Verse. 5849 (AR)

٨٣ - ٱلْمُطَفِّفِين

83 - Al-Mutaffifeen (AR)

وَيْلٌ لِّـلْمُطَفِّفِيْنَ۝۱ۙ
Waylun lilmutaffifeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويل» كلمة عذاب، أو واد في جهنم «للمطففين».

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن اتصال أول هذه السورة بآخر السورة المتقدمة ظاهر، لأنه تعالى بين في آخر تلك السورة أن يوم القيامة يوم من صفته أنه لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر كله لله وذلك يقتضي تهديداً عظيماً للعصاة، فلهذا أتبعه بقوله: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ } والمراد الزجر عن التطفيف، وهو البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية، وذلك لأن الكثير يظهر فيمنع منه، وذلك القليل إن ظهر أيضاً منع منه، فعلمنا أن التطيف هو البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية، وههنا مسائل: المسألة الأول: الويل، كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال: ويل لك، وويل عليك. المسألة الثانية: في اشتقاق لفظ المطفف قولان الأول: أن طف الشيء هو جانبه وحرفه، يقال: طف الوادي والإناء، إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلىء فهو طفافه وطفافه وطففه، ويقال: هذا طف المكيال وطفافه، إذا قارب ملأه لكنه بعد لم يمتلىء، ولهذا قيل: الذي يسيء الكيل ولا يوفيه مطفف، يعني أنه إنما يبلغ الطفاف والثاني: وهو قول الزجاج: أنه إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف، لأنه يكون الذي لا يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف، وههنا سؤالات: الأول: وهو أن الاكتيال الأخذ بالكيل، كالاتزان الأخذ بالوزن، ثم إن اللغة المعتادة أن يقال: اكتلت من فلان، ولا يقال: اكتلت على فلان، فما الوجه فيه ههنا؟. الجواب: من وجهين الأول: لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً فيه إضرار بهم وتحامل عليهم، أقيم على مقام من الدالة على ذلك الثاني: قال الفراء: المراد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان لأنه حق عليه، فإذا قال اكتلت عليك، فكأنه قال أخذت ما عليك، وإذا قال اكتلت منك، فهو كقوله استوفيت منك. السؤال الثاني: هو أن اللغة المعتادة أن يقال كالوا لهم، أو وزنوا لهم، ولا يقال كلته ووزنته فما وجه قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ }؟ والجواب من وجوه: الأول: أن المراد من قوله (كالوهم أو وزنوهم) كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار وأوصل الفعل. قال الكسائي والفراء: وهذا من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم يقولون: زنى كذا، كلى كذا، ويقولون صدتك وصدت لك، وكسبتك وكسبت لك، فعلى هذا الكناية في كالوهم ووزنوهم في موضع نصب الثاني: أن يكون على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير: وإذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا موزونهم الثالث: يروى عن عيسى بن عمر، وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين توكيداً لما في كالوا ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا، وزعم الفراء والزجاج أنه غير جائز، لأنه لو كان بمعنى كالوهم لكان في المصحف ألف مثبتة قبل هم، واعترض صاحب «الكشاف» على هذه الحجة، فقال إن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الحظ والجواب أن إثبات هذه الألف لو لم يكن معتاداً في زمان الصحابة فكان يجب إثباتها في سائر الأعصار، لما أنا نعلم مبالغتهم في ذلك، فثبت أن إثبات هذه الألف كان معتاداً في زمان الصحابة فكان يجب إثباته ههنا. السؤال الثالث: ما السبب في أنه قال: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ } ولم يقل إذا انزنوا، ثم قال: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ } فجمع بينهما؟ أن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فأحدهما يدل على الآخر السؤال الرابع: اللغة المعتادة أن يقال خسرته، فما الوجه في أخسرته؟ الجواب قال الزجاج: أخسرت الميزان وخسرته سواء أي نقصته، وعن المؤرج يخسرون ينقصون بلغة قريش. المسألة الثالثة: عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم نبي الله المدينة كانوا من أبخس الناس كيلا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وقيل كان أهل المدينة تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال «حديث : خمس بخمس» قيل يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر». تفسير : المسألة الرابعة: الذم إنما لحقهم بمجموع أنهم يأخذون زائداً، ويدفعون ناقصاً، ثم اختلف العلماء، فقال بعضهم: هذه الآية دالة على الوعيد، فلا تتناول إلا إذا بلغ التطفيف حد الكثير، وهو نصاب السرقة، وقال آخرون بل ما يصغر ويكبر دخل تحت الوعيد، لكن بشرط أن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم منها، وهذا هو الأصح. المسألة الخامسة: احتج أصحاب الوعيد بعموم هذه الآية، قالوا: وهذه الآية واردة في أهل الصلاة لا في الكفار، والذي يدل عليه وجهان الأول: أنه لو كان كافراً لكان ذلك الكفر أولى باقتضاء هذا الويل من التطفيف، فلم يكن حينئذ للتطفيف أثر في هذا الويل، لكن الآية دالة على أن الموجب لهذا الويل هو التطفيف الثاني: أنه تعالى قال: للمخاطبين بهذه الآية: {أية : أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ }تفسير : [المطففين: 4، 5] فكأنه تعالى هدد المطففين بعذاب يوم القيامة، والتهديد بهذا لا يحصل إلا مع المؤمن، فثبت بهذين الوجهين أن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة والجواب: عنه ما تقدم مراراً، ومن لواحق هذه المسألة أن هذا الوعيد يتناول من يفعل ذلك ومن يعزم عليه إذ العزم عليه أيضاً من الكبائر. واعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم، وذلك لأن عامة الخلق يحتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على أمر المكيال والميزان، فلهذا السبب عظم الله أمره فقال: {أية : وَٱلسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ } تفسير : [الرحمن: 7 - 9] وقال: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [الحديد: 25] وعن قتادة: «حديث : أوف يا ابن آدم الكيل كما تحب أن يوفي لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك» تفسير : وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة، وقال أعرابي لعبد الملك بن مروان: قد سمعت ما قال الله تعالى في المطففين! أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم في أخذ القليل، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ الكثير، وتأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ روَى النَّسائي عن ٱبن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}، فأحسنوا الكيل بعد ذلك. قال الفراء: فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. وعن ٱبن عباس أيضاً قال: هي: أوّل سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة نزل المدينة، وكان هذا فيهم؛ كانوا إذا ٱشتَروا ٱستوْفَوا بكيل راجح، فإذا باعوا بَخَسوا المكيال والميزان، فلما نزلت هذه السورة ٱنتهوا، فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. وقال قوم: نزلت في رجل يعرف بأبي جهينة، وٱسمه عمرو؛ كان له صاعان يأخذ بأحدهما، ويعطي بالآخر؛ قاله أبو هريرة رضي الله عنه. الثانية ـ قوله تعالى: {وَيْلٌ} أي شدة عذاب في الآخرة. وقال ٱبن عباس: إنه وادٍ في جهنم يسيل فيه صَديد أهل النار، فهو قول تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} أي الذين يَنْقصون مكاييلهم وموازينهم. ورُوِي عن ٱبن عمر قال: المطفِّف: الرجل يستأجر المكيال وهو يعلم أنه يَحِيف في كيله فوزره عليه. وقال آخرون: التطفيف في الكيل والوزن والوضوء والصلاة والحديث. وفي الموطّأ قال مالك: ويقال لكل شيء وفاءٌ وتطفيف. وروي عن سالم بن أبي الجعْد قال: الصلاة بمكيال، فمن أوفَى له ومن طَفَّف فقد علمتم ما قال الله عز وجل في ذلك: «ويل للِمطففِين». الثالثة ـ قال أهل اللغة: المطفِّف مأخوذ من الطَّفِيف، وهو القليل، والمطفِّف هو المقِلّ حق صاحبه بنقصانه عن الحق، في كيل أو وزن. وقال الزجاج: إنما قيل للفاعل من هذا مطفِّف؛ لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف، وإنما أخذ من طَفِّ الشيءِ وهو جانبه. وطِفاف المَكُّوك وطَفافه بالكسر والفتح: ما ملأ أصباره، وكذلك طَفُّ المَكُّوكِ وطَففُه؛ وفي الحديث: « حديث : كلكم بنو آدم طَفَّ الصاعِ لم تملئوه » تفسير : . وهو أن يقرب أن يمتلىء فلا يفعل؛ والمعنى بعضُكم من بعض قريب، فليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى. والطُّفاف والطُّفافة بالضم: ما فوق المكيالِ. وإناء طُفاف: إذا بلغ المِلء طفافه؛ تقول منه: أطفَفْت. والتطفيف: نقص المِكيال وهو ألا تملأه إلى أصباره، أي جوانبه؛ يقال: أدهقت الكأس إلى أصبارها أي إلى رأسها. وقول ٱبن عمر حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سَبْق الخيل: كنت فارساً يومئذ فسبقت الناس حتى طَفَّف بي الفَرَس مسجدَ بني زُرَيق، حتى كاد يساوي المسجد. يعني: وثب بي. الرابعة ـ المطفِّف: هو الذي يُخْسر في الكيل والوزن، ولا يوفي حَسْب ما بيناه؛ وروي ٱبن القاسم عن مالك: أنه قرأ {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} فقال: لا تُطَفِّفْ ولا تَخْلُب، ولكن أرسلْ وصُبّ عليه صَبّاً، حتى إذا ٱستوفى أرسل يدك ولا تُمْسِك. وقال عبد الملك بن الماجشون: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسح الطُّفاف، وقال: إن البركة في رأسه. قال: وبلغني أن كيل فرعون كان مسحاً بالحديد. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} قال الفَراء: أي من الناس؛ يقال: ٱكتلت منك: أي ٱستوفيت منك، ويقال ٱكتلت ما عليك: أي أخذت ما عليك. وقال الزَّجاج: أي إذا ٱكتالوا من الناس ٱستوفَوا عليهم الكيل؛ والمعنى: الذين إذا ٱستوفوا أخذوا الزيادة، وإذا أوفَوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا، فلا يرضَون للناس ما يرضون لأنفسهم. الطبري: «على» بمعنى عند. قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}. فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ}: أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذفت اللام، فتعدى الفعل فَنَصب؛ ومثله نصحتك ونصحت لك، وأمرتك به وأمرتكه؛ قاله الأخفش والفراء. قال الفراء: وسمعت أعرابية تقول إذا صَدَر الناسُ أتينا التاجرَ فيكيلنا المُدّ والمُدّين إلى الموسم المقبل. وهو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج: لا يجوز الوقف على «كالُوا» و «ووزنوا» حتى تصل به «هُمْ» قال: ومن الناس من يجعلها توكيداً، ويجيز الوقف على «كالُوا» و «وزَنوا» والأوّل الاختيار؛ لأنها حرف واحد. هو قول الكسائيّ. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين، ويقف على «كالوا» و «وزنوا» ويبتدىء «هُمْ يجسِرون» قال: وأحسب قراءة حمزة كذلك أيضاً. قال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين: إحداهما: الخطّ؛ وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا «كالوا» و «وزنوا» بالألف، والأخرى: أنه يقال: كِلْتك ووزنتُك بمعنى كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربي؛ كما يقال: صِدْتُك وصِدْت لك، وكسبتُك وكسبْتُ لَك، وكذلك شكرتك ونصحتك ونحو ذلك. قوله: {يُخْسِرُونَ}: أي يَنْقُصون؛ والعرب تقول: أخسرت الميزان وخَسَرته. و «هم» في موضع نصب، على قراءة العامة، راجع إلى الناس، تقديره «وإِذا كالوا» الناس «أو وزنوهم يُخْسِرون» وفيه وجهان: أحدهما أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار، وأوصل الفعل، كما قال: شعر : ولقَدْ جَنَيتُكَ أَكْمُؤًا وعساقِلاً ولقد نهيتُك عن بنات الأَوبرِ تفسير : أراد: جنيت لك، والوجه الآخر: أن يكون على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مُقامه، والمضاف هو المكيل والموزون. وعن ٱبن عباس رضي الله عنه: إنكم معاشر الأعاجم وَلِيتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم: المِكيالَ والمِيزان. وخَصَّ الأعاجم، لأنهم كانوا يجمعون الكيل والوزن جميعاً، وكانا مُفرَقين في الحَرَمين؛ كان أهل مكة يزِنون، وأهل المدينة يكيلون. وعلى القراءة الثانية «هُمْ» في موضع رفع بالابتداء؛ أي وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم فهم يخسرون. ولا يصح؛ لأنه تكون الأُولى مُلغاة، ليس لها خبر، وإنما كانت تستقيم لو كان بعدها: وإذا كالوا هم يَنْقُصون، أو وزنوا هم يُخْسرون. الثانية ـ قال ٱبن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : خمس بخمسٍ: ما نقض قوم العهد إلا سَلَّط الله عليهم عدوّهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا ظهر فيهم الطاعون، وما طَفَّفوا الكيلَ إلا مُنعوا النَّبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حَبَس الله عنهم المَطَر » تفسير : خرجه أبو بكر البزار بمعناه، ومالك بن أنس أيضاً من حديث ٱبن عمر. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وقال مالك بن دينار: دَخَلْت على جارِ لي قد نزل به الموت، فجعل يقول: جَبَلين من نار! جبلين من نار! فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، أكيل بأحدهما، وأكتال بالآخر؛ فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر، حتى كَسَرتهما، فقال: يا أبا يحيى، كلما ضربت أحدهما بالآخر ٱزداد عِظَماً، فمات من وجَعه. وقال عكرمة: أشهدُ على كل كَيال أو وزّان أنه في النار. قيل له: فإن ٱبنك كيال أو وزان. فقال: أشهد أنه في النار. قال الأصمعيّ: وسمعت أعرابية تقول: لا تَلْتَمِس المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل، ولا ألسنة الموازين. ورُوي ذلك عن عليّ رضي الله عنه، وقال عبدُ خير: مر عليّ رضي الله عنه على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح، فأكفأ الميزان، ثم قال: أقم الوزن بالقسط؛ ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أوّلاً ليعتادها، ويُفضل الواجبَ من النفل. وقال نافع: كان ٱبن عمر يمر بالبائع فيقول: ٱتق الله وأوف الكيل والوزن بالقسط، فإن المطففين يوم القيامة يوقفون حتى إن العَرَق ليلْجِمُهم إلى أنصاف آذانهم. وقد رُوِي أن أبا هريرة قدم المدينة وقد خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى خيبر وٱستخلف على المدينة سِباع بن عُرْفُطة، فقال أبو هريرة: فوجدناه في صلاة الصبح فقرأ في الركعة الأولى «كهيعص» وقرأ في الركعة الثانية «ويل للِمطففِين» قال أبو هريرة: فأقول في صلاتي: ويْل لأبي فلان، كان له مكيالان إذا اكتال ٱكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها وآيها ست وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ } التطفيف البخس في الكيل والوزن لأن ما يبخس طفيف أي حقير. روي أن أهل المدينة كانوا أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوه، وفي الحديث «حديث : خمس بخمس ما نقض العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر»تفسير : {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } أي إذا اكتالوا من الناس حقوقهم يأخذونها وافية، وإنما أبدل {عَلَىٰ } بمن للدلالة على أن اكتيالهم لما لهم على الناس، أو اكتيال يتحامل فيه عليهم. {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ } أي إذا كالوا الناس أو وزنوا لهم. {يُخْسِرُونَ } فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله:شعر : وَلَقَد جَنَيْتُكَ أَكمؤاً وَعَسَاقلاتفسير : بمعنى جنيت لك أو كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم المضاف مقامه، ولا يحسن جعل المنفصل تأكيداً للمتصل فإنه يخرج الكلام عن مقابلة ما قبله إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع، لا في المباشرة وعدمها ويستدعي إثبات الألف بعد الواو كما هو خط المصحف في نظائره. {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ } فإن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن تيقنه وفيه انكار وتعجيب من حالهم. {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } عظمه لعظم ما يكون فيه {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ } نصب بمبعوثون أو بدل من الجار والمجرور ويؤيده القراءة بالجر {لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } لحكمه. وفي هذا الانكار والتعجيب وذكر الظن ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله، والتعبير عنه برب العالمين مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه. {كَلاَّ } ردع عن التطفيف والغفلة عن البعث والحساب. {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ } ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم. {لَفِى سِجّينٍ } كتاب جامع لأعمال الفجرة من الثقلين كما قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } أي مسطور بين الكتابة أو معلم بعلم من رآه أنه لا خير فيه، فعيل من السجن لقب به الكتاب لأنه سبب الحبس، أو لأنه مطروح كما قيل: تحت الأرضين في مكان وحش، وقيل هو اسم مكان والتقدير ما كتاب السجين، أو محل كتاب مرقوم فحذف المضاف.

ابن كثير

تفسير : قال النسائي وابن ماجه: أخبرنا محمد بن عقيل، زاد ابن ماجه: وعبد الرحمن بن بشر، قالا: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي عن يزيد، وهو ابن أبي سعيد النحوي مولى قريش، عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} فحسنوا الكيل بعد ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن هلال بن طلق قال: بينما أنا أسير مع ابن عمر، فقلت: من أحسن الناس هيئة، وأوفاهم كيلاً، أهل مكة وأهل المدينة، قال: حق لهم، أما سمعت الله تعالى يقول: { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}؟ وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل عن ضرار عن عبد الله المكتب عن رجل عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل، قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل، وقد قال الله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} ــــ حتى بلغ ــــ {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} والمراد بالتطفيف ههنا البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك، وهو الويل، بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي: من الناس {يَسْتَوْفُونَ} أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} أي: ينقصون، والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا متعدياً، ويكون (هم) في محل نصب، ومنهم من يجعلها ضميراً مؤكداً للمستتر في قوله: كالوا ووزنوا، ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب. وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال تعالى: {أية : وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 35] وقال تعالى: {أية : وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [الأنعام: 152] وقال تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 9] وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال، ثم قال تعالى متوعداً لهم: { أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ }؟ أي: ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل ناراً حامية؟ وقوله تعالى: { يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: يقومون حفاة عراة غرلاً، في موقف صعب حرج ضيق، ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه. قال الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يوم يقوم الناس لرب العالمين، حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» تفسير : رواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن عون، كلاهما عن نافع به،ورواه مسلم من الطريقين أيضاً، وكذلك رواه أيوب بن يحيى، وصالح بن كيسان، وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر، ومحمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر به. ولفظ الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يوم يقوم الناس لرب العالمين لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم.»تفسير : [حديث آخر] قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد، يعني: ابن الأسود الكندي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا كان يوم القيامة، أدنيت الشمس من العباد، حتى تكون قدر ميل أو ميلين ــــ قال ــــ فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاماً» تفسير : رواه مسلم عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة، والترمذي عن سويد عن ابن المبارك، كلاهما عن ابن جابر به. [حديث آخر] قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح: أن أبا عبد الرحمن حدثه عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا كذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق»تفسير : . انفرد به أحمد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة حيي بن يؤمن: أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : تدنو الشمس من الأرض، فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه ــــ وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده هكذا ــــ ومنهم من يغطيه عرقه» تفسير : وضرب بيده إشارة، انفرد به أحمد، وفي حديث: أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون، وقيل: يقومون ثلاثمئة سنة، وقيل: يقومون أربعين ألف سنة، ويقضي بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.»تفسير : وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبشير الغفاري: «حديث : كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمئة سنة لرب العالمين من أيام الدنيا، لا يأتيهم فيه خبر من السماء، ولا يؤمر فيهم بأمر؟» تفسير : قال بشير: المستعان الله، قال: «حديث : فإذا أويت إلى فراشك، فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحساب» تفسير : ورواه ابن جرير من طريق عبد السلام به. وفي سنن أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة. وعن ابن مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق برّهم وفاجرهم. وعن ابن عمر: يقومون مئة سنة. رواهما ابن جرير. وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد الحواري عن عاصم بن حميد عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشراً، ويحمد عشراً، ويسبح عشراً، ويستغفر عشراً، ويقول: «حديث : اللهم اغفر لي، واهدني وارزقني وعافني» تفسير : ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيْلٌ } كلمة عذاب أو واد في جهنم {لِّلْمُطَفِّفِينَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ } ويل مبتدأ، وسوّغ الابتداء به كونه دعاء، ولو نصب لجاز. قال مكي والمختار: في ويل، وشبهه إذا كان غير مضاف الرفع، ويجوز النصب، فإن كان مضافاً أو معرّفاً كان الاختيار فيه النصب نحو قوله: {أية : وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ }تفسير : [طه: 61] و{للمطففين} خبره، والمطفف: المنقص، وحقيقته الأخذ في الكيل، أو الوزن شيئًا طفيفاً أي: نزراً حقيراً. قال أهل اللغة: المطفف مأخوذ من الطفف، وهو القليل، فالمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن، والمراد بالويل هنا شدّة العذاب، أو نفس العذاب، أو الشرّ الشديد، أو هو واد في جهنم. قال الكلبي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسيئون كيلهم، ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآية. وقال السديّ: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان بها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية. قال الفراء: هم بعد نزول هذه الآية أحسن الناس كيلاً إلى يومهم هذا. ثم بيّن سبحانه المطففين من هم؟ فقال: {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } أي: يستوفون الاكتيال، والأخذ بالكيل. قال الفرّاء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان، يقال: اكتلت منك أي: استوفيت منك، وتقول: اكتلت عليك أي: أخذت ما عليك. قال الزجاج: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا؛ لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر. قال الواحدي: قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا ووزنوا لغيرهم نقصوا، وهو معنى قوله: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، فحذفت اللام فتعدّى الفعل إلى المفعول، فهو من باب الحذف والإيصال، ومثله: نصحتك، ونصحت لك، كذا قال الأخفش، والكسائي، والفرّاء. قال الفرّاء: وسمعت أعرابية تقول: إذا صدر الناس أتينا التاجر، فيكيلنا المدّ والمدّين إلى الموسم المقبل. قال: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج: لا يجوز الوقف على كالوا حتى يوصل بالضمير، ومن الناس من يجعله توكيداً أي: توكيداً للضمير المستكنّ في الفعل، فيجيز الوقف على كالوا أو وزنوا، قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين، ويقف على كالوا أو وزنوا، ثم يقول: هم يخسرون. قال: وأحسب قراءة حمزة كذلك. قال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين: إحداهما الخط، ولذلك كتبوها بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا كالوا أو وزنوا بالألف. والأخرى أنه يقال: كلتك، ووزنتك بمعنى: كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربيّ؛ كما يقال صدتك وصدت لك، وكسبتك وكسبت لك، وشكرتك وشكرت لك، ونحو ذلك. وقيل: هو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف المكيل والموزون أي: وإذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا موزونهم، ومعنى {يخسرون}: ينقصون كقوله: {أية : وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ }تفسير : [الرحمٰن: 9] والعرب تقول: خسرت الميزان، وأخسرته. ثم خوّفهم سبحانه فقال: {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ } والجملة مستأنفة مسوقة لتهويل ما فعلوه من التطفيف، وتفظيعه، وللتعجيب من حالهم في الاجتراء عليه، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المطففين، والمعنى: أنهم لا يخطرون ببالهم أنهم مبعوثون، فمسؤولون عما يفعلون. قيل: والظنّ هنا بمعنى اليقين أي: لا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ما نقصوا الكيل والوزن، وقيل: الظنّ على بابه، والمعنى: إن كانوا لا يستيقنون البعث، فهلا ظنوه حتى يتدبروا فيه، ويبحثوا عنه، ويتركوا ما يخشون من عاقبته. واليوم العظيم: هو يوم القيامة، ووصفه بالعظم، لكونه زماناً لتلك الأمور العظام من البعث والحساب والعقاب، ودخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } انتصاب الظرف بـ {مبعوثون} المذكور قبله، أو بفعل مقدّر يدل عليه مبعوثون. أي: يبعثون يوم يقوم الناس، أو على البدل من محل ليوم، أو بإضمار أعني، أو هو في محلّ رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو في محلّ جرّ على البدل من لفظ ليوم، وإنما بني على الفتح في هذين الوجهين لإضافته إلى الفعل. قال الزجاج: {يوم} منصوب بقوله: {مبعوثون}، المعنى: ألا يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة؟ ومعنى {يوم يقوم الناس}: يوم يقومون من قبورهم لأمر ربّ العالمين، أو لجزائه، أو لحسابه، أو لحكمه وقضائه. وفي وصف اليوم بالعظم مع قيام الناس لله خاضعين فيه، ووصفه سبحانه بكونه ربّ العالمين دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه، وفظاعة عقابه. وقيل المراد بقوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ } قيامهم في رشحهم إلى أنصاف آذانهم، وقيل: المراد قيامهم بما عليهم من حقوق العباد، وقيل: المراد قيام الرسل بين يدي الله للقضاء، والأوّل أولى. قوله: {كَلاَّ } هي: للردع، والزجر للمطففين الغافلين عن البعث، وما بعده. ثم استأنف فقال: {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ } وعند أبي حاتم أن {كلا} بمعنى: حقاً متصلة بما بعدها على معنى: حقاً إن كتاب الفجار لفي سجين، وسجين هو ما فسره به سبحانه من قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ * كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم أي: مسطور، قيل: هو كتاب جامع لأعمال الشرّ الصادر من الشياطين والكفرة والفسقة، ولفظ سجين علم له. وقال قتادة، وسعيد بن جبير، ومقاتل، وكعب: إنه صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفجار تحتها، وبه قال مجاهد، فيكون في الكلام على هذا القول مضاف محذوف، والتقدير: محل كتاب مرقوم. وقال أبو عبيدة، والأخفش، والمبرد، والزجاج {لَفِى سِجّينٍ }: لفي حبس وضيق شديد، والمعنى: كأنهم في حبس، جعل ذلك دليلاً على خساسة منزلتهم وهوانها. قال الواحدي: ذكر قوم أن قوله: {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } تفسير لسجين، وهو بعيد لأنه ليس السجين من الكتاب في شيء على ما حكيناه عن المفسرين، والوجه أن يجعل بياناً لكتاب المذكور في قوله: {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ } على تقدير هو كتاب مرقوم أي: مكتوب قد بينت حروفه انتهى، والأولى ما ذكرناه، ويكون المعنى: إن كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون أي: ما يكتب من أعمالهم، أو كتابة أعمالهم لفي ذلك الكتاب المدوّن للقبائح المختصّ بالشر، وهو سجين. ثم ذكر ما يدل على تهويله، وتعظيمه، فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ } ثم بيّنه بقوله: {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ }. قال الزجاج: معنى قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ } ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. قال قتادة: ومعنى {مرقوم}: رقم لهم بشرّ كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر. وكذا قال مقاتل. وقد اختلفوا في نون سجين، فقيل: هي أصلية، واشتقاقه من السجن، وهو الحبس، وهو بناء مبالغة كخمير، وسكير، وفسيق من الخمر والسكر والفسق. وكذا قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج. قال الواحدي: وهذا ضعيف؛ لأن العرب ما كانت تعرف سجيناً. ويجاب عنه: بأنه رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة، وتدل على أنه من لغة العرب، ومنه قول ابن مقبل:شعر : ورفقة يضربون البيض ضاحية ضرباً تواصت به الأبطال سجينا تفسير : وقيل: النون بدل من اللام، والأصل سجيل، مشتقاً من السجل، وهو الكتاب. قال ابن عطية: من قال: إن سجيناً موضع، فكتاب مرفوع على أنه خبر إن، والظرف وهو قوله: {لَفِى سِجّينٍ } ملغى، ومن جعله عبارة عن الكتاب، فكتاب خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسراً لسجين ما هو؟ كذا قال. قال الضحاك: مرقوم مختوم بلغة حمير، وأصل الرقم الكتابة. قال الشاعر:شعر : سأرقم بالماء القراح إليكم على بعدكم إن كان للماء راقم تفسير : {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } هذا متصل بقوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وما بينهما اعتراض، والمعنى: ويل يوم القيامة لمن وقع منه التكذيب بالبعث، وبما جاءت به الرسل. ثم بيّن سبحانه هؤلاء المكذبين فقال: {ٱلَّذِينَ يُكَذّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدّينِ } والموصول صفة للمكذبين، أو بدل منه {وَمَا يُكَذّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ } أي: فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه. {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا } المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم {قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أي: أحاديثهم وأباطيلهم التي زخرفوها. قرأ الجمهور {إذا تتلى} بفوقيتين. وقرأ أبو حيوة، وأبو السماك، والأشهب العقيلي، والسلمي بالتحتية، وقوله: {كَلاَّ } للردع، والزجر للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل، وتكذيب له، وقوله: {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بيان للسبب الذي حملهم على قولهم بأن القرآن أساطير الأوّلين. قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها ريناً، وريوناً، وكل ما غلبك، وعلاك فقد ران بك، وران عليك. قال الفرّاء: هو أنها كثرت منهم المعاصي والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب. قال مجاهد: القلب مثل الكف، ورفع كفه فإذا أذنب انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب ذنباً آخر انقبض، وضم أخرى حتى ضم أصابعه كلها حتى يطبع على قلبه. قال: وكانوا يرون أن ذلك هو الرين. ثم قرأ هذه الآية. قال أبو زيد: يقال قد رين بالرجل ريناً: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قبل له به. وقال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسودّ القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب، وهو أشدّ من الرين، والإقفال أشدّ من الطبع. قال الزجاج: الرين هو كالصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق، ومثله الغين. ثم كرّر سبحانه الردع، والزجر فقال: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } وقيل: كلا بمعنى حقاً أي: حقاً إنهم، يعني: الكفار عن ربهم يوم القيامة لا يرونه أبداً. قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم. قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أنّ الله عزّ وجلّ يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة. وقال جلّ ثناؤه: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 22، 23] فأعلم جلّ ثناؤه أن المؤمنين ينظرون، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه. وقيل: هو تمثيل لإهانتهم بإهانة من يحجب عن الدخول على الملوك. وقال قتادة، وابن أبي مليكة: هو أن لا ينظر إليهم برحمته، ولا يزكيهم. وقال مجاهد: محجوبون عن كرامته، وكذا قال ابن كيسان {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ } أي: داخلو النار، وملازموها غير خارجين منها، وثم لتراخي الرتبة؛ لأن صلي الجحيم أشدّ من الإهانة، وحرمان الكرامة. {ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } أي: تقول لهم خزنة جهنم تبكيتاً وتوبيخاً: هذا الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فانظروه وذوقوه. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين»تفسير : وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه»تفسير : وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال:«حديث : فكيف إذا جمعكم الله، كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم»تفسير : وأخرج أبو يعلى، وابن حبان، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } بمقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى الغروب إلى أن تغرب"تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إذا حشر الناس قاموا أربعين عاماً. وأخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعاً. وأخرج الطبراني عن ابن عمر أنه قال: يا رسول الله كم مقام الناس بين يدي ربّ العالمين يوم القيامة؟ قال: «حديث : ألف سنة لا يؤذن لهم»تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر من طريق شمر بن عطية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن قوله: {كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ } قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، فيهبط بها إلى الأرض، فتأبى أن تقبلها، فيدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين، وهو خدّ إبليس، فيخرج لها من تحت خد إبليس كتاباً فيختم، ويوضع تحت خد إبليس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {سِجّينٍ}: أسفل الأرضين. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبيّ قال: «حديث : الفلق جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح»تفسير : قال ابن كثير: هو حديث غريب منكر لا يصحّ. وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : {سِجّينٍ } الأرض السابعة السفلى»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر نحوه مرفوعاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن ماجه، والطبراني، والبيهقي في البعث عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: لما حضرت كعباً الوفاة أتته أمّ بشر بنت البراء فقالت: إن لقيت ابني، فأقرئه مني السلام، فقال: غفر الله لك يا أمّ بشر نحن أشغل من ذلك، فقالت: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حين شاءت، وإن نسمة الكافر في سجين؟» تفسير : قال: بلى، قالت: فهو ذلك. وأخرج ابن المبارك نحوه عن سلمان. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله سبحانه في القرآن: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ويْلٌ للمطفّفين} قال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلاً، إلى أن أنزل الله تعالى: {ويل للطففين} فأحسنوا الكيل، قال الفراء: فهم من أوفى الناس كيلاً إلى يومهم هذا. أعمض بعض المتعمقة فحمله على استيفاء العبادة بين الناس جهراً، وفي النقصان سراً. وفي " ويل" سبعة أقاويل: أحدها: أنه واد في جهنم، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً. الثاني: صديد أهل النار، قاله ابن مسعود. الثالث: أنه النار، قاله عمر مولى عفرة. الرابع: أنه الهلاك، قاله بعض أهل اللغة. الخامس: أنه أشق العذاب. السادس: أنه النداء بالخسار والهلاك، وقد تستعمله العرب في الحرب والسلب. السابع: أن أصله ويْ لفلان، أي الجور لفلان، ثم كثر استعمال الحرفين فوصلا بلام الإضافة. والمطفف: مأخوذ من الطفيف وهو القليل، والمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. قال الزجاج: بل مأخوذ من طف الشيء وهي جهته. {الذين إذا اكْتالوا على الناسِ يَسْتوْفُونَ} أي من الناس، ويريد بالاستيفاء الزيادة على ما استحق. {وإذا كالُوهم أو وَزَنُوهم يُخْسِرون} يعني كالوا لهم أو وزنوا لهم بحذف هذه الكلمة لما في الكلام من الدلالة عليها، {يخسرون}، ينقصون فكان المطفف يأخذ زائداً ويعطي ناقصاً. {يومَ يَقُومُ الناسُ لربِّ العَالَمِينَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يوم يقومون من قبورهم، قاله ابن جبير. الثاني: يقومون بين يديه تعالى للقضاء، قاله يزيد بن الرشك. قال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير الغفاري: حديث : كيف أنت صانع يوم يقوم الناس فيه مقدار ثلاثمائة سنة لرب العالمين، لا يأتيهم فيه خبر ولا يؤمر فيه بأمر، تفسير : قال بشير: المستعان الله. الثالث: أنه جبريل يقوم لرب العالمين، قاله ابن جبير. ويحتمل رابعاً: يقومون لرب العالمين في الآخرة بحقوق عباده في الدنيا.

