٨٣ - ٱلْمُطَفِّفِين
83 - Al-Mutaffifeen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الفجار المطففين، أتبعه بذكر حال الأبرار الذين لا يطففون، فقال: {كَلاَّ } أي ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجار من إنكار البعث ومن أن كتاب الله أساطير الأولين. واعلم أن لأهل اللغة في لفظ {عِلّيّينَ } أقوالاً، ولأهل التفسير أيضاً أقوالاً، أما أهل اللغة قال أبو الفتح الموصلي: {عِلّيّينَ } جمع علي وهو فعيل من العلو، وقال الزجاج: إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع، كما تقول: هذه قنسرون ورأيت قنسرين، وأما المفسرون فروي عن ابن عباس أنها السماء الرابعة، وفي رواية أخرى إنها السماء السابعة، وقال قتادة ومقاتل: هي قائمة العرش اليمنى فوق السماء السابعة، وقال الضحاك: هي سدرة المنتهى، وقال الفراء: يعني ارتفاعاً بعد ارتفاع لا غاية له، وقال الزجاج: أعلى الأمكنة، وقال آخرون: هي مراتب عالية محفوظة بالجلالة قد عظمها الله وأعلى شأنها، وقال آخرون: عند كتاب أعمال الملائكة، وظاهر القرآن يشهد لهذا القول الأخير لأنه تعالى قال لرسوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ } تنبيهاً له على أنه معلوم له، وأنه سيعرفه ثم قال: {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } فبين أن كتابهم في هذا الكتاب المرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة، فكأنه تعالى كما وكلهم باللوح المحفوظ فكذلك يوكلهم بحفظ كتب الأبرار في جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه الإعظام له ولا يمتنع أن الحفظة إذا صعدت بكتب الأبرار فإنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم أو ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذي وكلوا بحفظه ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار، فلذلك يحاسبون حساباً يسيراً، لأن هؤلاء المقربين يشهدون لهم بما حفظوه من أعمالهم، وإذا كان هذا الكتاب في السماء صح قول من تأول ذلك على أنه في السماء العالية، فتتقارب الأقوال في ذلك، وإذا كان الذي ذكرناه أولى. واعلم أن المعتمد في تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات السعادة، والسفل والضيق والظلمة من علامات الشقاوة، فلما كان المقصود من وضع كتاب الفجار في أسفل السافلين، وفي أضيق المواضع إذلال الفجار وتحقير شأنهم، كان المقصود من وضع كتاب الأبرار في أعلى عليين، وشهادة الملائكة لهم بذلك إجلالهم وتعظيم شأنهم، وفي الآية وجه آخر، وهو أن المراد من الكتاب الكتابة، فيكون المعنى أن كتابة أعمال الأبرار في عليين، ثم وصف عليين بأنه كتاب مرقوم فيه جميع أعمال الأبرار، وهو قول أبي مسلم. أما قوله تعالى: {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } ففيه تأويلان أحدهما: أن المراد بالكتاب المرقوم كتاب أعمالهم والثاني: أنه كتاب موضوع في عليين كتب فيه ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب،واختلفوا في ذلك الكتاب، فقال مقاتل: إن تلك الأشياء مكتوبة لهم في ساق العرش. وعن ابن عباس أنه مكتوب في لوح من زبرجد معلق تحت العرش. وقال آخرون: هو كتاب مرقوم بما يوجب سرورهم، وذلك بالضد من رقم كتاب الفجار بما يسوءهم، ويدل على هذا المعنى قوله: {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } يعني الملائكة الذي هم في عليين يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب، ومن قال: إنه كتاب الأعمال، قال: يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين المقربون من الملائكة كرامة للمؤمن.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} «كَلاَّ» بمعنى حقاً، والوقف على «تكذبون». وقيل أي ليس الأمر كما يقولون ولا كما ظنوا، بل كتابهم في سجين، وكتاب المؤمنين في عِليين. وقال مقاتل: كَلاّ، أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يَصْلَونه. ثم ٱستأنف فقال: «إِن كتاب الأبرارِ» مرفوع في عليين على قدر مرتبتهم. قال ٱبن عباس: أي في الجنة. وعنه أيضاً قال: أعمالهم في كتاب الله في السماء. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين. ورَوَي ٱبن الأجلح عن الضحاك قال: هي سِدْرة المنتهى، ينتهي إليها كل شيء من أمر الله لا يعدوها، فيقولون: رب! عبدك فلان، وهو أعلم به منهم، فيأتيه كتاب من الله عز وجل مختوم بأمانه من العذاب. فذلك قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ}. وعن كعب الأحبار قال: إن روح المؤمن إذا قبضت صُعد بها إلى السماء، وفُتحت لها أبواب السماء، وتلقَّتها الملائكة بالبشرى، ثم يخرجون معها حتى ينتهوا إلى العرش، فيخرج لهم من تحت العرش، رَقّ فيرقم ويختم فيه النجاة من الحساب يوم القيامة ويشهده المقربون. وقال قتادة أيضاً: «فِي عِلييِّن» هي فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى. وقال البَرَاء بن عازِب قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( حديث : عِلِّيون في السماء السابعة تحت العرش » تفسير : . وعن ٱبن عباس أيضاً: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق بالعرش، أعمالهم مكتوبة فيه. وقال الفراء: عِليون ٱرتفاع بعد ٱرتفاع. وقيل: عليون أعلى الأمكنة. وقيل: معناه علوّ في علوّ مضاعف، كأنه لا غاية له؛ ولذلك جمع بالواو والنون. وهو معنى قول الطبريّ. قال الفراء: هو ٱسم موضوع على صفة الجمع، ولا واحد له من لفظة؛ كقولك: عشرون وثلاثون، والعرب إذا جمعت جمعاً ولم يكن له بناء من واحده ولا تثنية، قالوا في المذكر والمؤنث بالنون. وهي معنى قول الطبري. وقال الزجاج: إعراب هذا الأسم كإعراب الجمع، كما تقول: هذه قِنَّسْرون، ورأيت قِنسرين. وقال يونس النحوي واحدها: عِليّ وعِلية. وقال أبو الفتح: عِليين: جمع عِليّ، وهو فِعِّيل من العلوّ. وكان سبيله أن يقول عِلِّية كما قالوا للغرفة عِلِّية؛ لأنها من العلو، فلما حذف التاء من عِلية عوضوا منها الجمع بالواو والنون، كما قالوا في أرضين. وقيل: إن عليين صفة للملائكة، فإنهم الملأ الأعلى؛ كما يقال: فلان في بني فلان؛ أي هو في جملتهم وعندهم. والذي في الخبر من حديث ٱبن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن أهل عِليين لينظرون إلى الجنة من كذا، فإذا أشرف رجل من أهل عِليين أشرقت الجنة لضياء وجهه، فيقولون: ما هذا النور؟ فيقال أشرف رجل من أهل عِليين الأبرار أهل الطاعة والصدق » تفسير : وفي خبر آخر: « حديث : إن أهل الجنة ليرون أهل عِليين كما يُرى الكوكب الدُّرِّيُّ في أفق السماء » تفسير : يدل على أن عِليين ٱسم الموضع المرتفع. وروى ناس عن ابن عباس في قوله «عِليين» قال: أخبر أن أعمالهم وأرواحهم في السماء الرابعة. ثم قال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} أي ما الذي أعلمك يا محمد أي شيء عليون؟ على جهة التفخيم والتعظيم له في المنزلة الرفيعة. ثم فسره له فقال: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ}. وقيل: إن «كتاب مرقوم» ليس تفسير العِليين، بل تم الكلام عند قوله «عليون» ثم ابتدأ وقال: «كتاب مرقوم» أي كتاب الأبرار كتاب مرقوم ولهذا عكس الرقم في كتاب الفجار؛ قاله القشيريّ. وروي: أن الملائكة تصعد بعمل العبد فيستقبلِّونهُ فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم: إنكم الحفَظَة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص لي عمله، فاجعلوه في عليين، فقد غفرت له، وإنها لتصعد بعمل العبد، فيتركونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله، فاجعلوه في سِجِّين. قوله تعالى: {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء من الملائكة. وقال وهب وابن إسحاق: المقربون هنا إسرافيل عليه السلام، فإذا عمل المؤمن عمل البر، صَعِدت الملائكة بالصحيفة وله نور يتلألأ في السموات كنور الشمس في الأرض، حتى ينتهي بها إلى إسرافيل، فيختم عليها ويكتب فهو قوله: «يشهده المقربون» أي يشهد كتابتهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: حقاً {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ} وهم بخلاف الفجار {لَفِى عِلِّيِّينَ} أي: مصيرهم إلى عليين، وهو بخلاف سجين. قال الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعباً، وأنا حاضر، عن سجين قال: هي الأرض السابعة، وفيها أرواح الكفار، وسأله عن عليين فقال: هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين، وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: { كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ} يعني: الجنة. وفي رواية العوفي عنه: أعمالهم في السماء عند الله، وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: عليون: ساق العرش اليمنى، وقال غيره: عليون: عند سدرة المنتهى، والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع، عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظماً أمره ومفخماً شأنه: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}؟ ثم قال تعالى مؤكداً لما كتب لهم: { كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } وهم الملائكة، قاله قتادة، وقال العوفي عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها. ثم قال تعالى: { إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ} أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} وهي السرر تحت الحجال ينظرون. قيل: معناه: ينظرون في ملكهم، وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي، ولا يبيد. وقيل: معناه: { عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} إلى الله عز وجل، وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار: { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله عز وجل، وهم على سررهم وفرشهم؛ كما تقدم في حديث ابن عمر: «حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله عز وجل في اليوم مرتين» تفسير : وقوله تعالى: {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم، أي: صفة الترافة والحشمة، والسرور والدعة والرياسة؛ مما هم فيه من النعيم العظيم. وقوله تعالى: { يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} أي: يسقون من خمر من الجنة، والرحيق من أسماء الخمر، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد، قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير عن سعد أبي المجاهد الطائي عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري، أراه قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة ماء على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمناً ثوباً على عري، كساه الله من خضر الجنة» تفسير : وقال ابن مسعود في قوله: {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ} أي: خلطه مسك، وقال العوفي عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك، وكذا قال قتادة والضحاك، وقال إبراهيم والحسن: ختامه مسك، أي: عاقبته مسك. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الدرداء: {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ} قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه، ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ} قال: طيبه مسك. وقوله تعالى: {وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ} أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباه ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون؛ كقوله تعالى: {أية : لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ} تفسير : [الصافات: 61]، وقوله تعالى: { وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم، أي: من شراب يقال له: تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه، قاله أبو صالح والضحاك، ولهذا قال: { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي: يشربها المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً، قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَلاَّ } حقاً {إِنَّ كِتَٰبَ ٱلأَبْرَارِ } أي كتاب أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم {لَفِى عِلِّيِّينَ } قيل هو كتاب جامع لأعمال الخير من الملائكة ومؤمني الثقلين، وقيل هو مكان في السماء السابعة تحت العرش.
الشوكاني
تفسير : قوله: {كَلاَّ } للردع، والزجر عما كانوا عليه، والتكرير للتأكيد، وجملة: {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ } مستأنفة لبيان ما تضمنته، ويجوز أن يكون كلا بمعنى: حقاً، والأبرار: هم المطيعون، وكتابهم صحائف حسناتهم. قال الفراء: عليين ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له، ووجه هذا أنه منقول من جمع عليّ من العلوّ. قال الزجاج: هو إعلاء الأمكنة. قال الفراء والزجاج: فأعرب كإعراب الجمع؛ لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه نحو: ثلاثين، وعشرين، وقنسرين. قيل: هو علم لديوان الخير الذي دوّن فيه ما عمله الصالحون. وحكى الواحدي عن المفسرين أنه السماء السابعة. قال الضحاك، ومجاهد، وقتادة يعني: السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين. وقال الضحاك: هو سدرة المنتهى ينتهي إليه كل شيء من أمر الله لا يعدوها، وقيل هو الجنة، وقال قتادة أيضاً: هو فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى، وقيل: إن عليين صفة للملائكة، فإنهم في الملأ الأعلى، كما يقال فلان في بني فلان أي: في جملتهم {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ * كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } أي: وما أعلمك يا محمد أيّ شيء عليون على جهة التفخيم والتعظيم لعليين، ثم فسره فقال: {كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } أي: مسطور، والكلام في هذا كالكلام المتقدم في قوله: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ * كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ } تفسير : [المطففين: 8، 9] وجملة: {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } صفة أخرى لكتاب، والمعنى: أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب المرقوم، وقيل: يشهدون بما فيه يوم القيامة. قال وهب وابن إسحاق: المقرّبون هنا إسرافيل، فإذا عمل المؤمن عمل البرّ صعدت الملائكة بالصحيفة، ولها نور يتلألأ في السمٰوات كنور الشمس في الأرض حتى تنتهي بها إلى إسرافيل، فيختم عليها. ثم ذكر سبحانه حالهم في الجنة بعد ذكر كتابهم، فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ } أي: إن أهل الطاعة لفي تنعم عظيم لا يقادر قدره {عَلَى ٱلأَرَائِكِ يَنظُرُونَ } الأرائك: الأسرة التي في الحجال، وقد تقدّم أنها لا تطلق الأريكة على السرير إلا إذا كان في حجلة. قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير. ومعنى: {يُنظَرُونَ}: أنهم ينظرون إلى ما أعدّ الله لهم من الكرامات، كذا قال عكرمة، ومجاهد، وغيرهما. وقال مقاتل: ينظرون إلى أهل النار، وقيل: ينظرون إلى وجهه، وجلاله. {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } أي: إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة لما تراه في وجوههم من النور، والحسن، والبياض، والبهجة، والرونق، والخطاب لكلّ راء يصلح لذلك، يقال أنضر النبات: إذا أزهر ونوّر. قال عطاء: وذلك أن الله زاد في جمالهم، وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف. قرأ الجمهور {تعرف} بفتح الفوقية، وكسر الراء، ونصب نضرة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، ويعقوب، وشيبة، وطلحة، وابن أبي إسحاق بضم الفوقية، وفتح الراء على البناء للمفعول، ورفع نضرة بالنيابة {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ } قال أبو عبيدة، والأخفش، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر ما لا غشّ فيه، ولا شيء يفسده. والمختوم الذي له ختام. وقال الخليل: الرحيق أجود الخمر، وفي الصحاح الرحيق صفرة الخمر. وقال مجاهد: هو الخمر العتيقة البيضاء الصافية، ومنه قول حسان:شعر : يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل تفسير : قال مجاهد: {مَّخْتُومٍ }: مطين كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار. وقال سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي: ختامه آخر طعمه. وهو معنى قوله: {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ } أي آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك. وقيل: مختوم أوانيه من الأكواب، والأباريق بمسك مكان الطين، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته، وطيب رائحته. والحاصل أن المختوم، والختام إما أن يكون من ختام الشيء وهو آخره، أو من ختم الشيء وهو جعل الخاتم عليه، كما تختم الأشياء بالطين، ونحوه. قرأ الجمهور: {ختامه} وقرأ عليّ، وعلقمة، وشقيق، والضحاك، وطاووس، والكسائي: "خاتمه" بفتح الخاء، والتاء، وألف بينهما. قال علقمة: أما رأيت المرأة تقول للعطار: اجعل خاتمه مسكاً: أي: آخره، والخاتم، والختام يتقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر، كذا قال الفراء قال في الصحاح: والختام الطين الذي يختم به، وكذا قال ابن زيد. قال الفرزدق:شعر : وبتن بجانبي مصرّعات وبت أفضّ أغلاف الختام تفسير : {وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ } أي: فليرغب الراغبون، والإشارة بقوله: {ذلك} إلى الرحيق الموصوف بتلك الصفة، وقيل: إن في بمعنى إلى، أي: وإلى ذلك، فليتبادر المتبادرون في العمل، كما في قوله: {أية : لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ } تفسير : [الصافات: 61] وأصل التنافس التشاجر على الشيء، والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن يتفرد به دون صاحبه، يقال نفست الشيء عليه أنفسه نفاسة أي: ظننت به، ولم أحبّ أن يصير إليه. قال البغوي: أصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس، فيريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره أي: يضن به. قال عطاء: المعنى: فليستبق المستبقون. وقال مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون، وقوله: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ } معطوف على {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ } صفة أخرى لرحيق أي: ومزاج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصبّ عليهم من علو، وهو أشرف شراب الجنة، وأصل التسنيم في اللغة الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علوّ إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوّه من بدنه، ومنه تسنيم القبور، ثم بيّن ذلك فقال: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ } وانتصاب عيناً على المدح. وقال الزجاج: على الحال، وإنما جاز أن تكون {عيناً} حالاً مع كونها جامدة غير مشتقة لاتصافها بقوله: {يَشْرَبُ بِهَا } وقال الأخفش: إنها منصوبة بـ {يسقون} أي: يسقون عيناً، أو من عين، وقال الفرّاء: إنها منصوبة بـ {تسنيم} على أنه مصدر مشتق من السنام، كما في قوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً }تفسير : [البلد: 14، 15] والأوّل أولى، وبه قال المبرّد. قيل: والباء في بها زائدة أي: يشربها، أو بمعنى من أي: يشرب منها. قال ابن زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش، قيل: يشرب بها المقرّبون صرفاً، ويمزج بها كأس أصحاب اليمين. ثم ذكر سبحانه بعض قبائح المشركين فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } وهم كفار قريش، ومن وافقهم على الكفر {كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ } أي: كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين ويسخرون منهم {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ } أي: وإذا مرّ المؤمنون بالكفار وهم في مجالسهم {يَتَغَامَزُونَ } من الغمز، وهو الإشارة بالجفون والحواجب: أي: يغمز بعضهم بعضاً، ويشيرون بأعينهم وحواجبهم، وقيل: يعيرونهم بالإسلام، ويعيبونهم به {وَإِذَا ٱنقَلَبُواْ } أي: الكفار {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ } من مجالسهم {ٱنقَلَبُواْ فَـٰكِهِينَ } أي: معجبين بما هم فيه متلذذين به، يتفكهون بذكر المؤمنين، والطعن فيهم، والاستهزاء بهم، والسخرية منهم. والانقلاب: الانصراف. قرأ الجمهور: "فاكهين" وقرأ حفص، وابن القعقاع، والأعرج، والسلمي: {فكهين} بغير ألف. قال الفرّاء: هما لغتان، مثل طمع وطامع، وحذر وحاذر. وقد تقدّم بيانه في سورة الدخان أن الفكه: الأشر البطر، والفاكه: الناعم المتنعم {وَإِذَا رَأَوْهُمْ } أي: إذا رأى الكفار المسلمين في أي مكان {قَالُواْ إِنَّ هَـؤُلاَء لَضَالُّونَ } في اتباعهم محمداً، وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر، ويجوز أن يكون المعنى: وإذا رأى المسلمون الكافرين قالوا هذا القول، والأوّل أولى، وجملة: {وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ } في محل نصب على الحال من فاعل قالوا: أي: قالوا ذلك أنهم لم يرسلوا على المسلمين من جهة الله موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم. {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } المراد باليوم: اليوم الآخر {مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } والمعنى: أن المؤمنين في ذلك اليوم يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين قد نزل بهم ما نزل من العذاب، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، وجملة: {عَلَى ٱلأَرَائِكِ يَنظُرُونَ } في محل نصب على الحال من فاعل {يضحكون}: أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم، وإلى ما هم فيه من الحال الفظيع، وقد تقدّم تفسير الأرائك قريباً. قال الواحدي: قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله، وهم يعذبون في النار، فضحكوا منهم، كما ضحكوا منهم في الدنيا. وقال أبو صالح: يقال لأهل النار اخرجوا، ويفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله: {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ }. {هَلْ ثُوّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } الجملة مستأنفة لبيان أنه قد وقع الجزاء للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين، والاستهزاء بهم، والاستفهام للتقرير، وثوّب بمعنى: أثيب، والمعنى: هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلونه بالمؤمنين؟ وقيل: الجملة في محل نصب بينظرون، وقيل: هي على إضمار القول: أي: يقول بعض المؤمنين لبعض هل ثوّب الكفار، والثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويطلق على الخير والشرّ. وقد أخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر من طريق شمر بن عطية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن قوله: {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلاْبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ } قال: روح المؤمن إذا قبضت عرج بها إلى السماء، ففتح لها أبواب السماء، وتلقاها الملائكة بالبشرى حتى تنتهي بها إلى العرش، وتعرج الملائكة، فيخرج لها من تحت العرش رقّ، فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة لحساب يوم الدين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {لَفِى عِلّيّينَ } قال: الجنة، وفي قوله: {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } قال: أهل السماء. وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين»تفسير : وأخرج ابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } قال: عين في الجنة يتوضئون منها ويغتسلون، فتجري عليهم نضرة النعيم. وأخرج عبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر، والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ } قال: الرحيق الخمر، والمختوم يجدون عاقبتها طعم المسك. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر عنه في قوله: {مَّخْتُومٍ } قال: ممزوج {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ } قال: طعمه وريحه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: {مِن رَّحِيقٍ } قال: خمر، وقوله: {مَّخْتُومٍ } قال: ختم بالمسك. وأخرج الفريابي، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ } قال: ليس بخاتم يختم به، ولكن خلطه مسك، ألم تر إلى المرأة من نسائكم تقول خلطه من الطيب كذا وكذا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن أبي الدرداء {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ } قال: هو: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد ريحها. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {تَسْنِيمٍ } أشرف شراب أهل الجنة، وهو صرف للمتقين، ويمزج لأصحاب اليمين. وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ } قال: عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين، ويشربها المقرّبون صرفاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ } قال: هذا مما قال الله {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }تفسير : [السجدة: 17].
الماوردي
تفسير : {كلاّ إنّ كتابَ الأبرارِ لفِي علّيِّينَ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن عليين الجنة، قاله ابن عباس. الثاني: السماء السابعة، قاله ابن زيد، قال قتادة: وفيها أرواح المؤمنين. الثالث: قائمة العرش اليمنى، قاله كعب. الرابع: يعني في علو وصعود إلى الله تعالى، قاله الحسن. الخامس: سدرة المنتهى، قاله الضحاك. ويحتمل سادساً: أن يصفه بذلك لأنه يحل من القبول محلاً عالياً. {تَعْرِفُ في وُجوههم نَضْرَةَ النّعيم} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الطراوة والغضارة، قاله ابن شجرة. الثاني: أنها البياض، قاله الضحاك. الثالث: أنها عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فتجري عليهم نضرة النعيم، قاله عليّ. ويحتمل رابعاً: أنها استمرار البشرى بدوام النعمة. {يُسقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} وفي الرحيق ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عين في الجنة مشوب بمسك، قاله الحسن. الثاني: أنه شراب أبيض يختمون به شرابهم، قاله ابن أبي الدرداء. الثالث: أنه الخمر في قول الجمهور، ومنه قول حسان: شعر : يسقون من ورد البريص عليهم بَرَدَى يُصَفِّق بالرحيق السّلْسَلِ تفسير : لكن اختلفوا أي الخمر هي على أربعة أقاويل: أحدها: أنها الصافية، حكاه ابن عيسى. الثاني: أنها أصفى الخمر وأجوده، قاله الخليل. الثالث: أنها الخالصة من غش، حكاه الأخفش. الرابع: أنها العتيقة. وفي " مختوم " ثلاثة أقاويل: أحدها: ممزوج، قاله ابن مسعود. الثاني: مختوم في الإناء بالختم، وهو الظاهر. الثالث: ما روى أُبيّ بن كعب، قال: قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟ قال: حديث : غُدران الخمر. تفسير : {خِتامُه مِسْكٌ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: مزاجه مسك، قاله مجاهد. الثاني: عاقبته مسك، ويكون ختامه آخره،كما قال الشاعر: شعر : صرف ترقرق في الحانوت باطنه بالفلفل الجون والرمان مختوما تفسير : قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. الثالث: أن طعمه وريحه مسك، رواه ابن أبي نجيح. الرابع: أن ختمه الذي ختم به إناؤه مِسْك، قاله ابن عباس. {وفي ذلك فلْيَتنافَسِ المُتنافِسونَ} فيه وجهان: أحدهما: فليعمل العاملون، قاله مجاهد. الثاني: فليبادر المبادرون، قاله أبو بكر بن عياش والكلبي. وفيما أخذ منه التنافس والمنافسة وجهان: أحدهمأ: أنه مأخوذ من الشيء النفيس، قاله ابن جرير. الثاني: أنه مأخوذ من الرغبة فيما تميل النفوس إليه، قاله المفضل. {ومِزاجُهُ مِن تَسْنيمٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها أن التسنيم الماء، قاله الضحاك. الثاني: أنها عين في الجنة، فيشربها المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين، قاله ابن مسعود. وقال حذيفة بن اليمان: تسنيم عين في عدْن، وعدْن دار الرحمن وأهل عدْن جيرانه. الثالث: أنها خفايا أخفاها الله لأهل الجنة، ليس لها شبه في الدنيا ولا يعرف مثلها. وأصل التسنيم في اللغة أنها عين ماء تجري من علو إلى سفل، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أن يكون المراد به لذة شربها في الآخرة أكثر من لذته في الدنيا، لأن مزاج الخمر يلذ طعمها، فصار مزاجها في الآخرة بفضل لذة مزاجها من تسنيم لعلو الآخرة على الدنيا.
