٨٣ - ٱلْمُطَفِّفِين
83 - Al-Mutaffifeen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}: «كَلاّ»: ردْع وزجْر، أي ليس هو أساطيرَ الأَوّلينَ. وقال الحسن: معناها حقاً «رَانَ على قُلُوبهمْ». وقيل: في الترمذيّ: عن أبي هُريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتَتْ في قلبه نُكْتة سوداء، فإذا هو نزع وٱستغفر الله وتاب، صُقِل قلبه، فإن عاد زيد فيها، حتى تعلُوَ على قلبه، وهو (الرَّانُ) الذي ذكر الله في كتابه «كَلاّ بلْ رَان على قُلُوبهمْ ما كانوا يَكْسِبون» » تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب حتى يسودّ القلب. قال مجاهد: هو الرجل يُذْنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم يدنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه، حتى تُغَشِّي الذنوب قلبه. قال مجاهد: هي مثل الآية التي في سورة البقرة: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً}... الآية. ونحوه عن الفراء؛ قال: يقول كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرَّيْنُ عليها. ورُوي عن مجاهد أيضاً قال: القلب مثل الكهف ورفع كفه، فإذا أذنب العبد الذنب ٱنقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب الذنب ٱنقبض، وضم أخرى، حتى ضم أصابعه كلها، حتى يُطْبَع على قلبه. قال: وكانوا يرون أن ذلك هو الرَّيْن، ثم قرأ {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. ومثله عن حذيفة رضي الله عنه سواء. وقال بكر بن عبد الله: إن العبد إذا أذنب صار في قلبه كوخزة الإبرة، ثم صار إذا أذنب ثانياً صار كذلك، ثم إذا كثرت الذنوب صار القلب كالمُنْخُل، أو كالغِربال، لا يعي خيراً، ولا يثبُت فيه صلاح. وقد بيَّنا في «البقرة» القولَ في هذا المعنى بالأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا معنى لإِعادتها. وقد روى عبد الغني بن سعيد عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ٱبن عباس، وعن موسى عن مقاتل عن الضحاك عن ٱبن عباس شيئاً الله أعلم بصحته؛ قال: هو الرَّان الذي يكون على الفخذين والساق والقدم، وهو الذي يُلْبس في الحرب. قال: وقال آخرون: الران: الخاطر الذي يخطر بقلب الرجل. وهذا مما لا يُضْمن عُهْدة صحتِه. فالله أعلم. فأما عامة أهل التفسير فعلى ما قد مضى ذكره قبل هذا. وكذلك أهلُ اللغة عليه؛ يقال: رَانَ على قلبه ذنبُه يَرِينُ رَيْنا ورُيونا أي غلب. قال أبو عُبيدة في قوله: «كَلاَّ بلْ رَانَ علَى قُلُوبِهمْ ما كانوا يكسِبُونَ» أي غلب؛ وقال أبو عُبيد: كل ما غلبك وعَلاَكَ فقد ران بك، ورانك، وران عليك؛ وقال الشاعر: شعر : وكَمْ رانَ مِن ذنبٍ على قلِب فاجِرٍ فتابَ مِن الذنبِ الذي رَانَ وٱنجلَى تفسير : ورانتْ الخمر على عقله: أي غلبته، وران عليه النُّعاسُ: إذا غطّاه؛ ومنه قول عمر في الأُسَيفع ـ أُسَيْفعِ جُهَيْنة ـ: فأصبح قد رِينَ به. أي غلبته الديون، وكان يَدَّانُ؛ ومنه قول أبي زُبَيد يصف رجلاً شرب حتى غلبه الشراب سُكْراً، فقال: شعر : ثم لما رآه رانتْ بِهِ الخمـ ـرُ وأَنْ لا تَرِينَه بِاتقاءِ تفسير : فقوله: رانت به الخمر، أي غلبت على عقله وقلبه. وقال الأمويّ: قد أران القوم فهم مُرِينون: إذا هلكت مواشيهم وهُزِلت. وهذا من الأمر الذي أتاهم مما يغلبهم، فلا يستطيعون ٱحتماله. قال أبو زَيد يقال: قد رِينَ بالرجل رَيْنا: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قبل له وقال: أبو مُعاذ النحويّ: الرَّين: أن يسودّ القلب من الذنوب، والطَّبَع أن يُطْبَع على القلب، وهذا أشد من الرَّين، والإقفال أشد من الطَّبَع. الزَّجّاج: الرَّيْن: هو كالصدأ يُغَشِّي القلب كالغيم الرقيق، ومثله الغين، يقال: غِين على قلبه: غُطِّي. والغَين: شجر ملتف، الواحدة غيناء، أي خضراء، كثيره الورق، ملتفة الأغصان. وقد تقدم قول الفراء أنه إحاطة الذنب بالقلوب. وذكر الثعلبيّ عن ٱبن عباس: «ران على قلوبِهم»: أي غطَّى عليها. وهذا هو الصحيح عنه إن شاء الله. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر والمفضل «ران» بالإمالة؛ لأن فاء الفعل الراء، وعينه الألف منقلبة من ياء، فحسنت الإمالة لذلك. ومن فتح فعلى الأصل؛ لأن باب فاء الفعل في (فَعَلَ) الفتح، مثل كال وباع ونحوه. وٱختاره أبو عُبيد وأبو حاتم ووقف حفص «بَلْ» ثم يبتديء «رَانَ» وقفاً يُبَيِّن اللام، لا للسكت. قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ} أي حقاً «إنهم» يعني الكفار {عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة {لَّمَحْجُوبُونَ}. وقيل: «كلاَّ» ردع وزجر، أي ليس كما يقولون، بل {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}. قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يُرىَ في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون. وقال جل ثناؤه: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 22-23] فأعلم الله جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه، وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي: لما حجب قوماً بالسخط، دل على أن قوماً يرونه بالرضا. ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا. وقال الحسين بن الفضل: لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وقال مجاهد في قوله تعالى {لَّمَحْجُوبُونَ}: أي عن كرامته ورحمته ممنوعون. وقال قتادة: هو أن الله لا ينظر إليهم برحمته، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وعلى الأول الجمهور، وأنهم محجوبون عن رؤيته فلا يرونه. {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو ٱلْجَحِيمِ} أي ملازموها، ومحترفون فيها غير خارجين منها، { أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } تفسير : [النساء: 56] و { أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً } تفسير : [الإسراء: 97]. ويقال: الجحيم الباب الرابع من النار. {ثُمَّ يُقَالُ} لهم أي تقول لهم خزنة جهنم {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} رسل الله في الدنيا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَلاَّ } ردع وزجر لقولهم ذلك {بَلْ رَانَ } غلب {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } فغشيها {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من المعاصي فهو كالصدأ.