ابن عطية

تفسير : {ويل} معناه: الثبور والحزن والشقاء الأدوم، وقد روي عن ابن مسعود وغيره أن وادياً في جهنم يسمى "ويلاً" ورفع {ويل} على الابتداء، ورفع على معنى ثبت لهم واستقر وما كان في حيز الدعاء والترقب فهو منصوب نحو قولهم: رعياً وسقياً، و "المطفف": الذي ينقص الناس حقوقهم، والتطفيف: النقصان أصله في الشيء الطفيف وهو النزر، والمطفف إنما يأخذ بالميزان شيئاً طفيفاً، وقال سلمان: الصلاة مكيال، فمن أوفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين، وقال بعض العلماء: يدخل التطفيف في كل قول وعمل، ومنه قول عمر طففت، ومعناه: نقصت الأجر والعمل وكذا قال مالك رحمه الله: يقال لكل شيء وفاء وتطفيف فقد جاء بالنقيضين، وقد ذهب بعض الناس إلى أن التطفيف هو تجاوز الحد في وفاء ونقصان، والمعنى والقرائن بحسب قول قول تبين المراد وهذا عندي جد صحيح، وقد بين تعالى أن التطفيف إنما أراد به أمر الوزن والكيل، و {اكتالوا على الناس} معناه: قبضوا منهم و {كالوهم} معناه: قبضوهم، يقال: كلت منك واكتلت عليك، ويقال: وكلت لك فلما حذفت اللام تعدى الفعل، قال الفراء والأخفش. وأنشد أبو زيد: [الكامل] شعر : ولقد جنتك أكمؤاً وعساقلاً ولقد نهيتك عن بنات الأوبر تفسير : وعلى هذا المعنى هي قراءة الجمهور، وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين ويقف على " كالوا" و "وزنوا" بمعنى: هم يخسرون إذا كالوا ووزنوا. ورويت عن حمزة، فقوله: "هم" تأكيد للضمير، وظاهر هذه الآية يقتضي أن الكيل والوزن على البائع وليس ذلك بالجلي، وصدر الآية هو في المشترين، فذمهم بأنهم {يستوفون} ويشاحون في ذلك، إذ لا تمكنهم الزيادة على الاستيفاء لأن البائع يحفظ نفسه، فهذا مبلغ قدرتهم في ترك الفضيلة والسماحة المندوب إليها، ثم ذكر أنه إذا باعوا أمكنهم من الظلم والتطفيف أن يخسروا لأنهم يتولون الكيل للمشتري منهم وذلك بحالة من يخسر البائع إن قدر، و {يخسرون} معدى بالهمزة يقال: خسر الرجل وأخسره غيره، والمفعول لـ {كالوهم} محذوف، ثم وقفهم تعالى على أمر القيامة وذكرهم بها وهذا مما يؤيد أنها نزلت بالمدينة في قوم من المؤمنين وأريد بها مع ذلك من غبر من الأمة، و {يظن} هنا بمعنى: يعلم ويتحقق، و "اليوم العظيم": يوم القيامة، و {يوم} ظرف عمل فيه فعل مقدر يبعثون ونحوه، وقال الفراء: هو بدل من {ليوم عظيم}، لكنه بني ويأبى ذلك البصريون، لأنه مضاف إلى معرب، وقام الناس فيه {لرب العالمين} يختلف الناس فيه بحسب منازلهم، فروى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يقام فيه خمسين ألف سنة". تفسير : وهذا بتقدير شدته، وقيل: ثلاثمائة سنة، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عمر: مائة سنة وقيل ثمانون سنة، وقال ابن مسعود أربعون سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يؤمرون ولا يكلمون، وقيل غير هذا، ومن هذا كله آثار مروية ومعناها: إن لكل قوم مدة ما تقتضي حالهم وشدة أمرهم ذلك، وروي أن القيام فيه على المؤمن على قدر ما بين الظهر إلى العصر، وروي عن بعض الناس: على قدر صلاة، وفي هذا القيام هو إلجام العرق للناس، وهو أيضاً مختلف، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عقبة بن عامر: "حديث : أنه يلجم الكافر إلجاماً" تفسير : ويروى أن بعض الناس يكون فيه إلى أنصاف ساقيه وبعضهم إلى فوق، وبعضهم إلى أسفل.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَيْلٌ} وادٍ في جهنم أو النار أو صديد أهلها أو الهلاك أو أشق العذاب أو النداء بالخسار والهلاك أو أصله وي لفلان أي الحرب لفلان ثم كثر استعمال الحرفين فوصلا بلام الإضافة، والتطفيف: التقليل فالمطفف مقلل بحق صاحبه بنقصانه في كيل أو وزن أو أخذ من طف الشيء وهي جهته.

النسفي

تفسير : مختلف فيها وهي ست وثلاثون آية بسم الله الرحمٰن الرحيم {وَيْلٌ } مبتدأ خبره {لّلْمُطَفّفِينَ } للذين يبخسون حقوق الناس في الكيل والوزن {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } أي إذا أخذوا بالكيل من الناس يأخذون حقوقهم وافية تامة. ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل على مكان من للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق «على» بـ {يَسْتَوْفُونَ } ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص أي يستوفون على الناس خاصة. وقال الفراء: «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليك فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك فكأنه قال: استوفيت منك. والضمير المنصوب في {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ } راجع إلى الناس أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل. وإنما لم يقل أو اتزنوا كما قيل {أَوْ وَّزَنُوهُمْ } اكتفاء، ويحتمل أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين {يُخْسِرُونَ } ينقصون يقال خسر الميزان وأخسره. {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني يوم القيامة. أدخل همزة الاستفهام على «لا» النافية توبيخاً وليست «ألا» هذه للتنبيه، وفيه إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة، ولو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن. وعن عبد الملك بن مروان أن أعرابياً قال له: لقد سمعت ما قال الله في المطففين، أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ونصب؟! {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ } بمبعوثون {لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } لأمره وجزائه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعده {كَلاَّ } ردع وتنبيه أي ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه. ثم اتبعه وعيد الفجار على العموم فقال {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ } صحائف أعمالهم {لَفِى } {سِجّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ * كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } فإن قلت: قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجار بأنه في سجين وفسر سجيناً بكتاب مرقوم فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه؟ قلت: سجين كتاب جامع هو ديوان الشرّ دوّن الله فيه أعمال الشياطين والكفرة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بيّن الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه من رقم الثياب علامتها. والمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان. وسمي سجيناً فعّيلاً من السجن وهو الحبس والتضييق لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم وهو مسكن إبليس وذريته، وهو اسم علم منقول من وصف كحاتم منصرف لوجود سبب واحد وهو العلمية فحسب {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ } يوم يخرج المكتوب {لّلْمُكَذّبِينَ ٱلَّذِينَ يُكَذّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدّينِ } الجزاء والحساب {وَمَا يُكَذّبُ بِهِ } بذلك اليوم {إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ } مجاوز للحد {أَثِيمٍ } مكتسب للإثم {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا } أي القرآن {قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ } أي أحاديث المتقدمين. وقال الزجاج: أساطير أباطيل واحدها أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث. {كَلاَّ } ردع للمعتدي الأثيم عن هذا القول {بَلْ} نفي لما قالوا ويقف حفص على {بَل} وقيفة {رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } عطاها كسبهم أي غلب على قلوبهم حتى غمرها ما كانوا يكسبون من المعاصي. وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب. وعن الضحاك: الرين موت القلب. وعن أبي سليمان: الرين والقسوة زماماً الغفلة ودواؤهما إدمان الصوم فإن وجد بعد ذلك قسوة فليترك الإدام. {كَلاَّ } ردع عن الكسب الرائن على القلب {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ } عن رؤية ربهم {يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } لممنوعون والحجب: المنع قال الزجاج: في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم وإلا لا يكون التخصيص مفيداً. وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في العقبى عن رؤيته. وقال مالك بن أنس رحمه الله: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقيل: عن كرامة ربهم لأنهم في الدنيا لم يشكروا نعمه فيئسوا في الآخرة عن كرامته مجازاة. والأول أصح لأن الرؤية أقوى الكرامات فالحجب عنها دليل الحجب عن غيرها {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ } ثم بعد كونهم محجوبين عن ربهم لداخلون النار {ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } أي هذا العذاب هو الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتنكرون وقوعه. {كَلاَّ } ردع عن التكذيب {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ } ما كتب من أعمالهم والأبرار المطيعون الذين لا يطففون ويؤمنون بالبعث لأنه ذكر في مقابلة الفجار، وبيّن الفجار بأنهم المكذبون بيوم الدين. وعن الحسن: البر الذي لا يؤذي الذر {لَفِى عِلِّيِّينَ } هو علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع «عليّ» فعيل من العلو سمي به لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريماً له {وَمَا أَدْرَاكَ } ما الذي أعلمك يا محمد {مَا عِلِّيُّونَ } أي شيء هو {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تحضره الملائكة. قيل: يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء إذا رفع {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ } تنعم في الجنان {عَلَىٰ ٱلأَرَآئِكِ } الأسرة في الحجال {يَنظُرُونَ } إلى كرامة الله ونعمه وإلى أعدائهم كيف يعذبون {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } بهجة التنعم وطراوته {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ } شراب خالص لا غش فيه {مَّخْتُومٍ * خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ } تختم أوانيه بمسك بدل الطين الذي يختم به الشراب في الدنيا. أمر الله تعالى بالختم عليه إكراماً لأصحابه أو ختامه مسك مقطعه رائحة مسك أي توجد رائحة المسك عند خاتمة شربه. {خاتمه} عليّ { وَفِى ذَلِكَ } الرحيق أو النعيم {فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ } فليرغب الراغبون وذا إنما يكون بالمسارعة إلى الخيرات والانتهاء عن السيئات {وَمِزَاجُهُ } ومزاج الرحيق {مِن تَسْنِيمٍ } هو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنّمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب في الجنة، أو لأنها تأتيهم من فوق وتنصب في أوانيهم {عَيْناً } حال أو نصب على المدح {يَشْرَبُ بِهَا } أي منها {ٱلْمُقَرَّبُونَ } عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم: يشربها المقربون صرفاً وتمزج لأصحاب اليمين. {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } كفروا {كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ } في الدنيا استهزاء بهم. {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } يشير بعضهم إلى بعض بالعين طعناً فيهم وعيباً لهم. قيل: جاء علي رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا وقالوا: أترون هذا الأصلع فنزلت قبل أن يصل عليّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَإِذَا ٱنقَلَبُواْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ } أي إذا رجع إلى الكفار منازلهم {ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ } متلذذين بذكرهم والسخرية منهم. وقرأ غير حفص {فَـٰكِهِينَ } أي فرحين {وَإِذَا رَأَوْهُمْ } وإذا رأى الكافرون المؤمنين {قَالُواْ إِنَّ هَـؤُلاَءِ لَضَالُّونَ } أي خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا الحقيقة بالخيال وهذا هو عين الضلال {وَمَا أُرْسِلُواْ } وما أرسل الكفار {عَلَيْهِمْ } على المؤمنين {حَـٰفِظِينَ } يحفظون عليهم أحوالهم ويرقبون أعمالهم بل أمروا بإصلاح أنفسهم فاشتغالهم بذلك أولى بهم من تتبع غيرهم وتسفيه أحلامهم {فَٱلْيَوْمَ } أي من يوم القيامة {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } ثم كما ضحكوا منهم هنا مجازاة {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ } حال أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والاستكبار وهم على الأرائك آمنون. وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: هلموا إلى الجنة، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم {هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا إذا فعل بهم ما ذكر؟ والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ويل} أي قبح وهي كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال ويل له وويل عليه، وقيل ويل اسم واد في جهنم {للمطففين} يعني الذين ينقصون المكيال والميزان لأنه لا يكاد المطفف يسرق في الكيل والوزن، إلا الشيء اليسير الطّفيف قال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث النّاس كيلاً. فأنزل الله عز وجل: {ويل للمطففين} فأحسنوا الكيل، وقيل لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه الآية وجعل الويل للمطففين ثم بين من هم. فقال تعالى: {الذين إذا اكتالوا على النّاس يستوفون} يعني أنهم إذا اكتالوا من النّاس، ومن وعلى يتعاقبان، وقيل معناه إذا اكتالوا من النّاس، أي اشتروا شيئاً استوفوا عليهم لأنفسهم الكيل والوزن.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {بل ران} حفص يقف على {بل} وقفة يسيرة ومع ذلك يصل. وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً {ران} بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى {تعرف} مبنياً للمفعول {نضرة} بالرفع: يزيد ويعقوب {خاتمه} بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة: عليّ. {أهلهم} بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما. الباقون: بضم ميم الجمع فقط {فكهين} مقصوراً: يزيد وحفص {هل ثوب الكفار} بالإدغام: حمزة وعلى وهشام. الوقوف {للمطففين} ه لا {يستوفون} ه للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق الوصفين مع اتفاق الجملتين {يخسرون} ه للاستفهام {عظيم} ه لا لأن التقدير لأمر يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة {لرب العالمين} ه ط لأن " كلا " لتحقيق أنّ بمعنى " ألا " التي للتنبيه أو حقاً أو هو ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة {سجين} ه ط {ما سجين} ه ط للحذف أي هو كتاب {مرقوم} ه ط لأن {ويل} مبتدأ {للمكذبين} ه لا {الدين} ه ط للابتداء بالنفي {أثيم} ه لأن الشرطية بعده صفة أخرى له {الأوّلين} ه والوقف لما ذكر {يكسبون} ه {لمحجوبون} ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار {الجحيم} ه ك لاختلاف الجملتين {تكذبون} ه ك {عليين} ه ك {عليون} ه ك {مرقوم} ه لا لأن ما بعده صفة {المقربون} ه ط {نعيم} ه لا لأن ما بعده حال أو صفة {ينظرون} ه لا لذلك {النعيم} ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً {مختوم} ه لا لأن ما بعده وصف {مسك} ط {المتنافسون} ه ط {تسنيم} ه لا بناء على أن {عيناً} حال كما قال الزجاج. فإن أريد النص على المدح جاز الوقف {المقربون} ه ط {يضحكون} ه ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى {يتغامزون} ه ك لذلك {فكهين} ه ك {لضالون} ه لا لأن المنفية حال {حافظين} ه ط لتبدل الكلام معنى {يضحكون} ه لا {ينظرون} ه ط {يفعلون} ه. التفسير: إنه سبحانه لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف. والتركيب يدل على القليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلىء. وقال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل. قلت: إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم. وهكذا الوجه فيما روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم فقال "حديث : خمس بخمس. قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر " تفسير : وعن علي رضي الله عنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أخبره بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين. والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن. قال الفراء: " من" و " على " يعتقبان في هذا الموضع. فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك. وقال أهل البيان: وضع " على " مكان " من " للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر. وجوز أن يتعلق الجار بـ {يستوفون} والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها. والضمير في {كالوهم أو وزنوهم} منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف المضاف وأصل الفعل. قال الكسائي والفراء: هذه لغة الحجاز ومنه المثل " الحريص يصيدك لا الجواد " أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد. ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم. وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا. وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن بدل من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط. وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر. قلت: النظم على قولهما باقٍ على حالته من الإعجاز والفصاح لأنه يفيد ضرباً من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعاً ولهذا قال سبحانه {وإذا كالوهم أو وزنوهم} وأما في الأخذ فالميزان غالباً يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك " أو اتزنوا" وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى. وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة. والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد. وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر. وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله: لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف. والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً. ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟ ثم زاد في توبيخهم بقوله {ألا يظن} فإن كانوا من أهل الإسلام كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم، وإن كانوا كفاراً منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي. والمراد هب أنهم لا يقطعون بالبعث أفلا يظنون أيضاً كقوله {أية : إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين} تفسير : [الجاثية: 32] وفي الإشارة إليهم بـ {أولئك} وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار بل عن درجة الإنسانية. وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف والله الطالب الغالب الحي القيوم. ففيه تعظيم شأن المقسم عليه. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يقوم الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيها بأمر "تفسير : قال ابن عباس: هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة. وفيه أنه إذا ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات؟ وحمل بعضهم هذا القيام على ردّ الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم. وعن أبي مسلم: أراد به الخضوع التام كقوله {أية : وقوموا لله قانتين}تفسير : [البقرة: 238] ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند الله. وقدم ديوان الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور. وسجين " فعيل" من السجن وهو الحبس والتضييق جعل علماً لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة والشياطين، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية {كتاب مرقوم} ليس تفسيراً للسجين بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم. وموقع قوله {وما أدراك ما سجين} اعتراض تعظيماً لأمر السجين، ولأن ذلك لم يكن مما كان العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. وقيل: مرقوم أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان. ثم اختلفوا، فعن ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعاً أنه أسفل أرضين وفيها إبليس وذريته. وعن أبي هريرة مرفوعاً أنه جب في جهنم. وقال الكلبي: صخرة تحت الأرض السابعة. والتحقيق أنه سبحانه أجرى أمور عباده على ما تعارفوه فيما بينهم، ولا شك أن السفلة والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملاعين من صفات البغض فوصف الله كتاب الفجار بأنه في هذا الموضع استهانة بهم وبأعمالهم، كما أنه وصف كتاب الأبرار بأنه في عليين وتشهده الملائكة المقربون تعظيماً لحالهم. ثم أوعد المكذبين ووصفهم بقوله {الذين يكذبون} للذم لا للبيان لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله سواء كان مكذباً بالبعث أو بسائر آيات الله تعالى فهو كقولك " فعل فلان الفاسق الخبيث ". وإنما خص التكذيب بالبعث لتقدّم ذكره وذكر ما يتعلق به. ثم بالغ في الذم بقوله {وما يكذب به إلاّ كلٌّ معتد أثيم} متجاوز عن حد الاعتدال في استعمال القوة النظرية إما في طرف الإفراط وهو الجريرة حتى عدّ الممكن محالاً وأقدم على التكذيب، وإما في طرف التفريط وهو البله والغباوة حتى قنع بالاستبعاد المحض وأعرض عن النظر في دلائل البعث من الخلق الأوّل وغيره. أثيم في إعمال القوى البدينة في غير مواقعها حتى أثمر له الباطل بدل الحق، وحكم على آيات الله بأنها أساطير الأوّلين، وفيه إنكار للنبوّة أيضاً. ثم أضرب عن أن يكون لهم اختبار فيما قالوه أو يكون لهم ارعواء عما ارتكبوه، لأن ما كسبوه قدران على قلوبهم أي ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها. قال أهل اللغة: ران النعاس والخمر في الرأس يرين ريناً وريوناً إذا رسخ فيه، ولهذا قال الحسن: هو الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب. قلت: الغين هو الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب ومثله الغيم. والرين هو الغليظ الذي لا يرجى زواله ولهذا جاء في الحديث "حديث : إنه ليغان على قلبي " تفسير : وأما الرين فمن صفة الكفار الذين صارت ملكاتهم الذميمة في غاية الرسوخ حتى أظلم سطوح قلوبهم بل دخلت الظلمة أجوافها وبلغت الكدورة صفاقها. ثم قال {كلا} حقاً وهو ردع عن الكسب الرائن على القلب {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} وذلك أن النور لا يرى إلا بالنور، فإذا كانت نفوسهم في غاية الظلمة الذاتية والعرضية الحاصلة من الملكات الردية احتجبوا عن نور الله ومنعوا من رؤيته. قال أهل السنة كثرهم الله: وفي تخصيصهم بالحجب دلالة على أن أهل الإيمان والأعمال الصالحة لا يكونون محجوبين عن ربهم. وقالت المعتزلة: المضاف محذوف أي عن رحمة ربهم أو كرامته. وقال في الكشاف: هو تمثيل للاستخفاف بهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين. ثم أخبر بقوله {ثم إنهم لصالوا الجحيم} أي داخلوها عن بقية حالهم وأنهم لا يتركون عن حجب الحرمان بل يعذبون بنار القطيعة والهجران لأنهما متلازمان {ثم يقال} في معرض التوبيخ {هذا الذي كنتم به تكذبون} جمعاً بين عذاب الوجل وعذاب الخجل. ثم شرع في قصة الأبرار. وعليون جمع " عليّ " " فعيل " من العلو وإعرابه كإعراب الجمع لأنه على صورته وإن صار مفرداً كقنسرين من حيث إنه جعل علماً لديوان الخير الذي فيه أعمال الملائكة وصلحاء الثقلين، إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع من السماء السابعة حيث يحضره الملائكة المقربون. وقال مقاتل: هو في ساق العرش. وعن ابن عباس: هو لوح من زبرجد معلق تحت العرش. وبالجملة كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانية كما عرفت من بقية حال الأبرار. ومفعول {ينظرون} محذوف ليشمل أنواع نعيمهم في الجنة من الحور العين والأطعمة والأشربة والملابس والمراكب والمساكن وكل ما أعدّ الله لهم. قال عليه السلام " حديث : يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم منزلة من له مثل سعة الدنيا "تفسير : وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوّهم حين يعذبون ولا يحجب الحجاب أبصارهم عن الإدراك. وقال بعضهم: ينظرون إلى الله تعالى بدليل قوله {تعرف} يا من له أهل العرفان {في وجوههم نضرة} وقوله في موضع آخر {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 22 - 23] ولا ريب أن هناك قرائن وأحوالاً تعرف بها بهجتهم وازدهاؤهم بالضحك والاستبشار بل بتجلي الأنوار والآثار. والرحيق الخمر الصافية التي لا غش فيها {مختوم} أوانيه {ختامه} أي ما يختم به {مسك} مكان الطينة أو الشمعة. وإنما ختم تكريماً وصيانة على ما جرت به العادة فكأنها أشرف من الخمر الجارية في أنهارها من الجنة. وقيل: ختامه أي مقطعه رائحة المسك إذا شرب. وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة. قال الفراء: الختام آخر كل شيء ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، والخاتم مثله وأنت خاتم النبيين. والتركيب يدل على القطع والانتهاء بجميع معانيه. عن أبي الدرداء مرفوعاً: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحه الطيبة. قال بعضهم: مزج الخمر بالأدوية الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل فيه إشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم. ثم رغب في العمل الموجب لهذا الكرامة قائلاً {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله. قال أهل اللغة: نفست عليه الشيء نفاسة إذا ضننت به وأن لا تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه فإن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به لما يظهر من نفسه من الجد والاعتمال في الطاعة والعبودية. والجملة معترضة، وفي تقديم الجار إشارة إلى أن السعي والإتعاب يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم لا في النعيم الزائل. وتسنيم علم لعين بعينها في الجنة من سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب هناك، ولأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم، أو لأنها لكثرة مائها تعلو على كل شيء تمرّ به، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض. والتركيب يدل على الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم فالمقرّبون يشربونها صرفاً وتمزج لأصحاب اليمين. فقال بعض أهل العرفان: وذلك أن المقرّبين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه الله الكريم، وأما أهل اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجاً لأن نظرهم تارة إلى الله وتارة إلى الخلق. ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله عقيبه {فاليوم} قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبال وغيرهم من فقراء المؤمنين. وقيل: جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم الله وجهه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث. ومعنى {فكهين} متلذذين بذكرهم والسخرية منهم. قوله {وما أرسلوا} حال معترضة إنكاراً من الله عليهم وتهكماً بهم أي ينسبون المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين عليهم أحوالهم. وجوز في الكشاف أن تكون المنفية من جملة قول الكفار فيكون إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام. قلت: لو كان من جملة قولهم لكان الظاهر أن يقال: وما أرسلوا أي المسلمون علينا. يروى أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها. فإذا وصلوا إليها أغلق الباب دونهم يفعل ذلك بهم مراراً فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على الأرائك. ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية. قال المبرد: ثوّب وأثاب بمعنى، وقد تستعمل الإثابة في الشر كالمجازاة، ويجوز أن يراد التهكم نحو {أية : فبشرهم بعذاب} تفسير : [آل عمران: 21] وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس للمؤمنين. ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو {أية : فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً}تفسير : [الأعراف: 44]

