٨٣ - ٱلْمُطَفِّفِين
83 - Al-Mutaffifeen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بالحق أو بذلك. {ٱلَّذِينَ يُكَذّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدّينِ } صفة مخصصة أو موضحة أو ذامة. {وَمَا يُكَذّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ } متجاوز عن النظر غال في التقليد حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه فاستحال منه الإِعادة. {أَثِيمٍ } منهمك في الشهوات المخدجة بحيث أشغلته عما وراءها وحملته على الإتقان لما عداه. {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } من فرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه شواهد النقل كما لم تنفعه دالائل العقل. {كَلاَّ } ردع عن هذا القول. {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } رد لما قالوه وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول، بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيها حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمي عليهم معرفة الحق والباطل،. فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : إن العبد كلما أذنب ذنباً حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه» تفسير : والرين الصدأ، وقرأ حفص {بَلْ رَانَ } بإظهار اللام. {كَلاَّ } ردع عن الكسب الرائن. {إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلاً لإِهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول على الملوك، أو قدر مضافاً مثل رحمة ربهم، أو قرب ربهم. {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ } ليدخلون النار ويصلون بها. {ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } تقوله لهم الزبانية. {كَلاَّ } تكرير ليعقب بوعد الأبرار كما عقب الأول بوعيد الفجار إشعاراً بأن التطفيف فجور والإيفاء بر، أو ردع عن التكذيب. {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ }. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } الكلام فيه ما مر في نظيره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذِّبِينَ }.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}. قيل: إنَّه متصل بقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} لمن كذَّب بأخبار الله تعالى. وقيل: إنَّ قوله: "مرقوم" معناه: مرقم أي: يدل على الشَّقاوة يوم القيامة، ثم قال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} في ذلك اليوم من ذلك الكتاب. ثم إنه - تعالى - أخبر عن صفة من يكذِّب بيوم الدين، فقال تعالى: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، فقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ} يجوز فيه الإتباع نعتاً وبدلاً وبياناً، والقطع رفعاً ونصباً. واعلم أنه - تعالى - وصف المكذب بيوم الدين بثلاث صفاتٍ: أولها: كونه معتدياً، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحقِّ. وثانيها: الأثيم وهو المبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي. وثالثها: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} والمراد: الذين ينكرون النبوة، والمراد بالأساطير: قيل: أكاذيب الأولين. وقيل: أخبار الأولين. قوله: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ}. العامة على الخبر. والحسن: "أئِذَا؟" على الاستفهام الإنكاري. والعامَّة: "تتلى" بتاءين من فوق. وأبو حيوة وابن مقسم: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي. فصل في المراد بالمكذب في الآية قال الكلبيُّ: المراد بالمكذِّب هنا: هو الوليدُ بن المغيرةِ - لعنه الله - لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} تفسير : [القلم: 10] إلى قوله: {أية : مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} تفسير : [القلم: 12] وقوله: {أية : إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [القلم: 15]. فقيل: هو الوليد بن المغيرة. وقيل: هو النَّضر بنُ الحارث. وقيل: عام في كل موصوف بهذه الصفة. قوله: {كَلاَّ}. ردعٌ وزجرٌ، أي: ليس هو أساطير الأولين. وقال الحسن: معناها "حقًّا" ران على قلوبهم. وقال مقاتلٌ: معناه: لا يؤمنون، ثم استأنف: {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} قد تقدم وقف حفص على لام "بل" في سورة "الكهف". والرَّان: الغشاوة على القلب كالصَّدأ على الشيء الصقيل من سيف، ومرآة، ونحوهما. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 5129- وكَمْ رَانَ من ذَنْبٍ على قَلْبِ فَاجِرٍ فَتَابَ منَ الذَّنْبِ الذي رَانَ وانْجَلَى تفسير : وأصل الرَّيْنِ: الغلبة، ومنه رانت الخمر على عقل شاربها. وقال الزمخشري: "يقال ران عليه الذنب، وغان عليه، رَيْناً، وغَيْناً، والغَيْنُ: الغَيْمُ". والغين أيضاً: شجر متلف، الواحدة غَيْنَاء، أي: خضراء كثيرة الورق ملتفة الأغصان. ويقال: رَانَ رَيْناً ورَيَناً، فجاء مصدره مفتوح العين وساكنها. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر والفضل: "رَانَ" بالإمالة؛ لأن فاء الفعل راء، وعينه ألف منقلبة عن ياء، فحسنت الإمالة، ومن فتح فعلى الأصل مثل: كَالَ وبَاعَ. فصل في المراد بالرَّين والإقفال والطبع قال أبُو معاذ النحويُّ: الرَّيْنُ، والإقفال: [أن يسود القلب من الذنوب وهو] أشدّ من الطبع، وهو أن يقفلُ على القلب، قال تعالى: {أية : أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد: 24]. قال الزجاجُ: "رَانَ على فُلوبِهمْ" بمعنى غَطَّى على قُلوبِهم. وقال الحسن ومجاهد: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب، ويغشى، فيموت القلب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إيَّاكُمْ والمُحقراتِ مِنَ الذنُوبِ، فإنَّ الذنْبَ على الذَّنْبِ يُوقِدُ على صَاحبهِ [جحيماً] ضخمة ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ المُؤْمِنَ إذَا أذْنَبَ كَانتْ نُكْتةٌ سَودَاء في قَلْبهِ، فإنْ تَابَ ونَزعَ واسْتَغفرَ صُقِلَ قَلْبهُ مِنْهَا، فإذَا زَادَ زَادتْ حتَّى تَعلُو قَلْبهُ، فَذلِكُمُ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللهُ - تعَالَى - في كِتَابِهِ: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} . تفسير : قوله: {مَّا كَانُواْ} هو الفاعل، و "ما": يحتمل أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى: "الذي" والعائد محذوف، وأميلت ألف "رَانَ"، وفخمت، فأمالها الأخوان وأبو بكرٍ وفخَّمها الباقُون، وأدغمت لام "بل" في الراء، وأظهرتْ. قوله تعالى" {كَلاَّ إِنَّهُمْ}. قال الزمخشريُّ: "كلاَّ" ردع عن الكسب الرَّائن على قلوبهم. وقال القفالُ: إنَّ الله - تعالى - حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم، أنه كان يقول: إن كانت الآخرة حقًّا، فإن الله - تعالى - يعطيه مالاً وولداً، ثم كذَّبه الله - تعالى - بقوله: {أية : أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} تفسير : [مريم: 78]. وقال أيضاً: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} تفسير : [الكهف: 36] {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50]، فلمَّا تكرَّر ذكره في القرآن، ترك الله ذكره - هاهنا - وقال تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} أي: ليس الأمر كما يقولون من أن لهم في الآخرة الحسنى، بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. وقال ابن عباس أيضاً: "كلاَّ" يريد لا يصدقون, ثم أستأنف, فقال: {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} وقيل: قوله تعالى: "كلاَّ" تكرير، وتكون "كلاَّ" هذه المذكورة في قوله: "كلا، بل ران على قلوبهم". قوله: {عَن رَّبِّهِمْ}. متعلق بالخبر، وكذلك "يومئذ"، والتنوين عوض عن جملة، تقديرها: "يوم إذْ يقوم الناس"؛ لأنه لم يناسب إلا تقديرها. فصل في حجب الكفار عن رؤية ربهم قال أكثر المفسرين: محجوبون عن رؤيته، وهذا يدل على أن المؤمنين يرون ربهم - سبحانه وتعالى - ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة. وأيضاً فإنه - تعالى - ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد، والتهديد