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَانَ} طبع أو غلب أو ورود الذنب على الذنب حتى يعمى القلب "ح" أو الصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وعبد بن حميد والحاكم والترمذي وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في القرآن {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن بعض الصحابة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من قتل مؤمناً أسودَّ سدس قلبه، وإن قتل اثنين أسود ثلث قلبه، وإن قتل ثلاثة رين على قلبه فلم يبال ما قتل، فذلك قوله: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ". تفسير : وأخرج الفريابي والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال: القلب هكذا مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه ثم يذنب الذنب فينقبض منه حتى يختم عليه فيسمع الخير، فلا يجد له مساغاً يجمع فإذا اجتمع طبع عليه، فإذا سمع خيراً دخل في أذنيه حتى يأتي القلب فلا يجد فيه مدخلاً فذلك قوله: {بل ران على قلوبهم} الآية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يرون أن القلب مثل الكف، وذكر مثله. وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: {كلا بل ران على قلوبهم} قال: إذا عمل الرجل الذنب نكت في قلبه نكتة سوداء ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود عليه، فإذا ارتاح العبد، قال: ييسر له عمل صالح فيذهب من السواد بعضه ثم ييسر له عمل صالح أيضاً فيذهب من السواد بعضه، ثم ييسر له أيضاً عمل صالح فيذهب من السواد بعضه، ثم كذلك حتى يذهب السوء كله. وأخرج نعيم بن حماد في الفتن والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "حديث : لن تتفكروا بخير ما استغنى أهل بدوكم عن أهل حضركم وليسوقنهم السنون والسنات حتى يكونوا معكم في الديار، ولا تمتنعوا منهم لكثرة من يسير عليكم منهم قال: يقولون طالما جعنا وشبعتم، وطالما شقينا ونعمتم فواسونا اليوم ولتستصعبن بكم الأرض حتى يغيظ أهل حضركم أهل بدوكم، ولتميلن بكم الأرض ميلة يهلك منا من هلك ويبقى من بقي حتى تعتق الرقاب، ثم تهدأ بكم الأرض بعد ذلك حتى يندم المعتقون، ثم تميل بكم الأرض ميلة أخرى فيهلك فيها من هلك ويبقى من بقي يقولون: ربنا نعتق ربنا نعتق، فيكذبهم الله كذبتم كذبتم، أنا أعتق قال: وليبتلين أخريات هذه الأمة بالرجف، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا عاد الله عليهم الرجف والقذف والخذف والمسخ والخسف والصواعق، فإذا قيل: هلك الناس هلك الناس هلك الناس فقد هلكوا، ولن يعذب الله أمة حتى تعذر قالوا: وما عذرها؟ قال: يعترفون بالذنوب ولا يتوبون ولتطمئن القلوب بما فيها من برها وفجورها كما تطمئن الشجرة بما فيها حتى لا يستطيع محسن يزداد إحساناً ولا يستطيع مسيء استعتاباً. قال الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} قال: أعمال السوء ذنب على ذنب حتى مات قلبه واسود. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} قال: أثبتت على قلبه الخطايا حتى غيرته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ران} قال: طبع. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الران الطابع. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في الآية كانوا يرون أن الرين هو الطبع. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه كانوا يرون أن القلب مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه، ثم يذنب الذنب فينقبض، حتى يختم عليه ويسمع الخير فلا يجد له مساغاً. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه قال: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإِقفال، والإِقفال أشد ذلك كله. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {كلا بل ران على قلوبهم} قال: يعمل الذنب فيحيط بالقلب، فكلما عمل ارتفعت حتى يغشى القلب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {كلا بل ران على قلوبهم} قال: الذنب على الذنب، ثم الذنب على الذنب حتى يغمر القلب فيموت. وأخرج عبد بن حميد من طريق خليد بن الحكم عن أبي الخير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع خصال تفسد القلب: مجاراة الأحمق فإن جاريته كنت مثله، وإن سكت عنه سلمت منه، وكثرة الذنوب مفسدة القلوب، وقد قال: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} والخلوة بالنساء، والاستمتاع منهن، والعمل برأيهن، ومجالسة الموتى قيل وما الموتى قال: كل غني قد أبطره غناه ". تفسير : أخرج عبد بن حميد عن أبي مليكة الزيادي رضي الله عنه في قوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} قال: المنان والمختال والذي يقطع يمينه بالكذب ليأكل أموال الناس والله أعلم. أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} قال: عليون فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى {كتاب مرقوم} قال: رقم لهم بخير {يشهده المقربون} قال: المقربون من ملائكة الله. وأخرج عبد بن حميد عن كعب رضي الله عنه قال: هي قائمة العرش اليمنى. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: عليون السماء السابعة. وأخرج عبد بن حميد من طريق الأجلح عن الضحاك رضي الله عنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن يعرج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: فقلت: وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة حتى ينتهي به إلى سدرة المنتهى. فقال الأجلح: فقلت للضحاك: ولم تسمى سدرة المنتهى؟ قال: لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر الله لا يعدوها فيقولون: رب عبدك فلان وهو أعلم به منهم، فيبعث الله إليهم بصك مختوم يأمنه من العذاب، وذلك قوله: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {لفي عليين} قال: الجنة، وفي قوله: {يشهده المقربون} قال: كل أهل سماء. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {يشهده المقربون} قال: هم مقربو أهل كل سماء إذا مر بهم عمل المؤمن شيعه مقربو كل أهل سماء حتى ينتهي العمل إلى السماء السابعة، فيشهدون حتى يثبت في السماء السابعة. وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما، كتاب مرقوم في عليين ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد من طريق خالد بن عرعرة وأبي عجيل أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله تعالى: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} الآية، قال: إن المؤمن يحضره الموت ويحضره رسل ربه فلا هم يستطيعون أن يؤخروه ساعة ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه، فدفعوه إلى ملائكة الرحمة، فأروه ما شاء الله أن يروه من الخير، ثم عرجوا بروحه إلى السماء فيشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة، فيضعونه بين أيديهم، ولا ينتظرون به صلاتكم عليه، فيقولون: اللهم هذا عبدك فلان قبضنا نفسه، فيدعون له بما شاء الله أن يدعوا، فنحن نحب أن يشهدنا اليوم كتابه، فينثر كتابه من تحت العرش فيثبتون اسمه فيه، وهم شهوده، فذلك قوله: {كتاب مرقوم يشهده المقربون} وسأله عن قوله: {إن كتاب الفجار لفي سجين} الآية، قال: إن العبد الكافر يحضره الموت ويحضره رسل الله، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه فدفعوه إلى ملائكة العذاب، فأروه ما شاء الله أن يروه من الشر ثم هبطوا به إلى الأرض السفلى وهي سجين، وهي آخر سلطان إبليس، فأثبتوا كتابه فيها، وسأله عن {سدرة المنتهى} فقال: هي سدرة نابتة في السماء السابعة، ثم علت على الخلائق إلى ما دونها و {أية : عندها جنة المأوى}تفسير : [النجم: 15] قال: جنة الشهداء. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء بن يسار قال: لقيت رجلاً من حمير كأنه علامة يقرأ الكتب فقلت له: الأرض التي نحن عليها ما سكانها؟ قال: هي على صخرة خضراء تلك الصخرة على كف ملك، ذلك الملك قائم على ظهر حوت منطو بالسموات والأرض من تحت العرش. قلت: الأرض الثانية من سكانها؟ قال: سكانها الريح العقيم، لما أراد الله أن يهلك عاداً أوحى إلى خزنتها أن افتحوا عليهم منها باباً. قالوا: يا ربنا مثل منخر الثور؟ قال: إذن تكفأ الأرض ومن عليها. فضيق ذلك حتى جعل مثل حلقة الخاتم، فبلغت ما حدث الله. قلت: الأرض الثالثة من ساكنها؟ قال: فيها حجارة جهنم. قلت: الأرض الرابعة من ساكنها؟ قال: فيها كبريت جهنم. قلت: الأرض الخامسة من ساكنها؟ قال: فيها عقارب جهنم. قلت: الأرض السادسة من ساكنها؟ قال: فيها حيات جهنم. قلت: الأرض السابعة من ساكنها؟ قال: تلك سجين فيها إبليس موثق يد أمامه ويد خلفه، ورجل خلفه ورجل أمامه. كان يؤذي الملائكة، فاستعدت عليه فسجن هناك، وله زمان يرسل فيه، فإذا أرسل لم تكن فتنة الناس بأعي عليهم من شيء. وأخرج ابن المبارك عن ضمرة بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الملائكة يرفعون أعمال العبد من عباد الله يستكثرونه ويزكونه حتى يبلغوا به حيث يشاء الله من سلطانه، فيوحي الله إليهم أنكم حفظة على عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه. إن عبدي هذا لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين. ويصعدون بعمل العبد يستقلونه ويحتقرونه حتى يبلغوا به إلى حيث شاء الله من سلطانه، فيوحي الله إليهم أنكم حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه. إن عبدي هذا أخلص لي عمله فاجعلوه في عليين ". تفسير : وأخرج ابن الضريس عن أم الدرداء قالت: إن درج الجنة على عدد آي القرآن، وإنه يقال لصاحب القرآن اقرأ وارقه فإن كان قد قرأ ثلث القرآن كان على الثلث من درج الجنة، وإن كان قد قرأ نصف القرآن كان على النصف من درج الجنة، وإن كان قد قرأ القرآن كان في أعلى عليين، ولم يكن فوقه أحد من الصديقين والشهداء. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: إن لأهل عليين كوى يشرفون منها فإذا أشرف أحدهم أشرقت الجنة، فيقول أهل الجنة قد أشرف رجل من أهل عليين. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب قال: يرى في الجنة كهيئة البرق فيقال: ما هذا؟ قيل: رجل من أهل عليين تحوّل من غرفة إلى غرفة.
ابو السعود
تفسير : {كَلاَّ} ردعٌ للمعتدي الأثيمِ عن ذلكَ القولِ الباطلِ وتكذيبٌ له فيهِ. وقولُه تعالَى: {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بـيانٌ لما أدَّى بهم إلى التفوهِ بتلكَ العظيمةِ أي ليسَ في آياتِنا ما يصحُّ أنْ يقالَ في شأنِها مثلُ هذه المقالاتِ الباطلةِ بلْ رَكِبَ على قلوبِهم وغلبَ عليها ما كانُوا بُكسبونَها من الكفرِ والمعاصِي حتى صارتْ كالصدأِ في المرآةِ فحالَ ذاكَ بـينُهم وبـينَ معرفةِ الحقِّ كما قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : إنَّ العبدَ كلما أذنبَ ذنباً حصلَ في قلبِه نكتةٌ سوادءُ حتى يسودَّ قلبُه »تفسير : . ولذلكَ قالُوا ما قالُوا والرينُ الصدأُ يقالُ رانَ عليهِ الذنبُ وغانَ عليهِ ريناً وغيناً، ويُقالُ رانَ فيه النومُ أي رسخَ فيهِ، وقُرِىءَ بإدغامِ اللامِ في الراءِ {كَلاَّ} ردعٌ وزجرٌ عن الكسبِ الرائنِ {إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فَلا يكادونَ يَرَونَهُ بخلافِ المؤمنينَ، وقيلَ: هو تمثيلٌ لإهانتِهم بإهانةِ من يُحجبُ عن الدخولِ على الملوكِ. وعن ابنِ عبَّاسٍ وقَتَادةَ وابنِ أبـي مليكةَ: محجوبونَ عن رحمتِه، وعن ابنِ كيسانَ: عن كرامتِه. {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} أي داخِلُو النارِ وثمَّ لتراخِي الرتبةِ فإنَّ صلْيَ الجحيمِ أشدُّ من الإهانةِ والحرمانِ من الرحمةِ والكرامةِ. {ثُمَّ يُقَالُ} لهُم توبـيخاً وتقريعاً من جهةِ الزبانيةِ {هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ} فذوقُوا عذابَهُ. {كَلاَّ} ردعٌ عمَّا كانُوا عليهِ بعد ردعٍ وزجرٍ إثرَ زجرٍ. وقولُه تعالَى {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ محلِ كتابِ الأبرارِ بعدَهُ بـيانُ سوءِ حالِ الفُجَّارِ مُتصلاً ببـيانِ سُوءِ حالِ كتابِهم وفيه تأكيدٌ للردعِ ووجوبُ الارتداعِ. وكتابُهم ما كُتبَ من أعمالِهم وعليونَ علمٌ لديوانِ الخيرِ الذي دُوِّنَ فيه كلُّ ما عملتْهُ الملائكةُ وصلحاءُ الثقلينِ منقولٌ من جمعٍ على فعيلٍ من العُلوِّ، سُمِّيَ بذلكَ إمَّا لأنَّه سببُ الارتفاعِ إلى أعالِي الدرجاتِ في الجنةِ وإمَّا لأنَّهُ مرفوعٌ في السماءِ السابعةِ حيثُ يسكنُ الكروبـيونَ تكريماً له وتعظيماً والكلامُ في قولِه تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ} كما مرَّ في نظيرِه.