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} الآية، المُطَفِّفُ الذي يُنْقِصُ الناسَ حُقُوقَهم، والتطفيفُ: النُّقْصَانُ، أصله من الشيء الطفيف، وهو النَّزْرُ، والمطفِّفُ إنما يأخذ بالميزانِ أو بالمكيال شَيْئاً خفيفاً، و{ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ} معناه قَبَضُوا منهم، و{كَالُوهُمْ} معناه: قَبَّضُوهم، و{يُخْسِرُونَ} معناه: يُنْقِصُونَ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}. "ويلٌ": ابتداء، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، ولو نصب لجاز. وقال مكيٌّ: والمختار في "وَيْل" وشبهه إذا كان غير مضاف الرَّفع، ويجوز النصب، فإن كان مضافاً، أو معرفاً كان الاختيار فيه النَّصب نحو: {أية : وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ} تفسير : [طه: 61]، و "للمُطففِينَ" خبره. والمُطفِّف: المُنْقِص، وحقيقته: الأخذُ في كيل أو وزنٍ شيئاً طفيفاً، أي: نزراً حقيراً، ومنه قولهم: دُون التَّطفيف، أي: الشيء التافه لقلته. قال الزجاجُ: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفِّف؛ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلاَّ الشيء اليسير الطفيف. فصل في تعلق هذه السورة بما قبلها قال ابن الخطيب: اتصال أوَّل هذه السورة بالمتقدمة أنَّه تعالى بيَّن في آخر تلك السورة أنَّ من صفة يوم القيامة أنه لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً، والأمر يومئذٍ لله، وذلك يقتضي تهديداً عظيماً للعصاة، فلهذا أتبعه بقوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} والمراد منه الزجر على التطفيف، وهو البَخْس في المكيال والميزان على سبيل الخفية. واعلم أن الويل كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال: ويل لك، وويل عليك، وفي اشتقاق لفظ التطفيف قولان: الأول: قول الزجاج المتقدم. والثاني: أنَّ طف الشيء، هو جانبه وحرفه يقال: طفَّ الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه، ولم يمتلئ، فهو طفافه وطففه، يقال: هذا طف المكيال وطفافه إذا قارب ملأه، لكنه بعدُ لم يمتلئ، ولهذا قيل للذي "ينقص" الكيل ولا يوفيه مطفف. لأنه إنما يبلغ الطفاف. فصل في نزول الآية روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:حديث : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم "المدينة"، كانوا من أبْخَس النَّاس كيلاً، فأنزل الله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}، فاجتنبوا الكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال: "خَمْسٌ بِخمْسٍ، ما نقص قومٌ العَهْدَ إلاَّ سلَّط اللهُ عليهم عدُوَّهُم، ولا حكمُوا بغيرِ مَا أنْزَلَ اللهُ إلاَّ فَشَا فِيِهمُ الفقرُ، ولا ظَهَرَ فِيهمُ الفَاحِشَةُ إلاَّ ظَهَرَ فِيهمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا المِكْيَالَ إلاَّ مُنِعُوا النَّباتَ وأخذُوا بالسِّنينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلاَّ حُبِسَ عَنْهُم المَطرُ" ". تفسير : وقال السديُّ: قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم "المدينة"، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكيل بالآخر فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: المطفف الرجل الذي يستأجر المكيال، وهو يعلم أنه يحيف في كيله فوزن عليه. قوله: {عَلَى ٱلنَّاسِ}. فيه أوجه: أحدها: أنَّه متعلق بـ "اكتالوا"، و "على" و "من" "يتعاقبان" هنا. قال الفراء: يقال: اكتلتُ على النَّاسِ: اسْتوفَيْتُ مِنهُمْ، واكْتلتُ مِنهُمْ: أخذتُ مَا عَليْهِمْ. وقيل: "على" بمعنى اكتل على ومنه بمعنى، والأول أوضح. وقيل: "على" يتعلق بـ "يستوفون". قال الزمخشري" لما كان اكتيالهم لا يضرهم، ويتحامل فيه عليهم أبدل "على" مكان "من" للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق بـ "يستوفون" وقدَّم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصَّة، فأمَّا أنفسهم فيستوفون لها. وهو حسن. قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ}. رُسمتَا في المصحف بغير ألف بعد الواو في الفعلين، فمن ثم اختلف الناس في "هم" على وجهين. أحدهما: هو ضمير نصب فيكون مفعولاً به، ويعود على الناس، أي: وإذا كالوا الناس أو وزنوا الناس، وعلى هذا فالأصل في هذين الفعلين التعدي لاثنين: لأحدهما بنفسه بلا خلاف وللآخر بحرف الجر، ويجوز حذفه. وهل كل منهما أصل بنفسه، أو أحدهما أصل للآخر؟ فيه خلاف، والتقدير: وإذا كالوا لهم طعاماً، أو وزنوه لهم، فحذف الحرف والمفعول؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 5127- ولقَدْ جَنيتُكَ أكَمُؤاً وعَساقِلاً ولقَدْ نَهيتُكَ عَن بَناتِ الأوبَرِ تفسير : أي: جنيت لك. والثاني: أنَّه ضمير رفع مؤكد للواو، والضمير عائد على "المطففين"، ويكون على هذا قد حذف المكيل والمكيل له، والموزون والموزون له. إلا أن الزمخشري رد هذا فقال: "ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً "للمطففين"، لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى: إذا أخذوا من الناس،، استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير "للمطففين" انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإن تولوا الكيل، أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر؛ لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر". قال أبو حيان: ولا تنافر فيه بوجه، ولا رق بين أن يؤكد الضمير، وألاَّ يؤكد، والحديث واقع في الفعل، غاية ما في هذا أن متعلِّق الاستيفاء، وهو "على الناس" مذكور، وهو في "كالوهم أو وزنوهم" محذوف للعلم به؛ لأنَّه من المعلوم أنهم لا يخسرُون ذلك لأنفسهم. قال شهابُ الدين: الزمخشري يريد أن يحافظ على أنَّ المعنى مرتبط بشيئين: إذا أخذوا من غيرهم، وإذا أعطوا غيرهم، وهذا إنَّما فهم على تقدير أن يكون الضمير منصوباً عائداً على الناس، لا على كونه ضمير رفع عائداً على الناس، لا على كونه رفع عائداً على "المطففين"، ولا شك أن هذا المعنى الذي ذكره الزمخشري وأراده أتم وأحسن من المعنى الثاني، ورجَّح الأول سقوط الألف بعد الواو؛ لأنه دال على اتصال الضمير. إلاَّ أن الزمخشري استدرك فقال: "والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك؛ لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة، لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعاً؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: "هم لم يدعوا، وهو يدعو"، فمن لم يثبتها قال: المعنى كافٍ في التفرقة بينهما، وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي: يجعلان الضميرين "للمطففين"، ويقفان عند الواوين وقيفة، يبينان بها ما أرادوا". ولم يذكر فعل الوزن أوَّلاً، بل اقتصر على الكيل، فقال: "إذا اكتالوا"، ولم يقل: إذا اتزنوا، كما قال ثانياً: "أوْ وزَنُوهُمْ". قال ابن الخطيب: لأن الكيل والوزن بهما البيع والشراء، فأحدهما يدل على الآخر. وقال الزمخشري: "كأنَّ المطففين كانوا لا يؤخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين، لتمكنهم من البخس في النوعين جميعاً". قوله: "يُخْسِرُونَ" جوابُ "إذا"، وهو يتعدَّى بالهمزة، يقال: خسر الرجل وأخسرته أنا، فمفعوله محذوف، أي: يخسرون الناس متاعهم. قال المؤرج: يخسرون أي ينقصون بلغة "قريش". فصل في تفسير الآية قال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل والوزن. أي: إذا استوفوا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، "وإذَا كَالُوهُمْ أو وزَنُوهُمْ" أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، أي: للناس، ولمَّا كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً فيه إضرارٌ بهم، وتحاملٌ عليهم أقيمَ "على" مقام "من" للدلالة على ذلك. وقال الكسائيُّ والفراءُ: حذف الجار وأوصل الفعل، وهذا من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم، يقال: وزنتك حقك، وكلتك طعامك أي: وزنت لك، وكلتُ لك، كما يقال: نصحتك، ونصحت لك، وكسيتك، وكسيت لك. وقال الفراء: المراد اكتالوا من الناس، و "على" و "من" يتعاقبان؛ لأنه حق عليه فإذا فلت: اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قلت: اكتلت منك فهو كقولك: استوفيت منك. وقيل: على حذف مضاف، أي: إذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا لهم موزونهم. قوله: {أَلا يَظُنُّ}: الظَّاهر أنَّها "ألا" التحضيضية، حضهم على ذلك، ويكون الظنُّ بمعنى: اليقين. وقيل: هي "لا" النافية دخلت عليها همزة الاستفهام. ومعنى الآية: ألا يستيقن أولئك الذي يفعلون ذلك بأنهم مبعوثون ليوم عظيم، وهو يوم القيامة، وفي الظن هنا قولان: أحدهما: أنَّ المراد به: العلمُ، وعلى هذا التقدير يحتملُ أن يكون المخاطبون بهذا الخطاب من جملة المصدِّقين بالبعث، ويحتمل ألاَّ يكونوا كذلك لتمكُّنهم من الاستدلال عليه بالفعل. الثاني: أنَّ المراد بالظن هنا: هو الظن نفسه، لا العلم، ويكون المعنى: هؤلاء المطففون هَبْ أنهم لا يجزمون بالبعث، ولكن لا أقل من الظن لوضوح أدلَّته، فإنَّ الأليق بحكمة الله - تعالى - ورحمته، ورعايته مصالح خلقه ألاَّ يهمل أمرهم بعد الموت، وأن يكون لهم نشر وحشر، وأن هذا الظَّن كافٍ في حصول الخوف. قوله: {يَوْمَ}: يجوز نصبه بـ "مبعوثون". قال الزمخشريُّ: أو بـ "يبعثون" مقدراً، أو على البدل من محل اليوم، أو بإضمار "أعني"، أو هو مرفوع المحل لإضافته لفعل وإن كان مضارعاً، كما هو رأيُ الكوفيين، ويدل على صحة هذين الوجهين، قراءة زيد بن عليٍّ: "يَوْمَ يقُومُ" بالرفع، وما حكاه أبو معاذ القارئ: "يومِ" بالجر على ما تقدَّم. فصل في المراد بقيام الناس لرب العالمين قيام الناس لرب العالمين إمَّا للحساب، وإمَّا قيامهم من القبور. وقال أبُو مسلم: قيامهم له عبارة عن طاعتهم له وانقيادهم، كقوله تعالى: {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19]، وفي الحديث: "حديث : إنَّ النَّاسَ يَقُومُونَ مِقدارَ ثَلاثِمائةِ سَنَة لا يُؤْمَرُ فِيهِمْ بأمْرٍ ". تفسير : وعن ابن عباس: وهو في حقِّ المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة. وفي هذه الآيات مبالغات، منها أنَّ الويل إنما يذكر عند شدة البلاء، ومنها الإنكار بقوله تعالى: {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ}، ومنها استعظامه - تعالى - لليومِ، ومنها تأكيده بما بعده، وما يوهم ذلك، وما يقتضيه من خضوعهم وذلتهم، وفي هذا نكتة، وهي كأن قائلاً يقول: هذا التشديد العظيم، والوعيد البليغ، كيف يكون على التطفيف مع نزارته، وزهادته، وكرم المولى وإحسانه؟. فأشار بقوله: {لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} إلى أنَّه مُربيهم ومسئول عن أمورهم، فلا يليق أن يهمل من أمورهم شيئاً. فصل في الكلام على لفظ "المطفف" قال القشيري: لفظ المطفِّف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب، وإخفائه؛ وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ويقال: من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه، فليس بمنصف، والمباشرة والصحبة من هذه المادة، والذي يرى عيب الناس، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة، ومن طلب حقَّ نفسه من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم، كما يتطلبه.