للكفار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفَّار لا يجوز حصوله للمؤمنين، وأجاب المعتزلة عن هذا بوجوه: أحدها: قال الجبائي: المراد أنهم محجوبون عن رحمة ربهم أي: ممنوعون كما تحجب الأم بالإخوة من الثُّلث إلى السُّدس، ومن ذلك يقال لمن منع من الدخول: حاجب. وثانيها: قال أبو مسلم: "لمحجوبون" غير مقربِّين، والحجاب: الرَّدُ، وهو ضد القبول، فالمعنى: أنهم غير مقبولين عند الرؤية، فإنه يقال: حُجِبَ عن الأمير، وإن كان قد رآه عن بعدٍ، بل يجب أن يحمل على المنع من رحمته. وثالثها: قال الزمخشريُّ: كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم؛ لأنه لا يرد على الملوك إلا المكرَّمين لديهم، ولا يُحجب عنهم إلا المبانون عنهم. والجواب: أن الحجب في استعمالاته مشترك في المنع، فيكون حقيقة فيه، ومنع العبد بالنسبة إلى الله تعالى، إمَّا عن العلم، وإمَّا عن الرؤية، والأول: باطل؛ لأن الكفَّار يعلمون الله تعالى، فوجب حمله على الرؤية. وأمَّا الوجوه المذكورة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل، ويؤيد ما قلنا: أقوال السَّلف من المفسرين: قال مقاتلٌ: بل لا يرون ربَّهم بعد الحساب، والمؤمنون يرون ربهم. وقال الكلبيُّ: محجوبون عن رؤية ربهم والمؤمن لا يحجبُ، وسُئلَ مالكُ بنُ أنسٍ - رضي الله عنه - عن هذه الآية، فقال: كما حجب الله تعالى أعداءه فلم يروهُ، ولا بد أن يتجلَّى لأوليائه حتى يروه. وعن الشَّافعيُّ - رحمه الله - كما حجب قومٌ بالسُّخطِ دلَّ على أنهم يرونهُ بالرضا. قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو ٱلْجَحِيمِ}. أي: إنّ الكفَّار مع كونهم محجوبين من الله يدخلون النار. {ثُمَّ يُقَالُ} أي: تقول لهم الخزنةُ: "هذا" أي: هذا العذاب {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}، وقوله: يقال يجوز أن يكون القائم مقام الفاعل ما دلَّت عليه جملة قوله: "هَذا الَّذي كُنتُمْ"، ويجوز أن تكون الجملة نفسها، ويجوز أن تكون المصدرية. [وقد تقدم تحريره في أول "البقرة"].
اسماعيل حقي
تفسير : {ويل} عظيم {يومئذ} اى يوم يقوم الناس لرب العالمين فهو متصل به وما بينهما اعتراض وقال بعضهم اى يوم اذا أعطى ذلك الكتاب {للمكذبين} وقال الكاشفى ويل كلمه ايست جامع همه بديها يعنى عذاب وعقاب وشدت ومحنت دران روزمر مكذبان راست.
اطفيش
تفسير : {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذّبِينَ} بيوم الجزاء كما وضحه وذمهم بقوله {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}.
اطفيش
تفسير : {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ} يوم إِذ يقوم الناس لرب العالمين {لّلْمُكَذِّبِينَ} باليوم الذى يقوم الناس فيه لرب العالمين.
الالوسي
تفسير : متصل بقوله تعالى {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [المطففين: 6] وما بينهما اعتراض والمراد للمكذبين بذلك اليوم فقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُكَذّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدّينِ}.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {ويل يومئذٍ للمكذبين} يجوز أن تكون مبينة لمضموم جملة: { أية : ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } تفسير : [المطففين: 4، 5] فإن قوله: {يومئذ} يفيد تنوينُه جملةً محذوفة جعل التنوين عوضاً عنها تقديرها: يومَ إذ يقوم الناس لرب العالمين ويل فيه للمكذبين. ويجوز أن تكون ابتدائيّة وبَيْن المكذبين بيوم الدين والمطففين عموم وخصوص وجهي فمن المكذبين من هم مطففون ومن المطففين مسلمون وأهل كتاب لا يكذبون بيوم الدين، فتكون هذه الجملة إدماجاً لتهديد المشركين المكذبين بيوم الدين وإن لم يكونوا من المطففين. وقد ذُكر المكذبون مجملاً في قوله: {للمكذبين} ثم أعيد مفصلاً ببيان متعلق التكذيب، وهو {بيوم الدين} لزيادة تقرير تكذيبهم أذهان السامعين منهم ومن غيرهم من المسلمين وأهل الكتاب، فالصفة هنا للتهديد وتحذير المطففين المسلمين من أن يستخفوا بالتطفيف فيكونوا بمنزلة المكذبين بالجزاء عليه. ومعنى التكذيب بــــ «يوم الدين» التكذيب بوقوعه. فالتكذيب