٨٢ - ٱلْإِنْفِطَار
82 - Al-Infitar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما أخبر في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلاً على إمكانه أو على وقوعه، وذلك من وجهين الأول: أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع موائد نعمه عن المذنبين، كيف يجوز في كرمه أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم؟ الثاني: أن القادر الذي خلق هذه البنية الإنسانية ثم سواها وعدلها، إما أن يقال: إنه خلقها لا لحكمة أو لحكمة، فإن خلقها لا لحكمة كان ذلك عبثاً، وهو غير جائز على الحكيم، وإن خلقها لحكمة، فتلك الحكمة، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد، والأول باطل لأنه سبحانه متعال عن الاستكمال والانتفاع. فتعين الثاني، وهو أنه خلق الخلق لحكمة عائدة إلى العبد، وتلك الحكمة إما أن تظهر في الدنيا أو في دار سوى الدنيا. والأول باطل لأن الدنيا دار بلاء وامتحان، لا دار الانتفاع والجزاء، ولما بطل كل ذلك ثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق والتسوية والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع بأنه سبحانه يبعث الأموات ويحشرهم، وذلك يمنعهم من الاعتراف بعدم الحشر والنشر، وهذا الاستدلال هو الذي ذكر بعينه في سورة التين حيث قال: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }تفسير : [التين:4] إلى أن قال: {أية : فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِٱلدّينِ }تفسير : [التين:7] وهذه المحاجة تصلح مع العرب الذين كانوا مقرين بالصانع وينكرون الإعادة، وتصلح أيضاً مع من ينفي الإبتداء والإعادة معاً، لأن الخلق المعدل يدل على الصانع وبواسطته يدل على صحة القول بالحشر والنشر، فإن قيل: بناء هذا الاستدلال على أنه تعالى حكيم، ولذلك قال في سورة التين بعد هذا الاستدلال: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } تفسير : [التين:8] فكان يجب أن يقول في هذه السورة: ما غرك بربك الحكيم الجواب: أن الكريم يجب أن يكون حكيماً، لأن إيصال النعمة إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة لكان ذلك تبذيراً لا كرماً. أما إذا كان مبنياً على داعية الحكمة فحينئذ يسمى كرماً، إذا ثبت هذا فنقول: كونه كريماً يدل على وقوع الحشر من وجهين كما قررناه، أما كونه حكيماً فإنه يدل على وقوع الحشر من هذا الوجه الثاني، فكان ذكر الكريم ههنا أولى من ذكر الحكيم، هذا هو تمام الكلام في كيفية النظم، ولنرجع إلى التفسير. أما قوله: {يا أيها الإنسانُ } ففيه قولان: أحدهما: أنه الكافر، لقوله من بعد ذلك: {أية : كَلاَّ بَلْ تُكَذّبُونَ بِٱلدّينِ }تفسير : [الإنفطار:9] وقال عطاء عن ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في ابن الأسد بن كلدة بن أسيد وذلك أنه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية والقول الثاني: أنه يتناول جميع العصاة وهو الأقرب، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. أما قوله: {مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } فالمراد الذي خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات، والمعنى ما الذي أمنك من عقابه، يقال: غره بفلان إذا أمنه المحذور من جهته مع أنه غير مأمون، وهو كقوله: {أية : لا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } تفسير : [لقمان:33] هذا إذا حملنا قوله: {يا أيها الإنسانُ } على جميع العصاة، وأما إذا حملناه على الكافر، فالمعنى ما الذي دعاك إلى الكفر والجحد بالرسل، وإنكار الحشر والنشر، وههنا سؤالات: الأول: أن كونه كريماً يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه بدليل المعقول والمنقول، أما المعقول فهو أن الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض، فلما كان الحق تعالى جواداً مطلقاً لم يكن مستعيضاً، ومتى كان كذلك استوى عنده طاعة المطيعين، وعصيان المذنبين، وهذا يوجب الاغترار لأنه من البعيد أن يقدم الغني على إيلام الضعيف من غير فائدة أصلاً، وأما المنقول فما روي عن علي عليه السلام، أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: لم لم تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه، وأعتقه، وقالوا أيضاً: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، ولما ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به، فكيف جعله ههنا مانعاً من الاغترار به؟ والجواب: من وجوه أحدها: أن معنى الآية أنك لماكنت ترى حلم الله على خلقه ظننت أن ذلك لأنه لا حساب ولا دار إلا هذه الدار، فما الذي دعاك إلى هذا الاغترار، وجرأك على إنكار الحشر والنشر؟ فإن ربك كريم، فهو لكرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطاً في مدة التوبة، وتأخيراً للجزاء إلى أن يجمع الناس في الدار التي جعلها لهم للجزاء، فالحاصل أن ترك المعاجلة بالعقوبة لأجل الكرم، وذلك لا يقتضي الاغترار بأنه لا دار بعد هذه الدار وثالثها: أن كرمه لما بلغ إلى حيث لا يمنع من العاصي موائد لطفه، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم، كان أولى فإذن كونه كريماً يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار، وترك الجراءة والاغترار وثالثها: أن كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة والاستحياء من الاغترار والتواني ورابعها: قال بعض الناس: إنما قال: {بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } ليكون ذلك جواباً عن ذلك السؤال حتى يقول غرني كرمك، ولولا كرمك لما فعلت لأنك رأيت فسترت، وقدرت فأمهلت، وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد من قوله: {يا أيها الإنسانُ } ليس الكافر. السؤال الثاني: ما الذي ذكره المفسرون في سبب هذا الاغترار؟ قلنا وجوه: أحدها: قال قتادة: سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان له وثانيها: قال الحسن: غره حمقه وجهله وثالثها: قال مقاتل: غره عفو الله عنه حين لم يعاقبه في أول أمره، وقيل: للفضيل بن عياض إذا أقامك الله يوم القيامة، وقال لك: {مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } ماذا تقول؟ قال: أقول غرتني ستورك المرخاة. السؤال الثالث: ما معنى قراءة سعيد بن جبير ما أغرك؟ قلنا: هو إما على التعجب وإما على الاستفهام من قولك غر الرجل فهو غار إذا غفل، ومن قولك بيتهم العدو وهم غارون، وأغره غيره جعله غاراً، أما قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكَ } فاعلم أنه تعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقق ذلك الكرم أولها: الخلق وهو قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَكَ } ولا شك أنه كرم وجود لأن الوجود خير من العدم، والحياة خير من الموت، وهو الذي قال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } [البقرة: 28]، وثانيها: قوله: {فَسَوَّاكَ } أي جعلك سوياً سالم الأعضاء تسمع وتبصر، ونظيره قوله: {أية : أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } تفسير : [الكهف: 37] قال ذو النون: سواك أي سخر لك المكونات أجمع، وما جعلك مسخراً لشيء منها، ثم أنطق لسانك بالذكر، وقلبك بالعقل، وروحك بالمعرفة، وسرك بالإيمان، وشرفك بالأمر والنهي وفضك على كثير ممن خلق تفضيلاً وثالثها: قوله: {فَعَدَلَكَ } وفيه بحثان: البحث الأول: قال مقاتل: يريد عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع، وهو كقوله: {أية : بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } تفسير : [القيامة: 4] وتقريره ما عرف في علم التشريح أنه سبحانه ركب جانبي هذه الجثة على التسوي حتى أنه لا تفاوت بين نصفيه لا في العظام ولا في أشكالها ولا في ثقبها ولا في الأوردة والشرايين والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها، واستقصاء القول فيه لا يليق بهذا العلم، وقال عطاء عن ابن عباس: جعلك قائماً معتدلاً حسن الصورة لا كالبهيمة المنحنية، وقال أبو علي الفارسي: عدل خلقك فأخرجك في أحسن التقويم، وبسبب ذلك الاعتدال جعلك مستعداً لقبول العقل والقدرة والفكر، وصيرك بسبب ذلك مستولياً على جميع الحيوان والنبات، وواصلاً بالكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا العالم. البحث الثاني: قرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، وفيه وجوه أحدها: قال أبو علي الفارسي: أن يكون المعنى عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت والثاني: قال الفراء: {فَعَدَلَكَ } أي فصرفك إلى أي صورة شاء، ثم قال: والتشديد أحسن الوجهين لأنك تقول: عدلتك إلى كذا كما تقول صرفتك إلى كذا، ولا يحسن عدلتك فيه ولا صرفتك فيه، ففي القراءة الأولى جعل في من قوله: {في أي صُورَةٍ } صلة للتركيب، وهو حسن، وفي القراءة الثانية جعله صلة لقوله: {فَعَدَلَكَ } وهو ضعيف، واعلم أن اعتراض القراء إنما يتوجه على هذا الوجه الثاني، فأما على الوجه الأول الذي ذكره أبو علي الفارسي فغير متوجه والثالث: نقل القفال عن بعضهم أنهما لغتان بمعنى واحد، أما قوله: {في أي صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ } ففيه مباحث الأول: ما هل هي مزيدة أم لا؟ فيه قولان: الأول: أنها ليست مزيدة، بل هي في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك، وبناء على هذا الوجه، قال أبو صالح ومقاتل: المعنى إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة كلب أو صورة حمار أو خنزير أو قرد والقول الثاني: أنها صلة مؤكدة والمعنى في أي صورة تقتضيها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة، فإنه سبحانه يركبك على مثلها، وعلى هذا القول تحتمل الآية وجوهاً أحدها: أن المراد من الصور المختلفة شبه الأب والأم، أو أقارب الأب أو أقارب الأم، ويكون المعنى أنه سبحانه يركبك على مثل صور هؤلاء ويدل على صحة هذا ما روى أنه عليه السلام قال في هذا الآية: «حديث : إذا استقرت النطفة في الرحم، أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم»تفسير : ، والثاني: وهو الذي ذكره الفراء والزجاج أن المراد من الصور المختلفة الاختلاف بحسب الطول والقصر والحسن والقبح والذكورة والأنوثة، ودلالة هذه الحالة على الصانع القادر في غاية الظهور، لأن النطفة جسم متشابه الأجزاء وتأثير طبع الأبوين فيه على السوية، فالفاعل المؤثر بالطبيعة في القابل المتشابه لا يفعل إلا فعلاً واحداً، فلما اختلفت الآثار والصفات دل ذلك الاختلاف على أن المدبر هو القادر المختار، قال القفال: اختلاف الخلق والألوان كاختلاف الأحوال في الغنى والفقر والصحة والسقم، فكما أنا نقطع أنه سبحانه إنما ميز البعض عن البعض في الغنى والفقر، وطول العمر وقصره، بحكمة بالغة لا يحيط بكنهها إلا هو، فكذلك نعلم أنه إنما جعل البعض مخالفاً للبعض، في الخلق والألوان بحكمة بالغة، وذلك لأن بسبب هذا الاختلاف يتميز المحسن عن المسيء والقريب عن الأجنبي، ثم قال: ونحن نشهد شهادة لا شك فيها أنه سبحانه لم يفرق بين المناظر والهيئات إلا لما علم من صلاح عباده فيه وإن كنا جاهلين بعين الصلاح القول الثالث: قال الواسطي: المراد صورة المطيعين والعصاة فليس من ركبه على صورة الولاية كمن ركبه على صورة العداوة، قال آخرون: إنه إشارة إلى صفاء الأرواج وظلمتها، وقال الحسن: منهم من صوره ليستخلصه لنفسه، ومنهم من صوره ليشغله بغيره مثال الأول: أنه خلق آدم ليخصه بألطاف بره وإعلاء قدره وأظهر روحه من بين جماله وجلاله، وتوجه بتاج الكرامة وزينه برداء الجلال والهيبة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ} خاطب بهذا منكري البعث. وقال ٱبن عباس: الإنسان هنا: الوليد بن المغيرة. وقال عكرمة: أبيّ بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشدّ بن كَلَدة الجُمَحِيّ. عن ٱبن عباس أيضاً: « ما غرك بربك الكريم » أي ما الذي غرك حتى كفرت؟ «بربك الكريم» أي المتجاوز عنك. قال قتادة: غره شيطانه المسلَّط عليه. الحسن: غره شيطانه الخبيث. وقيل: حمقه وجهله. رواه الحسن عن عمر رضي الله عنه. وروى غالب الحنفي قال: « حديث : لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} قال: «غره الجهل» » تفسير : وقال صالح بن مسمار: بلغنا « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ «يٰأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم»؟ فقال:«غره جهلُه» » تفسير : . وقال عمر رضي الله عنه: كما قال الله تعالى { أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } تفسير : [الأحزاب: 72]. وقيل: غره عفو الله، إذ لم يعاقبه في أوّل مرة. قال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفُضَيل ابن عياض: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه، فقال لك: { أية : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الانفطار: 6]؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول غَرَّني سُتُورك المرخاة، لأن الكريم هو الستَّار. نظمه ٱبن السَّماك فقال: شعر : يا كاتمَ الذنب أما تستحي واللَّهُ في الخُلْوة ثانيكَا غَرَّكَ من ربك إمهالُهُ وسَتْرُه طولَ مَساويكَا تفسير : وقال ذو النون المصريّ: كم من مغرور تحت السَّتْر وهو لا يشعر. وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري: شعر : يا من غلا في العُجْب والتيهِ وغره طولُ تماديهِ أَمْلَى لك الله فبارزته ولم تخف غِبّ مَعاصيهِ تفسير : وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه صاح بغلام له مرات فلم يُلَبَّه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال: مالك لم تُجبني؟ فقال. لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه فأعتقه. وناس يقولون: ما غرك: ما خَدَعك وسَوَّل لك، حتى أضعت ما وجب عليك؟ وقال ٱبن مسعود: ما منكم من أحد إلا وسيخلو الله به يوم القيامة، فيقول له: يٱ بن آدم ماذا غرك بي؟ يا بن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يا بن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ {ٱلَّذِي خَلَقَكَ} أي قدرَّ خلقَك من نطفة {فَسَوَّاكَ} في بطن أمك، وجعل لك يدين ورجلين وعينين وسائر أعضائك {فَعَدَلَكَ} أي جعلك معتدلاً سَوِيّ الخَلْق؛ كما يقال: هذا شيء معدّل. وهذه قراءة العامة، وهي ٱختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ قال الفراء: وأبو عبيد: يدل عليه قوله تعالى: { أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } تفسير : [التين: 4]. وقرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي: «فعدَلك» مخففاً أي: أمالك وصرفك إلى أيّ صورة شاء، إما حسناً وإما قبيحاً، وإما طويلاً وإما قصيراً. وقال موسى بن عليّ بن أبي رَباح اللَّخْمي عن أبيه عن جده قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن النطفة إذا ٱستقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم » تفسير : . أما قرأت هذه الآية {فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}: « حديث : فيما بينك وبين آدم » تفسير : (وقال عكرمة وأبو صالح: {فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}): إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وقال مكحول: إن شاء ذكراً، وإن شاء أنثى. قال مجاهد: «فِي أي صورةٍ» أي في أي شبه من أبٍ أو أم أو عم أو خالٍ أو غيرهم. و «في» متعلقة بـ «ـركبك»، ولا تتعلق بـ «ـعدَلك»، على قراءة من خفف؛ لأنك تقول عَدَلْت إلى كذا، ولا تقول عَدَلت في كذا؛ ولذلك منع الفراء التخفيف؛ لأنه قدّر «في» متعلقة بـ «ـعدَلك»، و «ما» يجوز أن تكون صلة مؤكدة؛ أي في أي صورة شاء ركبك. ويجوز أن تكون شرطية أي إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة قِرد أو حمار أو خنزير، فـ «ـما» بمعنى الشرط والجزاء؛ أي في صورة ما شاء يركبك ركبك. قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} يجوز أن تكون «كَلاَّ» بمعنى حقًّا و «ألاَ» فيبتدأ بها. ويجوز أن تكون بمعنى «لا»، على أن يكون المعنى ليس الأمر كما تقولون من أنكم في عبادتكم غير الله محقُّون. يدل على ذلك قوله تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} وكذلك يقول الفراء: يصير المعنى: ليس كما غُررت به. وقيل: أي ليس الأمر كما تقولون، من أنه لا بعث. وقيل: هو بمعنى الردع والزجر. أي لا تغتروا بحلم الله وكرمه، فتتركوا التفكر في آياته. ٱبن الأنباريّ: الوقف الجيّد على «الدينِ»، وعلى «ركبك»، والوقف على «كَلاّ» قبيح. {بَلْ تُكَذِّبُونَ} يأهل مكة {بِٱلدِّينِ} أي بالحساب، و «بل» لنفي شيء تقدم وتحقيق غيره. وإنكارهم للبعث كان معلوماً، وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ } الكافر {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ } حتى عصيته.