السلمي
تفسير : قال أبو سليمان: الران، القسوة هما ميراث الغفلة فمن يقظ وتذكر خلص من القسوة والدين ودواؤها إدمان الصوم فإن وجد بعد ذلك قسوة فليترك الإدوام. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء فى قوله {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}. قال: الطاعة على الطاعة حتى يحجب قلبه عن مشاهدة المنّة لأن العجب والدنيا فى الطاعة يورثان نسيان المنّة ترك الحرمة.
القشيري
تفسير : أي: غَطَّى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي... وكما أنهم - اليومَ - ممنوعون عن معرفته فهم غداً ممنوعون عن رؤيته. ودليلُ الخطابِ يوجِبُ أن يكونَ المؤمنون يََرَوْنَه غداً كما يعرفونه اليوم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} وصف الله قلوب للمخالفين بالقسوة والرين وذلك ميراث متابعيهم شهوات انفسهم والشهوة اذا غلبت على القلب أطبقت القلب بغاشية الغفلة فصار القلب محجوباً من انوار الذكر مملوا من الخطرات المذمومة التى تحجبه عن مشاهدة الغيب فمن كان ههنا من الغيب ورؤية الحق محجوباً فزاد حجابه عند يوم القيامة لذلك وصفهم الله بقوله {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} حجبهم عن الله ظنونهم وحسبانهم وتشبيهم وخيالهم وشهواتهم وغفلاتهم قال ابن عطا فى قوله كلا بل ران الطاعة على الطاعة حتى يحجب قلبه عن مشاهدة المنته لان العجب والرياء بالطاعة يورثان نسيان المنته وترك الحرمة قال الواسطى الكفر فى حجاب لا يرونه والمؤمن فى حجاب يرونه فى وقت دون وقت ولا حجاب له غير وليس يسعه سواه ما اتصلت بشربه بروبية قط ولا فارقت عنه قال سهل حجبهم عن ربهم قسوة قلوبهم فى العاجل وما سبق لهم من الشقاوة فى الازل فلم يصلحوا البساط القرب والمشاهدة فابعدوا وحجبوا والحجاب هو الغاية فى البعد والطرد قال ابن عطا الحجاب حجبان حجاب عبد وحجاب ابعاد فحجاب بالعبد لا تقريب فيه ابدا وحجاب الابعاد يؤدب ثم يقرب كادم عليه السلام.
اسماعيل حقي
تفسير : {كلا} ردع للمعتدى عن ذلك القول الباطل وتكذيب له فيه ويجوز أن يكون ردعا عن مجموع التكذيب والقول {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} قرأ حفص عن عاصم بل باظهار اللام مع سكته عليها خفيفة بدون القطع ويبتدئ ران وقرأ الباقون بادغام اللام فى الرآء ومنهم حمزة والكسائى وخلف وأبو بكر عن عاصم يميلون فتحة الرآء قال بعض المفسرين هرب حفص من اجتماع ثقلتى الرآء المفخمة والادغام انتهى ويرد عليه قل رب فانه لا سكتة فيه بل هو بادغام احد المتقاربين فى الآخرة فالوجه انه انما سكت حفص على لام بل ران وكذا على نون من راق خوف اشتباهه بتثنية البر ومبالغة مارق حيث يصير بران ومراق وما موصوله والعائد محذوف ومحلها الرفع على الفاعلية والمعنى ليس فى آياتنا ما يصح ان يقال فى شأنها مثل هذه المقالات الباطلة بل ركب قلوبهم وغلب عليها ما كانوا يكسبونه من الكفر والمعاصى حتى صارت كالصدأ فى المرءآة فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق كما قال عليه السلام حديث : ان العبد كلما اذنب ذنبا حصل فى قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبهتفسير : ولذلك قالوا ما قالوا والرين صدأ يعلو الشئ الجلى والطبع والدنس وران ذنبه على قلبه رينا وريونا غلب وكل ما غلبك رانك وبك وعليك كما فى القاموس وران فيه النوم رسخ فيه وفى التعريفات الران هو الحجاب الحائل بين القلب وعالم القدس باستيلاء الهيئات النفسانية ورسوخ الظلمانية الجسمانية فيه بحيث ينحجب عن أنوار الربوبية بالكلية والغين بالمعجمة دون الرين وهو الصدأ فان الصدأ حجاب رقيق يزول بالتصفية ونور التجلى لبقاء الايمان معه والرين هو الحجاب الكثيف الحائل بين القلب والايمان ولهذ قالوا الغين هو الاحتجاب عن الشهود مع صحة الاعتقاد والطبع ان يطبع على القلب والاقفال ان يقفل عليه قيل الاقفال اشد من الطبع كما ان الطبع اشد من الرين قال القاشانى فى الآية اى صار صدأ عليه بالرسوخ فيها وكدرجوهرها وغيرها عن طبعها والرين حد من تراكم الذنب ورسوخه تحقق عنده الحجاب والغلق باب المغفرة نعوذ بالهل منه قال أبو سليمان الدارانى قدس سره الران والقسوة همازماما الغفلة فمن تيقظ وتذكر أمن من القسوة والرين ودوآؤهما ادمان الصيام فان وجد بعد ذلك قسوة فليترك الادام وقال بعض الكبار القلب مرءآة مصقولة كلها وجه فلا تصدأ ابدا وان اطلق عليها الصدأ فى نحو حديث ان القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد وان جلاءها ذكر الله وتلاوة القرءآن فليس المراد بذلك الصدأ انه طخاء طلع على وجه القلب ولكنه لما تعلق واشتغل بعلم الاسباب عن العلم بالمسبب كان تعلقه بغير الله صدأ على وجه القلب مانعا من تجلى الحق اليه اذا لحضرة الآلهية متجلية على الدوام لا يتصور فى حقها حجاب عنا فلما لم يقبلها هذا القلب من جهة الخطاب الشرعى المحمود وقبل غيرها عبر عن قبول الغير بالصدأ ولكن والقفل وغير ذلك وقد نبه الله على ذلك فى قوله {أية : وقالوا قلوبنا فى اكنة مما تدعونا اليه}تفسير : فهى فى اكنة مما يدعوها الرسول اليه خاصة لا انها فى كن مطبقا فلما تعلقت بغير ما تدعى اليه عميت عن ادراك ما دعيت اليه فلم تبصر شيأ فالقلوب أبدا لم تزل مفطورة على الجلاء مقصولة صافية (قال المولى الجامى) شعر : مسكين فقيه ميكند انكار حسن دوست با او بكوكه ديدهء جانرا جلى كند
