن "إذا" تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط، ولما كان التأثير في الأعظم دالاًّ على التأثير فيما دونه بطريق الأولى، أتبع ذلك قوله معمماً بعد التخصيص: {وإذا النجوم} أي كلها صغارها وكبارها {انكدرت} أي انقضّت فتهاوت وتساقطت وتناثرت حتى كان ذلك كأنه بأنفسها من غير فعل فاعل في غاية الإسراع، أو أظلمت، من كدرت الماء فانكدر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة - في البحر ثم يبعث عليها ريحاً دبوراً فتضرمها فتصير ناراً، وقال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوماً، لا يبقى نجم إلاّ وقع. ولما بدأ بأعلام السماء لأنها أشهر وأعم تخويفاً وإرهاباً، وذكر منها اثنين هما أشهر ما فيها وأعمها نفعاً، أتبعها أعلام الأرض فقال مكرراً للظرف لمزيد الاعتناء بالتهويل: {وإذا الجبال} أي التي هي في العالم السفلي كالنجوم في العالم العلوي، وهي أصلب ما في الأرض، ودل على عظمة القدرة بالبناء للمفعول فقال: {سيرت *} أي وقع تسييرها بوجه الأرض فصارت كأنها السحاب في السير والهباء في النثر لتستوي الأرض فتكون قاعاً صفصفاً لا عوج فيها، لأن ذلك اليوم لا يقبل العوج في شيء من الأشياء بوجه. ولما ذكر أعلام الجماد، أتبعه أعلام الحيوان النافع الذي هو أعز أموال العرب وأغلبها على وجه دل على عظم الهول فقال: {وإذا العشار} أي النوق التي أتى على حملها عشرة أشهر، جمع عشراء مثل نفساء، وهي أحب أموال العرب إليهم وأنفسها عندهم لأنها تجمع اللحم والظهر واللبن والوبر، "حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفّل، فأعرض عنها وغض بصره فقيل له: يا رسول الله! هذا أنفس أموالنا، لم لا تنظر إليها؟ فقال: قد نهاني الله عن ذلك، ثم تلا {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا} [طه: 131] الآية"تفسير : . ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام السنة {عطلت *} أي تركت مهملة كأنه لا صاحب لها مع أنها أنفس أموالهم، فكانت إذا بلغت ذلك أحسنت إليها وأعزتها واشتد إقبالها عليها: وقالت: جاء خيرها من ولد ولبن، لأن الأمر، لاشتغال كل أحد بنفسه، أهول من أن يلتفت أحد إلى شيء وإن عز. ولما ذكر المقرعات الدالات على إرادة أمر عظيم، قرب ذلك الأمر بإفهام أنه الحشر، ودل على عمومه بذكر ما يظن إهماله فقال: {وإذا الوحوش} أي دواب البر التي لا تأنس بأحد التي يظن أنه لا عبرة بها ولا التفات إليها فما ظنك بغيرها {حشرت} أي بعثت وجمعت من كل أوب قهراً لإرادة العرض على الملك الأعظم والفصل فيما بينها في أنفسها حتى يقتص للجماء من القرناء وبينها وبين غيرها أيضاً حتى يسأل العصفور قاتله، لم قتله؟ قال قتادة: يحشر كل شيء للقصاص حتى الذباب - انتهى. ولا يستوحش الوحش من الناس ولا الناس من الوحوش من شدة الأهوال، وذلك أهول وأفزع وأخوف وأفظع، قال القشيري: ولا يبعد أن يكون ذلك بإيصال منافع إليها جوازاً لا وجوباً كما قاله أهل البدع - انتهى. وكل شيء في الدنيا يحضر في تلك الدار، فإذا وقع الفصل جعل الخبيث في جهنم زيادة في عذاب أهلها، والطيب في الجنة زيادة في نعيم أهلها. ولما أفهم هذا الحشر، ذكر ما يدل على ما ينال أهل الموقف من الشدائد من شدة الحر فقال: {وإذا البحار} أي على كثرتها {سجرت *} أي فجر بعضها إلى بعض حتى صارت بحراً واحداً وملئت حتى كان ما فيها أكثر منها وأحمئت حتى كان كالتنور التهاباً وتسعراً فكانت شراباً لأهل النار وعذاباً عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد حصل من الحر ما يذيب الأكباد. ولما ذكر من الآيات العلوية من عالم الملك اثنين ومن السفلية أربعة، فأفهم جميع الخلق أن الأمر في غاية الخطر فتشوفت النفوس إلى ما يفعل، قال ذاكراً لما أراد من عالم الغيب والملكوت، وهو أمور ستة على عدد ما مضى من عالم الملك والشهادة ترغيباً في الأعمال الصالحة والقرناء الصالحين لئلا يزوج بما يسوءه وابتدأ بما يناسب تكوير الشمس: {وإذا النفوس} أي من كل ذي نفس من الناس وغيرهم {زوجت *} أي قرنت بأبدانها وجمع كل من الخلق إلى ما كانت نفسه تألفه وتنزع إليه، فكانوا أصنافاً كما قال تعالى{أية : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله}تفسير : [الصافات: 22، 23] والتفاف الأزواج كالتفاف الشمس حتى يذهب نورها. ولما صرح الأمر فكانت القلوب أحر من الجمر، ذكر ما هو المقصود الأعظم وهو السؤال على وجه يفهم العموم فقال: {وإذا الموءودة} أي ما دفن من الأولاد حياً بعد الولادة أو حصل تسبب في قتله قبل الولادة بدواء ونحوه، سميت موءودة لما يوضع عليها من التراب فيثقلها فيقتلها "وأداً" مقلوب "آداً" إذا أثقل، وإلقاؤها في البئر المحفور لها قريب من انكدار النجوم وتساقطها. ولما كان هذا أهون القتل عندهم وكانوا يظنون أنه مما لا عبرة به، بين أنه معتنىً به وأنه لا بد من بعثها وجعلها بحيث تعقل وتجيب وإن كان نفخ الروح فيها في زمن يسير فقال: {سئلت *} أي وقع سؤالها عما يليق أن تسأل عنه، ثم قيل على طريق الاستئناف تخويفاً للوالدين: {بأي} أي بسبب أيّ {ذنب} يا أيها الجاهلون {قتلت *} أي استحقت به عندكم القتل وهي لم تباشر سوءاً لكونها لم تصل إلى حد التكليف، فما ظنك بمن هو فوقها وبمن هو جان، وسؤالها هو على وجه التبكيت لقاتلها، فإن العرب كانت تدفن البنات أحياء مخافة الإملاق أو لحوق العار بهن، ويقولون: نردها إلى الله هو أولى بها، فلا يرضون البنات لأنفسهم ويرضونها لخالقهم، وكان فيهم من يتكرم عن ذلك ومن يفدي الموءودات ويربيهن، وليس في الآية دليل على تعذيب أطفال الكفرة ولا عدمه، فإن الكافر الذي يستحق الخلود قد يكون مستأمناً فلا يحل قتله، والأطفال ما عملوا ما يستحقون به القتل، ويؤخذ من سؤال المؤدة تحريم الظلم لكل أحد وكف اليد واللسان عن كل إنسان.

السيوطي

تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ‏{‏إذا الشمس كورت‏}‏ و ‏{‏إذا السماء انفطرت‏}‏ و ‏{‏إذا السماء انشقت‏}‏ ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ومسلم وابن ماجة والبيهقي في سننه عن عمرو بن حوشب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر ‏ {‏والليل إذا عسعس‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق علي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا الشمس كورت‏} ‏ قال‏:‏ أظلمت ‏ {‏وإذا النجوم انكدرت‏}‏ قال تغيرت ‏ {‏وإذا الموءودة سئلت‏} ‏ يقول‏:‏ سألت‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏إذا الشمس كورت‏}‏ قال‏:‏ أغورت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا الشمس كورت‏}‏ قال‏:‏ أغورت ‏ {‏وإذا النجوم انكدرت‏}‏ قال‏:‏ تناثرت ‏{‏وإذا الجبال سيرت‏} ‏ قال‏:‏ ذهبت ‏{‏وإذا العشار‏} ‏ عشار الإِبل ‏{‏عطلت‏}‏ لا راعي لها ‏{‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ قال‏:‏ أوقدت ‏ {‏وإذا النفوس زوجت‏} ‏ قال‏:‏ الأمثال للناس جمع بينهم ‏ {‏وإذا السماء كشطت‏} ‏ قال‏:‏ اجتبذت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏إذا الشمس كورت‏}‏ قال‏:‏ هي بالفارسية كور‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله‏:‏ {‏كورت‏}‏ قال‏:‏ غورت‏.‏ قال يعقوب‏:‏ وهي بالفارسية كور يهود‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله‏:‏ ‏‏حديث : {‏إذا الشمس كورت‏}‏ قال‏:‏ "‏كورت في جهنم" ‏ {‏وإذا النجوم انكدرت‏} ‏ قال‏: "انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى ابن مريم وأمه ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا الشمس كورت‏} ‏ قال‏:‏ يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحاً دبوراً فتنفخه حتى يرجع نارا‏ً. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : الشمس والقمر مكوران يوم القيامة، زاد البزار في مسنده في النار‏ .‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه قال‏:‏ ست آيات من هذه السورة في الدنيا والناس ينظرون إليه، وست في الآخرة ‏ {‏إذا الشمس كورت‏} ‏ إلى ‏ {‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ هذه في الدنيا والناس ينظرون إليه ‏{‏وإذا النفوس زوجت‏} ‏، ‏{‏وإذا الجنة أزلفت‏} هذه في الآخرة‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب قال‏:‏ ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واختلطت ففزعت الجن إلى الإِنس والإِنس إلى الجن، واختلط الدواب والطير والوحش فماجوا بعضهم في بعض ‏ {‏وإذا الوحوش حشرت‏} ‏ قال‏:‏ اختلطت ‏ {‏وإذا العشار عطلت‏}‏ أهملها أهلها ‏{‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ قال‏:‏ الجن والإِنس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك إذا انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنه ‏ {‏إذا الشمس كوّرت‏}‏ قال‏:‏ نكست‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏إذا الشمس كوّرت‏} ‏ قال‏:‏ اضمحلت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏إذا الشمس كوّرت‏} ‏ قال‏:‏ ذهب ضوءها ‏ {‏وإذا النجوم انكدرت‏}‏ قال‏:‏ تساقطت ‏ {‏وإذا الوحوش حشرت‏}‏ قال‏:‏ حشرها موتها ‏ {‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ قال‏:‏ ذهب ماؤها، غار ماؤها قال‏:‏ سجرت وفجرت سواء ‏{‏وإذا النفوس زوجت‏} زوجت الأرواح الأجساد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏إذا الشمس كوّرت‏}‏ قال‏:‏ ذهب ضوءها فلا ضوء لها ‏ {‏وإذا النجوم انكدرت‏} ‏ قال‏:‏ تساقطت وتهافتت ‏ {‏وإذا العشار عطلت‏}‏ قال‏:‏ سيبها أهلوها أتاهم ما شغلهم عنها فلم تصر ولم تحلب ولم يكن في الدنيا مال أعجب إليهم منها ‏ {‏وإذا الوحوش حشرت‏} ‏ قال‏:‏ إن هذه الخلائق موافيه يوم القيامة فيقضي الله فيها ما يشاء ‏ {‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ قال‏:‏ ذهب ماؤها ولم يبق منها قطرة ‏{‏وإذا النفوس زوّجت‏} ‏ قال‏:‏ الحق كل إنسان بشيعته اليهود باليهود والنصراني بالنصراني ‏ {‏وإذا الموءودة سئلت‏} ‏ قال‏:‏ هي في بعض القراءة ‏ {‏سألت بأي ذنب قتلت‏}‏ قال‏:‏ لا بذنب وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم ‏{‏وإذا الصحف نشرت‏}‏ قال‏:‏ صحيفتك يا ابن آدم يملي ما فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة فينظر الرجل ما يمل في صحيفته ‏ {‏وإذا الجحيم سعرت‏}‏ قال‏:‏ أوقدت ‏ {‏وإذا الجنة أزلفت‏} ‏ قال‏:‏ قربت ‏ {‏علمت نفس ما أحضرت‏} ‏ من عمل قال‏:‏ قال عمر رضي الله عنه إلى ههنا آخر الحديث‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ‏ {‏وإذا العشار عطلت‏} ‏ قال‏:‏ هي الإِبل ‏ {‏وإذا الوحوش حشرت‏} ‏ قال‏:‏ حشرها موتها ‏{‏وإذا النفوس زوّجت‏} ‏ قال‏:‏ ترجع الأرواح إلى أجسادها ‏ {‏وإذا الموءودة سئلت‏} ‏ قال‏:‏ أطفال المشركين‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الموءودة هي المدفونة، كانت المرأة في الجاهلية إذا هي حملت فكان أوان ولادها حفرت حفرة فتمخضت على رأس تلك الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في تلك الحفرة، وإن ولدت غلاماً حبسته‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ فمن زعم أنهم في النار فقد كذب بل هم في الجنة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن خيثم في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا الشمس كوّرت‏} ‏ قال‏:‏ رمي بها ‏{‏وإذا النجوم انكدرت‏} ‏ قال‏:‏ تناثرت {‏وإذا الجبال سيرت‏} ‏ قال‏:‏ سارت ‏ {‏وإذا العشار عطلت‏} ‏ لم تحلب ولم تصر وتخلى منها أهلها ‏ {‏وإذا الوحوش حشرت‏} ‏ قال‏:‏ أتى عليها أمر الله ‏{‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ قال‏:‏ فاضت ‏ {‏وإذا النفوس زوّجت‏}‏ قال‏:‏ كل رجل مع صاحب عمله ‏ {‏وإذا الموءودة سئلت‏}‏ قال‏:‏ كانت العرب من أفعل الناس لذلك ‏ {‏وإذا الجحيم سعرت‏}‏ أوقدت ‏{‏وإذا الجنة أزلفت‏} ‏ قربت إلى ههنا انتهى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا الوحوش حشرت‏} ‏ قال‏:‏ حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإِنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏وإذا الوحوش حشرت‏} ‏ قال‏:‏ يحشر كل شيء حتى إن الذباب ليحشر‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏{‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ قال‏:‏ اختلط ماؤها بماء الأرض‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول‏:‏ شعر : لقد نازعتهم حسباً قديماً وقد سجرت بحارهم بحاري تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏وإذا البحار سجرت‏}‏ قال‏:‏ فتحت وسيرت‏.‏ وأخرج البيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ قال‏:‏ تسجر حتى تصير نارا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن والضحاك رضي الله عنه ‏ {‏وإذا البحار سجرت‏} ‏ قال‏:‏ غار ماؤها فذهب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا البحار سجرت‏}‏ قال‏:‏ تسجر كما يسجر التنور‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث وأبو نعيم في الحلية عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏{‏وإذا النفوس زوّجت‏} ‏ قال‏:‏ يقرن بين الرجل الصالح مع الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا النفوس زوّجت‏} ‏ قال‏:‏ هو الرجل يزوّج نظيره من أهل النار يوم القيامة، ثم قرأ ‏{أية : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم‏}تفسير : [الصافات: 22‏]‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه‏:‏ ‏‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏ {و‏إذا النفوس زوّجت‏}‏ قال‏:‏"هما الرجلان يعملان العمل يدخلان الجنة والنار"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن منيع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ‏{‏وإذا النفوس زوجت‏}‏ قال‏:‏ تزويجها أن يؤلف كل قوم إلى شبههم، وقال‏:‏ ‏{احشروا الذين ظلموا وأزواجهم‏}.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصبحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عاماً، فينبت منه كل خلق بلي من الإِنسان أو طير أو دابة ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه الأرض قد نبتوا ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد، فذلك قول الله ‏ {‏وإذا النفوس زوجت‏}‏ ‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا النفوس زوجت‏} ‏ قال‏:‏ زوّج الروح للجسد‏. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي ‏ {‏وإذا النفوس زوّجت‏} ‏ قال‏:‏ زوّج الروح من الجسد وأعيدت الأرواح في الأجساد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي قال‏:‏ زوّج المؤمنون الحور العين والكفار الشياطين‏.