ابن عطية
تفسير : لما ذكر تعالى أمر {أية : كتاب الفجار}تفسير : [المطففين:7]، عقب بذكر كتاب ضدهم ليبين الفرق، و {الأبرار} جمع بر، وقرأ ابن عامر: "الأبرار" بكسر الراء، وقرأ نافع وابن كثير بفتحها، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: بإمالتها، و {عليون} قيل هو جمع على وزن فعل بناء مبالغة يريد بذلك الملائكة، فلذلك أعرب بالواو والنون، وقيل يريد المواضع العلية لأنه علو فوق علو، فلما كان هذا الاسم على هذا الوزن لا واحد له أشبه عشرين فأعرب بإعراب الجموع إذا أشبهها، وهذا أيضاً كقنسرين فإنك تقول طابت قنسرين ودخلت قنسرين، واختلف الناس في الموضع المعروف، بـ {عليين} ما هو؟ فقال قتادة: قائمة العرش اليمنى، وقال ابن عباس: السماء السابعة تحت العرش، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الضحاك: هو عند سدرة المنتهى، وقال ابن عباس: {عليون}: الجنة، وقال مكي: هو في السماء الرابعة، وقال الفراء عن بعض العلماء: في السماء الدنيا، والمعنى أن كتابهم الذي فيه أعمالهم هنالك تهمماً بها وترفيعاً لها، وأعمال الفجار في سجين في أسفل سافلين، لأنه روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس: أن أعمالهم يصعد بها إلى السماء فتأباها، ثم ترد إلى الأرض فتأباها أرض بعد أرض حتى تستقر في سجن تحت الأرض السابعة، و {كتاب مرقوم} في هذه الآية خبر {إن} والظرف ملغى، و {المقربون} في هذه الآية: الملائكة المقربون عند الله تعالى أهل كل سماء، قاله ابن عباس وغيره، و {الأرائك}: جمع أريكة وهي السرر في الحجال، و {ينظرون} معناه إلى ما عندهم من النعيم، ويحتمل أن يريد ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينظرون إلى أعدائهم في النار كيف يعذبون" تفسير : ،وقرأ جمهور الناس "تَعرِف" على مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم بفتح التاء وكسر الراء "نضرةَ" نصباً، وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وطلحة ويعقوب: "تُعرَف" بضم التاء وفتح الراء، "نضرةُ" رفعاً، وقرأ "يعرف" بالياء، لأن تأنيث النضرة ليس بحقيقي والنضرة النعمة والرونق و "الرحيق ": الخمر الصافية، ومنه قول حسان: [الكامل] شعر : يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل تفسير : و {مختوم}، يحتمل أن يختم على كؤوسه التي يشرب بها تهمماً وتنظيفاً، والأظهر أنه مختوم شرابه بالرائحة المسكية حسبما فسر قوله تعالى: {ختامه مسك}، واختلف المتأولون في قوله: {ختامه مسك} فقال علقمة وابن مسعود معناه: خلطه ومزاجه، فقال ابن عباس والحسن وابن جبير معناه: خاتمته أن يجد الرائحة عند خاتمته. الشرب رائحة المسك، وقال أبو علي: المراد لذاذة المقطع وذكاء الرائحة مع طيب الطعم، وكذلك قوله: {أية : كان مزاجها كافوراً} تفسير : [الإنسان: 5]، وقوله تعالى: {أية : زنجبيلاً} تفسير : [الإنسان:17] أي يحذي اللسان، وقد قال ابن مقبل: [البسيط] شعر : مما يفتق في الحانوت ناطقها بالفلفل الجوز والرمان مختوم تفسير : قال مجاهد معناه: طينه الذي يختم به مسك بدل الطين الذي في الدنيا، وهذا إنما يكون في الكؤوس لأن خمر الآخرة ليست في دنان إنما هي في أنهار، وقرأ الجمهور: "ختامه"، وقرأ الكسائي وعلي بن أبي طالب والضحاك والنخعي "خاتمه"، وهذه بينة المعنى: أنه يراد بها الطبع على الرحيق، وروي عنهم أيضاً كسر التاء، ثم حرض تعالى على الجنة بقوله: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}، والتنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه، فكأن نفسيهما يتباريان فيه، وقيل هو من قولك شيء نفسي، فكان هذا يعظمه ثم يعظمه الآخر ويستبقان إليه، و "المزاج": الخلط، والضمير عائد على الرحيق، واختلف الناس في {تسنيم} فقال ابن عباس وابن مسعود: {تسنيم} أشرف شراب في الجنة وهو اسم مذكر لماء عين في الجنة وهي عين يشربها المقربون صرفاً. ويمزج رحيق الأبرار بها، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن وأبو صالح وغيرهم، وقال مجاهد ما معناه: إن تسنيماً مصدر من سنمت إذا عليت ومنه السنام، فكأنها عين قد عليت على أهل الجنة فهي تنحدر، وذهب قوم إلى أن {الأبرار} و "المقربين" في هذه الآية لمعنى واحد، يقال: لكل من نعم في الجنة، وذهب الجمهور من المتأولين إلى أن منزلة الأبرار دون المقربين، وأن {الأبرار}: هم أصحاب اليمين وأن المقربين هم السابقون، و {عيناً} منصوب إما على المدح، وإما أن يعمل فيه {تسنيم} على رأي من رآه مصدراً، أو ينتصب على الحال من {تسنيم} أو {يسقون}، قاله الأخفش وفيه بعد، وقوله تعالى: {يشرب بها} معناه: يشربها كقول الشاعر [أبو ذؤيب الهذلي]: [الطويل] شعر : شربن بماء البحر ثم تصعدت متى لجج خضر لهن نئيج تفسير : ثم ذكر تعالى أن الأمر الذي {أجرموا} بالكفر أي كسبوه كانوا في دنياهم {يضحكون} من المؤمنين ويستخفون بهم ويتخذونهم هزؤاً، وروي أن هذه الآية نزلت في صناديد قريش وضعفة المؤمنين، وروي أنها نزلت بسبب أن علي بن أبي طالب وجمعاً معه مروا بجمع من كفار مكة، فضحكوا منهم واستخفوا بهم عبثاً ونقصان عقل، فنزلت الآية في ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {عِلِّيِّينَ} الجنة أو السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين أو قائمة العرش اليمنى أو في علو وصعود إلى الله تعالى "ح" أو سدرة المنتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ}: لمَّا ذكر تعالى حال الكفار والمطففين أتبعه بذكر الأبرار الذين لا يطففون، فقال: "كلاَّ" أي: ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجَّار من إنكار البعث، ومن أنَّ كتاب الله أساطير الأولين، بل كتابهم في سجِّين، وكتابُ الأبرارِ في علِّيِّين. وقال مقاتلٌ: "كلاَّ" أي: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. قوله: {لَفِي عِلِّيِّينَ}. هو خبر "إنَّ". وقال ابن عطيَّة هنا كما قال هناك، ويرد عليه بما تقدم، و "علِّيُّون": جمع "عِلِّيِّ"، أو هو اسم مكان في أعْلَى الجنة، وجرى مجرى جمع العقلاء، فرفع الواو، ونصب وجر بالياء، مع فوات شرط العقل. وقال أبو البقاء: واحدها "عليّ" وهو الملك. وقيل: هو صيغة للجمع مثل عشرين، ثم ذكر نحواً مما ذكره في "سِجِّين" من الحذف المتقدم. وقال الزمخشري: "عِلِّيُّون" علم لديوان الخير الذي دوِّن فيه كلُّ ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع "عليّ" "فعيل" من العلو كـ "سجين" من السجن، سمي بذلك؛ إمَّا لأنَّه سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات في الجنة، وإما لأنَّه مرفوع في السماء السابعة. وتلك الأقوال الماضية في "سجِّين" كلُّها عائدة هنا. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنَّها السماء السابعة. وقال مقاتلٌ وقتادةُ: هي سدرةُ المنتهى. وقال الفراء: يعني: ارتفاعها بعد ارتفاع لا غاية له. وقال الزجاجُ: أعْلَى الأمْكِنَةِ. وقال آخرون: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة. وقال آخرون: عند كتاب أعمال الملائكة، لقوله تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} وذلك تنبيه على أنَّه معلوم، وأنه سيعرفه، ثم قال تعالى: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} فبين أن كتابهم في هذا الكتاب بالمرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة، فكأنَّه - تعالى - كما وكلَّهم باللوح المحفوظ، فكذلك وكلَّهُم بحفظ كُتبِ الأبرار في جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه الإعظام له، ولا يمنع أن الحفظة إذا صعدت تكتب الأبرار بأنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين، فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم، أو ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذي وُكِّلوا بحفظه، ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار، فلذلك يحاسبون حساباً يسيراً. وقيل: المعنى: ارتفاع بعد ارتفاع. وقال أبو مسلم: هذا كناية عن العلو والرفعة، والأول كناية عن الذُّلِّ والإهانةِ. وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "عِلِّيُّون": لوحٌ من زبرجدة خضراء معلَّق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه. قال كعب وقتادة: هي قائمة العرش اليمنى. وقال ابن عباس: هو الجنة. وقال الضحاكُ: سدرةُ المنتهى. وقوله تعالى: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}: ليس فيه تفسير عليِّين، أي: مكتوب أعمالهم كما تقدم في كتاب الفجار. وقيل: كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة. قوله: {يَشْهَدُهُ}: جملة يجوز أن تكون صفة ثانية، وأن تكون مستأنفة، والمعنى: أنَّ الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك المكتوب وذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}. لمَّا عظم كتابهم عظم منزلتهم بأنَّهم في النعيم ثم بين ذلك النعيم بأمورٍ، ثلاثة: أولها: بقوله تعالى: {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}. قال القفَّال: "الأرائك": الأسِرَّة في الحجال، ولا تُسَمَّى أريكة فيما زعموا إلا إذا كان كذلك. وعن الحسن - رضي الله عنه - كُنَّا لا ندري ما الأريكةُ، حتى لقينا رجلٌ من أهل "اليمن"، أخبرنا أن الأريكة عندهم ذلك. وقوله: "يَنْظُرون" قيل: إلى أنواع نعيمهم من الحُور والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها. وقال مقاتلٌ: ينظرون إلى عدوِّهم حين يعذبون. وقيل: إذا اشتهوا شيئاً نظروا إليه، فيحضرهم ذلك الشيء في الحال قيل: يحمل على الكل. قال ابن الخطيب: إنهم ينظرون إلى ربهم بدليل قوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ}. قوله تعالى: {تَعْرِفُ}. العامة: على إسناد الفعل إلى المخاطب، أي: تعرف أنت يا محمد، أو كل من صح منه المعرفة. وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وشيبة وطلحة ويعقوب والزعفراني: "تُعْرَفُ" مبنياً للمفعول، و "نضرةُ": بالرفع على قيامها مقام الفاعل. وعلي بن زيد: كذلك إلا أنه بالياء أسفل؛ لأن التأنيث مجازي. والمعنى: إذا رأيتهم عرفت أنَّهم من أهل النَّعيم مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض. وقال الحسن: النضرةُ في الوجه والسُّرور في القلب. قوله تعالى: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ}. قال الليث: الرَّحيقُ: الخمر. وقيل: الخمر الصافية الطيبة. وقال مقاتل: الخمر البيضاء. وقال ابنُ الخطيب: لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ} تفسير : [الصافات: 47]. قوله: "مختوم"، أي: ختم ومنع أن تمسَّهُ يد إلى أن يفكّ ختم الأبرار. قال القفال: يحتملُ أن يكون ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر أخرى تجري أنهاراً، لقوله: {أية : وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} تفسير : [محمد: 15]، إلاَّ أنَّ هذا المختوم أشرف من الجاري. وقال أبو عبيدة والمبرد والزجاج: "المختوم": الذي له ختام أي: عاقبة. وروى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: المختوم أشرف من الجاري الممزوج ختامه، أي: طعمه وعاقبته مسكٌ، وختم كلِّ شيء: الفراغ منه، ومنه يقال: ختمتُ القرآن، والأعمال بخواتيمها، ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - واختاره الكسائي، فإنه قرأ: "خاتمةُ مِسْك" أي: آخره، كما يقال: خاتمُ النبيين، ومعناه واحد. قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم: الاسم، والخِتَام: المصدر، كقولهم: هو كريم الطِّباع والطَّابع، والخِتَام والخَاتم. وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك. وقال مجاهد: مختوم، أي: مطين. قوله: {خِتَامُهُ} أي: طينة مسك. قال ابن زيد: ختامه عند الله مسك، وختام الدنيا طين. وقرأ الكسائي: "خَاتَمهُ" بفتح التاء بعد الألف. والباقون: بتقديمها على الألف. فوجه قراءة الكسائي: أنه جعله اسماً لما يختم به الكأس، بدليل قوله: "مَخْتُوم". ثم بين الخاتم ما هو، فروي عن الكسائي أيضاً: كسر التاء، فيكون كقوله تعالى: {أية : وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} تفسير : [الأحزاب: 40]، والمعنى: خاتم رائحته مسك ووجه قراءة الجماعة: أن الختام هو الطين الذي يختم به الشيء، فجعل بدله المسك. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 5130- كَأَنَّ مُشعْشَعاً مِنْ خَمْرِ بُصْرَى نَمَتْهُ البَحْتُ مَشْدُودَ الخِتَامِ تفسير : وقيل: خلطه ومزاجه. وقيل: خاتمته أي: مقطع شربه يجد الإنسان فيه ريح المسك. قيل: سُمِّي المسك مسْكاً؛ لأن الغزال يُمسكه في سُرَّته، والمساكةُ: البُخْلُ وحبس المال، يقال: رجل مَسِيكٌ لبخله، والمَسْكُ: الجلد لإمساكه ما فيه، والمَاسِكَة: التي أخطأت خافضتُها فأصابت من مسكها غير موضع الختان، والمَسَكة: سوار من قرن أو عاجٍ لتماسكه والمسكة - بضم الميم -: الشَّيء القليل، يقال: ما له مُسْكَة، أي: عقل. قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}. التَّنافسُ: المُغالبة في الشيء النفيس، يقال: نفستُه به نفاسة، أي: بخلت به، وأصله من النَّفْسِ لعزتها. قال الواحديّ: نفستُ الشيء أنفسُه نفاسةً: بَخِلْتُ به. وقال البغوي: وأصله من الشيء النَّفِيس أي: تحرص عليه نفوس النَّاس، ويريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره أي: يضنّ، والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى. وقال مجاهد: فليعمل العاملون، كقوله تعالى: {أية : لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ} تفسير : [الصافات: 61]. وقال عطاء: فليستبق المستبقون. وقال مقاتلُ بن سليمان: فليتنازع المتنازعون. قوله: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ}، التسنيم: علمٌ لعينٍ في الجنَّة. فصل في المراد بالتسنيم قال الزمخشريُّ: "التسنيم" علمٌ لعين بعينها، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنَّمه، إذا رفعه. قال شهاب الدِّين: وفيه نظر؛ لأنه كان من حقه أن يمنع الصَّرف للعلمية والتأنيث، وإن كان مجازياً، ولا يقدح في ذلك كونه مذكر الأصل؛ لأن العبرة بحال العلمية، ألا ترى أنهم نصّوا على أنَّه لو سمي بـ "زيد" امرأة وجب المنع، وإن كان في "هِنْد" وجهان، اللهم إلا أن يقول: ذهب بها مذهب النهر، ونحوه، فيكون كـ "واسط، ودانق". فصل في معنى التسنيم التسنيم: شرابٌ ينصبُّ عليهم من علوٍّ في غرفهم ومنازلهم. وقيل: يجري في الهواء منسماً فينصبُّ في أوانيهم فيملأها. قال قتادة: وأصل الكلمة من العلو، ويقال للشيء المرتفع سنامٌ، ومنه سنامُ البعيرِ، وتسمنتُ الحائط: إذا علوته. وقال الضحاك: هو شراب اسمه: تسنيمٌ، وهو من أشرف الشراب. قال ابنُ مسعودٍ وابن عباسٍ: هو خالص للمقربين يشربونها، ويمزج لسائر أهل الجنَّة، وهو قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ}. وعن ابن عباس: أنَّه سُئِلَ عن قوله تعالى: {مِن تَسْنِيمٍ} قال: هذا ما قال الله تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [السجدة: 17]. قوله: {عَيْناً}. فيه أوجه: أحدها: أنَّه حالٌ. قال الزجاج: يعني من تسنيم، لأنه علم لشيء بعينه، إلا أنه يشكل بكونه جامداً. الثاني: أنه منصوب على المدح. قاله الزمخشري. الثالث: أنَّها منصوبة بـ "يُسْقونَ" مقدراً. قاله الأخفش. وقوله: {يَشْرَبُ بِهَا} أي: منها، والباء زائدة، أو ضمير "يشرب" بمعنى يروى، وتقدم هذا مشبعاً في "هل أتى". قال البغوي: التقدير: يشربها المقربون صرفاً. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ}، أي: أشركوا، يعني: كفَّار قريش أبا جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل من مترفي "مكة". {كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عمَّار، وخبَّاب، وصهيب، وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين "يَضْحَكُون" استهزاء بهم. وقوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ} متعلِّق بـ "يضحكون" أي: من أجلهم، وقدم لأجل الفواصل. قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ} يعني: المؤمنين بالكفار "يَتَغَامَزُونَ"، والغَمْز: الإشارة بالجفنِ والحاجبِ، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء. وقيل: الغمزُ بمعنى: العيب يقال: غمزهُ، أي: عابه، وما في فلان غميزٌ، أي: ما يعابُ به. قوله تعالى: {وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ} يعني: الكفار {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} معجبين بما هم فيه، يتفكَّهُونَ تذكرهم بالسُّوءِ. وقرأ حفص: "فكهين" دون ألف. والباقون: بها. فقيل: هما بمعنى، وقيل: "فكهين" أشرين، و "فاكهين" من التفكه. وقيل: "فكهين" فرحين و "فاكهين" ناعمين. وقيل: "فاكهين" أصحاب فاكهة ومزاح. قوله: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ}. يجوز أن يكون المرفوع للكفَّار، والمنصوب للمؤمنين، أي: أن الكفار إذا رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} أي: يأتون محمداً المختار، يرون أنهم على شيء، أي: هم على ضلال في تركهم التنعيم الحاضر بسبب شراب لا يدري هل له وجود أم لا؟ ويجوز العكس، وكذلك الضميران في {أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ} يعني: المشركين عليهم، والمعنى: {وَمَآ أُرْسِلُواْ} يعني المشركين "عليهم" يعني المؤمنين "حافظين" أعمالهم، لم يوكلوا بحفظ أعمالهم. قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. "فاليوم": منصوب بـ "يَضْحَكُون"، ولا يضرّ تقديمه على المبتدأ، لأنه لو تقدم هان العامل لجاز، إذ لا لبس بخلاف "زيد قائم في الدار" لا يجوز "في الدار زيد قائم". ومعنى، "فاليوم" أي: في الآخرة يضحك المؤمنون من الكافرين، وفي سبب هذا الضحك وجوه: منها: أنَّ الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا، بسبب ما هم فيه من التضرر والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين، بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء. ومنها: أنَّهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي بالفاني. ومنها: أنَّهم دخلوا الجنة، أجلسُوا على الأرائكِ ينظرون إلى الكفَّار كيف يعذبون في النار، ويرفعون أصواتهم بالويل والثبور، ويلعن بعضهم بعضاً. ومنها: قال أبو صالح: يقال لأهل النار - وهم فيها - اخرجوا، ويفتحُ، لهم أبوابها، فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها أقبلوا إليها يريدون الخروج, والمؤمنون ينظرون إليهم, فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك سبب الضحاك. قوله: {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}: الجار متعلقٌ بـ "ينظرون"، و "ينظرون": حال من "يضحكون"، أي: يضحكون ناظرين إليهم، وإلى ما هم فيه من الهوان. قوله: {هَلْ ثُوِّبَ}. يجوز أن تكون الجملة الاستفهامية معلقة للنظر قبلها، فتكون في محل نصب بعد إسقاط الخافض بـ "ينظرون". وقيل: استئناف لا موضع له، ويجوز أن يكون على إضمار القول: أي: يقولون: هل ثوب، ومعنى "ثُوِّب" أي: جُوزيَ، يقال: ثوَّبهُ وأثابهُ. قال: [الطويل] شعر : 5131- سَأجزِيكَ أو يَجْزيكَ عنِّي مُثوِّبٌ وحَسْبُكَ أنْ يُثْنَى عَليْكَ وتُحْمَدَا تفسير : ويدغم أبو عمرو والكسائي وحمزة: لام "هل" في الثناء. قوله: "ما كانوا" فيه حذف، أي: ثواب ما كانوا، أو موصول اسمي أو حرفي. قال المبرد: "ثوب" فعل من الثواب، وهو ما ثوب، يرجع على فاعله جزاء ما علمه من خير، أو شر، والثَّوابُ: يستعمل في المكافأة بالشَّر. وأنشد أبو عبيدة: [الوافر] شعر : 5132- ألاَ أَبْلِغْ أبَا حَسنٍ رَسُولاً فمَا لَكَ لا يَجِيءُ إلَى الثَّوابِ تفسير : وثوَّب وأثاب بمعنى واحد، والأولى أن يحمل على سبيل التَّهكُّم، كقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]، كأنه - تعالى - يقول للمؤمنين: هل جازينا هؤلاء الكفار على استهزائهم بطريقتكم كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة، فيكون هذا القول زائداً في سرورهم والله أعلم. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعبٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَة "المُطَفِّفِين" سقاهُ اللهُ من الرَّحيقِ المختُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ".
