٨٣ - ٱلْمُطَفِّفِين
83 - Al-Mutaffifeen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه سبحانه لما بين عظم هذا الذنب أتبعه بذكر لواحقه وأحكامه فأولها: قوله: {كَلاَّ } والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: أنه ردع وتنبيه أي ليس الأمر على ماهم عليه من التطفيف والغفلة، عن ذكر البعث والحساب فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا الثاني: قال أبو حاتم: {كَلاَّ } ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقاً {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ } وهو قول الحسن. النوع الثاني: أنه تعالى وصف كتاب الفجار بالخيبة والحقارة على سبيل الاستخفاف بهم، وههنا سؤالات. السؤال الأول: السجين اسم علم لشيء معين أو اسم مشتق عن معنى؟ قلنا فيه قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين: أنه اسم علم على شيء معين، ثم اختلفوا فيه، فالأكثرون على أنه الأرض السابعة السفلى، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد، وروى البراء أنه عليه السلام قال: «حديث : سجين أسفل سبع أرضين»تفسير : قال عطاء الخراساني: وفيها إبليس وذريته، وروى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: «حديث : سجين جب في جهنم»تفسير : وقال الكلبي ومجاهد: سجين صخرة تحت الأرض السابعة. القول الثاني: أنه مشتق وسمي سجيناً فعيلاً من السجن، وهو الحبس والتضييق كما يقال: فسيق من الفسق، وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج، قال الواحدي: وهذا ضعيف والدليل على أن سجيناً ليس مما كانت العرب تعرفه قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ ما سجين} أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت وقومك. ولا أقول هذا ضعيف، فلعله إنما ذكر ذلك تعظيماً لأمر سجين. كما في قوله: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدّينِ } تفسير : [الإنفطار: 17] قال صاحب «الكشاف»: والصحيح أن السجين فعيل مأخوذ من السجن، ثم إنه ههنا اسم علم منقول من صف كحاتم وهو منصرف، لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف، إذا عرفت هذا، فنقول قد ذكرنا أن الله تعالى أجرى أموراً مع عباده على ما تعارفوه من التعامل فيما بينهم وبين عظمائهم. فالجنة موصوفة بالعلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين، والسجين موصوف بالتسفل والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملعونين، ولا شك أن العلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين، كل ذلك من صفات الكمال والعزة، وأضدادها من صفات النقص والذلة، فلما أريد وصف الكفرة وكتابهم بالذلة والحقارة، قيل: إنه في موضع التسفل والظلمة والضيق، وحضور الشياطين، ولما وصف كتاب الأبرار بالعزة قيل: إنه {أية : لَفِى عِلّيّينَ }تفسير : [المطففين: 18]. و {أية : يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [المطففين: 21]. السؤال الثاني: قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه {فِى سِجّينٍ } ثم فسر سجيناً بـ {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه؟ أجاب القفال: فقال قوله: {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } ليس تفسيراً لسجين، بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين، وإن كتاب الفجار كتاب مرقوم، فيكون هذا وصفاً لكتاب الفجار بوصفين أحدهما: أنه في سجين والثاني: أنه مرقوم، ووقع قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ } فيما بين الوصفين معترضاً، والله أعلم. والأولى أن يقال: وأي استبعاد في كون أحد الكتابين في الآخر، إما بأن يوضع كتاب الفجار في الكتاب الذي هو الأصل المرجوع إلى في تفصيل أحوال الأشقياء، أو بأن ينقل ما في كتاب الفجار إلى ذلك الكتاب المسمى بالسجين، وفيه وجه ثالث: وهو أن يكون المراد من الكتاب، الكتابة فيكون في المعنى: كتابة الفجار في سجين، أي كتابة أعمالهم في سجين، ثم وصف السجين بأنه {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } فيه جميع أعمال الفجار. السؤال الثالث: ما معنى قوله: {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ }؟ قلنا فيه وجوه: أحدها: مرقوم أي مكتوبة أعمالهم فيه وثانيها: قال قتادة: رقم لهم بسوء أي كتب لهم بإيجاب النار وثالثها: قال القفال: يحتمل أن يكون المراد أنه جعل ذلك الكتاب مرقوماً، كما يرقم التاجر ثوبه علامة لقيمته، فكذلك كتاب الفاجر جعل مرقوماً برقم دال على شقاوته ورابعها: المرقوم: ههنا المختوم، قال الواحدي: وهو صحيح لأن الختم علامة، فيجوز أن يسمى المرقوم مختوماً وخامسها: أن المعنى كتاب مثبت عليهم كالرقم في الثوب ينمحي، أما قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } ففيه وجهان أحدهما: أنه متصل بقوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ } أي: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المطففين: 83] ويل لمن كذب بأخبار الله والثاني: أن قوله: {مَّرْقُومٌ } معناه رقم برقم يدل على الشقاوة يوم القيامة، ثم قال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } في ذلك اليوم من ذلك الكتاب، ثم إنه تعالى أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين فقال: {وَمَا يُكَذّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } ومعناه أنه لا يكذب بيوم الدين إلا من كان موصوفاً بهذه الصفات الثلاثة فأولها: كونه معتدياً، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحق وثانيها: الأثيم وهو مبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي. وأقول الإنسان له قوتان قوة نظرية وكمالها في أن يعرف الحق لذاته، وقوة عملية وكمالها في أن يعرف الخير لأجل العمل به، وضد الأول أن يصف الله تعالى بما لا يجوز وصفه به، فإن كل من منع من إمكان البعث والقيامة إنما منع إما لأنه لم يعلم تعلق علم الله بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات، أو لأنه لم يعلم تعلق قدرة الله بجميع الممكنات. فهذا الاعتداء ضد القوة العملية، هو الاشتغال بالشهوة والغضب وصاحبه هو الأثيم، وذلك لأن المشتغل بالشهوة والغضب قلما يتفرغ للعبادة والطاعة، وربما صار ذلك مانعاً له عن الإيمان بالقيامة. وأما الصفة الثالثة: للمكذبين بيوم الدين فهو قوله: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } والمراد منه الذين ينكرون النبوة، والمعنى إذا تلي عليه القرآن قال أساطير الأولين، وفيه وجهان أحدهما: أكاذيب الأولين والثاني: أخبار الأولين وأنه عنهم أخذ أي يقدح في كون القرآن من عند الله بهذا الطريق، وههنا بحث آخر: وهو أن هذه الصفات الثلاثة هل المراد منها شخص معين أولاً؟ فيه قولان: الأول: وهو قول الكلبي: أن المراد منه الوليد بن المغيرة، وقال آخرون: إنه النضر بن الحارث، واحتج من قال: إنه الوليد بأنه تعالى قال في سورة نۤ: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ }تفسير : [ن:10] إلى قوله {أية : مُعْتَدٍ أَثِيمٍ }تفسير : [ن: 12] إلى قوله {أية : إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [ن: 15] فقيل إنه: الوليد بن المغيرة، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: وما يكذب بيوم الدين من قريش أو من قومك إلا كل معتد أثيم، وهذا هو الشخص المعين والقول الثاني: أنه عام في حق جميع الموصوفين بهذه الصفات، أما قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } فالمعنى ليس الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين، بل أفعالهم الماضية صارت سبباً لحصول الرين في قلوبهم، ولأهل اللغة في تفسير لفظة الرين وجوه، ولأهل التفسير وجوه أخر، أما أهل اللغة فقال أبو عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على الميت فيذهب به، قال الليث: ران النعاس والخمر في الرأس إذا رسخ فيه، وهو يريد رينا، وريوناً، ومن هذا حديث عمر في أسيفع جهينة لما ركبه الدين «أصبح قد رين به» قال أبو زيد: يقال: رين بالرجل يران به ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه. قال أبو معاذ النحوي: الرين أن يسود القلب من الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين، والأقفال أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب، قال الزجاج: ران على قلوبهم بمعنى غطى على قلوبهم، يقال: ران على قلبه الذنب يرين ريناً أي غشيه، والرين كالصدإ يغشى القلب ومثله العين، أما أهل التفسير، فلهم وجوه: قال الحسن: ومجاهد هو الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب، وتغشاه فيموت القلب، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن الذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيماً ضخمة»تفسير : وعن مجاهد القلب كالكف، فإذا أذنب الذنب انقبض، وإذا أذنب ذنباً آخر انقبض ثم يطبع عليه وهو الرين، وقال آخرون: كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله، وروي هذا مرفوعاً في حديث أبي هريرة، قلت: لا شك أن تكرر الأفعال سبب لحصول ملكة نفسانية، فإن من أراد تعلم الكتابة فكلما كان إتيانه بعمل الكتابة أكثر كان اقتداره على عمل الكتابة أتم، إلى أن يصير بحيث يقدر على