ابن عبد السلام
تفسير : {الإِنسَانُ} كل كافر أو أُبي بن خلف أو الأشد بن كلدة بن أسد الجمحي "ع" غره الشيطان أو جهله وحمقه قاله عمر رضي الله تعالى عنه. {الْكَرِيمِ} الذي يتجاوز ويصفح.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} أي: المتجاوز. والعامة: على "غرَّك" ثلاثياً، و "ما" الاستفهامية: في محل رفع على الابتداء. وقرأ ابن جبير، والأعمش: "ما أغَرَّكَ"، فاحتمل أن تكون استفهامية، وأن تكون تعجبية، ومعنى "أغرّه": أدخله في الغرَّة، أو جعله غارًّا. فصل في مناسبة الآية لما قبلها لما أخبر في تلك الآية أولى عن وقوع الحشر والنشر، ذكر هاهنا ما يدل عقلاً ونقلاً على إمكانه، أو على وقوعه، وذلك من وجهين الأول: أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع مواد نعمه عن المذنبين، كيف يجوز في كرمه ألا ينتقم من الظالم؟. الثاني: أن القادر على خلق هذه البنية الإنسانية، ثم سوَّاها، وعدلها، إمَّا أن يقال: إنه - تعالى - خلقها لا لحكمةٍ، وذلك عبث، وهو على الله تعالى محال؛ لأنه - تعالى - منزَّهٌ عن العبث، أو خلقها لحكمةٍ، فتلك الحكمة أن تكون عائدة على الله تعالى، وذلك باطل؛ لأنه منزَّهٌ عن الاستكمال والانتفاع، فتعين أن تكون الحكمة عائدة إلى العبد، وتلك الحكمة أن تظهر في الدنيا، فذلك باطل؛ لأن الدنيا دار بلاء وامتحان لا دار انتفاع وجزاء، فثبت أن تلك الحكمة إنما تظهر في دار الجزاء، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق، والتسوية، والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع بأنه تعالى يبعث الأموات ويحشرهم. فصل في نزول الآية هذا [خطاب] لمنكري البعث. روى عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الأشرم بن شريقٍ، وذلك أنَّه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه الله تعالى، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وقيل: يتناول جميع العصاة؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعنى "ما غرَّك": ما خدعك وسوَّل لك الباطل حتى تركت الوجبات، وأثنيت بالمحرمات. والمعنى: ما الذي أمَّنك من عقابه، هذا إذا حملنا الإنسان على جميع العصاة، فإن حملناه على الكافر، فالمعنى: ما الذي دعاك إلى الكفر، وإنكار الحشر والنشر. فإن قيل: كونه كريماً يقتضي ألا يغتر الإنسان بكرمه؛ لأنه جواد مطلق، والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع، وعصيان المذنب، وهذا لا يوجب الاغترار وروي عن عليّ - رضي الله عنه - أنَّه دعا غلامه مرات، فلم يجبه، فنظر فإذ هو بالباب، فقال له: لم لا تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه. وقالوا - أيضاً - من كرم الرجل سوء أدب غلمانه، وإذا ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به فكيف جعله - هاهنا - مانعاً من الاغترار؟. فالجواب من وجوه: الأول: أن المعنى لما كنت ترى حلم الله - تعالى - عن خلقه ظننت أن ذلك لا حساب، ولا دار إلا هذه الدار، فما الذي دعاك إلى الاغترار وجرَّأك على إنكار الحشر، والنشر، فإنَّ ربك كريم، فهو من كرمه - تعالى - لا يعاجل بالعقوبة بسطاً في مدة التوبة، وتأخيراً للجزاء، وذلك لا يقتضي الاغترار. الثاني: أنَّ كرمه تعالى لمَّا بلغ إلى حيث لا يمنع العاصي من أن يطيعه، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم كان أولى، فإذاً كان كونه كريماً يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار، وترك الجزاء والاغترار. الثالث: أنَّ كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة، والاستحياء من الاغترار. الرابع: قال بعضهم: إنما قال: "بربِّكَ الكَريمِ" ليكون ذلك جواباً عن ذلك السؤال حتى يقول: غوني كرمُك، فلولا كرمك لما فعلت؛ لأنك لو رأيت فسترت، وقدرت فأمهلت. وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ} ليس هو "الكافر". فصل في غرور ابن آدم قال قتادةُ - رضي الله عنه -: سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان وقال مقاتل: غرَّه عفو الله حين لم يعاقبه أوَّل مرة. وقال السديُّ: غرَّه عفو الله. وقال ابن مسعودٍ: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول تعالى: ما غرَّك يا ابن آدم، ماذا غرَّك يا ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟. قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ}، يحتمل الإتباع على البدل والبيان، والنعت، والقطع إلى الرفع والنصب. واعلم أنه - تعالى - لما وصف نفسه بالكرم، ذكر هذه الأمور الثلاثة، كالدلالة على تحقق ذلك الكرم، فقوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكَ} لا شكَّ أنَّه كرمٌ؛ لأنه وجود، والوجود، خير من العدم، والحياة خير من الموت، كما قال تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 28]، وقوله تعالى: "فسوّاك" أي: جعلك سوياً سالم الأعضاءِ، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} تفسير : [الكهف: 37]، أي: معتدل الخلق والأعضاء. قال ذو النون: أي: سخَّر لك المكونات أجمع، وما جعلك مسخَّراً لشيء منها، ثم أنطق لسانك بالذكر، وقلبك بالعقل، وروحك بالمعرفة، ومدك بالإيمان وشرفك بالأمر والنهي، وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلاً. قوله: "فعدَلَكَ". قرأ الكوفيون: "عَدلَكَ" مخففاً، والباقون: مثقَّلاً. فالتثقيل بمعنى: جعلك مناسب الأطراف، فلم يجعل إحدى يديك ورجليك أطول، ولا إحدى عينيك أوسع، فهو من التعديل، وهو كقوله تعالى: {أية : بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} تفسير : [القيامة: 4]. قال علماء التشريح: إنَّه - تعالى - ركَّب جانبي الجثة على التساوي حتى أنه لا تفاوت بين نصفيه، لا في العظام، ولا في أشكالها، ولا في الأوردة والشرايين، والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها. وقال عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: جعلك قائماً معتدلاً، حسن الصُّورةِ، ولا كالبهيمة المنحنية. وقال أبو عليٍّ الفارسي: "عَدلَكَ" خلقك، فأخرجك في أحسن تقويم، مستوياً على جميع الحيوان والنبات، وواصلاً في الكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا العالم. وأمَّا قراءة التخفيف فيحتمل هذا، أي: عدل بعض أعضائك ببعض، ويحتمل أن يكون من المعدول، أي: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال والأشباه، وهذا قول الفراء. ثم قال: والتشديد أحسن الوجهين؛ لأنك تقول: عدلتك إلى كذا، أي: صرفتك إلى كذا وكذا، ولا يحسن: عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه. وفي القراءة الأولى: جعل "في" من قوله: "فِي أيِّ صُورةٍ" للتركيب، وهو حسنٌ. وفي قراءة الثانية جعل "في" صلة لقوله: "فعدلك"، وهو ضعيف. ونقل القفَّال عن بعضهم: أنَّهما لغتان بمعنى واحد. قوله: "في أيِّ صُورةٍ"، يجوز فيه أوجه: أحدها: أن يتعلق بـ "ركبك"، و "ما": مزيدة على هذا، و "شاء" صفة لـ "صورة"، ولم يعطف "ركَّبَك" على ما قبله بالفاء، كما عطف ما قبله بها، لأنه بيان لقوله: "فَعَدَلَكَ"، والتقدير: فعدلك ركبك في أيِّ صورةٍ من الصور العجيبة الحسنة التي شاءها - سبحانه وتعالى - والمعنى: وضعك في صورة اقتضتها مشيئته من حسن وقبح وطول، وقصر، وذكورة، وأنوثة. الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: ركبك حاصلاً في بعض الصور. الثالث: أنه يتعلق بعد ذلك بـ "عَدلَكَ" نقله أبو حيان عن بعض المتأولين، ولم يعترض عليه، وهو معترض بأن في "أيِّ" معنى الاستفهام، فلها صدر الكلام، فكيف يعمل فيها ما تقدمها؟. وكأن الزمخشري استشعر هذا فقال: ويكون في "أيِّ" معنى التعجب، أي: فعَدلَكَ في أي صورة عجيبة، وهذا لا يحسن أن يكون مجوِّزاً لتقدُّم العامل على اسم الاستفهام، وإن دخله معنى التعجب، ألا ترى أن "كيف، وأي"، وإن دخلهما معنى التعجب، لا يتقدم عاملهما عليهما. وقد اختلف النحويون في اسم الاستفهام إذا قصد به الاستئناف، هل يجوز تقديم عامله أم لا؟. والصحيح أنَّه لا يجوز، ولذلك لا يجوز أن يتقدَّم عامل "كم" الخبرية عليها لشبهها في اللفظ بالاستفهامية، فهذا أولى، وعلى تعلقها بـ "عدلك"، تكون "ما" منصوبة على المصدر. قال أبو البقاء: يجوز أن تكون "ما" زائدة، وأن تكون شرطية، وعلى الأمرين الجملة نعت لـ "صورة"، والعائد محذوف، أي: ركبك عليها، و "في": تتعلق بـ "ركَّبك". وقيل: لا موضع للجملة؛ لأن "في" تتعلقُ بأحد الفعلين والجميع كلام واحد، وإنما يتقدم الاستفهام على ما هو حقه. قوله: بأحد الفعلين، يعني: "شاء وركبك"، فيحصل في "ما" ثلاثة أوجه، الزيادة، وكونها شرطية، وحينئذ جوابها محذوف، والنصب على المصدرية، أي: واقعة موقع مصدر.
