٨٢ - ٱلْإِنْفِطَار
82 - Al-Infitar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما بين بالدلائل العقلية على صحة القول بالبعث والنشور على الجملة، فرع عليها شرح تفاصيل الأحوال المتعلقة بذلك، وهو أنواع: النوع الأول: أنه سبحانه زجرهم عن ذلك الاغترار بقوله: {كَلاَّ } و{بَلِ } حرف وضع في اللغة لنفي شيء قد تقدم وتحقق غيره، فلا جرم ذكروا في تفسير {كَلاَّ } وجوهاً الأول: قال القاضي: معناه أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمي عليكم وإرشادي لكم، بل تكذبون بيوم الدين الثاني: كلا أي ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله، ثم كأنه قال: وإنكم لا ترتدعون عن ذلك بل تكذبون بالدين أصلاً الثالث: قال القفال: كلا أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، لأن ذلك يوجب أن الله تعالى خلق الخلق عبثاً وسدى، وحاشاه من ذلك، ثم كأنه قال: وإنكم لا تنتفعون بهذا البيان بل تكذبون، وفي قوله: {تُكَذّبُونَ بِٱلدّينِ } وجهان الأول: أن يكون المراد من الدين الإسلام، والمعنى أنكم تكذبون بالجزاء على الدين والإسلام الثاني: أن يكون المراد من الدين الحساب، والمعنى أنكم تكذبون بيوم الحساب.النوع الثاني: قوله تعالى:
المحلي و السيوطي
تفسير : { كَلاَّ } ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى {بَلْ تُكَذِّبُونَ } أي كفار مكة {بِٱلدِّينِ } بالجزاء على الأعمالِ.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالدِّينِ} الإسلام أو الحساب والجزاء أو العدل والقضاء.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ}. العامة: على "تكذبون" خطاباً، والحسنُ وأبو جعفر وشيبة: بياء الغيبة. قال ابن الخطيب: لما بين بالدلائل العقلية صحة القول بالبعث، والنشور على الجملة فرع عليها شرح تفاصيل الأحوال المتعلقة بذلك، وهي أنواع: الأول: أنه - تعالى - زجرهم عن ذلك الاغترار بقوله "كلا"، و "بل": حرف وضع في اللغة لنفي شيء قد تقدَّم تحقيق غيره، فلا جرم ذكروا في تفسير "كلاًّ" وجوهاً: الأول: قال القاضي: معناه أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمي عليكم، وإرشادي لكم، بل تكذبون بيوم الدين. الثاني: "كَلاَّ" ردعٌ، أي: ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله تعالى، كأنه قال: وإنهم لا يرتعدون عن ذلك، بل يكذِّبون بالدين. الثالث: قال القفال: أي: ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث، ولا نشور؛ لأن ذلك يوجب أن الله - تعالى - خلق الخلق عبثاً, وحاشاه من ذلك، ثم كأنه قال: إنهم لا ينتفعون بهذا البيان، بل يكذبون بالدين. وقل الفراء: ليس كما غررت به، والمراد بالدين: الجزاء على الدين والإسلام. وقيل: المراد من الدين: الحساب، أي: تكذِّبون بيوم الحساب. النوع الثاني: قوله {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ}: يجوز أن تكون الجملة حالاً من فاعل "تكذِّبون"، والحالة هذه، ويجوز أن تكون مستأنفة أخبرهم بذلك لينزجروا والمراد بالحافظين: الرُّقباءُ من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم. "كراماً" على الله "كاتبين" يكتبون أقوالكم وأعمالكم. قال ابنُ الخطيب: والمعنى: التعجب من حالهم، كأنَّه - تعالى - قال: إنكم تكذِّبون بيوم الدين وهو يوم الحساب والجزاء، وملائكة الله - تعالى - موكَّلون بكم، يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة، ونظيره: قوله تعالى: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 17، 18] وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} تفسير : [الأنعام: 61]. فصل في الرد على من طعن في حضور الكرام الكاتبين قال ابن الخطيب: من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه: الأول: لو كان الحفظة، وصحفهم وأقلامهم معنا، ونحن لا نراهم لجاز أن يكون بحضرتنا جبال، وأشخاص لا نراهم، وذلك دخول في الجهالات. والثاني: هذه الكتابة، والضبط إن كان لا لفائدةٍ فهو عبثٌ، وهو غير جائزٍ على الله تعالى، وإن كان لفائدةٍ، فلا بد وأن تكون للعبد؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - متعالٍ عن النفع والضر، وعن تطرق النسيان إليه، وغاية ذلك أنَّه حُجَّة على الناس وتشديد عليهم لإقامة