٨٣ - ٱلْمُطَفِّفِين
83 - Al-Mutaffifeen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما عظم كتابهم في الآية المتقدمة عظم بهذه الآية منزلتهم، فقال: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ } ثم وصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة أولها: قوله: {عَلَى ٱلأَرَائِكِ يَنظُرُونَ } قال القفال: الأرائك الأسرة في الحجال، ولا تسمى أريكة فيما زعموا إلا إذا كانت كذلك، وعن الحسن: كنا لا ندري ما الأريكة حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن أخبرنا أن الأريكة عندهم ذلك. أما قوله: {يُنظَرُونَ } ففيه ثلاثة أوجه أحدها: ينظرون إلى أنواع نعمهم في الجنة من الحور العين والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها، قال عليه السلام: «حديث : يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم يتراءى له مثل سعة الدنيا»تفسير : والثاني: قال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون في النار والثالث: إذا اشتهوا شيئاً نظروا إليه فيحضرهم ذلك الشيء في الحال، واعلم أن هذه الأوجه الثلاثة من باب أنواع جنس واحد وهو المنظور إليه، فوجب حمل اللفظ على الكل، ويخطر ببالي تفسير رابع: وهو أشرف من الكل وهو أنهم ينظرون إلى ربهم ويتأكد هذا التأويل بما إنه قال بعد هذه الآية: {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } والنظر المقرون بالنضرة هو رؤية الله تعالى على ما قال: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ }تفسير : [القيامة: 23,22] ومما يؤكد هذا التأويل أنه يجب الابتداء بذكر أعظم اللذات، وما هو إلا رؤية الله تعالى وثانيها: قوله تعالى: {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى إذا رأيتهم عرفت أنهم أهل النعمة بسبب ما ترى في وجوههم من القرائن الدالة على ذلك ثم في تلك القرائن قولان: أحدهما: أنه ما يشاهد في وجوههم من الضحك والاستبشار، على ما قال تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ }تفسير : [عبس: 39,38]. والثاني: قال عطاء إن الله تعالى يزيد في وجوههم من النور والحسن والبياض ما لا يصفه واصف، وتفسير النضرة: قد سبق عند قوله: {نَّاضِرَةٌ }. المسألة الثانية: قرىء: {تَعْرِفُ } على البناء للمفعول {جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } بالرفع. وثالثها: قوله: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في بيان أن الرحيق ما هو؟ قال الليث: {الرحيق} الخمر. وأنشد لحسان. شعر : بـردى يصفـق بالرحيـق السلسـل تفسير : وقال أبو عبيدة والزجاج: {الرحيق} من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده، ولعله هو الخمر الذي وصفه الله تعالى بقوله: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ } تفسير : [الصافات: 47]. المسألة الثانية: ذكر الله تعالى لهذا: {الرحيق} صفات: الصفة الأولى: قوله: {رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ } وفيه وجوه: الأول: قال القفال: يحتمل أن هؤلاء يسقون من شراب مختوم قد ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر آخر تجري منها أنهار كما قال: {أية : وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ } تفسير : [محمد: 15] إلا أن هذا المختوم أشرف في الجاري الثاني: قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج: المختوم الذي له ختام أي عاقبة والثالث: روي عن عبدالله في مختوم أنه ممزوج، قال الواحدي: وليس بتفسير لأن الختم لا يكون تفسيره المزج، ولكن لما كانت له عاقبة هي ريح المسك فسره بالممزوج، لأنه لو لم يمتزج بالمسك لما حصل فيه ريح المسك الرابع: قال مجاهد مختوم مطين، قال الواحدي: كان مراده من الختم بالطين، هو أن لا تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، والأقرب من جميع هذه الوجوه الوجه الأول الذي ذكره القفال الصفة الثانية: لهذا الرحيق قوله: {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ } وفيه وجوه الأول: قال القفال: معناه أن الذي يختم به رأس قارورة ذلك الرحيق هو المسك، كالطين الذي يختم به رؤوس القوارير، فكان ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم، وهذا الوجه مطابق للوجه الأول الذي حكيناه عن القفال في تفسير قوله: {مَّخْتُومٍ }، الثاني: المراد من قوله: {خِتَـٰمُهُ مِسْكٌ } أي عاقبته المسك أي يختم له آخره بريح المسك، وهذا الوجه مطابق للوجه الذي حكيناه عن أبي عبيدة في تفسير قوله: {مَّخْتُومٍ } كأنه تعالى قال من رحيق له عاقبة، ثم