٨٣ - ٱلْمُطَفِّفِين
83 - Al-Mutaffifeen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَلاَّ } حقاً {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة {لَّمَحْجُوبُونَ } فلا يرونه.
الخازن
تفسير : {كلا} قال ابن عباس يريد لا يصدقون وقيل معناه ليس الأمر كما يقولون إن لهم في الاخرة خيراً ثم استأنف فقال تعالى: {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} قيل عن كرامته ورحمته ممنوعون، وقيل إن الله لا ينظر إليهم ولا يزكيهم وهذا التّفسير فيه ضعف أما حمله على منع الكرامة والرّحمة فهو عدول عن الظّاهر بغير دليل، وكذا الوجه الثاني فإن من حجب عن الله فإن الله لا ينظر إليه نظر رحمة، ولا يزكيه والذي ذهب إليه أكثر المفسرين أنهم محجوبون عن رؤية الله، وهذا هو الصّحيح واحتج بهذه الآية من أثبت الرّؤية للمؤمنين قالوا: لولا ذلك لم يكن للتّخصيص فائدة، ووجه آخر وهو أنه تعالى ذكر الحجاب في معرض الوعيد والتّهديد للكفار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمنين، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمنين قال الحسن: لو علم الزّاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدّنيا. وقيل كما حجبهم في الدّنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته وسئل مالك عن هذه الآية، فقال: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقال الشافعي في قوله {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} دلالة على أن أولياء الله يرون الله جلّ جلاله وعنه كما حجب قوماً بالسّخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا، ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبون عن الله يدخلون النّار. فقال عز من قائل {ثم إنهم لصالوا الجحيم} أي لداخلو النّار {ثم يقال} أي تقول لهم الخزنة {هذا} أي هذا العذاب {الذي كنتم به تكذبون} يعني في الدنيا {كلا} أي ليس الأمر كما يتوهمه الفجار من إنكار البعث، وقيل كلا أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يصلونه، ثم بين محل كتاب الأبرار فقال تعالى: {إن كتاب الأبرار لفي عليين} جمع علي من العلو، وقيل هو موضوع على صفة الجمع لا واحد له من لفظه وتقدم من حديث البراء المرفوع إن عليين في السّماء السابعة تحت العرش وقال ابن عباس: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه، وقيل هو قائمة العرش اليمنى وقال ابن عباس في رواية عنه هي الجنة، وقيل هي سدرة المنتهى، وقيل معناه علو بعد علو وشرف بعد شرف، وقيل هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة وقد عظّمها الله وأعلاها. {وما أدراك ما عليون} تنبيهاً له على عظم شأنه {كتاب مرقوم} ليس تفسير العليين، والمعنى أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم في عليين فيه ما أعد لهم في الآخرة من الكرامة، وقيل مكتوب فيه أعمالهم وعليون محل الملائكة وضده سجين، وهو محل إبليس وجنوده.
التستري
تفسير : وقال عمر ابن واصل: سألت سهلاً عن قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}[15] قال: هم في الدنيا محجوبون عن الآمر والزاجر، كما روي في الخبر: طوبى لمن كان له من قلبه واعظ، ومن قلبه زاجر، فإذا أراد الله فيه أمراً غيب معناه عنه، وهم في الآخرة محجوبون عن الرحمة، والنظر إلى الله عزَّ وجلَّ، وعن نظره إليهم بالرضا والرضوان عند مناقشته إياهم، كما قال: {أية : وََقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ}تفسير : [الصافات:24] عن الدنيا فتلزمهم الحجة فيدخلهم النار، ثم يفتح للمؤمنين مناظر إليهم فينظرون إليهم وهم يحرقون بالنار، ويعذبون بألوان عذابها، فتقرأ أعينهم فيضحكون منهم، كما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين، ثم تسد المناظر، وتطبق عليهم، فعند ذلك يمحو الله أسماءهم، ويخرج ذكرهم من قلوب المؤمنين ويقول: {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففون:36] وفيها دلالة بينة على إثبات الرؤية للمؤمنين خاصة.