الحُجَّة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنَّ من علم أنَّ الله تعالى لا يجور، ولا يظلم، لا يحتاج في حقه إلى إثبات هذه الحجة، والذي لا يعلم لا ينتفع بهذه الحجة، لاحتمال أنَّه تعالى أمرهم بذلك ظلماً. الثالث: أنَّ أفعال القلوب غير مرئية، فهي من باب المغيبات، والله - تعالى - مختص بعلم الغيب، فلا تكتبوها، والآية تقتضي ذلك. والجواب عن الأول: أنَّ البنية عندنا ليست شرطاً في قبول الحياة؛ ولأن عند سلامة الأعضاء، وحصول جميع الشرائط لا يجب الإدراك، فيجوز على الأوَّل: أن يكونوا أجراماً لطيفة، تتمزق، وتبقى حياتها ذلك، وعلى الثاني: يجوز أن يكونوا أجراماً كثيفة، ونحن لا نراهم. وعن الثاني: أن الله - تعالى - أجرى أموره على عباده على ما يتعارفونه في الدنيا فيما بينهم؛ لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم في إخراج كتاب، وشهود في إلزام الحجة، كما يشهد العدول عند الحاكم على القضاة. وعن الثالث: أن ذلك مخصوص بأفعال الجوارح، فهو عام مخصوص، وفي مدح الحفظة، ووصفهم بهذه الصفات تعظيم لأمر الجزاء، وأنَّه من جلائل الأمور. فصل في عموم الخطاب هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلاَّ أنَّ الأمَّة أجمعت على عموم هذا الحكم في حقِّ المكلَّفين. وقوله تعالى: {لَحَافِظِينَ}: جمع يحتملُ أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم، من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل أن يكون الموكَّل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة، كما قيل: اثنان بالليل، واثنان بالنهار، أو كما قيل: إنهم خمسة. فصل في أن الكفَّار، هل عليهم حفظة؟. اختلفوا في الكفَّار, هل عليهم حفظة؟. فقيل: لا؛ لأن أمرهم ظاهر وعلمهم واحد، قال تعالى: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} تفسير : [الرحمن: 41]. وقيل: بل عليهم حفظة لقوله تعالى: {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ}، وأمَّا من أوتي كتابه بشماله، ومن أوتي كتابه وراء ظهره، فأخبر أنَّ لهم كتاباً وعليهم حفظة. فإن قيل: أي شيء يكتب الذي عن يمينه، ولا حسنة له؟. فالجواب: أنَّ الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه، ويكون صاحبه شاهداً على ذلك، وإن لم يكتب. فصل في معرفة الملائكة هَمَّ الإنسان سُئِلَ سفيان: كيف تعرف الملائكة أنَّ العبد همَّ بمعصية، أو بحسنة؟ قال: إذا همَّ العبد بحسنة وجد منه ريح المسك، وإن همَّ بسيئة وجد منه ريح منتن. فصل في أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم دلت هذه الآية على أنَّ الشاهد لا يشهد إلاَّ بعد العلم، لوصف الملائكة بكونهم حافظين كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون، فدلَّ على أنهم يكونون عالمين بها حتى أنَّهم يكتبونها، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء الشهادة. قال الحسن: لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وقيل: يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ}. أي: القيامة. {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}. هم الملائكة الذين يكتبون الأعمال. وقد خوَّفهم برؤية الملائكة وكتابتهم الأعمال لتقاصر حشمتهم من اطِّلاع الحق, ولو علموا ذلك حقَّ العلم لكانَ توقيِّهم عن المخالفاتِ لرؤيته - سبحانه، واستحياؤهم من اطلاّعه - أتَمَّ من رُؤية الملائكة. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}. {ٱلأَبْرَارَ}: هم المؤمنون؛ اليومَ في نعمة العصمة، وغداً هم في الكرامة والنعمة {ٱلْفُجَّارَ}: اليومَ في جهنم باستحقاق اللعنة والإصرار على الشِّرْكِ الموجِبِ للفُرقة، وغداً في النار على وجه التخليد والتأييد. ويقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}. في رَوْحِ الذِّكْر، وفي الأُنْسِ في أوان خَلْوَتهم. {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}. في ضيق قلوبهم وتَسَخُّطِهم على التقدير، وفي ظُلُمات تدبيرهم، وضيق اختيارهم. {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ}. {يَصْلَوْنَهَا} أي النار. {يَوْمَ ٱلدِّينِ}. يوم القيامة. {وَمَا هُمْ عَنْهَا} عن النار. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} قالها على جهة التهويل.