فسر تلك العاقبة فقال: تلك العاقبة مسك أي من شربه كان ختم شربه على ريح المسك، وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير، ومقاتل وقتادة قالوا: إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك، والمعنى لذاذة المقطع وذكاء الرائحة وأرجها، مع طيب الطعم، والختام آخر كل شيء، ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها ويؤكده قراءة علي عليه السلام، واختيار الكسائي فإنه يقرأ: (خاتمه مسك) أي آخره كما يقال: خاتم النبيين، قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى إلا أن الخاتم اسم والختام مصدر كقولهم: هو كريم الطباع والطابع الثالث: معناه خلطه مسك، وذكروا أن فيه تطيباً لطعمه. وقيل: بل لريحه وأقول: لعل المراد أن الخمر الممزوج بهذه الأفاويه الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل المراد منه الإشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم، وهذا القول رواه سعيد بن جبير عن الأسود عن عائشة تقول المرأة لقد أخذت ختم طيني، أي لقد أخذت أخلاط طيني، قال أبو الدرداء هو شراب أبيض مثل الفضة، يحتمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيب ريحه. الصفة الثانية: قوله تعالى: {وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ } قال الواحدي: يقال: نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به، والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله. واعم أن مبالغة الله تعالى في الترغيب فيه تدل على علو شأنه، وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم، لا في النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: تسنيم علم لعين بعينها في الجنة سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضاً، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع، ومنه سنام البعير وتسنمت الحائط إذا علوته، وأما قول المفسرين: فروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سأل عن تسنيم، فقال هذا مما يقول الله: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } تفسير : [السجدة: 17] ويقرب منه ما قال الحسن: وهو أنه أمر أخفاه الله تعالى لأهل الجنة قال الواحدي: وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق وهو اسم معرفة، وعن عكرمة: {مِن تَسْنِيمٍ } من تشريف: المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر أن تسنيم عين يشرب بها المقربون، قال ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفاً، ويمزج لأصحاب اليمين. واعلم أن الله تعالى لما قسم المكلفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام: المقربون، وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ثم إنه تعالى لما ذكر كرامة المذكورين في هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقربون؛ علمنا أن المذكورين في هذا الموضع هم أصحاب اليمين، وأقول: هذا يدل على أن الأنهار متفاوتة في الفضيلة، فتسنيم أفضل أنها الجنة، والمقربون أفضل أهل الجنة، والتسنيم في الجنة الروحانية هو معرفة الله ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، والرحيق هو الابتهاج بمطالعة عالم الموجودات، فالمقربون لا يشربون إلا من التسنيم، أي لا يشتغلون إلا بمطالعة وجهه الكريم، وأصحاب اليمين يكون شرابهم ممزوجاً، فتارة يكون نظرهم إليه وتارة إلى مخلوقاته. المسألة الثانية: عينا نصب على المدح وقال الزجاج: نصب على الحال، وقوله: {يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ } كقوله: {أية : يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ }تفسير : [الإنسان: 6] وقد مر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} أي أهل الصدق والطاعة. {لَفِي نَعِيمٍ} أي نَعْمة، والنَّعمة بالفتح: التنعيم؛ يقال: نَعَّمه الله وناعمه فتنعم، وامرأة منعَّمة ومناعَمة بمعنى. أي إن الأبرار في الجنات يتنعمون. {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} وهي الأسرة في الحجِال {يَنظُرُونَ} أي إلى ما أعدّ الله لهم من الكرامات؛ قاله عكرمة وٱبن عباس ومجاهد. وقال مقاتل: ينظُرون إلى أهل النار. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : ينظرون إلى أعدائهم في النار » تفسير : ذكره المَهْدَوِيّ. وقيل: على أرائك أفضاله ينظرون إلى وجهه وجلاله. قوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} أي بهجته وغضارته ونوره؛ يقال: نضر النبات: إذا ٱزهر ونوّر. وقراءة العامة «تعرِفُ» بفتح التاء وكسر الراء «نَضْرةَ» نصباً؛ أي تعرف يا محمد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويعقوب وشيبة وٱبن أبي إسحاق: «تُعْرَف» بضم التاء وفتح الراء على الفعل المجهول «نضرة» رفعاً. {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} أي من شراب لا غِش فيه. قاله الأخفش والزجّاج. وقيل، الرحيق الخمر الصافية. وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر. والمعنى واحد. الخليل: أصفى الخمر وأجودها. وقال مقاتل وغيره: هي الخمر العتيقة البيضاء الصافية من الغش النيرة، قال حسان: شعر : يَسْقون مَنْ وَرَدَ البريصَ علَيْهِمُ بَرَدَى يُصَفَّق بالرِحيقِ السلسلِ تفسير : وقال آخر: شعر : أمْ لا سبِيلَ إِلى الشباب وذكره أَشْهى إِلىّ مِن الرحيقِ السَّلْسَلِ تفسير : {مَّخْتُومٍ} {خِتَامُهُ مِسْكٌ} قال مجاهد: يختم به آخر جُرْعة. وقيل: المعنى إذا شربوا هذا الرحيق ففنى ما في الكأس، ٱنختم ذلك بخاتم المسْك. وكان ٱبن مسعود يقول: يجدون عاقبتها طعم المسك. ونحوه عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي قالا: ختامه آخر طعمه. وهو حسن؛ لأن سبيل الأشربة أن يكون الكَدَر في آخرها، فوصف شراب أهل الجنة بأن رائحة آخره رائحة المسك. وعن مسروق عن عبد الله: قال المختوم الممزوج. وقيل: مختوم أي ختمت ومنعت عن أن يمسها ماس إلى أن يَفُكَّ ختامها الأبرار. وقرأ عليّ وعلقمة وشقيق والضحاك وطاوس والكسائي «خاتَمه» بفتح الخاء والتاء وألف بينهما. قاله علقمة: أما رأيت المرأة تقول للعطار: ٱجعل خاتَمه مسكاً، قاله الفراء. وفي الصحاح: والخِتام: الطين الذي يُخْتم به. وكذا قال مجاهد وٱبن زيد: خُتم إناؤه بالمسك بدلاً من الطين. حكاه المهدويّ. وقال الفرزدق: شعر : وبِت أَفُضّ أَغلاق الخِتامِ تفسير : وقال الأعشى: شعر : وأبرزها وعليها خَتَمْ تفسير : أي عليها طينة مختومة؛ مثل نَفْضٍ بمعنى منفوضٍ، وقَبْضٍ بمعنى مقبوضٍ. وذكر ٱبن المبارك وٱبن وهب، واللفظ لابن وهب، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: «خِتامه مِسْك»: خَلْطه، ليس بخاتم يختم، ألا ترى إلى قول المرأة من نسائكم: إن خِلْطه من الطِّيب كذا وكذا. إنما خِلْطه مسك؛ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختِمون به آخر أشربتهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها. وروي أُبَيُّ بن كعب قال: « حديث : قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟ قال: «غُدْران الخمر» » تفسير : . وقيل: مختوم في الآنية، وهو غير الذي يجري في الأنهار. فالله أعلم. {وَفِي ذَلِكَ} أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة {فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} أي فليرغب الراغبون؛ يقال: نَفَسْت عليه الشيء أَنْفسِه نفاسة: أي ضنِنت به، ولم أحبَّ أن يصير إليه. وقيل: الفاء بمعنى إلى، أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل؛ نظيره: لِمِثلِ هذا فليعملِ العامِلون». {وَمِزَاجُهُ} أي ومزاج ذلك الرحيق {مِن تَسْنِيمٍ} وهو شراب ينصبّ عليهم من علوّ، وهو أشرف شراب في الجنة. وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علو ألى أسفل؛ ومنه سنام البعير لعلوّه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور. وروي عن عبد الله قال: تسنيم عين في الجنة يشرب بها المقرّبون صِرْفاً، ويمزح منها كأس أصحاب اليمين فتطيب. وقال ٱبن عباس في قوله عز وجل: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} قال: هذا مما قال الله تعالى: { أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }. تفسير : [السجدة: 17] وقيل: التسنيم عين تجري في الهواء بقدرة الله تعالى، فتنصبُّ في أواني أهل الجنة على قدر مائها، فإذا ٱمتلأت أمسك الماء، فلا تقع منه قطرة على الأرض، ولا يحتاجون إلى الاستقاء؛ قاله قتادة. ٱبن زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش. وكذا في مراسيل الحسن. وقد ذكرناه في سورة «الإنسان». {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي يشرب منها أهل جنة عدنٍ، وهم أفاضل أهل الجنة، صِرْفاً، وهي لغيرهم مِزاج. و «عينا» نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال من تسنيم، وتسنِيم معرفة، ليس يعرف له ٱشتقاق، وإن جعلته مصدراً مشتقاً من السنام فـ «ـعينا» نصب؛ لأنه مفعول به؛ كقوله تعالى: { أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً } تفسير : [البلد: 14-15] وهذا قول الفراء إنه منصوب بتسنيم. وعند الأخفش بـ «ـيُسْقَون» أي يسقون عينا أو من عين. وعند المبرد بإضمار أعني على المدح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ } جنة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: {يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك} قال: عاقبته مسك، قوم يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك {ومزاجه من تسنيم} قال: شراب من أشرف الشراب عيناً في الجنة يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لسائر أهل الجنة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله: {يسقون من رحيق مختوم} قال: الخمر {ختامه مسك} قال: طينه مسك {ومزاجه من تسنيم} قال: تسنيم عليهم من فوق دورهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الحسن {يسقون من رحيق مختوم} قال: هي الخمرة {ومزاجه من تسنيم} قال: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير {يسقون من رحيق مختوم} قال: الخمر {ختامه مسك} قال: آخر طعمه مسك. وأخرج عبد بن حميد عن علقمة {ختامه مسك} قال: خلطه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مالك بن الحارث {ومزاجه من تسنيم} قال: هي عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لسائر أهل الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: التسنيم أفضل شراب أهل الجنة. ألم تسمع يقال للرجل إنه لفي السنام من قوله. وأخرج ابن المنذر عن علي قال: {نضرة النعيم} هي عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فيجري عليهم نضرة النعيم. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود {مختوم} قال: ممزوج {ختامه مسك} قال: طعمه وريحه. وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: {يسقون من رحيق مختوم} قال: الرحيق الخمر والمختوم يجدون عاقبتها طعم المسك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق عليّ عن ابن عباس {من رحيق مختوم} قال: ختم بالمسك. وأخرج الفريابي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: {ختامه مسك} قال: ليس بخاتم يختم به، ولكن خلطه مسك. ألم تر إلى المرأة من نسائكم تقول خلطه من الطيب كذا وكذا. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن علقمة مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن أبي الدرداء {ختامه مسك} قال: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحها. وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي سعيد رفعه: "أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم". وأخرج البيهقي عن عطاء قال: التسنيم اسم العين التي تمزج بها الخمر. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس {تسنيم} أشرف شراب أهل الجنة، وهو صرف للمقربين ويمزج لأصحاب اليمين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المبارك وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {ومزاجه من تسنيم} قال: عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين ويشرب بها المقربون صرفاً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {ومزاجه من تسنيم} قال: هذا مما قال الله: {فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين}. وأخرج ابن المنذر عن حذيفة بن اليمان قال: تسنيم عين في عدن يشرب بها المقربون صرفاً ويجري تحتهم أسفل منهم إلى أصحاب اليمين فيمزج أشربتهم كلها الماء والخمر واللبن والعسل يطيب بها أشربتهم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: تسنيم عين تثعب عليهم من فوق وهو شراب المقربين. أخرج عبد بن حميد عن قتادة {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} قال: قال: في الدنيا ويقولون والله إن هؤلاء لكذبة، وما هم على شيء، استهزاء بهم. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في البعث عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المستهزئين بالناس في الدنيا يرفع لأحدهم يوم القيامة باب من أبواب الجنة فيقال: هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال: هلم هلم فيجيء بكربه وغمه، فإذا أتاه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إنه ليفتح له الباب فيقول: هلم هلم فلا يأتيه من إياسه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} قال: قال كعب: إن بين أهل الجنة وأهل النار كوى لا يشاء الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدوه من أهل النار إلا فعل. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {هل ثوِّب} قال: جوزي.