السلمي
تفسير : قال القاسم: حجبهم فى الدنيا عن مولاهم المعاصى، وحجبهم فى الآخرة عن مولاهم البدع. وقال بعضهم: الحجاب حجابان: حجاب غفلة، وحجاب كفر فمن حجب فى دنياه بالغفلة حجب فى الجنة بالرحمة ومن حجب فى دنياه بالكفر حجب فى النار بالغضب. قال الواسطى رحمه الله: الكفار فى حجاب لا يرونه، والمؤمنون فى حجاب يرونه فى وقت دون وقت، ولا حجاب له غيره ولا يسعه سواه ما اتصلت بشرية بربوبية قط ولا فارقت عنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {كلا} ردع وزجر عن الكسب الرآئن اى الموقع فى الرين {انهم} اى المكذبين {عن ربهم} وهو وقوله {يومئذ} اى يوم اذ يقوم الناس لرب العالمين متعلقان بقوله {لمحجوبون} فلا يرونه لانهم باكسابهم القبيحة صارت مرآءة قلوبهم ذات صدأ وسرت ظلمة الصدأ منها الى قوالبهم فلم يبق محل لنور التجلى بخلاف المؤمنين فانهم يرونه تعالى لانهم باكسابهم الحسنة صارت مرآئى قلوبهم مصقولة صافية وسرى نور الصقالة والصفوة منها الى قوالبهم فصاروا مستعدين لانكعاس نور التجلى فى قلوبهم وقوالبهم وصاروا وجوها من جميع الجهات كوجود الوجه الباقى بل ابصارا بالكلية سئل مالك بن انس رحمه الله عن هذه الآية فقال لما حجب اعدآؤه فلم يروه لا بد ان يتجلى لاوليائه حتى يروه يعنى احتج الامام مالك بهذه الآية على مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب والا فلو حجب الكل لم يبق للتخصيص فائدة وكذلك. آنكاه دريمان دوست ودشمن فرق نماند كوبى بهشت ميهمانيست شعر : بى ديدن ميزبان جه باشد جون دشمن ودوست راجه باشد تفسير : بس فرق دران ميان جه باشد. وعن الشافعى رحمه الله لما حجب قوما بالسخط دل على ان قوما يرونه بالرضى وقال شيخ الاسلام عبد الله الانصارى رحمه الله لمحجوبون عن رؤية الرضى فان الشقى يراه غضبان حين يتجلى فى المحشر قبل دخول الناس الجنة وقال حسين بن الفضل رحمه الله كما حجبهم فى الدنيا عن توحيده حجبهم فى الآخرة عن رؤيته فالموحد غير محجوب عن ربه وقال سهل رحمه الله حجبهم عن ربهم قسوة قلوبهم فى العاجل وما سبق لهم من الشقاوة فى الازل فلم يصلحوا لبساط القرب والمشاهدة فابعدوا وحجبوا والحجاب هو الغاية فى البعد والطرد وقال ابن عطاء رحمه الله الحجاب حجابان حجاب بعد وحجاب ابعاد فحجاب البعد لا تقريب فيه أبدا وحجاب الابعاد يؤدب ثم يقرب كآدم عليه السلام وقال القاشانى انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لامتناع قبول قلوبهم للنور وامتناع عودها الى الصفاء الاول الفطرى كالماء الكبريتى مثلا اذ لوروق او صعد لما رجع الى الطبيعة المائية المبردة لاستحالة جوهره بخلاف الماء المسخن استحالت كيفيته دون طبيعته ولهذا استحقوا الخلود فى العذاب وفى المفردات الحجب المنع عن الوصول والآية اشارة الى منع السور عنهم بالاشارة الى قوله فضرب بينهم بسور اى بحجاب يمنع من وصول لذة الجنة الى اهل النار وأذية اهل النار الى اهل الجنة وقال صاحب الكشاف كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم واهانتهم لانه لا يؤذن على الملوك الا للوجهاء المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم الا الا دنياء المهانون عندهم قال. اذا اعتروا باب ذى مهابة رجبوا. والناس ما بين مرجوب ومحجوب انتهى اى ما بين معظم ومهان وانما جعله تمثيلا لا كناية اذ لا يمكن ارادة المعنى الحقيقى على زعمه من حيث انه معتزلى قال بعض المفسرين جعل الآية تمثيلا عدول عن الظاهر وهو مكشوف فان ظاهر قولهم هو محجوب عن الامير يفيد أنه ممنوع عن رؤيته وهو أكبر سبب الاهانة وما نقل عن ابن عباس رضى الله عنه لمحجوبون عن رحمته وعن ابن كيسان عن كرامته فالمراد به بيان حاصل المعنى فان المحجوب عن الرؤية ممنوع عن معظم الرحمة والكرامة فالآية من جملة ادلة الرؤية فالحمد لله تعالى على بذل نواله وعطائه وعلى شهود جماله ولقائه.
