٨٢ - ٱلْإِنْفِطَار
82 - Al-Infitar (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى لما وصف الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } وهو نعيم الجنة {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } وهو النار، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن القاطعين بوعيد أصحاب الكبائر تمسكوا بهذه الآية، فقالوا: صاحب الكبيرة فاجر، والفجار كلهم في الجحيم، لأن لفظ الجحيم إذا دخل عليه الألف واللام أفاد الاستغراق والكلام في هذه المسألة قد استقصيناه في سورة البقرة، وههنا نكت زائدة لا بد من ذكرها: قالت الوعيدية حصلت في هذه الآية وجوه دالة على دوام الوعيد أحدها: قوله تعالى: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدّينِ } ويوم الدين يوم الجزاء ولا وقت إلا ويدخل فيه، كما تقول يوم الدنيا ويوم الآخرة الثاني: قال الجبائي: لو خصصنا قوله: {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } لكان بعض الفجار يصيرون إلى الجنة ولو صاروا إليها لكانوا من الأبرار وهذا يقتضي أن لا يتميز الفجار عن الأبرار، وذلك باطل لأن الله تعالى ميز بين الأمرين، فإذن يجب أن لا يدخل الفجار الجنة كما لا يدخل الأبرار النار والثالث: أنه تعالى قال: {وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } وهو كقوله: {أية : وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا }تفسير : [المائدة: 37] وإذا لم يكن هناك موت ولا غيبة فليس بعدهما إلا الخلود في النار أبد الآبدين، ولما كان اسم الفاجر يتناول الكافر والمسلم صاحب الكبيرة ثبت بقاء أصحاب الكبائر أبداً في النار، وثبت أن الشفاعة للمطيعين لا لأهل الكبائر والجواب عنه: أنا بينا أن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق دلالة ظنية ضعيفة والمسألة قطعية. والتمسك بالدليل الظني في المطلوب القطعي غير جائز، بل ههنا ما يدل على قولنا: لأن استعمال الجمع المعرف بالألف واللام في المعهود السابق شائع في اللغة، فيحتمل أن يكون اللفظ ههنا عائداً إلى الكافرين الذين تقدم ذكرهم من المكذبين بيوم الدين، والكلام في ذلك قد تقدم على سبيل الاستقصاء، سلمنا أن العموم يفيد القطع، لكن لا نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر، والدليل عليه قوله تعالى في حق الكفار: {أية : أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ } تفسير : [عبس: 42] فلا يخلو إما أن يكون المراد {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ } الذين يكونون من جنس الفجرة أو المراد {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ } وهم {ٱلْفَجَرَةُ } والأول: باطل لأن كل كافر فهو فاجر بالإجماع، فتقييد الكافر بالكافر الذي يكون من جنس الفجرة عبث، وإذا بطل هذا القسم بقي الثاني، وذلك يفيد الحصر، وإذا دلت هذه الآية على أن الكفار هم الفجرة لا غيرهم، ثبت أن صاحب الكبيرة ليس بفاجر على الإطلاق، سلمنا إن الفجار يدخل تحته الكافر والمسلم، لكن قوله: {وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } معناه أن مجموع الفجار لا يكونون غائبين، ونحن نقول بموجبه: فإن أحد نوعي الفجار وهم الكفار لا يغيبون، وإذا كان كذلك ثبت أن صدق قولنا إن الفجار بأسرهم لا يغيبون، يكفي فيه أن لا يغيب الكفار، فلا حاجة في صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون، سلمنا ذلك لكن قوله: {وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } يقتضي كونهم في الحال في الجحيم وذلك كذب، فلا بد من صرفه عن الظاهر، فهم يحملونه على أنهم بعد الدخول في الجحيم يصدق عليهم قوله: {وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } ونحن نحمل ذلك على أنهم في الحال ليسوا غائبين عن استحقاق الكون في الجحيم، إلا أن ثبوت الاستحقاق لا ينافي العفو، سلمنا ذلك لكنه معارض بالدلائل الدالة على العفو وعلى ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، والترجيح لهذا الجانب، لأن دليلهم لا بد وأن يتناول جميع الفجار في جميع الأوقات، وإلا لم يحصل مقصودهم، ودليلنا يكفي في صحته تناوله لبعض الفجار في بعض الأوقات، فدليلهم لا بد وأن يكون عاماً، ودليلنا لا بد وأن يكون خاصاً والخاص مقدم على العام، والله أعلم. المسألة الثانية: فيه تهديد عظيم للعصاة حكي أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة، فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غداً؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم من سفره على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، قال: فبكى، ثم قال: ليت شعري ما لنا عند الله! فقال أبو حازم: أعرض عملك على كتاب الله، قال: في أي مكان من كتاب الله؟ قال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } وقال جعفر الصادق عليه السلام: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات وقال بعضهم: النعيم القناعة، والجحيم الطمع، وقيل: النعيم التوكل، والجحيم الحرص، وقيل: النعيم الاشتغال بالله، والجحيم الاشتغال بغير الله تعالى. النوع الرابع: من تفاريع الحشر تعظيم يوم القيامة، وهو قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تقسيم مثل قوله: { أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الشورى: 7]. وقال: { أية : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } تفسير : [الروم: 14-15] الآيتين. {يَصْلَوْنَهَا} أي يصيبهم لهبُها وحَرّهُا {يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي يوم الجزاء والحساب، وكرر ذكره تعظيماً لشأنه؛ نحو قوله تعالى: { أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ } تفسير : [القارعة: 1-3] وقال ٱبن عباس فيما روي عنه: كل شيء من القرآن من قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ}؟ فقد أدراه، وكل شيء من قوله: «وما يُدْرِيك» فقد طُوِي عنه. {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ} قرأ ٱبن كثير وأبو عمرو «يومُ» بالرفع على البدل من «يومُ الدينِ» أو رداً على اليوم الأوّل، فيكون صفة ونعتاً لـ«ـيوم الدينِ». ويجوز أن يرفع بإضمار هو. الباقون بالنصب على أنه في موضع رفع إلاّ أنه، نصب؛ لأنه مضاف غير متمكن؛ كما تقول: أعجبني يوم يقومُ زيد. وأنشد المبرد: شعر : مِن أَيِّ يومَيَّ مِنَ الموتِ أَفِرّ أيومَ لم يقْدَرَ أم يومَ قُدِرْ تفسير : فاليومان الثانيان مخفوضان بالإضافة، عن الترجمة عن اليومين الأوّلين، إلا أنهما نصبا في اللفظ؛ لأنهما أضيفا إلى غير محضٍ. وهذا ٱختيار الفراء والزجَّاج. وقال قوم: اليوم الثاني منصوب على المحل، كأنه قال في يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً. وقيل: بمعنى: إن هذه الأشياء تكون يومَ، أو على معنى يُدانون يومَ؛ لأن الدِّين يدل عليه، أو بإضمار ٱذكر. {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} لا ينازعه فيه أحد؛ كما قال: { أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ * ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ } تفسير : [غافر: 16-17]. تمت السورة والحمد لله.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله عز وجل، ولم يقابلوه بالمعاصي، وقد روى ابن عساكر في ترجمة موسى بن محمد: عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن عبيد الله عن محارب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما سماهم الله الأبرار؛ لأنهم بروا الآباء والأبناء» تفسير : ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم، ولهذا قال: { يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة { وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يوماً واحداً، وقوله تعالى: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}؟ تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله تعالى: { ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}؟ ثم فسره بقوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} أي: لا يقدر أحد على نفع أحد، ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ونذكر ههنا حديث: «حديث : يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، لا أملك لكم من الله شيئاً» تفسير : وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء، ولهذا قال: {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} كقوله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] وكقوله: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الفرقان: 26] وكقوله: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}تفسير : [الفاتحة: 4] قال قتادة: { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} والأمر والله اليوم لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد. آخر تفسير سورة الانفطار، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ } المؤمنين الصادقين في إيمانهم {لَفِى نَعِيمٍ } جنة.