السلمي
تفسير : قال أبو سعيد الخراز: للأبرار علامات: أولها أن يكون معصومًا عن المخالفات بعصمة الله محفوظًا بطاعة الله لا يؤذى أحدًا من المخلوقين، ويرحم الضعفاء لضعفهم ويعرف نعم الله فى جميع الأحوال، ويرى نقصانه فى جميع الأفعال. وقال ابن عطاء: على أرائك المعرفة ينظرون إلى المعروف وعلى أرائك القربة ينظرون إلى الرءوف، وللإسلام أركان كما أن للنفس أركانًا: فالرجلان الصبر والورع، واليدان الزهد والقناعة، والأذنان الخوف والرجاء، والعينان الشوق والمحبة، واللسان العلم والفطنة فمن استعمل هذه الأركان فى رضا محبوبه، وشغلها بخدمة معبوده فهو من الأبرار الذين هم على الأرائك ينظرون.
القشيري
تفسير : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}. اليومَ وغداً: اليومَ في رَوْحِ العرفان، وراحةِ الطاعة والإحسان، ونعمةِ الرضا وأُنْسِ القُربة وبَسْطِ الوصلة. وغداً - في الجنة وما وُعِدوا به من فنون الزلفة والقربة. قوله جلّ ذكره: {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}. أثْبَتَ النظرَ ولم يُبَيَّنْ المنظور إليه لاختلافهم في أحوالهم؛ فمنهم من ينظر إلى قُصُوره. ومنهم من ينظر إلى حُورِه، ومنهم ومنهم... ومنهم الخواصُّ فهم على دوامِ الأوقات إلى الله - سبحانه - يَنْظُرون. قوله جلّ ذكره: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ}. مَنْ نظر إليهم عَلِمَ أنَّ أثََرَ نَظَرِه إلى مولاه ما يلوح على وجه من النعيم؛ فأحوال المحبِّ شهودٌ عليه أبداً. فإنْ كان الوقتُ وقتَ وصالٍ فاختيالُه ودلالُه، وسرورُه وحبورُه، ونشاطُه وانبساطُه. وإِنْ كان الوقتُ وقتَ غيبةٍ وفراق فالشهودُ عليه نحولُه وذبولُه، وحنينُه وأنينُه، ودموعُه وهجوعُه... وفي معناه قلت: شعر : يا مَنْ تَغَيُّرُ صورتي لَمَّا بدا - لجميع ما ظنوا بنا - تحقيقُ تفسير : وقلت: شعر : ولمَّا أتَى الواشين أنِّي زُرْتُها جَحَدُتُ حذاراً أنْ تَشِيعَ السرائرُ فقالوا: نرى في وجهِك اليومَ نضرةً كَسَتْ مُحيَّاك.. وهاذاك ظاهِرُ! وبُرْدُكَ لا ذاك الذي كان قبلَه به طِيبُ نَشْرٍ لم تُشِعْهُ المجامِرُ فما كان منِّي من بيانٍ أُقيمه وهيهات أن يخفي مُريبٌ مساتِرُ! تفسير : قوله جلّ ذكره: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}. {مَّخْتُومٍ} أي رحيقٌ لا غِشَّ فيه. ويقال: عتيقٌ طَيِّبٌ. ويقال: إنهم يشربون شراباً آخره مِسْكٌ. ويقال: بل هو مختومٌ قبل حضورهم. ويقال: {خِتَامُهُ مِسْكٌ}. ممنوعٌ من كلِّ أحدٍ، مُعَدٌّ مُدَّخَرٌ لكلِّ أحدٍ باسمه. {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}. وتنافُسُهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والسباقُ إلى القُرْب، وتعليقُ القلبِ بالله، والانسلاخُ عن الأخلاقِ الدَّنِيَّة، وجَوَلاَنُ الهِمَمِ في الملكوت، واستدامةُ المناجاة. قوله جلّ ذكره: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ}. {تَسْنِيمٍ}: أي: عينٌ تسَنَّمُ عليهم من عُلُوٍّ. وقيل: ميزابٌ يَنْصَبُّ عليهم من فوقهم. ويقال: سُمِّي تسنيماً؛ لأن ماءَه يجري في الهواء مُتَسَنِّماً فينصبُّ في أواني أهل الجنة؛ فمنهم مَنْ يُسْقَى مَزْجاً، ومنهم مَنْ يُسْقى صِرْفاً... الأولياء يُسْقَون مزجاً، والخواصُ يُسْقَون صِرْفاً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} هو فى نعيم الوصلة ينظرون الى المشاهدة وذلك النظر اورث وجوههم نظرة ونورا وبشارة يعرف صاحبها بها لذلك قال الله {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } قال ابن عطا على ارائك المعرفة ينظرون الى المعروف وعلى ارائك القربة ينظرون الى الرؤوف وقال جعفر فى قوله تعرف فى وجوههم تبقى لذة النظر يتلالأ مثل الشمس فى وجوهم رضا محبونهم عنهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الابرار} اى السعدآء الاتقياء عن درن صفات النفوس {لفى نعيم} ثم وصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة اولها قوله {على الارائك} اى على الاسرة فى الحجال يعنى برتختاهى آرساته. ولا يكاد تطلق الاريكة على السرير عندهم الا عند كونه فى الحجلة وهو بالتحريك بيت العروس يزين بالثياب والاسرة والستور {ينظرون} اى ما شاؤوا مد اعينهم اليه من رغائب مناظر الجنة والى ما اولاهم الله من النعمة والكرامة يعنى مى نكرندبجز هاكه ازان شادمان وفرحناك ميكردند از صور حسنه ومنتزهات بهيه. وكذا الى اعدآئهم يعذبون فى النار وما تحجب الحجاب ابصارهم عن الادراك للطافتها وشفوفها اى رقتها فحذف المفعول للتعميم وقوله على الارآئك ويجوز ان يكون خبرا بعد خبر وان يكون حالا من المنوى فى الخبر او فى الفاعل فى ينظرون والتقديم لرعاية فواصل الآى واما ينظرون فيجوز ان يكون مستأنفا وأن يكون حالا اما من المنوى فى الخبراو فى الظرف اى ناظرين قال ابن عطاء رحمه الله على ارآئك المعرفة ينظرون الى المعروف وعلى اراآئك القربة ينظرون الى الرؤوف وفيه اشارة الى ان أرباب المقامات العالية ينظرون الى جميع مراتب الوجود لا يحجبهم شئ عن المطالعة بخلاف الاغيار فانهم محجوبون عن مطالعة احوال اهل الملكوت ورمز الى ان لكل من أهل الدرجات روضة مخصوصة من الاسماء والصفات فمنها ينظرون فمنهم عال واعلى وليس الاشراف على الكل الا لاشرف الاشراف وهو قطب الاقطاف.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} جنة.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الأَبْرَرَ لَفِي نَعِيمِ} أى لفى دار نعيم عظيم أو فى بمعنى مع وفى العبارة مبالغة كأنهم مظروفون للنعيم والنعيم ظرف لهم والنعيم ما يتنعم به ومن شأن ما يتنعم به أن تكون فيه نعومة ووضاءة وهو مقابل لقوله إنهم لصالو الجحيم وقد لهج بعض بالاستئناف البيانى فكأَنه فى كل موضع أمكن ولو لم يتبادر ولم تدع إليه حاجة فيقول هنا كأَنه قيل هذا حال كتابهم فما حالهم فأُجيب بأَن الأَبرار لفى نعيم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ} شروع في بيان محاسن أحوالهم إثر بيان حال كتابهم. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل هذا حال كتابهم فما حالهم فأجيب بما ذكر أي إنهم لفي نعيم عظيم.
ابن عاشور
تفسير : مضمون هذه الجملة قسيم لمضمون جملة: { أية : إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } تفسير : [المطففين: 15] إلى آخرها. ولذلك جاءت على نسيج نظم قسيمتها افتتاحاً وتوصيفاً وفصلاً، وهي مبيِّنة لجملة: { أية : إن كتاب الأبرار لفي عليين } تفسير : [المطففين: 18] فموقعها موقع البيان أو موقع بدل الاشتمال على كلا الوجهين في موقع التي قبلها على أنه يجوز أن تكون من الكلام الذي يقال لهم، وهو المحكي بقوله: { أية : ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } تفسير : [المطففين: 17] فيكون قولُ ذلك لهم، تحسيراً وتنديماً على تفريطهم في الإِيمان. وأحد الوجهين لا يناكد الوجه الآخر فيما قُرر للجملة من الخصوصيات. وذُكر الأبرار بالاسم الظاهر دون ضميرهم. خلافاً لما جاء في جملة: { أية : إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } تفسير : [المطففين: 15] تنويهاً بوصف الأبرار. وقوله: {على الأرائك} خبر ثان عن الأبرار، أي هم على الأرائك، أي متكئون عليها. والأرائك: جمع أريكة بوزن سفينة، والأريكة: اسم لمجموع سَرير ووسادتِه وحَجلةٍ منصوبة عليهما، فلا يقال: أريكة إلا لمجموع هذه الثلاثة، وقيل: إنها حبشيَّة وتقدم عند قوله تعالى: { أية : متكئين فيها على الأرائك } تفسير : في سورة الإنسان (13). و{ينظرون} في موضع الحال من الأبرار. وحذف مفعول {ينظرون} إما لدلالة ما تقدم عليه من قوله في ضدهم: { أية : إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } تفسير : [المطففين: 15] والتقدير: ينظرون إلى ربهم، وإما لقصد التعميم، أي ينظرون كل ما يبهج نفوسهم ويسرهم بقرينة مقام الوعد والتكريم. وقرأ الجمهور: {تَعرف} بصيغة الخطاب ونصب {نضرةَ} وهو خطاب لغير معين. أي تعرف يا من يراهم. وقرأه أبو جعفر ويعقوب «تُعْرَف» بصيغة البناء للمجهول ورفع «نضرةُ». ومآل المعنيين واحد إلا أن قراءة الجمهور جرت على الطريقة الخاصة في استعماله. وجرت قراءة أبي جعفر ويعقوب على الطريقة التي لا تختص به. والخطابُ بمثله في مقام وصف الأمور العظيمة طريقة عربية مشهورة، وهذه الجملة خبر ثالث عن {الأبرارَ} أو حال ثانية له. والنضْرة: البهجة والحُسن، وإضافة {نضرة} إلى {النعيم} من إضافة المسبب إلى السبب، أي النضرة والبهجة التي تكون لوجه المسرور الراضي إذ تبدو على وجهه ملامح السرور. وجملة {يُسقون من رحيق} خبر رابع عن الأبرار أو حال ثالثة منه. وعبر بــــ {يُسقون} دون: يشربون، للدلالة على أنهم مخدُومون يخدمهم مخلوقات لأجل ذلك في الجنة. وذلك من تمام الترفه ولذة الراحة. والرحيق: اسم للخمر الصافية الطيبة. والمختوم: المسدود إناؤه، أي بَاطيَتُه، وهو اسم مفعول من خَتمه إذا شدّ بصنف من الطين معروف بالصلابة إذا يبس فيعسر قلعه وإذا قلع ظهر أنه مقلوع كانوا يجعلونه للختم على الرسائل لئلا يقرأ حاملها ما فيها ولذلك يقولون من كرم الكتاب ختمه ويجعلون علامة عليه، تطبع فيه وهو رَطْب فإذا يبس تعذر فسخها، ويسمى ما تُطبع به خاتَماً بفتح الفوقية، وكان الملوك والأمراء والسادة يجعلون لأنفسهم خواتيم يضعونها في أحد الخنصرين ليجدوها عند إصدار الرسائل عنهم، قال جرير: شعر : إن الخليفة أن الله سربله سِرْبَال مُلك به تُزجَى الخواتيم تفسير : والختام بوزن كتاب: اسم للطين الذي يُختم به كانوا يجعلون طين الختام على محل السداد من القارورة أو الباطية أو الدن للخمر لمنع تخلل الهواء إليها وذلك أصلح لاختمارها وزيادةِ صفائها وحفظ رائحتها. وجُعل ختام خمر الجنة بعجين المسك عوضاً عن طين الخَتم. والمِسك مادة حيوانية ذاتُ عَرْف طيب مشهور طيبه وقوة رائحته منذ العصور القديمة، وهذه المادة تتكون في غُدّة مملوءةٍ دَماً تخرج في عنق صنف من الغزال في بلاد التيبيت من أرض الصين فتبقى متصلة بعنقه إلى أن تيبس فتسقط فيلتقطها طلابها ويتجرون فيها. وهي جِلدة في شكل فأر صغير ولذلك يقولون: فَأرة المسك. وفُسر {ختامه مسك} بأن المعنى ختام شُربه، أي آخر شربه مسك، أي طعم المسك بمعنى نكهته، وأنشد ابن عطية قول ابن مُقْبِل: شعر : مما يُعتِّق في الحانوت قَاطفُها بالفُلفل الجَوْن والرُّمانِ مَخْتومُ تفسير : أي ينتهي بلذع الفلفل وطَعْم الرمان. وجملة: {ختامه مسك} نعت لــــ {رحيق}. أو بدل مفصل من مجمل، أو استئناف بياني ناشىء عن وصف الرحيق بأنه {مختوم} أنْ يسأل سائل عن ختامها أي شَيء هو