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ} أيْ أيُّ شيءٍ خدعكَ وجرَّأك على عصيانِه وقد علمتَ ما بـينَ يديكَ من الدواهِي التامَّةِ والعراقيلِ الطَّامة وما سيكونُ حينئذٍ من مُشاهدةِ أعمالِك كُلِّها. والتعرضُ لعنوانِ كرمِه تعالَى للإيذانِ بأنَّه ليسَ مما يصلُح أن يكونَ مداراً لاغترارِه حسبَما يغويهِ الشيطانُ ويقولُ له افعلْ ما شئتْ فإنَّ ربكَ كريمٌ قد تفضلَ عليكَ في الدُّنيا وسيفعلُ مثَلُه في الآخرةِ فإنَّه قياسٌ عقيمٌ وتمنيةٌ باطلةٌ بل هُو ممَّا يوجبّ المبالغةَ في الإقبالِ على الإيمانِ والطاعةِ والاجتنابِ عن الكفرِ والعصيانِ كأنَّه قيلَ: ما حملكَ على عصيانِ ربِّكَ الموصوفِ بالصفاتِ الزاجرةِ عنهُ الداعيةِ إلى خلافِه. وقولُه تعالى {ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} صفةٌ ثانيةٌ مقررةٌ للربوبـيةِ مبـيَّنة للكرم منبهةٌ على أنَّ منْ قدرَ على ذلكَ بدَءاً قدرَ عليه إعادةً، والتسويةُ جعلُ الأعضاءِ سليمةً سويةً مُعدةً لمنافعها وعدلها عدلَ بعضِها ببعضٍ بحيثُ اعتدلتْ وَلَم تتفاوتْ أو صَرْفُها عن خِلْقةٍ غيرِ ملائمةٍ لها. وقُرِىءَ فعدّلكَ بالتشديدِ أيْ صيَّركَ مُعتدلاً متناسبَ الخلقِ من غير تفاوتٍ فيه {في أي صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ} أي ركبكَ في أيَّ صورةٍ شاءَهَا من الصور المختلفةِ ومَا مزيدةٌ وشاءَ صفةٌ لصورةٍ أي ركبكَ في أيِّ صورةٍ شاءَها واختارَها لكَ من الصورِ العجيبةِ الحسنةِ كقولِه تعالَى: { أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [سورة التين، الآية 4] وإنما لَمْ يعطفْ الجملةَ على ما قبلَها لأنها بـيانٌ لعدلكَ. {كَلاَّ} ردعٌ عن الاغترارِ بكرمِ الله تعالَى وجعلِه ذريعةً إلى الكفرِ والمعاصِي مع كونِه موجباً للشكرِ والطاعةِ وقولُه تعالى: {بَلْ تُكَذّبُونَ بِٱلدّينِ} إضرابٌ عن جملةٍ مقدرةٍ ينساقُ إليها الكلامُ كأَّنه قيلَ بعد الردعِ بطريق الاعتراضِ وأنتم لا ترتدعونَ عن ذلكَ بل تجترئونَ على أعظمِ من ذلكَ حيثُ تكذبونَ بالجزاءِ والبعثِ رأساً أو بدينِ الإسلامِ الذي هُما من جملةِ أحكامِه فلا تصدقونَ سؤالاً ولا جواباً ولا ثواباً ولا عقاباً وقيلَ: كأنه قيل إنكْم لا تستقيمونَ على ما توجبُه نِعَمِي عليكُم وإرشادِي لكُم بل تكذبونَ الخ وقال القفالُ: ليسَ الأمرُ كَما تقولونَ من أنَّه لا بعثَ ولا نشورَ ثم قيلَ: أنتُم لا تتبـينونَ بهذا البـيانِ بل تكذبونَ بـيومِ الدينِ. وقولُه تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ} حالٌ من فاعلِ تكذبونَ مفيدةٌ لبطلانِ تكذيبِهم وتحققِ ما يكذبونَ بهِ أي تكذبونَ بالجزاءِ والحالُ أنَّ عليكُم من قبلِنا لحافظينَ لأعمالِكم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيم}[6] قال: أي ما غرك بدونه فقطعك عنه مع لطفه وكرمه. قيل له: ما القاطع؟ قال: العبد لله والله لعبده، وليس شيء أقرب إليه من قلب المؤمن، فإذا حضر الغير فيه فهو الحجاب، ومن نظر إلى الله بقلبه بَعُدَ عن كل شيء دونه، ومن طلب مرضاته أرضاه بحلمه، ومن أسلم إلى الله تعالى قلبه تولى جوارحه فاستقامت، وإنما شهدت قلوبهم على قدر ما حفظوا من الجوارح. ثم قال: ألزموا قلوبكم، نحن مخلوقون وخالقنا معنا، ولا تملوا من أعمالكم، فإن الله شاهدكم حيثما كنتم، وأنزلوا به حاجاتكم، وموتوا على بابه، وقولوا: نحن جهال وعالمنا معنا، ونحن ضعفاء ومقوينا معنا، ونحن عاجزون وقادرنا معنا، فإن من لزمها كان الهواء والفضاء والأرض والسماء عنده سواء. وقال عمر بن واصل تلميذ سهل: إذا قرأ هذه الآية قال: غرني الجهل بترك العصمة منك.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: ما قطعك عن مولاك. وقال جعفر: ما الذى أقعدك عن خدمة مولاك. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لو قيل لى ما غرك بى؟ لقلت: يا رب كرمك. وقال يحيى بن معاذ: لو قيل لى ما غرك بى؟ لقلت: جهلى بك غرنى لا غير. وقال منصور بن عفان: لو قيل لى ما غرك بى؟ لقلت يا رب ما غرنى إلا ما علمته من فضلك على عبادك وصفحك عنهم.