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ردع عن هذا القول وقيل معناه لا يؤمنون *{بَلْ رَانَ} بإدغام اللام في الراء وهو أجود من قراءة الفك وهي قراءة حفص *{عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} تغشى وتعطي على قلوبهم ما عملوه من القبائح حتى صار عليها كالصدأ على نحو المرأة حتى لا يظهر لهم الحق اصروا على الكبائر والصغائر وسوفوا التوبة حتى لا يقبل القلب الخير ولا يميل اليه فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات فذلك سبب تكذيبهم بالآيات وما فيها وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : العبد إذا أذنب ذنبا حصل في قلبه نقطة سوداء حتى يسود قلبه كله" تفسير : رواه أبو هريرة وذكروه عن الحسن، قال أبو هريرة فذلك الرين في قوله {بَلْ رَانَ} قال أبو معاذ النحوي الرين سواد القلب من الذنوب والطبع أشد منه والقفل أشد من الطبع وإن تاب تيب عليه وأمال بعضهم ألف ران وفتحة الراء وهو قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي وعن حذيفة القلب كالكف يذنب العبد ذنبا فيقبض ثم يذنب فيقبض حتى يضيق الحق فيخرج ويجيء فلا يجد موضعا.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ارتدعوا عن التكذيب {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ليس فى آياتنا ما يقبل التكذيب ولا ريبة بل تغلب عليهم ما كانوا يكسبونه من المعاصى وصار كوسخ متركب على شىء ومثل الصدى على المرآة بين لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحق فكذبوا وما زال تكذيبهم ينمو حتى كان حجاباً قوياً ولو كذبوا أولا ثم تابوا وتفكروا لم يكن ذلك، والران فى الأَصل الصدأ وأيضا الغلبة فى المعقولات، يقال ران عليه النوم وران الخمر على عقله وران الغشى على عقل المريض وران الرجل إذا وقع فى أمر لا يستطيع التخلص منه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع، واستغفر صقل قلبه وإنْ عاد زادت حتى تغلق قلبه فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في القرآن {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}"تفسير : ، رواه الترمذى وابن ماجه عن أبى هريرة وذكر مجاهد أن الرين عندهم الطبع وأسبابه فى قوله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : أربع خصال مفسدة للقلوب مجاراة الأحمق فإنْ جاريته كُنت مثله وإنْ سكت عنه سلمت منه وكثرة الذنوب مفسدة للقلوب وقد قال الله تعالى {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} والخلو بالنساء والتمتع بهن والعمل برأيهن ومجالسة الموتى قيل يا رسول الله من هم قال كل قد أبطره عتاه ".
الالوسي
تفسير : {كَلاَّ } ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له فيه وقوله عز وجل {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بيان لما أدى بهم إلى التفوه بتلك العظيمة أي ليس في آياتنا ما يصح أن يقال في شأنها مثل تلك المقالة الباطلة بل ركب قلوبهم وغلب عليها ما استمروا على اكتسابه من الكفر والمعاصي حتى صار كالصدأ في المرآة فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق فلذلك قالوا ما قالوا. والرين في الأصل الصدأ يقال: ران عليه الذنب وغان عليه ريناً وغيناً ويقال: ران فيه النوم أي رسخ فيه وفي «البحر» ((أصل الرين الغلبة يقال رانت الخمر على عقل شاربها أي غلبت وران الغشي على عقل المريض أي غلب وقال أبو زيد يقال رين بالرجل يران به ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع منه الخروج)) وأريد به حب المعاصي الراسخ بجامع أنه كالصدأ المسود للمرآة والفضة مثلاً المغير عن الحالة الأصلية. وأخرج / الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححاه والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال ((حديث : إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله تعالى في القرآن {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}))تفسير : وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال كانوا يرون أن الرين هو الطبع وذكروا له أسباباً. وفي حديث أخرجه عبد بن حميد من طريق خليد بن الحكم عن أبـي المجبر أنه عليه الصلاة والسلام قال ((حديث : أربع خصال مفسدة للقلوب مجاراة الأحمق فإن جاريته كنت مثله وإن سكت عنه سلمت منه وكثرة الذنوب مفسدة للقلوب وقد قال الله تعالى {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} والخلوة بالنساء والاستمتاع بهن والعمل برأيهن ومجالسة الموتى قيل يا رسول الله من هم قال كل غني قد أبطره غناه))تفسير : . وقرىء بإدغام اللام في الراء وقال أبو جعفر بن الباذش أجمهوا يعني القراء على إدغام اللام في الراء إلا ما كان من وقف حفص على {بَلْ} وقفاً خفيفاً يسيراً لتبيين الإظهار وليس كما قال من الإجماع ففي «اللوامح» عن قالون من جميع طرقه إظهار اللام عند الراء نحو قوله تعالى: {أية : بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ }تفسير : [النساء: 158] {أية : بَلْ رَبكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 56] وفي «كتاب ابن عطية» وقرأ نافع (بل ران) غير مدغم وفيه أيضاً وقرأ نافع أيضاً بالإدغام والإمالة وقال سيبويه في اللام مع الراء نحو أشغل رحمه البيان والإدغام حسنان وقال أيضاً فإذا كانت يعني اللام غير لام التعريف نحو لام هل وبل فإن الإدغام أحسن فإن لم تدغم فهي لغة لأهل الحجاز وهي عربية جائزة وفي «الكشاف» قرىء بادغام اللام في الراء وبالإظهار، والإدغام أجود وأميلت الألف وفخمت فليحفظ.