الماوردي
تفسير : وفي قوله تعالى: {إنّ الأبرارَ لفي نَعيم * وإن الفُجّارَ لقي جَحيمٍ} قولان: أحدهما: في الآخرة فيكون نعيم الأبرار في الجنة بالثواب، وجحيم الفجار في النار بالعقاب. والقول الثاني: أنه في الدنيا، فعلى هذا فيه أربعة أوجه ذكرها أصحاب الخواطر. أحدها: النعيم القناعة، والجحيم الطمع. الثاني: النعيم التوكل، والجحيم الحرص. الثالث: النعيم الرضا بالقضاء، والجحيم السخط فيما قدر وقضى. الرابع: النعيم بالطاعة، والجحيم بالمعيصية. {وما هُمْ عنها بغائبين} فيه وجهان: أحدهما: عن القيامة تحقيق للبعث فعلى هذا يجوز أن يكون هذا الخطاب متوجهاً إلى الأبرار والفجار جميعاً. الثاني: عن النار، ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفجار دون الأبرار، والمراد بأنهم لا يغيبون عنها أمران: أحدهما: تحقيق الوعيد. الثاني: تخليد الفجار. {وما أدْراك ما يومُ الدِّين * ثُمَّ ما أدْراكَ ما يومُ الدِّين} يعني يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، وفي تكراره وجهان: أحدهما: تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره. الوجه الثاني: أن الأول خطاب للفجار والثاني خطاب للأبرار ترغيباً. {يومَ لا تَمْلِك نفسٌ لنَفْسٍ شيئاً} يعني لا يملك مخلوق لمخلوق نفعاً ولا ضراً. {والأمر يومئذٍ للَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: في الجزاء بالثواب والعقاب. الثاني: في العقوبة والانتقام.
ابن عطية
تفسير : {الأبرار} : جمع بر وهو الذي قد اطرد بره عموماً فيرونه في طاعته إياه، وبر أبويه وبر الناس في دفع ضره عنهم وجلب ما استطاع الخير إليهم، وبر الحيوان وغير ذلك في أن لم يفسد شيئاً منها عبثاً ولغير منفعة مباحة، و {الفجار} : الكفار، و "يصلون" معناه: يباشرون حرّها بأبدانهم، و {يوم الدين} هو يوم الجزاء، وقوله تعالى: {وما هم عنها بغائبين} قال بعض المتأولين: هذا تأكد في الإخبار عن أنهم يصلونها، وأنهم لا يمكنهم الغيب عنها يومئذ، وقال آخرون: {وما هم عنها بغائبين} في البرزخ، كأنه تعالى لما أخبر عن صليهم إياها يوم الدين وذلك أنهم يرون مقاعدهم من النار غدوة وعشية فهم مشاهدون لها، ثم عظم تعالى قدر هول يوم القيامة بقوله: {وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب: " يومُ لا تملك" برفع الميم من "يومُ" على معنى هو يوم، وقرأ الباقون والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج: " يومَ " بالنصب على الظرف، والمعنى: الجزاء يوم فهو ظرف في معنى خبر الابتداء، ثم أخبر تعالى بضعف الناس يومئذ وأنه لا يغني بعضهم عن بعض وأن الأمر له تبارك وتعالى، وقال قتادة كذلك: هو اليوم ولكنه هنالك لا ينازعه أحد ولا يمكن هو أحداً في شيء منه كما يمكنه في الدنيا.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَعِيمٍ} الجنة، {جَحِيمٍ} النار.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}. الأبرار: الذين بروا، وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله تعالى، واجتناب معاصيه. فصل في ذكر أحوال العالمين لما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد، ذكر أحوال العالمين، وقسمهم قسمين، فقال تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} وهو نعيم الجنَّة، {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} وهو النَّار، وهذا تهديد عظيم للعُصاةِ، وهذا التقسيم كقوله تعالى: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الشورى: 7]. قوله: {يَصْلَوْنَهَا}: يجوز فيه أن يكون حالاً من الضمير في الجار، لوقوعه خبراً، وأن يكون مستأنفاً. وقرأ العامة: "يَصْلونهَا" مخففاً مبنياً للفاعل وتقدم مثله. ومعنى { يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ} يدخلونها يوم القيامة. {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} أي: ليسُوا غائبين عن استحقاق الكون في الجحيم، ثم عظَّم ذلك اليوم فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} ثم كرره تعجيباً لشأنه، فقال: {ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}. وقال ابن عباس: كلُّ ما في القرآن من قوله: "وما أدراك" فقد أدراه، وكل شيء من قوله: "وما يدريك" فقد طوي عنه. قوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ}. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: برفع "يومُ" على أنَّه خبر مبتدأ مضمر, أي: هو يوم. وجوز الزمخشريُّ: أن يكون بدلاً مما قبله يعني قوله: "يوم الدَِّين". وقرأ أبو عمرو في رواية: "يومٌ": مرفوعاً منوناً على قطعه عن الإضافة، وجعل الجملة نعتاً له، والعائد محذوف، أي: لا تملك فيه. وقرأ الباقون: "يوم" بالفتح. فقيل: هي فتحة إعراب، ونصبه بإضمار أعني، أو يتجاوزون، أو بإضمار اذكر، فيكون مفعولاً به، وعلى رأي الكوفيين يكون خبراً لمبتدأ مضمر، وإنَّما بني لإضافته للفعل وإن كان معرباً، كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ} تفسير : [المائدة: 119]. قال الزجاج: يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح؛ لإضافته إلى قوله تعالى: {لاَ تَمْلِكُ}، وما أضيف إلى غير المتمكن، فقد يبنى على الفتح، وإن كان في موضع رفع، أو جرٍّ كما قال: [المنسرح] شعر : 5125- لَمْ يَمْنَعِ الشُّربَ غير أن نَطقتْ حَمامَةٌ ……......……….. تفسير : قال الواحدي: والذي ذكره الزجاج من البناء على الفتح، إنَّما يجوز عند الخليل وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي؛ نحو قوله: [الطويل] شعر : 5126- عَلَــى حِيــنَ عَاتَبْــتُ...…. ……………………. تفسير : البيت: أمَّا مع الفعل المستقبل، فلا يجوز البناء عندهم، ويجوز البناء في قول الكوفيين. قال ابن الخطيب: وذكر أبو عليٍّ أنَّه منصوبٌ على الظرفية؛ لأن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفاً، فنزل على حالة الأكثرية، والدليلُ عليه إجماع القراء في قوله تعالى: {أية : مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} تفسير : [الأعراف: 168]، ولا يدفع ذلك أحد، ومما يقوِّي النصب قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [القارعة: 3، 4]، وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} تفسير : [الذاريات: 12، 13]، فالنصب في "يَوْمَ لا تَمْلِكُ" مثل هذا. فصل فيمن استدل بالآية على نفي الشفاعة عن العصاة. تمسَّكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة للعصاة، وهو قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} تفسير : [البقرة: 48] وقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة. قال مقاتلٌ: يعني النفس الكافرة شيئاً من المنفعة. {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} أي: لم يملِّك الله - تعالى - في ذلك اليوم أحداً شيئاً كما ملَّكهم في الدنيا. ورى الثعلبي عن أبيٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} أعْطَاهُ الله مِنَ الأجْرِ بعدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنةً، وبِعددِ كُلِّ قَطْرة مَاءٍ حَسنةً، وأصْلحَ اللهُ تعالى لَهُ شَأنهُ"تفسير : . ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
التستري
تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}[13] قال: نعيم الخاص من عباده، وهم الأبرار، لقاؤه ومشاهدته، كما كان نعيمهم في الدنيا مشاهدته وقربه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قال جعفر: النعيم المعرفة، والمشاهدة، والجحيم النفوس فإن لها نيران تتقد. وقال بعضهم: النعيم القناعة، والجحيم الطمع، وقيل النعيم التوكل والجحيم الحرص. وقيل النعيم هو الرضا بالقضاء والجحيم هو السخط له. وقال الحسين الوراق: النعيم أن تملك نفسه، وتغلب شهوته وهواه، والجحيم أن تغلبه نفسه ويملكه شهوته وهواه. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت محمد بن الفضل يقول فى قوله: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}. قال فى التنعم بذكر مولاهم، وإن الفجار لفى جحيم فى التقلب فى الشهوة والغفلات. وقال ابن الورد فى قوله: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} قال: النعيم الذكر، والمعرفة وإن الفجار لفى جحيم المعصية والسكون إلى النفس. وقال إبراهيم الخواص فى هذه الآية: طاب النعيم إذا كان منه وطاب الجحيم إذا كان به.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} الابرار فى نعيم الوصال والفجار فى جحيم الفراق قال جعفر النعيم المعرفة والمشاهدة والجحيم النفوس فان لها نيرانا تنقد قال ابن الورد النعيم الذكر والمعرفة والجحيم المعصية والسكون الى النفس وقال الخواص طاب النعيم اذا كان من وطاب الجحيم اذا كان به.