البقاعي

تفسير : ولما ختم الانفطار بانقطاع الأسباب وانحسام الأنساب يوم الحساب، وأبلغ في التهديد بيوم الدين وأنه لا أمر لأحد معه، وذكر الأشقياء والسعداء، وكان أعظم ما يدور بين العباد المقادير، وكانت المعصية بالبخس فيها من أخس المعاصي وأدناها، حذر من الخيانة فيها وذكر ما أعد لأهلها وجمع إليهم كل من اتصف بوصفهم فحلمه وصفه على نوع من المعاصي، كل ذلك تنبيهاً للأشقياء الغافلين على ما هم فيه من السموم الممرضة المهلكة، ونبه على الشفاء لمن أراده فقال: {ويل} أي هلاك ثابت عظيم في كل حال من أحوال الدنيا والآخرة {للمطففين} أي الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس، وفي ذلك تنبيه على أن أصل الآفات الخلق السيىء وهو حب الدنيا الموقع في جمع الأموال من غير وجهها ولو بأخس الوجوه: التطفيف الذي لا يرضاه ذو مروءة وهم من يقاربون ملء الكيل وعدل الوزن ولا يملؤون ولا يعدلون، وكأنه من الإزالة أي أزال ما أشرف من أعلى الكيل، من الطف، وهو ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، ومنه ما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت فارساً فسبقت الناس حتى طفت لي الفرس مسجد بني زريق - يعني أن الفرس وثب حتى كاد يساوي المسجد، ويقال: طف الرجل الحائط - إذا علاه، أو من القرب، من قولهم: أخذت من متاعي ما خف وطف، أي قرب مني، وكل شيء أدنيته من شيء فقد أطففته، والطفاف من الإناء وغيره: ما قارب أن يملأه، ولا يتم ملأه، وفي الحديث:"حديث : كلكم بنو آدم طف الصاع"تفسير : ، أو من الطفف وهو التقتير، يقال: طفف عليه تطفيفا - إذا قتر عليه، أو من الطفيف وهو من الأشياء الخسيس الدون والقليل، فكأن التضعيف للإزالة على المعنى الأول كما مضى، وللمقاربة الكثيرة على المعنى الثاني أي أنه يقار ملء المكيال مقاربة كبيرة مكراً وخداعاً حتى يظن صاحب الحق أنه وفى ولا يوفي، يقال: أطف فلان لفلان - إذا أراد ختله، وإذا نهى عن هذا فقد نهى عما نقص أكثر بمفهوم الموافقة، وعلى المعنى الثالث بمعنى التقتير والمشاححة في الكيل، وعلى المعنى الرابع بمعنى التنقيص والتقليل فيه، وكأنه اختير هذا اللفظ لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء اليسير جداً، هذا أصله في اللغة وقد فسره الله سبحانه وتعالى فقال: {الذين إذا اكتالوا} أي عالجوا الكيل أو الوزن فاتزنوا - بما دل عليه ما يأتي، وعبر بأداة الاستعلاء ليكون المعنى: مستعلين أو متحاملين {على الناس} أي خاصة بمشاهدتهم كائنين من كانوا لا يخافون شيئاً ولا يراعون أحداً، بل صارت الخيانة والوقاحة لهم ديدناً، وهذا الفعل يتعدى بمن وعلى، يقال: اكتال من الرجل وعليه، ويجوز أن يكون اختيار التعبير بعلى هنا مع ما تقدم للإشارة إلى أنهم إذا كان لهم نوع علو بأن كان المكتال منه ضعيفاً خانوه فيكون أمرهم دائراً على الرذالة وسفول الهمة التي لا أسفل منها {يستوفون *} أي يوجدون لأنفسهم الوفاء وهو تمام الكيل بغاية الرغبة والمبالغة في الملء، فكأنه ذكر "اكتالوا" ولم يذكر "اتزنوا" لأنه لا يتأتى في الوزن من المعالجة ما يتأتى في الكيل، ولأنهم يتمكنون في الاكتيال من المبالغة في استيفاء المؤدي إلى الزيادة ما لا يتمكنون من مثله في الاتزان، وهذا بخلاف الإخسار فإن التمكن بسببه حاصل في الموضعين فلذلك ذكرهما فيه. ولما أفهم تقديم الجار الاختصاص فأفهم أنهم إذا فعلوا من أنفسهم لا يكون كذلك، صرح به فقال: {وإذا كالوهم} أي كالوا الناس أي حقهم أي ما لهم من الحق {أو وزنوهم} أي وزنوا ما عليهم له من الحق، يقال: اكتال من الرجل وعليه وكال له الطعام وكاله الطعام، ووزنت الرجل الشيء ووزنت له الشيء، ولعله سبحانه اختار "على" في الأول والمعدى إلى اثنين في الثاني لأنه أدل على حضور صاحب الحق، فهو في غيبته أولى، فهو أدل على المرون على الوقاحة، فهما كلمتان لا أربع لأنه ليس بعد الواو ألف جمع، قال البغوي: وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على كالوا ووزنوا ويبتدىء هم، قال أبو عبيدة: والاختيار الأولى، قال البغوي: يعني أن كل واحدة كلمة لأنهم كتبوهما بغير ألف باتفاق المصاحف، وقال الزمخشري: ولا يصح أن يكون ضميراً للمطففين لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، والتعلق في إبطاله بخط المصحف وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابته فيه ركيك لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط - انتهى. ولا شك أن في خط المصحف تقوية لهذا الوجه المعنوي وتأكيداً {يخسرون *} أي يوجدون الخسارة بالنقص فيما يكيلون لغيرهم، والحاصل أنهم يأخذون وافياً أو زائداً ويعطون ناقصاً. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى في سورة الانفطار {أية : وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين}تفسير : [الانفطار: 10] الآية وكان مقتضى ذلك الإشعار بوقوع الجزاء على جزئيات الأعمال وأنه لا يفوت عمل كما قال تعالى:{أية : وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفا بنا حاسبين}تفسير : [الأنبياء: 47] أتبع الآية المتقدمة بجزاء عمل يتوهم فيه قرب المرتكب وهو من أكبر الجرائم، وذلك التطفيف في المكيال والميزان والانحراف عن إقامة القسط في ذلك، فقال تعالى: {ويل للمطففين} [المطففين: 1] ثم أردف تهديدهم وتشديد وعيدهم فقال: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} [المطففين: 4 – 5] ثم التحمت الآي مناسبة لما افتتحت به السورة إلى ختامها - انتهى. ولما ذكر سبحانه وتعالى أنهم أدمنوا على هذه الرذائل حتى صارت لهم خلقاً مرنوا عليه وأنسوا به وسكنوا إليه، وكان ذلك لا يكون إلا ممن أمن العقاب وأنكر الحساب، أنتج ذلك الإنكار عليهم على أبلغ الوجوه لإفهامه أن حالهم أهل لأن يتعجب منه ويستفهم عنه وأن المستفهم عن حصوله عندهم الظن، وأما اليقين فلا يتخيل فيهم لبعد أحوالهم الجافية وأفهامه الجامدة عنه فقال تعالى: {ألا يظن أولئك} أي الأخساء البعداء الأرجاس الأراذل يتجدد لهم وقتاً من الأوقات ظن أن لم يتيقنوا بما مضى من البراهين التي أفادت أعلى رتب اليقين، فإنهم لو ظنوا ذلك ظناً نهاهم إن كان لهم نظر لأنفسهم عن أمثال هذه القبائح، ومن لم تفده تلك الدلائل القاطعة ظناً يحتاط به لنفسه فلا حس له أصلاً {أنهم} وعبر باسم المفعول فقال: {مبعوثون *} إشارة إلى القهر على أهون وجه بالبعث الذي قد ألفوا مثله من القهر باليقظة بعد القهر بالنوم {ليوم} أي لأجله وفيه، وزاد التهويل بقوله: {عظيم *} أي لعظمة ما يكون فيه من الجمع والحساب الذي يكون عنه الثواب والعقاب مما لا يعلمه على حقيقته إلا هو سبحانه وتعالى.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ أول ما نزل بالمدينة ‏ {‏ويل للمطففين‏}‏ ‏.‏ وأخرج النسائي وابن ماجة وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله ‏{‏ويل للمطففين‏} ‏ فأحسنوا الكيل بعد ذلك‏.‏ وأخرج ابن سعد والبزار والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل سباع بن عرفطة على المدينة لما خرج إلى خيبر فقرأ ‏{‏ويل للمطففين‏}‏ فقلت‏:‏ هلك فلان له صاع يعطي به وصاع يأخذ به‏.‏ وأخرج الحاكم عن ابن عمر أنه قرأ ‏ {‏ويل للمطففين‏} فبكى وقال‏:‏ هو الرجل يستأجر الرجل أو الكيال وهو يعلم أنه يخيف في كيله فوزره عليه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سلمان قال‏:‏ إنما الصلاة مكيال فمن أوفى أوفي له، ومن طفف فقد سمعتم ما قال الله في المطففين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه قال‏:‏ تركك المكافأة تطفيف‏.‏ قال الله‏:‏ ‏ {‏ويل للمطففين‏}‏ ‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏}‏ ‏.‏ أخرج مالك وهناد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : {‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏}‏ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه ". تفسير : وأخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال‏:‏ ‏حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏} ‏ قال‏:‏ "‏كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج عن ابن مسعود إذا حشر الناس قاموا أربعين عاما‏ً. وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن أبي بزة قال‏:‏ حدثني من سمع أن عمر قرأ ‏ {‏ويل للمطففين‏}‏ حتى بلغ ‏{‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏} ‏ بمقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك اليوم على المؤمن كتدلي الشمس من الغروب حتى تغرب‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن عمرو أنه قال‏:‏ حديث : يا رسول الله‏:‏ كم قيام الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"ألف سنة لا يؤذن لهم"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن كعب في الآية قال‏:‏ يقومون ثلاثمائة عام لا يؤذن لهم بالقعود، فأما المؤمن فيهون عليه كالصلاة المكتوبة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال‏:‏ يقومون مقدار ثلاثمائة سنة، ويخفف الله ذلك اليوم ويقصره على المؤمن كمقدار نصف يوم أو كصلاة مكتوبة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن حذيفة يقوم الناس على أقدامهم يوم القيامة ثلاثمائة سنة، ويهون ذلك اليوم على المؤمن كقدر الصلاة المكتوبة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبشير الغفاري‏:‏ ‏"حديث : ‏كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا لا يأتيهم خبر من السماء، ولا يؤمر فيهم بأمر‏؟ قال بشير‏:‏ المستعان بالله يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ إذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من شر يوم القيامة ومن شر الحساب ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏"حديث : ‏أن رجلاً كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم: مقعد يقال له بشير ففقده النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فرآه شاحباً فقال‏: ما غير لونك يا بشير‏؟ قال‏:‏ اشتريت بعيراً فشرد عليّ فكنت في طلبه، ولم أشترط فيه شرطا‏ً.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن البعير الشرود يرد منه إنما غير لونك غير هذا‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏: فكيف بيوم يكون مقداره خمسين ألف سنة ‏{‏يوم يقوم الناس لرب العالمين‏}‏ ". تفسير : أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق شمر بن عطية أن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار عن قوله‏:‏ ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏} ‏ قال‏:‏ إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها فيهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها، فيدخل بها تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى السجين، وهو خد إبليس، فيخرج لها من تحت خد إبليس كتاباً فيختم ويوضع تحت خد إبليس لهلاكه للحساب، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم‏} ‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إن كتاب الأبرار لفي عليين‏}‏ قال‏:‏ إن روح المؤمن إذا عرج بها إلى السماء فتنفتح لها أبواب السماء، وتلقاه الملائكة بالبشرى حتى ينتهي بها إلى العرش، وتعرج الملائكة فيخرج لها من تحت العرش رق فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة للحساب يوم القيامة، ويشهد الملائكة المقربون، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم‏}‏‏ . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ قد رقم الله على الفجار ما هم عاملون في سجين، فهو أسفل، والفجار منتهون إلى ما قد رقم الله عليهم، ورقم على الأبرار ما هم عاملون في عليين، وهم فوق فهم منتهون إلى ما قد رقم الله عليهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ سجين أسفل الأرضين‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الفلق جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏}‏ قال‏:‏ عملهم في الأرض السابعة لا يصعد‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏} ‏ قال‏:‏ تحت الأرض السفلى فيها أرواح الكفار، وأعمالهم أعمال السوء‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة والمحاملي في أماليه عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ سجين صخرة تحت الأرض السابعة في جهنم تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏}‏ قال‏:‏ تحت الأرض السفلى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن قتادة ‏{‏كلا إن كتاب الفجار لفي سجين‏}‏ قال‏:‏ هو أسفل الأرض السابعة ‏ {‏كتاب مرقوم‏}‏ قال‏:‏ مكتوب‏.‏ قال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن عبد الله بن عمر كان يقول‏:‏ الأرض السفلى فيها أرواح الكفار وأعمالهم السوء‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏سجين الأرض السابعة السفلى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو كان يقول:‏ الأرض السفلى فيها أرواح الكفار وأعمالهم السوء‏.‏ وأخرج ابن المبارك عن ابن جريج قال‏:‏ بلغني أن ‏{‏سجين‏}‏ الأرض السلفى، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏مرقوم‏} ‏ قال‏:‏ مكتوب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏كتاب مرقوم‏} ‏ قال‏:‏ رقم لهم بشر‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ‏ {‏لفي سجين‏}‏ قال‏:‏ لفي خسار‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملك يرفع العمل للعبد يرى أن في يديه منه سروراً حتى ينتهي إلى الميقات الذي وصفه الله له، فيضع العمل فيه فيناديه الجبار من فوقه إرم بما معك في ‏ {‏سجين‏}‏ وسجين الأرض السابعة‏.‏ فيقول الملك‏:‏ ما رفعت إليه إلا حقاً فيقول‏:‏ صدقت إرم بما معك في سجين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن ماجة والطبراني والبيهقي في البعث عن عبد الله بن كعب بن مالك قال‏:‏ لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت‏:‏ إن لقيت ابني فاقرئه مني السلام فقال لها‏:‏ غفر الله لك يا أم بشر نحن أسفل من ذلك، فقالت‏:‏ أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ حديث : إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، وإن نسمة الكافر في سجين‏؟‏ قال‏:‏ بلى فهو ذلك‏ . تفسير : وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ التقى سلمان وعبد الله بن سلام فقال أحدهما لصاحبه‏:‏ إن مت قبلي فالقني فأخبرني بما صنع ربك بك، وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك‏.‏ فقال عبد الله‏:‏ كيف يكون هذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، إن أرواح المؤمنين تكون في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، ونفس الكافر في سجين والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية مختلف فيها، وآيُها ست وثلاثون {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ} قيلَ: الويلُ شدةُ الشرِّ وقيلَ: العذابُ الأليمُ، وقيلَ: هو وادٍ في جهنمَ يهوي فيه الكافرُ أربعينَ خريفاً قبل أنْ يبلغَ قعَرهُ، وقيلَ وقيلَ، وأياً ما كانَ فهو مبتدأٌ وإنْ كان نكرةً لوقوعِه في موقعِ الدُّعاءِ. والتطفيفُ البخسُ في الكيل والوزنِ لأنَّ ما يُبخسُ شيءٌ طفيفٌ حقيرٌ. ورويَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قدَم المدينةَ وكانَ أهلُها من أخبثِ الناسِ كيلاً فنزلتْ فأحسنُوا الكيلَ. وقيلَ: قدمَها عليهِ الصلاةُ والسلامُ وبها رجلٌ يعرفُ بأبـي جهينةَ ومعه صاعانِ يكيلُ بأحدِهما ويكتالُ بالآخرِ، وقيلَ: كانْ أهلُ المدينةِ تجاراً يطففونَ وكانتْ بـياعاتُهم المنابذةَ والملامسةَ والمخاضرةَ فنزلتْ فحرجٍ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقرأَها عليهمُ وقالَ: « حديث : خمسٍ بخمسٍ ما نقصَ قومٌ العهدَ إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم وما حكمُوا بغيرِ ما أنزلَ الله إلا فشَا فيهم الفقرُ وما ظهرتْ فيهم الفاحشةُ إلا فشَا فيهم الموتُ ولا طففُوا الكيلَ إلا مُنِعوا النباتَ وأُخِذوا بالسنينَ ولا منعُوا الزكاةَ إلا حُبِس عنهم القطرُ » تفسير : وقولُه تعالَى: {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} إلخ صفةٌ كاشفةٌ للمطففينَ شارحةٌ لكيفية تطفيفِهم الذي استحقُّوا بهِ الذمَّ والدعاءَ أي إذَا اكتالُوا منَ النَّاسِ مكيلَهم بحكمِ الشراءِ ونحوِهِ يأخذونَهُ وافياً وافراً وتبديلُ كلمةِ عَلَى بمِنَ لتضمينِ الاكتيالِ مَعْنى الاستيلاءِ أو للإشارةِ إلى أنَّه اكتيالٌ مضرٌّ بِهم لكنْ لاَ علَى اعتبارِ الضررِ في حيزِ الشرطِ الذي يتضمنُه كلمةُ إذَا لإخلالِه بالمَعْنى بلْ في نفسِ الأمرِ بموجبِ الجوابِ فإنَّ المرادَ بالاستيفاءِ ليسَ أخذَ الحقِّ وافياً من غيرِ نقصٍ بل مجردُ الأخذِ الوافِي الوافِر حسبما أرادُوا بأيِّ وجهٍ تيسرَ من وجوهِ الحيلِ وكانُوا يفعلونَهُ بكبسِ المكيلِ وتحريكِ المكيالِ والاحتيالِ في ملئهِ وأما ما قيلَ: من أنَّ ذلكَ للدلالةِ على أنَّ اكتيالَهُم لمَا لَهُم على النَّاسِ فمعَ اقتضائِه لعدمِ شمولِ الحكمِ لاكتيالِهم قبلَ أنْ يكونَ لهم على الناسِ شيءٌ بطريقِ الشراءِ ونحوِه معَ أنَّه الشائعْ فيما بـينَهم يقتضِي أنْ يكونَ معنى الاستيفاءِ أخذُ ما لهم عليهم وافياً من غيرِ نقصٍ إذْ هُو المتبادرُ منه عند الإطلاقِ في معرضِ الحقِّ فلا يكونُ مداراً لذمِّهم والدعاءِ عليهم وحملِ ما لهم عليهم على مَعْنى ما سيكونُ لهم عليهم مع كونِه بعيداً جداً مما لا يُجدي نفعاً فإنَّ اعتبارَ كونِ المكيلِ لهم حالاً كان أو مآلاً يستدعِي كونَ الاستيفاءِ بالمعنى المذكورِ حَتْماً وهكذا حالُ ما نُقلَ عنِ الفرَّاءِ من أنَّ مِنْ وعَلَى تعتقبانِ في هذا الموضعِ لأنَّه حقٌّ عليهِ فإذَا قال اكتلتُ عليكَ فكأنَّه قال أخذتُ ما عليكَ وإذا قالَ اكتلتُ منكَ فكقولِه استوفيتُ منكَ فتأملْ. وقد جُوِّز أنْ تكونَ على متعلقةً بـيستوفونَ ويكون تقديمُها على الفعلِ لإفادة الخصوصيةِ أي يستوفونَ على النَّاسِ خاصَّة فأما أنفسُهم فيستوفونَ لها وأنتَ خبـيرٌ بأنَّ القصرَ بتقديمِ الجارِّ والمجرورِ وإنما يكونُ فيما يمكنُ تعلقُ الفعلِ بغير المجرورِ أيضاً حسبَ تعلقِه به فيقصد بالتقديمِ قصرُه عليه بطريقِ القلبِ أو الإفرادِ أو التعيـينِ حسبما يقتضيهِ المقامُ، ولا ريبَ في أنَّ الاستيفاءَ الذي هو عبارةٌ عن الأخذ الوافي مما لا يتصورُ أن يكونَ على أنفسهم حَتَّى يقصد بتقديم الجارِّ والمجرورِ قصرُه على النَّاسِ على أنَّ الحديثَ واقعٌ في الفعلِ لا فيما وقعَ عليهِ فتدبرْ. والضميرُ البارزُ في قولِه تعالى {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} للنَّاسِ أيْ إذ كالُوا لهم أو وزنُوا لهم للبـيعِ ونحوِه {يُخْسِرُونَ} أي ينقصونَ يقالُ خسِر الميزانَ وأخسرَهُ فحذفَ الجارَّ وأوصلَ الفعلَ كما في قولِه: شعر : وَلَقَدْ جَنَيتُكَ أَكْمُؤاً وعَسَاقِلاً تفسير : أي جنيتُ لكَ، وجعلُ البارزِ تأكيداً للمستكنِّ مما لا يليقُ بجزالةِ التنزيلِ ولعلَّ ذكرَ الكيلِ والوزنِ في صورةِ الإخسارِ والاقتصار على الاكتيالِ في صورةِ الاستيفاءِ لما أنهم لم يكونوا متمكنينَ من الاحتيالِ عند الاتزانِ تمكنهم منه عند الكيلِ والوزنِ، وعدمُ التعرضِ للمكيلِ والموزونِ في الصورتينِ لأن مساقَ الكلامِ لبـيانِ سوءِ معاملتِهم في الأخذِ والإعطاءِ لا في خصوصيةِ المأخوذِ والمُعطَى.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} [1] قال: هم المنافقون ومن تخلق بأخلاقهم، يطففون في صلاتهم، كما قال سليمان رضي الله عنه: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في حق المطففين: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة:44] وتغمزونهم على ما عثروا عليه من عيوب الناس، وترتكبون مثلها وأفظع منها. ولا يطلع على عثرات الخلق إلا مخطئ جاهل، ولا يهتك سر ما اطلع عليه إلا ملعون. ولقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: أشكو إليك عبادي يا داود. فقال: ولم يا رب؟ قال: لأنهم يذنبون في السر ويتوبون في العلانية، وإني لا أريد أن يطلع غيري على ذنب عبدي.

السلمي

تفسير : قال أبو صالح حمدون: إذا أخذت الميزان بيدك فاذكر ميزان القسط عليك، واحذر من الويل الذى وعد الله فيه بقوله: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}. وقال أيضًا: ويل لمن يبصر عيوب أخيه، ويعمى عن عيوبه فإن ذلك التطفيف. سئل أبو حفص عن قوله: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} قال: الذى يستوفى حقه من الخلق، ولا يوفيهم حقوقهم، ويقتضى حقه، ولا يقضى حقوقهم، ويبصر عيوبهم فيعيرهم بها وهو يرتكب مثل ذلك وأفظع منها فيغفل عنها. وقال أبو عثمان: حقيقة هذه الآية والله أعلم عندى هو: من يحسن العبادة على رؤية الناس وينسى إذا خلا. قال الله: {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ} إنهم لا بد لهم من المحاسبة والرجوع إلىَّ بأعمالهم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} {وَيْلٌ}: الويلُ كلمةٌ تُذْكَر عند وقوع البلاء، فيقال: ويلٌ لك، وويلٌ عليك! و "المطفّف"، الذي يُنْقِصُ الكيْلَ والوزنَ، وأراد بهذا الذين يعامِلون الناس فإذا أخذوا لأنفسهم استوفوا، وإذا دفعوا إِلى من يعاملهم نقصوا، ويتجلَّى ذلك في: الوزن والكيْلِ، وفي إظهار العيب، وفي القضاء والأداء والاقتضاءْ؛ فَمَنْ لم يَرْضَ لأخيه المسلم ما لا يرضاه لنفسه فليس بمنصف. وأمَّا الصِّدِّيقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين فإنهم ينظرون لكلِّ مَنْ لهم معهم معاملة - والصدقُ عزيزٌ، وكذلك أحوالهم في الصُّحْبَةِ والمعاشرة... فالذي يرى عَيْبَ الناسِ ولا يرى عيبَ نَفْسِه فهو من هذه الجملة - جملة المطففين - كما قيل: شعر : وتُبْصِرُ في العينِ منِّي القَذَى وفي عينِكَ الجذْعَ لا تُبْصِرُ تفسير : ومَنْ اقتضى حقَّ نَفْسه - دون أن يَقْضِيَ حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه - فهو من جملة المطففين. والفتى مَنْ يقضي حقوق الناس ولا يقتضي من أحدٍ لنفسه حقّاً. قوله جلّ ذكره: {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. أي: ألا يستيقن هؤلاء أنهم مُحَاسَبون غداً، وأنهم مُطَالَبون بحقوق الناس؟. ويقال: مَنْ لم يَذْكُرْ - في حال معاملةِ الناسِ - معاينة القيامة ومحاسبتها فهو في خسرانٍ في معاملته. ويقال: مَنْ كان صاحبَ مراقبة لله ربِّ العالَمين استشعر الهيبةَ في عاجلِهِ، كما يكون حالُ الناسِ في المحشر؛ لأنَّ اطلاعَ الحقِّ اليومَ كاطلاعه غداً.

البقلي

تفسير : هذا وعيد للمطفقين كلام الاولياء فى مجالستهم ويسرقونه ويتبعونه فى سوق سالوسهم فويل الحرمان له من البلوغ الى درجاتهم وتفتضح عنده الخلق وايضا هذا لخطاب مع النفس الامارة تسترق من ديوار حقائق القلوب حظوظ الارواح المشاهدة غيب الحق وتبدلا بهواجسها الشيطانية قال ابو عثمان حقيقة هذه الأية والله اعلم عندى هو من احسن العبادة على رؤية الناس ويمشى اذ خلا قال الله الا يظن اولئك انهم مبعوثون اى انهم لا بد لهم من المحاسبة والرجوع الى باعمالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويل} شدة الشر او الهلاك او العذاب الاليم وقال ابن كيسان هو كلمة كل مكروب واقع فى البلية فقولك ويل لك عبارة عن استحقاق المخاطب لنزول البلاء والمحنة عليه الموجب له ان يقول واويلاه ونحوه وقيل اصله وى لفلان اى الحزن فقرن بلام الاضافة تخفيفا وبالفارسية واى. وهو مبتدأ وان كان نكرة لوقوعه فى موقع الدعاء على ما سبق بيانه فى المرسلات {للمطففين} الباخسين حقوق الناس فى المكيال والميزان وبالفارسية مركاهند كانرا دركيل ووزن. فان التطفيف البخس فى الكيل والوزن والخيانة فيهما بأن لا يعطى المشترى حقه تاما كاملا وذلك لان ما يبخس شئ طفيف حقير على وجه الخفية مبنى جهة دناءة الكيال والوزان وخساستهما اذا الكثير يظهر فيمنع منه ولذا سمى مطففا قال الراغب يقال طفف الكيل قلل نصيب المكيل له فى ايفائه واستيفائه وقال سعدى المفتى والظاهر ان بناء التفعيل للتكثير لان البخس لما كان من عادتهم كانوا يكثرون التطفيف ويجوز ان يكون للتعدية انتهى روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكان اهلها من أبخس الناس كيلا فنزلت فخرج فقرأها عليهم وقال حديث : خمس بخمس ما نقض قوم العهد الا سلط الله عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما انزل الله الا فشا فيهم الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة الا فشا فيهم الموت ولا طففوا الكيل الا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة الا حبس عنهم القطرتفسير : فاعملوا بموجبها واحسنوا الكيل فهم اوفى الناس كيلا الى اليوم وعن على رضى الله عنه انه مر برجل يزن الزغفران وقد ارجح فقال اقم الوزن بالقسط ثم ارجح بعد ذلك ما شئت كأنه امره اولا بالتسوية ليعتادها ويفصل الواجب من النفل وعن ابن عباس رضى الله عنهما انكم معشر الاعاجم وليتم امرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والميزان وخص الاعاجم لانهم كانوا يجمعون الكيل والوزن جميعا وكانا مفرقين فى الحرمين كان اهل مكة يزنون واهل المدينة يكيلون وعن عكرمة أشهد أن كل كيال ووازن فى النار فقيل لو أن ابنك كيال او وازن فقال أشهد انه فى النار وعن الفضيل بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة وعن مالك بن دينار انه دخل على جار له احتضر فقال يا مالك جبلان من نار بين يدى أكلف الصعود عليهما فسألت اهله فقالوا كان له مكيلان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فدعوت بهما فضربت احدهما بالآخر حتى كسرتهما ثم سألت الرجل فقال ما يزداد الامر على الاعظما ودر فصول سبعين آورده كه هركه دركيل ووزن خيانت كند فردا اورا بقعر دوزخ درآورده ميان دوكوه ازآتش بنشانند وكويند كلهما وزنهما آرا ميستجد وميسوزد شعر : توكم دهى وبيش ستانى بكيل ووزن روزى بود كه از كم وبيشت خبر كنند

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ويل للمطفيين}، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوّغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، رُوي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينة فوجدهم يُسيئون الكيل جدًّا، فنزلت، فأحْسَنوا الكيلَ، وقيل: قدمها وبها رجل يُعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان, يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تُجاراً، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : خَمْسٌ بخمس، ما نَقَض قومٌ العهد إلاّ سلَّط الله عليهم عدوّهم، ولا حَكَموا بغير ما أنزل الله إلاَّ فَشَى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طَفّفوا الكيل إلاَّ مُنِعُوا النبات، وأُخذوا بالسنين، ولا مَنَعُوا الزكاة إلاَّ حبس اللهُ عنهم المطر ". تفسير : ثم فسّر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفُون} أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولمّا كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً يضرّهم، ويتحامل فيه عليهم؛ أبدل "على" مكان "مِنْ" للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلّق "على" بـ"يستوفون"، وتقدّم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: "مِنْ" و"على" يتعاقبان في هذا الموضع؛ لأنه حقّ عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه, فكأنه قال: استوفيت منه. هـ. {وإِذا كالوهم أو وزنوهم} أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، {يُخْسِرون}؛ ينقصون، يقال: خَسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعلُ البارز تأكيداً للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لِما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكُّنهم منه عند الكيل؛ لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أنّ المطففين كانوا لا يأخذون ما يُكال ويوزن إلاّ بالمكاييل لتمكّنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدّم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالُوا ووزنوا، لتمكّنهم من البخس في النوعين. {ألاَ يظنُ أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجُّب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على (ألاَ) توبيخاً، وليست "ألا" هذه للتنبيه، و"أولئك" إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم؛ للإشعار بمناط الحُكم الذي هو وصفهم، فإنَّ الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأمّا الضمير فلا يتعرّض لوصفه، وللإيذان بأنهم مُمازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البُعد للإشارة إلى بُعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألاَ يظنُّ أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادَر قدره، ويُحاسبون فيه على قدر الذرّة والخردلة، فإنَّ مَن يظن ذلك وإن كان ظنًّا ضعيفاً لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمَن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابياً قال له: قد سمعتَ ما قال الله في المطفّفين ـ أراد بذلك أنَّ المُطَفف قد توجّه عليه الوعيد العظيم الذي سمعتَ به ـ فما ظنّك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟!. {يومَ يقومُ الناسُ}، منصوب بـ "مبعوثون", أي: يُبعثون يومَ يقوم الناس {لرب العالمين} أي: لحكمِه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة, فلمّا بلغ هنا بكى نحيباً، وامتنع من قراءة ما بعده. {كلاَّ} ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبّهوا أنه مما يجب أن يُنتهى به ويُتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: {إِنَّ كتابَ الفُجَّار} أي: صحائف أعمالهم {لفي سِجّينٍ}، جمهور المفسرين أنَّ "سِجين" موضع تحت الأرض السابعة، كما أنَّ "علِّيين" موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع "عِلِّيّ" في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و"سجّين" موضع في كتاب الفجار، ووادٍ في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. هـ. وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سجين أسفل سبع أرضين " تفسير : وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الفلق: جُب في جهنم مغطى، وسِجين: جُب في جهنم مفتوح " تفسير : . والمعنى: إنّ تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف "فعيل" من السجن؛ لأنَّ أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحدٍ فيه، وهو العلميّة، لأنه علم لموضع. ثم عَظَّم أمره فقال: {وما أدراك ما} هو {سِجّينٌ} أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: {كتاب مرقوم}، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. هـ. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من "سِجّين" أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأمّا مَن جعله تفسيراً لسجّين، بأن جعل سجيناً هو نفس الكتاب المرقوم؛ فلا يصح؛ إذ يصير المعنى حينئذ: إنَّ كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. {ويل يومئذٍ للمكَذّبين} هو متصل بقوله: {يوم يقوم الناسُ لرب العالمين} وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذّبين {الذين يُكَذِّبون بيوم الدين}؛ الجزاء والحساب، {وما يُكَذِّب به}؛ بذلك اليوم {إِلاَّ كُل معتدٍ}؛ مجاوِز للحدود التي حدّتها الشريعة، أو مجاوِز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، {أثيمٍ}؛ مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، {إِذا تُتلى عليه آياتُنا} التنزيلية الناطقة بذلك {قال}: هي {أساطيرُ الأولين} أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمَن اتصف بالأوصاف المذكورة. {كلاَّ} ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، {بل رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسِبون}، هو بيان لما أدّى بهم إلى التفوُّه بهذه العظيمة, أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يُقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشّاها ما كانوا يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إن العبد كلما أذنب ذنباً حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسوّد قلبه.." تفسير : الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان ريناً وغيناً. {كلاَّ} ردع وزجر عن الكسب الرائن {إِنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون} لَمَّا رانت قلوبهم في الدنيا حُجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين, لَمّا صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم. قال مالك: لَمّا حجب الله أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رأوه. هـ. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أنَّ أولياء الله يرونه. هـ. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يُرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولمَا خصّصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله. انظر الحاشية. {ثم إِنهم لصالُو الجحيم} أي: داخلو النار، و" ثم" لتراخي الرتبة، فإنّ صَلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. {ثم يُقال} لهم: {هذا الذي كنتم به تُكَذِّبون} في الدنيا فذُوقوا وباله. وبالله التوفيق. الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعاً، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمَن وَفَّى وُفِّي له، ومَن طفَّف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. هـ. فكل مَن لم يُتقن عملَه فعلاً وحضوراً فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة، قال تعالى: {ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون...} الخ، قال القشيري: يُشير إلى المقصّرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. هـ. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصّرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين. {كلاَّ} ليرتدع المقصّر عن تقصيره؛ لئلا ينخرط في سلك الفجار، {إن كتاب الفجّار لفي سجين} المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : السعيد مَن سعد في بطن أمه، والشقي مَن شقي في بطن أمه" تفسير : و {وما أدراك ما سجين} فيه {كتاب مرقوم} لأهل الشقاء شقاوتهم. {ويل يومئذ للمُكَذِّبين} بالحق وبالدالين عليه، {الذين يُكَذِّبون بيوم الدين} وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، {وما يُكَذِّب به إلاّ كل معتد أثيم}؛ متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، {إذا تُتلى عليه آياتنا} الدالة علينا {قال أساطير الأولين} أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الرانُ الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} لمّا رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حُجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلاَّ في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. هـ. قال الواسطي: الكُفار في حجابٍ لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقتٍ دون وقت. هـ. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشريةٌ بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. هـ. وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يَحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلاّ على محجوب، قال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم} فرتَّب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كافٍ من غير عِلاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! هـ. وقد رتَّب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهّر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل مَن بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه رانُ الشهوات بقي محجوباً في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفّى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلاَّ بصُحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة الأبرار وشأن المقربين، فقال: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}.