الإتيان بالكتابة من غير روية ولا فكرة، فهذه الهيئة النفسانية، لما تولدت من تلك الأعمال الكثيرة كان لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الهيئة النفسانية، إذا عرفت هذا فنقول: إن الإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب، حصلت في قلبه ملكة نفسانية على الإتيان بذلك الذنب، ولا معنى للذنب إلا ما يشغلك بغير الله، وكل ما يشغلك بغير الله فهو ظلمة، فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد، ولكل واحد من الأعمال السالفة التي أورث مجموعها حصول تلك الملكة أثر في حصولها، فذلك هو المراد من قولهم: كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب، ولما كانت مراتب الملكات في الشدة والضعف مختلفة، لا جرم كانت مراتب هذا السواد والظلمة مختلفة، فبعضها يكون ريناً وبعضها طبعاً وبعضها أقفالاً، قال القاضي ليس المراد من الرين أن قلبهم قد تغير وحصل فيه منع، بل المراد أنهم صاروا لإيقاع الذنب حالاً بعد حال متجرئين عليه وقويت دواعيهم إلى ترك التوبة وترك الإقلاع، فاستمروا وصعب الأمر عليهم، ولذلك بين أن علة الرين كسبهم، ومعلوم إن إكثارهم من اكتساب الذنوب لا يمنع من الإقلاع والتوبة، وأقول قد بينا أن صدور الفعل حال استواء الداعي إلى الفعل، والداعي إلى الترك محال لامتناع ترجيح الممكن من غير مرجح، فبأن يكون ممتنعاً حال المرجوحية كان أولى، ولما سلم القاضي أنهم صاروا بسبب الأفعال السالفة راجحاً، فوجب أن يكون الإقلاع في هذه الحالة ممتنعاً، وتمام الكلام قد تقدم مراراً في هذا الكتاب. أما قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } فاعلم أنهم ذكروا في {كَلاَّ } وجوهاً أحدها: قال صاحب «الكشاف»: {كَلاَّ } ردع عن الكسب الرائن عن قلوبهم وثانيها: قال القفال: إن الله تعالى حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم أنه كان يقول إن كانت الآخرة حقاً، فإن الله تعالى يعطيه مالاً وولداً، ثم إنه تعالى كذبه في هذه المقالة فقال: {أية : أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً }تفسير : [مريم: 78] وقال: {أية : وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }تفسير : [فصلت: 50] ولما كان هذا مما قد تردد ذكره في القرآن ترك الله ذكره ههنا وقال: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } أي ليس الأمر كما يقولون: من أن لهم في الآخرة حسنى بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وثانيها: أن يكون ذلك تكريراً وتكون {كَلاَّ } هذه هي المذكورة في قوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ } أما قوله: {إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } فقد احتج الأصحاب على أن المؤمنين يرونه سبحانه قالوا: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة، وفيه تقرير آخر وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمن أجابت المعتزلة عن هذا من وجوه أحدها: قال الجبائي: المراد أنهم عن رحمة ربهم محجوبون أي ممنوعون، كما يقال في الفرائض: الإخوة يحجبون الأم على الثلث، ومن ذلك يقال: لمن يمنع عن الدخول هو حاجب، لأنه يمنع من رؤيته وثانيها: قال أبو مسلم: {لَّمَحْجُوبُونَ } أي غير مقربين، والحجاب الرد وهو ضد القبول، والمعنى هؤلاء المنكرون للبعث غير مقبولين عند الله وهو المراد من قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ } تفسير : [آل عمران: 77]، وثالثها: قال القاضي: الحجاب ليس عبارة عن عدم الرؤية، فإنه قد يقال: حجب فلان عن الأمير، وإن كان قد رآه من البعد، وإذا لم يكن الحجاب عبارة عن عدم الرؤية سقط الاستدلال، بل يجب أن يحمل على صيرورته ممنوعاً عن وجدان رحمته تعالى ورابعها: قال صاحب «الكشاف»: كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للمكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم والجواب: لا شك أن من منع من رؤية شيء يقال: إنه حجب عنه، وأيضاً من منع من الدخول على الأمير يقال: إنه حجب عنه، وأيضاً يقال الأم حجبت عن الثلث بسبب الإخوة، وإذا وجدنا هذه الاستعمالات وجب جعل اللفظ حقيقة في مفهوم مشترك بين هذه المواضع دفعاً للاشتراك في اللفظ، وذلك هو المنع. ففي الصورة الأولى حصل المنع من الرؤية، وفي الثاني حصل المنع من الوصول إلى قربه، وفي الثالثة: حصل المنع من استحقاق الثلث، فيصير تقدير الآية: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لممنوعون، والمنع إنما يتحقق بالنسبة إلى ما يثبت للعبد بالنسبة إلى الله تعالى، وهو إما العلم، وإما الرؤية، ولا يمكن حمله على العلم، لأنه ثابت بالاتفاق للكفار، فوجب حمله على الرؤية. أما صرفه إلى الرحمة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل، وكذا ما قاله صاحب «الكشاف»: ترك للظاهر من غير دليل، ثم الذي يؤكد ما ذكرناه من الدليل أقوال المفسرين. قال مقاتل: معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب، لا يرون ربهم، والمؤمنون يرون ربهم، وقال الكلبي: يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه لا بد وأن يتجلى لأوليائه حتى يروه، وعن الشافعي لما حجب قوماً بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا، أما قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ } فالمعنى لما صاروا محجوبين في عرصة القيامة إما عن رؤية الله على قولنا، أو عن رحمة الله وكرامته على قول المعتزلة، فعند ذلك يؤمر بهم إلى النار ثم إذا دخلوا النار، وبخوا بتكذيبهم بالبعث والجزاء، فقيل لهم: {هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } في الدنيا، والآن قد عاينتموه فذوقوه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} قال قوم من أهل العلم بالعربية: {كَلاَّ}: ردْع وتنبيه؛ أي ليس الأمر على ما هم عليه من تطفيف الكيل والميزان، أو تكذيب بالآخرة، فليرتدعوا عن ذلك. فهي كلمة رَدْع وزَجْر، ثم ٱستأنف فقال: {إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ}. وقال الحسن: {كَلاَّ} بمعنى حَقًّا. ورَوَى ناس عن ٱبن عباس «كَلاَّ» قال: ألا تصدقون؛ فعلى هذا: الوقفُ «لِرب العالمِين. وفي تفسير مقاتل: إن أعمال الفجار. وروي ناس عن ٱبن عباس قال: إن أرواح الفجار وأعمالهم «لفِي سجِينٍ». وروى ٱبن أبي نجَيج عن مجاهد قال: سجِيِّن صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها. ونحوه عن ٱبن عباس وقتادة وسعيد بن جُبير ومقاتل وكعب؛ قال كعب: تحتها أرواح الكفار تحت خدّ إبليس. وعن كعب أيضاً قال: سجين صخرة سوداء تحت الأرض السابعة، مكتوب فيها ٱسم كل شيطان، تلقى أنفس الكفار عندها. وقال سعيد بن جبير: سجين تحت خد إبليس. يحيى بن سلام: حجر أسود تحت الأرض، يكتب فيه أرواح الكفار. وقال عطاء الخُراساني: هي الأرض السابعة السفلى، وفيها إبليس وذرّيته. وعن ٱبن عباس قال: إن الكافر يحضُره الموت، وتحضره رسل الله، فلا يستطيعون لبغض الله له وبغضهم إياه، أن يؤخروه ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه، ورفعوه إلى ملائكة العذاب، فأروه ما شاء الله أن يُرُوه من الشر، ثم هبطوا به إلى الأرض السابعة، وهي سجِيِّن، وهي آخر سلطان إبليس، فأثبتوا فيها كتابه. وعن كعب الأحبار في هذه الآية قال: إن رُوح الفاجر إذا قبضت يُصْعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يُهْبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلَها، فتدخل في سبع أرضين، حتى يُنْتَهِى بها إلى سجِيِّن، وهو خد إبليس، فيخرج لها من سجين من تحت خدّ إبليس رَقّ، فيرقم فيوضع تحت خد إبليس. وقال الحسن: سجِيِّن في الأرض السابعة. وقيل: هو ضرب مثل وإشارة إلى أن الله تعالى يرد أعمالهم التي ظنوا أنها تنفعهم. قال مجاهد: المعنى عملهم تحت الأرض السابعة لا يصعد منها شيء. وقال: سجين صخرة في الأرض السابعة. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : سجين جُب في جهنم وهو مفتوح » حديث : وقال في الفلق: «إنه جُبّ مغطى» »تفسير : . وقال أنس: هي دَرَكة في الأرض السفلى. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( حديث : سجين أسفلَ الأرض السابعة »تفسير : . وقال عِكرمة: «سجِين: خسار وضلال؛ كقولهم لمن سقط قدره: قد زلق بالحضيض. وقال أبو عبيدة والأخفش والزجاج: «لفِي سجِينٍ» لفي حبس وضيق شديد، فِعيِّل من السَّجْن؛ كما يقول: فِسِّيق وشِرِّيب؛ قال ٱبن مقبل: شعر : ورُفقةٍ يضرِبون البَيْضَ ضاحِية ضَرْباً تواصتْ به الأبطالُ سجِيّناً تفسير : والمعنى: كتابهم في حبس؛ جعل ذلك دليلاً على خساسة منزلتهم، أو لأنه يَحُل من الإعراض عنه والإبعاد له مَحَلّ الزجر والهوان. وقيل: أصله سِجِّيل، فأبدلت اللام نوناً. وقد تقدّم ذلك. وقال زيد بن أسلم: سجِيِّن في الأرض السافلة، وسجِيل في السماء الدنيا. القُشيريّ: سجيِّن: موضع في السافلين، يدفن فيه كتاب هؤلاء، فلا يظهر بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون. وهذا دليل على خبث أعمالهم، وتحقير الله إياها؛ ولهذا قال في كتاب الأبرار: «يشهده المقربون». {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} أي ليس ذلك مما كنت تعلمه يا محمد أنت ولا قومك. ثم فسره له فقال: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} أي مكتوب كالرقْم في الثوب، لا يُنْسَى ولا يُمْحى. وقال قتادة: مرقوم أي مكتوب، رقم لهم بشر: لا يُزاد فيهم أحدَ ولا يَنْقُص منهم أحد. وقال الضحاك: مرقوم: مختوم، بلغة حمير؛ وأصل الرقم: الكتابة؛ قال: شعر : سأُرقم في الماءِ القَراحِ إِليكُمُ على بعدِكُم إِن كان للمِاءِ راقِمُ تفسير : وليس في قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} ما يدل على أن لفظ سجين ليس عربياً، كما لا يدل في قوله: { أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ } تفسير : [القارعة: 1-3] بل هو تعظيم لأمر سجين. وقد مضى في مقدّمة الكتاب ـ والحمد لله ـ أنه ليس في القرآن غير عربيّ. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي شدةٌ وعذاب يوم القيامة للمكذبين. ثم بيَّن تعالى أمرهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي بيوم الحساب والجزاء والفصل بين العباد. {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} أي فاجر جائز عن الحق، معتد على الخلق في معاملته إياهم، وعلى نفسه، وهو أثيم في ترك أمر الله. وقيل هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ونظرائهما؛ لقوله تعالى: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} وقراءة العامة «تُتْلَى» بتاءين، وقراءة أبي حَيْوة وأبي سِماك وأشهب العُقَيلي والسُّلَمي: «إذا يُتْلَى» بالياء. وأساطير الأولين: أحاديثهم وأباطيلهم التي كتبوها وزخرفوها. واحدها أُسْطورة وإِسطارة، وقد تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: حقاً {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ} أي: إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين، فعيل، من السجن، وهو الضيق، كما يقال: فسيق وشريب وخمير وسكير، ونحو ذلك، ولهذا عظم أمره فقال تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}؟ أي: هو أمر عظيم، وسجن مقيم، وعذاب أليم، ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب في حديثه الطويل: يقول الله عز وجل في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجين. وسجين هي تحت الأرض السابعة، وقيل: صخرة تحت الأرض السابعة خضراء، وقيل: بئر في جهنم، وقد روى ابن جرير في ذلك حديثاً غريباً منكراً لا يصح، فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي عن شعيب بن صفوان عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الفلق جب في جهنم، مغطى، وأما سجين، فمفتوح» تفسير : والصحيح أن سجيناً مأخوذ من السجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم، وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [التين: 5 ــــ 6] وقال ههنا: { كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ } وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: {أية : وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} تفسير : [الفرقان: 13]. وقوله تعالى: { كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ} ليس تفسيراً لقوله: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}؟ وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد، ولا ينقص منه أحد، قاله محمد بن كعب القرظي. ثم قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين، وقد تقدم الكلام على قوله: ويل، بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار؛ كما يقال: ويل لفلان، وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس، ويل له، ويل له» تفسير : ثم قال تعالى مفسراً للمكذبين الفجار الكفرة: { ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره، قال الله تعالى: { وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} أي: معتد في أفعاله؛ من تعاطي الحرام، والمجاوزة في تناول المباح، والأثيم في أقواله؛ إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر. وقوله تعالى: { إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: إذا سمع كلام الله تعالى من الرسول، يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [النحل: 24] وقال تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5] قال الله تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم؛ من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين، وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن العبد إذا أذنب ذنباً، كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها، صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}» تفسير : وقال الترمذي: حسن صحيح، ولفظ النسائي: «حديث : إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر، وتاب، صقل قلبه، فإن عاد، زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.»تفسير : وقال أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن المؤمن إذا أذنب، كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}»تفسير : . وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت، وكذا قال مجاهد بن جبير وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقوله تعالى: { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} أي: لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين، ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم، قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ، وهذا الذي قاله الإمام الشافعي رحمه الله في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية. كما دل عليه منطوق قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 22] وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار، في عرصات القيامة، وفي روضات الجنات الفاخرة. وقد قال ابن جرير: حدثنا أبو معمر المنْقَريّ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله تعالى: { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية، أو كلاماً هذا معناه، وقوله تعالى: { ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران { ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَلاَّ } حقاً {إِنَّ كِتَٰبَ ٱلْفُجَّارِ } أي كتاب أعمال الكفار {لَفِى سِجِّينٍ } قيل هو كتاب جامع لأعمال الشياطين والكفرة، وقيل هو مكان أسفل الأرض السابعة وهو محل إبليس وجنوده.
الماوردي
تفسير : {كلاّ إنّ كتابَ الفُجّارِ لفي سِجِّينٍ} أما " كلا " ففيه وجهان: أحدهما: حقاً. الثاني: أن كلا للزجر والتنبيه. وأما " سجّين " ففيه ثمانية أقاويل: أحدها: في سفال، قاله الحسن. الثاني: في خسار، قاله عكرمة. الثالث: تحت الأرض السابعة، رواه البراء بن عازب مرفوعاً. قال ابن أسلم: سجّين: الأرض السافلة، وسجّيل: سماء الدنيا. قال مجاهد: سجّين صخرة في الأرض السابعة، فيجعل كتاب الفجار تحتها. الرابع: هو جب في جهنم، روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : الفلق جُبٌّ في جهنم مغطّى، وسجّين جب في جهنم مفتوح. تفسير : الخامس: أنه تحت خد إبليس، قاله كعب الأحبار. السادس: أنه حجر أسود تحت الأرض تكتب فيه أرواح الكفار، حكاه يحيى بن سلام. السابع: أنه الشديد قاله أبو عبيدة وأنشد: شعر : ضرباً تَواصَتْ به الأبطالُ سِجِّينا تفسير : الثامن: أنه السجن، وهو فِعّيل من سجنته، وفيه مبالغة، قاله الأخفش عليّ بن عيسى، ولا يمتنع أن يكون هو الأصل واختلاف التأويلات في محله. ويحتمل تاسعاً: لأنه يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان {كِتابٌ مَرْقومٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مكتوب، قاله أبو مالك. الثاني: أنه مختوم، وهو قول الضحاك. الثالث: رُقِم له بَشَرٌ لا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد، قاله محمد بن كعب وقتادة. ويحتمل قولاً رابعاً، إن المرقوم المعلوم. {كلاّ بل رانَ على قُلوبِهم ما كانوا يَكْسبونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن " ران": طبع على قلوبهم، قاله الكلبي. الثاني: غلب على قلوبهم، قاله ابن زيد، ومنه قول الشاعر: شعر : وكم ران من ذنْب على قلب فاجر فتاب من الذنب الذي ران وانجلى تفسير : الثالث: ورود الذنب على الذنب حتى يعمى القلب، قاله الحسن. الرابع: أنه كالصدإ يغشى القلب كالغيم الرقيق، وهذا قول الزجاج.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية وما بعدها يظهر أنها من نمط المكي، وهذا أحد الأقوال التي ذكرناها قبل، و {كلاّ} يجوز أن يكون ردّاً لأقوال قريش، ويحتمل أن يكون استفتاحاً بمنزلة " ألا "، وهذا قول أبي حاتم واختياره، و {الفجار} الكفار، وكتابهم يراد فيه الذي فيه تحصيل أمرهم وأفعالهم، ويحتمل عندي أن يكون المعنى وعدادهم وكتاب كونهم هو في سجين، أي هنالك كتبوا في الأزل، وقرأ أبو عمرو والأعرج وعيسى: {الفجار} بالإمالة و {أية : الأبرار}تفسير : [المطففين: 18] بالفتح قاله أبو حاتم، واختلف الناس في: {سجّين} ما هو؟ فقال الجمهور: هو فعيل من السجن كسكير وشريب أي في موضع ساجن، فجاء بناء مبالغة، قال مجاهد: وذلك في صخرة تحت الأرض السابعة، وقال كعب حاكياً عن التوراة وأبيّ بن كعب: هو في شجرة سوداء هنالك، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: في بر: هنالك وقيل تحت خد إبليس، وقال عطاء الخرساني: هي الأرض السفلى، وقاله البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال عكرمة: {سجين} ، عبارة عن الخسران والهوان، كما نقول: بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول، وقال قوم من اللغويين: {سجين} نونه بدل من لام هو بدل من " السجيل" وقوله تعالى: {وما أدراك ما سجين} تعظيم لأمر هذا السجين وتعجب منه، ويحتمل أن يكون تقرير استفهام، أي هذا مما لم يكن يعرفه قبل الوحي. وقوله تعالى: {كتاب مرقوم} من قال بالقول الأول في {سجين} فـ {كتاب} مرتفع عنده على خبر {إن}، والظرف الذي هو: {لفي سجين} ملغى، ومن قال في {سجين} بالقول الثاني فـ {كتاب} مرتفع على خبر ابتداء مضمر، والتقدير هو كتاب مرقوم، ويكون هذا الكلام مفسر في السجين ما هو؟ و {مرقوم} معناه: مكتوب، رقم لهم بشر، ثم أثبته تعالى {للمكذبين} بيوم الحساب والدين بالويل، وقوله: {يومئذ}، إشارة إلى ما يتضمنه المعنى في قوله {كتاب مرقوم} وذلك أنه يتضمن أنه يرتفع ليوم عرض وجزاء، وبهذا يتم الوعيد ويتجه معناه و "المعتدي": الذي يتجاوز حدود الأشياء، و "الأثيم": بناء مبالغة في آثم، وقرأ الجمهور: "تتلى"، بالتاء، وقرأ أبو حيوة: "يتلى"، بالياء من تحت، و "الأساطير": جمع أسطورة وهي الحكايات التي سطرت قديماً، قيل هو جمع: أسطار، وأسطار: جمع سطر، ويروى أن هذه الآية نزلت بمكة في النضر بن الحارث بن كلدة وهو الذي كان يقول: {أساطير الأولين}، وكان هو قد كتب بالحيرة أحاديث رستم واسبنذباذ، وكان يحدث بها أهل مكة، ويقول أنا أحسن حديثاً من محمد، فإنما يحدثكم بـ {أساطير الاولين}، وقوله تعالى: {كلا} زجر ورد لقولهم: {أساطير الأولين} ، ثم أوجب أن ما كسبوا من الكفر والطغيان، والعتو، قد {ران على قلوبهم}، أي غطى عليها وغلب فهم مع ذلك لا يبصرون رشداً ولا يخلص إلى قلوبهم خير، ويقال: رانت الخمر على عقل شاربها وران الغش على قلب المريض، وكذلك الموت، ومنه قول الشاعر:[الخفيف] شعر : ثم لما رآه رانت به الخمر وإن لا يرينه باتقاء تفسير : والبيت لأبي زيد، وقال الحسن وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب، ويروى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الرجل إذا أذنب صارت نقطة سوداء على قلبه ثم كذلك حتى يتغطى" تفسير : فذلك الرين الذي قال الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: {بل ران} بإدغام في الراء، وقرأ نافع: {بل ران} غير مدغمة، وقرأ عاصم: {بل} ويقف ثم يبتدئ {ران}، وقرأ حمزة والكسائي: بالإدغام وبالإمالة في {ران}، وقرأ نافع أيضاً: بالإدغام والإمالة، قال أبو حاتم: القراءة بالفتح والإدغام، وعلق اللوم بهم فيما كسبوه وإن كان ذلك بخلق منه واختراع لأن الثواب والعقاب متعلق بكسب العبد، و {كلا} في قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم} يصلح فيها الوجهان اللذان تقدم ذكرهما، والضمير في قوله: {إنهم عن ربهم} هو للكفار، قال بالرؤية وهو قول أهل السنة، قال إن هؤلاء لا يرون ربهم فهم محجوبون عنه، واحتج بهذه الآية مالك بن أنس عن مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصص، وقال الشافعي: لما حجب قوم بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضى، ومن قال بأن لا رؤية وهو قول المعتزلة، قال في هذه الآية: إنهم محجوبون عن رحمة ربهم وغفرانه، وصلي الجحيم مباشرة حر النار دون حائل، وقوله تعالى: {ثم يقال هذا الذي}، على معنى التوبيخ لهم والتقريع، وقوله تعالى: {هذا الذي كنتم به تكذبون}، مفعول لم يسم فاعله لأنه قول بني له الفعل الذي يقال، وقوله: {هذا} إشارة إلى تعذيبهم وكونهم في الجحيم.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَلآ} حقاً أو موضوع للزجر والتنبيه {سِجِّينٌ} سفال أو خسار أو تحت الأرض السابعة أو الأرض السابعة وسجين السماء: الدنيا قاله ابن أسلم أو صخرة في الأرض السابعة يجعل كتابهم تحتها أو جُب في جهنم مفتوح والفلق جب فيها مغطى مأثور أو تحت إبليس أو حجر أسود تحت الأرض يكتب فيه أرواح الكفار أو الشديد أو السِّجين فعيل من سجنته وفيه مبالغة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ...} يعني: الكفارَ وكتابُهم يراد به الذي فيه تَحصيلُ أمرهم، وأفعالِهم، ويحتمل عندي أن يكونَ المعنَى وعِدَادُهُمْ وكِتَابُ كونِهم هو في سجينٍ؛ أي: هنالِكَ كُتِبُوا في الأزلِ، واختُلِفَ في {سِجِّينٍ} ما هو؟ والجمهورُ أن سجيناً بناءُ مبالغة من السَّجْن، قال مجاهد: وذلك في صخرة تحت الأرض السابعة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ}. "كَلاَّ" حرف ردع، أي: ليس الأمر على ما هم عليه فَليَرتَدِعُوا، وها هنا تم الكلام. وقال الحسنُ: "كَلاَّ": ابتداء يتصل بما بعده على معنى "حقًّا" إنَّ كتابَ الفجَّار الذي كتب فيه أعمالهم لفي سجين. اختلفوا في نون "سِجِّين". فقيل: هي أصليَّة، واشتقاقه من السَّجن، وهو الحبسُ، وهو بناء مبالغة "فعيلاً" من السجن، كـ "سِكِّير" و "فسِّيق" من السكر والفسق وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج. قال الواحدي: وهذا ضعيف؛ لأن العرب ما كانت تعرف سجيناً. وقيل: "النون" بدل من "اللام"، والأصل: "سجيل" مشتقاً من السِّجل، وهو الكتاب. واختلفوا فيه أيضاً: هل هو اسم موضع، أو اسم كتاب مخصوص؟. وقيل: هو صفة، أو علمٌ منقول من وصفٍ كـ "خاتم"، وهو مصروف إذ ليس فيه إلا سبب واحدٌ، وهو العلمية. وإذا كان اسم مكان، فقوله تعالى: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} إمَّا بدل منه، أو خبر لمبتدأ محذوف، وهو ضمير يعود عليه. وعلى التقديرين فهو مشكل؛ لأن الكتاب ليس هو المكان. فقيل: التقدير، هو محل كتاب، ثم حذف المضاف. وقيل: التقدير: وما أدراك ما كتاب سجين، والحذف إما من الأول وإمّا من الثاني. وأما إذا قلنا: إنه اسم لكتاب فلا إشكال. وقال ابن عطية: من قال: إن سجيناً موضع، فكتاب مرفوع على أنه خبر "إنَّ"، والظرف الذي هو "لفي سجين" ملغى، ومن جعله عبارة عن الخسار، فـ "كتاب" خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسراً لسجين ما هو انتهى. وهذا لا يصح - ألبتة - إذ دخول اللام يعيّن كونه خبراً، فلا يكون ملغياً لا يقال: "اللام" تدخل على معمول الخبر، فهذا منه، فيكون ملغىً؛ لأنَّه لو فرض الخبر، وهو "كتاب" عاملاً أو صفته عاملة، وهو "مَرقُوم" لامتنع ذلك، أمّا منع عمل "كتاب"، فلأنه موصوف، والمصدر الموصوف لا يعمل، وأمَّا امتناع عمل "مرقوم"؛ فلأنه صفة، ومعمول الصفة لا يتقدم على موصوفها، وأيضاً: فاللام إنما تدخل على معمول الخبر بشرطه، وهذا ليس معمولاً للخبر، فتعيَّن أن يكون الجار هو الخبر، وليس بملغى. وأمَّا قوله ثانياً: ويكون هذا الكلام تفسيراً لـ "سجين" ما هو, فهو مشكل، لأن الكتاب ليس هو الخسار الذي جعل الضمير عائداً عليه مخبراً عنه بـ "كتاب". وقال الزمخشري: فإن قلت: قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجَّار بأنه في سجِّين، وفسَّر سجيناً بـ "كتاب مرقوم"، فكأنه قيل: إنَّ كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه؟. قلت: سجين: كتاب جامع هو: ديوان الشر دون الله فيه أعمال الشياطين، وأعمال الكفرة والفسقة من الجنِّ والإنسِ، وهو كتاب مرقومٌ مسطورٌ بين الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى: أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي "سجِّيْناً" "فعيلاً" من السجن؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم انتهى. فصل في تفسير معنى سجين قال عبدُ اللهِ بن عُمرَ وقتادةُ ومجاهدٌ والضحاكُ: "سِجِّين" هي الأرض السابعة السفلى، فيها أرواح الكفَّار. وروى البراء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : "سِجِّين" أسفلُ سبْعِ أرضين، و "عِلِّيُّون" في السماءِ السَّابعة تحت العرشِ . تفسير : وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة. وقال عكرمةُ: "لفي سجِّين" لفي خسارةٍ وضلالٍ. قال القشيريُّ: "سجين": موضع في السافلين، يدفن فيه كتاب هؤلاء، فلا يظهر، بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون. قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}، أي: ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت، ولا قومك. قال القرطبي: وليس في قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} ما يدل على أن لفظ "سجين" ليس عربياً، كما لا يدل قوله: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} تفسير : [القارعة: 3]، بل هو تعظيم لأمْرِ سجين. قوله تعالى: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} قال المفسرون: ليس هذا تفسيراً لـ "سجين"، بل هو بيان للكتاب المذكور في قوله: "إنَّ كِتابَ الفُجَّار" أي: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم، كالرقم لا ينسى ولا يمحى حتى يجازى به، والرقم: الخط؛ قال: [الطويل] شعر : 5128- سَأرْقمُ فِي المَاءِ القَراحِ إليْكمُ عَلَى بُعدكُمْ، إنْ كَانَ في الماءِ رَاقمُ تفسير : وقيل: الرَّقْمُ: الختم بلغة حمير. [وتقدمت هذه المادة في سورة "الكهف"]. وقال قتادةُ ومقاتل: رقم: نشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنَّه كافر.