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا ربما أفهم أنهم يرون جميع عذابهم إذ ذاك، نفاه بقوله: {كلا} أي ليس هو المجموع بل هو فرد من الجنس فلهذا عمل عليه الجنس وهو نزلهم والأمر أطم وأعظم من أن يحيط به الوصف. ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب الذي جره إليهم إقبالهم على الدنيا بادئاً به لأن المقام من أول السورة للوعيد وصوادع التهديد، أتبعه ما للمصدقين الذين أقبل بهم إلى السعادة ترك الحظوظ وإعراضهم عن عاجل شهوات الدنيا، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم: {إن كتاب الأبرار} أي صحيفة حسنات الذين هم في غاية الاتساع في شرح صدورهم، واتساع عقولهم وكثرة أعمالهم وزكائها وغير ذلك من محاسن أمورهم {لفي علييّن *} أي أماكن منسوبة إلى العلو، وقع النسب أولاً إلى فعليّ ثم جمع وإن كان لا واحد له من لفظه كعشرين وأخواته، قال الكسائي: إذا جمعت العرب ما لا يذهبون فيه إلى أن له بناء من واحد واثنين فإنهم يجمعون بالواو والنون في المذكر والمؤنث - انتهى، فهي درجات متصاعدة تصعد إلى الله ولا تحجب عنه كما يحجب ما للأشقياء بعضها فوق بعض إلى ما لا نهاية له بحسب رتب الأعمال، وكل من كان كتابه من الأبرار في مكان لحق به كما أن من كان كتابه من الفجار في سجين لحق به، قال الرازي في اللوامع: من ترقى علمه عن الحواس والأوهام وفعله عن مقتضى الشهوة والغضب فهو حقيق بأن يكون عليّاً، ومن كان علمه وإدراكه مقصوراً على الحواس والخيال والأوهام وفعله على مقتضى الشهوات البهيمية فهو حقيق بأن يكون في سجين. ولما كان هذا أمراً عظيماً، زاد في تعظيمه بقوله: {وما} أي وأي شيء {أدراك} أي جعلك دارياً وإن بالغت في الفحص {ما علّيون *} فإن وصفه لا تسعه العقول ويلزمه لعلوه فضاء مطلق واتساع مبين. ولما عظم المكان فعلمت عظمة الكتاب، ابتدأ الإخبار عنه على سبيل القطع زيادة في عظمته فقال: {كتاب} أي عظيم {مرقوم *} أي فيه أن فلاناً أمن من النار فيا له من رقم ما أحسنه وما أبهاه وما أجمله. ولما عظمه في نفسه وفي مكانه، عظمه في حضّاره فقال: {يشهده المقربون *} أي يحضره حضوراً تاماً دائماً لا غيبة فيه الجماعة الذين يعرف كل أحد أنه ليس لهم عند كل من يعتبر تقريبه إلا التقريب من ابتدائه إلى انتهائه هم شهود هذا المسطور وهم الملائكة يشيعونه من سماء إلى سماء ويحفون به سروراً وتعظيماً لصاحبه ويشهده من في السماوات من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصديقين والشهداء والصالحين، فالآية مع الأولى من الاحتباك: ذكر سجين أولاً دال على الاتساع ثانياً، وذكر عليين والمقربين ثانياً دال على أسفل سافلين والمبعدين أولاً. ولما عظم كتابهم بهذه الفضائل، التفتت النفي إلى معرفة حالهم فقال شافياً لعي هذا الالتفات مؤكداً لأجل من ينكر: {إن الأبرار} أي الذين هذا كتابهم {لفي نعيم *} أي محيط بهم ضد ما فيه الفجار من الجحيم: ولما كان لا شيء أنعم للإنسان من شيء عال يجلس عليه ويمد بصره إلى ما يشتهي مما لديه، قال مبيناً لذلك النعيم: {على الأرائك} أي الأسرة العالية مع هذا العلو المطلق في الحجال التي يعيي الفكر وصفها لما لها من العلو من ترصيع اللؤلؤ والياقوت وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر {ينظرون *} أي إلى ما يشتهون من الجنان والأنهار والحور والولدان، ليس لهم شغل غير ذلك وما شابهه من المستلذات. وقال الإمام القشيري: أثبت النظر ولم يبين المنظور إليه لاختلافهم: منهم من ينظر إلى قصوره، ومنهم من ينظر إلى حوره، ومنهم ومنهم، والخواص على دوام الأوقات إلى الله تعالى ينظرون كما أن الفجار دائماً عن ربهم محجوبون.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}[18] قال: الكتاب ظاهره في الآيتين جميعاً أعمال الخير والشر، وباطنه أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين، تجمع أرواح المؤمنين عند سدرة المنتهى، في حواصل طير خضر ترتع في الجنة إلى يوم القيامة، مرقوم بالرضا والرضوان، وتجمع أرواح الكفار في سجّين تحت الأرض السفلى، تحت خد إبليس لعنه الله، مرقوم بالعداوة والبغضاء. والله سبحانه وتعالى أعلم.
القشيري
تفسير : {عِلِّيِّينَ} أعلى الأمكنة، تحمل إليه أرواح الأبرار تشريفاً لهم وإجلالاً. ويقال: إنها سِدْرة المنتهى. ويقال: فوق السماء السابعة. كتابٌ مرقوم فيه أعمالهم مكتوبة يشهده المقربون من الملائكة.
اسماعيل حقي
تفسير : {كلا} ردع عما كانوا عليه بعد ردع وزجر بعد زجر{ان كتاب الابرار} اى الاعمال المكتوبة لهم على ان الكتاب مصدر مضاف الى مقدر {لفى عليين} لفى ديوان جامع لجميع اعمال الابرار فعليون علم لديوان الخير الذى دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع على على فعيل من العلو للمبالغة فيه سمى بذلك اما لانه سبب الارتفاع الى اعالى الدرجات فى الجنة واما لانه مرفوع فى السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له وتعظيما وروى ان الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه فاذا انتهوا الى ما شاء الله من سلطانه أوحى اليهم انكم الحفظة على عبدى وانا الرقيب على ما فى قلبه وانه اخلص عمله فاجعلوه فى عليين فقد غفرت له وانها تصعد بعمل العبد فيزكونه فاذا انتهوا به الى ما شاء الله اوحى اليهم أنتم الحفظة على عبدى وأنا الرقيب على قلبه وانه لم يخلص فى عمله فاجعلوه فى سجين وفيه اشارة الى ان الحفظة لا يطلعون على الاخلاص والرياء الا باطلاع الله تعالى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كلاَّ}، ردع للمكذبين، ثم بيّن حال الأبرار، فقال: {إنَّ كتاب الأبرارِ} أي: ما كتب من أعمالهم، والأبرار: المؤمنون المطيعون، لأنه ذُكر في مقابلة الفُجَّار، وعن الحسن: البرّ: الذي لا يؤذي الذرّ، {لفي عليين}، قال الفراء: هو اسم على صيغة الجمع لا واحد له، وقيل: واحده "عِلِّيّ"، و"علِّيه" وأيًّا ما كان فهو موضع في أعلى الجنة، يسكنه المقربون. قال ابن عمر رضي الله عنه: إنّ أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كوى، فإذا أشرف رجل أشرقت له الجنة، وقالوا: قد اطلع علينا رجل من أهل عليين، وقال في البدور: "إنَّ الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا ويدخلها ضوء من وجهه، حتى إنهم يستنشقون ريحه ويقولون: واهاً لهذه الريح الطيبة.." الحديث.. وتقدّم قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكثر أهل الجنة البُله، وعليون لذوي الألباب " تفسير : وانظره في سورة المجادلة، وفي حديث البراء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليون في السماء السابعة تحت العرش "تفسير : . وفيه ديوان أعمال السعداء، فإذا عمل العبدُ عملاً صالحاً عرج به وأثبت في ذلك الديوان، وقد رُوي في الأثر: "حديث : أن الملائكة تصعد بصحيفةٍ فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين ". تفسير : ثم نوّه بقَدْره فقال: {وما أدراك ما عليون كتابٌ مرقومٌ} أي: موضع كتاب، أو فيه كتاب مرقوم {يشهده المقربون} أي: الملائكة المقربون، أو أرواح المقربين؛ لأنَّ عليين محل الكروبيين وأرواح المقربين. {إِنَّ الأبرار} من أهل اليمين {لفي نعيمٍ} عظيم، {على الأرائك}؛ على الأسرّة في الحِجال، {ينظرون} إلى كرامة الله ونِعمه التي أولاهم، أو: إلى أعدائهم يعذّبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدْراك، {تعرف في وجوههم نضرةَ النعيم} أي: بهجة التنعُّم وطراوته ورونقه. والخطاب لكل أحد مما له حظ من الخطاب للإيذان بأنَّ حالهم من أثر النعمة وأحكام البهجة، بحيث لا يختص برؤيته راءٍ دون راءٍ. {يُسقون من رحيقٍ}؛ شراب خالص لا شوب فيه، وقيل: هو الخمر الصافية، {مختومٌ}؛ مغلق عليه، {ختامه مِسْكٌ} أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، كما يفعل أهل الدنيا بأوانيهم إذا أرادوا حِفظها وصيانتها، ولعله تمثيل لكمال نفاسته، أو: أخره وتمامُه مسك، أي: يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك. وقُرىء "خاتِمَه" بكسر التاء وفتحها. {وفي ذلك} الرحيق أو ما تقدّم من نعيم الجنان {فليتنافس المتنافسون}؛ فليرغب الراغبون، وليجتهد المجتهدون، أو فليسبق المستبقون، وذلك بالمبادرة إلى الخيرات، والكفّ عن السيئات. وأصل التنافس: التغالب في الشيء النفيس، وهو من النفس لعزتها، وقال البغوي: وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه النفوس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفَسُ به على غيره، أي: يضِنُّ به. قوله تعالى: {ومِزَاجُه من تسنيمٍ}: عطف على (خِتامه) صفة أخرى للرحيق، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته، أي: ما يمزَج به ذلك الرحيق هو من ماء التسنيم، والتسنيم اسم لعين بعينها في الفردوس الأعلى، سُميت بالتسنيم الذي هو مصدر من " سنّمه" إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، ثم فسّرها بقوله: {عيناً}، فهو منصوب على المدح أو الاختصاص، أو على الحال مع جمودها لوصفها بقوله: {يشربُ بها} أي: منها {المقربون}، قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: فيشربها المقربون صِّرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين. هـ. والمقربون هم أهل الفناء في الذات، أهل الشهود والعيان، والأبرار أهل الدليل والبرهان، وهم أهل اليمين، وذلك أنَّ المقربين لَمّا أخلصوا محبتهم لله، ولم يُحبوا معه شيئاً من الدنيا خلُصَ لهم الشراب في الآخرة, وأهل اليمين، لَمّا خلطوا في محبيتهم خلّط شرابهم، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن صَفّا صُفيَ له، ومَن كَدّر كُدّر عليه. فإن قلتَ: لِمَ أمر بالتنافس في الرحيق, ولم يأمر به في التسنيم، مع كونه أرفع؟ قلتُ: قال بعضهم: إشارة إلى أن شربه لا يُنال بسبب، بل بالسابقة، وقيل: إنه مُقدّم من تأخير، وإن التنافس حاصل في الجميع، أو يؤخذ بالأحْرى؛ لأنه إذا أمرَ بالتنافس في المفضول كان التنافس في الأفضل أحرى. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: كتاب الأبرار كتابٌ مرقوم برقم الله، رقمه بسعادتهم الأزلية، وولايتهم الأبدية، وذلك الكتاب عنده لا يطلع عليه إلاَّ المقربون المخاطبون بحديثه وكلامه، المكاشفون بالحقائق الغيبية, قال أبو عثمان المغربي: الكتاب المرقوم: هو ما يُجري اللّهُ على جوارحك من الخير والشر، رقمها بذلك، وهو لا يخاف ما رقم به، وذلك الرقْم معلّق بالقضاء والقدر عن القدرة بمشيئته تعالى عليه، ولا نزوع عن ذلك ولا حيلة له فيه، فهو في ذلك معذور في الظاهر، غير معذور في الحقيقة، هذا لعوام الخلق، وأمّا للخواص والأولياء وأهل الحقائق فإنه رقْم الله على كل شيء أوجده، لم يُشْرف على ذلك الرقْم إلاَّ المقربون، فهم أهل الإشراف, فمَن شاهد ذلك الرقْم من المقربين عرف صاحبه بما رقم به من الولاية والعداوة، فيُخبر عنه، وهو الإشراف والفراسة، كما كان لعُمر حين أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " حديث : كان في الأمم مُكلَّمون..." تفسير : الحديث، أي: فعُمر ممن أشرف على حقائق الرقْم، وعلى معاني الكتاب المرقوم, فمَن كان بذلك الحال فهو المكلّم من جهة الحق بلا واسطة. قال الجريري: رقْمٌ رَقَم اللّهُ به قلوبَ عباده بما قضى عليهم في الأزل من السعادة والشقاوة، وبذلك الرقْم خَفي في أسرار العباد، وظهر على هياكلهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له ". تفسير : والحاصل: أنَّ الكتاب المرقوم: هو ما سطر لكل أحد في الأزل، فإن رقم له بالسعادة جعلَ في عليين، إشارة إلى أنَّ صاحبه يلحق به، وإن رقم بالشقاوة جعل في سجين، إشارة إلى لحوق صاحبه به. وقوله تعالى: {يشهده المقربون} أي: يشهدونه بعلوم أفكارهم ومكاشفة أسرارهم، وقد ينطقون بذلك في حال الفيض أو الجذب، وهؤلاء هم المكلَّمون، وفي الحديث: "حديث : قد كان في الأمم مكلَّمون، وإن يكن في أمتي فعُمر" تفسير : والمقربون هم أهل الفناء والبقاء. ثم قال تعالى: {إنَّ الأبرار لفي نعيم} لذة الطاعات وحلاوة المناجاة، على أرائك المقامات ينظرون ما يفعل الله بهم. وقال القشيري: ينظرون في روضات الجنان الروحية والسرية والقلبية، لكل منهم روضة مخصوصة. هـ. ولعل نظرهم علمياً لا ذوقياً، لأنَّ الذوق للمقربين، تَعْرِفُ في وجوههم نضرة النعيم، وهو ما يظهر على وجوههم من بهجة المحبة ونضرة القُربة, ولعل المراد بالأبرار هنا السائرون، ولذلك قال: {يُسقَون من رحيق} خمرة المحبة الأزلية، الصافية من كدر الهوى، مختوم عليه في قلوب العارفين. قال القشيري: أواني ذلك الشراب هي قلوب الأصفياء والأولياء، خِتامه مسك، وهو محبة الحق، لا يشرب من تلك الأواني المختومة إلاَّ الطالبون الصادقون في طريق السلوك إلى الله. هـ. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فمَن فاته حظه من هذه الخمرة فهو محروم، كما قال ابن الفارض: شعر : علَى نَفْسِه فَلْيبْك مَن ضاعَ عُمْرُه وليس لَهُ مِنْها نَصيبٌ ولا سَهْمٌ تفسير : وقال القشيري: وتنافسهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، وتعليق القلب بالله، والانسلاخ من الأخلاق الدنية، وجولان الهمم في الملكوت، واستدامة المناجاة. هـ. ومِزاجه من تسنيم, وهو عين بحر الوحدة الصافية، التي قال فيها القطب ابن مشيش رضي الله عنه: وأغرقني في بحر الوحدة.. الخ، ولذلك فسّرها تعالى بقوله: {عيناً يشرب بها المقربون} فالمقربون يشربونه صرفاً في الدنيا والآخرة، ويمزج لغيرهم، قال بعضهم: لأنه ليس مَن احتمل حمل الصفات كمن قَوِي على مشاهدة الذات، وشربها المقربون صرْفاً لحملهم الذات والصفات جميعاً. هـ. ولأنهم صفّوا محبتهم في الدنيا من شوائب الهوى، فصفّى شرابهم في دار البقاء، وفي هذا المقام ينبغي التنافس الحقيقي، كما قال الشاعر: شعر : فروحي وريحاني إذا كنت حاضراً وإن غبتَ فالدنيا عليّ محابسُ إذا لم أنافس في هواك ولم أغر عليكَ ففي مَن ليت شعري أنافس فلا تمقتن نفسي فأنت حبيبُها فكل امرىء يصبو إلى مَن يجانس تفسير : فتنافس الأبرار في حيازة النعيم، وتنافس المقربين في حيازة المنعِم، تنافسُ الأبرار في نعيم الأشباح وتنافس المقربين في نعيم الأرواح، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم، جعلنا الله من أهل التنافس فيه وفي شهوده، آمنين. ثم شفع بأضداد هؤلاء، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي وحده {خاتمه مسك} بألف قبل التاء. الباقون {ختامه مسك} فالختام مصدر، والخاتم صفة، ونظيره: رجل كريم الطابع والطباع قال الفرزدق: شعر : فبتن خبابتي مصرعات وبت افض اغلاق الختام تفسير : وقرأ ابو جعفر ويعقوب {تعرف} بضم التاء وفتح الراء {نضرة} بالرفع على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح التاء وكسر الراء ونصب {نضرة}. لما ذكر الله تعالى الفجار وما أعده لهم من أنواع العقاب وأليم العذاب ذكر الأبرار وهو جمع بر مثل جبل واجبال. والابرار الذين فعلوا الطاعات واجتنبوا المعاصي، واخبر {إن كتاب الأبرار لفي عليين} أي مراتب عالية محفوفة بالجلالة، فقد عظمها الله تعالى بما يدل على عظم شأنها في النعمة، وجمعت بالواو والنون تشبيها بمن يعقل في الفضل وعظم الشأن. وقال ابن عباس: العليون الجنة. وقال كعب وقتادة ومجاهد والضحاك: أرواح المؤمنين في السماء السابعة، وقال الضحاك - في رواية - عليون سدرة المنتهى، وهي التي اليها ينتهي كل شيء من أمر الله تعالى. وقيل: عليون علو على علو مضاعف، ولهذا جمع بالواو والنون تفخيماً لشأنه قال الشاعر: شعر : فأصبحت المذاهب قد أذاعت به الاعصار بعد الوابلينا تفسير : يريد مطراً بعد مطر غير محدود العدد، وكذلك تفخيم شأن العد الذي ليس على الواحد، نحو ثلاثين إلى تسعين، وجرت العشرون عليه. وقيل: عليون أعلى الأمكنة. وقال الحسن: معنى فى عليين في السماء. وقال الجبائي: معناه فى جملة الملائكة العليين، فلذلك جمع بالواو والنون. ثم قال تعالى على وجه التعظيم لشأن هذه المنازل وتفخيم أمرها {وما أدراك ما عليون} لان تفصيلها لا يمكن العلم بها إلا بالمشاهدة دون علم الجملة. ثم قال {كتاب مرقوم} أي الكتاب الذي ثبت فيه طاعتهم {مرقوم} أي مكتوب فيه جميع طاعاتهم بما تقرّ به أعينهم وتوجب سرورهم بضد الكتاب الذي للفجار، لان فيه ما يسؤهم ويسخن أعينهم {يشهده المقربون} أي يشهد هذا الكتاب الملائكة المقربون أي يشاهدون جوائزهم ويرونها. ومعنى المقربون - ها هنا - هم الذين قربوا إلى كرامة الله فى أجل المراتب. ثم اخبر تعالى {إن الأبرار} وهم أهل البر الذين فعلوه لوجهه خالصاً من وجوه القبح، فالبر النفع الذي يستحق به الشكر والحمد يقال: برّ فلان بوالده فهو بار به وبرّ به، وجمعه أبرار {لفي نعيم} أي ويحصلون فى ملاذ وأنواع من الفنع {على الأرائك ينظرون} قال ابن عباس: الارائك الاسرة. وقال مجاهد: هي من اللؤلئ والياقوت، واحدها أريكة، وهو سرير فى حجلة ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الملك والكرامة، والحجلة كالقبة على الاسرة، ثم قال {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} أي تتبين في وجوههم إشراق النعمة والسرور بها. وقوله {يسقون من رحيق} فالرحيق الخمر الصافية الخالصة من كل غش. قال الخليل: هي أفضل الخمر وأجودها قال حسان: شعر : يسقون من ورد البريص عليهم برداً يصفق بالرحيق السلسل تفسير : وقوله {مختوم} قيل إن هذا الخمر مختوم في الآنية بالمسك، وهو غير الذي يجري في الانهار. وقوله {ختامه مسك} قيل في معناه قولان: أحدهما - ان مقطعه مسك بأن يوجد ريح المسك عند خاتمة شربه - ذكره ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك. والثاني - أنه ختم اناؤه بالمسك بدل الطين الذي يختم بمثله الشراب في الدنيا - ذكره مجاهد وابن زيد - ومن قرأ {خاتمه} مسك أراد آخر شرابه مسك ويفتح التاء في {خاتمه} لان العرب تقول: خاتم وخاتم وخاتام وخيتام. ومن قرأ {ختامه} أراد شرابهم مختوم بالمسك. والمسك معروف، وهو أجل الطيب سمي مسكاً، لأنه يمسك النفس لطيب ريحه والمسك - بالفتح - الجلد لامساكه ما فيه {وفي ذلك} يعني في ذلك النعيم الذي وصفه الله {فليتنافس المتنافسون} فالتنافس تمني كل واحد من النفسين مثل الشيء النفيس الذي للنفس الاخرى أن يكون له تنافسوا في الشيء تنافساً ونافسه فيه منافسة، والجليل الذي ينفس بمثله نفيس، ونفس عليه بالأمر ينفس نفاسة إذا ضن به لجلالته. وقوله {ومزاجه} أي مزاج ذلك الشراب الذى وصفه {من تسنيم} فالمزاج خلط المائع بالمائع كما يمزج الماء الحار بالبارد، والشراب بالماء. يقال أمزجه مزجاً وامتزج امتزاجا ومازجه ممازجة وتمازجا تمازجاً. والتسنيم عين الماء يجري من علو إلى سفل يتسنم عليهم من الغرف، واشتقاقه من السنام، وقال عكرمة: من تشريف، ويقال: سنام البعير لعلوه من بدنه. وقوله {عيناً يشرب بها المقربون} قيل في نصب {عين} وجوه: أولها - أن {تسنيم} معرفة و {عيناً} قطع منها، أو حال. الثاني - أن يكون {تسنيم} مصدراً فيجري مجرى {أية : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً}. تفسير : الثالث - على تقدير أعني عيناً، مدحاً. الرابع - يسقون عيناً، والباء زائدة، يقال: شربت عيناً وشربت بالعين وقد فسرناه في {هل أتى}.
الجنابذي
تفسير : {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} قد مضى بيانه عند قوله كتاب الفجّار لفى سجّين.
الأعقم
تفسير : {كلا} ردع وزجر أي لا تكذبون فاتصل بقوله هذه النار، وقيل: معناه حقاً {إن كتاب الأبرار} أي المخلصين {لفي عليّين} في السماء السابعة وفيها أزواج المؤمنين، وقيل: تحمل كتبهم وتدفع إلى حملة العرش فيحفظونه، وقيل: في السماء السابعة تحت العرش، وقيل: لوح من زبرجدة خضراء مخلوق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها، وقيل: ساق العرش، وقيل: هو الجنة، وقيل: تقدير الكلام أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم في عليين أي مقبولاً عند الله {وما أدراك ما عليون} {كتاب مرقوم} فيه تقرّ أعينهم {يشهده} يحضره {المقربون} يعني الملائكة {إن الأبرار لفي نعيم} في الجنة {على الأرائك} قيل: السرائر {ينظرون} إلى أعدائهم كيف يعذبون، وقيل: ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والملك {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} يعني يتبين في وجوههم أثر النعمة {يسقون من رحيق} قيل: خمر طيبة صافية {مختوم} {ختامه مسك} قيل: آخره ومقطعه مسك بأن يوجد ريح المسك عند خاتمة شربه، وقيل: ختم انائه بالمسك لا من الطين الذي يختم في الدنيا {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} فليرغب الراغبون {ومزاجه} أي خلطه ذلك الشراب {من تسنيم} قيل: اسم لعين في الجنة، أي ذلك التسنيم {عيناً يشرب بها المقربون} قيل: تجري من تحت العرش {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} الآية إلى آخر السورة نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص وأصحابهم كانوا يضحكون من عمار وخباب وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين، وقيل: نزلت في شأن علي (عليه السلام) وكان إذا مرَّ بهم ضحكوا منه، وقوله: {يتغامزون} يشير بعضهم إلى بعض بالأعين استهزاء بهم {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين} يعني إذا رجعوا إلى أهليهم رجعوا فاكهين، وفكهين قيل: مسرورين، وقيل: أشرين بطرين، يعني من قرأ فكهين فمعناه ذلك، وقيل: مجتمعين بأنفسهم {وإذا رأوهم} يعني رأوا المؤمنين {قالوا إن هؤلاء لضالون} عن الحق {وما أرسلوا عليهم حافظين} يعني ما كلفوا حفظهم وحفظ أعمالهم {فاليوم} يعني يوم القيامة {الذين آمنوا من الكفار يضحكون} لأنهم كانوا أعداء للمؤمنين فكان سرور المؤمنين في تعذيب أولئك {على الأرائك} الأماكن الرفيعة والأسرة المفروشة {ينظرون} قيل: إلى النعم التي أعطاهم الله تعالى، وقيل: كيف يعذبون أعداؤهم {هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون} يعني هل جُوْزوا لفعلهم، وقيل: هل بمعنى قد، وقيل: يقول المؤمنون بعضهم لبعض: هل ثوّب الكفار بأعمالهم سروراً ما نزل بهم، وقيل: يقوله الله تعالى للمؤمنين: ألم أجازيهم؟ ومتى قيل: متى استُعمِل لفظ الثواب في العقوبة؟ قلنا: الثواب حقيقته ما يرجع على صاحبه من عاقبة عمله إلا أنه عليه الإِثابة بالنعم فاستُعمِل هاهنا، وقيل: إنما قيل ذلك لمقابلة ما فعل بالمؤمنين، أي هل ثوّب الكفار كما يثوب المؤمن؟ فذكر الثواب للمقابلة.
الهواري
تفسير : قال: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} أي: في صعود إلى الله. وتفسير مجاهد: عليّون في السماء السابعة. وقال كعب: عليون قائمة العرش اليمنى. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأَنعَما . تفسير : قال عز وجل: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} قال الحسن: إنك لم تدر ما عليون حتى أعلمتك. قال عز وجل: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} أي مكتوب، يكتب عليه في عليين. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم رفعنا له في عليين . تفسير : قال: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} أي: مقربو أهل كل سماء، يشهدون كتاب عمل المؤمن حيث يرقم فيه، أي: يكتب فيه، يشهدون نسخه إذا نسخ، ويشهدون عليه يوم القيامة أنها أعمالهم. وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: إن أعمال بني آدم تنسخ من اللوح المحفوظ. قال عز وجل: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَآئِكِ} أي على السرر في الحجال. {يَنظُرُونَ}. قال مجاهد: هي سرر من لؤلؤ وياقوت. {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [يعني بريق النعيم ونداه. وقيل: حسنه وبريقه وتلألؤه] {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} [يعني الشراب]، وهي الخمر، قال عز وجل: {مَّخْتُومٍ} يعني الشراب {خِتَامُهُ مِسْكٌ} أي: عاقبته مسك في تفسير بعضهم. وقال مجاهد: ختم به آخر جرعة، وهو واحد. قال: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} أي في الدنيا بالأعمال الصالحة.