الطوسي

تفسير : {ويل} كلمة موضوعة للوعيد والتهديد، ويقال ذلك لمن وقع في هلاك وعقاب. وقيل: إن ويلا واد في جهنم قعره سبعون سنة. وقيل {ويل} دعاء عليهم. وقال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلا إلى أن انزل الله تعالى {ويل للمطففين} فاحسنوا الكيل، فهدد الله تعالى بهذا الخطاب كل من بخس غيره حقه ونقصه ماله من مكيل او موزون، فالمطفف المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. والطفيف النزر القليل، وهو مأخوذ من طف الشيء وهو جانبه، والتطفيف التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن، وأما التنقيص في ما يرجع إلى مقدار الحق فلا يكون تطفيفاً، ولفظة (المطفف) صفة ذم لا تطلق على من طفف شيئاً يسيراً إلى أن يصير إلى حال تتفاحش، وفي الناس من قال: لا يطلق حتى يطفف أقل ما يجب فيه القطع في السرقة، لانه المقطوع على أنه كبيرة. وقوله {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} فالاكتيال الاخذ بالكيل ونظيره الاتزان وهو الاخذ بالوزن، والاعتداد الاخذ بالعدد، يقال: اكتان يكتال اكتيالا، وكاله يكيله كيلا وكايله مكايلة وتكايل تكايلا، وإنما ذكر في الذم {إذا اكتالوا على الناس يستوفون} ليبين منزلتهم في تعدي الحق بأنهم لم ينقصوا الناس عن طريق مسامحة يعاملون الناس بمثل ذلك بل على محض الظلم في البخس ويقال: اكتالوا ما عليهم بمعنى اخذوا ما عليهم، واكتالوا منهم أى استوفوا منهم. وقيل: على الناس، فكنى عنهم. وقوله {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} كان عيسى ابن عمر يجعل (هم) فصلا في موضع رفع بمعنى الفاعل. والباقون يجعلونه في موضع نصب، وهو الصحيح، وهو قول اكثر المفسرين. وأهل الحجاز يقولون: وزنتك حقك وكلتك طعامك. وغيرهم يقولون: كالوا لهم ووزنوا لهم، وفي الكتاب {كالوهم أو وزنوهم} بلا الف. ومن قال تقديره: كالوا لهم أو وزنوا لهم، قال حذف (لهم) للايجاز من غير اخلال بالمعنى، ويقال أخسر وخسر لغتان إذا نقص الحق. وقوله {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} تبكيت للكافر ولكل ظالم وباخس حق غيره في صورة الاستفهام. و (الظن) ها هنا بمعنى العلم، وتقديره ألا يعلم انه يبعث يوم القيامة ويجازى على افعاله من طاعة او معصية فيجازى بحسبها في اليوم الذى وصفه بأنه يوم عظيم. ويحتمل أن يكون المراد بالظن الحسبان ايضاً من ظن الجزاء والبعث وقوي في نفسه ذلك، وإن لم يكن عالماً يجب عليه أن يتحرز ويجتنب المعاصي خوفاً من العقاب الذى يجوزه ويظنه، كما أن من ظن العطب في سلوك طريق وجب أن يتجنب السلوك فيه. قال البلخي: قال قوم: المعنى افما يوقنون انهم مبعوثون، جعله خطاباً للمؤمنين المصدقين بالبعث. ثم زاد في صفة يوم القيامة الذي وصفه بأنه يوم عظيم وبينه فقال {يوم يقوم الناس لرب العالمين} أي يوم يبعثون يوم تقوم الناس من قبورهم ويجتمعون في ارض المحشر، وإنما يقومون من قبورهم الى ارض المحشر لجزاء رب العالمين، وحذف ذلك للدلالة عليه، ويحتمل {يوم يقوم} ثلاث أوجه: النصب على ذلك اليوم يقوم او مبعوثون يوم يقوم. والرفع على الاستئناف، والجر على البدل من {ليوم عظيم} وقال قتادة: يقومون مقدار ثلثمائة سنة ويقصر على المؤمنين حتى يكون كأحدى صلاة المكتوبة، وروي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله ان أحدهم ليغيب في رشجه الى انصاف أذنيه.

الجنابذي

تفسير : {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} الطّفيف القليل والنّاقص من الشّيء، والمطفّف كما فسّرته الآية هو الّذى يعطى اقلّ من الوزن او الكيل الّذى وقع البيع عليه ويأخذ بأكثر ممّا وقع البيع عليه، فانّه ايضاً تقليل فى الثّمن فالتّطفيف لا يكون الاّ فى المعاملات، والمعاملات تكون بين الشّخص وبين الله، او بينه وبين من فوقه فى الدّين مثل امامه واخوانه الّذين سبقوه بالايمان، او تكون بين الشّخص ومن تحت يده من اهله واولاده وخادمه وخادمته، او بينه وبين من كان مساوياً له فى الدّين او فى الدّنيا كسائر المؤمنين من عشائره وغيرهم، او بينه وبين من كان ادون منه كسائر فرق المسلمين، وجميع انواع الكفّار، وايضاً تكون المعاملات امّا فى الاموال والاعراض الدّنيويّة او فى الافعال والآداب البدنيّة، او فى الاحوال والاغراض والاخلاق النّفسيّة، او فى العلوم والعقائد القلبيّة ولكلٍّ من العباد وسائر افراد الحيوان حقٌّ عليك لا بدّ ان تؤدّيه وافياً ولك على كلٍّ حقّ لا بدّ ان يؤدّوه وافياً، فان كنت لا توفّى الحقّ الّذى عليك كنت مطفّفاً، وان كنت تطلب منهم اكثر من حقّك الّذى عليهم كنت مطفّفاً فانظر الى حالك مع ربّك ومع خلقه حتّى لا تكون مطفّفاً، هيهات هيهات!. كيف نخرج من التّطفيف ونطلب من الله ما لا نقدر على اداء شكر عشرٍ من اعشار ما اعطاناه! ونطلب عن الخلق الثّناء على ما لا نفعل ونغضب ان ذمّونا على ما لنا من المعايب والنّقائص! فما لم نخرج من الانانيّات ولم نصر عبداً لله فانياً فيه لم نخرج من التّطفيف فلنطلب العفو من الله والمغفرة منه لتطفيفاتنا.

الأعقم

تفسير : {ويل للمطففين} التطفيف البخس في الكيل والوزن، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل، وروي أنه قدمها وفيها رجل يعرف بابن جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تجار يطففون، وقوله: {ويل} كلمة وعيد، وقيل: شدة العذاب، وقيل: جبٌّ في جهنم للمطففين الذين يبخسون الناس حقوقهم في الكيل والوزن {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} أي ما على الناس ليأخذوه لأنفسهم، يستوفون يكتالون تامّاً ويأخذون تامّاً {وإذا كالوهم} أي كالوا لهم ليوفر عليهم حقهم {أو وزنوهم يخسرون} ينقصون {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون} ومحاسبون على مقدار الذرة والخردلة {ليوم عظيم} يوم القيامة {يوم يقوم الناس لرب العالمين} أي لحكمه بينهم {كلا} قيل: لا تفعلوا ذلك، وقيل: حقاً {إن كتاب الفجار لفي سجين} قيل: في الأرض السابعة السفلى، وقيل: جب في جهنم، وقيل: هي الصخرة التي عليها الأرضون وفيها أفعالهم {وما أدراك ما سجين} قيل: ذكر ذلك تفخيماً لشأنه {كتاب مرقوم} قيل: مكتوب فيه، وقيل: مختوم {ويل يومئذ للمكذبين} بالجزاء أو البعث {الذين يكذبون بيوم الدين} بالجزاء والبعث {وما يكذّب به إلا كل معتد أثيم} مجاوز للحدِّ بمعصية الله، أثيم كثير المأثم {إذا تتلى عليه آياتنا} يعني القرآن {قال أساطير الأولين} الآية نزلت في النضر بن الحارث {كلا} ردعٌ وزجرٌ، أي ليس كما ظنّوا، وقيل: حقاً قسما منه بأن الذنوب أحاطت بقلبه {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} قيل: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب ويسود، وقيل: إذا أذنب العبد كانت نكتة سوداء في قلبه {كلا} ردع وزجر، وقيل: حقاً {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} عن رحمته وإحسانه وكرامته {ثم إنهم لصالو الجحيم} أي يصيرون إلى النار {ثم يقال} توبيخاً {هذا الذي كنتم به تكذبون}.

الهواري

تفسير : تفسير سورة المطففين وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} في الآخرة يدعون بالويل والثبور في النار. وهم المشركون والمنافقون المطففون في المكيال والميزان. بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة، عابهم الله بتطفيفهم. وقد عاب المشركين بأعمالهم الخبيثة في شركهم في مواضع من القرآن. قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} أي: ينقصون. {أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. [قال بعضهم]: بلغنا أنهم يقومون ثلاثمائة سنة من قبل أن يفصل بينهم. قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ} أي: المشركين والمنافقين {لَفِي سِجِّينٍ} قال الحسن: لفي سَفَال. وقال كعب: حجر أسود تحت الأرض السابعة لا يَصعد.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} الويل واد في جهنم أو كلمة عذاب والمطفف الذي يبخس في الكيل والوزن وذلك أن ما يبخس طفيف أي قليل أو حقير وكان أهل المدينة أخبث الناس كيلا فنزلت الآية بعد قدومه صلى الله عليه وسلم في قول فأحسنوا وروي أنه قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان يكيل لأحدهما ويكتال بالاخر وروي أنهم كانت بيعتهم المنابذة أنبذ لي وأنبذ إليك والملامسة يشترى الثوب بلا ذراع ونشر ونظر بلا مس والمخاطرة وهي التراهن فنزلت وقرأها عليهم وقال خمس بخمس قيل يا رسول الله وما خمس بخمس قال ما نقض قوم العهد إلا صلط الله عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشى فيهم الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت وما طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر. ومر علي برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل، وكان ابن عمر يمر بالبائع فيقول اتق الله وأوفوا الكيف فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى يلجمهم العرق وعن عكرمة أشهد أن كل كيال ووزان في النار فقيل له إن ابنك كيال أو وزان فقال أشهد أنه في النار، وعن أبي لا تلتمسوا الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكائيل والسن الموازين. وعن ابن عباس أنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والموزان وخص الأعاجم لأنهم يجمعونها وكان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون وقيل نزلت في مشركي مكة عابهم بتطفيف الكيل.

اطفيش

تفسير : {وَيْلٌ} هلاك أو شدة الشر أو العذاب الأَليم أو تحسر، وعن الإمام عثمان عنه - صلى الله عليه وسلم - جبل فى جهنم وعن أبى سعيد الخدرى واد فى جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره وظاهر ذلك أنه اسم للوادى أو للجبل بعينه تسمية للخاص باسم العام كما - يسمى الرجل حارثاً على العلمية لأنه يحرث وكل ما يحرث يستحق هذا الاسم لكن بلا علمية ويجوز أن يكون المراد هلاك أو نحوه مما مر يكون فى ذلك الجبل أو فى لك الوادى وكذا من قال قيوح. {لِّلْمُطَفِفِين} الذين يأَخذنون مال الناس بالكيل إِذا اكتالوا أو وزنوا من مال الناس لأَنفسهم أو لمن نابوا عنه زادوا فى الكيل وإذا كالوا أو وزنوا من مالهم أو مال من نابوا عنه نقصوا فهذا الذى نقصوه مال الناس أمسكوه ولم يعطوهم إياه وإمساكه أخذ له فأَنت خبير بأَن التطفيف البخس فى الكيل والوزن والطفيف الشىء الحقير ومع أن التطفيف يقع بالشىء الحقير يكون لفاعله العقاب الكبير فالتشديد للمبالغة بكثرة الكيل والوزن مع بخس ذلك لا لكثرة المأَخوذ من حق الغير.