ابن عاشور
تفسير : {كَلاَّ بَلْ رَّانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ كَلاَّ}. اعتراض بالردع وبيان له، لأن {كلاّ} ردع لقولهم أساطير الأولين، أي أن قولهم باطل. وحرف {بل} للإِبطال تأكيداً لمضمون {كلاّ} وبياناً وكشفاً لما حملهم على أن يقولوا في القرآن ما قالوا وأنه ما أعمى بصائرَهم من الرّيْن. والرّين: الصدأ الذي يعلو حديدَ السيف والمِرآةِ، ويقال في مصدر الرَّين الرانُ مثل العيب والعَاب، والذيْم والذام. وأصل فعله أن يسند إلى الشيء الذي أصابه الريْن، فيقال: ران السيف وران الثوب، إذا أصابه الريْن، أي صار ذا رين، ولما فيه من معنى التغطئة أطلق على التغطية فجاء منه فعل ران بمعنى غشي، فقالوا: ران النعاس على فلان، ورانت الخمر، وكذلك قوله تعالى: {ران على قلوبهم} هو من باب رَان الرينُ على السيف، وليس من باب رانَ السيفُ، ومن استعمال القرآن هذا الفعل صار الناس يقولون: رِين على قلب فلان وفلان مَرينٌ على قلبه. والمعنى: غَطَّت على قلوبهم أعمالهم أن يدخلها فهمُ القرآن والبونِ الشاسِع بينه وبين أساطير الأولين. وقرأ الجمهور بإدغام اللام في الراء بعد قلبها راء لتقارب مخرجيها. وقرأه عاصم بالوقف على لام (بل) والابتداء بكلمة ران تجنباً للإدغام. وقرأه حفص بسكتة خفيفة على لام {بل} ليبين أنها لام. قال في «اللسان»: إظهار اللام لغة لأهل الحجاز. قال سيبويه: هما حسنان، وقال الزجاج: الإِدغام أرجح. والقلوب: العقول ومَحالُّ الإِدراك. وهذا كقوله تعالى: { أية : ختم اللَّه على قلوبهم } تفسير : في سورة البقرة (7). ومن كلام رعاة الأعراب يخاطبون إبلهم في زمن شدة البرد إذا أوردوها الماءَ فاشمأزت منه لبرده "بَرِّديهِ تَجديه سَخيناً" أي بَلْ رديه وذلك من المُلَح الشبيهة بالمعاياة إذ في ظاهره طلب تبريده وأنه بالتبريد يوجد سخيناً. و{ما كانوا يكسبون} ما عملوه سالفاً من سيئات أعمالهم وجماحهم عن التدبر في الآيات حتى صار الإعراض والعناد خُلُقاً متأصلاً فيهم فلا تفهم عقولهم دلالة الأدلة على مدلولاتها. روى الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نُكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب صُقِلَ قلبه فإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه وهو الران الذي ذكر الله في كتابه: {كَلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} » تفسير : قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. ومجيء {يكسبون} بصيغة المضارع دون الماضي لإفادة تكرر ذلك الكسب وتعدده في الماضي. وفي ذكر فعل {كانوا} دون أن يقال: ما يكسبون، إشارة إلى أن المراد: ما كسبوه في أعمارهم من الإشراك قبل مجيء الإسلام فإنهم وإن لم يَكونوا مناط تكليف أيامئذ. فهم مخالفون لما جاءت به الشرائع السالفة وتواتر وشاع في الأمم من الدعوة إلى توحيد الله بالإلٰهية على قول الأشعري وأهل السنة في توجيه مؤاخذة أهل الفترة بذنب الإشراك بالله حسبما اقتضته الأدلة من الكتاب والسنة أو مخالفون لمقتضى دلالة العقل الواضحة على قول الماتريدي والمعتزلة ولحق بذلك ما اكتسبوه من وقت مجيء الإسلام إلى أن نزلت هذه السورة فهي مدة ليست بالقصيرة. و{كلاّ} الثانية تأكيد لـــ {كلا} الأولى زيادة في الردع ليصير توبيخاً. جملة: {إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون} وما عطف عليها ابتدائية وقد اشتملت الجملة ومعطوفاها على أنواع ثلاثة من الويل وهي الإهانة، والعذاب، والتقريع مع التأييس من الخلاص من العذاب. فأما الإهانة فحجْبُهم عن ربهم، والحجب هو الستر، ويستعمل في المنع من الحضور لدى الملك ولدى سيد القوم، قال الشاعر الذي لم يسمّ وهو من شواهد «الكشاف»: شعر : إذا اعتروا باب ذي عُبِّيَّه رجِبوا والناسُ من بين مَرجوب ومَحْجوب تفسير : وكلا المعنيين مراد هنا لأن المكذبين بيوم الدين لا يرون