اطفيش
تفسير : {كَلاَّ} ردع عن التكذيب وتكرير للأول ليعقب بوعد الأبرار كما عقب بوعيد الفجار إشعارا بأن التطفيف فجور والإبقاء بر وقيل المراد ليس الأمر كما تقولون من إنكار البعث وقيل لا يؤمنون بالعذاب الذي لا يصلاه وقيل حقا. *{إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ} أي كتب أعمال المؤمنين الصادقين في أيمانهم *{لَفِي عِلِّيِّينَ} جمع لواحد له من لفظه ومعناه مواضع عالية علوا عظيما وقيل جمع علي بتشديد اللام من العلو كسجين من السجن مبالغة في العلو وقيل اسم مفرد لموضع واحد مشتمل على مواضع على صيغة الجمع الجمع السالم المذكر وقيل جمع على في الأَصل ثم سمى به الموضع وهو موضع في السماء السابعة تحت العرش رواه البراء وابن عباس وقال مجاهد أيضا كذلك. وعن كعب ومجاهد قائمة من قوائم العرش اليمنى وعن ابن عباس الجنة وقال الضحاك سدرة المنتهى، وقيل الصعود وقيل علو بعد علو وشرف بعد شرف وقيل مراتب عالية محفوفة بالجلاجل عظمها الله وعلاها وعن ابن عباس نوع من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش، وقيل علم بديوان الخير الذي دون فيه ما عمله الملائكة وصالحوا الثقلين سمي لأنه سبب الإرتفاع الى أعلى الدرجات في الجنة أو لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكربيون تكريما له وتعظيما وعلى أنه علم لديوان الخير فالكتاب بمعنى الكتابة ويقدر مضاف أي كتابة أعمال الأبرار أو المراد ما يكتب له أو عددهم أو كتبهم وقد تضمنها هذا الديوان. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أن أهل الجنة لا يرون أهل عليين كما ترون الكوكب في أفق السماء وأن أبا بكر وعمر منهم وأن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى اليهم أنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على قلبه وأنا أخلص عمله فاجعلوه في عليين فقد غفرت له وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه فإذا انتهوا إذا ما شاء الله أوحى اليهم انتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على قلبه وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين"تفسير : ، وفي التصريح أن عليين اسم لأعلى الجنة وأن الغزوني نقل عن يونس أن بواحد عليين علي وعليه وهي الغرفة، وعن بعض أن ظاهر الآية أعمال الخير والشر وباطنها أرواح المؤمنين تجمع عند سدرة المنتهى في حواصل طير خضر ترد من أنهار الجنة وترتعي فيها الى يوم القيامة.
اطفيش
تفسير : {كلاّ} اتدعوا الآن فى الدنيا عن التكذيب به لتنجو منه أو تكرير لكلا قبله أو للتى فى قوله كلا إن كتاب الفجار ليعقب وعد الأَبرار كما عقب وعيد الفجار إيذانا بأن التطفيف فجور أو بمعنى حق وعد الله حقاً {إنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلَّيِينَ} ديوان كتبت فيه أعمال الملائكة والمؤمنين من الإِنس والجن وهو مفرد سمى لأَنه سبب الارتفاع الى أعالى الجنة أو لأَنه فوق السماء السابعة أو فيها أو عند قائمة العرش اليمنى مع الملائكة المقربين تعظيما له منقول من جمع على بوزن فعيل من العلو كسجين من السجن وقيل عليين المواضع العلية جمع على بشد اللام والياء أصله عليه حذفت التاء وعوض عنها الجمع بالواو والنون رفعا والياء والنون جراً ونصباً جمع المؤنث وغير العاقل بذلك شذوذاً قياساً مع الفصاحة استعمالاً وقيل هم الملائكة على القياس جمع على بلا تاء، وعن ابن عباس عليون لوح من ربرجدة خضراء معلق تحت العرش كتبت فيها أعمالهم وقيل قائمة العرش اليمنى، وعن ابن عباس عليون الجنة وقيل سدره المنتهى وقيل علو بعد علو وشرف بعد شرف وقيل مراتب عالية محفوقة بالجلالة، وقال الفواء هو اسم مفرد موضوع على صيغة الجمع نحو عشرين وثلاثين.
الالوسي
تفسير : {كَلاَّ } تكرير للردع السابق في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ }تفسير : [المطففين: 7] الخ ليعقب بوعد الأبرار كما عقب ذاك بوعيد الفجار إشعاراً بأن التطفيف فجور والإيفاء بر، وقيل ردع عن التكذيب فلا تكرار {إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}.
ابن عاشور
تفسير : {كَلاَّ}. ردع وإبطال لما تضمنه ما يقال لهم: { أية : هذا الذي كنتم به تكذبون } تفسير : [المطففين: 17] فيجوز أن تكون كلمة {كلا} مما قيل لهم مع جملة {هذا الذي كنتم به تكذبون} ردعاً لهم فهي من المحكى بالقول. ويجوز أن تكون معترضة من كلام الله في القرآن إبطالاً لتكذيبهم المذكور. {إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلاَْبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَـٰبٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ}. يظهر أن هذه الآيات المنتهية بقوله: {يشهده المقربون} من الحكاية وليست من الكلام المحكي بقوله: {ثم يُقال} الخ، فإن هذه الجملة بحذافرها تشبه جملة: { أية : إن كتاب الفجار لفي سجين } تفسير : [المطففين: 7] الخ أسلوباً ومقابلةً. فالوجه أن يكون مضمونها قسيماً لمضمون شبيهها فتحصلُ مقابلة وعيد الفجار بوعد الأبرار ومن عادة القرآن تعقيب الإنذار بالتبشير والعكس لأن الناس راهب وراغب فالتعرضُ لنعيم الأبرار إدماج اقتضته المناسبة وإن كان المقام من أول السورة مقام إنذار. ويكون المتكلم بالوعد والوعيد واحداً وجَّه كلامه للفجار الذين لا يظنون أنهم مبعوثون، وأعقبه بتوجيه كلام للأبرار الذين هم بضد ذلك، فتكون هذه الآيات معترضة متصلة بحرف الردع على أوضح الوجهين المتقدمين فيه. ويجوز أن تكون من المحكي بالقول في: { أية : ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } تفسير : [المطففين: 17] فتكون محكية بالقول المذكور متصلة بالجملة التي قبلها وبحرف الإبطال على أن يكون القائلون لهم: {هذا الذي كنتم به تكذبون} على وجه التوبيخ، أعقبوا توبيخهم بوصف نعيم المؤمنين بالبعث تنديماً للذين أنكروه وتحسيراً لهم على ما أفاتوه من الخير. و{الأبرار}: جمع بر بفتح الباء، وهو الذي يعمل البِر، وتقدم في السورة التي قبل هذه. والقول في الكتاب ومظروفيته في عِلِّيين، كالقول في { أية : إنَّ كتاب الفجار لفي سجين } تفسير : [المطففين: 7]. وعليون: جمع عِلِّيِّ، وَعِلِّيٌّ على وزن فعِّيل من العلو، وهو زنة مبالغة في الوصف جاء على صورة جمع المذكر السالم وهو من الأسماء التي ألحقت بجمع المذكر السالم على غير قياس. وعن الفراء أن {عليين} لا وَاحد له. يريد: أن عليين ليس جمع (علِيٌ) ولكنّه عَلَم على مكان الأبرار في الجنّة إذ لم يسمع عن العرب (عِلّيّ) وإنّما قالوا: عِلِّيَّة للغرفة، وعليون عَلَم بالغلبة لمحلة الأبرار. واشتق هذا الاسم من العلوّ، وهو علوّ اعتباري، أي رفعة في مراتب الشرف والفضل، وصيغ على صيغة جمع المذكر لأن أصل تلك الصيغة أن تجمع بها أسماء العقلاء وصفاتهم، فاستُكمل له صيغة جمع العقلاء الذكور إتماماً لشرف المعنى باستعارة العلو وشرف النوع بإعطائه صيغة التذكير. والقول في {وما أدراك ما عليون} كالقول في { أية : وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم } تفسير : [المطففين: 8، 9] المتقدم. و{يشهده} يطلعون عليه، أي يعلن به عند المقربين، وهم الملائكة وهو إعلان تنويه بصاحبه كما يُعلن بأسماء النابغين في التعليم، وأسماء الأبطال في الكتائب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كتاب الأبرار: أي كتاب أعمالهم والأبرار هم المطيعون لله ولرسوله الصادقون. لفي عليين: أي في موضع يسمى عليين في أعلى الجنة. كتاب مرقوم: أي كتاب مرقوم بأمان من الله إياه من النار يوم القيامة والفوز بالجنة. يشهده المقربون: أي يحضره المقربون من أهل كل سماء ويحفظونه لأنه يحمل أماناً لصاحبه من النار وفوزه بالجنة. إن الأبرار لفي نعيم: أي إن الذين بروا ربهم بطاعته بأداء الفرائض واجتناب النواهي لفي نعيم الجنة. على الأرائك: أي على الأسرة ذات الحجال. ينظرون: أي ما آتاهم ربهم من صنوف النعيم. تعرف في وجوههم نضرة النعيم: أي حُسنه وبريقه وتلألؤه. من رحيق: أي من خمر صرف خالصة لا غش فيها ولا دنس. مختوم: أي مختوم على إنائها لا يفك ختمه إلا هم. ختامه مسك: أي آخر شربها يفوح برائحة المسك. وفي ذلك: أي لا في غيره. فليتنافس المتنافسون: أي فليطلب بالطاعة والاستقامة الطالبون للنعيم المقيم. ومزاجه من تسنيم: أي ومزاج شرابهم من عين تجري من عال تسمى التسنيم. عينا يشرب بها المقربون: عينا هي التسنيم يشرب منها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى كتاب الفجار وما ختم له به ذكر كتاب الأبرار وما ختم له به فقال {كَلاَّ} أي حقاً {إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ} وهو جمع بر أو بار وهو المؤمن الذي بر ربه بطاعته في أداء فرائضه واجتناب نواهيه وكان صادقاً في ذلك كتاب أعمال هؤلاء الأبرار في عليين {وَمَآ أَدْرَاكَ} يا رسولنا {مَا عِلِّيُّونَ} أنه موضع في أعلى الجنان. وقوله {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} يريد كتاب الأبرار الموضوع في عليين كتاب مرقوم بأمان من الله لصاحبه من النار والفوز بالجنة {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي مقربو كل سماء يحضرونه ويحفظون له ويشهدون بما فيه من الأمان لصاحبه من النار والفوز بالجنة. وقوله تعالى {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} وأصحاب الكتب المودعة في عليين لفي نعيم يريد يوم القيامة والنعيم هو نعيم الجنة وهذا لون منه على الأرائك اي الأسرة ذات الحجال {يَنظُرُونَ} إنهم جالسون على الأرائك ينظرون باستحسان وإعجاب ملكهم الكبير الذي ملكهم الله تعالى وقد يمتد مسافة ألفي سنة وينتهي إليه بصرهم {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} أي حسنه وبريقه وتلألؤه وقوله {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} أي من خمر هي الرحيق صافية لا دنس فيها ولا غش مختوم على أوانيها لا يفكها إلا هم. ختامه مسك آخر هذا الشراب يفوح برائحة المسك الأذفر فهي طيبة الرائحة للغاية. وقوله تعالى {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} أي وفي مثل هذا النعيم لا في غيره من حطام الدنيا وشرابها وملكها الزائل يجب أن يتنافس المتنافسون أي في طلبه بالإِيمان وصالح الأعمال بعد البعد كل البعد عن الشرك وسيئي الأقوال وقبيح الأفعال. وقوله تعالى {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي إن ذلك الرحيق يمزج لأصحاب اليمين بماء عين تسمى التسنيم ويشربه المقربون صرفاً أي خالصاً بدون مزج من عين التسنيم وقوله {يَشْرَبُ بِهَا} الباء بمعنى من أو ضمن يشرب معنى يلتذ أي يلتذ بها وقد سبق في سورة الإِنسان وقلت إنها لطيب شرابها تكاد تكون آلة للشرب فتكون الباء للآلة على بابها نحو شربت بالكأس. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الثناء على الأبرار وبيّان ما أعد الله تعالى لهم وهم المؤمنون المتقون الصادقون في ذلك. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر ما يجري فيها. 3- الترغيب في العمل الصالح للحصول على نعيم الجنة لقوله تعالى {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}.