الالوسي

تفسير : قيل الويل شدة الشر وقيل الحزن والهلاك وقيل العذاب الأليم وقيل جبل في جهنم وأخرج ذلك عن عثمان مرفوعاً ابن جرير بسند فيه نظر، وذهب كثير إلى أنه واد في جهنم فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبـي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((حديث : ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره))تفسير : وفي «صحيحي ابن حبان والحاكم» بلفظ ((حديث : واد بين جبلين يهوي فيه الكافر ))تفسير : الخ وروى ابن أبـي حاتم عن عبد الله أنه واد في جهنم من قيح وفي كتاب «المفردات» للراغب قال الأصمعي ويل قبح وقد يستعمل للتحسر ومن قال ويل واد في جهنم لم يرد أن ويلاً في اللغة موضوع لهذا وإنما أراد من قال الله تعالى فيه ذلك فقد استحق مقراً من النار وثبت ذلك له انتهى. والظاهر أن إطلاقه على ذلك كإطلاق جهنم على ما هو المعروف فيها فلينظر من أي نوع ذلك الإطلاق. وأياً ما كان فهو مبتدأ وإن كان نكرة لوقوعه في موقع الدعاء و{لِّلْمُطَفِّفِينَ} خبره. والتطفيف البخس في الكيل والوزن لما أن ما يبخس في كيل أو وزن واحد شيء طفيف أي نزر حقير والتفعيل فيه للتعدية أو للتكثير ولا ينافي كونه من الطفيف بالمعنى المذكور لأن كثرة الفعل بكثرة وقوعه وهو بتكراره لا بكثرة متعلقه وعن الزجاج أنه من طف الشيء جانبه.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة تصور قطاعاً من الواقع العملي الذي كانت الدعوة تواجهه في مكة ـ إلى جانب ما كانت تستهدفه من إيقاظ القلوب، وهز المشاعر، وتوجيهها إلى هذا الحدث في حياة العرب وفي حياة الإنسانية، وهو الرسالة السماوية للأرض، وما تتضمنه من تصور جديد شامل محيط. هذا القطاع من الواقع العملي تصوره السورة في أولها، وهي تتهدد المطففين بالويل في اليوم العظيم، {يوم يقوم الناس لرب العالمين}.. كما تصوره في ختامها وهي تصف سوء أدب الذين أجرموا مع الذين آمنوا، وتغامزهم عليهم، وضحكهم منهم، وقولهم عنهم: {إن هؤلاء لضالون!}. وهذا إلى جانب ما تعرضه من حال الفجار وحال الأبرار؛ ومصير هؤلاء وهؤلاء في ذلك اليوم العظيم. وهي تتألف من أربعة مقاطع.. يبدأ المقطع الأول منها بإعلان الحرب على المطففين: {ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون؛ وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟ يوم يقوم الناس لرب العالمين؟}.. ويتحدث المقطع الثاني في شدة وردع وزجر، وتهديد بالويل والهلاك، ودمغ بالإثم والاعتداء، وبيان لسبب هذا العمى وعلة هذا الانطماس، وتصوير لجزائهم يوم القيامة، وعذابهم بالحجاب عن ربهم، كما حجبت الآثام في الأرض قلوبهم، ثم بالجحيم مع الترذيل والتأنيب: {كلا. إن كتاب الفجار لفي سجين. ومآ أدراك ما سجين؟ كتاب مرقوم. ويل يومئذ للمكذبين! الذين يكذبون بيوم الدين. وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين. كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. ثم إنهم لصالوا الجحيم. ثم يقال: هـذا الذي كنتم به تكذبون}.. والمقطع الثالث يعرض الصفحة المقابلة. صفحة الأبرار. ورفعة مقامهم. والنعيم المقرر لهم. ونضرته التي تفيض على وجوههم. والرحيق الذي يشربون وهم على الأرائك ينظرون.. وهي صفحة ناعمة وضيئة: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين. ومآ أدراك ما عليون؟ كتاب مرقوم، يشهده المقربون. إن الأبرار لفي نعيم، على الأرآئك ينظرون، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك ـ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ـ ومزاجه من تسنيم. عيناً يشرب بها المقربون}.. والمقطع الأخير يصف ما كان الأبرار يلاقونه في عالم الغرور الباطل من الفجار من إيذاء وسخرية وسوء أدب. ليضع في مقابله ما آل إليه أمر الأبرار وأمر الفجار في عالم الحقيقة الدائم الطويل: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإذا رأوهم قالوا: إن هـؤلاء لضالون. ومآ أرسلوا عليهم حافظين. فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرآئك ينظرون. هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون؟}.. والسورة في عمومها تمثل جانباً من بيئة الدعوة، كما تمثل جانباً من أسلوب الدعوة في مواجهة واقع البيئة، وواقع النفس البشرية.. وهذا ما سنحاول الكشف عنه في عرضنا للسورة بالتفصيل.. {ويل للمطففين: الذين اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم: يوم يقوم الناس لرب العالمين؟}.. تبدأ السورة بالحرب يعلنها الله على المطففين: {ويل للمطففين}.. والويل: الهلاك. وسواء كان المراد هو تقرير أن هذا أمر مقضي، أو أن هذا دعاء. فهو في الحالين واحد فالدعاء من الله قرار.. وتفسر الآيتان التاليتان معنى المطففين. فهم: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون}.. فهم الذين يتقاضون بضاعتهم وافية إذا كانوا شراة. ويعطونها للناس ناقصة إذا كانوا بائعين.. ثم تعجب الآيات الثلاثة التالية من أمر المطففين، الذين يتصرفون كأنه ليس هناك حساب على ما يكسبون في الحياة الدنيا؛ وكأن ليس هناك موقف جامع بين يدي الله في يوم عظيم يتم فيه الحساب والجزاء أمام العالمين: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟ يوم يقوم الناس لرب العالمين؟}.. والتصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة مكية أمر يلفت النظر. فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقيدة الكلية: كتقرير وحدانية الله، وانطلاق مشيئته، وهيمنته على الكون والناس.. وكحقيقة الوحي والنبوة.. وكحقيقة الآخرة والحساب والجزاء. مع العناية بتكوين الحاسة الأخلاقية في عمومها، وربطها بأصول العقيدة. أما التصدي لمسألة بذاتها من مسائل الأخلاق ـ كمسألة التطفيف في الكيل والميزان ـ والمعاملات بصفة عامة، فأمر جاء متأخراً في السورة المدنية عند التصدي لتنظيم حياة المجتمع في ظل الدولة الإسلامية، وفق المنهج الإسلامي، الشامل للحياة.. ومن ثم فإن التصدي لهذا الأمر بذاته في هذه السورة المكية أمر يستحق الانتباه. وهو يشي بعدة دلالات متنوعة، تكمن وراء هذه الآيات القصار.. إنه يدل أولاً على أن الإسلام كان يواجه في البيئة المكية حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء، الذي كانوا في الوقت ذاته هم أصحاب التجارات الواسعة، التي تكاد تكون احتكاراً. فقد كانت هنالك أموال ضخمة في أيدي هؤلاء الكبراء يتجرون بها عن طريق القوافل في رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن وإلى الشام. كما افتتحوا أسواقاً موسمية كسوق عكاظ في موسم الحج، يقومون فيها بالصفقات ويتناشدون فيها الأشعار! والنصوص القرآنية هنا تشي بأن المطففين الذين يتهددهم الله بالويل، ويعلن عليهم هذه الحرب، كانوا طبقة الكبراء ذوي النفوذ، الذي يملكون إكراه الناس على ما يريدون. فهم يكتالون {على الناس}.. لا من الناس.. فكأن لهم سلطاناً على الناس بسبب من الأسباب، يجعلهم يستوفون المكيال والميزان منهم استيفاء وقسراً. وليس المقصود هو أنهم يستوفون حقاً. وإلا فليس في هذا ما يستحق إعلان الحرب عليهم. إنما المفهوم أنهم يحصلون بالقسر على أكثر من حقهم، ويستوفون ما يريدون إجباراً. فإذا كالوا للناس أو وزنوا كان لهم من السلطان ما يجعلهم ينقصون حق الناس، دون أن يستطيع هؤلاء منهم نصفة ولا استيفاء حق.. ويستوي أن يكون هذا بسلطان الرياسة والجاه القبلي. أو بسلطان المال وحاجة الناس لما في أيديهم منه؛ واحتكارهم للتجارة حتى يضطر الناس إلى قبول هذا الجور منهم؛ كما يقع حتى الآن في الأسواق.. فقد كانت هناك حالة من التطفيف صارخة استحقت هذه اللفتة المبكرة. كما أن هذه اللفتة المبكرة في البيئة المكية تشي بطبيعة هذا الدين؛ وشمول منهجه للحياة الواقعية وشؤونها العملية؛ وإقامتها على الأساس الأخلاقي العميق الأصيل في طبيعة هذا المنهج الإلهي القويم. فقد كره هذه الحالة الصارخة من الظلم والانحراف الأخلاقي في التعامل. وهو لم يتسلم بعد زمام الحياة الاجتماعية، لينظمها وفق شريعته بقوة القانون وسلطان الدولة. وأرسل هذه الصيحة المدوية بالحرب والويل على المطففين. وهم يومئذ سادة مكة، أصحاب السلطان المهيمن ـ لا على أرواح الناس ومشاعرهم عن طريق العقيدة الوثنية فحسب، بل كذلك على اقتصادياتهم وشؤون معاشهم. ورفع صوته عالياً في وجه الغبن والبخس الواقع على الناس وهم جمهرة الشعب المستغلين لكبرائه المتجرين بأرزاقه، المرابين المحتكرين، المسيطرين في الوقت ذاته على الجماهير بأوهام الدين! فكان الإسلام بهذه الصيحة المنبعثة من ذاته ومن منهجه السماوي موقظاً للجماهير المستغلة. ولم يكن قط مخدراً لها حتى وهو محاصر في مكة، بسطوة المتجبرين، المسيطرين على المجتمع بالمال والجاه والدين! ومن ثم ندرك طرفاً من الأسباب الحقيقية التي جعلت كبراء قريش يقفون في وجه الدعوة الإسلامية هذه الوقفة العنيدة. فهم كانوا يدركون ـ ولا ريب ـ أن هذا الأمر الجديد الذي جاءهم به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس مجرد عقيدة تكمن في الضمير، ولا تتطلب منهم إلا شهادة منطوقة، بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وصلاة يقيمونها لله بلا أصنام ولا أوثان.. كلا. لقد كانوا يدركون أن هذه العقيدة تعني منهجاً يحطم كل أساس الجاهلية التي تقوم عليها أوضاعهم ومصالحهم ومراكزهم. وأن طبيعة هذا المنهج لا تقبل مثنوية ولا تلتئم مع عنصر أرضي غير منبثق من عنصرها السماوي؛ وأنها تهدد كل المقومات الأرضية الهابطة التي تقوم عليها الجاهلية.. ومن ثم شنوا عليها تلك الحرب التي لم تضع أوزارها لا قبل الهجرة ولا بعدها. الحرب التي تمثل الدفاع عن أوضاعهم كلها في وجه الأوضاع الإسلامية. لا مجرد الاعتقاد والتصور المجردين.. والذين يحاربون سيطرة المنهج الإسلامي على حياة البشر في كل جيل وفي كل أرض يدركون هذه الحقيقة. يدركونها جيداً. ويعلمون أن أوضاعهم الباطلة، ومصالحهم المغتصبة، وكيانهم الزائف... وسلوكهم المنحرف.. هذه كلها هي التي يهددها المنهج الإسلامي القويم الكريم! والطغاة البغاة الظلمة المطففون ـ في أية صورة من صور التطفيف في المال أو في سائر الحقوق والواجبات ـ هم الذين يشفقون أكثر من غيرهم من سيطرة ذلك المنهج العادل النظيف! الذي لا يقبل المساومة، ولا المداهنة، ولا أنصاف الحلول؟ ولقد أدرك ذلك الذين بايعوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من نقباء الأوس والخزرج بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة: قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج. هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن! فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: "حديث : الجنة"تفسير : .. قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه. فقد أدرك هؤلاء ـ كما أدرك كبراء قريش من قبل ـ طبيعة هذا الدين. وأنه قائم كحد السيف للعدل والنصفة وإقامة حياة الناس على ذلك، لا يقبل من طاغية طغياناً، ولا من باغ بغياً، ولا من متكبر كبراً. ولا يقبل للناس الغبن والخسف والاستغلال. ومن ثم يحاربه كل طاغ باغ متكبر مستغل؛ ويقف لدعوته ولدعاته بالمرصاد. {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟ يوم يقوم الناس لرب العالمين؟}.. وإن أمرهم لعجيب. فإن مجرد الظن بالبعث لذلك اليوم العظيم. يوم يقوم الناس متجردين لرب العالمين، ليس لهم مولى يومئذ سواه، وليس بهم إلا التطلع لما يجريه عليهم من قضاء، وقد علموا أن ليس لهم من دونه ولي ولا نصير.. إن مجرد الظن بأنهم مبعوثون لذلك اليوم كان يكفي ليصدهم عن التطفيف، وأكل أموال الناس بالباطل، واستخدام السلطان في ظلم الناس وبخسهم حقهم في التعامل.. ولكنهم ماضون في التطفيف كأنهم لا يظنون أنهم مبعوثون! وهو أمر عجيب، وشأن غريب! وقد سماهم المطففين في المقطع الأول. فأما في المقطع الثاني فيسميهم الفجار. إذ يدخلهم في زمرة الفجار، ويتحدث عن هؤلاء. يتحدث عن اعتبارهم عند الله، وعن حالهم في الحياة. وعما ينتظرهم يوم يبعثون ليوم عظيم. {كلا! إن كتاب الفجار لفي سجين. وما أدراك ما سجين؟ كتاب مرقوم. ويل يومئذ للمكذبين: الذين يكذبون بيوم الدين؛ وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين. كلا! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. ثم إنهم لصالوا الجحيم. ثم يقال: هـذا الذي كنتم به تكذبون}.. إنهم لا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم.. فالقرآن يردعهم عن هذا ويزجرهم، ويؤكد أن لهم كتاباً تحصى فيه أعمالهم.. ويحدد موضعه زيادة في التوكيد. ويوعدهم بالويل في ذلك اليوم الذي يعرض فيه كتابهم المرقوم: {كلا. إن كتاب الفجار لفي سجين. وما أدراك ما سجين؟ كتاب مرقوم. ويل يومئذ للمكذبين}!. والفجار هم المتجاوزون للحد في المعصية والإثم. واللفظ يوحي بذاته بهذا المعنى. وكتابهم هو سجل أعمالهم. ولا ندري نحن ماهيته ولم نكلف هذا. وهو غيب لا نعرف عنه إلا بمقدار ما يخبرنا عنه صاحبه ولا زيادة ـ فهناك سجل لأعمال الفجار يقول القرآن: إنه في سجين. ثم يسأل سؤال الاستهوال المعهود في التعبير القرآني: {وما أدراك ما سجين؟} فيلقي ظلال التفخيم ويشعر المخاطب أن الأمر أكبر من إدراكه، وأضخم من أن يحيط به علمه. ولكنه بقوله: {إن كتاب الفجار لفي سجين} يكون قد حدد له موضعاً معيناً، وإن يكن مجهولاً للإنسان. وهذا التحديد يزيد من يقين المخاطب عن طريق الإيحاء بوجود هذا الكتاب. وهذا هو الإيحاء المقصود من وراء ذكر هذه الحقيقة بهذا القدر، دون زيادة. ثم يعود إلى وصف كتاب الفجار ذاك فيقول: إنه {كتاب مرقوم}.. أي مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا ينقص منه، حتى يعرض في ذلك اليوم العظيم. فإذا كان ذلك: كان {ويل يومئذ للمكذبين}! ويحدد موضوع التكذيب، وحقيقة المكذبين: {الذين يكذبون بيوم الدين. وما يكذب به إلا كل معتد أثيم. إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين}.. فالاعتداء والإثم يقودان صاحبهما إلى التكذيب بذلك اليوم؛ وإلى سوء الأدب مع هذا القرآن فيقول عن آياته حين تتلى عليه: {أساطير الأولين}.. لما يحويه من قصص الأولين المسوقة فيه للعبرة والعظة، وبيان سنة الله التي لا تتخلف، والتي تأخذ الناس في ناموس مطرد لا يحيد. ويعقب على هذا التطاول والتكذيب بالزجر والردع: {كلا!} ليس كما يقولون.. ثم يكشف عن علة هذا التطاول وهذا التكذيب؛ وهذه الغفلة عن الحق الواضح وهذا الانطماس في قلوب المكذبين: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}.. أي غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبونه من الإثم والمعصية. والقلب الذي يمرد على المعصية ينطمس ويظلم؛ ويرين عليه غطاء كثيف يحجب النور عنه ويحجبه عن النور، ويفقده الحساسية شيئاً فشيئاً حتى يتلبد ويموت.. روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه. فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت"تفسير : .. وقال الترمذي حسن صحيح. ولفظ النسائي: "حديث : إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء. فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله تعالى: {كلا! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} .." تفسير : وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت.. ذلك حال الفجار المكذبين. وهذه هي علة الفجور والتكذيب.. ثم يذكر شيئاً عن مصيرهم في ذلك اليوم العظيم. يناسب علة الفجور والتكذيب: {كلا! إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. ثم إنهم لصالوا الجحيم. ثم يقال: هذا الذي كنتم به تكذبون}.. لقد حجبت قلوبهم المعاصي والآثام، حجبتها عن الإحساس بربها في الدنيا. وطمستها حتى أظلمت وعميت في الحياة.. فالنهاية الطبيعية والجزاء الوفاق في الآخرة أن يحرموا النظر إلى وجه الله الكريم، وأن يحال بينهم وبين هذه السعادة الكبرى، التي لا تتاح إلا لمن شفت روحه ورقت وصفت واستحقت أن تكشف الحجب بينها وبين ربها. ممن قال فيهم في سورة القيامة: {أية : وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة }.. تفسير : وهذا الحجاب عن ربهم، عذاب فوق كل عذاب، وحرمان فوق كل حرمان. ونهاية بائسة لإنسان يستمد إنسانيته من مصدر واحد هو اتصاله بروح ربه الكريم. فإذا حجب عن هذا المصدر فقد خصائصه كإنسان كريم؛ وارتكس إلى درجة يستحق معها الجحيم: {ثم إنهم لصالوا الجحيم}.. ومع الجحيم التأنيب وهو أمرّ من الجحيم: {ثم يقال: هذا الذي كنتم به تكذبون}!! ثم يعرض الصفحة الأخرى. صفحة الأبرار. على العهد بطريقة القرآن في عرض الصفحتين متقابلتين في الغالب، لتتم المقابلة بين حقيقتين وحالين ونهايتين: {كلا! إن كتاب الأبرار لفي عليين. وما أدراك ما عليون؟ كتاب مرقوم، يشهده المقربون. إن الأبرار لفي نعيم، على الأرآئك ينظرون، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. ومزاجه من تسنيم. عيناً يشرب بها المقربون}.. وكلمة {كلا} تجيء في صدر هذا المقطع زجراً عما ذكر قبله من التكذيب في قوله: {ثم يقال: هذا الذي كنتم به تكذبون}.. ويعقب عليه بقوله: {كلا} ثم يبدأ الحديث عن الأبرار في حزم وفي توكيد. فإذا كان كتاب الفجار في {سجين} فإن كتاب الأبرار في {عليين}... والأبرار هم الطائعون الفاعلون كل خير. وهم يقابلون الفجار العصاة المتجاوزين لكل حد.. ولفظ {عليين} يوحي بالعلو والارتفاع مما قد يؤخذ منه أن {سجين} يفيد الانحطاط والسفول. ثم يعقب عليه بسؤال التجهيل والتهويل المعهود: {وما أدراك ما عليون؟}.. فهو أمر فوق العلم والإدراك! ويعود من هذا الظل الموحي إلى تقرير حقيقة كتاب الأبرار.. فهو {كتاب مرقوم يشهده المقربون} وقد سبق ذكر معنى مرقوم. ويضاف إليه هنا أن الملائكة المقربين يشهدون هذا الكتاب ويرونه. وتقرير هذه الحقيقة هنا يلقي ظلاً كريماً طاهراً رفيعاً على كتاب الأبرار. فهو موضع مشاهدة المقربين من الملائكة، ومتعتهم بما فيه من كرائم الأفعال والصفات. وهذا ظل كريم شفيف، يذكر بقصد التكريم. ثم يذكر حال الأبرار أنفسهم، أصحاب هذا الكتاب الكريم. ويصف ما هم فيه من نعيم في ذلك اليوم العظيم: {إن الأبرار لفي نعيم}.. يقابل الجحيم الذي ينتهي إليه الفجار.. {على الأرائك ينظرون} أي إنهم في موضع التكريم، ينظرون حيث يشاءون، لا يغضون من مهانة، ولا يشغلون عن النظر من مشقة.. وهم على الأرائك وهي الأسرة في الحجال. وأقرب ما يمثلها عندنا ما نسمية "الناموسية" أو الكلة! وصورتها الدنيوية كانت أرقى وأرق مظاهر النعيم عند العربي ذي العيشة الخشنة! أما صورتها الأخروية فعلمها عند الله. وهي على أية حال أعلى من كل ما يعهده الإنسان مما يستمده من تجاربه في الأرض وتصوراته! وهم في هذا النعيم ناعمو النفوس والأجسام، تفيض النضرة على وجوههم وملامحهم حتى ليراها كل راء: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم}.. {يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك}.. والرحيق الشراب الخالص المصفى، الذي لا غش فيه ولا كدرة. ووصفه بأنه مختوم ختامه مسك، قد يفيد أنه معد في أوانيه، وأن هذه الأواني مقفلة مختومة، تفض عند الشراب، وهذا يلقي ظل الصيانة والعناية. كما أن جعل الختم من المسك فيه أناقة ورفاهية! وهذه الصورة لا يدركها البشر إلا في حدود ما يعهدون في الأرض. فإذا كانوا هنالك كانت لهم أذواق ومفاهيم تناسب تصورهم الطليق من جو الأرض المحدود! وقبل أن يتم وصف الشراب الذي يجيء في الآيتين التاليتين: {ومزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقربون}.. أي أن هذا الرحيق المختوم يفض ختامه ثم يمزج بشيء من هذه العين المسماة: {تسنيم} التي {يشرب بها المقربون}.. قبل أن يتم الوصف يلقي بهذا الإيقاع، وبهذا التوجه: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.. وهو إيقاع عميق يدل على كثير.. إن أولئك المطففين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ولا يحسبون حساب اليوم الآخر. ويكذبون بيوم الحساب والجزاء. ويرين على قلوبهم الإثم والمعصية.. إن هؤلاء إنما يتنافسون من مال أو متاع من متاع الأرض الزهيد. يريد كل منهم أن يسبق إليه، وأن يحصل على أكبر نصيب منه. ومن ثم يظلم ويفجر ويأثم ويرتكب ما يرتكب في سبيل متاع من متاع الأرض زائل.. وما في هذا العرض القريب الزهيد ينبغي التنافس. إنما يكون التنافس في ذلك النعيم وفي ذلك التكريم: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.. فهو مطلب يستحق المنافسة، وهو أفق يستحق السباق، وهو غاية تستحق الغلاب. والذين يتنافسون على شيء من أشياء الأرض مهما كبر وجل وارتفع وعظم، إنما يتنافسون في حقير قليل فانٍ قريب. والدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة. ولكن الآخرة ثقيلة في ميزانه. فهي إذن حقيقة تستحق المنافسة فيها والمسابقة.. ومن عجب أن التنافس في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعاً. بينما التنافس في أمر الدنيا ينحط بها جميعاً. والسعي لنعيم الآخرة يصلح الأرض ويعمرها ويطهرها للجميع. والسعي لعرض الدنيا يدع الأرض مستنقعاً وبيئاً تأكل فيه الديدان بعضها البعض. أو تنهش فيه الهوام والحشرات جلود الأبرار الطيبين! والتنافس في نعيم الآخرة لا يدع الأرض خراباً بلقعاً كما قد يتصور بعض المنحرفين. إنما يجعل الإسلام الدنيا مزرعة الآخرة، ويجعل القيام بخلافة الأرض بالعمار مع الصلاح والتقوى وظيفة المؤمن الحق. على أن يتوجه بهذه الخلافة إلى الله، ويجعل منها عبادة له تحقق غاية وجوده كما قررها الله ـ سبحانه ـ وهو يقول: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }. تفسير : وإن قوله {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.. لهو توجيه يمد بأبصار أهل الأرض وقلوبهم وراء رقعة الأرض الصغيرة الزهيدة، بينما هم يعمرون الأرض ويقومون بالخلافة فيها. ويرفعها إلى آفاق أرفع وأطهر من المستنقع الآسن بينما هم يطهرون المستنقع وينظفونه! إن عمر المرء في هذه العاجلة محدود، وعمره في الآجلة لا يعلم نهايته إلا الله. وإن متاع هذه الأرض في ذاته محدود. ومتاع الجنة لا تحده تصورات البشر. وإن مستوى النعيم في هذه الدنيا معروف ومستوى النعيم هناك يليق بالخلود! فأين مجال من مجال؟وأين غاية من غاية؟ حتى بحساب الربح والخسارة فيما يعهد البشر من الحساب؟! ألا إن السياق إلى هناك.. {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.. وكأنما أطال السياق في عرض صور النعيم الذي ينتظر الأبرار، تمهيداً للحديث عما كانوا يلقون في الأرض من الفجار. من أذى واستهزاء وتطاول وادعاء.. وقد أطال في عرضه كذلك. ليختمه بالسخرية من الكفار، وهم يشهدون نعيم الأبرار: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون. وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإذا رأوهم قالوا: إن هـؤلاء لضالون.. وما أرسلوا عليهم حافظين}.. {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الأرائك ينظرون}.. {هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون؟}.. والمشاهد التي يرسمها القرآن لسخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا، سوء أدبهم معهم، وتطاولهم عليهم، ووصفهم بأنهم ضالون.. مشاهد منتزعة من واقع البيئة في مكة. ولكنها متكررة في أجيال وفي مواطن شتى. وكثير من المعاصرين شهدوها كأنما هذه الآيات قد نزلت في وصفها وتصويرها. مما يدل على أن طبيعة الفجار المجرمين واحدة متشابهة في موقفها من الأبرار في جميع البيئات والعصور!! {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون}.. كانوا.. فقد طوى السياق الدنيا العاجلة الزائلة. فإذا المخاطبون به في الآخرة. يرون نعيم الأبرار الذين آمنوا. وهو يذكر لهم ما كان من أمر الدنيا! إنهم كانوا يضحكون من الذين آمنوا استهزاء بهم، وسخرية منهم. إما لفقرهم ورثاثة حالهم. وإما لضعفهم عن رد الأذى. وإما لترفعهم عن سفاهة السفهاء.. فكل هذا مما يثير ضحك الذين أجرموا. وهم يتخذون المؤمنين مادة لسخريتهم أو فكاهتهم المرذولة. وهم يسلطون عليهم الأذى، ثم يضحكون الضحك اللئيم الوضيع، مما يصيب الذين آمنوا، وهم صابرون مترفعون متجملون بأدب المؤمنين! {وإذا مروا بهم يتغامزون}.. يغمز بعضهم لبعض بعينه. أو يشير بيده، أو يأتي بحركة متعارفة بينهم للسخرية من المؤمنين. وهي حركة ضعيفة واطية تكشف عن سوء الأدب، والتجرد من التهذيب. بقصد إيقاع الانكسار في قلوب المؤمنين، وإصابتهم بالخجل والربكة، وهؤلاء الأوغاد يتغامزون عليهم ساخرين! {وإذا انقلبوا إلى أهلهم} بعدما أشبعوا نفوسهم الصغيرة الرديئة من السخرية بالمؤمنين وإيذائهم.. {انقلبوا فكهين}.. راضين عن أنفسهم، مبتهجين بما فعلوا، مستمتعين بهذا الشر الصغير الحقير. فلم يتلوموا ولم يندموا، ولم يشعروا بحقارة ما صنعوا وقذارة ما فعلوا. وهذا منتهى ما تصل إليه النفس من إسفاف وموت للضمير! {وإذا رأوهم قالوا: إن هؤلاء لضالون}! وهذه أعجب.. فليس أعجب من أن يتحدث هؤلاء الفجار المجرمون عن الهدى والضلال. وأن يزعموا حين يرون المؤمنين، أن المؤمنين ضالون. ويشيروا إليهم مؤكدين لهذا الوصف في تشهير وتحقير: {إن هؤلاء لضالون!}.. والفجور لا يقف عند حد، ولا يستحيي من قول، ولا يتلوم من فعل. واتهام المؤمنين بأنهم ضالون حين يوجهه الفجار المجرمون، إنما يمثل الفجور في طبيعته التي هي تجاوز لجميع الحدود! والقرآن لا يقف ليجادل عن الذين آمنوا، ولا ليناقش طبيعة الفرية. فهي كلمة فاجرة لا تستحق المناقشة. ولكنه يسخر سخرية عالية من القوم الذين يدسون أنوفهم فيما ليس من شأنهم، ويتطفلون بلا دعوة من أحد في هذا الأمر: {وما أرسلوا عليهم حافظين}.. وما وكلوا بشأن هؤلاء المؤمنين، وما أقيموا عليهم رقباء، ولا كلفوا وزنهم وتقدير حالهم! فما لهم هم وهذا الوصف وهذا التقرير! وينهي بهذه السخرية العالية حكاية ما كان من الذين أجرموا في الدنيا.. ما كان.. ويطوي هذا المشهد الذي انتهى. ليعرض المشهد الحاضر والذين آمنوا في ذلك النعيم: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك ينظرون}.. اليوم والكفار محجوبون عن ربهم، يقاسون ألم هذا الحجاب الذي تهدر معه إنسانيتهم، فيصلون الجحيم، مع الترذيل والتأنيب حيث يقال: {هذا الذي كنتم به تكذبون}.. اليوم والذين آمنوا على الأرائك ينظرون. في ذلك النعيم المقيم، وهم يتناولون الرحيق المختوم بالمسك الممزوج بالتسنيم.. فاليوم.. الذين آمنوا من الكفار يضحكون.. والقرآن يتوجه بالسخرية العالية مرة أخرى وهو يسأل: {هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون؟}. أجل! هل ثوبوا؟ هل وجدوا ثواب ما فعلوا؟ وهم لم يجدوا "الثواب" المعروف من الكلمة. فنحن نشهدهم اللحظة في الجحيم! ولكنهم من غير شك لاقوا جزاء ما فعلوا. فهو ثوابهم إذن. وياللسخرية الكامنة في كلمة الثواب في هذا المقام! ونقف لحظة أمام هذا المشهد الذي يطيل القرآن عرض مناظره وحركاته ـ مشهد سخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا في الدنيا ـ كما أطال من قبل في عرض مشهد نعيم الأبرار وعرض مناظره ومناعمه. فنجد أن هذا الإطالة من الناحية التأثيرية فن عال في الأداء التعبيري، كما أنه فن عال في العلاج الشعوري. فقد كانت القلة المسلمة في مكة تلاقي من عنت المشركين وأذاهم ما يفعل في النفس البشرية بعنف وعمق. وكان ربهم لا يتركهم بلا عون، من تثبيته وتسريته وتأسيته. وهذا التصوير المفصل لمواجعهم من أذى المشركين، فيه بلسم لقلوبهم. فربهم هو الذي يصف هذه المواجع. فهو يراها، وهو لا يهملها ـ وإن أمهل الكافرين حيناً ـ وهذا وحده يكفي قلب المؤمن ويمسح على آلامه وجراحه. إن الله يرى كيف يسخر منهم الساخرون. وكيف يؤذيهم المجرمون. وكيف يتفكه بالآمهم ومواجعهم المتفكهون. وكيف لا يتلوم هؤلاء السفلة ولا يندمون! إن ربهم يرى هذا كله. ويصفه في تنزيله. فهو إذن شيء في ميزانه.. وهذا يكفي! نعم هذا يكفي حين تستشعره القلوب المؤمنة مهما كانت مجروحة موجوعة. ثم إن ربهم يسخر من المجرمين سخرية رفيعة عالية فيها تلميح موجع. قد لا تحسه قلوب المجرمين المطموسة المغطاة بالرين المطبق عليها من الذبوب. ولكن قلوب المؤمنين الحساسة المرهفة، تحسه وتقدره، وتستريح إليه وتستنيم! ثم إن هذه القلوب المؤمنة تشهد حالها عند ربها، ونعيمها في جناته، وكرامتها في الملأ الأعلى. على حين تشهد حال أعدائها ومهانتهم في الملأ الأعلى وعذابهم في الجحيم، مع الإهانة والترذيل.. تشهد هذا وذلك في تفصيل وفي تطويل. وهي تستشعر حالها وتتذوقه تذوق الواقع اليقين. وما من شك أن هذا التذوق يمسح على مرارة ما هي فيه من أذى وسخرية وقلة وضعف. وقد يبلغ في بعض القلوب أن تتبدل هذه المرارة فيها بالفعل حلاوة، وهي تشهد هذه المشاهد في ذلك القول الكريم. ومما يلاحظ أن هذا كان هو وحده التسلية الإلهية للمؤمنين المعذبين المألومين من وسائل المجرمين الخسيسة، وأذاهم البالغ، وسخريتهم اللئيمة.. الجنة للمؤمنين، والجحيم للكافرين، وتبديل الحالين بين الدنيا والآخرة تمام التبديل.. وهذا كان وحده الذي وعد به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المبايعين له. وهم يبذلون الأموال والنفوس! فأما النصر في الدنيا، والغلب في الأرض، فلم يكن أبداً في مكة يذكر في القرآن المكي في معرض التسرية والتثبيت.. لقد كان القرآن ينشئ قلوباً يعدها لحمل الأمانة. وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع ـ وهي تبذل كل شيء وتحتمل كل شيء ـ إلى شيء في هذه الأرض. ولا تنتظر إلا الآخرة. ولا ترجو إلا رضوان الله. قلوباً مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية واحتمال، بلا جزاء في هذه الأرض قريب. ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة وغلبة الإسلام وظهور المسلمين! حتى إذا وجدت هذه القلوب التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض شيء إلا أن تعطي بلا مقابل. وأن تنتظر الآخرة وحدها موعداً للجزاء. وموعداً كذلك للفصل بين الحق والباطل.. حتى إذا وجدت هذه القلوب، وعلم الله منها صدق نيتها على ما بايعت وعاهدت، وآتاها النصر في الأرض، وائتمنها عليه. لا لنفسها. ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة، مذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه؛ ولم تتطلع إلى شيء من المغنم في الأرض تعطاه. وقد تجردت لله حقاً يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه! وكل الآيات التي ورد فيها ذكر للنصر في الدنيا جاءت في المدينة. بعد ذلك. وبعد أن أصبح هذا الأمر خارج برنامج المؤمن وانتظاره وتطلعه، وجاء النصر ذاته لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج واقعية في الحياة الإنسانية تقرره في صورة عملية محددة، تراها الأجيال. فلم يكن جزاء على التعب والنصب والتضحية والآلام. إنما كان قدراً من قدر الله تكمن وراءه حكمة نحاول رؤيتها الآن!

ابن عاشور

تفسير : افتتاح السورة باسم الويل مؤذن بأنها تشتمل على وعيد فلفظ {ويل} من براعة الاستهلال، ومثله قوله تعالى: { أية : تبت يدا أبي لهب } تفسير : [المسد: 1]. وقد أخذ أبو بكر بن الخازن من عكسه قوله في طالع قصيدة بتهنئته بمولود: شعر : بُشرى فقد أنجز الإِقبال ما وعدا تفسير : والتطفيف: النقص عن حق المقدار في الموزون أو المكيل، وهو مصدر طفف إذ بلغ الطُفافة. والطُفافَ (بضم الطاء وتخفيف الفاء) مَا قصر عن ملء الإِناء من شراب أو طعام، ويقال: الطَفّ بفتح الطاء دون هاء تأنيث، وتطلق هذه الثلاثة على ما تجاوز حَرف المِكيال مما يُملأ به وإنما يكون شيئاً قليلاً زائداً على ما ملأ الإِناء، فمن ثَمّ سميت طفافة، أي قليل زيادة. ولا نعرف له فعلاً مجرداً إذ لم ينقل إلا بصيغة التفعيل، وفعله: طفّف، كأنهم راعَوا في صيغة التفعيل معنى التكلف والمحاولة لأن المُطفف يحاول أن ينقص الكيل دون أن يشعر به المُكتال، ويقابله الوفاء. و{ويل} كلمة دعاء بسوء الحال، وهو في القرآن وعيد بالعقاب وتقريع، والويل: اسم وليس بمصدر لعدم وجود فعل له، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } تفسير : في سورة البقرة (79). وهو من عمل المتصدين للتجر يغتنمون حاجة الناس إلى الابتياع منهم وإلى البيع لهم لأن التجار هم أصحاب رؤوس الأموال وبيدهم المكاييل والموازين، وكان أهل مكة تجاراً، وكان في يثرب تجار أيضاً وفيهم اليهود مثلُ أبي رافع، وكعب بن الأشرف تاجريْ أهل الحجاز وكانت تجارتهم في التمر والحبوب. وكان أهل مكة يتعاملون بالوزن لأنهم يتجرون في أصناف السلع ويزنون الذهب والفضة وأهل يثرب يتعاملون بالكيل. والآية تؤذن بأن التطفيف كان متفشياً في المدينة في أول مدة الهجرة واختلاط المسلمين بالمنافقين يُسبب ذلك. واجتمعت كلمة المفسرين على أن أهل يثرب كانوا من أخبث الناس كيلاً فقال جماعة من المفسرين: إن هذه الآية نزلت فيهم فأحسنوا الكيل بعد ذلك. رواه ابن ماجه عن ابن عباس. وكان ممن اشتهر بالتطفيف في المدينة رجل يكنى أبا جُهينة واسمه عمرو كان له صاعان يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر. فجملة {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} إدماج، مسوقة لكشف عادة ذميمة فيهم هي الحرص على توفير مقدار ما يبتاعونه بدون حق لهم فيه، والمقصود الجملة المعطوفة عليها وهي جملة: {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} فهم مذمومون بمجموع ضمن الجملتين. والاكتيال: افتعال من الكيل، وهو يستعمل في تسلم ما يُكال على طريقة استعمال أفعال: ابتاع، وارتهن، واشتَرى، في معنى أخذ المبيع وأخذ الشيء المرهون وأخذ السلعة المشتراة، فهو مطاوع كال، كما أن ابتاع مطاوع باع، وارتهن مطاوع رهن، واشترى مطاوع شرى، قال تعالى: { أية : فأرسل معنا أخَانَا نَكتل } تفسير : [يوسف: 63] أي نأخذ طعاماً مكيلاً، ثم تنوسي منه معنى المطاوعة. وحق فعل اكتال أن يتعدى إلى مفعول واحد هو المكيل، فيقال: اكتال فلان طعاماً مثل ابتاع، ويعدى إلى ما زاد على المفعول بحرف الجر مثل (من) الابتدائية فيقال: اكتال طعاماً من فلان، وإنما عدي في الآية بحرف {على} لتضمين {اكتالوا} معنى التحامل، أي إلقاء المشقة على الغير وظِلمه، ذلك أن شأن التاجر وخُلقه أن يتطلب توفير الربح وأنه مظنة السعة ووجود المال بيده فهو يستعمل حاجة من يأتيه بالسلعة، وعن الفراء (مِن) و(على) يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه فإذا قال: اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك فكقوله: استوفيت منك. فمعنى: {اكتالوا على الناس} اشتروا من الناس ما يباع بالكيل، فحذف المفعول لأنه معلوم في فعل {اكتالوا} أي اكتالوا مكيلاً، ومعنى كَالُوهم باعوا للناس مكيلاً فحذف المفعول لأنه معلوم. فالواوان من {كالوهم أو وزنوهم} عائدان إلى اسم الموصول والضميران المنفصلان عائدان إلى الناس. وتعدية «كالوا»، و«وزنوا» إلى الضميرين على حذف لام الجر. وأصله كَالُوا لهم ووزنوا لهم، كما حذفت اللام في قوله تعالى في سورة البقرة (233) { أية : وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } تفسير : أي تسترضعوا لأولادكم، وقولهم في المثل "الحريصُ يصيدك لا الجوادُ" أي الحريص يصيد لك. وهو حذف كثير مثل قولهم: نصحتك وشكرتك، أصلهما نصحت لك وشكرت لك، لأن فعل كال وفعل وزن لا يتعديان بأنفسهما إلا إلى الشيء المكيل أو الموزون يقال: كال له طعاماً ووزن له فضة، ولكثرة دورانه على اللسان خففوه فقالوا: كاله ووزنه طعاماً على الحذف والإِيصال. قال الفراء: هو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس يقولون: يكيلنا، يعني ويقولون أيضاً: كالَ له ووزن له. وهو يريد أن غير أهل الحجاز وقيس لا يقولون: كال له ووزن له، ولا يقولون إلاّ: كاله ووزنه، فيكون فعل كال عندهم مثل باع. والاقتصار على قوله: {إذا اكتالوا} دون أن يقول: وإذا اتَّزنوا كما قال: {وإذا كالوهم أو وزنوهم} اكتفاء بذكر الوزن في الثاني تجنباً لفعل: «اتزنوا» لقلة دورانه في الكلام فكان فيه شيء من الثقل. ولنكتة أخرى وهي أن المطففين هم أهل التجر وهم يأخذون السلع من الجالبين في الغالب بالكيل لأن الجالبين يجلبون التمر والحنطة ونحوهما مما يكال ويدفعون لهم الأثمان عيناً بما يوزن من ذهب أو فضة مسكوكين أو غيرَ مسكوكين، فلذلك اقتُصر في ابتياعهم من الجالبين على الاكتيال نظراً إلى الغالب، وذكر في بيعهم للمبتاعين الكيل والوزن لأنهم يبيعون الأشياء كيلاً ويقبضون الأثمان وزناً. وفي هذا إشارة إلى أن التطفيف من عمل تجارهم. و{يستوفون} جواب {إذا} والاستيفاء أخذ الشيء وافياً، فالسين والتاء فيه للمبالغة في الفعل مثل: استجاب. ومعنى {يخسرون} يوقعون الذين كالوا لهم أو وزنوا لهم في الخسارة، والخسارة النقص من المال من التبايع. وهذه الآية تحذير للمسلمين من التساهل في التطفيف إذ وجوده فاشياً في المدينة في أول هجرتهم وذم للمشركين من أهل المدينة وأهل مكة. وحسبهم أن التطفيف يجمع ظلماً واختلاساً ولؤماً، والعرب كانوا يتعيرون بكل واحد من هذه الخلال متفرّقة ويتبرؤون منها، ثم يأتونها مجتمعة، وناهيك بذلك أفناً.