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الابرار} الذين بروا وصدقوا فى ايمانهم بادآء الفرآئض واجتناب المعاصى وبالفارسية وبدرستى كه نيكو كاران وفرمان برداران. جمع بر بالفتح وهو بمعنى الصادق والمطيع والمحسن وأحسن الحسنات لا اله الا الله ثم بر الوالدين وبر التلامذه للاساتذة وبر أهل الارادة للشيوخ كما قال فى فتح الرحمن هو الذى قد اطرد بره عموما فبر ربه به فى طاعته اياه وبر الناس فى جلب ما استطاع من الخير لهم وغير ذلك (وفى الحديث) حديث : بروا آباءهم كما بروا ابناءهم تفسير : {لفى نعيم} وهو نعيم الجنة وثوابها والتنوين للتفخيم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الأبرارَ} أي: المؤمنين {لَفِي نعيم} عظيم، وهو نعيم الجنان {وإِنَّ الفُجَّار} أي: الكفار {لَفِي جحيم} كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، {يَصْلَونها يومَ الدِّين} يُقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يُكذِّبون به، {وما هم عنها بغائبين} طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : القَبْر رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّة، أو حُفْرة مِنْ حُفَرِ النَّار ". تفسير : {وما أدراك ما يومُ الدين ثم ما أدراك ما يومُ الدين}، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يُكذِّبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق؛ فعلى أيّ صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أيُّ شيء جعلك دارياً ما هو يوم الدين؟ على أنَّ "ما" الاستفهامية خبر "يوم"، كما هو رأي سيبويه، لما مَرّ من أنّ مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أنّ مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أيّ شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: {وما أدراك} فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: {وما يدريك} فقد طوي عنه. هـ. وينتقض بقوله تعالى: { أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} تفسير : [عبس:3]. ثم بيَّن شأن ذلك اليوم إجمالاً، فقال: {يومَ لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً} أي: لا تستطيع دفعاً عنها، ولا نفعاً لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، و(يوم): مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من (يوم الدين)، ومَن نصب؛ فبإضمار "اذكر"، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يُدريك ماهو، {والأمرُ يومئذ لله} لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أنَّ الأمر لله في الدارين، لكن لمّا كان في الدنيا خفياً، لا يعرفه إلاَّ العلماء بالله، وأمّا في الآخرة فيظهر المُلك لله لكل أحدٍ، خصّه به هناك. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: إنَّ الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإنَّ الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يَصْلونها يومَ الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يومُ الدين، يُشير إلى التعجُّب من كُنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفسٌ لنفس شيئاً، لفناء الكل، ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً. هـ. {والأمر يومئذ للّه}، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يُشاهده إلاّ الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقّنوا أنَّ الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمُشَاهَد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذٍ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عياناً على مشاهدته لهم تصديقاً، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً. هـ. وقاله أيضاً عليّ رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. هـ. وقال الشيخ ابن عبّاد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أيّ وقت كان المُلك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ } تفسير : [الحج:56] وقوله: {والأمر يومئذ لله} لولا الدعاوى العريضة من القلوب المريضة. هـ. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العبادَ إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإنَّ المُلك كله لله في الدنيا والآخرة، يُضل مَن يشاء، ويهدي مَن يشاء. هـ. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وأهل البصرة {يوم لا تملك} برفع الميم. الباقون بالنصب على الظرف، ويجوز أن ينصبه باضمار فعل أى نقول يوم لا تملك، ومن رفع استأنف ويجوز أن يجعله بدلا مما قبله. وقيل: ان {يوم} إذا أضيف إلى فعل مضارع رفع وإذا اضيف إلى فعل ماض نصب، نحو قولهم: يوم يفعل، ويوم فعل، وقال ابو علي: من رفع جعله خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو يوم: ومن نصب فعلى أن يكون الخبر على الجزاء، فكأنه قال الجزاء يوم لا تملك نفس. يقول الله تعالى مخبراً {إن الأبرار لفي نعيم} وهم الذين يفعلون الطاعات التي يستحقون بها الجنة والثواب بأنواع اللذات جزاء على طاعاتهم، واخبر أيضاً {وإن الفجار} وهم الذين خرجوا عن طاعة الله إلى معصيته والمراد به - ها هنا - الكفار {لفي جحيم} جزاء على كفرهم ومعاصيهم {يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين} يعني لا يكونون غائبين عن الجحيم بل يكونون مؤبدين فيها، وليس يدل ذلك على أن فساق أهل الملة لا يخرجون من النار، لأنا بينا أن الآية مخصوصة بالكفار من حيث بينا فى غير موضع أن معهم ثواباً دائماً على إيمانهم لم ينحبط لبطلان القول بالتحابط، فاذاً لا بد من إخراجهم من النار ليوفوا ثوابهم. وقوله {يصلونها يوم الدين} معناه إن الفجار يصلون في الجحيم يو م الجزاء على الاعمال. وسمي الاسلام ديناً لانه يستحق به الجزاء لان أصل الدين الجزاء، ودين اليهودية وغيرها يستحق بها العقاب. ومعنى قوله {يصلونها} يلزمونها بكونهم فيها ومنه المصطلي الملازم للنار متدفياً بها، صلى يصلي صلا واصطلى يصطلي اصطلاء. وقوله {وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين} تعظيم ليوم الجزاء بلفظ الاستفهام، والغرض فيه التنبيه على عظم حاله وما يستحق به من ثواب وعقاب ليعمل العباد بما يؤديهم إلى الثواب والجنة والنجاة من العقاب، وعظم يوم الدين لشدة الحاجة إلى نعيم الجنة، والنجاة من النار ومن جملة العصاة، فلا يوم أعظم من ذلك. ثم فسر تعالى ذلك وبينه بعد أن عظمه فقال {يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً} ومعناه لا يملك أحد الدفاع عن غيره ممن يستحق العقاب كما يملك كثير من الناس ذلك في الدنيا، فان الامر في ذلك اليوم لله وحده لم يملك أحداً شيئاً من الأمور كما ملكهم اشياء كثيرة في دار الدنيا. وقيل: معناه إنه لا يمكن أحداً أن يجازي احداً إلا بالحق بأمر الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: اذا كان علينا حافظون فما حالنا فى الآخرة؟ - فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} أي: في الجنة {وَإِنَّ الْفُجَّارَ} يعني المشركين والمنافقين {لَفِي جَحِيمٍ} أي: لفي النار {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} أي: يوم الحساب، يوم يدين الله فيه الناس بأعمالهم. {وَمَا هُمْ عَنْهَا} أي: عن النار {بِغَآئِبِينَ}. وقال في آية أخرى: (أية : فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) تفسير : [الروم:16]. قال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [ثُنِّي ذكره] تعظيماً له. قال الحسن: إنك لم تدر يوم الدين حتى أعلمتك به. قال تعالى: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً} أي: لا يغني أحد عن أحد شيئاً، أي: لا ينفعه. كقوله: (أية : يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْئاً) تفسير : [الدخان:41] أي: ولي عن ولي شيئاً. {وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ} وحده لا شريك له، ولا ينازعه الأمرَ في ذلك اليوم أحد، فالأمر له.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الأَبْرَارَ} المؤمنين الصادقين في إيمانهم *{لَفِي نَعِيمٍ} نعيم الجنة لبرهم قالت عائشة رضي الله عنها الذكر الخفي الذي لا تسمعه الحفظة يضاعف على الذي تسمعه الحفظة سبعين ضعفا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى للعبد إن لك عندي كنزا لم يطلع عليه أحد غيري وعن بعض إذا عمل العبد في العلانية عملا وعمل في السر مثله قال الله للملائكة هذا عبدي حقا.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} عظيمة. {وإنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} عظيمة أى دار العقاب الشاملة للزمهرير.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ} استئناف مسوق لبيان نتيجة الحفظ والكتب من الثواب والعقاب. وفي تنكير النعيم والجحيم ما لا يخفى من التفخيم والتهويل.