اسماعيل حقي
تفسير : {كلا} كلمة ردع فالوقف عنها اى ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة الى الكفر والمعاصى مع كونه موجبا للشكر والطاعة وقيل توكيد لتحقيق ما بعده بمعنى حقا فالوقف على ركبك كما رجحه السجاوندى حيث وضع علامة الوقف المطلق على ركبك {بل تكذبون بالدين} قال فى الارشاد عطف على جملة ينساق اليها الكلام كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجترئون على اعظم من ذلك حيث تكذبون بالجزآء والبعث رأسا فانه يراد بالدين الجزآء والمكافأة ومنه الديان فى صفة الله او تكذبون بدين الاسلام اللذين هما من جملة احكامه فلا تصدقون سؤالا ولا جوابا ولا ثوابا ولا عقابا.
الجنابذي
تفسير : {كَلاَّ} ردع عن الاغترار بالكرم {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} اضراب عن الاغترار بكرمه وبيان لاغترارهم بأمانيّهم وتكذيبهم بالدّين اى الجزاء او ولاية علىٍّ (ع) او شريعة محمّد (ص).
الأعقم
تفسير : {كلاّ} قيل: لا تظنون ذلك، وقيل: حقاً إنكم غررتم أنفسكم وتركتم أمر خالقكم لأنكم {تكذبون بالدين} الجزاء والحساب {وإن عليكم لحافظين} حفظاء رقباء يحفظون أعمالهم وهم الملائكة على الله {كاتبين} في الدنيا والآخرة أما في الدنيا ففي رضى الله والقناعة وفي الآخرة في الجنة {وإن الفجّار} العصاة المرتكبين الكبائر {لفي جحيم} في النار، والفجور اسم العصيان، يقال للزاني: فاجر {يصلونها} أي يحملونها للتعذيب {يوم الدين} يوم الجزاء {وما هم عنها بغائبين} بموت ولا خروج {وما أدراك ما يوم الدين} {ثم ما أدراك ما يوم الدين} كرر تأكيداً وتفخيماً لشأنه، وقيل: ما أدراك ما في يوم الدين من النعم لأهل الجنة وما أدراك ما في يوم الدين من العذاب لأهل النار وليس فيه تكرار {يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً} أي لا يملك أحد لغيره نفعاً ولا ضرّاً {والأمر يومئذ لله} لا ينفذ لأحد أمر غيره.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ردع عن الإغترار بكرم الله *{بَلْ تُكَذِّبُونَ} يا كفار مكة *{بِالدِّينِ} أي بالجزاء أو بالشريعة وهذا انتقال الى ما هو السبب الأصلي في إغترارهم والتكذيب شر من الطمع الذي يطمعونه.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ردع عن الاغترار بكرمه تعالى فيجعل كرمه ذريعة إلى المعاصى قبح الله قائلا: شعر : تكثر ما استطعت من الخطايا ستلقى فى غد رباً غفوراً تعض ندامة كفيك مما تركت مخافة الذنب السرورا تفسير : والسرور مفعول لتركت ومخافة تعليل {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} ترشيح قيل لقوة اغترارهم بإيهام أن اغترارهم أسوأ حالاً من التكذيب أو الخطاب فى يا أيها الإنسان... الخ للعموم كما هو الصحيح فيكون قد خوطب الكل بما فى بعضهم والإضراب انتقالى والكلام من الله حق كله أو إبطالى أى لا مقتضى هنا لغرورهم بل حملهم تكذيبهم على ما هم عليه أو لا تستقيمون على ما يوجبه إنعامى عليكم من الشكر بل تكذبون أو ليس الأمر كما تزعمون من انتفاء البعث لكن لا تقرون بذلك بل تكذبون لا ترتدعون بهذا الردع بل تكذبون والدين دين الإسلام إجمالاً أو الجزاء.