‏ وأخرج الفراء عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا النفوس زوجت‏}‏ قال‏:‏ يقرن الرجل في الجنة بقرينه الصالح في الدنيا، ويقرن الرجل الذي كان يعمل السوء في الدنيا بقرينه الذي كان يعينه في النار‏.‏ وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن سلمة بن زيد الجعفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الوئيد والموءودة في النار، إلا أن تدرك الإِسلام فيعفو الله عنها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الضحى مسلم بن صبيح أنه قرأ‏:‏ ‏"‏وإذا الموءودة سألت‏"‏ قال‏:‏ طلبت قاتلها بدمائها‏.‏ وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والطبراني وابن مردويه عن خدامة بنت وهب قالت‏:‏ ‏حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال‏:‏ "‏ذاك الوأد الخفي وهو ‏{‏الموءودة‏}‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن صعصعة بن ناجية المجاشعي وهو جد الفرزدق قال‏:‏ ‏"‏حديث : قلت يا رسول الله إني عملت أعمالاً في الجاهلية فهل لي فيها من أجر‏؟‏ قال‏: وما عملت‏؟ قال‏:‏ أحييت ثلثمائة وستين موءودة أشتري كل واحد منهن بناقتين عشراوين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: لك أجره إذ منّ الله عليك بالإِسلام ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب في قوله‏:‏ ‏ {‏وإذا الموءودة سئلت‏}‏ قال‏:حديث : ‏ جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏" ‏أعتق عن كل واحدة رقبة، قال إني صاحب إبل‏.‏ قال‏: ‏فأهد عن كل واحدة بدنة‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏وإذا الصحف نشرت‏} ‏ قال‏:‏ إذا مات الإِنسان طويت صحيفته ثم تنشر يوم القيامة فيحاسب بما فيها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏إذا الشمس كوّرت‏} ‏ قال عمر‏:‏ لما بلغ ‏{‏علمت نفس ما أحضرت‏} ‏ قال‏:‏ لهذا أجري الحديث‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن علي في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا أقسم بالخنس‏} ‏ قال‏:‏ هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأصبغ بن نباتة عن عليّ في قوله‏:‏ ‏{‏فلا أقسم بالخنس‏} ‏ قال‏:‏ خمسة أنجم زحل وعطارد والمشتري وبهرام والزهرة ليس في الكواكب شيء يقطع المجرة غيرها‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ الخنس نجوم تجري يقطعن المجرة كما يقطع الفرس‏.‏ وأخرج ابن مردويه والخطيب في كتاب النجوم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس‏} ‏ قال‏:‏ هي النجوم السبعة زحل وبهرام وعطارد والمشتري والزهرة والشمس والقمر، خنوسها رجوعها، وكنوسها تغيبها بالنهار‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏بالخنس الجواري الكنس‏} ‏ قال‏:‏ هي بقر الوحش‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ‏{‏الجواري الكنس‏} ‏ قال‏:‏ البقر تكنس إلى الظل‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق خصيف عن ابن عباس ‏{‏الجواري الكنس‏}‏ قال‏:‏ هي الوحش تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏الخنس‏} ‏ قال‏:‏ الظباء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن راهويه والبيهقي في البعث عن عليّ ‏{‏الجواري الكنس‏} ‏ قال‏:‏ هي الكواكب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس‏} ‏ قال‏:‏ هي النجوم تبدو بالليل وتخفى بالنهار تكنس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏الخنس الجواري الكنس‏}‏ قال‏:‏ النجوم تخنس بالنهار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال‏:‏ سأل إبراهيم مجاهداً عن قول الله ‏ {‏فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس‏}‏ قال‏:‏ لا أدري‏.‏ قال إبراهيم‏:‏ ولم لا تدري‏؟‏ قال‏:‏ إنكم تقولون عن عليّ إنها النجوم، فقال‏:‏ كذبوا‏.‏ فقال مجاهد‏:‏ هي بقر الوحش، والخنس الجواري حجرتها‏.‏ فقال إبراهيم‏:‏ هو كما قلت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال‏:‏ ‏{‏بالخنس الجواري الكنس‏} هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي ميسرة قال‏:‏ ‏ {‏الجواري الكنس‏} ‏ بقر الوحش‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏{‏الجواري الكنس‏} ‏ قال‏:‏ هي الظباء إذا كنست كوانسها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن جابر بن زيد ‏{‏الجواري الكنس‏} ‏ قال‏:‏ هي الظباء ألم ترها إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت نظرها‏؟‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏ {‏الجواري الكنس‏} ‏ قال‏:‏ البقر‏.‏ وأخرج الحاكم أبو أحمد في الكنى عن العدبس قال‏:‏ كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ما الجواري الكنس‏؟‏ فطعن عمر مخصرة معه في عمامة الرجل، فألقاها عن رأسه، فقال عمر‏:‏ أحروري والذي نفس عمر بن الخطاب بيده‏؟‏ لو وجدتك محلوقاً لأنحيت القمل عن رأسك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏والليل إذا عسعس‏} ‏ قال‏:‏ إذا أدبر ‏ {‏والصبح إذا تنفس‏} ‏ قال‏:‏ إذا بدا النهار حين طلع الفجر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ‏{‏والليل إذا عسعس‏} ‏ قال‏:‏ إذا أدبر {والصبح إذا تنفس} قال: إذا أضاء وأقبل. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {‏والليل إذا عسعس‏} قال: إذا أظلم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {‏والليل إذا عسعس‏} قال: إقباله، ويقال‏:‏ إدباره‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏{‏والليل إذا عسعس‏}‏ قال‏:‏ إقبال سواده قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول النابغة‏:‏ شعر : كأنما خدما قالوا وما وعدوا ال تضمنه من‏ عسعس تفسير : وأخرج الطحاوي والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي أنه خرج حين طلع الفجر فقال‏:‏ نعم ساعة الوتر هذه، ثم تلا ‏ {‏والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إنه لقول رسول كريم‏} ‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏{‏إنه لقول رسول كريم‏} ‏ قال‏:‏ هو جبريل وفي قوله‏:‏ ‏{‏ولقد رآه بالأفق المبين‏} ‏ قال‏:‏ كنا نحدث أنه الأفق الذي يجيء منه النهار وفي لفظ إنه الأفق من حيث تطلع الشمس‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال‏:‏ ‏"‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل‏: ما أحسن ما أثنى عليك ربك ‏{‏ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين‏}‏ فما كانت قوتك وما كانت أمانتك‏؟‏ قال‏:‏ أما قوّتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن، وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهم فقتلتهم، وأما أمانتي فلم أومر بشيء فعدوته إلىغيره‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"حديث : ‏قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ليلة الإِسراء اكشف عن النار، فكشف عنها فنظر إليها فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏مطاع ثم أمين‏}‏ على الوحي ‏ {‏وما صاحبكم بمجنون‏} ‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح في قوله‏:‏ ‏{‏مطاع ثم أمين‏} ‏ قال‏:‏ أمين على سبعين حجاباً يدخلها بغير إذن ‏ {‏وما صاحبكم بمجنون‏} ‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم وفي قوله‏:‏ ‏{‏ولقد رآه بالأفق المبين‏} ‏ قال‏:‏ كنا نحدث أنه الأفق الذي يجيء منه النهار، وفي لفظ‏:‏ إن الأفق من حيث تطلع الشمس‏.‏ وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود ‏{‏ولقد رآه بالأفق المبين‏} ‏ قال‏:‏ جبريل في رفرف أخضر قد سد الأفق‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود ‏ {‏ولقد رآه بالأفق المبين‏} ‏ قال‏:‏ رأى جبريل له ستمائة جناح قد سد الأفق‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ولقد رآه بالأفق المبين‏}‏ قال‏:‏ إنما عنى جبريل أن محمداً رآه في صورته عند سدرة المنتهى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ‏{‏ولقد رآه بالأفق المبين‏}‏ قال‏:‏ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : هو رأى جبريل بالأفق، والأفق الصبح ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏ولقد رآه بالأفق المبين‏} ‏ قال‏:‏ السماء السابعة‏.‏ وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب في تاريخه والحاكم وصححه وابن مردويه عن عاشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها ‏"‏وما هو على الغيب بظنين‏"‏ بالظاء‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها ‏"‏وما هو على الغيب بظنين‏"‏ وفي لفظ ‏{‏بضنين‏}‏ بالضاد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن هشام بن عروة قال‏:‏ كان أبي يقرؤها ‏"‏وما هو على الغيب بظنين‏"‏ فقيل له‏:‏ في ذلك‏.‏ فقال‏:‏ قالت عائشة‏:‏ إن الكتاب يخطئون في المصاحف‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرأ ‏"‏بظنين‏"‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏ {‏بضنين‏}‏ وقال‏:‏ ببخيل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ زعموا أنها في المصاحف وفي مصحف عثمان ‏{‏بضنين‏}‏ ‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن مجاهد وهرون قال‏:‏ في حرف أبيّ بن كعب ‏ {‏بضنين‏} ‏ يعني بالضاد‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏وما هو على الغيب بضنين‏} ‏ يقول‏:‏ ما كان يضن عليكم بما يعلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏ {‏وما هو على الغيب بضنين‏} ‏ قال‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضن بما أنزل الله عليه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏وما هو على الغيب بضنين‏} ‏ قال‏:‏ كان هذا القرآن غيباً أعطاه الله تعالى محمداً بذله وعلمه ودعا إليه وما ضن به‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الزهري ‏{‏وما هو على الغيب بضنين‏} ‏ قال‏:‏ لا يضن بما أوحي إليه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأها ‏"‏وما هو على الغيب بظنين‏"‏ قال‏:‏ ما هو على القرآن بمتهم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏"‏وما هو على الغيب بظنين‏"‏ قال‏:‏ ليس بمتهم على ما جاء به وليس بضنين على ما أوتي به‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ الظنين المتهم، والضنين البخيل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن زر قال‏:‏ الغيب القرآن في قراءتنا ‏"‏بظنين‏"‏ متهم وفي قراءتكم ‏{‏بضنين‏}‏ ببخيل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن زر قال‏:‏ الغيب القرآن في قراءتنا ‏"‏بظنين‏"‏ متهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏}‏ قال‏:‏ أن يتبع الحق‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏} ‏ قالوا‏:‏ الأمر إليها إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ كذبوا يا محمد ‏ {‏وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين‏}‏ ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن سعد والبيهقي في الأسماء والصفات عن وهب بن منبه قال‏:‏ قرأت اثنين وتسعين كتاباً كلها أنزلت من السماء وجدت في كلها أن من أضاف إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمان بن موسى قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏} ‏ قال أبو جهل‏:‏ جعل الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله ‏ {‏وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن القاسم بن مخيمرة قال‏:‏ لما نزلت {‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏} ‏ قال أبو جهل‏:‏ أرى الأمر إلينا فنزلت ‏ {‏وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين‏}‏ ‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها تسع وعشرون {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ} أي لُفَّتْ من كَوَّرتَ العمامةَ إذا لففتَها، على أَنَّ المرادَ بذلكَ إمَّا رفعُها وإزالتُها منْ مقرِّها فإنَّ الثوبَ إذا أُريدَ رفعُهُ يُلفُّ لفاً ويُطْوى، ونحُوه قولُه تعَالَى: { أية : يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء} تفسير : [سورة الأنبياء، الآية 104] وإمَّا لَفُّ ضوئِها المنبسطِ في الآفاقِ المُنتشرِ في الأقطارِ، على أنَّه عبارةٌ عنْ إزالتها والذهابِ بها بحكمِ استلزامِ زوالِ اللازمِ لزوالِ الملزومِ أو ألقيتْ عن فلكها كَما وُصفتِ النجومُ بالانكدارِ من طعنَهُ فكوَّرَهُ إذا ألقاهُ عَلى الأرضِ. وعن أبـي صالحِ كُورتْ نُكِّستْ وعن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا تكويرُهُا إدخالُها في العرشِ. ومدارُ التركيبِ على الإدارةِ والجمعِ. وارتفاعُ الشمسِ على أنَّه فاعلٌ لفعلٍ مضمرٍ يُفسِّرُه المذكورُ وعندَ البعضِ عَلى الابتداءِ. {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} أي انقضَّتْ وَقيلَ: تناثرتْ وَتساقطتْ. رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا أنَّه لا يَبْقَى يومئذٍ نجمٌ إلا سقطَ في الأرضِ، وعنْهُ رضيَ الله عنْهُ أنَّ النُّجومَ قناديلُ معلقةٌ بـينَ السماءِ والأرضِ بسلاسلَ منْ نورٍ بأيدي ملائكةٍ من نورٍ فإذَا ماتَ منْ في السمواتِ ومنْ في الأرضِ تساقطتْ من أيديهم وقيلَ: انكدارُها انطماسُ نُورِها ويُروَى أنَّ الشمسَ والنجومَ تُطرحُ في جهنَم ليراهَا مَنْ عبدَها كما قالَ: {أية : إنكُم وما تعبدونَ من دونِ الله حصبُ جهنَم} تفسير : [سورة الأنبياء، الآية 98] {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيّرَتْ} أيْ عنْ أماكنِها بالرجفة الحاصلةِ لا في الجوِّ فإنَّ ذلكَ بعدَ النفخة الثانيةِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}. ذَهَبَ ضَوْؤُها. {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ}. تناثرت وسقطت عَلَى الأرض. قوله جلّ ذكره: {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ}. أُزِيلَتْ عنها مناكبُها. {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ}. وهي النُّوق الحواملُ التي أتى حَمْلُها عَشْرَةَ أشهر... أهملت في ذلك اليوم لشدة أهواله، (واشتغال الناس بأنفسهم عنها). {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ}. أُحْيِيَتْ، وجُمِعَتْ في القيامة لِيُقْتَصَّ لبعضها من بعض؛ فيقتصّ للجّماء من القَرْناء - وهذا على جهة ضَرْبِ المثل؛ إذ لا تكليف عليها. ولا يبعد أن يكون بإيصال منافع إلى ما وصل إليه الألم - اليومَ - على العِوَضِ... جوازاً لا وجوباً على ما قالَه أهلُ البِدَع. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ}. أُوقدت - مِنْ سَجَرْتُ التنور أُسْجُرُه سَجْراً، أي: أَحْمَيْتُه. {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ}. بالأزواج.