الله يوم القيامة حين يراه أهل الإيمان. ويوضح هذا المعنى قوله في حكاية أحوال الأبرار: { أية : على الأرائك ينظرون } تفسير : [المطففين: 23] وكذلك أيضاً لا يدخلون حضرة القدس قال تعالى: { أية : إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفَتّح لهم أبواب السماء } تفسير : [الأعراف: 40]، وليكون الكلام مفيداً للمعنيين قيل: «عن ربهم لمحجوبون» دون أن يقال: عن رؤية ربهم، أو عن وجه ربهم كما قال في آية آل عمران (77): { أية : ولا يَنْظُرُ إليهم يوم القيامة }. تفسير : وأما العذاب فهو ما في قوله: ثم إنهم لصالوا الجحيم}. وقد عطفت جملته بحرف {ثم} الدالة في عطفها الجُملَ على التراخي الرتبي وهو ارتقاء في الوعيد لأنه وعيد بأنهم من أهل النار وذلك أشد من خزي الإهانة. و«صالوا» جمع صال وهو الذي مسه حر النار، وتقدم في آخر سورة الانفطار. والمعنى: أنهم سيصلون عذاب جهنم. وأما التقريع مع التأييس من التخفيف فهو مضمون جملة: {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} فعطف الجملة بحرف {ثم} اقتضى تراخي مضمون الجملة على مضمون التي قبلها، أي بُعد درجته في الغرض المسوق له الكلام. واقتضى اسم الإِشارة أنهم صاروا إلى العذاب، والإِخبار عن العذاب بأنه الذي كانوا به يكذبون يفيد أنه العذاب الذي تكرر وعيدهم به وهم يكذّبونه، وذلك هو الخلود وهو درجة أشد في الوعيد، وبذلك كان مضمون الجملة أرقى رتبة في الغرض من مضمون الجملة المعطوفة هي عليها. أو يكون قوله: {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} إشارة إلى جواب مالك خازن جهنم المذكور في قوله تعالى: { أية : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } تفسير : [الزخرف: 77، 78] فطوي سؤالهم واقتصر على جواب مالك خازن جهنم اعتماداً على قرينة عطف جملة هذا المقال بــــ {ثم} الدالة على التراخي. وبني فعل {يقال} للمجهول لعدم تعلق الغرض بمعرفة القائل والمقصد هو القول. وجيء باسم الموصول ليُذَكَّروا تكذيبهم به في الدنيا تنديماً لهم وتحزيناً. وتقديم {به} على {تكذبون} للاهتمام بمعاد الضمير مع الرعاية على الفاصلة والباء لتعدية فعل {تكذبون} إلى تفرقة بين تعديته إلى الشخص الكاذب فيعدّى بنفسه وبين تعديته إلى الخبر المكذَّب فيعدّى بالباء. ولعل أصلها باء السببية والمفعول محذوف، أي كذب بسببه من أخبره به، ولذلك قدره بعض المفسرين: هذا الذي كنتم به تكذبون رسل الله في الدنيا.
الشنقيطي
تفسير : ران: بمعنى غطى كما في الحديث "حديث : إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، وما يزال كذلك حتى يغطيه"تفسير : الحديث. وقال الشاعر: شعر : وكم ران من ذنب عَلى قلب فاجر فتاب من الذنب الَّذي ران فانجلى تفسير : وقال أبو حيان: وأصل الرين: الغلبة: يقال: رانت الخمر على عقل شاربها واشتدت: شعر : ثم لما رآه رانت بِه الخــ ـمر وألا يريه بانْتفاء تفسير : بيان القراءات في هذه الآية: قال أبو حيان: قرئ بل ران بإدغام اللام في الراء وبالإظهار وقف حفص على بل وقفاً خفيفاً يسيراً ليتبين الإظهار. وقال أبو جعفر بن الباذش: وأجمعوا، يعني القراء، على إدغام اللام في الراء، إلاَّ ما كان من سكت حفص على بل، ثم يقول: ران. وهذا الذي ذكره كما ذكر من الإجماع. ففي كتاب اللوامع عن قالون من جميع طرقه: إظهار اللام عند الراء نحو قوله: بل رفعه الله إليه بل ربكم. وفي كتاب ابن عطية. وقرأ نافع: بل ران من غير مدغم. وفيه أيضاً: وقرأ نافع أيضاً: بالإدغام والإمالة. وقال سيبويه: البيان والإدغام حسنان. وقال الزمخشري: وقرئ بإدغام اللام في الراء. وبالإظهار والإدغام أجود، وأميلت الألف وفخمت. اهـ. أما المعنى فقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك وافياً في سورة الكهف عند الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}تفسير : [الكهف: 57]. الآية.