الالوسي
تفسير : {كَلاَّ } ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى وجعله ذريعة إلى الكفر والمعاصي مع كونه موجباً للشكر والطاعة وقوله تعالى: {بَلْ تُكَذّبُونَ بِٱلدّينِ } إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجترؤن على أعظم منه حيث تكذبون بالجزاء والبعث رأساً أو بدين الإسلام اللذين هما من جملة أحكامه فلا تصدقون سؤالاً ولا جواباً ولا ثواباً ولا عقاباً وفيه ترق من الأهون إلى الأغلظ. وعن الراغب (بل) هنا لتصحيح الثاني وإبطال الأول كأنه قيل ليس هنا مقتضٍ لغرورهم ولكن تكذيبهم حملهم على ما ارتكبوه. وقيل تقدير الكلام إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمي عليكم وإرشادي لكم بل تكذبون الخ. وقيل إن {كَلاَّ} ردع عما دل عليه هذه الجملة من نفيهم البعث و(بل) إضراب عن مقدر كأنه قيل ليس الأمر كما تزعمون من نفي البعث والنشور ثم قيل لا تتبينون بهذا البيان بل تكذبون الخ وأدغم خارجة عن نافع (ركبك كلا) كأبـي عمرو في إدغامه الكبير. وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وأبو بشر (يكذبون) بياء الغيبة.
ابن عاشور
تفسير : {كَلاَّ} ردع عما هو غرور بالله أو بالغرور مما تضمنه قوله: { أية : ما غرك بربك } تفسير : [الانفطار: 6] من حصور ما يغرّ الإِنسان بالشرك ومن إعْراضه عن نعم الله تعالى بالكفر، أو من كون حالة المشرك كحالة المغرور كما تقدم من الوجهين في الإِنكار المستفاد من قوله: {ما غرك بربك الكريم}. والمعنى: إشراكك بخالقك باطل وهو غُرور، أو كالغرور. ويكون قوله بعده: {بل تكذبون بالدين} إضراباً انتقالياً من غرض التوبيخ والزجر على الكفر إلى ذكر جرم فظيع آخر، وهو التكذيب بالبعث والجزاء ويشمله التوبيخ بالزجر بسبب أنه معطوف على توبيخ وجزر لأن {بل} لا تخرج عن معنى العطف أي العطف في الغرض لا في نسبة الحكم. ولذلك يتبع المعطوف بها المفرد في إعراب المعطوف عليه فيقول النحويون: إنها تُتْبَع في اللفظ لا في الحكم، أي هو اتباعُ مناسبة في الغرض لا اتباعٌ في النسبة. ويجوز أن يكون {كلاّ} إبطالاً لوجود ما يغرّ الإِنسان أن يشرك بالله، أي لا عذر للإِنسان في الإِشراك بالله إذ لا يوجد ما يغرّه به. ويكون قوله: {بل تكذبون} إضراباً إبطالياً، وما بعد {بل} بياناً لِما جرَّأهم على الإِشراك وأنه ليس غروراً إذ لا شبهة لهم في الإِشراك حتى تكون الشبهة كالغرور، ولكنهم أصروا على الإِشراك لأنهم حسبوا أنفسهم في مأمن من تبعته فاختاروا الاستمرار عليه لأنه هوى أنفسهم، ولم يعبأوا بأنه باطل صُراح فهم يكذبون بالجزاء فذلك سبب تصميم جميعهم على الشرك مع تفاوت مداركهم التي لا يخفى على بعضِها بطلانُ كون الحجارة آلهة، ألا ترى أنهم ما كانوا يرون العذاب إلا عذاب الدنيا. وعلى هذا الوجه يكون فيه إشارة إلى أن إنكار البعث هو جُماع الإِجرام، ونظير هذا الوجه وقع في قوله تعالى: { أية : فمالهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون } تفسير : في سورة الانشقاق (20، 22). وقرأ الجمهور: تكذبون} بتاء الخطاب. وقرأه أبو جعفر بياء الغيبة على الالتفات. وفي صيغة المضارع من قوله: {تكذبون بالدين} إفادة أن تكذيبهم بالجزاء متجدد لا يقلعون عنه، وهو سبب استمرار كفرهم. وفي المضارع أيضاً استحضار حالة هذا التكذيب استحضاراً يقتضي التعجيب من تكذيبهم لأن معهم من الدلائل ما لحقه أن يقلع تكذيبهم بالجزاء. والدين: الجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (9) - وَلَكِنَّكُمْ لاَ تَسْتَقِيمُونَ عَلَى مَا تُوجِبُهُ نِعَمُ اللهِ عَلَيْكُمْ فَتُقَابِلُونَ الحَسَنَةَ وَالفَضْلِ بِالكُفْرَانِ، بَلْ تَجْتَرِئُونَ عََلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَتُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الحَشْرِ وَالمَعَادِ، وَتُنْكِرُونَ بَعْثَكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ لِلْحِسَابِ وَالجَزَاءِ. بِالدِّينِ - بِالحِسَابِ وَالجَزَاءِ.