ابن عاشور
تفسير : فصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها استئناف بياني جوابٌ عن سؤال يخطر في نفس السامع يثيره قوله: { أية : بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين } تفسير : [الانفطار: 9، 10] الآية لتشوف النفس إلى معرفة هذا الجزاء ما هو، وإلى معرفة غاية إقامة الملائكة لإِحصاء الأعمال ما هي، فبُين ذلك بقوله: {إن الأبرار لفي نعيم} الآية. وأيضاً تتضمن هذه الجملة تقسيم أصحاب الأعمال فهي تفصيل لجملة { أية : يعلمون ما تفعلون } تفسير : [الانفطار: 12] وذلك من مقتضيات فصل الجملة عن التي قبلها. وجيء بالكلام مؤكداً بــــ {إن} ولا الابتداء ليساوي البيانُ مبيّنهُ في التحقيق ودفع الإنكار. وكرر التأكيد مع الجملة المعطوفة للاهتمام بتحقيق كونهم في جحيم لا يطمعوا في مفارقته. و{الأبرار}: جمعُ برّ بفتح الباء وهو التقيّ، وهو فَعْل بمعنى فاعل مشتق من بَرَّ يبر، ولفعل برّ اسم مصدر هو برّ بكسر الباء ولا يعرف له مصدر قياسيّ بفتح الباء كأنهم أماتوه لئلا يلتبس بالبَرّ وهو التقيّ. وإنما سمي التقيّ بَرّاً لأنه بَرَّ ربه، أي صدقه ووفى له بما عهد له من الأمر بالتقوى. و{الفُجَّار}: جمع فاجر، وصيغة فُعَّال تطّرد في تكسير فاعل المذكر الصحيح اللام. والفاجر: المتصف بالفجور وهو ضد البرور. والمراد بـــ {الفجّار} هنا: المشركون، لأنهم الذين لا يغيبون عن النار طرفة عين وذلك هو الخلود، ونحن أهل السنة لا نعتقد الخلود في النار لغير الكافر. فأما عصاة المؤمنين فلا يخلدون في النار وإلا لبطلت فائدة الإِيمان. والنعيم: اسم ما يَنْعم به الإِنسان. والظرفية من قوله: «في نعيم» مجازية لأن النعيم أمر اعتباري لا يكون ظرفاً حقيقة، شبه دوام التنعم لهم بإحاطة الظرف بالمظروف بحيث لا يفارقه. وأما ظرفية قوله: {لفي جحيم} فهي حقيقية. والجحيم صار علماً بالغلبة على جهنم، وقد تقدم في سورة التكوير وفي سورة النازعات. وجملة {يصلونها} صفة لـــ {جحيم}، أو حال من {الفجار}، أو حال من الجحيم، وصَلْيُ النار: مَسُّ حرّها للجسم، يقال: صلي النارَ، إذا أحس بحرّها، وحقيقته: الإِحساس بحرّ النار المؤلم، فإذا أريد التدفّي قيل: اصطلى. و{يوم الدين} ظرف لــــ {يصلونها} وذُكر لبيان: أنهم يصلونها جزاء عن فجورهم لأن الدين الجزاء ويوم الدين يوم الجزاء وهو من أسماء يوم القيامة. وجملة {وما هم عنها بغائبين} عطف على جملة {يَصْلَوْنها}، أي يَصْلون حرّها ولا يفارقونها، أي وهم خالدون فيها. وجيء بقوله {وما هُمْ عنها بغائبين} جملةً اسمية دون أن يقال: وما يغيبون عنها، أو وما يفارقونها، لإفادة الاسمية الثبات سواء في الإثبات أو النفي، فالثّبات حالة للنسبة الخبرية سواء كانت نسبة إثبات أو نسبة نفي كما في قوله تعالى { أية : وما هم بخارجين من النار } تفسير : في سورة البقرة (167). وزيادة الباء لتأكيد النفي. وتقديم {عنها} على متعلَّقه للاهتمام بالمجرور، وللرعاية على الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : أي دائم، كما في قوله تعالى: {أية : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}تفسير : [التوبة: 21-22].