البقلي

تفسير : الاشارة فى هذه الأيات الى ظهور تجلى الذات والصفات فى قلوب العارفين فهناك تكورت شموس ارواحهم من غلبة نور عظمة الذات وانكدرت نجوم عقولهم من صولة انوار الصفات وتسير جبال قلوبهم من اثقال واردات محلبها وتعطلت نفوسهم فى سطوات جلالها فهناك سجرت بحار التوحيد وحشرت طيور التفريد ولا يبقى الا وجه ذى الجلال والاكرام ولكل عارف فى كل حالة من هذه الاحوال قيامة قال الحسين تطمس الشمس بعد تنويرها وتغور البحار بعد تفجيرها وتنسف الجبال بتسيرها وتدرس العشار بعد تعطيلها وتخمد الجحيم بعد تسعيرها وتطوى الصحف بعد النشر وتحشر الوحوش من القبر وتزلزلت الارض وتخرج اثقالها للعرض على الجبار وذلك اصعب مقام المخالفين واهون مقام الموافقين فطوبى لمن اثبت فى ذلك المقام.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذا الشمس كورت} ارتفاع الشمس على انه فاعل لفعل مضمر يفسره المذكور لا فاعله لان الفاعل لا يتقدم وعند البعض على الابتدآء لان التقدير خلاف الاصل والاول اولى لان اذا فيها معنى الشرط والشرط مختص بالفعل وعلى الوجهين الجملة فى محل الجر باضافة اذا اليها ومعنى كورت لفت من كورت العمامة اذا لففتها بضم بعض اجزآئها لبعض على جهة الاستدارة على ان المراد بذلك اما رفعها وازالتها عن مقرها فان الثوب اذا أريد رفعه عن مكانه وستره بجعله فى صندوق او غيره يلف لفا ويطوى نحو قوله تعالى يوم نطوى السماء فكان بين السماء والرفع علاقة اللزوم فتكويرها كناية عن رفعها قال سعدى المفتى ولا منع من ارادة المعنى الحقيقى ايضا وكون الشمس كرة مصمتة على تسليم صحته لا يمنع من تلك الارادة لجواز أن يحدث الله فيها قابلية التكوير بأن يصيرها منبسطة ثم يكورها ان الله على كل شئ قدير انتهى. واما لف ضوئها المنبسط فى الآفاق المنتشر فى الاقطار بأن يكون اسناد كورت الى ضمير الشمس مجازيا او بتقدير المضاف على انه عبارة عن ازالتها والذهاب بها بحكم استلزام زوال اللازم لزوال الملزوم فاللف على هذا مجاز عن الاعدام اذ لا مساغ لارادة المعنى الحقيقى لان الضوء لكونه من الاعراض لا يتصور فيه اللف وقال بعضهم ان الله قادر على أن يطمس نورها مع بقائها فقول الكشاف لانها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف فيه نظر انتهى وجوابه ما أشير اليه من حكم الاستلزام وقيل معنى كورت ألقيت من فلكها على وجه الارض كما وصفت النجوم بالانكدار من طعنه فكوره اذا ألقاه على الارض وفى الحديث "حديث : ان الشمس والقمر نوران مكوران فى النار يوم القيامة"تفسير : اى مرميان فيها ولما ذكر هذا الحديث عند الحسن البصرى رحمه الله قال وما ذنبهما وقال الامام سؤال الحسن ساقط لان الشمس والقمر جمادان فالقاؤهما فى النار لا يكون سببا لمضرتهما ولعل ذلك يكون سببا لازدياد الحر فى جهنم وكذا قال الطيبى تكويرهما فيها ليعذب بهما أهل النار لا سيما عباد الانوار لا ليعذبهما فى النار فانها بمعزل عن التكليف بل سبيلهما فى النار سبيل النار نفسها وسبيل الملائكة الموكلين بها انتهى وكذا قال فى تفسير الفاتحة للفنارى ان السماء اذا طويت واحدة بعد واحدة يرمى بكواكبها فى النار. يقول الفقير قول الحسن أدق فان النور لا يلحق بالنار الا أن يكون فيه مرتبة النارية ايضا فالشمس يلحق نورها بنور العرش ونارها بنار جهنم وقد سبق فى سورة النبأ فارجع فان قيل كيف يمكن تكويرهما فى النار وقد ثبت بالهندسة ان قرص الشمس فى العظم يساوى كرة الارض مائة وستين مرة وربع الارض وثمنها أجيب بان الله تعالى قادر على أن يدخلها فى قشرة جوزة على ذلك العظم. يقول الفقير قد ثبت ان الله تعالى يمد الارض يوم القيامة فتكون أضعاف ما كانت عليه على ان وسعة الدارين تابعة لكثرة اهلهما ووسعتهم لانه ثبت ان ضرس الكافر مثل جبل احد وجسمه مسيرة ثلاثة ايام فاذا كان جسد كل كافر على هذا الغلظ والعظم فاعتبر منه وسعة جهنم فقرص الشمس فى النار كجوزة فى وسط بيت واسع ولا يعرف حد الدارين الا الله تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا الشمسُ كُوِّرتْ} أي: ذُهب بضوئها، من كوَّرت العمامة: إذا لففتها، أي: يُلفّ ضوؤها لفًّا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنَة فكوّره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كُوِّرت: نُكّست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. {وإِذا النجومُ انكَدرَتْ} أي: انقضّت وتساقطت، فلا يبقى يومئذٍ نجمٌ إلاّ سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلّقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض, بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات مَن في السموات ومَن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويُروى: أن الشمس والنجوم تُطرح في جهنم، ليراها مَن عبدها، كما قال: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }تفسير : [الأنبياء:98]. {وإِذا الجبال سُيِّرتْ} عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتاً. {وإِذا العِشَار} جمع: عُشَرَاء، وهي الناقة التي مرّ على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنْفس ما يكون عند أهلها، وأعزّها عليهم، {عُطِّلَتْ}؛ تُركت مهملة؛ لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحبّ ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تُبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن شدة الأمر. {وإِذا الوحوشُ حُشِرت} أي: جُمعت من كل جانب، وقيل: بُعثت للقصاص، قال قتادة: يُحشر كلُّ شيءٍ حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها رُدّت تراباً، فلا يبقى منها إلاّ ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. {وإِذا البحار سُجّرتْ} أي: أُحميت، أو مُلئت وفُجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحراً واحداً، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} تفسير : [الأنفطار:3]، من سَجر التنّور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يُقذف بالكواكب فيها، ثم تُضرم فتصير نيراناً، فمعنى "سُجِّرتْ" حينئذ: قُذف بها في النار, وقد ورد أنّ في النار بحاراً من نار. {وإِذا النفوس زُوِّجتْ} أي: قُرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحُور، ونفوس الكافرين بالشياطين. {وإِذا الموؤدةُ} أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا وُلد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتاً رمت بها، وإذا ولدت ابناً ضَمّته، فإذا كان يوم القيامة {سُئِلَتْ بأيّ ذنبٍ قُتلتْ}، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أنَّ أطفال المشركين لا يُعذّبون، وأنَّ التعذيب لا يكون بغير ذنب. {وإِذا الصُحفُ نُشِرَتْ} أي: صُحف الأعمال، فإنها تُطوى عند الموت وتُنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُحشرُ الناس يوم القيامةِ حُفَاةً عراة "تفسير : فقالت أمُ سلمة: فكيف بالنساء؟! فقال: "حديث : شُغِل الناسُ يا أم سلمة "تفسير : فقالت: وما شغلهم؟ فقال: "حديث : نَشْرُ الصُّحُفِ، فيها مثاقيلُ الذرِّ، ومثاقيلِ الخَرْدل "تفسير : . وقيل: نُشرت: فُرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وَداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصُحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال. {وإِذا السماءُ كُشِطَتْ}، قُطعت وأزيلت، كما يُكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، {وإِذا الجحيمُ سُعِّرتْ} أي: أوقدت إيقاداً شديداً، غضباً على العصاة، {وإِذا الجنة أُزْلِفَتْ} أي: قُربت من المتقين، كقوله تعالى: {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}تفسير : [قَ:31]. عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثِنتا عشرة خصلة، ستٌّ في الدنيا، فيما بين النفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: {وإذا البحار سُجرتْ} على أنَّ المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وستٌّ في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أنَّ تلك الخصال كلها بعد البعث، فإنَّ الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كُوِّرت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأمّا الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدّم، وأمّا العِشار فلا يتصور إهمالها إلاَّ بعد بعث أهلها. وقوله تعالى: {علمتْ نفس ما أحضرت}: جواب "إذا"، على أنَّ المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كلُّ نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إمّا حضور صحائفها، كما يُعرب عنه نشرُها، وإمّا حضور أنفسها، على أنها تُشكّل بصورة مناسبة لها في الحُسن والقُبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ } تفسير : [التوبة:49، العنكبوت:54]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَى...}تفسير : [النساء:10]، الآية، وقوله عليه السلام في حق مَن يشرب في آنية الذهب: " حديث : إنما يُجَرْجرُ في بطنه نار جهنم "تفسير : ولا بُعد في ذلك، ألا ترى أنَّ العِلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على مَن له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد رُوي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: "يُؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان"، وأيًّا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عزّ وجل، كما نطق به قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً..} تفسير : [آل عمران:30] الآية؛ لأنها لمّا عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تُشاهد جزاءها، خيراً كان أو شرًّا. الإشارة: اعلم أنَّ النفس والروح والسر أسماء لمسمَّى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سُميت نفساً، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سُميت روحاً فإذا تزكّت وأشرقت عليها أسرار الذات سُميت سرًّا، فالإشارة في قوله: {إذا الشمس كُورت} إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبقَ منها للعارف إلاّ ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال؛ جبال العقل، سُيرت؛ لأنّ نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العِشارُ عُطلتْ، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها, وإذا الوحوش، أي: الخواطر الردية حُشرتْ وغرقتْ في بحر الأحدية، وإذا البحارُ بحار الأحدية سُجرتْ، أي: فُجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحراً واحداً متصلاً أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زُوجتْ بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سُرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. هـ. وإذا الموؤودة سُئِلَتْ بأيّ ذنبٍ قُتلتْ، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأُميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكُّر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتُسأل بأي ذنب قُتلت, حتى تعطّلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. هـ. وإذا الصُحف؛ الواردات الإلهية نُشرتْ على القلوب القدسية، فظهرت أنوارُها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماءُ كُشطتْ، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سُعّرتْ لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أُزلفت لأهل الجمع والوصال، علمت نفس ما أحضرت من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق. ثم أقسم تعالى على حقيّة القرآن، فقال: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير واهل البصرة {سجرت} خفيفة الجيم. الباقون بتشديدها وقرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص عن عاصم {نشرت} خفيفة الشين. الباقون بالتشديد. وقرأ نافع وباقي أهل المدينة وابن عامر فى رواية ابن ذكوان وعاصم إلا يحيى ورويس {سعرت} بتشديد العين. الباقون بتخفيفها. وقرأ ابو جعفر {قتلت} مشددة التاء، الباقون بتخفيفها. يقول الله تعالى مخبراً عن وقت حضور القيامة وحصول شدائدها {إذا الشمس كورت} فاللفظ وإن كان ماضياً فالمراد به الاستقبال، لأنه إذا اخبر تعالى بشيء فلا بد من كونه، فكأنه واقع. والفعل الماضي يكون بمعنى المستقبل فى الشرط والجزاء، وفى أفعال الله، وفى الدعاء إذا تكرر كقولك حفظك الله وأطال بقاءك. ومعنى {كورت} - فى قول ابن عباس وابي بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك - ذهب نورها. وقال الربيع بن خيثم: معناه رمي بها، والتكوير تلفيف على جهة الاستدارة ومنه كور العمامة، كور يكور تكويراً، ومنه الكارة، ويقال: كورت العمامة على رأسي اكورها كوراً وكورتها تكويراً. ويقال: طعنه فكوره أى رمى به، ذكره الازهرى، ومنه قولهم: اعوذ بالله من الحور بعد الكور أى من النقصان بعد الزيادة فالشمس تكور بأن يجمع نورها حتى يصير كالكارة الملقاة فيذهب ضوءها ويجدد الله - عز وجل - للعباد ضياء غيرها. وقوله {وإذا النجوم انكدرت} فالنجوم جمع نجم، وهو الكوكب وجمعه كواكب. ومنه نجم النبت إذا طلع ينجم نجماً فهو ناجم، وكذلك نجم القرن، ونجم السن. والانكدار انقلاب الشيء حتى يصير الأعلى الاسفل بما لو كان ماء لتَكدر. وقيل: اصل الانكدار الانصباب. قال العجاج: شعر : ابصر خربان فضاء فانكدر تفسير : وقال مجاهد والربيع بن خيثم وقتادة وابو صالح وابن زيد: انكدرت معناه تناثرت. وقوله {وإذا الجبال سيرت} فمعنى تسيير الجبال تصييرها هباء وسراباً وقوله {وإذا العشار عطلت} فالعشار جمع عشراء، وهي الناقة التي قد أنى عليها عشرة اشهر من حملها، وهو مأخوذ من العشرة. والناقة إذا وضعت لتمام ففي سنة، وقال الفراء: العشار لقح الابل التي عطلها أهلها لاشتغالهم بأنفسهم. وقال الجبائي: معناه ان السحاب يعطل ما يكون فيها من المياه التى ينزلها الله على عباده فى الدنيا. وحكى الازهري عن ابي عمرو انه قال: العشار الحساب. قال الازهرى: وهذا لا اعرفه فى اللغة. والمعنى إن هذه الحوامل التى يتنافس اهلها فيها قد اهملت. وقوله {وإذا الوحوش حشرت} قال عكرمة: حشرها موتها. وغيره قال: معناه تغيرت الأمور بأن صارت الوحوش التى تشرد في البلاد تجتمع مع الناس وذلك ان الله تعالى يحشر الوحوش ليوصل اليها ما تستحقه من الأعواض على الآلام التي دخلت عليها، وينتصف لبعضها من بعض، فاذا عوضها الله تعالى، فمن قال: العوض دائم قال تبقى منعمة على الأبد. ومن قال: العوض يستحق منقطعاً اختلفوا فمنهم من قال: يديمها الله تفضلا لئلا يدخل على العوض غم بانقطاعه. ومنهم من قال: إذا فعل بها ما تستحقه من الاعواض جعلها تراباً. وقوله {وإذا البحار سجرت} معناه ملئت ناراً كما يسجر التنور، وأصل السجر الملأ قال لبيد: شعر : فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاوز أقدامها تفسير : أي مملوءة، ومنه {أية : البحر المسجور}تفسير : قال ابن عباس وأبي بن كعب: سجرت اوقدت، فصارت ناراً. وقال شمر بن عطية: صارت بمنزلة التنور المسجور وقال الحسن والضحاك: معناه ملئت حتى فاضت على الأرضين فتنسقها حتى تكون لجج البحار ورؤس الجبال بمنزلة واحدة، وقيل: معنى {سجرت} جعل ماؤها شراباً يعذب به أهل النار. وقال الفراء: معناه افضي بعضها إلى بعض فصارت بحراً واحداً. ومن ثقل أراد التكثير، ومن خفف، فلأنه يدل على القليل والكثير. وقوله {وإذا النفوس زوجت} معناه ضم كل واحد منها إلى شكله، والنفس قد يعبر به عن الانسان ويعبر به عن الروح، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وقتادة: كل إنسان بشكله من أهل النار وأهل الجنة. وقال عكرمة والشعبي: معنى زوجت ردت الأرواح إلى الاجساد. وقيل: معناه يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان. وقوله {وإذا الموؤدة سئلت} فالموؤدة المقتولة بدفنها حية، فكانت العرب تئد البنات خوف الاملاق، وأدها يئدها وأداً، فهي موؤدة أي مدفونة حية، وعلى هذا جاء قوله {أية : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق}تفسير : وقال قتادة: حديث : جاء قيس ابن عاصم التميمي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: اني وأدت ثماني بنات فى الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وآله "فاعتق عن كل واحدة رقبة" قال اني صاحب أبل. قال "فاهد إلى من شئت عن كل واحدة بدنة"تفسير : . وقيل موؤدة للثقل الذي عليها من التراب وقوله {أية : ولا يؤوده حفظهما}تفسير : أي لا يثقله، قال الفرزدق: شعر : ومنا الذي منع الوائدا ت وأحيا الوئيد فلم يوأد تفسير : وإنما يسأل عن الموؤدة على وجه التوبيخ لقاتلهما، وهو أبلغ من سؤاله، لان هذا مما لا يصلح إلا بذنب، فاي ذنب كان لك، فاذا ظهر انه لا ذنب لها جاءت الطامة الكبرى على قاتلها، لانه رجع الأمر اليه بحجة يقرّ بها. وقال قوم: تقديره سئلت قتلها بأي ذنب قتلت، فالكناية عنها أظهر. وروي فى الشواذ، وهو المروي عن ابن عباس وغيره من الصحابة أنهم قرءوا {وإذا المؤودة سألت بأي ذنب قتلت} جعلوها هي السائلة عن سبب قتلها لا المسئولة وهو المروي فى اخبارنا وقوله {وإذا الصحف نشرت} فالنشر بسط المطوي، والنشر للصحف والثياب ونحوها. والصحف جمع صحيفة وهي الصحيفة التى فيها اعمال الخلق من طاعة ومعصية، فتنشر عليه ليقف كل انسان على ما يستحقه. وقوله {وإذا السماء كشطت} فالكشط القلع عن شدة التزاق كشط جلدة الرأس يكشطها كشطاً إذا قلعها. فقلع السماء عن مكانها على شدة ما فيها من اعتماد كقلع جلدة الرأس عن مكانها، والكشط والنشط واحد. وفى قراءة عبد الله {وإذا السماء نشطت}. وقوله {وإذا الجحيم سعرت} معناه اشتعلت واضرمت، فالتسعير تهيج النار حتى تتأجج، ومنه السعر، لانه حال هيج الثمن بالارتفاع والانحاط، واسعرت الحرب والشر بين القوم من هذا. ومن شدد أراد التكثير، ومن خفف فلأنه يدل على القليل والكثير. وقال قتادة: يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وقوله {وإذا الجنة أزلفت} أى قربت من أهلها يوم القيامة فالازلاف إدناء ما يجب، ومنه الزلفة القربة، وأزدلف إلى الامر اقترب منه. ومنه المزدلفة لأنها قريب من مكة. وقوله {علمت نفس ما أحضرت} هو جواب {إذا الشمس كورت} وما بعدها من الشروط، والمعنى إن عند ظهور الاشياء التى ذكرها وعددها تعلم كل نفس ما عملته من طاعة أو معصية، وقد كان غافلا عنه. وهو كقوله {أية : أحصاه الله ونسوه}،

الجنابذي

تفسير : {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} التّكوير التّلفيف على التّدوير والصّرع، كوّره صرعه، وكوّر المتاع جمعه وشدّه، والتّكوّر التّقطّر والتّشمّر والسّقوط، والكلّ مناسب ههنا، والمراد بوقت تكوير الشّمس وقت الموت وظهور آثار الآخرة، او وقت القيامة الكبرى.

الأعقم

تفسير : وقوله: {إذا} شرطٌ والجواب قوله: {علمت} {الشمس كوّرت} قيل: ذهب ضوؤها ونورها، والكور: اللف والطي والتكوير نظائر، كوّر العمامة تكويراً، وقيل: التفت {وإذا النجوم انكدرت} قيل: تناثرت، وقيل: ذهب ضوؤها {وإذا الجبال سيّرت} على وجه الأرض فصارت هباء منبثاً {وإذا العشار عطّلت} يعني النوق الحوامل التي قرب نتاجها، عطلت أهملت يدكها أربابها لما دهمهم من عظيم ذلك اليوم {وإذا الوحوش حشرت} جمعت يوم القيامة من كل ناحية، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، وقيل: إذا قضي بينها ردت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، وعن ابن عباس: حشرها موتها {وإذا البحار سجّرت} قرئ بالتخفيف والتشديد من سجر التنور إذا ملأه بالحطب، وفجر بعضها إلى بعض حتى يعود بحراً واحداً، عن الحسن: يذهبُ ماؤها فلا يبقى فيها قطرة، وقيل: يجعل ماؤها نيراناً يعذب به أهل النار، وقيل: بحار في جهنم من الحميم يعذبون بها {وإذا النفوس زوّجت} قرن كل إنسان بشكله من أهل الجنة وأهل النار، وقيل: زوّجت ردت الأرواح إلى الأجساد، وقيل: زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين والكفار بالشياطين، وقيل: زوّجت النفوس بأعمالها {وإذا الموؤدة سُئِلتْ} يعني الجارية المدفونة حيَّة، قيل: كانوا إذا ولدت بنتاً فأرادوا قتلها حفروا لها قبراً ثم يقول لأمها: زينيها لأذهب بها إلى إحمائها، فيذهب بها فيضعها في الحفرة ويهيل التراب عليها، وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإذا ولدت ابناً حبسته، وكانوا يقولون: ان الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به وإنما فعلوا ذلك خوف العار لهم من أجلهن أو الخوف من إملاق، وسُئِلت: يعني سُئِل الموؤدة لماذا قتلت؟ وبأي ذنب؟ وهذا سؤال للقاتل، وقيل: سُئِلت طلبت القاتل الحجة في قتلها {وإذا الصحف نشرت} كيف أعمالهم {وإذا السماء كشطت} قلعت من مكانها ونزعت {وإذا الجحيم سعّرت} أوقدت حتى ازدادت شدة، وقيل: سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم {وإذا الجنة أزلفت} أي قرنت بما فيها من النعم ليزداد المؤمن سروراً وأهل النار حسرة {علمت نفس ما أحضرت} من خير وشر، ومعناه علمت كل نفس ما عملت ووجب جزاؤه لأن الأعمال لا يصح عليها الإِحضار، وقيل: تحضر الصحائف.

الهواري

تفسير : تفسير سورة إذا الشمس كورت، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} تفسير الحسن: أي: ذهب ضوءها. {وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} أي: قد رمي بها. كقوله: (أية : وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ) تفسير : [الانفطار:2]. {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} أي: ذهبت، تصير في حالات. أما أول ما تحول عن منزلة الحجارة فتكون كثيباً، وتكون كالعهن المنفوش، وتكون هباء منبثاً، وتكون سراباً. قال تعالى: (أية : وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً) تفسير : [النبأ:20]. مثل هذا السراب تراه وليس بشيء، فسويت بالأرض. وقال في آية أخرى: (أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً) تفسير : أي: من أصولها (أية : فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً) تفسير : أي مستوية (أية : لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلآ أَمْتاً) تفسير : [طه:105-107] أي انخفاضاً ولا ارتفاعاً. قال تعالى: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} وهي النوق عطّلها أهلها فلم تُحْلَبْ ولم تُصَرَّ وشغل عنها أهلها. قال: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي: جمعت لحشر يوم القيامة فهي أول من يُدعى للحساب فيقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجمَّاء من القرناء، ثم يقال لها: كوني تراباً. فعند ذلك (أية : يَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً) تفسير : [النبأ:40]. ذكروا عن الحسن قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير معقول أول النهار، ثم مرّ عليه آخر النهار وهو كما هو، فقال: حديث : أين صاحب هذا البعير، ليعدّ له خصومة .

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} لفت من كورة العمامة إذا لففتها بمعنى رفعت لأن الثوب إذا أريد رفعه لف، فافها عبارة عن إزالتها أو لف ضوءها وزال أثره فحذف المضاف أو كنى عن ذهاب الضوء بلفها لأنها ما دامت غير ملفوفة فضوؤها منبسط أو أزيل ضوءها وهي باقية ولله أن يفعل ما يشاء. وعن ابن عباس يكورها الله والقمر والنجوم أي يطرحها مجموعة في البحر ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضربها فيصير نارا وعنه كورت بمعنى جعلت مظلمة وعن قتادة أزيل ضوؤها وعن الربيع ابن خيتم رمى بها والشمس نائب لمحذوف دل عليه كورت، وأجاز الأخفش كون الشمس مبتدأ إجازة لكون الشرط جملة اسمية وأجاز الكوفيون كون الشمس فاعلا نائبا مقدما.

اطفيش

تفسير : لفت ولفها عبارة عن إِفنائها أو إِفناء ضوئها كما روى عن ابن عباس تفسيره بأَظلمت وذلك كما يخسف القمر وقيل ألقيت عن فلكها يقال كورته بضربة أى طرحته على الأَرض مجتمعا وقيل تلف وتلقى فى جهنم يعذب بها عبادها وفيه خبر يروى ويروى أنها تلقى فى البحر مع القمر والنجوم وتضربه ريح الدبور فيصير ناراً يوسع الله البحر حتى يسعها أو يصغرها كذلك والله قادر كما روى أنها تدنو من أهل المحشر حتى تكون قدر ميل فيلجمهم العرق فإِما أن تدنو بلا نور مع بقاء حرارتها أو مع نورها ويزول بعد ذلك فتلقى فى النار لتعذيب عابديها ولا يلزم أن لا بحر ألا ترى إِلى قول من قال تلقى فى البحر فيكون ناراً لكن لا حجة لذلك صحيحة، وعن أبى صالح كورت نكست، وعن ابن عباس تكويرها إِدخالها فى العرش وقيل تلف كما يلف الثوب حقيقة واعترض بأَنها كرية مستديرة فلا تقبل اللف لحصوله معها وأُجيب بأَنه لا مانع من كونها غير كرية قيل وبأَنها كرية تبسط ثم تكور وفيه تكلف وبأَنه يزاد فى ضمها وتكويرها حتى تكون أصغر عما كانت عليه وقد قال الله تعالى {أية : يوم نطوي السماء} تفسير : [الأنبياء: 104] وهو على ظاهره أو عبارة عن إِفناء السماء قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "حديث : من سره أن ينظر إِلى يوم القيامة رأي عين فليقرأ إِذا الشمس كورت وإِذا السماء انفطرت وإِذا السماء انشقت يعني السور الثلاث ووجه السور أن يرى أمراً غريباً أخروياً وهو في الدنيا ".