ابو السعود
تفسير : {كَلاَّ} ردعٌ عما كانُوا عليهِ من التطفيفِ والغفلةِ عن البعثِ والحسابِ وقوله تعالى: {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ} الخ. تعليل للردع أو وجوب الارتداعِ بطريقِ التحقيقِ وسجينٌ علمٌ لكتابٍ جامعٍ هو ديوانُ الشرِّ دْوّنَ فيه أعمالُ الشياطينِ وأعمالُ الكفرةِ والفسقةِ من الثقلينِ، منقولٌ من وصفٍ كحاتمٍ، وأصلُه فِعِّيلٌ من السجنِ وهو الحبسُ والتضيـيقُ لأنَّه سببُ الحبسِ والتضيـيقِ في جهنَمَ أو لأنَّه مطروحٌ كما قيلَ تحتَ الأرضِ السابعةِ في مكانٍ مُظلمٍ موحشٍ وهو مسكنُ إبليسَ وذريتِه فالمَعْنى أنَّ كتابَ الفجَّارِ الذينَ من جُمْلتِهم المطففونَ أي ما يكتبُ من أعمالِهم أو كتابةَ أعمالِهم لفي ذلكَ الكتابِ المُدونِ فيه قبائحُ أعمالِ المذكورينَ. وقولُه تعالَى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ} تهويلٌ لأمرِه أي هُو بحيثُ لا يبلغه درايةُ أحدٍ. وقولُه تعالى: {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ} أي مسطورٌ بـينُ الكتابةِ أو معلَّمٌ يعلُم مَنْ رآهُ أنه لا خيرَ فيه وقيلَ: هو اسمُ المكانِ والتقديرُ ما كتابُ السجينِ أو محلُّ كتابٍ مرقومٍ. وقولُه تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ} متصلٌ بقولِه تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وما بـينهما اعتراضٌ وقولُه تعالى: {ٱلَّذِينَ يُكَذّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدّينِ} إما مجرورٌ على أنه صفةٌ ذامةٌ للمكذبـينَ أو بدلٌ منه أو مرفوعٌ أو منصوبٌ على الذمِّ. {وَمَا يُكَذّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ} أي متجاوزِ عن حدودِ النَّظرِ والاعتبارِ غالٍ في التقليدِ حتَّى استقصرَ قُدرةَ الله تعالى وعلمَهُ عنِ الإعادةِ مع مشاهدتِه للبدءِ {أَثِيمٍ} أي منهمكٍ في الشهواتِ المخدجةِ الفانيةِ بحيثُ شغلتْهُ عمَّا وراءَها منَ اللذاتِ التامةِ الباقيةِ وحملتْه على إنكارِها. {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا} الناطقةُ بذلكَ {قَالَ} من فرطِ جهلهِ وإعراضِه عن الحقِّ الذي لا محيدَ عنْهُ {أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي هي حكاياتُ الأولينَ قال الكلبـيُّ المرادُ بالمُعتدي الأثيمِ هو الوليدُ بنُ المغيرةِ، وقيلَ: النَّضرُ بنُ الحارثِ، وقيلَ عامٌّ لكلِّ منَ اتصفَ بالأوصافِ المذكورةِ، وقُرِىءَ إذَا يُتلى بتذكيرِ الفعلِ، وقُرِىءَ أَإِذَا تُتلى على الاستفهامِ الإنكاريِّ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}. {سِجِّينٍ} قيل: هي الأرض السابعة، وهي الأرض السفلى، يُوضَع كتابُ أعمالِ الكفار هنالك إِذلالاً لهم وإهانة، ثم تُحْمَلُ أرواحُهم إلى ما هنالك. ويقال: "السِّجين" جُبٌّ في جهنم. وقيل: صخرةٌ في الأرض السفلى، وفي اللغة السِّجين: فعيلٌ من السجن. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}. استفهامٌ على جهة التهويل. {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}. أي مكتوب؛ كَتَبَ اللَّهُ فيه ما هم عاملون، وما هم إليه صائرون. وإنما المكتوبُ على بني آدم في الخير والشر، والشقاوة والسعادة فهو على ما تعلَّق به علمه وإرادته، وإنما أخبر على الوجه الذي علم أن يكون أو لا يكون، وكما علم أنه يكون أو لا يكون أراد أن يكون أو لا يكون. ثم إنه سبحانه لم يُطْلِعْ أحداً على أسرار خَلْقِه إلاَّ مَنْ شاءَ من المقربين بالقَدْرِ الذي أراده؛ فإنه يُجرِي عليهم في دائم أوقاتهم ما سَبَقَ لهم به التقدير. ثم قال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}. ويلٌ للذين لا يُصَدِّقون بيوم الدين، وما يُكذِّبُ به إلا كل مُجَاوِزٍ للحَدِّ الذي وُضِعَ له؛ إذا يُتْلَى عليه القرآن كَفَرَ به.
اسماعيل حقي
تفسير : {كلا} ردع عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب فيحسن الوقف عليه وان كان بمعنى حقا فلا لكونه حينئذ متصلا بما بعده {ان كتاب الفجار لفى سجين} تعليل للردع والكتاب مصدر بمعنى المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس او على حاله بمعنى الكتابة واللام للتأكيد وسجين علم لكتاب جامع هو ديوان الشر دون اعمال الشياطين واعمال الكفرة والفسقة من الثقلين منقول من وصف كحاتم وهو منصرف لانه ليس فيه الا سبب واحد وهو التعريف واصله فعيل من السجن مبالغة الساجن او لانه مطروح كما قيل تحت الارض السابعة فى مكان مظلم وحش وهو مسكن ابليس وذريته اذلالا لهم وتحقيرا لشأنهم وتشهده الشياطين المدحورون كما ان كتاب الابرار يشهده المقربون فالسجين مبالغة المسجون والمعنى ان كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون اى ما يكتب من اعمالهم او كتابة اعمالهم لفى ذلك الكتاب المدون فيه قبائح اعمال المذكورين وفى التأويلات النجمية اى كتاب استعدادهم الفطرى مكتوب فى ديوان سجين طبيعتهم المجبولة على الفسق والفجور بقلم اليد اليسرى على ورق صفحة جبينهم كما قال عليه السلام حديث : السعيد من سعد فى بطن امه والشقى من شقى فى بطن امه
الطوسي
تفسير : روى حفص عن عاصم والمسيبي إلا هبة (بل ران) باظهار اللام. الباقون بالادغام. وأمال اهل الكوفة إلا الأعشى والبرجمي {ران}. قيل فى اصل قوله {كلا} قولان: احدهما - إنها كلمة واحدة من غير تركيب وضعت للردع والزجر، وجرى ذلك مجرى الاصوات من نحو (صه، ومه) وما اشبههما. والثاني - أن يكون الكاف للتشبيه دخلت على (لا) وشددت للمبالغة فى الزجر مع الايذان بتركيب اللفظ. ومعنى الآية ارتدعوا أيها الكفار والعصاة وانزجروا عن المعاصي معاشر الكفار، ليس الامر على ما تظنون بل {إن كتاب الفجار} يعني كتابهم الذي نبتت أعمالهم من المعاصي والفجور {لفي سجين} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني في الارض السابعة السفلى، وهو قول الضحاك. وقال مجاهد: تحت صخرة فى الارض السابعة السفلى، وروي فى الخبر أن {سجين} جب فى جهنم. وقال ابو عبيدة: سجين شديد، وأنشد: شعر : ضرباً تواصى به الأبطال سجينا تفسير : يعني شديداً، فكأنه كشدة السجن، ويكون معناه شديد عذابه. وقيل: السجين هو السجن على التخليد فيه، فهو (فعيل) من سجنته أسجنه سجناً، وفيه مبالغة، كما يقال: شرّيب من الشرب، وسكير من السكر، وشرير من الشر. وقيل: الوجه في جعل كتاب الفجار في سجبن أن تخليده فيه يقوم مقام التقريع وإن عقابهم لا يفنى ولا يبيد كما لا يفنى كتاب سيئاتهم ولا يبيد، ثم قال على وجه التعظيم والتفخيم و {ما أدراك ما سجين} أي تفصيله لا تعلمه وإن علمته مجملا. ثم قال مفسراً لذلك {كتاب مرقوم} فالرقم طبع الخط بما فيه علامة لأمر يقال: رقمه يرقمه رقماً فهو راقم والشيء مرقوم ومنه رقمت الثوب بعلامة لئلا يختلط. والمعنى إن هذا الكتاب الذي هو في السجن كتاب قد كتب فيه جميع أفعاله من المعاصي والكفر. ثم قال {ويل يومئذ للمكذبين} فهو تهديد لمن كذب بيوم الجزاء ولم يصدق بصحة الخبر بكونه، ثم فسر من عنى من المكذبين، فقال {الذين يكذبون بيوم الدين} يعني يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، لان من كذب بالباطل وجحده لا يتوجه اليه الوعيد بل هو ممدوح فلو أطلق كان فيه