الشنقيطي

تفسير : التطفيف: التنقيص من الطفيف، وهو الشيء القليل. وقد فسره ما بعده في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 2-3]. قالوا: نزلت في رجل كان له مكيالان كبير وصغير، إذا اكتال لنفسه على غيره، اكتال بالمكيال الكبير، وإذا كال من عنده لغيره، اكتال بالمكيل الصغير، ففي كلتا الحالتين تطفيف، أي تنقيص على الناس من حقوقهم. والتقديم في افتتاحية هذه السورة بالويل للمطففين، يشعر بشدة خطر هذا العمل، وهو فعلاً خطيراً، لأنه مقياس اقتصاد العالم وميزان التعامل، فإذا اختل أحدث خللاً في اقتصاده، وبالتالي اختلال في التعامل، وهو فساد كبير. وأكبر من هذا كله، وجود الربا إذا بيع جنس بجنسه، وحصل تفاوت في الكيل أو الوزن. وفيه كما قال تعالى: {أية : فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [البقرة: 279]. ولذا فقد ورد ذكر الكيل والوزن، والحث على العناية بهما في عدة مواطن، بعدة أساليب منها الخاص ومنها العام. فقد ورد في الأنعام والأعراف وهود وبني إسرائيل والرحمن والحديد، أي في ست سور من القرآن الكريم. أولاً في سورة الأنعام، في سياق ما يعرف بالوصايا العشر، {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}تفسير : [الأنعام: 151]. وذكر برّ الوالدين والنهي عن قتل الأولاد والقرب من الفواحش، وقتل النفس التي حرم الله، والنهي عن مال اليتيم. ثم قال: {أية : وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ}تفسير : [الأنعام: 152]. وتكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عندها كلاماً موجزاً مفيداً، بأن الأمر هنا بقدر الوسع، ومن أخل من غير قصد التعدي، لا حرج عليه. وقال: ولم يذكر هنا عقوبة لمن تعمد ذلك، ولكنه توعده بالويل في موضع آخر، وساق أول هذه السورة: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}. كما بين عاقبة الوفاء بالكيل بقوله: {أية : ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}تفسير : [النساء: 59] أي مآلا. وهنا يلفت كلامه رحمه الله النظر إلى نقطة هامة. وهي في قوله تعالى: {أية : لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [الأنعام: 152]، حيث إن التطفيف الزيادة الطفيفة، والشيء الطفيف القليل. فكأن الآية هنا تقول: تحروا بقدر المستطاع من التطفيف ولو يسيراً. وبعد بذل الجهد لا نكلف نفساً إلاَّ وسعها، وهذا غاية في التحري مع شدة التحذير والتوعد بالويل، وإذا كان الوعيد بالويل على الشيء الطفيف، فما فوقه من باب أولى. الموضع الثاني في سورة الأعراف من قوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 85]. فاقترن الأمر بالوفاء بالكيل، بالأمر بعبادة الله وحده، لأن في الأمرين إعطاء كل ذي حق حقه، من غير ما نقص. وبين أن في عدم الإيفاء المطلوب بخس الناس أشياءهم، وفساد في الأرض بعد إصلاحها. الموضع الثالث في سورة هود، ومع شعيب أيضاً: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}تفسير : [هود: 84-86]. وبنفس الأسلوب أيضاً كما تقدم، ربطه بعبادة الله تعالى وحده، وتكرار الأمر بعد النهي، ولا تنقصوا المكيال والميزان، ثم أوفوا الكيل والميزان بالقسط نهي عن نقصه، وأمر بإِيفائه نص على المفهوم بالتأكيد. ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، مع التوجيه بأن ما عند الله خير لهم. الموضع الرابع في سورة بني إسرائيل {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ }تفسير : [الإسراء: 29]، أي اعتدال في الإنفاق مع نفسه، فضلاً عن غيره، ثم إن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ثم {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}تفسير : [الإسراء: 31]، وكلها في مجال الاقتصاد وبعدها {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ}تفسير : [الإسراء: 32-33]. وقد يكون الباعث عليهما أيضاً غرض مالي {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [الإسراء: 34]، وهو من أخص أبواب المال. ثم الوفاء بالعهد ثم {أية : وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}تفسير : [الإسراء: 35]، فمع ضروريات الحياة حفظ النفس والعرض والمال يأتي الحفاظ على الكيل والوزن. الموضع الخامس في سورة الشورى وهو أعم مما تقدم، وجعله مقرونا بإنزال الكتاب في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}تفسير : [الشورى: 17]. وتكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند هذه الآية، بما أشرنا إلى أنه عام، فقال: الميزان هنا مراد به العدل والإنصاف، وأن هذا المعنى متضمن آلة الوزن وزيادة. وأورد بقية الآيات هنا في مبحث مفصل، فذكر آية الرحمن وآية الحديد، وتكلم على الجميع بالتفصيل. وفي قوله تعالى في سورة الرحمن: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن: 7]، مقابلة عظيمة بين رفع السماء الذي هو حق وعدل وقدرة، والميزان وضعه في الأرض، لتقوموا بالعدل والإنصاف، وبهذا العدل قامت السماوات والأرض. وفي سورة الحديد اقتران الميزان بإرسال الرسل وإنزال الكتب {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [الحديد: 25]. ومعلوم أن الميزان الذي أنزل مع الكتاب هو ميزان الحق والعدل، والنهي عن أكل أموال الناس بغير حق، وعدم بخس الناس أشياءهم. فكانت هذه الآية أعم وأشمل آيات الوفاء في الكيل والوزن. بمثابة قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}تفسير : [النساء: 58]. وقد جمع لفظ الأمانة ليعم به كل ما يمكن أن يؤتمن الإنسان عليه. وكذلك هنا الميزان مع الكتاب المنزل، وبه يستوفي كل إنسان حقه في أي نوع من أنواع التعامل، فكل من غش في سلعة أو دلَّس أو زاد في عدد، أو نقص أو زاد في ذرع، أو نقص فهو مطفف للكيل، داخل تحت الوعيد بالويل. فمن باع ذهباً مثلاً على أنه صافٍ من الغش وزن درهم، وفيه من النحاس عشر الدرهم، فقد نقص وطفف لنفسه فأخذ حق درهم كامل. ذهباً، ونقص حيث أعطى درهماً إلا عشر. ومن باع رطلاً سمناً وفيه عشر الرطل شحماً، فقد طفف بمقدار هذا العشر لنفسه، ونقص وبخس المشتري بمقدار ذلك: وهكذا من باع ثوباً عشر أمتار وهو ينقص ربع المتر فقد طفف وبخس بمقدار هذا الربع. وهكذا في القسمة بين الناس وبين الأولاد، وبين الأهل وكل ما فيه عطاء، وأخذ بين اثنين، الله تعالى أعلم. ومن باب ما يذكره العلماء في مناسبات السورة بعضها من بعض. فقد قال أبو حيان لما ذكر السورة التي قبلها مصير الأبرار والفجار يوم القيامة، ذكر هنا من موجبات ذلك وأهمها تطفيف الكيل، وبخس الوزن، وهذا في الجملة متوجه، ولكن صريح قوله تعالى في السورة السابقة {أية : وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}تفسير : [الانفطار: 4-5]، فهو وإن كان عاماً في كل ما قدمه لنفسه من عمل الخير، وما أخر من أداء الواجبات عليه، فإنه يتضمن أيضاً خصوص ما قدم من وفاء في الكيل ورجحان في الوزن، وما أخر في تطفيف في الكيل وبخس طمعاً في المال وجمعاً للتراث، كما قال تعالى: {أية : وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً كَلآَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}تفسير : [الفجر: 19-24]. ومن هنا يعلم للعاقل أن ما طفف من كيل أو بخس من وزن، مهما جمع منه، فإنه يؤخره وراءه ومسؤول عنه، ونادم عليه، وقائل: يا ليتني قدمت لحياتي، ولات ساعة مندم.

الواحدي

تفسير : {ويل للمطففين} يعني: الذين يبخسون حقوق النَّاس في الكيل والوزن. {الذين إذا اكتالوا} أخذوا بالكيل {على الناس} من النَّاس {يستوفون} يأخذون حقوقهم تامَّة وافيةً. {وإذا كالوهم} كالوا لهم {أو وزنوهم} وزنوا لهم {يخسرون} ينقصون. {ألا يظن أولئك} ألا يستيقن أولئك الذين يفعلون ذلك {أنهم مبعوثون}. {ليوم عظيم} يعني: يوم القيامة. {يوم يقوم الناس} من قبورهم {لربِّ العالمين} والمعنى أنَّهم لو أيقنوا بالبعث ما فعلوا ذلك. {كلا} ردعٌ وزجرٌ، أَيْ: ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا {إنَّ كتاب الفجار} الذي فيه أعمالهم مرقومٌ مكتوبٌ مثبتٌ عليهم في {سجين} في أسفل سبع أرضين، وهو محل إبليس وجنده. {وما أدراك ما سجين} أي: ليس ذلك ممَّا كنتَ تعلمه أنت ولا قومُك. وقوله: {كتاب مرقوم} فمؤخَّرٌ معناه التَّقديم؛ لأنَّ التَّقدير كما ذكرنا: إنَّ كتاب الفجَّار كتابٌ مرقومٌ في سجِّين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1، 2، 3- هلاك للمطففين. الذين إذا أخذوا لأنفسهم الكيل من الناس يأخذونه وافيا زائدا، وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصونهم حقهم الواجب لهم اعتداء عليهم. 4، 5- ألا يخطر ببال هؤلاء المطففين أنهم سيبعثون ليوم عظيم الهول؟. 6- يوم يقوم الناس لأمر رب العالمين وقضائه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ويل: كلمة عذاب، وواد في جهنم. للمطففين: المنقصين في كيل أو وزن الباخسين فيهما. إذا اكتالوا على الناس: أي من الناس. يستوفون: الكيل. وإذا كالوهم: أي كالوا لهم. أو وزنوهم: أي وزنوا لهم. يخسرون: أي ينقصون الكيل أو الوزن. ألا: استفهام توبيخي إنكاري. يظن: أي يتيقن. ليوم عظيم: أي يوم القيامة لما فيه من أهوال وعظائم الأمور. يوم يقوم الناس: أي من قبورهم. لرب العالمين: أي يقومون خاشعين ذليلين ينتظرون حكم الله فيهم. معنى الآيات: قوله تعالى ويل للمطففين هذه الآيات الأولى من سورة المطففين قال أحد الأنصار رضي الله عنه كنا أسوأ الناس كيلا، حتى إنه ليكون لأحدنا مكيالان مكيال يشتري به وآخر يبيع به، وما إن نزلت فينا ويل للمطففين حتى أصبحنا أحسن كيلا ووزنا. وصدق هذا الصاحب الجليل فوالله لقد نزلت المدينة مهاجرا عام ثلاثة وسبعين وثلثمائة وألف فوجدتهم على ما كانوا عليه ولقد كنت أشفق عليهم إذا كالوا لي أو وزنوا لي. فقوله تعالى {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} يتوعد سبحانه وتعالى بواد في جهنم بسيل صديد أهل النار الذين يبخسون الناس الكيل والميزان أي ينقصونهم ويبينهم تعالى بقوله {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} أي اشتروا منهم يأخذون كيلهم وافياً وكذا إذا وزنوا وإذا كالوهم أي كالوا لهم أو وزنوا لهم يخسرون أن ينقصون. قال تعالى موبخاً لهم منكراً {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ} المطففون {أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ} من قبورهم {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} هو يوم الدين والجزاء والحساب {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} خاشعين ذليلين ينتظرون حكمه فيهم، ويطول بهم الموقف المائة سنة وأكثر وإن أحدهم ليلجمه العرق إلجاماً ومنهم من يصل العرق إلى نصف أذنيه والروايات في هذا كثيرة وصحيحة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة التطفيف في الكيل والوزن وهو أن يأخذ زائداً ولو قل أو ينقص عامداً شيئا ولو قل. وما كان بغير عمد ولا قصد فإِنه مما يُعفا عنه. 2- التذكير بالبعث والجزاء وتقريرهما. 3- عظم يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحكم بينهم ويجزي كلا بعمله خيرا أو شرا.

القطان

تفسير : ويل للمطففين: هلاك عظيم للذين يبخسون المكيال وينقصونه، طفّف المكيالَ: نَقَصَه. اذا اكتالوا على الناس يستوفون....: عندما يكتالون لأنفسِهم من الناس - يأخذون حقهم وافيا، اما اذا كالوهم أو وزنوهم فإنهم يُنقِصون حقوق الغير. سجِّين: اسمُ الكتاب الذي تُكتب فيه اعمالهم. مرقوم: له رقم وعلامة. أساطير الأولين: أخبار الماضين. ران على قلبِه: غطى عليه. لَمحجوبون: لمطرودون عن أبواب الكرامة. لَصالو الجحيم: داخلون فيها. تبدأ السورة بحربٍ يعلنها الله على أناسٍ يمتهنون سرقة الناس، سماهم الله "المطفِّفين"، لأن الشيء الذي يأخذونه من حقوق الناس شيءٌ طفيف، ولكنه سرقةٌ وغشّ. أما مَن هم، فهم أولئك الذين يتقاضَون بضاعتهم وافية عند الشراء ويعطونها للناس ناقصةً عند البيع. ثم جار بصيغة التعجب من عمل هؤلاء المجرمين فقال تعالى: {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ألا يخطر ببال هؤلاء المطفّفين أنهم سيُبْعثون ليوم عظيم الهول، حيث يقف فيه الناس للعرض والحساب! ولا يخفَى ما في الوصفّ "لربّ العالمين" من الدلالة على عِظَم الذنب في أكلِ أموال الناس بالباطل. فالميزان هو قانونُ العدل الذي قامت به السماوات والأرض. وبعد ان ذكر اللهُ تعالى أنه لا يزاول التطفيفَ ونقصَ الميزان الا من ينكر يومَ القيامة والبعثَ والجزاء - أمر هنا بالكفّ عما هم فيه، وذكر ان الفجّارَ، كما سمّاهم، قد أُعدّ لهم كتابٌ أُحصيتْ فيه جميع أعمالهم ليحاسَبوا عليها. {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} كفّوا عما أنتم عليه، فهناك سِجِلٌ لاعمال الفجّار فيه جميعُ أعمالهم اسمه سِجّين، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} إنه شيء عظيم ليس مما كنتَ تعلمه يا محمد أنتَ ولا قومك. ان الأمر اكبرُ وأضخم من أن يُحيط به عِلم، فهو {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}، مسطور له علامة واضحة، لا يُزاد فيه ولا يُنقَص منه، {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف: 21]. ثم يأتي بالتهديدِ والوعيد لمن يكذّب باليوم الآخِر فيقول: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} الهلاكُ للجاحدين الذين لا يؤمنون بالآخرة {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} يظلُّ يعتدي على الحق ويُصرّ على الكفر، لأنه من المجرمين الآثمين، حتى إنه: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} منكراً أن القرآن قد نزل من عند الله وزاعماً انه مجرد خرافات وأباطيل عند الأمم السابقة، جاء بها محمد، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5]. ثم بيّن الله تعالى ان الذي جرّأَهم على الجحود والتمادي في الإصرار على الإنكار والكفر هي افعالهم القبيحة التي مَرَنوا عليها حتى صاروا لا يميزون بين الخُرافة والحجّة الدامغة فقال: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. ليس القرآنُ والبعثُ والجزاء من الأساطيرِ والخرافات، بل عَمِيَتْ قلوبُهم وغطّت عليها أفعالُهم وتماديهم في الباطل، فطُمسَ على بصائرهم، والتبست عليهم الأمورُ ولم يدركوا الفرقَ بين الصحيح والباطل. بعد ذلك ردت عليهم السورة ناقضةً ما كانوا يقولون من أن لهم المنزلة والكرامة يوم القيامة. {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}. أما ما تدّعون من انكم تكونون مقرّبين الى الله يوم القيامة، فهو وهمٌ باطل، فأنتم مطرودون من رحمة الله، ومحجوبون عنه بسبب معاصيكم وجحودكم. وكما قال تعالى: {أية : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [آل عمران: 77]. ثم بين الله مآلهم ومصيرهم فقال: {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو ٱلْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}. لقد حُجبوا عن القرب من الله، وخابَ ظنُّهم الأثيم، بل إنهم لَذاهبون الى النار حيث يقال لهم تبكيتا: إن هذا العذاب الذي حلّ بكم هو جزاؤكم بما كنتم تكذّبون في الدنيا أخبار الرسولِ الصادق الأمين. قراءات: قرأ حفص: بل ران باظهار لام بل، وقرأ الباقون: بل رّان بادغام اللام بالراء، وقرأ اهل الكوفة: رِين بالإمالة.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - المُطَفِّفُونَ هُم الذِينَ يَبْخَسُونَ المِكْيَالَ وَالمِيزَانَ، إِمَّا بِالزِّيَادَةِ إِذَا اقْتَضَوا مِنَ النَّاسِ، وَإِمَّا بِالنُّقْصَانِ إِذَا قَضَوْهُمْ، وَسُمِّيَ عَمَلُهُمْ تَطْفِيفاً لأَِنَّ مَا يَبْخَسُونَهُ النَّاسَ شَيءٌ حَقِيرٌ طَفِيفٌ. وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا جَاءَ المَدِينَةَ وَجَدَهُمْ أَخْبَثَ النَّاسِ كَيْلاً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ فَحَسَّنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَيَتَهَدَّدُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالهَلاَكِ وَالخِزْيِ مَنْ يُطَفِّفُ فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ . وَيْلٌ - هَلاَكٌ وَخِزْيٌ وَعَذَابٌ. المُطَفِّفُونَ - الذِينَ يَبْخَسُونَ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ بِالمِكْيَالِ وَالمِيزَانِ.