البقلي
تفسير : عجبت من هذا الخطاب الذى فيه تهديد المخالف ومواساة الموافق كيف يخاطب بخطاب مع المخالف الذى فيه مواساة الموافق فيه ما فيه من اشارات علومه المجهولة كنوزه الغيبية التى لا يعرفها الا دهش فى الوحدانية ها ثم فى رؤية الفردانية مشرف بالحق على ما للحق من مكنون سره ولطائف يره الذى حلاوتها يغر كل مغرور وتنشط كل مجترئ فى اقتحامه فى شاقات البليات وبيان ذلك ظاهر فى قوله ما غرك بربك الكريم يلقيهم جواب سواله ليقولوا اكرمك يا ربنا غرنا قال ابن عطا ما قطعك عن صحبتى مولاك وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه او قيل لى ما غرك بى قلت جهلى بك غرنى لا غير قال منصور بن عمار لو قيل لى ما غرك بى قلت يا رب ما غرنى الا ما علمته من فضلك على عبادك وصفهك عنهم وقال يحيى بن معاذ لو قيل لى ما غرك بى قلت بربك بى.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الانسان} يعم جميع العصاة ولا خصوص له بالكفار لوقوعه بين المجمل ومفصله اى بين علمت نفس الخ وبين ان الابرار الخ واما قوله بل تكذبون بالدين فمن قبيل بنوا فلان قتلوا زيدا اذا كان القاتل واحدا منهم قال الامام السهيلى رحمه الله قوله يا أيها الانسان يريد امية بن خلف ولكن اللفظ عام يصلح له ولغيره وقيل نزلت فى الوليد بن المغيرة او الاسود بن كلدة الجمحى قصد النبى عليه السلام فى بطحاء مكة فلم يتمكن منه فلم يعاقبه الله على ذلك وفى زهرة الرياض ضرب على يا فوخ رسول الله عليه السلام فأخذه رسول الله وضربه على الارض فقال له يا محمد الامان الامان منى الجفاء ومنك الكرم فانى لا أوذيك ابدا فتركه رسول الله عليه السلام {ما غرك بربك الكريم} ما استفهامية فى موضع الابتدآء وغرك خبره والاستفهام بمعنى الاستهجان والتوبيخ والمعنى اى شئ خدعك وجرأك على عصيانه وأمنك من عقابه وقد علمت ما بين يديك من الدواهى وما سيكون حينئذ من مشاهدة اعمالك كلها يقال غره بفلان اذا جرأه عليه وأمنه المحذور من جهته مع انه غير مأمون والتعرض لعنوان كرمه تعالى للايذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مدار الاغترار حسبما يغويه الشيطان ويقول له افعل ما شئت فان ربك كريم قد تفضل عليك فى الدنيا وسيفعل مثله فى الآخرة فان قياس عقيم وتمنية باطلة بل هو مما يوجب المبالغة فى الاقبال على الايمان والطاعة والاجتناب عن الكفر والعصيان كأنه قيل ما حملك على عصيان ربك الموصوف بالصفات الزاجرة عن الداعية ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأها غره جهله وقال الحسن البصرى رحمه الله غره والله شيطانه فظهر أن كرم الكريم لا يقتضى الاغترار به بل هو يقتضى الخوف والحذر من مخالفته وعصيانه من حيث ان اهمال الظالم ينافى كونه كريما بالنسبة الى المظلوم وكذا التسوية بين الموالى والمعادى فاذا كان محض الكرم لا يقتضى الاغترار به فكيف اذا انضم اليه صفة القهر ولله الاسماء المتقابلة ولذا قال {أية : نبئ عبادى انى أنا الغفور الرحيم وان عذابى هو العذاب الأليم}تفسير : قال القاشانى كان كونه كريما يسوغ الغرور ويسهله لكن له من النعم الكثيرة والمنن العظيمة والقدرة الكاملة ما يمنع من ذلك اكثر من تجويز الكرم اياه وقيل للفضيل بن عياض رحمه الله ان أقامك الله يوم القيامة وقال لك ما غرك بربك الكريم ماذا تقول قال أقول غرتنى ستورك المرخاة ونظمه ابن السماك فقال شعر : يا كاسب الذنب أما تستحى والله فى الخلوة ثانيكا غرك من ربك امهاله وستره طول مساويكا تفسير : قال صاحب الكشاف قول الفضيل على سبيل الاعتراف بالخطا فى الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع ويظن به قصاص الحشوية ويرونه من ائمتهم انما قال بربك الكريم دون صفاته من الجبار والقهار والمنتقم وغير ذلك ليلقن عبده الجواب حتى يقول غرنى كرم الكريم. يقول الفقير الحق ان هذا الباب مما يقبل الاختلاف بالنسبة الى أحوال الناس فليس من يفهم الاشارة كمن لا يفمهما وكم من فرق بين ذنب وذنب وظن وظن ولذا قال أهل الاشارة ايراد الاسم الكريم من بين الاسماء كأنه من جهة التلقين. شعر : خود تو دادى مزدهء لانقطوا من جرا ترسم زعصيان وعتو جون توهر شكسته راسازى درست بس خطاها بر آميد عفوتست تفسير : وقال يحيى بن معاذ رحمه الله غرنى برك سالفا وآنفا شعر : يقول مولاى اما اتستحى مما أرى من سوء أفعالك فقلت يا مولاى رفقا فقد أفسدنى كثرة افضالك تفسير : وعن على رضى الله عنه انه صوت بغلام له مرارا فلم يجبه وهو بالباب فقال لم لم تجبنى فقال لثقتى بحلمك وأمنى من عقوبتك فأعتقه احسانا لقوله وقال بعض أهل الاشارة عجبت من هذا الخطاب الذى فيه تهديد المخالف ومواساة الموافق كيف يخاطب المخالف بخطاب فيه مواساة الموافق ففيه من الرموز ما لا يعرفه الا اهل الاشارة قال بعضهم رأيت فى سوق البصرة جنازة يحملها اربعة وليس معهم مشيع فقلت لا اله الا الله سوق البصرة وجنازة رجل مسلم لا يشيعها احدانى لأشيعها فتبعتها وصليت عليها ولما دفنوه سألتهم عنه قالوا ما نعرفه وانما اكترتنا تلك المرأة وأشاروا الى امرأة واقفة قريبا من القبر ثم انصرفوا فرفعت المرأة يدها الى السماء تدعو ثم ضحكت وانصرفت فتعلقت بها وقلت لا بد أن تخبرينى بقضيتك فقالت ان هذا الميت ابنى ولم يترك شيأ من المعاصى الا فعله فمرض ثلاثة ايام فقال لى يا أمى اذا مت لم تخبرى الجيران بموتى فانهم يفرحون بموتى ولا يحضرون جنازتى ولكن اكتبى على خاتمى لا اله الا الله محمد رسول الله وضعيه فى أصبعى وضعى رجلك على خدى اذا مت وقولى هذا جزآء من عصى الله فاذا دفنتنى فارفعى يديك الى الله وقولى اللهم انى رضيت عنه فارض عنه فلما مات فعلت جميع ما أوصانى به فلما رفعت يدى الى السماء ودعوت سمعت صوته بلسان فصيح انصرفى يا أمى فقد قدمت على رب كريم رحيم فرضى عنى فلذلك ضحكت سرورا بحاله اورده الامام القشيرى فى شرح الاسماء (وفى الحديث الصحيح) حديث : ان الله يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه وستره فيقول أتعرف ذنب كذا فيقول نعم اى رب حتى قرره بذنوبه ورأى فى نفسه انه هلك قال سترتها عليك فى الدنيا وأنا أغفر لك اليوم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الإِنسانُ ما غرّكَ بربك الكريم}؛ أيّ شيءٍ خدعك وجرّأك على عصيانه، وقد علمتَ ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطَامّة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قَدَّمتَ من أعمالِك، وما أخّرت؟ والتعرُّض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مداراً للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئتَ فإنَّ ربك كريم، قد تفضّل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يُوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم لمّا قرأها قال: "حديث : غرَّه جهلُه"تفسير : وعن عمر رضي الله عنه: غرّه حُمقه، وقال قتادة: غرّه عدوه المسلّط عليه ـ يعني الشيطان ـ وقيل للفضيل: لو أقامك اللهُ تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: {ما غرَّك بربك الكريم} ماذا كنتَ تقول؟ قال: أقول: ستُورك المرخاة، لأنَّ الكريم هو الستّار وأنشدوا: شعر : يا كـاتِـمَ الذنْـب أّمَا تَسْتَحِـي والـلّـهُ في الخلــوة رَائِيكَـــا غَــرَّكَ مِـنْ رَبِّــك إمْهَالُــه وسترُه طـولَ مسَــاوِيـكـــا تفسير : وقال مقاتل: غرّه عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غرّه رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرّك بي؟ لقلتُ: غرّني بك بِرّك سالفاً وآنفاً، وقال آخر: أقول: غرّني حلمك، وقال أبو بكر الورّاق: لو قال لي: ما غرَّك بي؟ لقلتُ: غرّني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقَّنه الإجابة حتى يقول: غرّني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد: غرّني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمّار: لو قيل لي: ما غرّك؟ قلت: ما غرّني إلا ما علمتُه من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. هـ. {الذي خَلَقك فَسَوَّاكَ} أي: جعلك مستوي الخلْقِ، سالم الأعضاء مُعَدّة لمنافعها، {فعدلك}؛ فصيّرك معتدلاً متناسب الخَلق, غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلاً تمشي قائماً، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صَرَفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. {في أيّ صورةٍ ما شاء رَكَّبَك} أي: رَكَّبك في أيّ صورة شاءها من الصور المختلفة، و"ما": مزيدة، و(شاء): صفة لصورة، أي: ركَّبك في أيّ صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين:4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها؛ لأنها بيان لـ"عدلك". {كلاَّ}، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجباً للشكر والطاعة. والإضرابَ في قوله تعالى: {بل تُكذِّبون بالدين} عن جملة مقدّرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تُصدقون به، {وإِنَّ عليكم لَحافِظين}: حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يُكذِّبون به، أي: تُكذِّبون بالجزاء، والحال أنَّ عليكم مِن قِبلنا لحافظين لأعمالكم، {كِراماً} عندنا {كاتبين} لها، {يعلمون ما تفعلون} من الخير والشر، قليلاً أو كثيراً، ويضبطونه نقيراً أو قطميراً. وفي تعظيم "الكاتبين"، بالثناء عليهم؛ تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكِرام. الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرَّك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟! غرّه جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه, والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجهٍ، أو ظنّ أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدماً واحداً، ظنّ أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غَرّ كثيراً من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صُحبتهم للعارفين، ولو صَحِبوا الرجالَ لرأوا أنفسهم في أول قدم مِن الإرادة، وهذا هو الجهل المركّب، جَهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوّقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحاً قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لمّا زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذِّب بالبعث والحساب؛ مع أنّ عليهم من الله حفظة كِراماً، يعلمون ما يفعلون، فلم يُراقبوا الله جلّ جلاله، المُطَّلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المُطَّلعين على أفعالهم. والله تعالى أعلم. ثم بيَّن مآل مَن انزجر عن غروره، ومَن لم ينزجر، فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} التّوصيف بالكرم تهكّم به حيث يقول المغترّون به تعالى: انّ الله كريم فيقول تبارك وتعالى: انّ الله كريم لكنّك ما عملت ما استحققت به كرمه، او المنظور تلقينه حجّة غروره كأنّه قال: ما غرّك بربّك غير كرمه والمقصود انّك ما فعلت فعلاً لائقا لكرمه حتّى يعمّك كرمه.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ} أي شيء خدعك وجرك على عصيانه وماذا آمنك من عقابه، وما للإستفهام التوبيخي إنكارا للإغترار به وإنما ذكر الكريم مع أن المقام مقام توبيخ وإنكار والمعروف أنه إنما يغتر للكريم كما يروى عن أنه صاح بغلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال مالك لم تجبني قال لثقتي بحلمك وإنني من عقابك فاستحسن جوابه وأعتقه وكما اشتهر أن من كرم الرجل سوء أدب غلمانه للمبالغة في المنع عن الإغترار فإن الكرم المحض لا يقتضي إمهال الظالم وتسوية الموالي والمعادي وللإشعار بأن ذلك الغرور عظيم لا يناسبه الكرم فلا كرم لصاحبه وللإشعار بما يغره الشيطان به من قوله افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحدا ولا يعاجل بالعقوبة ولدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الإنهماك في عصيانه إغرارا بكرمه وإن حق الإنسان أن لا يغتر بتكرم الله حيث خلقه وأنعم عليه حتى يطمع بعد كفرانه أن يتفضل عليه بالثواب وطرح العقاب فإن هذا منكر خارج عن حد الحكمة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما تلاها غره جهله. وقال عمر رضي الله عنه غره حمقه وجهله وقال الحسن غره والله شيطانه الخبيث الذي زين له المعاصي وقال له افعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل أولا هو متفضل عليك آخر حتى ورطه، وقيل للفضيل بن عياض أن أقامك الله يوم القيامة وقال لك {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ} فماذا تقول قال أقول غرتني ستورك المرخاة وهذا على سبيل الإعتراف بالخطأ في الإغترار بالستر وليس ذلك بعذر كما يظنه الطماع ويظنه قصاص الحشوي ويروون عن أأمتهم إنما قال ربك الكريم دون سائر صفاته ليلقين عبده الجواب حتى يقول غرني كرم الكريم وحكى الثعالبي عن الثعالبي أن أهل الإشارة قالوا إنما قال بربك الكريم تلقينا للجواب حتى يقول غرني كرمك. وروى التعالبي أنه قال صلى الله عليه وسلم لما تلاها غره جهله قال بعد الرواية فسبحان الله ما أرحمه بعباده وعن ابن مسعود ما منكم من أحد إلا سيقول الله له يوم القيامة يا ابن آدم ما غرك بي وماذا عملت فيما علمت يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ولعل مراد هؤلاء مراد ابن مسعود من أنه يعاتب الثائب السعيد عما صدر منه فيجيب بذلك وإما أن يكون ذلك جوابا ينفع غير الثائب فلا. وعن يحيى بن معاذ لو قال ما غرك بي أقول غرك بربك بي سالفا وألفا وعن ابي بكر الوراق لو قال لي ما غرك بي لقلت غرني بك أنك أكرم الأكرمين، قال بعضهم ليس شيء أقرب الى الله من قلب المؤمن فإذا حضر الغير فيه فهو الحجاب ومن نظر الى الله بقلبه بعد عن كل شيء دونه ومن طلب طاعته أرضاه بحلمه ومن أسلم الى الله قلبه فولى جوارحه فاستقامت وإنما شهدت قلوبهم على قدر ما حفظوا من جوارحهم فألزموا قلوبكم نحن مخلقون وخالقنا معنا ولا تملوا من عملكم فإن الله شاهدكم حيث ما كنتم وأنزلوا به حاجاتكم وموتوا على بابه وقولوا نحن جهال وعالمنا معنا ونحن ضعفاء ومقوينا معنا ونحن عاجزون وقادرنا معنا فإن من لزمها كان الهواء والفضاء والأرض والسماء عنده سواء. وعن بعض أن الآية نزلت في الوليد ابن المغيرة وقيل في أبي ابن الأشد وإسمه أسيد ابن كلدة وقيل اسمه كلدة بن خلف وكان كافرا ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه الله وأنزل الآية وقيل عامة في كل كافر وعاص وقرأ سعيد بن جبير ما أغرك ما على التعجب وإما على لإستفهام من قولك غر الرجل بالرفع فهو غار أي غفل وأغره غيره جعله غافلا.
اطفيش
تفسير : {يَا أيُّهَا الإِنسَانُ} خطاب فى الدنيا للكافر على العموم وعن عكرمة أنه أُبى بن خلف وعليه فيحمل غيره عليه حملاً وليس من باب خصوص السبب وعموم الحكم لأَنه كأَنه قيل يا فلان نعم إن قيل هى عامة سبب نزولها أُبى بن خلف كان من ذلك، والعموم من أول بلا حمل أولى لأَن الكلام قل وبعد على العموم ووقع بين المجمل وهو علمت نفس وتفصيله بأَن الأَبرار وأن الفجار وقيل نزلت فى الوليد ابن المغيرة وقيل فى أبى الشريق وهو أسيد بن كلدة وقيل اسمه كلدة. {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} الباء للبدلية والمعنى ما غرك بدلا من ربك الكريم أو بمعنى عن وضمن غرك معنى صرفك عن طاعته الى معصيته ومقتضى الظاهر ما غرك بربك القاهر والشديد العقاب ولكن جعل بدله الكريم تلويحاً بأَنه لا يليق لعاقل ما أن يعصى من شأنه الكرم ومن أنعم بالنعم العظام قال بعض أقول غرنى عفوك وكرمك وسترك،وعن الفضيل بن عياض إن سأَلنى قلت غرنى سترك المرخى وستورك المرخاة، وعن يحيى بن معاذ غرنى برك سالفاً وآنفاً، وقال أبو بكر الوراق غرنى كرم الكريم وقال قتادة غره عدوه المسلط عليه وعن الحسن غره شيطانه وعن عمر غره حمقه وقرأها - صلى الله عليه وسلم - فقال غره الجهل وقرأها عمر فقال إنه كان ظلوماً جهولاً وكل ذلك صحيح لا يتناقض إلا أن بعضا راعى سعة الرحمة وتمناها وجرى على ذلك حتى قيل على سبيل الانبساط هذا تعليم من الله الجواب لنا فى الدنيا ويقال يعرف حسن الخلق والإِحسان من قلة الأدب فى الغلمان وبعضا راعى الإِجلال وعن ابن مسعود يخلو الله بكل أحد ويقول يا ابن آدم ما غرك بى ماذا عملت فيما علمت يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين.