الالوسي

تفسير : أي لفت من كورت العمامة إذا لففتها وهو مجاز عن رفعها وإزالتها من مكانها بعلاقة اللزوم فإن الثوب إذا أريد رفعه يلف لفاً ويطوى ثم يرفع ونحوه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء }تفسير : [الأنبياء: 104] ويجوز أن يراد لف ضوئها المنبسط في الآفاق / المنتشر في الأقطار إما على أن الشمس مجاز عن الضوء فإنه شائع في العرف أو على تقدير المضاف أو على التجوز في الإسناد ويراد من لفه إذهابه مجازاً بعلاقة اللزوم كما سمعت آنفاً أو رفعه وستره استعارة كما قيل، وقد اعتبر تشبيه الضوء بالجواهر والأمور النفيسة التي إذا رفعت لفت في ثوب ثم تعتبر الاستعارة ويجعل التكوير بمعنى اللف قرينة ليكون هناك استعارة مكنية تخييلية. وكون المراد إذهاب ضوئها مروي عن الحسن وقتادة ومجاهد وهو ظاهر ما رواه جماعة عن ابن عباس من تفسيره {كُوِّرَتْ} بأظلمت والظاهر أن ذاك مع بقاء جرمها كالقمر في خسوفه وفي الآثار ما يؤيد ذلك، وقيل إن ذاك عبارة عن إزالة نفس الشمس والذهاب بها للزوم العادي واستلزام زوال اللازم لزوال الملزوم. ويجوز أن يكون المراد بكورت ألقيت عن فلكها وطرحت من طعنه فَجَوَّرَهُ وكوره أي ألقاه مجتمعاً على الأرض وإلقاؤها في جهنم مع عبدتها كما يدل عليه بعض الأخبار المرفوعة ويذهب إذ ذاك نورها كما صرح به القرطبـي أو في البحر كما يدل عليه خبر ابن أبـي الدنيا وابن أبـي حاتم وأبـي الشيخ عن ابن عتيك وفيه أن الله تعالى يبعث ريحاً دبوراً فتنفخه أي البحر حتى يرجع ناراً وعظم جرم الشمس اليوم لا يقتضي استحالة إلقائها في البحر ذلك اليوم لجواز اختلاف الحال في الوقتين والله عز وجل على كل شيء قدير لكن جاء في الأخبار الصحيحة أن الشمس تدنو يوم القيامة من الرؤوس في المحشر حتى تكون قدر ميل ويلجم الناس العرق يومئذٍ ولا بحر حينئذٍ لتلقى فيه بعد فلا تغفل. وعن أبـي صالح {كُوِّرَتْ} نكست وفي رواية عن ابن عباس تكويرها إدخالها في العرش وعن مجاهد أيضاً اضمحلت ومدار التركيب على الإدارة والجمع. هذا ولم نقف لأحد من السلف على إرادة لفها حقيقة وللمتأخرين في جواز إرادته خلاف فقيل لا تجوز إرادته لأن الشمس كرية مصمتة وغاية اللف هي الإدارة وهي حاصلة فيها وقيل تجوز لأن كون الشمس كذلك مما لا يثبته أهل الشرع وعلى تسليمه يجوز أن يحدث فيها قابلية اللف بأن يصيرها سبحانه منبسطة ثم يلفها وله عز وجل في ذلك ما له من الحكم ويبعد إرادة الحقيقة فيما أرى كونها كيفما كانت من الأجرام التي لا تلف كالثياب نعم القدرة في كل وقت لا يتعاصاها شيء. وارتفاع (الشمس) بفعل مضمر يفسره المذكور عند جمهور البصريين لاختصاص {إِذَا} الشرطية عندهم بالفعل وعلى الابتداء عند الأخفش والكوفيين لعدم الاختصاص عندهم وكون التقدير خلاف الأصل وكذا يقال في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة ذات مقطعين اثنين تعالج في كل مقطع منهما تقرير حقيقة ضخمة من حقائق العقيدة: الأولى حقيقة القيامة، وما يصاحبها من انقلاب كوني هائل كامل، يشمل الشمس والنجوم والجبال والبحار، والأرض والسماء، والأنعام والوحوش، كما يشمل بني الإنسان. والثانية حقيقة الوحي، وما يتعلق بها من صفة الملك الذي يحمله، وصفة النبي الذي يتلقاه، ثم شأن القوم المخاطبين بهذا الوحي معه، ومع المشيئة الكبرى التي فطرتهم ونزلت لهم الوحي. والإيقاع العام للسورة بحركة جائحة. تنطلق من عقالها، فتقلب كل شيء، وتنثر كل شيء؛ وتهيج الساكن وتروع الآمن؛ وتذهب بكل مألوف وتبدل كل معهود؛ وتهز النفس البشرية هزاً عنيفاً طويلاً، يخلعها من كل ما اعتادت أن تسكن إليه، وتتشبث به، فإذا هي في عاصفة الهول المدمر الجارف ريشة لا وزن لها ولا قرار. ولا ملاذ لها ولا ملجأ إلا في حمى الواحد القهار، الذي له وحده البقاء والدوام، وعنده وحده القرار والاطمئنان.. ومن ثم فالسورة بإيقاعها العام وحده تخلع النفس من كل ما تطمئن إليه وتركن، لتلوذ بكنف الله، وتأوي إلى حماه، وتطلب عنده الأمن والطمأنينة والقرار.. وفي السورة ـ مع هذا ـ ثروة ضخمة من المشاهد الرائعة، سواء في هذا الكون الرائع الذي نراه، أو في ذلك اليوم الآخر الذي ينقلب فيه الكون بكل ما نعهده فيه من أوضاع. وثروة كذلك من التعبيرات الأنيقة! المنتقاة لتلوين المشاهد والإيقاعات. وتلتقي هذه وتلك في حيز السورة الضيق، فتضغط على الحس وتنفذ إليه في قوة وإيحاء. ولولا أن في التعبير ألفاظاً وعبارات لم تعد مألوفة ولا واضحة للقارئ في هذا الزمان، لآثرت ترك السورة تؤدي بإيقاعها وصورها وظلالها وحقائقها ومشاهدها، ما لا تؤديه أية ترجمة لها في لغة البشر؛ وتصل بذاتها إلى أوتار القلوب فتهزها من الأعماق. ولكن لا بد مما ليس منه بد. وقد بعدنا في زماننا هذا عن مألوف لغة القرآن! إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت، وإذا البحار سجرت، وإذا النفوس زوجت، وإذا الموءودة سئلت: بأى ذنب قتلت؟ وإذا الصحف نشرت، وإذا السمآء كشطت، وإذا الجحيم سعرت، وإذا الجنة أزلفت.. علمت نفس مآ أحضرت}.. هذا هو مشهد الانقلاب التام لكل معهود، والثورة الشاملة لكل موجود. الانقلاب الذي يشمل الأجرام السماوية والأرضية، والوحوش النافرة والأنعام الأليفة، ونفوس البشر، وأوضاع الأمور. حيث ينكشف كل مستور، ويعلم كل مجهول؛ وتقف النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب. وكل شيء من حولها عاصف؛ وكل شيء من حولها مقلوب! وهذه الأحداث الكونية الضخام تشير بجملتها إلى أن هذا الكون الذي نعهده. الكون المنسق الجميل، الموزون الحركة، المضبوط النسبة، المتين الصنعة، المبني بأيد وإحكام. أن هذا الكون سينفرط عقد نظامه، وتتناثر أجزاؤه، وتذهب عنه صفاته هذه التي يقوم بها؛ وينتهي إلى أجله المقدر، حيث تنتهي الخلائق إلى صورة أخرى من الكون ومن الحياة ومن الحقائق غير ما عهدت نهائياً في هذا الكون المعهود. وهذا ما تستهدف السورة إقراره في المشاعر والقلوب كي تنفصل من هذه المظاهر الزائلة ـ مهما بدت لها ثابتة ـ وتتصل بالحقيقة الباقية.. حقيقة الله الذي لا يحول ولا يزول، حين يحول كل شيء من الحوادث ويزول. ولكي تنطلق من إسار المعهود المألوف في هذا الكون المشهود. إلى الحقيقة المطلقة التي لا تتقيد بزمان ولا مكان ولا رؤية ولا حس، ولا مظهر من المظاهر التي تقيدها في ظرف أو إطار محدود! وهذا هو الشعور العام الذي ينسرب إلى النفس وهي تطالع مشاهد هذا الانقلاب المرهوب. فأما حقيقة ما يجري لكل هذه الكائنات، فعلمها عند الله؛ وهي حقيقة أكبر من أن ندركها الآن بمشاعرنا وتصوراتنا المقيدة بمألوف حسِّنا وتفكيرنا.. وأكبر ما نعهده من الانقلابات هو أن ترجف بنا الأرض في زلزال مدمر، أو يتفجر من باطنها بركان جائح، أو أن ينقض على الأرض شهاب صغير، أو صاعقة.. وأشد ما عرفته البشرية من طغيان الماء كان هو الطوفان.. كما أن أشد ما رصدته من الأحداث الكونية كان هو انفجارات جزئية في الشمس على بعد مئات الملايين من الأميال.. وهذه كلها بالقياس إلى ذلك الانقلاب الشامل الهائل في يوم القيامة.. تسليات أطفال!!! فإذا لم يكن بد أن نعرف شيئاً عن حقيقة ما يجري للكائنات، فليس أمامنا إلا تقريبها في عبارات مما نألف في هذه الحياة! إن تكوير الشمس قد يعني برودتها. وانطفاء شعلتها، وانكماش ألسنتها الملتهبة التي تمتد من جوانبها كلها الآن إلى ألوف الأميال حولها في الفضاء. كما يتبدى هذا من المراصد في وقت الكسوف. واستحالتها من الغازية المنطلقة بتأثير الحرارة الشديدة التي تبلغ 12000 درجة، والتي تحول جميع المواد التي تتكون منها الشمس إلى غازات منطلقة ملتهبة.. استحالتها من هذه الحالة إلى حالة تجمد كقشرة الأرض، وتكور لا ألسنة له ولا امتداد! قد يكون هذا، وقد يكون غيره.. أما كيف يقع والعوامل التي تسبب وقوعه فعلم ذلك عند الله. وانكدار النجوم قد يكون معناه انتثارها من هذا النظام الذي يربطها، وانطفاء شعلتها وإظلام ضوئها.. والله أعلم ما هي النجوم التي يصيبها هذا الحادث. وهل هي طائفة من النجوم القريبة منا.. مجموعتنا الشمسية مثلاً. أو مجرتنا هذه التي تبلغ مئات الملايين من النجوم.. أم هي النجوم جميعها والتي لا يعلم عددها ومواضعها إلا الله. فوراء ما نرى منها بمراصدنا مجرات وفضاءات لها لا نعرف لها عدداً ولا نهاية. فهناك نجوم سيصيبها الانكدار كما يقرر هذا الخبر الصادق الذي لا يعلم حقيقته إلا الله.. وتسيير الجبال قد يكون معناه نسفها وبسها وتذريتها في الهواء، كما جاء في سورة أخرى: {أية : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً}.. {أية : وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً}.. {أية : وسيرت الجبال فكانت سراباً}.. تفسير : فكلها تشير إلى حدث كهذا يصيب الجبال، فيذهب بثباتها ورسوخها وتماسكها واستقرارها، وقد يكون مبدأ ذلك الزلزال الذي يصيب الأرض، والذي يقول عنه القرآن: {أية : إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها..} تفسير : وكلها أحداث تقع في ذلك اليوم الطويل.. أما قوله سبحانه: {وإذا العشار عطلت}.. فالعشار هي النوق الحبالى في شهرها العاشر. وهي أجود وأثمن ما يملكه العربي. وهي في حالتها هذه تكون أغلى ما تكون عنده، لأنها مرجوة الولد واللبن، قريبة النفع. ففي هذا اليوم الذي تقع فيه هذه الأهوال تهمل هذه العشار وتعطل فلا تصبح لها قيمة، ولا يهتم بشأنها أحد.. والعربي المخاطب ابتداء بهذه الآية لا يهمل هذه العشار ولا ينفض يده منها إلا في حالة يراها أشد ما يلم به! {وإذا الوحوش حشرت}.. فهذه الوحوش النافرة قد هالها الرعب والهول فحشرت وانزوت تتجمع من الهول وهي الشاردة في الشعاب؛ ونسيت مخاوفها بعضها من بعض، كما نسيت فرائسها، ومضت هائمة على وجوهها، لا تأوي إلى جحورها أو بيوتها كما هي عادتها، ولا تنطلق وراء فرائسها كما هو شأنها. فالهول والرعب لا يدعان لهذه الوحوش بقية من طباعها وخصائصها! فكيف بالناس في ذلك الهول العصيب؟! وأما تسجير البحار فقد يكون معناه ملؤها بالمياه. وإما أن تجيئها هذه المياه من فيضانات كالتي يقال إنها صاحبت مولد الأرض وبرودتها (التي تحدثنا عنها في سورة النازعات) وإما بالزلازل والبراكين التي تزيل الحواجز بين البحار فيتدفق بعضها في بعض.. وإما أن يكون معناه التهابها وانفجارها كما قال في موضع آخر: {أية : وإذا البحار فجرت}.. تفسير : فتفجير عناصرها وانفصال الأيدروجين عن الأكسوجين فيها. أو تفجير ذراتها على نحو ما يقع في تفجير الذرة، وهو أشد هولاً. أو على نحو آخر. وحين يقع هذا فإن نيراناً هائلة لا يتصور مداها تنطلق من البحار. فإن تفجير قدر محدود من الذرات في القنبلة الذرية أو الأيدروجينية يحدث هذا الهول الذي عرفته الدنيا؛ فإذا انفجرت ذرات البحار على هذا النحو أو نحو آخر، فإن الإدراك البشري يعجز عن تصور هذا الهول؛ وتصور جهنم الهائلة التي تنطلق من هذه البحار الواسعة! وتزويج النفوس يحتمل أن يكون هو جمع الأرواح بأجسادها بعد إعادة إنشائها. ويحتمل أن يكون ضم كل جماعة من الأرواح المتجانسة في مجموعة، كما قال في موضع آخر: {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة} تفسير : أي صنوفاً ثلاثة هم المقربون وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. أو في غير ذلك من التشكيلات المتجانسة! {وإذا الموءودة سئلت: بأي ذنب قتلت؟} وقد كان من هوان النفس الإنسانية في الجاهلية أن انتشرت عادة وأد البنات خوف العار أو خوف الفقر. وحكى القرآن عن هذه العادة ما يسجل هذه الشناعة على الجاهلية، التي جاء الإسلام ليرفع العرب من وهدتها، ويرفع البشرية كلها. فقال في موضع: {أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به. أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون!}.. تفسير : وقال في موضع: {أية : وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمـن مثلا (أي البنات) ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. أو من يُنَشّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين؟