الثعلبي
تفسير : {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} قراءة العامة بالتاء لقوله سبحانه {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ} وقراءة أبو جعفر بالياء {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} رقباء يحفظون عليكم أعمالكم. {كِرَاماً} على الله {كَاتِبِينَ} يكتبون أقوالكم وأفعالكم. {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} يعني الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله وإجتناب معاصيه، وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى العدل قال: حدّثنا علي المؤمل قال: حدّثنا أحمد بن عثمان قال: حدّثنا هشام بن عامر قال: حدّثنا سعد بن يحيى بن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن [دثار] عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنما سماهم الله الأبرار لأنّهم برّوا الأباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق ". تفسير : {لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا} يدخلونها {يَوْمَ ٱلدِّينِ} يوم القيامة {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} قراءة أهل مكّة والبصرة برفع الميم ردّاً على اليوم الأول، وقراءة غيرهم بالنصب أي في يوم، واختاره أبو عبيد قال: لأنها اضافة غير محضة {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} معناه باليومِ الذي يَدينُ الله تعالى فيهِ النَّاسَ بأعمالِهم.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {كَلاَّ} ردعاً للإنسان على الغفلة والاغترار بإيراد الأعذار الكاذبة {بَلْ تُكَذِّبُونَ} أيها المفترون المسرفون {بِٱلدِّينِ} [الانفطار: 9] وترتب الجزاء على أعمالكم وأخلافكم حسناتها وسيئاتها؛ لذلك اغتررتم بالحياة المستعارة، وفعلتم ما فعلتم من المفاسد والمقابح بشدة الإنكار والإصرار، بلا مبالاة وخشية من القدير العليم. {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ} من قبل الحق {لَحَافِظِينَ} [الانفطار: 10] رقباء من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم على التفصيل الذي صدر عنكم. {كِرَاماً} في حفظها، أمناء لا يزيدون عليها، ولا ينقصون منها، لكونهم {كَاتِبِينَ} [الانفطار: 11] مثبتين في صحف أعمالكم. {يَعْلَمُونَ} منكم جميع {مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 12] فيقررون عليكم وقت حسابكم، ثمَّ تجازون على مقتضاها. {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} البارين المبرورين {لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13] ومسرة دائمة، وفوز عظيم. {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ} المسرفين المفترين {لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 14] معذَّبين بعذاب أليم. {يَصْلَوْنَهَا} ويدخلون فيها {يَوْمَ ٱلدِّينِ} [الانفطار: 15] والجزاء بعدما حوسبوا. {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} [الانفطار: 16] متحولين مفارقين أبداً، صاروا فيها خالدين مخلدين. ثمَّ أبهم ذلك اليوم على السامعين تعظيماً له، وتفخيماً على سبيل التهويل: {وَمَآ أَدْرَاكَ} وأعلمك أيها المغرور {مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الانفطار: 17] وما شأنه، وشدة هوله وقوته؟! {ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ} يا مغرور {مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الانفطار: 18] وما يجري عليك يه من الشدائد والأهوال، وأنواع الهموم والأحزان؟! وبالجملة: يوم، وأيّ يوم {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ} ترفع وتدفع {نَفْسٌ لِنَفْسٍ} حميم لحميم، أو صديق لصديق {شَيْئاً} مما حكم عليها واستحق بها من الجزاء، بل كل نفس رهينة ما كسبت، مشغولة بما اقترفت، بلا التفات إلى غيرها من شدة هوله وحزنه {وَٱلأَمْرُ} أي: أمور العباد وما جرى عليهم من الثواب والعقاب كلها {يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] مختصَّة به، موكولة لمشيئته، مفوضة إلى إرادته، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد فضلاً وعدلاً، لا يُسئل عن فعله، إنه حكيم حميد. اصنع بنا ما أنت أهل به يا مولانا. خاتمة السورة عليك أيها المترقب بفضل الحق ولطفه في يوم الجزاء أن تفوض أمورك كلها إلى الله في نشأتك هذه، وتقوم بين يدي الله في كل الأحوال، وتنخلع عن مقتضيات ناستوك في عموم الشئون والأطوار الطارئة عليكم على تعاقب الأدوار في مدة حياتك المستعارة. وإياك إياك الاغترار بخداع هذه الغدارة المكارة، فاعتبر من أهل هذه الدار إن كنت من ذوي العبرة والاستبصار، فاعبر عنها، فإنها ما هي دار القرار، بل منزل الخبرة والاعتبار {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}تفسير : [الحشر: 2].