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن الأبرار: أي المؤمنين المتقين الصادقين. وإن الفجار: أي الكافرين والخارجين عن طاعة الله ورسوله. يصلونها يوم الدين: أي يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء وهو يوم القيامة. وما هم عنها بغائبين: أي بمخرجين. وما أدراك ما يوم الدين: أي أي شيء جعلك تدري لولا أنا علمناك. لا تملك نفس لنفس شيئا: أي من المنفعة وإن قلت. والأمر يومئذ لله: أي لا لغيره، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإِذنه. معنى الآيات: تقدم أن العرض على الله حق وأن المجازاة تكون بحسب الأعمال التي عملها المرء، وأنها محفوظة محصاة عليه بواسطة ملائكة كرام. وأن الناس يومئذ كما هم اليوم مؤمن بار وكافر فاجر. بين تعالى جزاء الكل مقروناً بعلة الحكم فقال عز وجل {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} أي في الجنة دار السلام وذلك لبرورهم وهو طاعتهم لله في صدق كامل {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} أي نار ذات جحيم وذلك لفجورهم وهو كفرهم وخروجهم عن طاعة ربهم. وقوله {يَصْلَوْنَهَا} أي يدخلونها ويقاسون حرها {يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي يوم الجزاء الذي كفروا به فأدى بهم إلى الفجور وارتكاب عظائم الذنوب. وقوله {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} أي إذا دخلوها لا يخرجون منها. وقوله {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} أي وما يعلمك يا رسولنا ما يوم الدين إنه يوم عظيم يوم يقوم الناس لربّ العالمين هكذا يخبر تعالى عن عظم شأن هذا اليوم. ويؤكد ذلك فيقول {ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} ويكشف عن بعض جوانب الخطورة بقوله {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} من المنفعة حيث يكون الأمر كله فيه لله وحده ولا تنفع فيه الشفاعة إلا بإِذنه وما للظالمين فيه من شفيع ولا حميم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حكم الله في أهل الموقف إذ هم ما بين بار صادق فهو في نعيم وفاجر كافر فهو في جحيم. 2- بيان عظم شأن يوم الدين وأنه يوم عظيم. 3- بيان أن الناس في يوم الدين لا تنفعهم شفاعة ولا خلة إذ لا يشفع أحد إلا بإِذن الله والكافرون هم الظالمون، وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع.
د. أسعد حومد
تفسير : (13) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ الحِسَابِ فَيَذْكُرُ أَنَّ الأَبْرَارَ الذِينَ أَطَاعُوا اللهَ، وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَهُ، يَصِيرُونَ إِلَى النَّعِيمِ فِي جَنَّاتٍ خَالِدِينَ. الأَبْرَارَ - الذِينَ بَرُّوا وَصَدَقُوا فِي إِيْمَانِهِمْ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : المراد بالأبرار، القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، الملازمون للبر، في أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فهؤلاء جزاؤهم النعيم في القلب والروح والبدن، في دار الدنيا [وفي دار] البرزخ و [في] دار القرار. { وَإِنَّ الْفُجَّارَ } الذين قصروا في حقوق الله وحقوق عباده، الذين فجرت قلوبهم ففجرت أعمالهم { لَفِي جَحِيمٍ } أي: عذاب أليم، في دار الدنيا و [دار] البرزخ وفي دار القرار. { يَصْلَوْنَهَا } ويعذبون [بها] أشد العذاب { يَوْمَ الدِّينِ } أي: يوم الجزاء على الأعمال. { وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } أي: بل هم ملازمون لها، لا يخرجون منها. { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ } ففي هذا تهويل لذلك اليوم الشديد الذي يحير الأذهان. { يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا } ولو كانت لها قريبة [أو حبيبة] مصافية، فكل مشتغل بنفسه لا يطلب الفكاك لغيرها. { وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } فهو الذي يفصل بين العباد، ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه [والله أعلم].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):