الالوسي
تفسير : أي أي شيء خدعك وجَرَّأك على عصيانه تعالى وارتكاب ما لا يليق بشأنه عز شأنه وقد علمت ما بين يديك وما سيظهر من أعمالك عليك. والتعرض لعنوان كرمه تعالى دون قهره سبحانه من صفات الجلال المانعة ملاحظتها عن الاغترار للإيذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مداراً لاغتراره حسبما يغويه الشيطان ويقول له افعل ما شئت فإن ربك كريم قد تفضل عليك في الدنيا وسيفعل مثله في الآخرة أو يقول له نحو ذلك مما مبناه الكرم كقول بعض شياطين الإنس: شعر : تكثر ما استطعت من الخطايا ستلقى في غد رباً غفورا تعض ندامة كفيك مما تركت مخافة الذنب السرورا تفسير : فإنه قياس عقيم وتمنية باطلة بل هو مما يوجب المبالغة في الإقبال على الإيمان والطاعة والاجتناب عن الكفر والعصيان دون العكس ولذا قال بعض العارفين لو لم أخف الله تعالى لم أعصه، فكأنه قيل ما حملك على عصيان ربك / الموصوف بما يزجر عنه وتدعو إلى خلافه. وقيل إن هذا تلقين للحجة وهو من الكرم أيضاً فإنه إذا قيل له ما غرك الخ يتفطن للجواب الذي لقنه ويقول كرمه كما قيل يعرف حسن الخلق والإحسان بقلة الآداب في الغلمان ولم يرتض ذلك الزمخشري وكأن الاغترار بذلك في النظر الجليل وإلا فهو في النظر الدقيق كما سمعت. وعن الفضيل أنه قال غره ستره تعالى المرخي وقال محمد بن السماك: شعر : يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة رائيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويك تفسير : وقال بعضهم: شعر : يقول مولاي أما تستحي مما أرى من سوء أفعالك فقلت يا مولاي رفقاً فقد جرأني كثرة أفضالك تفسير : وقال قتادة غره عدوه المسلط عليه. حديث : وروي أن النبـي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية فقال الجهلتفسير : وقاله عمر رضي الله تعالى عنه وقرأ {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72] والفرق بين هذا وبين ماذكروا لا يخفى على ذي علم. واختلف في الإنسان المنادى فقيل الكافر بل عن عكرمة أنه أبـي بن خلف وقيل الأعم الشامل للعصاة وهو الوجه لعموم اللفظ ولوقوعه بين المجمل ومفصله أعنى {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ}تفسير : [الانفطار: 5]{أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ ... وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ}تفسير : [الانفطار: 13ـ14] وأما قوله تعالى: {أية : بَلِ تُكَذِّبُونَ بِٱلدّينِ }تفسير : [الانفطار: 9] ففي «الكشف» إما أن يكون ترشيحاً لقوة اغترارهم بإيهام أنهم أسوأ حالاً من المكذبين تغليظاً وإما لصحة خطاب الكل بما وجد فيما بينهم. وقرأ ابن جبير والأعمش (ما أغرك) بهمزة فاحتمل أن يكون تعجباً وأن تكون ما استفهامية كما في قراءة الجمهور وأغرك بمعنى أدخلك في الغرة.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لأن ما قبله بمنزلة المقدمة له لتهيئة السامع لتلقي هذه الموعظة لأن ما سبقه من التهويل والإِنذار يهيّىء النفس لقبول الموعظة إذ الموعظة تكون أشدّ تغلغلاً في القلب حينئذ لما يشعر به السامع من انكسار نفسه ورقّة قلبه فيزول عنه طغيان المكابرة والعناد فخطر في النفوس ترقب شيء بعد ذلك. النداء للتنبيه تنبيهاً يشعر بالاهتمام بالكلام والاستدعاء لسماعه فليس النداء مستعملاً في حقيقته إذ ليس مراداً به طلب إقبال ولا هو موجّه لشخص معين أو جماعة معينة بل مثلُه يجعله المتكلم موجّهاً لكل من يسمعه بقصد أو بغير قصد. فالتعريف في {الإِنسان} تعريف الجنس، وعلى ذلك حمله جمهور المفسرين، أي ليس المراد إنساناً معيناً، وقرينة ذلك سياق الكلام مع قوله عَقِبَه { أية : بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين } تفسير : [الانفطار: 9، 10] الآية. وهذا العموم مراد به الذين أنكروا البعث بدلالة وقوعه عقب الإِنذار بحصول البعث ويدل على ذلك قوله بعده: { أية : بل تكذبون بالدين } تفسير : [الانفطار: 9] فالمعنى: يا أيها الإنسان الذي أنكر البعث ولا يكون منكر البعث إلا مشركاً لأن إنكار البعث والشرك مُتلازمان يومئذ فهو من العامّ المراد به الخصوص بالقرينة أو من الاستغراق العرفي لأن جمهور المخاطبين في ابتداء الدعوة الإِسلامية هم المشركون. و{مَا} في قوله: {ما غرك بربك} استفهامية عن الشيء الذي غرّ المشرك فحمله على الإِشراك بربه وعلى إنكار البعث. وعن ابن عباس وعطاء: الإِنسان هنا الوليد بن المغيرة، وعن عكرمة المراد أبيّ بن خلف، وعن ابن عباس أيضاً: المراد أبو الأشد بن كَلَدَة الجُمحِي، وعن الكلبي ومقاتل: نزلت في الأسود بن شَريق. والاستفهام مجاز في الإِنكار والتعجيب من الإِشراك بالله، أي لا موجب للشرك وإنكار البعث إلا أن يكون ذلك غروراً غرّه عنا كناية عن كون الشرك لا يخطر ببال العاقل إلا أن يغره به غار، فيحتمل أن يكون الغرور موجوداً ويحتمل أن لا يكون غروراً. والغرور: الإِطماع بما يتوهمه المغرور نفعاً وهو ضرّ، وفعلُه قد يسند إلى اسم ذات المُطمع حقيقة مثل: { أية : ولا يغرنكم باللَّه الغرور } تفسير : [لقمان: 33] أو مجازاً نحو: { أية : وغرّتكم الحياة الدنيا } تفسير : [الجاثية: 35] فإن الحياة زمان الغرور، وقد يسند إلى اسم معنى من المعاني حقيقة نحو: { أية : لا يغرّنّك تقلب الذين كفروا في البلاد } تفسير : [آل عمران: 196]. وقول امرىء القيس: شعر : أغرَّك مني أن حبك قاتلي تفسير : أو مجازاً نحو قوله تعالى: { أية : زُخْرُف القول غروراً } تفسير : [الأنعام: 112]. ويتعدى فعله إلى مفعول واحد، وقد يذكر مع مفعوله اسم ما يتعلق الغرور بشؤونه فيعدى إليه بالباء، ومعنى الباء فيه الملابسة كما في قوله: { أية : ولا يغرنكم باللَّه الغرور } تفسير : [لقمان: 33]، أي لا يغرنكم غروراً متلبساً بشأن الله، أي مصاحباً لشؤون الله مصاحبة مجازية وليست هي بَاء السببية كما يقال: غره ببذل المال، أو غرّه بالقول. وإذ كانت الملابسة لا تتصوّر ماهيتها مع الذوات فقد تعين في باء الملابسة إذا دخلت على اسم ذات أن يكون معها تقدير شأن من شؤون الذات يفهم من المقام، فالمعنى هنا: ما غرك بالإِشراك بربك كما يدل عليه قوله: {الذي خلقك فسوّاك فعدّلك} الآية فإن منكر البعث يومئذ لا يكون إلاّ مشركاً. وإيثار تعريف الله بوصف «ربك» دون ذكر اسم الجلالة لما في معنى الرب من الملك والإِنشاء والرفق، ففيه تذكير للإِنسان بموجبات استحقاق الرب طاعة مربوبه فهو تعريض بالتوبيخ. وكذلك إجراء وصف الكريم دون غيره من صفات الله للتذكير بنعمته على الناس ولطفه بهم فإن الكريم حقيق بالشكر والطاعة. والوصف الثالث الذي تضمنته الصلة: {فعَدَّلك في أيّ صورة} جامع لكثير مما يؤذن به الوصفان الأولان فإن الخلق والتسوية والتعديل وتحسين الصورة من الرفق بالمخلوق، وهي نعم عليه وجميع ذلك تعريض بالتوبيخ على كفران