}.. تفسير : وقال في موضع ثالث: {أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم }.. تفسير : وكان الوأد يتم في صورة قاسية. إذ كانت البنت تدفن حية! وكانوا يفتنون في هذا بشتى الطرق. فمنهم من كان إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها! وقد حفر لها بئراً في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها. ثم يدفعها دفعاً ويهيل التراب عليها! وعند بعضهم كانت الوالدة إذا جاءها المخاض جلست فوق حفرة محفورة. فإذا كان المولود بنتاً رمت بها فيها وردمتها. وإن كان ابناً قامت به معها! وبعضهم كان إذا نوى ألا يئد الوليدة أمسكها مهينة إلى أن تقدر على الرعي، فيلبسها جبة من صوف أو شعر ويرسلها في البادية ترعى له إبله! فأما الذين لا يئدون البنات ولا يرسلونهن للرعي، فكانت لهم وسائل أخرى لإذاقتها الخسف والبخس.. كانت إذا تزوجت ومات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبه. ومعنى هذا أن يمنعها من الناس فلا يتزوجها أحد فإن أعجبته تزوجها، لا عبرة برغبتها هي ولا إرادتها! وإن لم تعجبه حبسها حتى تموت فيرثها. أو أن تفتدي نفسها منه بمال في هذه الحالة أو تلك.. وكان بعضهم يطلق المرأة ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد. إلا أن تفتدي نفسها منه بما كان أعطاها.. وكان بعضهم إذا مات الرجل حبسوا زوجته على الصبي فيهم حتى يكبر فيأخذها.. وكان الرجل تكون اليتيمة في حجره يلي أمرها، فيحبسها عن الزواج، رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها! أو يزوجها من ابنه الصغير طمعاً في مالها أو جمالها.. فهذه كانت نظرة الجاهلية إلى المرأة على كل حال. حتى جاء الإسلام. يشنع بهذه العادات ويقبحها. وينهى عن الوأد ويغلظ فعلته. ويجعلها موضوعاً من موضوعات الحساب يوم القيامة. يذكره في سياق هذا الهول الهائج المائج، كأنه حدث كوني من هذه الأحداث العظام. ويقول: إن الموءودة ستسأل عن وأدها.. فكيف بوائدها؟! وما كان يمكن أن تنبت كرامة المرأة من البيئة الجاهلية أبداً؛ لولا أن تتنزل بها شريعة الله ونهجه في كرامة البشرية كلها، وفي تكريم الإنسان: الذكر والأنثى؛ وفي رفعه إلى المكان اللائق بكائن يحمل نفخة من روح الله العلي الأعلى. فمن هذا المصدر انبثقت كرامة المرأة التي جاء بها الإسلام، لا من أي عامل من عوامل البيئة. وحين تحقق ميلاد الإنسان الجديد باستمداد القيم التي يتعامل بها من السماء لا من الأرض، تحققت للمرأة الكرامة، فلم يعد لضعفها وتكاليف حياتها المادية على أهلها وزن في تقويمها وتقديرها. لأن هذه ليست من قيم السماء ولا وزن لها في ميزانها. إنما الوزن للروح الإنساني الكريم المتصل بالله. وفي هذا يتساوى الذكر والأنثى. وحين تعد الدلائل على أن هذا الدين من عند الله، وأن الذي جاء به رسول أوحي إليه.. تعد هذه النقلة في مكانة المرأة إحدى هذه الدلائل التي لا تخطئ. حيث لم تكن توجد في البيئة أمارة واحدة ينتظر أن تنتهي بالمرأة إلى هذه الكرامة؛ ولا دافع واحد من دوافع البيئة وأحوالها الاقتصادية بصفة خاصة لولا أن نزل النهج الإلهي ليصنع هذا ابتداء بدافع غير دوافع الأرض كلها، وغير دوافع البيئة الجاهلية بصفة خاصة. فأنشأ وضع المرأة الجديد إنشاء، يتعلق بقيمة سماوية محضة وبميزان سماوي محض كذلك! {وإذا الصحف نشرت} صحف الأعمال. ونشرها يفيد كشفها ومعرفتها، فلا تعود خافية ولا غامضة. وهذه العلنية أشد على النفوس وأنكى. فكم من سوأة مستورة يخجل صاحبها ذاته من ذكراها، ويرجف ويذوب من كشفها! ثم إذا هي جميعها في ذلك اليوم منشورة مشهودة! إن هذا النشر والكشف لون من ألوان الهول في ذلك اليوم؛ كما أنه سمة من سمات الانقلاب حيث يكشف المخبوء، ويظهر المستور، ويفتضح المكنون في الصدور. وهذا التكشف في خفايا الصدور يقابله في الكون مشهد مثله: {وإذا السماء كشطت}.. وأول ما يتبادر إلى الذهن من كلمة السماء هو هذا الغطاء المرفوع فوق الرؤوس. وكشطها إزالتها.. فأما كيف يقع هذا وكيف يكون فلا سبيل إلى الجزم بشيء. ولكنا نتصور أن ينظر الإنسان فلا يرى هذه القبة فوقه نتيجة لأي سبب يغير هذه الأوضاع الكونية، التي توجد بها هذه الظاهرة. وهذا يكفي.. ثم تجيء الخطوة الأخيرة في مشاهد ذلك اليوم الهائل المرهوب: {وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت}.. حيث تتوقد الجحيم وتتسعر، ويزداد لهيبها ووهجها وحرارتها.. أما أين هي؟ وكيف تتسعر وتتوقد؟ وبأي شيء تتوقد؟ فليس لدينا من ذلك إلا قوله تعالى: {وقودها الناس والحجارة}. وذلك بعد إلقاء أهلها فيها. أما قبل ذلك فالله أعلم بها وبوقودها! وحيث تقرب الجنة وتظهر لروادها الموعودين بها، وتبدو لهم سهولة مدخلها، ويسر ولوجها. فهي مزلفة مقربة مهيأة. واللفظ كأنما يزحلقها أو يزحلق الأقدام بيسر إليها!! عندما تقع هذه الأحداث الهائلة كلها، في كيان الكون، وفي أحوال الأحياء والأشياء. عندئذ لا يبقى لدى النفوس شك في حقيقة ما عملت، وما تزودت به لهذا اليوم، وما حملت معها للعرض، وما أحضرت للحساب: {علمت نفس ما أحضرت}.. كل نفس تعلم، في هذا اليوم الهائل ما معها وما لها وما عليها.. تعلم وهذا الهول يحيط بها ويغمرها.. تعلم وهي لا تملك أن تغير شيئاً مما أحضرت، ولا أن تزيد عليه ولا أن تنقص منه.. تعلم وقد انفصلت عن كل ما هو مألوف لها، معهود في حياتها أو تصورها. وقد انقطعت عن عالمها وانقطع عنها عالمها. وقد تغير كل شيء وتبدل كل شيء، ولم يبق إلا وجه الله الكريم، الذي لا يتحول ولا يتبدل.. فما أولى أن تتجه النفوس إلى وجه الله الكريم، فتجده ـ سبحانه ـ عندما يتحول الكون كله ويتبدل! وبهذا الإيقاع ينتهي المقطع الأول وقد امتلأ الحس وفاض بمشاهد اليوم الذي يتم فيه هذا الانقلاب. ثم يجيء المقطع الثاني في السورة يبدأ بالتلويح بالقسم بمشاهد كونية جميلة، تختار لها تعبيرات أنيقة.. القسم على طبيعة الوحي، وصفة الرسول الذي يحمله، والرسول الذي يتلقاه، وموقف الناس حياله وفق مشيئة الله: { فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس. إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين، وما هو على الغيب بضنين. وما هو بقول شيطان رجيم. فأين تذهبون؟ إن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شآء منكم أن يستقيم. وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين}.. والخنس الجوار الكنس.. هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية وتجري وتختفي. والتعبير يخلع عليها حياة رشيقة كحياة الظباء. وهي تجري وتختبئ في كناسها وترجع من ناحية أخرى. فهناك حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب، وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حركتها. في اختفائها وفي ظهورها. في تواريها وفي سفورها. في جريها وفي عودتها. يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه. {والليل إذا عسعس}.. أي إذا أظلم. ولكن اللفظ فيه تلك الإيحاءات كذلك. فلفظ عسعس مؤلف من مقطعين: عس. عس. وهو يوحي بجرسه بحياة في هذا الليل، وهو يعس في الظلام بيده أو برجله لا يرى! وهو إيحاء عجيب واختيار للتعبير رائع. ومثله: {والصبح إذا تنفس}.. بل هو أظهر حيوية، وأشد إيحاء. والصبح حي يتنفس. أنفاسه النور والحياة والحركة التي تدب في كل حي، وأكاد أجزم أن اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيراً لهذا التعبير عن الصبح. ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس! ثم يجيء هذا التعبير فيصور هذه الحقيقة التي يشعر بها القلب المتفتح. وكل متذوق لجمال التعبير والتصوير يدرك أن قوله تعالى: {فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس..} ثروة شعورية وتعبيرية. فوق ما يشير إليه من حقائق كونية. ثروة جميلة بديعة رشيقة؛ تضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر، وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحس الشاعر. يلوح بهذه المشاهد الكونية التي يخلع عليها الحياة؛ ويصل روح الإنسان بأرواحها من خلال التعبير الحي الجميل عنها؛ لتسكب في روح الإنسان أسرارها، وتشي له بالقدرة التي وراءها، وتحدثها بصدق الحقيقة الإيمانية التي تدعى إليها.. ثم يذكر هذه الحقيقة في أنسب الحالات لذكرها واستقبالها: {إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين}.. إن هذا القرآن، وهذا الوصف لليوم الآخر.. لقول رسول كريم.. وهو جبريل الذي حمل هذا القول وأبلغه.. فصار قوله باعتبار تبليغه. ويذكر صفة هذا الرسول، الذي اختير لحمل هذا القول وإبلاغه.. {كريم} عند ربه. فربه هو الذي يقول.. {ذي قوة}.. مما يوحي بأن هذا القول يحتاج في حمله إلى قوة. {عند ذي العرش مكين}.. في مقامه ومكانته.. وعند من؟ عند ذي العرش العلي الأعلى. {مطاع ثم} هناك في الملأ الأعلى. {أمين}.. على ما يحمل وما يبلغ.. وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته وسموه كذلك وارتفاعه. كما توحي بعناية الله سبحانه بالإنسان، حتى ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة ليحمل الرسالة إليه، ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه.. وهي عناية تخجل هذا الكائن، الذي لا يساوي في ملك الله شيئاً، لولا أن الله ـ سبحانه ـ يتفضل عليه فيكرمه هذه الكرامة! فهذه صفة الرسول الذي حمل القول وأداه، فأما الرسول الذي حمله إليكم فهو {صاحبكم}.. عرفتموه حق المعرفة عمراً طويلاً. فما لكم حين جاءكم بالحق تقولون فيه ما تقولون. وتذهبون في أمره المذاهب، وهو {صاحبكم} الذي لا تجهلون. وهو الأمين على الغيب الذي يحدثكم عنه عن يقين: {وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بضنين. وما هو بقول شيطان رجيم. فأين تذهبون؟ إن هو إلا ذكر للعالمين}.. ولقد قالوا عن النبي الكريم الذي يعرفونه حق المعرفة، ويعرفون رجاحة عقله، وصدقه وأمانته وتثبته، قالوا عنه: إنه مجنون. وإن شيطاناً يتنزل عليه بما يقول. قال بعضهم هذا كيدا له ولدعوته كما وردت بذلك الأخبار. وقاله بعضهم عجباً ودهشة من هذا القول الذي لا يقوله البشر فيما يألفون ويعهدون. وتمشياً مع ظنهم أن لكل شاعر شيطاناً يأتيه بالقول الفريد. وأن لكل كاهن شيطاناً يأتيه بالغيب البعيد. وأن الشيطان يمس بعض الناس فينطق على لسانهم بالقول الغريب! وتركوا التعليل الوحيد الصادق، وهو أنه وحي وتنزيل من رب العالمين. فجاء القرآن يحدثهم في هذا المقطع من السورة عن جمال الكون البديع، وحيوية مشاهده الجميلة. ليوحي إلى قلوبهم بأن القرآن صادر عن تلك القدرة المبدعة، التي أنشأت ذلك الجمال. على غير مثال. وليحدثهم بصفة الرسول الذي حمله، والرسول الذي بلغه. وهو صاحبهم الذي عرفوه. غير مجنون. والذي رأى الرسول الكريم ـ جبريل ـ حق الرؤية، بالأفق المبين الواضح الذي تتم فيه الرؤية عن يقين. وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمؤتمن على الغيب، لا تظن به الظنون في خبره الذي يرويه عنه، فما عرفوا عنه إلا الصدق واليقين. {وما هو بقول شيطان رجيم} فالشياطين لا توحي بهذا النهج القويم. ويسألهم مستنكراً: {فأين تذهبون؟}.. أين تذهبون في حكمكم وقولكم؟ أو أين تذهبون منصرفين عن الحق وهو يواجهكم أينما ذهبتم! {إن هو إلا ذكر للعالمين} ذكر يذكرهم بحقيقة وجودهم، وحقيقة نشأتهم، وحقيقة الكون من حولهم.. {للعالمين}.. فهو دعوة عالمية من أول مرحلة. والدعوة في مكة محاصرة مطاردة. كما تشهد مثل هذه النصوص المكية.. وأمام هذا البيان الموحي الدقيق يذكرهم أن طريق الهداية ميسر لمن يريد. وأنهم إذن مسؤولون عن أنفسهم، وقد منحهم الله هذا التيسير: {لمن شاء منكم أن يستقيم}.. أن يستقيم على هدى الله، في الطريق إليه، بعد هذا البيان، الذي يكشف كل شبهة، وينفي كل ريبة، ويسقط كل عذر. ويوحي إلى القلب السليم بالطريق المستقيم. فمن لم يستقم فهو مسؤول عن انحرافه. فقد كان أمامه أن يستقيم. والواقع أن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق من القوة والعمق والثقل بحيث يصعب على القلب التفلت من ضغطها إلا بجهد متعمد. وبخاصة حين يسمع التوجيه إليها بأسلوب القرآن الموحي الموقظ. وما ينحرف عن طريق الله ـ بعد ذلك ـ إلا من يريد أن ينحرف. في غير عذر ولا مبرر! فإذا سجل عليهم إمكان الهدى، ويسر الاستقامة، عاد لتقرير الحقيقة الكبرى وراء مشيئتهم. حقيقة أن المشيئة الفاعلة من وراء كل شيء هي مشيئة الله سبحانه.. {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}.. وذلك كي لا يفهموا أن مشيئتهم منفصلة عن المشيئة الكبرى، التي يرجع إليها كل أمر. فإعطاؤهم حرية الاختيار، ويسر الاهتداء، إنما يرجع إلى تلك المشيئة. المحيطة بكل شيء كان أو يكون! وهذه النصوص التي يعقب بها القرآن الكريم عند ذكر مشيئة الخلائق، يراد بها تصحيح التصور الإيماني وشموله للحقيقة الكبيرة: حقيقة أن كل شيء في هذا الوجود مرده إلى مشيئة الله. وأن ما يأذن به للناس من قدرة على الاختيار هو طرف من مشيئته ككل تقدير آخر وتدبير. شأنه شأن ما يأذن به للملائكة من الطاعة المطلقة لما يؤمرون، والقدرة الكاملة على أداء ما يؤمرون. فهو طرف من مشيئته كإعطاء الناس القدرة على اختيار أحد الطريقين بعد التعليم والبيان. ولا بد من إقرار هذه الحقيقة في تصور المؤمنين، ليدركوا ما هو الحق لذاته. وليلتجئوا إلى المشيئة الكبرى يطلبون عندها العون والتوفيق، ويرتبطون بها في كل ما يأخذون وما يدعون في الطريق!