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} [الانفطار: 9-10] حقاً أنهم يكذبون بيوم الجزاء؛ لأجل هذا يعملون الفساد ويرجون من الله الثواب، ولو أنكم تصدقون بيوم الحساب ما كنتم متورطين في المخالفات، وحفظتنا للتي كانت رقباؤكم يحفظون أعمالكم ويشهدون ما تفعلون {كِرَاماً كَاتِبِينَ} [الانفطار: 11] يكتبون ما تكسبون {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 12] يمهلونكم لتزدادوا إثماً؛ لأنا كتبنا في الكتاب القديم {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13-14]؛ لأن بذور البر إذا زرعت خرجت النعيم، وبذور الفجور إذا زرعت أبرزت الجحيم، وإنك اليوم في الزراعة لأن الدنيا مزرعة الآخرة، وغداً في الحصاد فكل أحد يحصد ما يزرع، فالعجب من العاقل أنه يزرع الشوك ويرجو الرطب فليس هذا الغرور إلا من إلقاء الغرور، فاحذر منه وأزرع في مزرعتك خيراً تحصد رغبته ولا تزرع شراً لئلا تحصد ندامته، {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ} [الانفطار: 15]؛ يعني: الفجار في جحيم عمروها منذ عاشوا في الدنيا، {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} [الانفطار: 16]؛ يعني: الفجار ما كانوا عن الجحيم بغائبين معهم يعمرونها ولكن كانوا محجوبين؛ لكثافة جحيمهم وعمى أبصارهم المريضة، فسل محبة الدنيا وظفر الهوى، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الانفطار: 17] ثم كرر معظماً لذلك اليوم ويقول: {ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} [الانفطار: 18]؛ يعني: أخذ عنهم الاختيار الوهبي الذي أعطاهم الله؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملاً بذلك الاختيار الوهبي نسوا الله واليوم الآخر، وحصلوا مشتهيات أنفسهم على وفق هواهم، ويملكون بعضهم و{أية : يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104] بغلبتهم على الآخرين وباستيفاء حظوظهم من الدين {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] اليوم أيضاً لله، ولكنهم سبب اختيارهم الذي أعطاهم الله محجبون عن المختار الحقيقي الوهاب لكل أحد اختياره، فإذا نزع عنهم الاستعداد وأخذ الاختيار فعرفوا في ذلك الوقت أن ليس لهم اختيار، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. وأقروا أن الأمر بيد الله وهو المريد المختار الفعال لما يريد ولا ينفعهم في ذلك الوقت الإقرار، فالواجب عليك أيها السالك، أن تجتهد في أن تشاهد اليوم اختياره واضطرارك، وتعلم أن الأمر كله بيد الله يبطش ويأخذ، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، يرفع أقواماً ويضع آخرين، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحكم ما يريد، وتلتجء إلى حضرته بالتمسك والعجز ليرحمك إن شاء الله، ولا يمكن هذا إلا بترك اختيارك وتسليمك إلى شيخك؛ ليوصلك إلى الاختيارية الحقيقة إن شاء الله، ولأجل هذا السر يحتاج إلى بشر مثلك؛ لينذرك ويبشرك ويهديك إلى ربك، ولأجل هذا [تُلِي على] زبدة الكائنات عليه أزكى التحيات وأزكى الصلوات بقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [الكهف: 110] وهذا سنة سنها الله تعالى ولن تجد لسنته تبديلاً، من يرد أن يصل إلى الله؛ فليلذ بأذيال متابعة حبيبه، ومن يرد أن يصل إلى حبيبه فليعتصم بحبل ولايته ويشاهد ولايته، فليترك اختياره وإرادته وإلا فلا يلعب بالتوراة إن لم يكن يهودياً صرفاً، والله إن منادي الحق ينادي دائماً من الصباح إلى الرواح {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19]، و{أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]، ولكن صماخك مسدول بقطن الغفلة لا يسمع النداء، وعينك بحب الدنيا رمداً لا تبصر هلاك الأشياء وبقاء وجهه، فاسمع نصيحتي وداوي نفسك المريضة، ووقر ضماخك، ورمد عينك؛ لترى وتسمع ما يرى ويسمع أهل الحق، وتجدون ذوق المشاهدة والمكالمة في السماع والذكر نقداً ويرجون أضعاف أضعاف ما يجدون غداً. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتعبون أحسنه.
همام الصنعاني
تفسير : 3531- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ}: [الآية: 9]، قال: يوم يدين الله العباد بأعمالهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):