نعمته بعبادة غيره. وذكر عن صالح بن مسمار قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال: «غرَّه جهلُه»، ولم يذكر سنداً. وتعداد الصلات وإن كان بعضها قد يغني عن ذكر البعض فإن التسوية حالة من حالات الخلق، وقد يغني ذكرها عن ذكر الخلق كقوله: { أية : فسوّاهن سبع سماوات } تفسير : [البقرة: 29] ولكن قُصد إظهار مراتب النعمة. وهذا من الإِطناب المقصود به التذكير بكل صلة والتوقيف عَليها بخصوصها، ومن مقتضيات الإِطناب مقام التوبيخ. والخَلق: الإِيجاد على مقدار مقصود. والتسْوية: جعل الشيء سويّاً، أي قويماً سليماً، ومن التسوية جعل قواه ومنافعه الذاتية متعادلة غير متفاوتة في آثار قيامها بوظائفها بحيث إذا اختل بعضها تطرق الخلل إلى البقية فنشأ نقص في الإِدراك أو الإِحساس أو نشأ انحراف المزاج أو ألم فيه، فالتسوية جامعة لهذا المعنى العظيم. والتعديل: التناسب بين أجزاء البدن مثل تناسب اليدين، والرجلين، والعينين، وصورة الوجه، فلا تفاوت بين متزاوجها، ولا بشاعة في مجموعها. وجعَلَه مستقيم القامة، فلو كانت إحدى اليدين في الجنب، والأخرى في الظهر لاختلّ عملهما، ولو جعل العينان في الخلف لانعدمت الاستفادة من النظر حال المشي، وكذلك مواضع الأعضاء الباطنة من الحَلق والمعدة والكبد والطحال والكليتين. وموضع الرئتين والقلب وموضع الدماغ والنخاع. وخلق الله جسد الإِنسان مقسمةً أعضاؤه وجوارحه على جهتين لا تفاوت بين جهة وأخرى منهما وجعل في كل جهة مثل ما في الأخرى من الأوردة والأعصاب والشرايين. وفرع فعل «سوَّاك» على {خلَقك} وفِعل «عدَّلك» على «سوّاك» تفريعاً في الذكر نظراً إلى كون معانيها مترتبة في اعتبار المعتبر وإن كان جميعاً حاصلاً في وقت واحد إذ هي أطوار التكوين من حين كونه مضغة إلى تمام خلقه فكان للفاء في عطفها أحسن وقع كما في قوله تعالى: { أية : الذي خلق فسوّى والذي قدَّر فهدَى } تفسير : [الأعلى: 2، 3]. وقرأ الجمهور: {فعدَّلك} بتشديد الدال. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف الدال، وهما متقاربان إلا أن التشديد يدل على المبالغة في العدل، أي التسوية فيفيد إتقان الصنع. وقوله: {في أيّ صورة} اعلم أن أصل {أي} أنها للاستفهام عن تمييز شيء عن مشاركيه في حاله كما تقدم في قوله تعالى: { أية : من أي شيء خلقه } تفسير : في سورة عبس (18) وقوله تعالى: { أية : فبأي حديث بعده يؤمنون } تفسير : [الأعراف: 185]. والاستفهام بها كثيراً ما يراد به الكناية عن التعجب أو التعجيب من شأن ما أضيفت إليه {أيّ} لأن الشيء إذا بلغ من الكمال والعظمة مبلغاً قوياً يُتساءل عنه ويُستفهم عن شأنه، ومن هنا نشأ معنى دلالة {أيّ} على الكمال، وإنما تحقيقه أنه معنى كنائي كثر استعماله في كلامهم، وإنما هي الاستفهامية، و{أيّ} هذه تقع في المعنى وصفاً لنكرة إمّا نعتاً نحو: هو رجل أيُّ رجل، وإما مضافة إلى نكرة كما في هذه الآية، فيجوز أن يتعلق قوله: {في أي صورة} بأفعال «خلقَك، فسوَّاك، فعدَّلك» فيكون الوقف على {في أيّ صورة}. ويجوز أن يتعلق بقوله {ركّبك} فيكون الوقف على قوله {فعدّلك} ويكون قوله {ما شاء} معترضاً بين {في أي صورة} وبين {ركَبَّك}. والمعنى على الوجهين: في صورةٍ أيّ صورة، أي في صورة كاملة بديعة. وجملة {ما شاء ركبك} بيان لجملة {عدَّلك} باعتبار كون جملة {عدّلك} مفرعة عن جملة {فسوَّاك} المفرعة عن جملة {خلقك} فبيانها بيان لهما. و{في} للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة، أي خلقك فسوّاك فعدلك ملابساً صورة عجيبة فمحل {في أي صورة} محل الحال من كاف الخطاب وعامل الحال {عدّلك}، أو {ركّبك}، فجعلت الصورة العجيبة كالظرف للمصوّر بها للدلالة على تمكنها من موصوفها. و{ما} يجوز أن تكون موصولة مَا صدقُها تركيب، وهي في موضع نصب على المفعولية المطلقة و{شاء} صلة {ما} والعائد محذوف تقديره: شاءه. والمعنى: ركّبك التركيب الذي شاءه قال تعالى: { أية : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } تفسير : [آل عمران: 6]. وعُدل عن التصريح بمصدر {ركّبك} إلى إبهامه بــــ {ما} الموصولة للدلالة على تقحيم الموصول بما في صلته من المشيئة المسندة إلى ضمير الرب الخالق المبدع الحكيم وناهيك بها. ويجوز أن تكون جملة {شاء} صفة لــــ {صورة}، والرابط محذوف و{ما} مزيدة للتأكيد، والتقدير: في صورة عظيمة شاءها مشيئةً معينة، أي عن تدبير وتقدير.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ٱلإِنسَانُ} (6) - يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الإِنْسَانَ عَلَى كُفْرِهِ وَعِصْيَانِهِ لِرَبِّهِ، مَعَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ العَقْلَ وَالقُدْرَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَأَظْهَرَ لَهُ الدَّلاَئِلَ وَالحُجَجَ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَيَقُولُ تَعَالَى للإِنْسَانِ: مَا الذِي غَرَّكَ وَجَرَّأَكَ وَحَمَلَكَ عَلَى عِصْيَانِ رَبِّكَ الكَرِيمِ العَظِيمِ، حَتَّى أَقْدَمْتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَابَلْتَهُ بِمَا لاَ يَلِيقُ عَلَى فَضْلِهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْكَ. وَوَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالكَرِيمِ تَنْبِيهاً لِلإِنْسَانِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَابِلَ الكَرِيمَ بِالأَفْعَالِ القَبِيحَةِ. مَا غَرَّكَ - مَا خَدَعَكَ وَجَرَّأَكَ عَلَى عِصْيَانِ رَبِّكَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى معاتبا للإنسان المقصر في حق ربه، المتجرئ على مساخطه: { يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } أتهاونا منك في حقوقه؟ أم احتقارا منك لعذابه؟ أم عدم إيمان منك بجزائه؟ أليس هو { الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ } في أحسن تقويم؟ { فَعَدَلَكَ } وركبك تركيبا قويما معتدلا في أحسن الأشكال، وأجمل الهيئات، فهل يليق بك أن تكفر نعمة المنعم، أو تجحد إحسان المحسن؟ إن هذا إلا من جهلك وظلمك وعنادك وغشمك، فاحمد الله أن لم يجعل صورتك صورة كلب أو حمار، أو نحوهما من الحيوانات؛ فلهذا قال تعالى: { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }. [وقوله:] { كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ } أي: مع هذا الوعظ والتذكير، لا تزالون مستمرين على التكذيب بالجزاء. وأنتم لا بد أن تحاسبوا على ما عملتم، وقد أقام الله عليكم ملائكة كراما يكتبون أقوالكم وأفعالكم ويعلمون أفعالكم، ودخل في هذا أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، فاللائق بكم أن تكرموهم وتجلوهم وتحترموهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):