القطان
تفسير : عِليّين: المكان العالي الرفيع القدر، وهو مقابل: سِجّين. الأرائك: جمع أريكة، وهي المقعد الوثير المنجّد. نضرة النعيم: بهجته ورونقه. رحيق: شراب خاص. مختوم: ختمت أوانيه. ختامه مسك: مختوم بأطيب انواع الطيب. فلْيتنافس المتنافسون: فليتسابق المتسابقون في عمل الخير ليلحقوا بهم. مزاجه: ما يخلط به. من تَسنيم: من عين يقال لها تسنيم. بعد أن بين اللهُ تعالى حالَ الفجّار وأعمالَهم ومآلهم يوم القيامة - يعرض هنا حالَ الأبرارِ الذين آمنوا بربِّهم وصدّقوا رسولَهم.. وهذه طريقةُ القرآن الكريم في عَرض المتقابلَين، وفي ذلك ترغيبٌ في الطاعة، وتنفيرٌ من المعصية. {كَلاَّ} ليس الأمر كما توهَّمَه أولئك الفجّارُ من إنكار البعث، ومن أن كتابَ الله أساطيرُ الأولين {إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} فهو مودَع في أشرفِ الأمكنة بحيث يشهدُه المقرَّبون من الملائكة، {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}؟ إنه أمرٌ فوق العِلم والادراك لبني البشر، وكل ما في الآخرة مختلفٌ عن حياتنا ومفهومنا. فهو: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} فهو مسطور علامتُه واضحة يشهدُه ويحفظُه المقرّبون من الملائكة تكريماً للأبرار، وتقديراً لجهودِهم وأعمالهم الصالحة. بعد هذا بين منزلة الأبرار الرفيعة، وأخذت السورةُ تفصل حالَهم وما ينالون من الجزاء والنعيم. {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ....} وهذا في مقابلة الفجّار الذين هم في الجحيم. فالله تعالى يكرم المؤمنين الأبرار ويدخلُهم جناتِ النعيم، حيث يجلسون على الأرائك وينظرون الى ما أَولاهم ربهم من النعمة والكرامة، حتى إذا نظرتَ إليهم تعرفُ في وجوههم بهجةَ النعيم ونضارته. وهم يُسقَون من شراب أهل الجنة الّذي هو الرحيقُ الخالص، الذي خُتمت أوانيه بختام من مِسْكٍ، تكريما لها وصوناً عن الابتذال، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} ويتسابقوا. والشرابُ السابق ممزوجٌ من عين في الجنة اسمُها "تَسْنِيم". {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} الأبرارُ عند الله تعالى. وكل ذلك تكريم لهم وفضلُ ضيافة. ولقد فصّل الله تعالى ما أعدّ للأبرار ووصفَ النعيمَ الذي سيلاقونه في دارِ كرامتِه حضّاً للذين يعملون الصالحاتِ على الاستزادة منها، وحثّاً للمقصِّرين واستنهاضاً لعزائمهم ان لا يقصّروا في ذلك. بعد ذلك انتقل الحديثُ في السورة الى ما كان الكفار يقابلون به المؤمنين في الحياة الدنيا وكيف كانوا يستهزئون منهم ويَسْخَرون، وان هذا ما سيقابلُ به المؤمنون الكفار يوم القيامة ويضحكون منهم. فقد روي أن صناديد قريشٍ مثلَ أبي جهلٍ، والوليدِ بن المغيرة، والعاصي بن وائل السُّهمي، وشَيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأميةَ بن خلف، وغيرهم كانوا يؤذون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويستهزئون بهم ويحرّضون عليهم سفَهاءَهم وغلمانهم. وفي ذلك كله يقول تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ....}. ان المجرِمين الجاحدين، كانوا في الحياة الدنيا يضحكون من المؤمنين، {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} عليهم بأعينِهم وأيديهم، ويَذكُرونهم بالسوء، ويشيرون إليهم مستهزئين، {وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} نفوسُهم راضية بعد ما اشبعوا تلك النفوسَ الصغيرة من السخرية بالمؤمنين وإيذائهم. {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ}. واذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا عنهم: ان هؤلاء لَضالُّون، فقد آمنوا بمحمَّد وتركوا ما كان عليه الآباء والأجداد من عبادة. ثم يردّ الله عليهم بكل أدب ووقار بقوله: {وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} ان الله لم يرسِل الكفارَ رقباءَ على المؤمنين، ولم يُؤتهم سلطةَ محاسَبتهم على أفعالهم. ثم طمأنَ المؤمنين بذِكر معاملتهم للمجرمين يوم القيامة، تسليةً لهم عمّا نالَهم من أذى، وشدّاً لعزائمهم على التذرّع بالصبر فقال: {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} الآن يومُ القيامة، يوم الجزاء والحساب، يجلس المؤمنون على الأسرَّة في نَعيم مقيم، ويتناولون الرحيقَ المختوم بالمِسكِ وهم يضحكون من الكفّار وما يُعانونه من العذاب والطَّرد من رحمة رب العالمين. قراءات: قرأ الجمهور: ختامه مسك، وقرأ الكسائي وحده: خاتمه مسك، وقرأ الجمهور: تعرف بكسر الراء، وقرأ يعقوب: تعرف بضم التاء وفتح الراء، وقرأ الجمهور: فاكهين، وقرأ حفص: فكِهين.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَابَ} (18) - وَإِنَّ مَصِيرَ الأَبْرَارِ سَيَكُونُ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (عِلِّيِّيْنَ - أَيْ مَكَانٍ عَالٍ). (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّ كِتَابَ أَعْمَالِ الأَبْرَارِ مُوْدَعٌ فِي أَعْلَى الأَمْكِنَةِ، بِحَيْثُ يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلاَئِكَةِ تَشْرِيفاً لَهُمْ، وَتَعْظِيماً لِشَأْنِهِمْ). (وَالرَّأْيَانِ يَتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الأَبْرَارَ مُكَرَّمُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ). كِتَابَ الأَبْرَارِ - مَصِيرَهُمْ أَوْ صَحِيفَةَ أَعْمَالِهِمْ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [الآية: 18]. قال: العليون: السماءُ السابعة. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} [الآية: 25]. قال: الرحيق، الخمر. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [الآية: 26]. يقول: طيبة مسك. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا شيبان عن أَشعث بن أَبي الشعثاءِ، عن زيد العيسى، قال: سأَلت علقمة بن قيس: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [الآية: 26]. قال: خلطه مسك. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا شيبان عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أَبي الدرداءِ في قوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [الآية: 26]. قال: هو شراب أَبيض، مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، لو أَن رجلا من أَهل الدنيا أَدخل يده فيها ثم أَخرجها، لم يبق ذو روح إِلا وجد ريح طيبها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} معناه تَحتَ العَرشِ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ كرر سبحانه لفظة: {كَلاَّ} ردعاً لهم بعد ردع، تأكيداً وتقريعاً؛ وليكون توطئة وتمهيداً لتعقيب وعيدهم بوعد المؤمنين، مع أن في هذا التعقيب زيادة زجر وتقريع عليهم بما اقترفوا من الآثام والعصيان، المؤدية إلى دار الندامة والحرمان {إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ} أي: ما كتب فيه عموم آثارهم الصالحة، الصادرة عنهم إيماناً واحتساباً، ثقةً بالله، وخوفاً من غضبه، محفوظة فيه جميع ما ذكر، محكوم عليهم بمقتضى ما فيه، إنهم {لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18] أي: متمكنون في أعلى درجات الجنة، وأرفع مقاماتها. ثمَّ أيهمه سبحانه تعظيماً وتفخيماً فقالأ: {وَمَآ أَدْرَاكَ} أيها البار المبرور {مَا عِلِّيُّونَ} [المطففين: 19] وما شأنه الرفيع، ومكانته البديعة، وما فيها من اللذات الروحانية التي من لم يذقها لم يعرفها؟! رزقنا الله الوصول إليها، والحصول دونها. وبالجملة: كتاب الأبرار {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} [المطففين: 20] بين الرقم والرسوم. {يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 21] أي: أرباب العناية والتوفيق فيعلمون أن ما فيه خير كله بمجرد رؤيتهم وشهودهم في بادئ النظر. وبالجملة: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} البارين على الله، المبرورين بين الناس {لَفِي نَعِيمٍ} [المطففين: 22] مقيم. متكئين {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} المصورة من صالحات أعمالهم، وصفاء عقائدهم وأخلاقهم {يَنظُرُونَ} [المطففين: 23] إلى ما يسرهم ويفرحهم من الصور الحسنة، والمنتزهات البديعة. بحيث {تَعْرِفُ} أيها الرائي {فِي وُجُوهِهِمْ} في بادئ الرأي {نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} [المطففين: 24] بهدة التنعم، وبرق الرضا والتسليم. مع ذلك {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} خمر من خمور المحبة والولاء {مَّخْتُومٍ} [المطففين: 25] مطبوع على غيرهم، بحيث لا يشمون روائحها أصلاً. {خِتَامُهُ مِسْكٌ} أي: روائحه الواصلة لهم منَّا قبل كشفهم عنه ختامه كالمسك، بلا كراهة وبشاعة، كخمور الدنيا {وَفِي ذَلِكَ} أي: في رحيق التحقيق، وكأس المحبة والتصديق {فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] أي: فليرغب الراغبون لنفاسته وسرعة سوغه وانحداره، وكمال لذاته وذوقه. {وَمِزَاجُهُ} أي: ما يخرج به، ويخلط من ماء المعارف والحقائق منتشياً {مِن تَسْنِيمٍ} [المطففين: 27] مقام عال، وهو ينبوع بحر الوجود الذي هو الوحدة الذاتية الإلهية. فكان {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 28] أي: يشرب من عذبها وفراتها مَنْ تقرب نحو الحق باليقين الحقي، فإنهم يشربون من عين الوحدة بلا مزج وخلط. ذقنا حلاوة نعيمك، وبرد يقينك، وشربة تسنيمك يا خير الرازقين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة وأضيقها، ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها وأوسعها، وأفسحها وأن كتابهم المرقوم { يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ } من الملائكة الكرام، وأرواح الأنبياء، والصديقين والشهداء، وينوه الله بذكرهم في الملأ الأعلى، و { عليون } اسم لأعلى الجنة، فلما ذكر كتابهم، ذكر أنهم في نعيم، وهو اسم جامع لنعيم القلب والروح والبدن، { عَلَى الأرَائِكِ } أي: [على] السرر المزينة بالفرش الحسان. { يَنْظُرُونَ } إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون إلى وجه ربهم الكريم، { تَعْرِفُ } أيها الناظر إليهم { فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } أي: بهاء النعيم ونضارته ورونقه، فإن توالي اللذة والسرور يكسب الوجه نورًا وحسنًا وبهجة. { يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ } وهو من أطيب ما يكون من الأشربة وألذها، { مَخْتُومٍ }. ذلك الشراب { خِتَامُهُ مِسْكٌ } يحتمل أن المراد مختوم عن أن يداخله شيء ينقص لذته، أو يفسد طعمه، وذلك الختام، الذي ختم به، مسك. ويحتمل أن المراد أنه [الذي] يكون في آخر الإناء، الذي يشربون منه الرحيق حثالة، وهي المسك الأذفر، فهذا الكدر منه، الذي جرت العادة في الدنيا أنه يراق، يكون في الجنة بهذه المثابة، { وَفِي ذَلِكَ } النعيم المقيم، الذي لا يعلم حسنه ومقداره إلا الله، { فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } أي: يتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال. ومزاج هذا الشراب من تسنيم، وهي عين { يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } صرفا، وهي أعلى أشربة الجنة على الإطلاق، فلذلك كانت خالصة للمقربين، الذين هم أعلى الخلق منزلة، وممزوجة لأصحاب اليمين أي: مخلوطة بالرحيق وغيره من الأشربة اللذيذة.
همام الصنعاني
تفسير : 3542- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {عِلِّيِّينَ}: [الآية: 18]، قال: فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):