الجنابذي
تفسير : {كَلاَّ} ردع لهم عن توقّع الخير وشهود جماله تعالى فى الآخرة {إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو ٱلْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} عن الكاظم (ع) قال يعنى امير المؤمنين (ع) قيل: تنزيل؟ - قال: نعم، وعلى هذا فالمعنى انّهم عن علىٍّ (ع) لمحجوبون ثمّ يقال: هذا علىّ (ع) الّذى كنهتم به تكذّبون.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ردع عن الرين وعن ابن عباس معناه لا يصدقون وقيل ليس الأمر كما يقولون وقيل معناه حقا راجع لما بعده *{إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ} على حذف مضاف أي عن حرمة ربهم أو ثوابه قاله ابن عباس وقتادة وبن أبي مليكة وعن كرامته وعليه ابن كيسان أو ذلك تمثيل لإهانتهم لأنه لا يرد على الملوك إلا المكرمون وليس ثم نظر الى الله أصلا لا من المؤمنين ولا من الكافرين كما تقول زيد كثير الرماد كناية عن كرمه ولو لم يكن له رماد أصلا فلا دليل في الآية عن الرؤية وإن قلت الظاهر حمله على ظاهره فيفهم منه أن غير هؤلاء يرونه قلت هذا الذي زعمت أنه الظاهر ممنوع بدليل استحالة الرؤية كما علمتك فيما مر فذلك تهديد للكفار بأن يحرموا عن الرحمة كما حجبوا بسوء اختيارهم عن التوحيد ورأيت في بعض الكتب أن مالكا لا يثبت الرؤية وعن الشافعي يراه أولياؤه بالرضى فقوله بالرضى تفسير للرؤية فباؤه للتصوير والقوم يكذبون عنهما أنهما أثبتا الرؤية بالآية وغيره كما قالوا كذبا، عن الحسن أنه لو علم الزهاد والعابدون أنهم لا يرون ربهم في الميعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا واعلم أن الحجب عن الرحمة ولو ورد في المشركين متناول للمنافقين بدليل {أية : واتقوا النار التي أُعدت للكافرين} تفسير : ونحو ذلك وسئل سهيل فقال هم في الدنيا محجوبون عن الأمر كما ورد في الخبر طوبى لمن كان له من قلبه واعظ ومن عقله زاجر ومن لم يكن كذلك فمحجوبون عن الرحمة ولقاء الله والنظر اليهم بالرضى عند مناقشته إياهم.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ارتدعوا عما يرين على القلب أو حق ما أقول لكم، {إنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ} أى يوم يبعثون والظرفان متعلقان بقوله: {لَّمَحْجُوبُونَ} قدم للفاصلة أى ممنوعون عن رحمته وليس منها رؤيته تعالى لاستحالتها وأياً ما كانت رؤيته فى جميع وجوه مثبتها فهى موجبه لانكشافه وإِثبات انكشافه تشبيه محض وفيه تحيز وحلول وغيبة عن المواضع الأُخرى.
الالوسي
تفسير : {كَلاَّ } ردع وزجر عن الكسب الرائن أو بمعنى حقاً {إِنَّهُمْ } أي هؤلاء المكذبين {عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } لا يرونه سبحانه وهو عز وجل حاضر ناظر لهم بخلاف المؤمنين فالحجاب مجاز عن عدم الرؤية لأن المحجوب لا يرى ما حجب أو الحجب المنع والكلام على حذف مضاف أي عن رؤية ربهم لممنوعون فلا يرونه سبحانه. ((واحتج بالآية مالك على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص. وقال الشافعي لما حجب سبحانه قوماً بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا. وقال أنس بن مالك لما حجب عز وجل أعداءه سبحانه فلم يروه تجلى جل شأنه لأوليائه حتى رأوه عز وجل)) ومن أنكر رؤيته تعالى كالمعتزلة قال إن الكلام تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم كما قال: شعر : إذا اعتروا باب ذي عبية رجبوا والناس من بين مرجوب ومحجوب تفسير : أو هو بتقدير مضاف أي عن رحمة ربهم مثلاً لمحجوبون وعن ابن عباس وقتادة ومجاهد تقدير ذلك. وعن ابن كيسان تقدير الكرامة لكنهم أرادوا عموم المقدر لرؤية وغيرها من ألطافه تعالى. والجار والمجرور متعلق بمحجوبون وهو العامل في {يَوْمَئِذٍ} والتنوين فيه تنوين عوض والمعوض عنه هنا {أية : يَقُومُ ٱلنَّاسُ}تفسير : [المطففين: 6] السابق كأنه قيل إنهم لمحجوبون عن ربهم يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (15) - يَزْجُرُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ، الذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ القُرْآنَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، والذِينَ يَدَّعُوْنَ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ عِنْدَ اللهِ مِنَ المُقَرَّبِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، فَهُمْ سَيُطْرَدُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَسَيُحْجَبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ.