الواحدي
تفسير : {كلا بل ران على قلوبهم} أي: غلب عليها حتى غمرها وغشيها {ما كانوا يكسبون} من المعاصي، وهو كالصَّدأ يغشى القلب. {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} يحجبون عن الله تعالى فلا يرونه. {ثم إنهم لصالوا الجحيم} لداخلو النَّار. {ثمَّ يقال هذا} العذاب {الذي كنتم به تكذِّبون} في الدُّنيا. {كلا إنَّ كتاب الأبرار لفي عليين} في السَّماء السَّابعة تحت العرش. {وما أدراك} وما الذي أعلمك يا محمد {ما عليون} كيف هي، وأيُّ شيءٍ صفتها. {كتاب مرقوم} يعني: كتاب الأبرار كتابٌ مرقومٌ. {يشهده المقربون} تحضره الملائكة؛ لأنَّ عليين محلُّ الملائكة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ران على قلوبهم: أي غطّى قلوبهم وحجبها عن قبول الحق. ما كانوا يكسبون: أي من الذنوب والآثام. لمحجوبون: أي يحال بينهم وبين رؤية الربّ إلى يوم القيامة. لصالو الجحيم: أي لداخلوها ومحرقون معذبون بها. هذا الذي كنتم به تكذبون: أي يقال لهم توبيخا وخزيا لهم وهم في العذاب هذا الذي كنتم به تكذبون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في التنديد بالاعتداء والمعتدين والإِثم والآثمين فقال تعالى {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} اي ما الأمر كما يدعون من أن القرآن أساطير الأولين وإنما ران على قلوبهم أي غشّاها وغطاها أثر الذنوب والجرائم فحجبها عن معرفة الحق وقبوله، وقوله {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} أي ردعاً لهم وزجراً عن أقوالهم الباطلة وأعمالهم الفاسدة إنهم عن ربهم لمحجوبون فلا يرونه ولا يرون كرامته {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} أي لداخلوها ومصطلون بحرها معذبون بأنواع العذب فيها ثم يقال لهم توبيخاً وخزياً وتأنيباً {هَـٰذَا} أي العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون حتى واصلتم كفركم وإجرامكم فحل بكم هذا الذي أنتم فيه الآن فذوقوا فلن تزدادوا إلا عذاباً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التحذير من مواصلة الذنوب وعدم التوبة منها حيث يؤدي ذلك بالعبد إلى أن يُحرم التوبة ففي حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب صقل منها فإِن عاد عادت حتى تعظم في قلبه فذلك الران الذي قال الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون . تفسير : 2- تقرير رؤية الله تعالى في الآخرة بدليل قوله إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون أي الأشقياء إذاً فالسعداء غير محجوبين فهم يرون ربهم ويشهد له قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (14) - وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا مِنْ أَنَّ هَذَا القُرْآنَ هُوَ مِنْ أَسَاطِيرِ الأَوَّلِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلاَمُ اللهِ إِلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنَّ الذِي حَجَبَ عَنْ قُلُوبِهِم الإِيْمَانَ هُوَ مَا عَلاَ قُلُوبَهُمْ وَغَطَّاهَا مِنْ تَرَاكُمِ الذُّنُوبِ، وَتَوَالِي الإِقْدَامِ عَلَى مُنْكَرِ الأَعْمَالِ، حَتَّى اعْتَادُوهَا، وَصَارَتْ سَبَباً لَهُمْ لِحُصُولِ الرَّيْن عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَالتِبَاسِ الأُمُورِ عَلَيْهِمْ. (أَيِ إِنَّ قُلُوبَهُمْ عَمِيَتْ مِنَ الذُّنُوبِ وَمَاتَ فِيهَا الإِحْسَاسُ). كَلاَّ - رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنْ قَوْلِهِم البَاطِلِ. رَانَ - غَلَبَ وَغَطَّى، وَغَلَّفَ وَأَعْمَى.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} معناه طَبَعَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {كَلاَّ} [المطففين: 14]؛ أي: ليس الأمر على ما زعمتم {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [المطففين: 14]؛ أي: طبع الله على قلوبهم بالذنوب التي اقترفتها القوى حتى يكتب على لوح وجودهم ظلمة الجهل والظلم، ويبطل استعداد اللوحية ليغرس الصور الهائلة التي هي ثمرة أعماله الفاسدة الثابتة عليه، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ورجع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}"،تفسير : وأصل الرين الغلبة؛ يعني: غلبت عليهم شقوتهم لغلبة الظلمة على لوح وجودهم مما كسبت أيديهم وكتبت على اللوح بخط أعمالهم حتى اسود اللوح من المعاصي، ومات القلب لفوات استعداد قابلية الرحمة من الحق. {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]؛ يعني: القوى الفاجرة، والألواح المسودة بنقوش المعاصي عن رحمة ربهم ولقائه محجوبون بالحجاب الذي كسبوا في دار الكسب {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} [المطففين: 16] الذي كسبوها وعملوها عملاً وعمروها وبالغوا في تعميق قربها وإشعال نارها {ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}[المطففين: 17]، يقال لهم: القوى الملهمة التي تلهم القوى الأمارة بالخير وهي تكذبها، وتقول: كيف نترك لذاتها العاجلة التي تشاهدها لقولك ووعدك لنا بدار لا نشاهدها، فقوله لهم في ذلك اليوم: {هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المطففين: 17]؛ يعني: هذه الدار التي بها تكذبون في الدنيا، وهذا جزاء أعمالكم التي كنتم عاملين لها في دار كسبكم، {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18]؛ أي: حقاً أن محل كتاب الأبرار لفي عليين؛ أي: لفي مرتبة الملائكة التي يصلون إليها في الملكوت الأعلى ويضعون فيها كتاب الأبرار وليس فوقها لهم سبيل؛ لأن ذلك المقام أعلى عليين الروحانية ولا يمكن التجاوز لأحد من ذلك المقام إلا بالجذبة، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} [المطففين: 19] عليون محل كتاب الأبرار؛ وهو {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 20-21] من أعلى عليين ويفرحون بذلك الكتاب. {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [المطففين: 22] الذين كسبوا في دار الكسب بالقوة القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، حتى رقم في وجودهم عين ذلك النعيم، {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين: 23] على أريكة الرحمة ينظرون إلى جزاء أعمالهم وإلى نقوش ألواحهم، {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} [المطففين: 24]؛ لأن وجوههم كانت مبصرة من نور كسبوه في دار الكسب {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} المحبة {مَّخْتُومٍ} [المطففين: 25].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ/ يَكْسِبُونَ} [14] 678 - أنا قُتيبة بن سعيدٍ، نا اللَّيثُ، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكِتَتْ في قلبهِ نُكْتَةٌ [سوداءُ] فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلوَ قلبهُ فهوَ الرَّانُ الذي ذكر اللهُ {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} .
همام الصنعاني
تفسير : 3540- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن (الحسن) في قوله تعالى {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: [الآية: 14]، قال: هو الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فَيَسْوَدّ. 3541- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن سليمان التيمي، عن (نعيم) بن أبي هند، عن (رَبْعي بن حراش) عن حذيفة قال: إنَّ الفتنة تُعْرَضُ على القلب، كما يُعْرَضَ الحصير، فمن أشربها قلبه؛ كانت في قلبه نكتَةً سَوْدَاء، وَمَنْ أَنكرها قلبه كانت في قلبه نكتَةً بيضاءَ، حتَّى يصير الناس أو يكونوا عَلى قلبين: قَلْبٌ أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة أبداً، وقلب منكوس أسود مُرْبَادّ، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):