ابن عاشور

تفسير : الافتتاح بــــ {إذا} افتتاح مشوِّق لأن {إذا} ظرف يستدعي متعلَّقاً، ولأنه أيضاً شرط يؤذن بذكر جَواب بعده، فإذا سمعه السامع ترقب ما سيأتي بعده فعند ما يسمعه يتمكن من نفسه كمال تمكّن، وخاصة بالإطناب بتكرير كلمة {إذا}. وتعدّدِ الجمل التي أضيف إليها اثنتيْ عشرة مرة، فإعادة كلمة {إذا} بعد واو العطف في هذه الجمل المتعاطفة إطناب، وهذا الإِطناب اقتضاهُ قصد التهويل، والتهويل من مقتضيات الإِطناب والتكرير، كما في قصيدَة الحارث بن عَبَّاد البَكري: شعر : قرّبا مَربط النعامة مني الخ تفسير : وفي إعادة {إذا} إشارة إلى أن مضمون كل جملة من هذه الجمل الثنتي عشرة مستقل بحصول مضمون جملة الجواب عند حصوله بقطع النظر عن تفاوت زمان حصول الشروط فإن زمن سؤال الموءودة ونشر الصحف أقرب لعلم النفوس بما أحضرت أقرب من زمان تكوير الشمس وما عطف عليه مما يحصل قبل البعث. وقد ذكر في هذه الآيات اثنا عشر حدثاً فستة منها تحصل في آخر الحياة الدنيوية، وستة منها تحصل في الآخرة. وكانت الجمل التي جعلت شروطاً لـــ {إذا} في هذه الآية مفتتحة بالمسند إليه المخبَر عنه بمسندٍ فعْلِيَ دون كونها جملاً فعلية ودون تقدير أفعال محذوفة تفسرها الأفعال المذكورة وذلك يؤيد قول نحاة الكوفة بجواز وقوع شرط {إذا} جملة غيرَ فعلية وهو الراجع لأن {إذا} غير عريقة في الشرط. وهذا الأسلوب لقصد الاهتمام بذكر ما أسندت إليه الأفعال التي يغلب أن تكون شروطاً لـــ {إذا} لأن الابتداء بها أدخل في التهويل والتشويق وليفيد ذلك التقديمُ على المسند الفعلي تَقَوِّيَ الحكم وتأكيده في جميع تلك الجمل رداً على إنكار منكريه فلذلك قيل: {إذا الشمس كورت} ولم يقل: إذا كورت الشمس، وهكذا نظائره. وجواب الشروط الاثني عشر هو قوله: {عَلِمَت نفس ما أحضرت} وتتعلق به الظروف المشْرَبة معنى الشرط. وصيغة الماضي في الجمل الثِنْتَي عشرة الواردة شروطاً لـــ {إذا} مستعملةٌ في معنى الاستقبال تنبيهاً على تحقق وقوع الشرط. وتكوير الشمس: فساد جِرمها لتداخل ظاهرها في باطنها بحيث يختل تركيبها فيختل لاختلاله نظام سيرها، من قولهم: كَوَّر العمامة، إذا أدخل بعضها في بعض ولفّها، وقريب من هذا الإطلاق إطلاق الطيّ في قوله تعالى: { أية : يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب } تفسير : [الأنبياء: 104]. وفسر {كورت} بمعنى غورت. رواهُ الطبري عن ابن جبير وقال: هي كلمة معربة عن الفارسية وأن أصلها بالفارسية كُور بِكْر (بضم الكاف الأولى وسكون الراء الأخيرة) وعلى ذلك عُدّت هذه الكلمة مما وقع في القرآن من المعرّب. وقد عدها ابن السبكي في نظمه الكلمات المعربة في القرآن. وإذا زال ضوء الشمس انكدرت النجوم لأن معظمها يستنير من انعكاس نور الشمس عليها. والانكدار: مطاوع كَدَّره المضاعف على غير قياس، أي حصل للنجوم انكدار من تكدير الشمس لها حين زال عنها انعكاس نورها، فلذلك ذكر مطاوع كدر دون ذكر فاعل التكدير. والكُدرة: ضد الصفاء كتغير لون الماء ونحوه. وفسر الانكدار بالتساقط والانقضاض، وأنشدوا قول العجاج يصف بازياً: شعر : أبصَر خِرْبَانَ فَضَاءً فانكدر تفسير : ومعنى تساقطها تساقط بعضها على بعض واصطدامها بسبب اختلال نظام الجاذبية الذي جعله الله لإمساكها إلى أمد معلوم. وتسيير الجبال انتقالها من أماكنها بارتجاج الأرض وزلزالها. وتقدم في سورة النبأ. و{العِشار} جمع عُشراء وهي الناقة الحامل إذا بلغت عشرة أشهر لحملها فقاربت أن تضع حملها لأن النوق تحمل عاماً كاملاً، و{العشار} أنفس مكاسب العرب ومعنى {عطلت} تركت لا ينتفع بها. والكلام كناية عن ترك الناس أعمالهم لشدة الهول. وعلى هذا الوجه يكون ذلك من أشراط الساعة في الأرض فيناسب {وإذا الوحوش حشرت}. ويجوز أن تكون {العشار} مستعارة للأسحبة المحملة بالمطر، شبهت بالناقة العُشراء. وهذا غير بعيد من الاستعمال، فهم يطلقون مثل هذه الاستعارة للسحاب، كما أطلقوا على السحابة اسم بكر في قول عنترة: شعر : جَادت عليه كلُّ بِكر حُرَّةٍ فتركن كُل قَرارة كالدرهم تفسير : فأطلق على السحابة الكثيرة الماء اسم البكرِ الحرة، أي الأصيلة من النوق وهي في حملها الأول. ومعنى تعطيل الأسحبة أن يَعْرض لها ما يحبس مطرها عن النزول، أو معناه أن الأسحبة الثقال لا تتجمع ولا تحمل ماء، فمعنى تعطيلها تكونها، فيتوالى القحط على الأرض فيهلك الناس والأنعام. وعلى هذا الوجه فذلك من أشراط الساعة العلوية فيناسب تكوير الشمس وانكدار النجوم. و{الوحوش}: جمع وَحش وهو الحيوان البري غير المتأنس بالناس. وحَشرها: جمعها في مكان واحد، أي مكان من الأرض عند اقتراب فناء العالم فقد يكون سبب حشرها طوفاناً يغمر الأرض من فيضان البحار فكلما غمر جزءاً من الأرض فرت وحوشه حتى تجتمع في مكان واحد طالبة النجاة من الهلاك، ويُشعر بهذا عطف {وإذا البحار سُجرت} عليه. وذكر هذا بالنسبة إلى الوحوش إيماء إلى شدة الهول فالوحوش التي من طبعها نفرة بعضها عن بعض تتجمع في مكان واحد لا يعدو شيءٌ منها على الآخر من شدة الرعب، فهي ذاهلة عما في طبعها من الاعتداء والافتراس، وليس هذا الحشرَ الذي يُحشَر الناس به للحساب بل هذا حشر في الدنيا وهو المناسب لما عدّ معه من الأشراط، وروي معناه عن أبي بن كعب. وتسجير البحار: فيضانها قال تعالى: { أية : والبحر المسجور } تفسير : في سورة الطور (6). والمراد تجاوز مياهها معدل سطوحها واختلاط بعضها ببعض وذلك من آثار اختلال قوة كرة الهواء التي كانت ضاغطة عليها، وقد وقع في آية سورة الانفطار (3): { أية : وإذا البحار فجرت } تفسير : وإذا حدث ذلك اختلط ماؤها برملها فتغير لونه. يقال: سَجّر مضاعفاً وسَجَر مخففاً. وَقُرِىء بهما فقرأه الجمهور مشدداً. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب مخففاً. وقوله تعالى: {وإذا النفوس زُوجت} شروع في ذكر الأحوال الحاصلة في الآخرة يوم القيامة وقد انتقل إلى ذكرها لأنها تحصل عقب الستة التي قبلها وابتدىء بأولها وهو تزويج النفوس، والتزويج: جعل الشيء زوجاً لغيره بعد أن كان كلاهما فرداً، والتزويج أيضاً: جعل الأشياء أنواعاً متماثلة قال تعالى: { أية : ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } تفسير : [الرعد: 3] لأن الزوج يطلق على النوع والصنف من الأشياء والنفوس: جمع نفس، والنفس يطلق على الروح، قال تعالى: { أية : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك } تفسير : [الفجر: 27، 28] وقال: { أية : أخرجوا أنفسكم } تفسير : [الأنعام: 93]. وتطلق النفس على ذات الإنسان قال تعالى: { أية : ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق } تفسير : [الأنعام: 151] وقال: { أية : هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم } تفسير : [الجمعة: 2] وقال: { أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } تفسير : [النور: 61] أي فليسلم الداخل على أمثاله من الناس. فيجوز أن يكون معنى النفوس هنا الأرواح، أي تزوج الأرواح بالأجساد المخصصة لها فيصير الروح زَوجاً مع الجسد بعد أن كان فرداً لا جسم له في برزخ الأرواح، وكانت الأجساد بدون أرواح حين يعاد خلقها، أي وإذا أعطيت الأرواح للأجساد. وهذا هو البعث وهوالمعنى المتبادر أولاً، وروي عن عكرمة. ويجوز أن يكون المعنى وإذا الأشخاص نُوعت وصنفت فجعلت أصنافاً: المؤمنون، والصالحون، والكفار، والفجار، قال تعالى: { أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون } تفسير : [الواقعة: 7 ــــ 10] الآية. ولعل قصد إفادة هذا التركيب لهاذين المعنيين هو مقتضِيَ العدول عن ذكر ما زُوجت النفوس به. وأول منازل البعث اقتران الأرواح بأجسادها، ثم تقسيم الناس إلى مراتبهم للحشر، كما قال تعالى: { أية : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } تفسير : [الزمر: 68] ثم قال: { أية : وسِيقَ الذين كفروا إلى جهنم زمراً } تفسير : [الزمر: 71] ثم قال: { أية : وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً } تفسير : [الزمر: 73] الآية. وقد ذكروا معاني أخرى لتزويج النفوس في هذه الآية غير مناسبة للسياق. وبمناسبة ذكر تزويج النفوس بالأجساد خص سؤال الموءودة بالذكر دون غيره مما يُسأل عنه المجرمون يوم الحساب. ذلك لأن إعادة الأرواح إلى الأجساد كان بعد مفارقتها بالموت، والموت إما بعارض جسدي من انحلال أو مرض وإما باعتداء عدواني من قتل أو قتال، وكان من أفظع الاعتداء على إزهاق الأرواح من أجسادها اعتداء الآباء على نفوس أطفالهم بالوأد، فإن الله جعل في الفطرة حرص الآباء على استحياء أبنائهم وجعل الأبوين سبب إيجاد الأبناء،فالوأْد أفظع أعمال أهل الشرك وسؤال الموءودة سؤال تعريضي مراد منه تهديد وائدها وَرُعْبِهِ بالعذاب. وظاهر الآية أن سؤال الموءودة وعقوبة من وأدها أول ما يُقْضَى فيه يوم القيامة كما يقتضي ذلك جعلُ هذا السؤال وقتاً تعلم عنده كل نفس ما أحضرت فهو من أول ما يعلم به حين الجزاء. والوأْدُ: دفن الطفلة وهي حيّة: قيل هو مقلوب آداه، إذا أثقله لأنه إثقال الدفينة بالتراب. قال في «الكشاف»: «كانَ الرجل إذا وُلدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر تَرعَى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية يقول لأمها طيّبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها ثم يدفَعُها من خَلْفها ويُهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض. وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة وإن ولدت ابناً حبسته ا هــــ. وكانوا يفعلون ذلك خشية من إغارة العدوّ عليهم فيسبي نساءهم ولخشية الإِملاق في سني الجدب لأن الذكر يحتال للكسب بالغارة وغيرها والأنثى عالة على أهْلها، قال تعالى: { أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } تفسير : [الإسراء: 31] وقال: { أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون } تفسير : [النحل: 58، 59]. وإذ قد فشا فيهم كراهية ولادة الأنثى فقد نما في نفوسهم بغضها فتحركت فيها الخواطر الإِجرامية فالرجل يكره أن تولد له أنثى لذلك، وامرأته تكره أن تولد لها أنثى خشية من فراق زوجها إياها وقد يهجر الرجل امرأته إذا ولدت أنثى. وقد توارثت هذا الجهل أكثر الأمم على تفاوت بينهم فيه، ومن كلام بعضهم وقد ماتت ابنته: «نِعم الصهْر القَبر». ومن آثار هذا الشعور حرمان البنات من أموال آبائهن بأنواع من الحيل مثل وقف أمْوالهم على الذكور دون الإِناث وقد قال مالك: إن ذلك من سنة الجاهلية، ورأى ذلك الحُبس باطلاً، وكان كثير من أقرباء الميت يلجئون بناته إلى إسقاط حقهن في ميراث أيهن لأخوتهن في فور الأسف على موت أبيهن فلا يمتنعن من ذلك ويرين الامتناع من ذلك عاراً عليهن فإن لم يفعلن قطَعَهن أقرباؤهن. وتعرف هذه المسألة في الفقه بهبة بنات القبائل. وبعضهم يعدها من الإِكراه. ولم يكن الوأد معمولاً به عند جميع القبائل، قيل: أول من وأد البنات من القبائل ربيعةُ، وكانت كندة تئد البنات، وكان بنو تميم يفعلون ذلك، ووأدَ قيسٌ بن عاصم المِنْقَري من بني تميم ثمان بنات له قبل إسلامه. ولم يكن الوأد في قريش البتةَ. وكان صعصعة بن ناجية جد الفرزدق من بني تميم يفتدي من يعلم أنه يريد وأد ابنته من قومه بناقتين عُشَرَاوين وجَمَل، فقيل: إنه افتدى ثلاثمائة وستين موءودة، وقيل: وسبعين وفي «الأغاني»: وقيل: أربعمائة. وفي «تفسير القرطبي»: فجاء الإِسلام وقد أحيا سبعين موءودة ومثل هذا في «كتاب الشعراء» لابن قتيبة وبين العددين بون بعيد فلعل في أحدهما تحريفاً. وفي توجيه السؤال إلى الموءودة: {بأي ذنب قتلت} في ذلك الحشر إدخال الروع على من وأدها، وجعل سؤالها عن تعيين ذنب أوجَب قتلها للتعريض بالتوبيخ والتخطئة للذي وأدها وليكون جوابُها شهادة على من وأدها فيكون استحقاقه العقاب أشد وأظهر. وجملة: {بأي ذنب قتلت} بيان لجملة {سئلت}. و(أي) اسم استفهام يطلب به تميز شيء من بين أشياء تشترك معه في حال. والاستفهام في {بأي ذنب} تقريري، وإنما سئلت عن تعيين الذنب الموجب قتلها دون أن تُسأل عن قاتلها لزيادة التهديد لأن السؤال عن تعيين الذنب مع تحقق الوائد الذي يسمع ذلك السؤال أن لا ذنب لها إشعار للوائد بأنه غير معذور فيما صنع بها. وينتزع من قوله تعالى: {سئلت بأي ذنب قتلت} الواردِ في سياق نفي ذنب عن الموءودة يوجب قتلها استدلالٌ على أنّ من ماتوا من أطفال المشركين لا يعتبرون مشركين مثل آبائهم، وأول من رأيته تعرض لهذا الاستدلال الزمخشري في «الكشاف». وذكر أن ابن عباس استدل على هذا المعنى قال في «الكشاف»: «وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذَّبون وإذأ بكَّتَ الله الكافر ببراءة الموءودة من الذنب فما أقبح به وهو الذي لا يَظلِم مثقال ذرة أن يكر على هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فِعل المبكّت من العذاب السرمدي. وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فاحتج بهذه الآية ا هــــ. فأشار إلى ثلاثة أدلة: أحدها: دلالة الإِشارة، أي لأن قوله تعالى: {بأي ذنب قتلت} يشير إلى أنها لا ذنب لها، وهذا استدلال ضعيف لأن الذنب المنفي وجودُه بطريقة الاستفهام المشوب بإنكار إنما هو الذنب الذي يخول لأبيها وأدها لا إثباتَ حرمتها وعصمة دمها فتلك قضية أخرى على تفصيل فيها. الثاني: قاعدة إحالة فعل القبيح على الله تعالى على قاعدة التحسين، والتقبيح عند المعتزلة وإحالتهم الظلم على الله إذا عذب أحداً بدون فعله، وهو أصل مختلف فيه بين الأشاعرة والمعتزلة. فعندنا أنَّ تصرف الله في عبيده لا يوصف بالظلم خلافاً لهم على أن هذا الدليل مبنيٌّ على أساس الدليل الأول وقد علمت أنه غير سالم من النقض. الثالث: ما نسبه إلى ابن عباس وهو يشير إلى ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده إلى عكرمة أنه قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد كذَّب بقول الله تعالى: {وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت}. وقد أجيب عن القول المروي عن ابن عباس بأنه لم يبلغ مبلغ الصحّة. وهذه مسألة من أصول الدين لا يكتفى فيها إلا بالدليل القاطع. واعلم أن الأحاديث الصحيحة في حكم أطفال المشركين متعارضة، فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة وابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد أو ذراري المشركين. فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» تفسير : ، وهذا الجواب يحتمل الوقف عن الجواب، أي الله أعلم بحالهم كقول موسى عليه السلام: { أية : علمُها عند ربي في كتاب } تفسير : [طه: 52] جواباً لقول فرعون: { أية : فما بال القرون الأولى } تفسير : [طه: 51]. ويحتمل أن المعنى الله أعلم بحال كل واحد منهم لو كبر مَاذا يكون عاملاً من كفر أو إيمان، أي فيعامله بما علم من حاله. وأخرج البخاري ومسلم (ببعض اختلاف في اللفظ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : كل مولود يولد على الفِطرة فأبواه يُهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه » تفسير : الحديث. زاد في رواية مسلم: ثُم يقول (أي أبو هريرة) اقرأوا: { أية : فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللَّه ذلك الدين القيم } تفسير : [الروم: 30] فيقتضي أنهم يولدون على فطرة الإسلام حتى يدخل عليه من أبويه أو قريبه أو قرينه ما يُغيره عن ذلك وهذا أظهر ما يستدل به في هذه المسألة. وقال المازري في «المعلم»: فاضطرب العلماء فيهم. والأحاديث وردت ظواهرها مختلفة واختلاف هذه الظواهر سَبب اضطراب العلماء في ذلك والقطع ههنا يبعُد ا هــــ. وقول أبي هريرة: واقرأوا: {فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها} الخ مصباح ينير وجه الجمع بين هذه الأخبار: وقد ورد في حديث الرؤيا عن سمرة بن جندب ما هو صريح في ذلك إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : وأما الرجل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الوِلْدَانُ الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة» .قال سمرة فقال بعض المسلمين: يا رسول الله «وأولادُ المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولادُ المشركين»تفسير : . واختلفت أقوال العلماء في أولاد المشركين فقال ابن المبارك وحمّاد بن سلمة وحمّاد بن زيد وإسحاق ابن راهويه والشافعي هُم في مشيئة الله. والصحيح الذي عليه المحققون والجمهور أنهم في الجنة وهو ظاهر قول أبي هريرة. وذهب الأزارقة إلى أن أولاد المشركين تبع لآبائهم، وقال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن عن حديث: « حديث : كل مولود يولد على الفطرة » تفسير : فقال: كان ذلك أول الإِسلام قبل أن تنزل الفرائض وقبل أن يفرض الجهاد. قال أبو عبيد: كأنه يعني أنه لو ولد على الفطرة لم يَرِثاه لأنه مسلم وهما كافران فلما فرضت الفرائض على خلاف ذلك جاز أن يسمى كافراً وعلم أنه يولد على دينهما. وهنالك أقوال أخرى كثيرة غير معزوة إلى معيّن ولا مستندة لأثر صحيح. وذكر المازري: أن أطفال الأنبياء في الجنة بإجماع وأن جمهور العلماء على أن أطفال بقية المؤمنين في الجنة وبعض العلماء وقف فيهم، وقال النووي: أجمع من يُعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة. وقرأ الجمهور: «قُتلت» بتخفيف المثناة الأولى، وقرأه أبو جعفر بتشديدها وهي تفيد معنى أنه قَتْل شديد فظيع. ونشر الصحف حقيقته: فتح طيّات الصحيفة، أو إطلاق التفافها لتقرأ كتابتها، وتقدم في قوله: { أية : أن يؤتَى صُحفاً مُنَشَّرة } تفسير : في سورة المدثر (52)، وعند قوله: { أية : كتاباً يلقاه منشوراً } تفسير : في سورة الإسراء (13). والمراد: صحف الأعمال، وهي إما صحف حقيقية مخالفة للصحف المألوفة، وإما مجازية أطلقت على أشياء فيها إحصاءُ أعمال الناس، وقد تقدم غير مرة. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: {نُشِرت} بتخفيف الشين. وقرأه الجمهور بتشديد الشين للتكثير لكثرة الصحف المنشورة. والكشط: إزالة الإهاب عن الحيوان الميّت وهو أعم من السلخ لأن السلخ لا يقال إلا في إزالة إهاب البقر والغنم دون إزالة إهاب الإِبل فإنه كشط ولا يقال: سلخ، والظاهر أن المراد إزالة تقع في يوم القيامة لأنها ذكرت في أثناء أحداث يوم القيامة بعد قوله: {وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤدة سئلت} وقوله: {وإذا الصحف نشرت}. فالظاهر أن السماء تبقَى منشقة منفطرة تعرج الملائكة بينهما وبين أرض المحشر حتى يتم الحساب فإذا قضي الحساب أزيلت السماء من مكانها فالسماء مكشوطة والمكشوط عنه هو عالم الخلود، ويكون {كشطت} إستعارة للإِزالة. ويجوز أن يكون هذا من الأحداث التي جُعلت أشراطاً للساعة وأُخر ذكره لمناسبة ذكر نشر الصحف لأن الصحف تنشرها الملائكة وهم من أهل السماء فيكون هذا الكشط من قبيل الانشقاق في قوله تعالى: { أية : إذا السماء انشقت } تفسير : [الانشقاق: 1] والانفطار في قوله تعالى: { أية : إذا السماء انفطرت } تفسير : [الانفطار: 1] إلى قوله: { أية : علمت نفس ما قدمت وأخرت} تفسير : [الانفطار: 5] فيكون الكشط لبعض أجزاء السماء والمكشوط عنه بعض آخر، فيكون من قبيل قوله تعالى: { أية : لا تُفَتَّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } تفسير : [الأعراف: 40] ومن قبيل الطي في قوله تعالى: { أية : يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول خلق نعيده } تفسير : [الأنبياء: 104] لأن ظاهره اتصالُ طيّ السماء بإعادة الخلق، وتصير الأشراط التي تحصل قبل البعث سبعة والأحداث التي تقع بعد البعث خمسة. والجحيم أصله: النار ذات الطبقات من الوَقود من حَطب ونحوه بعضها فوق بعض، وصار علَماً بالغلبة على جهنم دار العذاب في الآخرة في اصطلاح القرآن، وتسعيرها أو إسعارها: إيقادها، أي هُيّئت لعذاب من حقّ عليهم العذاب. وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ورويس عن يعقوب: {سُعّرت} بتشديد العين مبالغة في الإِسعار. وقرأه الباقون بالتخفيف. وقوبلت بالجنة دار النعيم واسم الجنة علم بالغلبة على دار النعيم، و{أزلفت} قربت، والزلفى: القرب، أي قربت الجنة من أهلها، أي جعلت بقرب من محشرهم بحيث لا تَعَب عليهم في الوصول إليها وذلك كرامة لهم. واعلم أن تقديم المسند إليه في الجمل الثِنْتي عشرة المفتتحات بكلمة {إذا} من قوله: {إذا الشمس كورت} إلى هنا، والإِخْبار عنه بالمسند الفعلي مع إمكان أن يقال: إذا كورت الشمس وإذا انكدرت النجوم، وهكذا كما قال: { أية : فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان } تفسير : [الرحمٰن: 37] أن ذلك التقديم لإفادة الاهتمام بتلك الأخبار المجعولة علامات ليوم البعث توسلاً بالاهتمام بأشراطه إلى الاهتمام به وتحقيق وقوعه. وإن إطالة ذكر تلك الجمل تشويق للجواب الواقع بعدها بقوله: {علمت نفس ما أحضرت}. وجملة: {عَلمت نفس ما أحضرت} يتنازع التعلق به كلمات {إذا} المتكررة. وعن عمر بن الخطاب: «أنه قرأ أول هذه السورة فلما بلغ {علمت نفس ما أحضرت} قال: لهذا أجريت القصة» أي هو جواب القسم ومعنى {علمت} أنها تعلم بما أحضرت فتعلمه. وقوله {نفس} نكرة في سياق الشرط مُراد بها العموم، أي علمت كل نفس ما أحضرتْ، واستفادة العموم من النكرة في سياق الإثبات تحصل من القرينة الدالة على عدم القصد إلى واحد من الجنس، والقرينة هنا وقوع لفظ نفس في جواب هذه الشروط التي لا يخطر بالبال أن تكون شروطاً لشخص واحد، وقد قال تعالى: { أية : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحْضَراً وما عملت من سوء } تفسير : [آل عمران: 30]. والإحضار: جعل الشيء حاضراً. ومعنى: {علمتْ نفس ما أحضرت} حصول اليقين بما لم يكن لها به علم من حقائق الأعمال التي كان علمها بها أشتاتاً: بَعْضه معلوم على غير وجهه، وبعضه معلوم صورتُه مجهولةٌ عواقبه، وبعضه مغفول عنه. فنزّل العلم الذي كان حاصلاً للناس في الحياة الدنيا منزلة عدم العلم، وأثبت العلم لهم في ذلك اليوم علم أعمالهم من خير أو شر فيعلَم ما لم يكن له به علم مما يحقره من أعماله ويتذكر ما كان قد علمه من قبل، وتذكُّر المنسي والمغفول عنه نوع من العلم. وما أحضرته هو ما أسلفته من الأعمال. ولما كانت الأعمال تظهر آثارها من ثواب وعقاب يومئذ عبر عن ظهور آثارها بالإحضار لشببه به كما يحضر الزاد للمسافر ففي فعل: {أحضرت} استعارة. ويطلق على ذلك الإعداد حديث : كقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله متى الساعة: «ماذا أعددت لها» تفسير : . وأسند الإحضار إلى النفوس لأنها الفاعلة للأعمال التي يظهر جزاؤها يومئذ فهذا الإسناد من إسناد فعل الشيء إلى سَبب فعله، فحصل هنا مجازان: مجاز لغوي، ومجاز عقلي، وحقيقتهما في قوله تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء}. وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها حاصلة عند حصول مجموع الشروط التي ذكرت في الجمل الثنتي عشرة لأن بعض الأحوال التي تضمنتها الشروط مقارن لحصول علم النفوس بأعمالها وهي الأحوال الستة المذكورة أخيراً، وبعض الأحوال حاصل من قبل بقليل وهي الأحوال الستة المذكورة أولاً. فنزل القريب منزلة المقارن، فلذلك جعل الجميع شروطاً لـــ {إذا}.

الشنقيطي

تفسير : اختلف في معنى كُوِّرَت هنا أكثر من عشرة أقوال، وكلها تدور على نهاية أمرها: فقيل: كورت: لف بعضها على بعض، فأنطمس نورها. وقيل: حجبت بكارة، أي لفت بها. وقيل: ألقيت في البحر. وقيل: دخلت في العرش. وقيل: اضمحلت. وقيل: نكست. وقال ابن جرير: نقول كما قال الله تعالى: {كُوِّرَتْ}. والذين يشهد له القرآن، أن هذا كله راجع إلى تغير حالها في آخر أمرها، لأن الله تعالى جعل لها أجلاً مسمى، ومعنى ذلك أنها تنتهي إليه على الوجه الذي يعلمه سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}تفسير : [لقمان: 29]. فمفهومه: أنه إذا جاء هذا الأجل توقفت عن جريانها. وهو ما يشير إليها قوله تعالى: {أية : فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ }تفسير : [القيامة: 7-9]، أي بعد أن لم يجتمعا قط، وما كان لهما أن يجتمعا قبل ذلك الوقت، كما في قوله تعالى: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [يس: 40]. ولعل أقرب الأقوال المنقولة في ذلك: هو القول بأنه بمعنى نكست. أي ردت إلى حيث أتت، كما في الحديث، فتطلع من مغربها، وعليه فتجتمع مع القمر.