الثعلبي

تفسير : {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} يعني الذين ينقصون الناس ويبخسون حقوقهم في الكيل والوزن، وأصله من الشيء الطفيف وهو النزر القليل، وإناءٌ طفاف إذا لم يكن ملآن، ومنه قيل للقوم الذين يكونون سواء في حسبة أو عدد: هم كطف الصاع، يعني ذلك: كقرب الملء منه ناقص عن الملء. {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ} أخذوا {عَلَى ٱلنَّاسِ} أي منهم، وعلى ومن تتعاقبان في هذا الموضع {يَسْتَوْفُونَ} حقوقهم منه {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} أي كالوا لهم أو وزنوا لهم، يقال: وزنتك حقّك، وكِلْتك طعامك بمعنى وزنت لك وكلت لك، قال الفراء: وهي لغة أهل الحجاز ومَنْ جاوزهم من [......] قال: وسمعتُ أعرابية تقول: إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين حرفين ويقف على: كالوا ووزنوا، ثمّ يبتدئ فيقول: هم يخسرون، قال: وأحسب قراءة حمزة أيضاً كذلك، قال أبو عبيد: والأختيار أن يكون كلمة واحدة من جهتين: إحداهما: الخط، وذلك أنهم كتبوها بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا كالوا ووزنوا بالألف على ما كتبوا الأفعال كلّها مثل: فاءوا وجاءوا [...] المصاحف إلاّ على إسقاطها. والجهة الأُخرى: أنه يقال: كلتك ووزنتك بمعنى كلتُ لك ووزنت لك، وهو كلام عربي كما يقال: صدتك وصدت لك وكسبتك وكسبت لك ومثله كثير. {يُخْسِرُونَ} ينقصون. حدّثنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا عبدالرحمن بن بشر قال: حدّثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني يزيد النحوي أن عكرمة حدّثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله سبحانه {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} فأحسنوا الكيل. وقال القرطبي: كان بالمدينة تجارٌ يُطفّفون وكانت بياعتهم كشبه القِمار والمنابذة والملامسة والمخاطرة فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السوق وقرأها عليهم، وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن يوسف قال: حدّثنا ابن عمران قال: حدّثنا أبو الدرداء، عبد العزيز [بن منيب] قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان عن أبيه عن الضحاك ومجاهد وطاووس عن ابن عباس قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس لخمس" قالوا: يا رسول الله وما خمس لخمس؟ قال: "ما نقض قوم العهد إلاّ سلّط عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلاّ فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلاّ فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا الكيل إلاّ منعوا النبات وإخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلاّ حبس عنهم القطر ". تفسير : وأخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا ابن أيوب قال: حدّثنا القصواني قال: حدّثنا سنان بن حاتم قال: حدّثنا حفص قال: حدّثنا مالك بن دينار قال: دخلتُ على جار لي وقد نزل به الموت فجعل يقول: جبلين من نار جبلين من نار، قال: قلت: ما تقول أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر، قال: فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر إزداد عظماً فمات في وجعه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن صقلان قال: حدّثنا محمد بن محمد بن النفاخ الباهلي قال: حدّثنا بركة بن محمد الحلبي عن عثمان بن عبدالرحمن عن النضر بن عدي قال: سمعتُ عكرمة يقول: أشهد على كلّ كيّال أو وزّان أنّه في النار، قيل له: إنّ ابنك كيال أو وزان، قال: أنا أشهد أنه في النار. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل بن الفضل قال: حدّثني عبد الله بن زكريا القاضي قال: حدّثنا العباس بن عبد الله بن أحمد قال: حدّثنا المبرد قال: حدّثنا الرياسي عن الأصمعي قال: قال لي إعرابي: لا تلتمس الحوائج ممن مروءته في رؤس المكاييل والسن الموازين، وروى عبد خير أن عليّاً مرّ على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح، فكفا الميزان، ثم قال: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت، وقال نافع كان ابن عمر يمرّ بالبائع فيقول: اتّقِ الله وأوفِ الكيل والوزن، فإن المطفّفين يوقفون يوم القيامة حتى أن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم. {أَلا يَظُنُّ} يستيقن {أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا وكيع عن هشام صاحب [الدستواني] عن القمر بن أبي [ابزى] قال: حدّثني من سمع ابن عمر قرأ {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} فلما بلغ {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} بكى حتى خرّوا وامتنع من قراءة ما بعده. {كَلاَّ} قال الحسن: حقاً {إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ} الذي كتب فيه أعمالهم {لَفِي سِجِّينٍ} قال عبد الله بن عمر ومغيث بن سمي وقتاده ومجاهد والضحاك وابن زيد: هي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفّار وأعمالهم، يدلّ عليه ما أخبرنا الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيّب قال: حدّثنا الأعمش عن المنهال عن زادان عن البرك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سجين أسفل سبع أرضين ": تفسير : وأخبرني أبو عبد الله الفنجوي قال: حدّثنا أبو علي المقريء قال: حدّثنا أبو [القاسم بن] الفضل قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا يعقوب بن عبدالله الأشعري قال: حدّثنا حفص ابن حميد عن سمر بن عطية قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} فقال: إنّ روح الفاجر يُصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فيُهبط تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجّين، وهي حدّ إبليس، فيخرج لها من سجين من تحت حدّ إبليس رق فيرقم ويختم ويوضع تحت حدّ إبليس بمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة، وإليه ذهب سعيد بن جبير قال: سجّين تحت حدّ إبليس، وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السُفلى وفيها إبليس وذريته. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: قراءتي على يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: وحدّثني عمارة بن عيسى عن يونس بن يزيد عمّن حدّثه عن ابن عباس أنه قال لكعب الأحبار: أخبرني عن سجّين وعليّين، فقال كعب: والذي نفسي بيده لأخبرنّك عنها إلاّ بما أجدُ في كتاب الله المنزل، أما سجّين فإنّها شجرة سوداء تحت الأرضين السبع مكتوب فيها كلّ اسم شيطان، فإذا قبضت نفس الكافر عرج بها إلى السماء فغلقت أبواب السماء دونها، ثم رمى بها إلى سجين فذلك سجين، وأما عليّيون فإنّه إذا قُبضت نفس المسلم عرج بها إلى السماء وفتحت لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى العرش، قال: فيخرج كفّ من العرش فيكتبُ له نُزله وكرامته فذلك عليّون. وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء خضرة السموات منها، يجعل كتاب الفجار تحتها، وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس. وأخبرني عقيل: إن المعافى أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثني إسحاق بن وهب الواسطي قال: حدّثنا مسعود بن موسى بن مشكان قال: حدّثنا نصر بن خزيمة عن شعيب بن صفوان عن القرطي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الفلق جبّ في جهنم مغطّى وأما سجين جبّ في جهنم مفتوح ". تفسير : وأخبرنا أبو القمر الصفار قال: أخبرنا حاجب بن أحمد قال: حدّثنا محمد بن حماد قال: حدّثنا يحيى بن سليم الطائفي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله سبحانه: {إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} قال: سجّين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب فيجعل كتاب الفجّار تحتها، وقال عكرمة: أي لفي خسار وضلال، والمعنى أنه أراد بطلان أعمالهم وذهابها بلا محمده ولا ثواب وهذا سائغ مستفيض في كلام الناس، يقولون لمن خمل ذكره وسقط قدره قد لزق بالحضيض، وقال الأخفش: لفي حبس ضيق شديد، وهو فعّيل من السجّن كما يقال فسّيق وشرّيب قال ابن مقبل: شعر : ورفقه يضربون البيّض ضاحيّة ضرباً تواصت به الأبطال سّجيناً تفسير : {وَمَآ أَدْرَاكَ} يا محمد {مَا سِجِّينٌ} أي ذلك الكتاب الذي في السجّين ثم منّ فقال: {كِتَابٌ} أي هو كتاب {مَّرْقُومٌ} مكتوب مثبت عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به وقال قتادة: رُقم لهم بشرّ وقيل: مختوم بلغة حمير. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا} قراءة العامة تتلى، وقرأ أبو حيان بالياء لتقديم الفعل. {قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أخبرنا الحسين قال: حدّثنا الفضل قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن مكرم التربي ببغداد قال: حدّثنا علي المكرمي قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت محمد بن عجلان يقول: حدّثني القعقاع بن حكم أن أبا صالح السمّان قال أن أبا هريرة حدّثه أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنّ العبد إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب صُقل قلبه وإن عاد زادت حتى يسوّد قلبه" قال: فذلك قوله سبحانه {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : وكذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب حتى يسوّد القلب، وقال حذيفة بن اليمّان: القلب مثل الكفّ فإذا أذنب العبد انقبض وقبض أصبعاً من أصابعه ثم إذا أذنب انقبض وقبض إصبعاً أخرى، ثم إذا أذنب انقبض وقبض أصابعه ثم يطبع عليه فكانوا يرون أنّ ذلك هو الرين، ثمّ قرأ هذه الآية. وقال بكر بن عبد الله: إنّ العبد إذا أصاب الذنب صار في قلبه كوخزة الإبرة ثمّ إذا أذنب ثانياً صار كذلك فإذا كثرت الذنوب صار القلبُ كالمنخل أو كالغربال، وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى لعله يصديء القلب، وقال ابن عباس: طبع عليها، عطا: غشيت على قلوبهم فهوت بها فلا يفزعون ولا يتحاشون، وقيل: قلبها فجعل أسفلها أعلاها، نظيره قوله سبحانه {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 110] وأصل الرين الغلبة، يقال: رانت الخمر على عقله إذا غلبت عليه فسكر، وقال أبو زبيد الطائي: شعر : ثم إذا رآه رانت به الخمـ ر وأن لا يرينه باتّقاء تفسير : وقال الراجّز: شعر : لم نرو حتى هجّرت ورين بي ورين بالسّاقي الذي أمسّى معي تفسير : معنى الآية غلب على قلوبهم وأحاطت بها حتى غمرتها وغشيتها.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {لِّلْمُطَفِّفِينَ} جمع مُطفّف وهو الذي ينقص في الكيل والوزن، والتطفيف: النقصان وأصله من الطفيف وهو الشيء اليسير، لأن المطفّف لا يكاد يسرق في الكيل والوزن إِلا الشيء اليسير {رَانَ} غطَّى وغشَّى كالصدأ يغشى السيف، وأصله الغلبة يقال: رانت الخمر على عقل شاربها أي غلبته قال الشاعر: شعر : "وكمْ رانَ من ذنبٍ على قلب فاجر" تفسير : {رَّحِيقٍ} أجود الخمر وأصفاه وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر وقال الأخفش: هو الشراب الذي لا غش فيه قال حسان: شعر : بَرَدى يُصفِّق بالرحيقِ السَّلْسَلِ تفسير : {فَكِهِينَ} معجبين متلذذين {يَتَغَامَزُونَ} يشيرون إِليهم بالأعين استهزاءً {ثُوِّبَ} جوزي {تَسْنِيمٍ} عينٌ عالية شرابها أشرف شراب، وأصل التسنيم الارتفاع ومنه سنام البعير. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله عز وجل {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} فأحسنوا الكيل بعد ذلك". التفسِير: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} أي هلاك وعذاب ودمار، لأولئك الفجار الذين ينقصون المكيال والميزان، ثم بيَّن أوصافهم القبيحة بقوله {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} أي إِذا أخذوا الكيل من الناس أخذوه وافياً كاملاً لأنفسهم {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} أي وإِذا كالوا للناس أو وزنوا لهم، ينقصون الكيل والوزن قال المفسرون: نزلت في رجلٍ يُعرف بـ "أبي جهينة" كان له صاعان، يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر، وهو وعيدٌ لكل من طفَّف الكيل والوزن، وقد أهلك الله قوم شعيب لبخسهم المكيال والميزان، وفي الحديث "حديث : ولا طففوا الكيل إِلاّ منعوا النبات وأُخذوا بالسنين"تفسير : {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} أي ألا يعلم ويستيقن أولئك المطففون أنهم سيبعثون ليوم عصيب، شديد الهول، كثير الفزع؟! {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي يوم يقفون في المحشر حفاةً عراةً، خاشعين خاضعين لرب العالمين قال في البحر: وفي هذا الإِنكار والتعجيب، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس لله خاضعين، ووصفهُ برب العالمين، دليلٌ على عظم هذا الذنب وهو التطفيف، وفي الحديث عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} حتى يغيب أحدهم في رشحه إِلى أنصاف أُذنيه.. ثم ذكر تعالى مآل الفجار، ومآل الأبرار فقال {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} أي ليرتدع هؤلاء المطففون عن الغفلة عن البعث والجزاء، فإِن كتاب أعمال الأشقياء الفجار، لفي مكان ضيّق في أسفل سافلين {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} استفهام للتعظيم والتهويل أي هل تعلم ما هو سجين؟ {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} أي هو كتاب مكتوبٌ كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى، أُثبتت فيه أعمالهم الشريرة قال ابن كثير: {سِجِّينٌ} مأخوذ من السجن وهو الضيق، ولما كان مصير الفجار إِلى جهنم وهي أسفل سافلين، وهي تجمع الضيق والسفول، أخبر تعالى أنه كتاب مرقوم أي مكتوبٌ مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار للمكذبين {ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي يكذبون بيوم الحساب والجزاء {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} أي وما يكذب بيوم الحساب والجزاء ألا كل متجاوز الحد في الكفر والضلال، مبالغ في العصيان والطغيان، كثير الآثام، ثم وضّح من إِجرامه فقال {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي إِذا تليت عليه آيات القرآن، الناطقة بحصول البعث والجزاء، قال عنها: هذه حكايات وخرافات الأوائل، سطروها وزخرفوها في كتبهم {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي ليرتدع هذا الفاجر عن ذلك القول الباطل، فليس القرآن أساطير الأولين، بل غطَّى على قلوبهم ما كسبوا من الذنوب، فطمس بصائرهم فصاروا لا يعرفون الرشد من الغي قال المفسرون: الرَّان هو الذنب على الذنب حتى يسودَّ القلب {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} أي ليرتدع هؤلاء المكذبون عن غيهم وضلالهم، فهم في الآخرة محجوبون عن رؤية المولى جل وعلا فلا يرونه قال الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل وقال مالك: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلَّى لأوليائه حتى رأوه {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} أي ثم إِنهم مع الحرمان عن رؤية الرحمن، لداخلو الجحيم وذائقو عذابها الأليم {ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي ثم تقول لهم خزنة جهنم على وجه التقريع والتوبيخ: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا {أية : أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الطور: 15].. وبعد الحديث عن حال الفجار، ذكر تعالى نعيم الأبرار فقال {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} {كَلاَّ} ردعٌ وزجر أي ليس الأمر كما يزعمون من مساواة الفجار بالأبرار، بل كتابهم في سجين، وكتاب الأبرار في عليين، وهو مكان عالٍ مشرَّف في أعلى الجنة قال في التسهيل: ولفظ {عِلِّيِّينَ} للمبالغة، وهو مشتق من العلوِّ لأنه سبب في ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه في مكان عليٍّ رفيع فقد روي أنه تحت العرش {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} تفخيمٌ وتعظيم لشأنه أي وما أعلمك يا محمد ما هو عليون؟ {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي كتابُ الأبرار كتابٌ مسطَّر، مكتوب فيه أعمالهم، وهو في عليين في أعلى درجات الجنة، يشهده المقربون من الملائكة قال المفسرون: إِن روح المؤمن إِذا قُبضت صُعد بها إِلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، وتلقتها الملائكةُ بالبشرى، ثم يخرجون معها حتى ينتهوا إِلى العرش، فيخرج لهم رقٌّ فيكتب فيه ويختم عليه بالنجاة من الحساب والعذاب ويشهده المقربون {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} أي إِن المطيعين لله في الجنات الوارفة، والظلال الممتدة يتنعمون {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} أي هم على السرر المزينة بفاخر الثياب والستور، ينظرون إِلى ما أعدَّ الله لهم من أنواع الكرامة والنعيم في الجنة {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} أي إِذا رأيتهم تعرف أنهم أهل نعمة، لما ترى في وجوههم من النور والبياض والحسن، ومن بهجة السرور ورونقه {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} أي يُسقون من خمرٍ في الجنة، بيضاء طيبة صافية، لم تكدرها الأيدي، قد ختم على تلك الأواني فلا يفك ختمها إِلا الأبرار {خِتَامُهُ مِسْكٌ} أي آخر الشراب تفوح منه رائحة المسك {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} أي وفي هذا النعيم والشراب الهنيء، فليرغب بالمبادرة إِلى طاعة الله، وليتسابق المتسابقون قال الطبري: التنافسُ مأخوذ من الشيء النفيس الذي يحرص عليه الناس، وتشتهيه وتطلبه نفوسهم والمعنى فليستبقوا في طلب هذا النعيم، ولتحرص عليه نفوسهم {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} أي يمزج ذلك الرحيق من عينٍ عالية رفيعة، هي أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه تسمى "التسنيم" ولهذا قال بعده {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي هي عينٌ في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة قال في التسهيل: تسنيم اسمٌ لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، ويمزج منه الرحيق الذي يشرب منه الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقربين فوق درجة الأبرار.. ولما ذكر تعالى نعيم الأبرار، أعقبه بذكر مآل الفجار، تسليةً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} أي أن المجرمين الذين من طبيعتهم الإِجرام وارتكاب الآثام، كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين استهزاءً بهم قال في التسهيل: نزلت هذه الآية في صناديد قريش كأبي جهل وغيره، مرَّ بهم علي بن أبي طالب وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا بهم {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} أي وإِذا مرَّ هؤلاء والمؤمنون بالكفار، غمز بعضهم بعضاً بأعينهم سخرية واستهزاءً بهم قال المفسرون: كان المشركون إِذا مرَّ بهم أصحاب رسول الله، تغامزوا بأعينهم عليهم احتقاراً لهم وازدراءً يقولون: جاءكم ملوك الدنيا، يسخرون منهم لإِيمانهم واستمساكهم بالدين {وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} أي وإِذا انصرف المشركون ورجعوا إِلى منازلهم وأهليهم، رجعوا متلذذين يتفكهون بذكر المؤمنين والاستخفاف بهم قال في البحر: أي رجعوا متلذذين بذكرهم وبالضحك منهم استخفافاً بأهل الإِيمان {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} أي وإِذا رأى الكفار المؤمنين قالوا: إِن هؤلاء لضالون لإِيمانهم بمحمد، وتركهم شهوات الحياة قال تعالى رداً عليهم {وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} أي وما أُرسل الكفار حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم أو ضلالهم، وفيه تهكم وسخرية بالكفار كأنه يقول: أنا ما أرسلتهم رقباء، ولا وكلتهم بحفظ أعمال عبادي المؤمنين، حتى يرشدوهم إِلى مصالحهم، فلم يشغلون أنفسهم فيما لا يعنيهم؟ {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} أي ففي هذا اليوم - يوم القيامة - يضحك المؤمنون من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، جزاءً وفاقاً {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} أي والمؤمنون على أسرَّة الدر والياقوت، ينظرون إِلى الكفار ويضحكون عليهم قال القرطبي: يقال لأهل النار وهم في النار اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار، فإِذا رأوها قد فتحت أقبلوا إِليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إِليهم على الأرائك، فإِذا انتهوا إِلى أبوابها أغلقت دونهم، فيضحك منهم المؤمنون {هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي هل جوزي الكفار في الآخرة بما كانوا يفعلونه بالمؤمنين من السخرية والاستهزاء؟ نعم. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التنكير للتهويل والتفخيم {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}. 2- الطباق بين {يَسْتَوْفُونَ} و{يُخْسِرُونَ}. 3- المقابلة بين حال الفجار والأبرار {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ..} الخ و{كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ..} الخ. 4- التفخيم والتعظيم لمراتب الأبرار {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}؟ 5- جناس الاشتقاق {فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}. 6- الإِطناب بذكر أوصاف ونعيم المتقين {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ}. 7- التشبيه البليغ {خِتَامُهُ مِسْكٌ} أي كالمسك في الطيب والبهجة، فحذف منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغاً. 8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل {يَضْحَكُونَ}، {يَنظُرُونَ}، {يَكْسِبُونَ}، {يَفْعَلُونَ} الخ.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} المُطففُ: الذي لا يُوفى عَلَى النَّاسِ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} الآية هذه السورة مكية وقيل مدنية وسبب نزولها أنه كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فنزلت والمناسبة بين السورتين ظاهرة لما ذكر السعداء والأشقياء ويوم الجزاء من شأنه ذكر ما أعد لبعض العصاة وذكر بأخس ما يقع من المعصية وهي التطفيف الذي لا يكاد يجدي شيئاً في تثمير المال وتنميته. {إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ} قبضوا منهم. {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} أقبضوهم وكال ووزن مما يتعدى بحرف الجر فتقول كلت لك ووزنت لك. {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ} توقيف على أمر القيامة وإنكارهم عليهم في فعلهم ذلك. {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} وهو يوم القيامة ويوم ظرف العامل فيه مقدر أي يبعثون يوم يقوم الناس ويجوز أن يعمل فيه مبعوثون ويكون معنى ليوم أي لحساب يوم ووصفه برب العالمين دليل على عظم هذا الذنب وهو التطفيف. {كَلاَّ} ردع لما كانوا فيه من التطفيف وهذا القيام يختلف الناس فيه بحسب أحوالهم وفي هذا القيام الجام الناس بالعرق وأحوالهم فيه مختلفة كما ورد في الحديث والفجار الكفار. وكتابهم هو الذي فيه تحصيل أعمالهم، وسجين قال الجمهور: فعيل من السجن كسكير أي في موضع ساجن فجاءت بناء مبالغة فسجين على هذا صفة لموضع المحذوف والظاهر أن سجيناً هو كتاب ولذلك أبدل منه كتاب مرقوم. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} أي ليس ذلك مما كنت تعلمه. {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} أي مثبت بالرقم لا يبلى ولا يمحى. {ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ} صفة ذم. {كُلُّ مُعْتَدٍ} متجاوز الحد. {أَثِيمٍ} صفة مبالغة. {إِذَا تُتْلَىٰ} قيل نزلت في النضر بن الحٰرث. {بَلْ رَانَ} رأى وغشى كالصد إذ يغشى السيف وقال الشاعر: شعر : وكم ران من ذنب على قلب فاجر فتاب من الذنب الذي ران فانجلا تفسير : والضمير في قوله: انهم الكفار فمن قال بالرؤية وهو قول أهل السنة قال ان هؤلاء لا يرون ربهم فهم محجوبون عنه واحتج بهذه الآية مالك رحمه الله على مسألة الرؤية. {ثُمَّ يُقَالُ} أي يقول لهم خزنة النار. {هَـٰذَا} أي العذاب وصلى النار أو هذا اليوم. {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}. {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} لما ذكر أمر كتاب الفجار عقبه بذكر كتاب ضدهم ليتبين الفرق. {عِلِّيُّونَ} جمع واحده على مشتق من العلو وهو للمبالغة وعليون الملائكة وإعراب لفي عليين وكتاب مرقوم كإِعراب لفي سجين والمقربون هنا قال ابن عباس وغيرهم هم الملائكة أهل كل سماء ينظرون إلى ما أعد لهم من الكرامات وقرىء تعرف بتاء الخطاب للرسول عليه السلام والنضرة تقدم شرحها في قوله نضرة وسروراً. {مَّخْتُومٍ} الظاهر أن الرحيق ختم عليه تهمما وتنظفاً بالرائحة المسكية كما فسره ما بعده. {خِتَامُهُ} أي خلطه ومزاجه قاله ابن عباس: {مِن تَسْنِيمٍ} قال ابن عباس هو أشرف شراب الجنة وهو إسم مذكر لماء عين في الجنة. {يَشْرَبُ بِهَا} أي يشربها أو منها روي أن علياً كرم الله وجهه وجماعة من المؤمنين مروا بجمع من كفار مكة فضحكوا منهم واستخفوا بهم عبثاً فنزلت ان الذين أجرموا قبل أن يصل علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفار مكة هؤلاء قيل أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والمؤمنون عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين والضمير في رأوهم على المجرمين إذ إذا رأوا المؤمنين ينسبونهم إلى الضلال. {وَمَآ أُرْسِلُواْ} على المؤمنين حفظة يحفظون عليهم أحوالهم ولما تقدم ذكر يوم القيامة قيل: {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} واليوم منصوب بيضحكون أي إن كان قد ضحك الكفار من المؤمنين في وقت مّا في الدنيا فالمؤمنون يضحكون منهم في الآخرة وينظرون حال من الضمير في يضحكون أي يضحكون ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والعذاب بعد العزة والنعيم. وقال كعب: لأهل الجنة كوى ينظرون منها إلى أهل النار. {هَلْ ثُوِّبَ} أي هل جوزي يقال ثوبه وأثابه إذا جاز قال الشاعر: شعر : سأجزيك أو يجزيك عني مثوب وحسبك أن يثنى عليك وتحمد تفسير : وهو استفهام بمعنى التقرير للمؤمنين أي هل جوزوا بأفعالهم السيئة أي قد جوزوا بها وفي قوله: ما كانوا حذف تقديره جزاء أو عقاب ما كانوا يفعلون.

الجيلاني

تفسير : {وَيْلٌ} عظيم، وعذاب أليم {لِّلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1] الذين ينقصون المكيال والميزان، ويبخسون حقوق الناس، سمَّاهم سبحانه مطففين؛ لأنهم يسرقون من الحقوق طفيفاً حقيراً على جه الدناءة والخساسة، وهو لمن أخس الأفعال الذميمة، وأدناها وأخبثها. في الحديث - صلوات الله وسلامه على قائله: "ما نقص العهد قوم إلاَّ سلَّط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلاَّ فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلاَّ فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلاَّ منعوا الثبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلاَّ حبس عليهم الفطر"، وهم {ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي: أخذوا منهم لأنفسهم {يَسْتَوْفُونَ} [المطففين: 2] ويزيدون على المكيال قليلاً قليلاً ترجيحاً لأنفسهم عليهم. {وَإِذَا كَالُوهُمْ} أي: للناس {أَوْ وَّزَنُوهُمْ} لأجلهم {يُخْسِرُونَ} [المطففين: 3] يُنقصون منه قليلاً قليلاً ترجيحاً لغبطتهم عليهم، مع أن الكيل والوزن إنما هو للتسوية والتعديل. ثمَّ قال سبحانه على وجه التعجب والتشنيع: {أَلا يَظُنُّ} بل يستقين {أُوْلَـٰئِكَ} المسرفون المفرطون بارتكاب هذه الخصلة الذميمة {أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ} [المطففين: 4]؟! {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطففين: 5] لعظم ما فيه من الشدائد والأهوال، وأنواع الأفزاع والأحزان، سيما على أهل العصيان؛ إذ يفتضحون على رءوس الأشهاد. {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ} بأجمعهم؛ لأجل العرض {لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [المطففين: 6] ليحكم عليهم سبحانه على مقتضى السؤال والحساب، إمَّا بالجنة وإمَّا بالنار. ثمَّ قال سبحانه: {كَلاَّ} ردعاً للمطفيين بفجورهم، وخروجهم عن مقتضى العدالة الإلهية الموضوعة فيما بينهم بالقسط؛ يعني: كيف يخرجون على مقتضاها {إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ} أي: ثبت فيه تفاصيل أعمالهم وأفعالهم، وأخلاقهم وأطوارهم المذمومة كلها مضبوطة محفوظة فيه، محكوم عليهم من قِبَل الحق بمقتضى ما في كتبهم أنهم {لَفِي سِجِّينٍ} [المطففين: 7] أي: مقرهم في الدرك الأسفل من النار؟! ثمَّ أبهمه سبحانه تهويلاً وتفخيماً فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أيها المسرف المفرط {مَا سِجِّينٌ} [المطففين: 8] ما لم تقع فيه، ولم تذق من عذابه ونكاله؟! وبالجملة: كتاب الفجار {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} [المطففين: 9] مسطور بين الرقوم والرسوم، يعرفه من نظر إليه ألاَّ خير فيه، ولا نفع في ضمنه، بل إنما هو مشعر بأنواع العذاب والعقاب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها المطفف، الذي يأخذ من القوى العلوية بكيل وفيّ ولا يعطي حقه من القوى السفلية إلا بوزن طفيف وكيل منقوص، أما سمع ما يقول رب العالمين للمطففين في كلامه القديم حيث يقول: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 1-3]؛ يعني: يكيلون على الحفظة أعمالهم الناقصة، ويزنون حظوظ القوى من القوى السفلية في التفكر في آلاء الله ونعمائه، والاعتبار بما في عالم الآفاق، واستماع المواعظ بوزن خاسر، ويستوفون حظوظها من القوى العلوية من الحياة والعقل وغيرهما مما نكب بها نفسها بالحظوظ العاجلة على وفق سواها، ولولاها لكانت مثل البهائم في جذب المنافع ودفع المضار عن نفسه، وخسران وزنهم يرجع إلى أعمالهم الباطنة مثل: الحضور، والإخلاص، والصدق، والنية، والتوجه وأمثالها، وخسران كيلهم يرجع إلى الأعمال التي تتعلق بالحواس الظاهرة مثل: أركان الصلاة، والإمساك والشرب، وإيتاء الزكاة وأشبهها. {أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطففين: 4-5]؛ يعني: هؤلاء يظنون أنهم غير مبعوثين من قبور قوالبهم ليوم عظيم شأنه {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ}تفسير : [الطارق: 9] من الصدور وتشهد الأعضاء على كل ما صدر عن صاحبه وورد عليه {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ} [المطففين: 6] من قبور قوالبهم {لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [المطففين: 6] لأمر ربه ليجزي كل نفس بما كسبت، {كَلاَّ} [المططفين: 7]؛ أي: ليس الأمر كما ظنوا، {إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [المطففين: 7]؛ يعني: كتاب القوى الفاجرة يصعد إلى السماء؛ أي: سماء الصّور؛ فأبت السماء أن تقبله فرد ونزل إلى الأرض؛ أي: أرض القالب فأبت الأرض أن تقبله فصار متردداً فيأمر الله تعالى حتى يسحبوه من سجين؛ وهو موضع الشيطان تحت سبع أرضين الأعضاء السبعة مثل الجب الذي لا يكون له قعر ولا نهاية، قعره يدل على أنه مظهر لصفة قهر الحق وفيه أسرار تتعلق بحد القرآن، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} [المطففين: 8]؛ أي: سجين موضع يسجن فيه كتاب الفجار الذي هو كتاب {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} [المطففين: 9]؛ يعني: مكتوب فيه أعمالهم كالأعلام المرقومة على الثياب بحيث لا يفنى بالغسل، وهذه إشارة إلى: تثبت الأعمال وجوديته الفاسدة على وجودهم بحيث صارت الأعمال وجودية ذاتية لهم ولأجل هذا يخلدون في العذاب، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [المطففين: 10-12]؛ أي: لا يكذب بيوم الجزاء إلا قوة عبدة قالبية أو أثيمة نفسية قالت: هكذا جبلت النفس، {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [المطففين: 13]؛ يعني: إذا تتلى على تلك القوى الآيات الأنفسية قالت: هكذا جبلت النفس فإذا غلبت عليها خلطة السوء يشهد أشياء هائلة، وهي من قبيل الخيالات.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَيْلٌ } كلمة عذاب، ووعيد { لِلْمُطَفِّفِينَ }. وفسر الله المطففين بقوله { الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ } أي: أخذوا منهم وفاء عما ثبت لهم قبلهم { يَسْتَوْفُونَ } يستوفونه كاملا من غير نقص. { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ } أي: إذا أعطوا الناس حقهم، الذي للناس عليهم بكيل أو وزن، { يُخْسِرُونَ } أي: ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك. فهذا سرقة [لأموال] الناس، وعدم إنصاف [لهم] منهم. وإذا كان هذا الوعيد على الذين يبخسون الناس بالمكيال والميزان، فالذي يأخذ أموالهم قهرًا أو سرقة، أولى بهذا الوعيد من المطففين. ودلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات، بل يدخل في [عموم هذا] الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد [منهما] يحرص على ماله من الحجج، فيجب عليه أيضًا أن يبين ما لخصمه من الحجج [التي لا يعلمها]، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير. ثم توعد تعالى المطففين، وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال: { أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم يقومون بين يدى الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك وتابوا منه.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} 674 - أنا محمدُ بن عقيلٍ، نا عليُّ بن الحسين قال: حدَّثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قدم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} فَحَسَّنُوا الكيل بعد ذلك. 675 - أنا سويدُ بن نصرٍ، أنا عبدُ الله، عن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ قال سمعتُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "حديث : ويلٌ للَّي يُحدثُ فيكذبُ ليُضِحكَ به القوم؛ ويلٌ له؛ ويلٌ له ". تفسير : 676 - أنا عبيدُ اللهِ بن سعيدٍ، نا: يحيى، عن عبيد اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. أنا أبو داود، حدثنا يعقوبُ، حدَّثني أبي، عن صالحٍ، نا نافعٌ، أن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [6] يومُ القيامةِ حتى يغيب أحدُهم إلى أنصاف أُذنيهِ في رشحِهِ يوم القيامةِ ". تفسير : قال أبو عبد الرحمنِ: لم يذكر عُبيدُ الله "يوم القيامةِ" وقال عُبيدُ اللهِ: "حتى يقومَ". وقال أبو داود: "حَتَّى يَغيبَ". 677 - أنا هَنَّادُ بن السَّريِّ، عن عيسى بن يُونسَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ. عن ابن عُمر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله: حديث : {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال: "يقومُ أحدُهم في رشحِهِ إلى أنصاف أُذنيه ".