الثعلبي
تفسير : {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} قال بعضهم: من كرامته ورحمته ممنوعون، وقال قتادة: هو أن لا ينظر إليهم ولا يزكيهم، وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته، قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. أخبرنا الحسن بن محمد بن جعفر قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هاني قال: حدّثنا الحسين بن الفضل قال: حدّثنا عفان بن مسلم الصفار عن الربيع بن صبيح وعبد الواحد بن زيد قالا: قال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربّهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا، وقال يحيى بن سليمان: بن نضلة: يُسئل مالك بن أنس عن هذه الآية قال: لها حجب أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رآوه، وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد [الشبوي] بها يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي رضي الله عنه وجاءه كتاب من الصعيد يسألونه عن قول الله سبحانه: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فكتب فيه: لما حجب قوماً بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا، فقلت له: أوتدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أن يرى ربّه في المعاد لما عبده في الدنيا. {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} لداخلوا النار {ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} أخبرني الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيّب عن الأعمش عن النهال عن زادان عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عليين في السماء السابعة تحت العرش" تفسير : وقال ابن عباس هو لوح من زبزجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها، وقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى، مقاتل: ساق العرش، علي ابن أبي طلحة وعطاء عن ابن عباس: هو الجنة، عطية عنه: أعمالهم في كتاب الله في السماء، الضحاك: سدرة المنتهى، وقال أهل المعاني: علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون لجمع الرجال إذا لم يكن له نبأ من واحد ولا ثانية، قال الفراء: هو اسم موضوع على صفة الجمع لا واحد له من لفظه كقولك عشرين وثلاثين، وقال يونس النحوي: واحدها عليّ وعليّه. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن حمدان قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق الملحمي قال: حدّثنا محمد بن يونس قال: حدّثنا عفان قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عصام ابن يهدله عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو في قوله سبحانه: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} قال: إنّ أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كذا فإذا أشرف رجل أشرقت الجنة وقالوا: قد طلع علينا رجل من أهل عليين. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} رقم له بخير وفي الآية تقديم وتأخير، مجازها: إنّ كتاب الأبرار مرقوم في عليين وهي محل الملائكة، ومثله إن كتاب الفجّار كتاب مرقوم وهي سجين، وهي محل إبليس وجنوده. {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} الملائكة {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} أي ما أعطاهم الله تعالى من الكرامة والنعمة، الأرائك: كلّ ما يتكيء عليه، وقيل: السرير في الحجلة، وقال مقاتل: ينظرون إلى [أعدائهم] كيف يعذّبون، وقال ابن عطاء: على أرائك المعرفة ينظرون إلى المعروف وعلى أرائك القربة ينظرون إلى الرؤوف. {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} أي عصارته وبريقه ونوره يقال أنضر النبات إذا أزهر ونوّر، وقراءة العامة {تَعْرِفُ} بفتح التاء وكسر الراء {نَضْرَةَ} نصب، وقرأ أبو جعفر ويعقوب بضم التاء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل. {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} خمر صافية طيبة وقيل: هي الخمر العتيقة، مقاتل: الخمر البيضاء. قال حسان: شعر : يسقون من ورّد البريص عليهم بردا يُصفّق بالرحيق السَلسَل تفسير : وقال آخر: شعر : أم لا سبيل إلى الشباب وذكره أشهى إليّ من الرحيق السلسل تفسير : {مَّخْتُومٍ} ختمت ومُنعت عن أن يمسها ماس أو تنالها يد إلى أن يفكّ خَتْمها الأبرار يوم القيامة، وقال مجاهد: مطيّن. {خِتَامُهُ} طينة {مِسْكٌ} قال ابن زيد: ختامه عند الله سبحانه: مسّك وختامها اليوم في الدنيا طين، وقال ابن مسعود: مختوم ممزوج، ختامه خلطو مسك، وقال علقمة: طعمه وريحه مسك، وقال الآخرون: عاقبته وآخر طعمه مسك، قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك، وروى عبد الرحمن بن سابط عن أبي الدرداء في قوله سبحانه {خِتَامُهُ مِسْكٌ} قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل إصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلاّ وجد طيبها. وختم كلّ شيء الفراغ منه، ومنه ختم القرآن، والأعمال بخواتيمها، وقراءة العامة (ختامه) بتقديم التاء وقرأ الكسائي (خاتمه) وهي قراءة علي وعلقمة. أخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن الجهم قال: أخبرنا يحيى بن زرارة الفراء قال: حدّثني محمد بن الفضل عن عطاء بن السائب عن أبي عبدالرحمن أنه قرأ خاتمه مسك. وباسناده عن الفراء قال: حدّثني أبو الأحوص عن أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي قال: قرأ علقمة بن قيس (خاتمه مسك) وقال: أما رأيت المرأة تقول للعطار: اجعل لي خاتمه مسكاً، تريد آخره، والخاتم والختام واحد كما يقال للرجل الكريم: الطابع والطباع، وقال الفرزدق: شعر : فبتن بجانبي مصّرعات وبتّ أفضُ أغلاق الختام تفسير : {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله، وقال مجاهد فليعمل العاملون، نظيره قوله سبحانه: {أية : لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ} تفسير : [السجدة: 17]، مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون، ابن حيان: فليتسارع المتسارعون، عطا: فليستبق المتسابقون، زيد بن أسلم: فليتشاح المتشاحون، ابن جرير: فليجدوا في طلبه وليحرصوا عليه، وأصله من الشيء النفيس، وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس، ويطلبه ويتمناه ويريده كل واحد منهم لنفسه وينفس به على غيره أي يضنُ. {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} شراب ينصب عليه من علو، ومنه سنام البعير وتسنيم القبور قال الضحاك: هو شراب اسمه تسنيم وهو أشرف الشراب، مقاتل: يسمى تسنيماً؛ لأنه يتسنّم فيصب عليه انصباباً من فوقهم في غرفهم ومنازلهم تجري من جنّة عدن إلى أهل الجنان، قال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص للمقربين يشربونها صرفاً ويمزج لساير أهل الجنة. وأخبرنا عبد الله بن حامد في آخرين قالوا: أخبرنا مكيّ قال: حدّثنا عمار بن رجاء قال: حدّثنا سويد بن عمرو الكلبي قال: حدّثنا حماد بن سملة عن علي بن زيد عن يونس بن مهران عن ابن عباس {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} قال: هذا مما قال الله سبحانه: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [السجدة: 17]، وعن بعضهم: أنها عين تجري في الهواء متسنماً فتصب في أواني أهل الجنّة على مقدار ملئها، فإذا امتلأت أمسك الماء حتى لا يقع منه قطرة على الأرض فلا يحتاجون إلى الأستقاء وهو معنى قول قتادة، وأصل الكلمة مأخوذ من علوّ المكان والمكانة، فيقال للشيء المرتفع: سنام، وللرجل الشريف: سنام وهو إسم معرفة مثل التنعيم وهو اسم جبل. {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا} أي منها، وقيل يشربها {ٱلْمُقَرَّبُونَ} قال الحريري والواسطي: يشرب بها المقرّبون صرفاً على بساط القرب في مجلس الأُنس ورياض القُدس بكأس الرضا على مشاهدة الحقّ سبحانه وتعالى. {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} اشركوا أبا جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم من مترفي مكّة {كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ} عمّار وخبّاب وصهيب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين. {يَضْحَكُونَ} وبهم يستهزؤون ومن إسلامهم يتعجبون. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) وذلك أنه جاء في نفر من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات قبل أن يصل عليّ وأصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} يغمز بعضاً ويشيرون بالأعين {وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} حين يأتون محمد يرون أنهم على شيء {وَمَآ أُرْسِلُواْ} يعني المشركين {عَلَيْهِمْ} يعني على المؤمنين {حَافِظِينَ} لأعمالهم موكلين بأحوالهم. {فَٱلْيَوْمَ} يعني يوم القيامة {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} كما ضحك الكفار منهم في الدنيا وذلك أنّه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم أخرجوا إليها فإذا وصلوا إليه أغلق دونهم يفعل بهم ذلك مراراً ويضحك المؤمنون منهم وهم {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} من الدر والياقوت { يَنظُرُونَ} إليهم كيف يعذبون، قال كعب: بين الجنة والنار كوىً فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو له كان في الدنيا اطلّع من بعض تلك الكوى، دليله قوله سبحانه {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 55] {هَلْ ثُوِّبَ} جوزي {ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} ثوّب وأثاب بمعنى واحد.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} معناه عن رَحمتِهِ مَمنوعُونَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):