الواحدي

تفسير : {إذا الشمس كورت} ذهب ضوؤها. {وإذا النجوم انكدرت} تساقطت وتناثرت. {وإذا الجبال سيرت} عن وجه الأرض فصارت هباءً منبثاً. {وإذا العشار} يعني: النُّوق الحوامل {عطلت} سُيِّبت وأُهملت، تركها أربابها، ولم يكن مالٌ أعجب إليهم منها، لإِتيان ما يشغلهم عنها. {وإذا الوحوش حشرت} جُمعت للقصاص. {وإذا البحار سجرت} أُوقدت فصارت ناراً [ويقال: تقذف الكواكب فيها ثم تضطرم فتصير ناراً]. {وإذا النفوس زوجت} قُرِن كلُّ أحدٍ بمَنْ يعمل عمله، فأُلحق الفاجر بالفاجر والصَّالح بالصَّالح، وقيل: قُرنت الأجساد بالأرواح.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- إذا الشمس لُفَّتْ ومُحِىَ ضوؤها. 2- وإذا النجوم انطمس نورها. 3- وإذا الجبال حُرِّكت من أماكنها. 4- والذى مَنْ شَأْنُه أن يحمل ويلد فقد خاصته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا: أي ظرف لما ذكر بعد من المواضع الأثني عشر، وجوابها علمت نفس ما أحضرت. كورت: أي لفت وذهب بنورها. انكدرت: أي انقضت وتساقطت على الأرض. سيرت: ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا. وإذا العشار: أي النوق الحوامل. عطلت: أي تركت بلا راع أو بلا حلب لما دهاهم من الأمر. الوحوش حشرت: أي جمعت وماتت. وإذا البحار سجرت: أي أوقدت فصارت نارا. وإذا النفوس زوجت: أي قرنت بأجسادها ثم بقرنائها وأمثالها في الخير والشر. وإذا الموءودة: أي البنت تدفن حية خوف العار أو الحاجة. سئلت: أي تبكيتا لقاتلها. بأي ذنب قتلت: أي بلا ذنب. وإذا الصحف نشرت: أي صحف الأعمال فتحت وبسطت. وإذا السماء كشطت: أي نزعت من أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة. وإذا الجحيم سعرت: أي النار أججت. وإذا الجنة أزلفت: أي قرّبت لأهلها ليدخلوها. علمت نفس ما أحضرت: أي كل نفس وقت هذه المذكورات ما أحضرت من خير وشر. معنى الآيات: قوله تعالى إذا الشمس كورت إلى قوله علمت نفس ما أحضرت اشتمل على اثنى عشر حدثا جللا، ستة أحداث منها في الدنيا وستة في الآخرة وكلها معتبرة شرطا لجواب واحد وهو قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت أي من خير وشر لتجزي به والسياق كله في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي أنكرها العرب المشركين وبالغوا في إنكارها مبالغة شديدة وكونها عليها مدار إصلاح الفرد والجماعة وأنه بدونها لا يتم إصلاح ولا تهذيب ولا تطهير عُنِيَ القرآن بها عناية فائقة ويدل لذلك أن فواتح سور والصافات والذاريات والطور والمرسلات والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والبروج والفجر كل هذه بما فيها من إقسامات عظيمة هي لتقرير عقيدة البعث والجزاء. وهذه الأحداث الستة التي تقع في الدنيا وهي مبادئ الآخرة. 1) تكوير الشمس بلفها وذهاب ضوئها. 2) انكدار النجوم بانقضائها وسقوطها على الأرض. 3) تسيير الجبال بذهابها عن وجه الأرض واستحالتها إلى هباء يتطاير. 4) تعطيل العشار وهي النوق الحوامل فلا تحلب ولا تركب ولا ترعى لما أصاب أهلها من الهول والفزع وكانت أفضل أموالهم وأحبها إلى نفوسهم. 5) حشر الوحوش وموتها وهي دواب البر قاطبة. 6) تسجير البحار باشتعالها نارا. وهذه الأحداث الستة التي تقع في الآخرة: 1) تزويج النفوس وهو قرنها بأجسادها بعد خلق الأجساد لها، وبعد ذلك بأمثالها في الخير والشر. 2) سؤال الموءودة عن ذنبها الذي قتلت به؟ 3) نَشْرُ صحف الأعمال وفتحها وبسطها. 4) كشط السماء أي نزعها من أماكنها نزع الجلد عن الشاة عند سلخها. 5) تسعير النار أي تأجيجها وتقويتها. 6) إزلاف الجنة وتقريبها لأهلها أهل الإِيمان والتقوى. وجواب هذه الأحداث التي وقعت شرطا لحرف "إذا" هو قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت من حسنات فتصير بها إلى الجنة، أو سيئات فتصير بها إلى النار. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- بيان مفصل عن مبادئ القيامة، وخواتيمها وفي حديث الترمذي الحسن الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : من سره أن ينظر إلي يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت . تفسير : 3- الترغيب في الإِيمان والعمل الصالح إذ بهما المصير إلى الجنة. 4- الترهيب من الشرك والمعاصي إذ بهما المصير إلى النار.

القطان

تفسير : كوّرتْ: لفَّت ومحي ضَوْؤهَا. انكدرت: تناثرت وتساقطت وانطمس ضوؤها. واذا الجبال سُيرت: زالت عن اماكنها. العشار: النوق الحوامل واحدها عشراء بضم العين وفتح الشين. عُطّلت: أُهملت بدون راع يرعاها ولا طالب. سُجّرت: تأججت نارا، واختلط بعضها ببعض. زُوجت: قرنت الأرواح بأجسادها. الموءودة: البنت التي دفنت وهي حية. الصحف: هي التي فيها اعمال البشر، تنشر للحساب والجزاء. كشطت: أزيلت. سعِّرت: أوقدت وأضرمت، أُزلفت: ادنيت وقرّبت. ما أحضرت: ما قدمته من خير أو شرّ. في هذه الآيات الكريمة تصويرٌ رائع لما يحدثُ يومَ القيامة من أهوالٍ تُشيبُ الأطفالَ. فاذا طُويت الشمسُ واختفت، وتناثرت النجومُ - وزالت الجبالُ عن أماكنِها، وأُهملت النوقُ الحوامل (وقد خصّها الله بالذِكر لأنها أكرم الأموالِ عند العرب)، وجمعت الوحوش من أوكارِها ذاهلةً من شدّة الفزع. وإذا تأجّجت البحار وغدَتْ نيرانا ملتهبة (وتسجيرُ البحار يكون بتشقق الأرض وتفجر النيران من باطنها فيظهر ما فيه من نيران متأجّجة كما نشاهد من ثورات البراكين) - يذهب الماء عند ذلك بخارا، ولا يبقى في البحار الا النار. وهذا معنى قوله تعالى {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ}. واذا قرنت الأنفس بأجسادها وعادت كل نفس الى الجسم الذي فارقتْه عند الموت، فَزُوِّدت النفوس بأبدانها، وهي النشأةُ الآخرة، (وفي الآية ما يشعر بان النفوس باقية لم تمت، وانما تزوَّج بالبَدَن بعد انفصالها عنه). واذا أُتي بالموءودةِ وسُئِلت عن السبب الذي لأجْله قُتلت.. (وكانت هذه العادة عند العربِ من أسوأ العادات، وكانت فاشيةً عندهم في الجاهلية، فكان بعضهم يدفنون البناتِ وهن أحياء، وبعضُهم يقتلونهنّ بشتى الوسائل: إما للغِيرة والحميّة، وإما من الخوف من الفقر والإملاق). فجاء الاسلامُ وأبطلَ هذه العادةَ السيئة، وأكرم الأنثى، وأعطاها حقوقها واحترمَها غاية الاحترام، وحلّت الرحمةُ محلّ الفظاظة، والرأفةُ محل الغِلظة بفضل هذا الدين القويم. فما أعظمَ نعمةَ الإسلام على الانسانية بأسرها! {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ}. بعد أن تزول السماء، وتُنشَر الصحف، ويحاسَب كل انسان على عمله، وتُبرز الجحيمُ بنيرانها المتأججة، وتقرَّب الجنةُ للمؤمنين - عند ذلك تعلم كلُّ نفس ما قدّمت من أعمال، فيذهب أهلُ النار الى جهنم والمؤمنون إلى الجنةِ عند ربهم، {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ}تفسير : [القمر: 55]. والذي يجب علينا أن نعتقدَه أن أعمال العباد تظهر لهم ثابتةً مبيَّنة لا يرتابون فيها يومَ القيامة. وبعد ان اخترع الانسان الكمبيوتر والآلات الحاسبة لم يعدْ هناك شيء مستغرَب في نشر الصحف يوم القيامة، وفيها حسابُ كل انسان على أدقِّ وجه {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 49]. قراءات: قرأ الجمهور: سجّرتْ بتشديد الجيم المكسورة، وقرأ ابن كثير وابو عمرو: سجرت بتخفيف الجيم، وقرأ نافع وحفص عن عاصم وابن عامر وابو عمرو: نشرت بكسر الشين من غير تشديد، والباقون: نشرت بتشديد الشين. وقرأ الجمهور: سعرت بكسر العين المخففة، وقرأ نافع وحفص وابن ذكوان: سعّرت بتشديد العين.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - إِذَا جُمِعَ بَعْضُ الشَّمْسِ إِلَى بَعْضِ، وَتَلاَشَى ضَوْؤُهَا. كُوِّرَتْ - أُزِيلَ ضَوْؤُهَا، أَوْ لُفَّتْ وَطُوِيَتْ فَأَصْبَحَتْ كَالكُرَةِ.

الثعلبي

تفسير : {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أظلمت، عطية عنه: ذهبت، مجاهد: أضمحلت، قتادة: ذهب ضوؤها، سعيد بن جبير: عوّرت وهي بالفارسية كوريكرد. أبو صالح: نكست، وعنه أيضاً: أُلقيت، يقال: طعنه فكوّره، أي: ألقاه، ربيع بن هيثم: رُمي بها. واصل التكوّر في كلام العرب جمع بعض الشيء إلى بعض كتكوير العمامة، وهو لفّها على الرأس، وتكوير الكارة من النبات، وهو جمع بعضها إلى بعض ولفّها، فمعنى قوله {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}: جمع بعضها إلى بعض، ثم لف فرمي بها وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوئها، دليله ونظيره قوله سبحانه {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : [القيامة: 9]. {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} أي تناثرت من السماء فتساقطت على الأرض ويقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشّه. قال العجاج: شعر : أبصر ضربان فضاء فانكدر. تفسير : وانكدر القوم إذا جاؤا أرسالا حتى انصبوا عليهم، قال ذو الرمّة: شعر : فانصاع جانبه الوحشي وانكدرت يلجبن لا يأتلي المطلوبُ والطّلبُ تفسير : ابن عباس: تغيّرت. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} عن وجه الأرض فصارت هباء منبثاً {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ} وهي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر واحدتها عُشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزّها عليهم. {عُطِّلَتْ} سُيّبت وأهملت تركها أربابها وكانوا [....] لأذنابها فلم تركب ولم تحلب، ولم يكن في الدنيا مال أعجب إليهم منها. لاتيان ما يشغلهم عنها. {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ}. أخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا ابن حبيب قال: حدّثنا أبو العباس البرتي قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} قال: حشرها موتها، وقال ابن عباس: حشر كلّ شيء الموت غير الجنّ والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة، وقال أُبيّ بن كعب وإذا {ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي اختلطت. قتادة: جمعت، وقيل: بعثت ليقضي الله [بينها]. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} قرأ أهل مكّة والبصرة بالتخفيف وغيرهم بالتشديد، واختلفوا في معناه فقال ابن زيد وشمر بن عطيّة وسفيان ووهب: أُوقدت فصارت ناراً. قال ابن عباس: يكوّر الله الشمس والقمر والنجوم في البحر فيبعث عليها ريحاً دبوراً فينفخه حتى يصير ناراً. وقال مجاهد ومقاتل والضحّاك: يعني فجر بعضها في بعض العذب والملح فصارت البحور كلّها بحراً واحداً. قال الحلبي: ملئت، ربيع بن حيثم: فاضبّت، الحسن: يبست، قتادة: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة، وقتل: صارت مياهها بحراً واحد له من الحميم لأهل النار. وأخبرنا عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثنا الحسن بن الحريث قال: حدّثنا الفضل موسى عن الحسين بن واقد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: حدّثني أُبيّ بن كعب قال: ستّ آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فجردت واضطربت واحترقت وفزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن واختلطت الدواب والطير والوحش وماج بعضهم في بعض فذلك قوله سبحانه {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} قال: اختلطت {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ} قال: أهملها أهلها {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} قال: قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر فإذا هي نار تأجج. قال: فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أخبرنا الحسن قال: أخبرنا السُني قال: أخبرنا أبو يعلي قال: حدّثنا محمد بن بكار قال: حدّثنا الوليد بن أبي نور عن سماك عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال: [الضرباء] كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن خالد قال: حدّثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدّثنا إسماعيل عن سماك بن حرب إنّه سمع النعمان بن بشير يقول: قال عمر بن الخطاب: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال: الفاجر مع الفاجر، والصالح مع الصالح، قال ابن عباس: ذلك حتى يكون الناس أزواجاً ثلاثة، وقال الحسن وقتادة: أُلْحِقَ كلّ امريء بشيعته، اليهود باليهود والنصارى بالنصارى، الربيع بن خيثم بحشر المرء مع صاحب عمله: مقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين ونفوس الكافرين بالشياطين نظيرها {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22]، وقيل: زوجت النفوس بأعمالها. وأخبرنا محمد بن حمدون قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا حمد بن الأزهر قال: حدّثنا أسباط عن أبيه عن عكرمه في قوله سبحانه: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال زوّجت الأرواح في الأجساد. {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ} وهي الجارية المقتولة المدفونة حيّة سمّيت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيؤدها أي يثقلها حتى تموت، قالوا: وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحيها ألبسها جبّة من صوف أو شعر ترعى الإبل والغنم في البادية وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية قال أبوها لأمها طيّبيها وزيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها بئراً في الصحراء فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذا البئر فيدفعها من خلفها في البئر لم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، فذلك قوله سبحانه وتعالى {أية : أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ} تفسير : [النحل: 59] وقال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت وكان أوان ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلاماً حبسته، وكانت طوائف من العرب يفعلون ذلك وفيه يقول قائهلم: شعر : سميتها إذ ولدت تموت والقبر صهر ضامن رميت تفسير : وقال قتادة: كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ويغذو كلبه فعاب الله تعالى ذلك عليهم وأوعدهم. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان أن قال: حدّثنا الفراتي قال: حدّثنا محمد بن مهدي الأبلي ويحيى بن موسى قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس عن سماك ابن حرب عن النعمان بن بشير قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في قول الله سبحانه: {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} قال: حديث : جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني وأدت ثمان بنات في الجاهلية، قال: "فأعتق عن كلّ واحدة منهم رقبة". قال: يا رسول الله إني صاحب إبل. قال: "فانحر عن كل واحدة منهنّ بدنة إن شئت ". تفسير : {سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} قراءة العامة على الفعل المجهول فيهما، ولها وجهان: أحدهما: سئلت هي فقيل لها: بأي ذنب قتلت وبأي فجور قتلت؟ كما يقال: قال عبدالله إنه ذاهب وإني ذاهب، وقال عبد الله بأي ذنب ضربت وبأي ذنب ضرب، كلاهما سائغ جائز، والآخر: سُئل عنها الذين وأدوها كأنّك قلت: طلبت منهم فقيل: أين أولادكم وبأي ذنب قتلتموهم. وأخبرنا الحسن بن محمد بن عبد الله المقريء قال: أخبرنا البغوي ببغداد قال: حدّثنا ابن أبي شيبة قال: حدّثنا زياد بن أيوب دلويه قال: حدّثنا هشام عن رجل ذكروا أنه هارون، قال زياد: ولم اسمعه أنا من هاشم عن جابر بن زيد أنه كان يقرأ {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} ومثله قرأ أبو الضحى ومسلم بن صبح. {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ} قرأ أهل المدينة والشام والبصرة إلاّ أبا عمرو بالتخفيف غيرهم بالتشديد لقوله سبحانه {أية : صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} تفسير : [المدثر: 52]. أخبرني الحسين قال: حدّثنا هارون قال: حدّثنا اليسيّري قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن عبد الحمد بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن أبي موسى عن عطاء بن بشار عن أم سلمه قالت: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة" قالت يا رسول الله كيف بالنساء؟ قال: "شغل الناس يا أم سلمة" قالت: وما شغلهم قال: "نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل ".

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [الآية: 1] يقول: تكور حتى يذهب ضوؤها فلا يبقى لها ضوءٌ. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [الآية: 4]. قال: العشار، هي الإِبل. عطلها أَربابها. أَخبرنا /88 ظ/ عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا شيبان، عن جابر، عن عكرمة في قوله: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [الآية: 6]. قال: أُفيضت. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة عن كثير أَبي محمد، عن ابن عباس قال: تسجر حتى تصير ناراً [الآية: 6]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شيبان عن جابر عن مجاهد قال يقول: أُوقدت [الآية: 6]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما تقولون في قوله: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [الآية: 7]. فسكتوا فقال عمر: ولكني أَعرفه، هو الرجل يزوج نظيره من أَهل الجنة والرجل يزوج نظيره من أَهل النار يوم القيامة. ثم قال: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ}تفسير : [الصافات: 22]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أِبي نجيح، عن مجاهد قال: يقول: يزوج الأَمثال الأَشباه من الناس، يجمع بينهم [الآية: 7].