إبهام. ثم قال {وما يكذب به} أي ليس يكذب بيوم الجزاء {إلا كل معتد أثيم} فالمعتدي المتجاوز الحق إلى الباطل، يقال: اعتدى اعتداء، فهو معتد. والعادي الخارج عن الحق، عدا يعدو عدواناً وأصله مجاوزة الحد ومن ذلك العداوة وهي مجاوزة الحد فى الابغاض، والعدو مجاوزة الحد فى اسراع المشي، والاثيم مكتسب القبيح أثم يأثم إثماً فهو آثم واثيم وأثمه تأثيماً إذا نسبه إلى الاثم، وتأثم من فعل كذا كقولك تحرج منه للاثم به وقال قتادة: اثيم في مريته، ثم وصف المعتدي الأثيم، فقال {إذا تتلى عليه آياتنا} أي اذا قرئت عليه حجج الله من القرآن وما فيه من الادلة {قال أساطير الأولين} فواحد الاساطير أسطورة مثل أحدوثه وأحاديث. وقيل: معناه أباطيل الأولين. وقيل: معناه هذا ما سطره الأولون أي كتبوه، ولا أصل له. ثم قال تعالى {كلا بل ران على قلوبهم} معناه ليس الامر على ما قالوه بل غلب على قلوبهم يقال منه: رانت الخمر على عقله ترين ريناً إذا سكر فغلبت على عقله، فالرين غلبة السكر على القلب. قال ابو زبيد الطائي: شعر : ثم لما رأوه رانت به الخمر وإن لا يرينه بالقاء يرينه تفسير : أي مخافة يسكر، فهي لا تبقيه وقال الراجز: شعر : لم تروحني نكرت ورين بي ورين بالسافي الذي أمسى معي تفسير : وقال الحسن: وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب. وقال ابن زيد: غلبت الذنوب على القلوب، فلا يخلص اليها خير العلوم. وقيل: معنى "ران" غطى وعشى. وقوله {ما كانوا يكسبون} (ما) في موضع رفع، لأنها الفاعلة لران وما يكسبون يعني من المعاصي، لان الطاعات وان كسبوها فما رانت على قلوبهم قال البلخي: وفي ذلك دلالة على صحة ما يقوله أهل العدل في تفسير الطبع والختم والاضلال، لانه تعالى اخبر انهم الذين يجعلون الرين على قلوبهم. ثم قال {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} قال الحسن وقتادة: هم محجوبون عن احسانه. وقيل: عن كرامته. وقيل: لممنوعون. وأصل الحجب المنع. ومنه قولهم: الاخوة تحجب الأم عن الثلث الى السدس. ثم بين تعالى ما يفعل بهم فقال {ثم إنهم لصالوا الجحيم} ومعناه لازموا الجحيم بكونهم فيها لا يغيبون عنها يقال: صلى بالنار يصلي صلياً، فهو صال والمصطلي الملازم للنار للتدفي بها. ثم حكى انه يقال لهم على وجه التقريع والتبكيت: هذا الذي فعل بكم من العقاب {هو الذي كنتم به تكذبون} في دار التكليف، وانما سمي مثل هذا الخطاب تقريعاً لأنه خبر بما يقرع بشدة الغم على وجه الذم، فكل خبر على هذا الوصف فهو تقريع وتوبيخ.
فرات الكوفي
تفسير : {كَلاّ إن كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجّينٍ* كتابٌ مَرْقُومٌ* كَلاّ إِنَّ كِتابَ الأببْرارِ لفي عِلّيّينَ* كتابٌ مَرْقُومٌ* يُسْقَوْنَ مِنْ رَحيقٍ مَخْتومٍ* خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذلك فلْيتنافس المتنافسون* عَيْناً يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُون 7-28} قال: حدثني علي بن محمد الزهري معنعناً: عن سعيد بن عثمان الجزار قال: سمعت أبا سعيد المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في قول الله تعالى: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم} [بالشر. ر، ب] ببغض محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون؟ كتابٌ مرقوم} بحب محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال: حدثني محمد بن الحسن بن إبراهيم [قال: حدثنا علوان بن محمد قال: حدثنا محمد بن معروف عن السدي عن الكلبي. ق]: عن جعفر عليه السلام قال: نزلت الآيات: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون} إلى قوله: {[عيناً. ق. يشرب بها المقربون} [وهي خمس آيات. ن]! وهم [ن: وهو] رسول الله [ر: النبي] وفاطمة والحسن والحسين عليهم [الصلاة و. ر] السلام [والتحية والاكرام. أ]. [فرات. ا] قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: حديث : عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لفاطمة بنت الحسين أخبريني جعلت فداك بحديثٍ أحتف [ب: احدث] [به. ا] وأحتج به على الناس. قالت: نعم أخبرني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث إلى علي بن أبي طالب [عليه السلام. ا] أن اصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل [ر: قلت]: أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوء مقعده من النار ومن ادّعى إلى غير مواليه فليتبوء مقعده من النار ومن انتفى من والديه فليتبوء مقعده من النار. قال: فقال رجل: يا أبا الحسن ما لهنّ من تأويل؟ فقال: الله ورسوله أعلم. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ويلٌ لقريش من تأويلهن - ثلاث مرات-. ثم قال: يا علي انطلق فأخبرهم إني أنا الأجير الذي أثبت الله مودّته من السماء، وأنا وأنت مولى المؤمنين وأنا وأنت أبو المؤمنين. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا معشر قريش والمهاجرين [والأنصار. ب]. فلما اجتمعوا قال: [يا. ا] أيها الناس إن علياً أولكم إيماناً بالله وأوفاكم بعهد الله وأقومكم بأمر الله [ا: بالله] وأعلمكم بالقضية وأقسمكم بالسوية وأرحمكم بالرعية وأفضلكم عند الله مزية. ثم قال رسول الله [2: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله مثل لي أمتي في الطين [ب2 خ ل: الأظلة] وعلمني أسماءهم كما علّم آدم الأسماء كلها فمَرّ بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته وسألت ربي أن يستقيم أمتي علىعلي [بن أبي طالب. ر، 2] من بعدي فأبى ربي إلا أن يضلّ من يشاء [ويهدي من يشاء. 2]. ثم ابتدأني [ربي. ا] في علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر، 2] بسبع [خصال. ب ا] أمّا أولاهنّ فانه [أول. ب] من ينشق عنه الأرض معي ولا فخر، وأما الثانية فانه يذود عن حوضي كما يذود الرعاة غريبة الإبل، وأما الثالثة فان من فقراء شيعة علي ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وأما الرابعة فانه أول من يقرع باب الجنة معي ولا فخر، وأما الخامسة فانه [أول] [من. ر] يزوج من الحور العين ولا فخر، وأما السادسة فانه أول من يسكن معي في عليين ولا فخر، وأما السابعة فانه أول من يسقى من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . تفسير : قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن عمر الهمداني معنعناً: حديث : عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأحجار الزيت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضبعي علي فرفعها حتى رئي بياض إبطيهما ولم ير إلا ذلك اليوم ويوم غدير خم. فقال: أيها الناس هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين. [ب: الوصيين] وقائد الغر المحجلين وعيبة علمي ووصيّي في أهل بيتي وفي أمتي، يقضي ديني وينجز وعدي، وعوني على مفاتيح الجنة ومعي في الشفاعة. أيها الناس من أحبّ علياً فقد أحبني [ومن أحبني فقد أحب الله. ب] ومن أبغض علياً فقد ابغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله. أيها الناس إني سألت الله في علي خصلة فمنعنيها وابتدأني بسبع. قال جابر [قلت]: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الخصلة التي سألت الله في علي فمنعكها؟ قال: ويحك يا جابر اني سألت الله ان يجمع [أ: يجتمع] الأمة على علي [من. ب] بعدي فأبى إلا أن يضل من يشاء ويهدي من يشاء. قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فما السبع التي بدأك بهن فيه. قال: ويحك يا جابر أنا أوّل من يخرج يوم القيامة من قبره وعلي معي [وأنا أول من يقرع باب الجنة وعلي معي وأنا أول من يسكن في عليين وعلي معي. ب] وأنا أول من يزوج من الحور العين وعلي معي وأنا أول من يسقى من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون [وعلي معي. أ] . تفسير : قال: حدثنا علي بن محمد بن مخلد الجعفي معنعناً: عن كعب في قول الله تعالى [ا. ب: في كتابه: {يسقون من رحيقٍ مختوم، ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقربون} فهنيئاً لهم ثم قال كعب: والله لا يحبهم إلا من أخذ الله منه الميثاق.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ردع عن التطفيف والغفلة عن البعث للجزاء في اليوم العظيم وتنبيه أن ذلك مما تجب التوبة عنه وقيل متصلة بما بعدها أي حق ما ذكر حقا *{إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ} المشركين والمنافقين أي كتب أعمالهم وقيل ما يكتب من أعمالهم وقيل كتابة أعمالهم وقيل عددهم. *{لَفِي سِجِّينٍ} قال الحسن لفي سفال وعن كعب حجر أسود تحت الأرض السابعة السفلى لا يصعد وهو محل إبليس وجنوده وعليه مجاهد، وعن ابن عمر السجين الأرض السابعة فيها أرواح الكفار وجاء في الحديث عن البراء سجين أسفل سبع أرضين وجاء ابن عباس الى كعب الأحبار فقال أخبرني عن سجين قال إن روح الكافر يصعد بها الى السماء فتأبى السماوات أن تقبلها ثم يهبط بها في الأرض أن تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين ثم ينتهي بها الى سجين وهو موضع جند إبليس فيخرج لها من سجين رق فيرقم ويختم وقيل صخرة تحت الأرض السابعة اخضرت السماء بها، قال وهب هي آخر سلطان إبليس وفي الحديث "حديث : الفلق جب في جهنم مغطى وسجين جب في جهنم مفتوح" تفسير : وقيل سجين الخسار والضلال وقيل الحبس ولا يقال كيف يجعل سجين كتابا كما قال كتاب مرقوم فإنه بمنزلة من كتابهم في كتاب لأنا نقول سجين كتاب جامع لديوان الشر دون الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الثقلين ومن قال اسم موضع قدر الإضافة أي ما كتاب سجين محل كتاب مرقوم وهو علم منقول من الصفة مصروف لأن فيه العلمية وحدها وهو فعيل للمبالغة من السجن كالسكيت من السكوت لقب به الكتاب إن قلنا أنه الكتاب لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم أو لأنه مطروح في مكان موحش مظلم كما علم هو مسكن ابليس وذريته استهانة به وليشهده الشياطين المدحورون كما يشهد الملائكة المقربون ديوان الخير.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ارتدعوا عن التطفيف وإنكار البعث والحساب، {إنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ} أى مكتوب الفجار وهو غير ظاهر لأن أعمالهم ليست فى سجين بل فى صحفهم لكن ورد فى الحديث ما يدل على ظاهره، روى صخرة بن حبيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أن الملائكة يكثرون عمل العبد ويزكونه حتى إذا بلغوا موضعاً أوحى الله عز وجل إليهم أنا الحافظ على ما في قلب عبدي لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين ويستقلون عمل العبد فيوحي الله تعالى إليهم أنا الحافظ على ما في قلب عبدي قد أخلص له عمله فاجعلوه في عليين " تفسير : ، وقيل كتابة الفجار أى كتابة عمل الفجار وهو غير ظاهر لأَنه الكتابة ليست تقع فى سجين بل فى أوراقهم فى الدنيا أو فى السماء ولعل معنى الآية أن شأنهم فى سجين وأنهم مكتوبون من أهل سجين وكذا الكلام فى قوله إن كتاب الأَبرار لفى عليين والفجار المشركون والموحدون الفساق الذين ماتوا غير تائبين كالموحد المطفف {لَفِي سِجِّينٍ} صفة ككسير أو علم لديوان جامع لأعمال الفجرة من الجن والإنس كما يدل له قوله تعالى: {ومَا أدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} أى هو كتاب موقوم فكتاب مرقوم خبر لمحذوف وليس بدلا من سجين إذ لا يقال ما أدراك ما كتاب مرقوم مع أنه لم يتقدم كتاب مرقوم وعادة القرآن أن يذكر شيئا ثم يقال ما الشىء مثل الحاقة ما الحاقة وهو كما مر وصف من السَّجن بفتح السين بالمعنى المصدرى لقب به الكتاب لأَنه سبب السجن ومعناه فاعل أى ساجن أو مفعول ألقى تحت الأَرض كالمسجون ولا يلزم من جعله علما لما ذكر كون الكتاب ظرفاً للكتاب على أن كتاب الفجار بمعنى ما يكتب من أعمالهم أو بمعنى كتابتها على ما مر ولا إشكال على ما ذكرت أيضا من تفسير كتاب الفجار بأَنهم من أهلها فإِن كونهم من أهلها كتاب أى ذو كتاب مرقوم أى هو مما تضمنه الكتاب المرقوم أو هو كتاب مرقوم أى كتاب مكتوب بالتكرير للتأكيد أو كتاب معلم عليه أنه كتاب فلان أو أنه كتاب سوء أو مبين الكتابة موضحها، وقيل مطوى، وقيل هو بلغة حمير بمعنى مختوم وليس مستحيلاً أن يكون كتاب فى كتاب تحقيقاً أو يكتب ما فى أحدهما فى الآخر أو ذلك من ظرفية الكل للجزاء وبعض قدر وما أدراك ما سجين موضع كتاب مرقوم فسجين موضع لا كتاب، وعن البراء بن عازب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : سجين أسفل سبع أرضين وعلِيُّون في السماء السابعة تحت العرش"تفسير : ، وعن ابن عمر سجين هى الأرض السابعة السفلى وفيها أرواح الكفار، ويقال سجين صخرة تحت الأَرض السابعة خضراء خضرة السماء بها تجعل كتب الفجار تحتها قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِن الفلق جب في جهنم مغطى وسجين جب فيها مفتوح فهو شر موضع في جهنم تحت الأرض السابعة"تفسير : وجهنم تحت الأرض السابعة في قول قال كعب الأحبار رضى الله عنه إذا قبضت روح الكافر رفعت إلى السماء فلا تفتح لها فدفعت إلى ملائكة العذاب أروه ما شاء الله أن يروه من الشر ثم يهبطون به إلى الأرض السفلى وهى آخر سلطان إبليس فأَثبتوا كتابه فيها وهو صريح فى أن الأرض السابعة هى سجين وأن الكتاب يوضع فيها ولا يبعد أن يكون سجين علما للكتاب وعلما للموضع أيضاً وفيه جمع بين الآية والحديث أو علما للموضع ويقدر مضاف أى وما أدراك ما كتاب سجين وعليه فكتاب خبر ثان لأَن أو خبر لمحذوف أى هو أى كتاب الفجار كتاب مرقوم، ويجوز أن يكون سجين عبارة عن الخسار، كما تقول فلان تحت الأرض أو مدفون أو فى موضع متسفل بمعنى الخمول وقيل النون بدل من اللام وأصله سجيل فليس من السجن.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {كَلاَّ } ردع عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجّينٍ } الخ تعليل للردع أو وجوب الارتداع بطريق التحقيق. و(كتاب) قيل بمعنى مكتوب أي ما يكتب من أعمال الفجار لفي الخ وقيل مصدر بمعنى الكتابة وفي الكلام مضاف مقدر أي كتابة عمل الفجار لفي الخ والمراد بالفجار هنا على ما قال أبو حيان الكفار وعلى ما قال غير واحد ما يعمهم والفسقة فيدخل فيهم المطففون و(سجين) قيل صفة كسكير واختار غير واحد أنه علم لكتاب جامع وهو ديوان الشر دون فيه أعمال الفجرة من الثقلين كما قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ}.