بيوم الجزاء هو منشأ الإقدام على السيئات والجرائم، ولذلك أعقبه بقوله: {وما يكذب به إلا كل معتدٍ أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي أن تكذيبهم به جهل بحكمة الله تعالى في خلق الناس وتكليفهم إذ الحكمة من خلق الناس تقتضي تحسين أعمالهم وحفظ نظامهم. فلذلك جاءتهم الشرائع آمرة بالصلاح وناهية عن الفساد. ورتب لهم الجزاء على أعمالهم الصالحة بالثواب والكرامة، وعلى أعمالهم السيئة بالعذاب والإهانة. كل على حسب عمله: فلو أهمل الخالق تقويم مخلوقاته وأهمل جزاء الصالحين والمفسدين، لم يكن ذلك من حكمة الخلق قال تعالى: { أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى اللَّه الملك الحق } تفسير : [المؤمنون: 115، 116]. وقد ذكر للمكذبين بيوم الدين ثلاثة أوصاف وهي: معتد، أثيم، يقول إن الآيات أساطير الأولين. والاعتداء: الظلم، والمعتدي: المشرك والكافر بما جاءه من الشرائع لأنهم اعتدوا على الله بالإشراك، وعلى رسله بالتكذيب، واعتدوا على دلائل الحق فلم ينظروا فيها أو لم يعملوا بها. والأثيم: مبالغة في الآثِم، أي كثير الإثم. وصيغة القصر من النفي والاستثناء تفيد قصر صفة التكذيب بيوم الدين على المعتدين الآثمين الزاعمين القرآن أساطير الأولين. فهو قصر صفة على موصوف وهو قصر حقيقي لأن يوم الدين لا يكذب به إلا غير المتدينين المشركون والوثنيون وأضرابهم ممن جمع الأوصاف الثلاثة، وأعظمها التكذيب بالقرآن فإن أهل الكتاب والصابئة لا يكذبون بيوم الدين، وكثير من أهل الشرك لا يكذبون بيوم الدين مثل أصحاب ديانة القبط. فالذين يكذبون بيوم الدين هم مشركو العرب ومن شابههم مثل الدّهريين فإنهم تحققت فيهم الصفتان الأولى والثانية وهي الاعتداء والإثم وهو ظاهر، وأما زعم القرآن أساطيرَ الأولين فهو مقالة المشركين من العرب وهم المقصود ابتداء وأما غيرهم ممن لم يؤثر عنهم هذا القول فهم متهيئون لأن يقولوه، أو يقولوا ما يساويه أو يَؤُول إليه، لأن من لم يعرض عليهم القرآنُ منهم لو عرض عليه القرآن لكذَّب به تكذيباً يساوي اعتقاد أنه من وضع البشر، فهؤلاء وإن لم يقولوا القرآن أساطير الأولين فظنهم في القرآن يساوي ظن المشركين فنزلوا منزلة من يقوله. ولك أن تجعل القصر ادعائياً ولا تلتفت إلى تنزيل من لم يقل ذلك في القرآن. ومعنى الادعاء أن من لم يُؤثَر عنهم القول في القرآن بأنه أساطير الأولين قد جعل تكذيبهم بيوم الدين كَلا تكذيبٍ مبالغة في إبطال تكذيب المشركين بيوم الدين. وجملة: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} صفة لمعتد أو حال منه. والآيات هنا القرآن وأجزاؤه لأنّها التي تُتْلَى وتُقرأ. والأساطير: جمع أسطورة وهي القصة، والأكثر أن يراد القصة المخترعة التي لم تقع وكان المشركون يُنَظِّرون قِصص القرآن بقصة رُستم، وإسفنديار، عند الفرس، ولعل الكلمة معربة عن الرومية، وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: { أية : يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين } تفسير : في سورة الأنعام (25). والمراد بالأولين الأمم السابقة لأن الأول يطلق على السابق على وجه التشبيه بأنه أول بالنسبة إلى ثان بعده وإن كان هو قد سبقتْه أجيال، وقد كان المشركون يصفون القرآن بذلك لِمَا سمعوا فيه من القصص التي سيقت إليهم مساق الموعظة والاعتبار، فحسبوها من قصص الأسمار. واقتصروا على ذلك دون ما في أكثر القرآن من الحقائق العالية والحكمة، بهتاناً منهم. وممن كانوا يقولون ذلك النضر بن الحارث وكان قد كتب قصة رستم وقصة إسفنديار وجدها في الحِيرَة فكان يحدث بها في مكة ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد فإنما يحدثكم بأساطير الأولين. وليس المراد في الآية خصوصه لأن كلمة {كل معتد} ظاهر في عدم التخصيص.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (10) - الوَيْلُ وَالخِزْيُ وَشِدَّةُ العَذَابِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَنْ كَانَ يُكَذِّبُ بِيوْمِ الجَزَاءِ، وَلِمَنْ كَانَ لاَ يُبَالِي بِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ حِسَابٍ وَعِقَابٍ.