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱنكَدَرَتْ} تناثرت {ٱلْعِشَارُ} جمع عشراء وهي الناقة التي مرَّ على حملها عشرة أشهر {كُشِطَتْ} نُزعت وقلعت يقال: كشطت جلد الشاة أي نزعته وسلخته عنها {ٱلْخُنَّسِ} الكواكب المضيئة التي تخنس نهاراً وتختفي عن البصر جمع خانس {ٱلْكُنَّسِ} النجوم التي تغيب يقال: كنس إِذا دخل الكناس وهو المكان الذي تأوي إِليه الظباء {عَسْعَسَ} أقبل بظلامه قال الخليل: عسعس الليلُ: إِذا أقبل أو أدبر فهو من الأضداد قال الشاعر: شعر : حتَّى إِذا الصُبْحُ لها تنفَّسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا تفسير : التفسِير: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} هذه الآيات بيانٌ لأهوال القيامة وما يكون فيها من الشدائد والكوارث، وما يعتري الكون والوجود من مظاهر التغيير والتخريب والمعنى: إِذا الشمس لُفَّت ومُحي ضوءُها {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} أي وإِذا النجوم تساقطت من مواضعها وتناثرت {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} أي وإِذا الجبال حركت من أماكنها، وسُيّرت في الهواء حتى صارت كالهباء كقوله تعالى {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً}تفسير : [الكهف: 47] {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ} أي وإِذا النوق الحوامل تركت هملاً بلا راعٍ ولا طالب، وخصَّ النوق بالذكر لأنها كرائم أموال العرب {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي وإِذا الوحوش جُمعت من أوكارها وأجحارها ذاهلةً من شدة الفزع {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} أي وإِذا البحار تأججت ناراً، وصارت نيراناً تضطرم وتلتهب {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أي وإِذا النفوس قُرنت بأشباهها، فقرن الفاجر مع الفاجر، والصالح مع الصالح قال الطبري: يُقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، وبين الرجل السوء مع الرجل السُّوء في النار {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} أي وإِذا البنت التي دفنت وهي حية سئلت توبيخاً لقاتلها: ما هو ذنبها حتى قتلت؟ قال في التسهيل: الموءودة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حيَّةً من كراهته لها أو غيرته عليها، فتسأل يوم القيامة {بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}؟ على وجه التوبيخ لقاتلها {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ} أي وإِذا صحف الأعمال نشرت وبسطت عند الحساب {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ} أي وإِذا السماء أزيلت ونزعت من مكانها كما ينزع الجلد عن الشاة {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} أي وإِذا نار جهنم أوقدت وأُضرمت لأعداء الله تعالى {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} أي وإِذا الجنة أدنيت وقربت من المتقين {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} أي علمت كل نفسٍ ما أحضرتْ من خيرٍ أو شر، وهذه الجملة {عَلِمَتْ نَفْسٌ} هي جواب ما تقدم من أول السورة {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} إِلى هنا، والمعنى إِذا حدثت تلك الأمور العجيبة الغريبة، علمت حينئذٍ كل نفسٍ ما قدمته من صالح أو طالح.. ثم أقسم تعالى على صدق القرآن، وصحة رسالة محمد عليه السلام فقال {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ} أي فأقسم قسماً مؤكداً بالنجوم المضيئة التي تختفي بالنهار، وتظهر بالليل {ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} أي التي تجري وتسير مع الشمس والقمر ثم تستتر وقت غروبها، كا تستتر الظباء في كناسها - مغاراتها - قال القرطبي: النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل، وتكنس وقت غروبها أي تستتر، كما تكنس الظباء في المغار وهو الكناس {وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} أي وأقسم بالليل إِذا أقبل بظلامه حتى غطَّى الكون {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي وبالصبح إِذا أضاء وتبلَّج، واتَّسع ضياؤه حتى صار نهاراً واضحاً {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هذا هو المقسم عليه أي إِن هذا القرآن الكريم، لكلامُ الله المنزَّل بواسطة ملك عزيز على الله هو جبريل كقوله تعالى {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ}تفسير : [الشعراء: 193ـ194] قال المفسرون: أراد بالرسول "جبريل" وأضاف القرآن إِليه لأنه جاء به، وهو في الحقيقة قول الله تعالى، ومما يدل على أن المراد به جبريل قوله بعده {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} أي شديد القوة، صاحب مكانة رفيعة، ومنزلة سامية عند الله جلا وعلا {مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} أي مطاعٍ هناك في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة الأبرار، مؤتمن على الوحي الذي ينزل به على الأنبياء {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} أي وليس محمد الذي صاحبتموه يا معشر قريش، وعرفتم صدقه ونزاهته ورجاحة عقله بمجنون كما زعمتم قال الخازن: أقسم تعالى على أن القرآن نزل به جبريل الأمين، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون كما يزعم أهل مكة، فنفى تعالى عنه الجنون، وكون القرآن من عند نفسه {وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} أي وأقسمُ لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته الملكية التي خلقه الله عليها بجهة الأفق الأعلى البيّن من ناحية المشرق حيث تطلع الشمس قال في البحر: وهذه الرؤية بعد أمر غار حراء، حين رأى جبريل على كرسي بين السماء والأرض، في صورته له ستمائة جناح قد سدَّ ما بين المشرق والمغرب {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} أي وما محمد على الوحي ببخيل يقصِّر في تبليغه وتعليمه، بل يبلغ رسالة ربه بكل أمانةٍ وصدق {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} أي وما هذا القرآن بقول شيطان ملعون كما يقول المشركون {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ} أيْ فأيَّ طريقٍ تسلكون في تكذيبكم للقرآن، واتهامكم له بالسحر والكهانة والشعر، مع وضوح آياته وسطوع براهينه؟ وهذا كما تقول لمن ترك الطريق المستقيم: هذا الطريق الواضح فأين تذهب؟ {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} أي ما هذا القرآن إِلا موعظة وتذكرة للخلق أجمعين {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} أي لمن شاء منكم أن يتبع الحق، ويستقيم على شريعة الله، ويسلك طريق الأبرار {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} أي وما تقدرون على شيء إِلا بتوفيق الله ولطفه، فاطلبوا من الله التوفيق إِلى أفضل طريق. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الجناس الناقص بين {ٱلْخُنَّسِ} و{ٱلْكُنَّسِ}. 2- الاستعارة التصريحية {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} شبَّه إِقبال النهار وسطوع الضياء بنسمات الهواء العليل التي تحيي القلب، واستعار لفظ التنفس لإِقبال النهار بعد الظلام الدامس، وهذا من لطيف الاستعارة وأبلغها تصويراً حيث عبر عنه بتنفس الصبح. 3- الكناية اللطيفة {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} كنى عن محمد صلى الله عليه وسلم بلفظ {صَاحِبُكُمْ}. 4- الطباق بين لفظ {ٱلْجَحِيمُ ..و.. ٱلْجَنَّةُ}. 5- الجناس غير التام بين {أَمِينٍ.. و مَكِينٍ}. 6- توافق الفواصل رعاية لرءوس الآيات مثل {كُوِّرَتْ}، {سُيِّرَتْ}، {سُجِّرَتْ}، {سُعِّرَتْ} ومثل {ٱلْخُنَّسِ}، {ٱلْكُنَّسِ}، {عَسْعَسَ}، {تَنَفَّسَ} الخ.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} معناه أَظلَمَتْ وتَغيَّرتْ. ويقال: رُمِي بهَا. ويقال: نَكَسَتْ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} الآية، هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها في غاية الظهور كورت قال ابن عباس: أدخلت في العرش وانكدرت قال ابن عباس: تساقطت وسيرت أي في الجو تسيير السحاب. والعشار أنفس ما عند العرب من المال وتعطيلها تركها مسيبة مهملة حشرت أي جمعت من كل ناحية فقال ابن عباس: جمعت بالموت فلا تبعث ولا تحضر يوم القيامة وسجرت تقدم في الطور. {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أي المؤمن مع المؤمن والكافر مع الكافر كقوله: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً}تفسير : [الواقعة: 7]. والمؤودة البنت ووأدها دفنها في التراب كقوله: {أية : أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ} تفسير : [النحل: 59]. {سُئِلَتْ} هذه السؤال لتوبيخ الفاعلين للوأد لأن سؤالها يؤدي إلى سؤال الفاعلين وجاءت قتلت بناء على أن الكلام إخبار عنها ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت لقيل قتلت: والصحف المنشورة صحف الأعمال كانت مطوية على الأعمال فنشرت يوم القيامة ليقرأ كل إنسان كتابه، وكشط السماء طيها كطي السجل. {سُعِّرَتْ} أضرمت وأزلفت قربت. {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} من خير تدخل به الجنة أو من شر تدخل به النار، والخنس قال الجمهور: الدراري السبعة الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري تجري الخمس مع الشمس والقمر وترجع حتى تخفى مع ضوء الشمس فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. {عَسْعَسَ} أقسم بإِقباله وإدباره وتنفسه كونه يجيء معه روح ونسيم فكأنه نفس له على المجاز. {إِنَّهُ} أي القرآن. {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} الجمهور على أنه جبريل عليه السلام ووصفه بالكريم يقتضي نفي المذام كلها وإثبات صفة المدح اللائقة به. {ثَمَّ} إشارة إلى عند ذي العرش أنه مطاع في ملائكته المقربين يصدرون عن أمره. {أَمِينٍ} مقبول القول يصدق فيما يقوله مؤتمن على ما يرسل به من وحي وامتثال أمر. {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} نفي عنه ما كانوا ينسبون إليه ويهتونه به من الجنون. {وَلَقَدْ رَآهُ} أي رأى الرسول جبريل والأفق الناحية من السماء القريبة. {بِضَنِينٍ} من قرأ بالظاء أي بمتهم ومن قرأ بالضاد معناه ببخيل. {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} أي الذي يتراءى له إنما هو ملك لا مثل الذي يتراءى للكهان. {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ} إستضلال لهم حيث نسبوه مرة إلى الجنون ومرة إلى الكهانة ومرة إلى غير ذلك مما هو بريء منه. {إِنْ هُوَ} أي القرآن. {إِلاَّ ذِكْرٌ} تذكرة وعظة. {لِمَن شَآءَ} بدل من للعالمين ثم عذق مشيئة العبد بمشيئة الله تعالى.

الجيلاني

تفسير : {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] يعني: إذا قامت القيامة، ولا حت شمس الذات الأحدية عن مكمن العماء، وغلبت نشأة اللاهوت على نشأة الناسوت كور الوجود الإضافي المنعكس من الوجود المطلق الإلهي، المنبسط على صفائح مطلق العكوس والأظلال، ولف وطوي، بحيث لم يبق له أثر عند ظهور شمس الحقيقة الحقيَّة. {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} [التكوير: 2] يعني: انقضت واضمحلت حينئذٍ نجوم الهويات، وهياكل المَّاهيات الحاصلة من الأوضاع والنسب، والإضافات العدمية الاعتبارية المحضة، بحيث لم يبق لها رسم وأثر عند ظهور الهوية الذاتية الإلهية الحقية. {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير: 3] يعني: سارت وانقلعت، وطارت على أماكنها جبال الأنواع والأجناس الواقعة في عالم التعينات. {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ} يعني: السحب الماطرة لمياه المعارف، والحقائق الفائضة على أراضي الاستعدادات القابلة لها، اللائقة لفيضانها {عُطِّلَتْ} [التكوير: 4] وتركت؛ لاضمحلال محالها، وتلاشي قوابلها بانقضاء نشأة الاختيار. {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ} أي: النفوس المستوحشة الأبية، الوحشية التائهة في بوادي الطبيعة، وقفر الهيولي {حُشِرَتْ} [التكوير: 5] وجمعت إلى ما منه انتشرت وبدت. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ} أي: البحار الحاصلة من اعتبارات الوجود وشئونه ظاهراً وباطناً، غيباً وشهادةً، دنيا وعقبى {سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] جمعت وملئت واتحدت، فيصار بحر الوجود بحراً واحداً زخاراً، لا ساحل له أصلاً. {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ} يعني: الأرواح الفائضة على هياكل الأشباح من عالم الأمر الإلهي {زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] وقرنت يومئذٍ ببواعثها التي هي الأسماء والصفات الإلهية، والأسباب اللاهوتية. {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير: 8] أي: أبكار المعاني والمعارف الإلهية، المودعة المدفونة في أراضي الطبائع والأركان، مع اتصافها بالحياة الأزلية الأبدية، سُئلت من مكان تلك البقاع، ومن تلك المخدرات الحسان {بِأَىِّ ذَنبٍ} وجريمة {قُتِلَتْ} [التكوير: 9] تركت ودفنت، مع أ،ها إنما جاءت في أراضي الطبائع والاستعدادات، مع أنها إنما حييت وجبت؛ لكسب أنواع الخيرات، واقتراف أصناف السعادات والكرامات؟! {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ} أي: صحائف تفاصيل الأعمال المشتملة على عموم الأماني والآمال، المطلوبة فيها جميع الأحوال الصادرة من أصحاب الغفلة والضلال {نُشِرَتْ} [التكوير: 10] فرِّقت وكشفت بين أصحابها. {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ} أي: سماء الأسماء والصفات الإلهية المتجلية على شئون الظهور والنزول {كُشِطَتْ} [التكوير: 11] طويت وأزيلت عن هذه الشئون إلى شئون البطون والخفاء. {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ} المعدّ لأصحاب الغفلة والضلال، التائهين في بوادي الجهالات بمتابعة أهويتهم الباطلة، وآرائهم الفاسدة العاطلة {سُعِّرَتْ} [التكوير: 12] أوقدت وأحميت بنيران غضبهم وشهواتهم التي ك انوا عليها في نشأة الاختبار. {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ} المعدَّة لأرباب العناية والوصال، المتصفين بالتقوى عن مطلق المحارم، والامتثال بمقتضيات الأوامر والنواهي، وعموم الأحكام الموردة في الكتب الإلهية، المتعلقة بإرشادهم وتكميلهم {أُزْلِفَتْ} [التكوير: 13] قربت وفرنت بهم، بحيث فازوا بعموم ما وعدوا من قِبَل الحق. {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14] يعني: علمت حينئذٍ كل نفس من النفوس المودعة في هياكل الهويات لحكمة المعرفة والتوحيد أيّ شيء أحضرت عند الحساب عليها من الأمور المأمورة لها؛ حتى تجازى بها وعلى مقتضاها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها المدل بضياء شمسك، وأنوار نجومك، وثبات جبالك، وكثرة عشائرك ومالك، وأنعامك وأملاكك، وأعوانك، {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]؛ يعني: إذا أظلمت شمس روحك وأمرت بالتكوير، {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} [التكوير: 2]؛ يعني: إذا أُذهب بضوء نجوم حواسك وبقيت مكدرة منتثرة متحلَّلة، {وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير: 3]؛ يعني: إذا سيرت جبال قالبك وهي كانت سير كلي طرفة عين، ولكن ما كنت تشاهد سيرها فيشاهدها في هذه الساعة، {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [التكوير: 4]؛ يعني: عشار القوة القالبية عطلت؛ أي: تركت مباركها، {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5]؛ يعني: وحوش الأخلاق الذميمة النفسانية جمعت وغلبت وكثرت في عينك، {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6]؛ يعني: بحار عنصرية مائيتك سجرت بحرارة نزع الروح عن قالبك، {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7]؛ يعني: زوجت كل قوة نفسانية بعملها الذي عملته في دار الدنيا، {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8-9]؛ يعني: سئلت عن الخواطر الإلهامية التي وردت على السالك وهو نفاها وقتلها، ووأدها في قبر القالب وظلمها، {وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير: 10]؛ يعني: نشرت صحف أعمال كل أحد خيراً كان أمر شراً، {وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ} [التكوير: 11]؛ يعني: يرفع سماء الصدر حتى يكشف ما في صدورهم، بعبارة أخرى: قلعت أوتادها وطويت كطي السجل للكتاب. {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} [التكوير: 12]؛ يعني: أحميت جحيم النفس بنيران الهوى، {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} [التكوير: 13]؛ يعني: زينت جنة القلب وقربت لأولياء الله تعالى، {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14]؛ يعني: أيها المذل: إذا ظهرت هذه العلامات {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}تفسير : [الانفطار: 5] فيما أُحضر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إذا حصلت هذه الأمور الهائلة، تميز الخلق، وعلم كل أحد ما قدمه لآخرته، وما أحضره فيها من خير وشر، وذلك إذا كان يوم القيامة تكور الشمس أي: تجمع وتلف، ويخسف القمر، ويلقيان في النار. { وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ } أي: تغيرت، وتساقطت من أفلاكها. { وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ } أي:: صارت كثيبا مهيلا ثم صارت كالعهن المنفوش، ثم تغيرت وصارت هباء منبثا، وسيرت عن أماكنها، { وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ } أي: عطل الناس حينئذ نفائس أموالهم التي كانوا يهتمون لها ويراعونها في جميع الأوقات، فجاءهم ما يذهلهم عنها، فنبه بالعشار، وهي النوق التي تتبعها أولادها، وهي أنفس أموال العرب إذ ذاك عندهم، على ما هو في معناها من كل نفيس. { وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } أي: جمعت ليوم القيامة، ليقتص الله من بعضها لبعض، ويرى العباد كمال عدله، حتى إنه ليقتص من القرناء للجماء ثم يقول لها: كوني ترابا. { وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ } أي: أوقدت فصارت -على عظمها- نارا تتوقد. { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } أي: قرن كل صاحب عمل مع نظيره، فجمع الأبرار مع الأبرار، والفجار مع الفجار، وزوج المؤمنون بالحور العين، والكافرون بالشياطين، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا } {أية : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا } {أية : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ }. تفسير : { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ } وهو الذي كانت الجاهلية الجهلاء تفعله من دفن البنات وهن أحياء من غير سبب، إلا خشية الفقر، فتسأل: { بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } ومن المعلوم أنها ليس لها ذنب، ففي هذا توبيخ وتقريع لقاتليها. { وَإِذَا الصُّحُفُ } المشتملة على ما عمله العاملون من خير وشر { نُشِرَتْ } وفرقت على أهلها، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره. { وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ } أي: أزيلت، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ } {أية : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } {أية : وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ }. تفسير : { وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ } أي: أوقد عليها فاستعرت، والتهبت التهابا لم يكن لها قبل ذلك، { وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } أي: قربت للمتقين، { عَلِمَتْ نَفْسٌ } أي: كل نفس، لإتيانها في سياق الشرط. { مَا أَحْضَرَتْ } أي: ما حضر لديها من الأعمال [التي قدمتها] كما قال تعالى: {أية : وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا }. تفسير : وهذه الأوصاف التي وصف الله بها يوم القيامة، من الأوصاف التي تنزعج لها القلوب، وتشتد من أجلها الكروب، وترتعد الفرائص وتعم المخاوف، وتحث أولي الألباب للاستعداد لذلك اليوم، وتزجرهم عن كل ما يوجب اللوم، ولهذا قال بعض السلف: من أراد أن ينظر ليوم القيامة كأنه رأي عين، فليتدبر سورة { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ }.

همام الصنعاني

تفسير : 3505- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}: [الآية: 1]، قَالَ: ذَهَبَ ضَوْؤُهَا: {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ}: [الآية: 2]، قال: تناثرت. 3506- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني أبو الهذيل عمران، قال: سمعت وهباً يقول في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ}: [الآية: 6]، قال: سُجِّرت البحار ناراً. 3507- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ}: [الآية: 4]، قال: عشار الإبل سُيِّبَت. 3508- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ}: [الآية: 6]، قال: ملئت، قال: أ لا ترى أنه يقول: {أية : وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ}تفسير : : [الطور: 6]. 3509- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال: قتادة: غَارَ مَاؤُهَا وذهب. 3510- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ}: [الآية: 7]، قال: بأشكالهم. 3511- عبد الرزاق، عن الثوري، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير قال: سمعت عمر يقول: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ}: [الآية: 7]، قال: هما الرجلان يعملان العمل يدخلان به الجنة أو النار. 3512- عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبيه، عن الربيع بن خثيم في قوله تعالى: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}: [الآية: 1]، قال: رمي بها {وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} [الآية: 2]، قال: تناثرت. {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ}: [الآية: 6]، قال: فاضت. {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ}: [الآية: 7]، قال: يجيء المرء مع صاحب عمله، يقول: مع شكله. {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ}: [الآية: 4]، يقول: تُحْلَبْ، ولم تُدِرّ، وتخلى منها أهلها. {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}: [الآية: 12-13]، قال: إلى هاتين ما جرى الحديث {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}تفسير : : [الشورى: 7]. 3513- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}: [الآية: 12]، قال: وُقِدَتْ: {وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}: [الآية: 13]، قال: قَرُبَتْ. 3514- عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ}: [الآية: 7]، قال: الصلالح مع الصالح، والفاجر مع الفاجر. 3515- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ}: [الآية: 8]، قال: حديث : جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني وأدت ثماني بناتٍ في الجاهلية. قال: "فأعتق عَنْ كل واحدة رقبة" قال: إني صاحب إبل. قال: "فَأَهْدِ إنْ شئت عن كل واحدة بدنة ".