ابن عاشور
تفسير : {كَلاَّ}. إبطال وردع لما تضمنته جملة: { أية : ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } تفسير : [المطففين: 4] من التعجيب من فعلهم التطفيف، والمعنى: كلا بل هم مبعوثون لذلك اليوم العظيم ولتلقي قضاء رب العالمين فهي جواب عما تقدم. {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَـٰبٌ مَرْقُومٌ}. استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر يوم القيامة. وهو تعريض بالتهديد للمطففين بأن يكون عملهم موجِباً كتْبه في كتاب الفجار. و{الفجار} غلب على المشركين ومن عسى أن يكون متلبساً بالتطفيف بعد سماع النهي عنه من المسلمين الذي ربما كان بعضهم يفعله في الجاهلية. والتعريف في {الفجار} للجنس مراد به الاستغراق، أي جميع المشركين فيعم المطففين وغير المطففين، فوصف الفجار هنا نظير ما في قوله: { أية : أولئك هم الكفرة الفجرة } تفسير : [عبس: 42]. وشمول عموم الفجار لجميع المشركين المطففين منهم وغير المطففين يُعنى به أن المطففين منهم المقصود الأول من هذا العموم، لأن ذكر هذا الوصف والوعيد عليه عقب كلمة الردع عن أعمال المطففين قرينة على أن الوعيد موجّه إليهم. و«الكتابُ» المكتوبُ، أي الصحيفة وهو هنا يحتمل شيئاً تحصى فيه الأعمال، ويحتمل أن يكون كناية عن إحصاء أعمالهم وتوقيفهم عليها، وكذلك يَجري على الوجهين قولُه: {كتاب مرقوم} وتقدمت نظائره غير مرة. و{سجين} حروف مادته من حروف العربية، وصيغته من الصيغ العربية، فهو لفظ عربي، ومن زعم أنه معرّب فقد أغرب. روي عن الأصمعي: أن العرب استعملوا سجين عوضاً عن سِلْتِين، وسلتين كلمة غير عربية. ونون {سجين} أصلية وليست مبدلة عن اللام، وقد اختلف في معناه على أقوال أشهرها وأولاها أنه عَلَم لواد في جهنم، صيغ بزنة فِعِّيل من مادة السجن للمبالغة مثل: الملك الضِّليل، ورجل سِكّير، وطعام حِرّيف (شديد الحرافة وهي لذع اللسان) سمي ذلك المكان سجيناً لأنه أشدّ الحَبْس لمن فيه فلا يفارقه وهذا الاسم من مصطلحات القرآن لا يعرف في كلام العرب من قبل ولكن مادته وصيغته موضوعتان في العربية وضعاً نوعياً. وقد سمع العرب هذا الاسم ولم يطعنوا في عربيته. ومحمل قوله: {لفي سجين} إن كان على ظاهر الظرفية كان المعنى أن كتب أعمال الفجار مودعة في مكان اسمه {سجين} أو وصفه {سجين} وذلك يؤذن بتحقيره، أي تحقير ما احتوى عليه من أعمالهم المكتوبة فيه، وعلى هذا حمله كثير من المتقدمين، وروى الطبري بسنده حديثاً مرفوعاً يؤيد ذلك لكنه حديث منكر لاشتمال سنده على مجاهيل. وإن حُملت الظرفيةُ في قوله: {لفي سجين} على غير ظاهرها، فجَعْل كتاب الفجّار مظروفاً في {سجين} مجاز عن جعل الأعمال المحصاة فيه في سجّين، وذلك كناية رمزية عن كون الفجار في سجّين. وجملة {وما أدراك ما سجين} معترضة بين جملة: {إنّ كتاب الفجار لفي سجين} وجملة {كتاب مرقوم} وهو تهويل لأمر السجّين تهويل تفظيع لحال الواقعين فيه وتقدم { أية : ما أدراك } تفسير : في سورة الانفطار (17). وقوله: {كتاب مرقوم} خبر عن ضمير محذوف يعود إلى {كتاب الفجار} والتقدير هو أي كتاب الفجار كتاب مرقوم، وهذا من حذف المسند إليه الذي اتُّبع في حذفه استعمالُ العرب إذا تحدثوا عن شيء ثم أرادوا الإخبار عنه بخبر جديد. والمرقوم: المكتوب كتابةً بينة تشبه الرقم في الثوب المنسوج. وهذا الوصف يفيد تأكيد ما يفيده لفظ {كتاب} سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازاً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 7- ارتدعوا عن التطفيف والغفلة عن البعث. وإن ما كُتب على الفجَّار من عملهم السيئ لفى سجين. 8- وما أعلمك ما سجين؟. 9- هو كتاب مسطور بيِّن الكتابة. 10- هلاك للمكذبين يومَ إذْ يكون البعث والجزاء. 11- الذين يُكذبون بيوم الجزاء. 12- وما يكذب بيوم الجزاء إلا كل متجاوز الحد مصرٍّ على الذنب. 13- إذا تُتلى عليه آيات الله الناطقة بحصول الجزاء قال: أباطيل السابقين. 14- ارتدع - أيها المعتدى - عن هذا القول الباطل، بل غطى على قلوب المعتدين ما اكتسبوه من الكفر والمعاصى. 15- حقا إن المكذبين لمحجوبون عن رحمة ربهم يومئذٍ بسبب ما اكتسبوه من المعاصى. 16- ثم إنهم لداخلون الجحيم. 17- ثم يقال - تبكيتا لهم -: هذا العذاب النازل بكم الذى كنتم به تكذبون فى الدنيا. 18- حقا إن ما كتب من أعمال المحسنين لفى عليين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كلا: أي حقا وأن الأمر ليس كما يظن المطففون. لفي سجين: سجين علم على كتاب ديوان الشر دوّن فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة وهو أيضا موضع في أسفل الأرض السابعة فيه سجين الذي هو ديوان الكتب وبه أرواح الأشقياء عامة. كتاب مرقوم: أي مسطور بيّن الكتابة فيه أعمالهم. يوم الدين: أي يوم القيامة الذي هو يوم الحساب والجزاء. كل معتد: أي ظالم مضيع حقوق ربه تعالى وحقوق غيره. أثيم: منغمس في الآثام مكثر منها. أساطير الأولين: أي ما سطره الأولون من القصص والأخبار التي لا تصح. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في التحذير من الظلم والفسق عن أوامر الرب تبارك وتعالى وقوله تعالى {كَلاَّ} أي ليس الأمر كما يظن المطففون والباخسون للحقوق أنه لا دقة في الحساب والجزاء أو أن مثل هذا لا يكتب ولا يحاسب عليه ولا يجزى به حقاً {إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ} أي الظلمة الفاجرين عن الشرع وحدوده {لَفِي سِجِّينٍ} موضع في أسفل الخلق به أرواح الكافرين والظالمين وكتب أعمالهم، وقوله {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} أي وما أعلمك يا رسولنا ما سجين تفخيم لشأنه. وقوله {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} بيان لكتاب الفجار أي أنه مكتوب مسطور بين الكتابة، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} أي العذاب الأليم بوادي الويل يوم القيامة للمكذبين بالله وآياته ولقائه المكذبين بيوم الجزاء والحساب وقوله تعالى: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} يريد وما يكذب بيوم الجزاء والحساب إلا كل معتد ظالم متجاوز للحد أثيم مرتكب للذنوب والآثام بفسقه عن أوامر ربّه وخروجه عن طاعة الله بغشيانه المحارم وقوله {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} هذا بيان لذلك المعتدي الأثيم وهو أنه إذا قرئت عليه آيات الله تذكيرا له وتعليما ردها بقوله أساطير الأولين أي هذه حكايات وأخبار الأولين مسطرة مكتوبة وأنكر كتاب الله وكذب به. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان كتاب الفجار وأنه في سجين وسجين ديوان تدون فيه سائر كتب الفجار من أهل النار وموضع أسفل الأرض السابعة مستودع لكتب أعمال الفجار من كفار وفساق ولأرواحهم إلى يوم القيامة ولفظ سجين مشتق من السجين الذي هو الحبس. 2- الوعيد الشديد للمكذبين بالله وبآياته ولقائه. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَابَ} (7) - كُفُّوا أَيُّهَا المُطَفِّفُونَ، وَازْدَجِرُوا عَن التَّطْفِيفِ، فَإِنَّ الفُجَّارَ المُطَفِّفِينَ سَيُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَسَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ سَحِيقِ السُّفُولِ (فِي سِجِّينٍ). (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّ كِتَابَ أَعْمَالِهِمْ سَيَكُونُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ دَلاَلَةً عَلَى التَّحْقِيرِ وَالإِذْلاَلِ). كِتَابَ الفُجَّارِ - مَصِيرَ الفُجَّارِ - أَوْ كِتَابَ أَعْمَالِهِمْ. سِجِّينٍ - فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ بَعِيدِ السُّفُولِ، وَسِجِّينٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّجْنِ وَالضِّيقِ وَالسُّفُولِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} معناه لَفي حَبسٍ. ويقال: إِنَّ سِجِّيناً تَحتَ سُورِ إبليس في الأَرضِ السَّابعةِ السّفلى. ويقال: في خَسَارٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ } [وهذا شامل لكل فاجر] من أنواع الكفرة والمنافقين، والفاسقين { لَفِي سِجِّينٍ } ثم فسر ذلك بقوله: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ } أي: كتاب مذكور فيه أعمالهم الخبيثة، والسجين: المحل الضيق الضنك، و { سجين } ضد { عليين } الذي هو محل كتاب الأبرار، كما سيأتي. وقد قيل: إن { سجين } هو أسفل الأرض السابعة، مأوى الفجار ومستقرهم في معادهم. { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } ثم بين المكذبين بأنهم { الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ } أي: يوم الجزاء، يوم يدين الله فيه الناس بأعمالهم. { وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ } على محارم الله، متعد من الحلال إلى الحرام. { أَثِيمٍ } أي كثير الإثم، فهذا الذي يحمله عدوانه على التكذيب، ويحمله [عدوانه على التكذيب ويوجب له] كبره رد الحق، ولهذا { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا } الدالة على الحق، و[على] صدق ما جاءت به رسله، كذبها وعاندها، و { قَالَ } هذه { أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أي: من ترهات المتقدمين، وأخبار الأمم الغابرين، ليس من عند الله تكبرا وعنادا. وأما من أنصف، وكان مقصوده الحق المبين، فإنه لا يكذب بيوم الدين، لأن الله قد أقام عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، ما يجعله حق اليقين، وصار لقلوبهم مثل الشمس للأبصار، بخلاف من ران على قلبه كسبه، وغطته معاصيه، فإنه محجوب عن الحق، ولهذا جوزي على ذلك، بأن حجب عن الله، كما حجب قلبه في الدنيا عن آيات الله، { ثُمَّ إِنَّهُمْ } مع هذه العقوبة البليغة { لَصَالُوا الْجَحِيمِ } ثم يقال لهم توبيخا وتقريعًا: هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } فذكر لهم ثلاثة أنواع من العذاب: عذاب الجحيم، وعذاب التوبيخ، واللوم. وعذاب الحجاب من رب العالمين، المتضمن لسخطه وغضبه عليهم، وهو أعظم عليهم من عذاب النار، ودل مفهوم الآية، على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات، ويبتهجون بخطابه، ويفرحون بقربه، كما ذكر الله ذلك في عدة آيات من القرآن، وتواتر فيه النقل عن رسول الله. وفي هذه الآيات، التحذير من الذنوب، فإنها ترين على القلب وتغطيه شيئا فشيئا، حتى ينطمس نوره، وتموت بصيرته، فتنقلب عليه الحقائق، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلا وهذا من بعض عقوبات الذنوب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):