الجيلاني
تفسير : وبالجملة: {وَيْلٌ} عظيم {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم أُعطي ذلك الكتاب {لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المطففين: 10] له في النشأة الأولى، وبواسطة تكذيبهم وإنكارهم به يرتكبون من الجرائم والمعاصي ما لا يُعدّ ولا يُحصى. يعني: وهم {ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} [المطففين: 11] والجزاء بجميع الأمور والأخروية من السؤال والحساب، وإعطاء الكتب وسائر المعتقدات. {وَ} بالجملة: {مَا يُكَذِّبُ بِهِ} سيما بعد نزول الآيات القاطعة، والبراهين الساطعة من قِبَل الحق بالحق على أهل الحق {إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ} متجاوز عن الحد في الإفراط والغلو، منكر لكمال قدرة الله وإحاطة علمه، حتى أنكر القدرة على الإعادة، مع أن الإبداء الإبداعي مقدور قدرته الغالية أيضاً {أَثِيمٍ} [المطففين: 12] مبالغ في الجهل والغفلة بارتكاب الشهوات، المعمية لقلوب بصائره عن إدراك آيات القدرة الغالبة الإلهية، الفانية للحصر والإحصاء. مع أن كل واحدة من تلك الآثار دليل مستقل على الإعادة عند المتأمل المتصف إلاَّ أن المنكر مكابر عن مقتضى عقله، وما أجرأه وأغراه على الإنكار والإصرار إلاَّ شياطين الأوهام والخيالات المورثة له من إلف الطبيعة، ورسوخ العادات المبنية على التقليدات الراسخة، المقتررة في قلوب أصحاب الغفلة والضلال. لذلك {إِذَا تُتْلَىٰ} وتُقرأ {عَلَيْهِ آيَاتُنَا} الدالة على كمال قدرتنا واختيارنا، واستقلالنا في عموم المرادات والتصرفات الواقعة في ملكنا وملكوتنا {قَالَ} من فرط جهله، ونهاية غفلته وإعراضه عن الحق وأهله: ما هي إلاَّ {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [المطففين: 13] أي: أكاذيبهم المسطورة في دواوينهم. ثمَّ قال سبحانه: {كَلاَّ} ردعاً له عن هذا الافتراء والمراء على سبيل الإنكار والاستهزاء؛ يعني: ما هذه الآيات البينات من المفتريات، كما زعمها أولئك الغاة الطغاة الهالكين في تيه البغي والطغيان، والغي والعدوان {بَلْ رَانَ} يعني: حدث في نفوسهم رين الغفلة، وصداً الجهل والضلال، وازداد وغلب حتى علا وأحاط {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} فكسفها وكدرها إلى حيث أظلها وأسودها، ولم يبق فيها لمعة من بياض نور الإيمان، وما ذلك إلاَّ بسبب {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطفيين: 14] من المعاصي، والشهوات المذهبة لجودة الفطرة الأصلية، والفطنة الجبلية التي فطروا عليها في أصل الخلقة. ثمَّ قال سبحانه: {كَلاَّ} ردعاً لهم على اقتراف الرين المصدئ لقلوبهم، كيف يكسبونه، مع أنهم جبلوا على فطرة الإيمان والتوحيد {إِنَّهُمْ} أي: أولئك المفسدون المسرفون {عَن رَّبِّهِمْ} الذي ربَّاهم لمصلحة المعرفة والإيمان {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم اقتراف المعاصي الرائنة {لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] عن الله، وظهور نوره اللامع في صفائح الأنفس والآفاق، مع أنه لا سترة له سبحانه، ولا حجاب في حال من الأحوال، إلاَّ أن خفافيش بقعة الإمكان لا يرون شمس ذاته اللامعة بواسطة غيوم هوياتهم الباطلة، وتعيناتهم العاطلة. {ثُمَّ إِنَّهُمْ} بعدما حجبوا عن الله، وحرموا عن مطالعة وجهه الكريم {لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} [المطففين: 16] أي: داخلوها وخالدون فيها أبداً. {ثُمَّ يُقَالُ} لهم تعييراً وتشديداً لعذابه من قِبَل الحق حينئذٍ: {هَـٰذَا} العذاب هو العذاب {ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المطففين: 17] مصرون على تكذيبه وإنكاره، بل مستهزئون به متهكمون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):