من أصناف الختام لأن غالب الختام أن يكون بطين أو سداد. وجملة: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} معترضة بين جملة {ختامه مسك} وجملة {ومزاجه من تسنيم}. واعلم أن نظم التركيب في هذه الجملة دقيق يحتاج إلى بيان وذلك أن نجعل الواو اعتراضية فقوله: {وفي ذلك} هو مبدأ الجملة. وتقديم المجرور لإفادة الحصر أي وفي ذلك الرحِيقِ فليتنافس الناس لا في رحيق الدنيا الذي يتنافس فيه أهل البذخ ويجلبونه من أقاصي البلاد وينفقون فيه الأموال. ولما كانت الواو اعتراضية لم يكن إشكال في وقوع فاء الجواب بعدها. والفاءُ إما أن تكون فصيحة، والتقدير: إذا علمتم الأوصاف لهذا الرحيق فليتنافس فيه المتنافسون، أو التقدير: وفي ذلك فلتتنافسوا فليتنافس فيه المتنافسون فتكون الجملة في قوة التذييل لأن المقدر هو تنافس المخاطبين، والمصرح به تنافس جميع المتنافسين فهو تعميم بعد تخصيص، وإما أن تكون الفاء فاء جواب لشرط مقدر في الكلام يؤذن به تقديم المجرور لأن تقديم المجرور كثيراً ما يعامل معاملة الشرط، كما روي قولُ النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : كما تكونوا يُوَلّ عليكم » تفسير : بجزم «تكونوا» و«يُوَلّ»، فالتقدير: إن علمتم ذلك فليتنافس فيه المتنافسون. وإما أن تكون الفاء تفريعاً على محذوف على طريقة الحذف على شريطة التفسير، والتقدير: وتنافسوا صيغة أمر في ذلك، فليتنافس المتنافسون فيه، ويكون الكلام مؤذناً بتوكيد فعل التنافس لأنه بمنزلة المذكور مرتين، مع إفادة التخصص بتقديم المجرور. وجملة: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} معترضة بين جملة: {يسقون من رحيق} الخ وجملة: {ومزاجه من تسنيم}. والتنافس: تفاعل من نَفِسَ عليه بكذا إذا شح به عليه ولم يره أهلاً له وهو من قبيل الاشتقاق من الشيء النّفيس، وهو الرفيع في نوعه المرغوب في تحصيله. وقد قيل: إن الأصل في هذه المادة هو النَفْس. فالتنافس حصول النفاسة بين متعدد. ولام الأمر في {فليتنافس} مستعملة في التحريض والحث. و{مِزاجه}: ما يمزج به. وأصله مصدر مازج بمعنى مزَج، وأطلق على الممزوج به فهو من إطلاق المصدر على المفعول، وكانوا يمزجون الخمر لئلا تغلبهم سَوْرتها فيسرع إليهم مغيب العقول لأنهم يقصدون تطويل حصة النشوة للالتذاذ بدبيب السكر في العقل دون أن يغُتّه غتّاً فلذلك أكثر ما تشرب الخمر المعتقة الخالصة تُشرب ممزوجة بالماء. قال كعب بن زهير: شعر : شُجَّت بذي شبم من ماء محقبة صَاف بأبْطَحَ أضحى وهَو مَشمول تفسير : وقال حسان: شعر : يَسقون مَن وَرَدَ البريضَ عليهمُ بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرحيق السَّلْسَلِ تفسير : وتنافسهم في الخمر مشهور من عوائدهم وطفحت به أشعارهم. كقول لبيد: شعر : أغلي السِّباء بكل أدكن عاتق أو جونة قُدحت وفُض ختامها تفسير : و{تسنيم} علم لعين في الجنة منقول من مصدر سنَّم الشيءَ إذا جعله كهيئة السِّنام. ووجهوا هذه التسمية بأن هذه العين تصبّ على جنانهم من علوّ فكأنها سَنام. وهذا العلم عربي المادة والصِّيغة ولكنه لم يكن معروفاً عند العرب فهو مما أخبر به القرآن، ولذا قال ابن عباس لمَّا سئل عنه: «هذا مما قال الله تعالى: { أية : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } تفسير : [السجدة: 17]، يريد لا يعلمون الأشياء ولا أسماءها إلا ما أخبر الله به. ولغرابة ذلك احتيج إلى تبيينه بقوله: {عيناً يشرب بها المقربون}، أي حال كون التسنيم عيناً يشرب منها المقرّبون. و{المقرَّبون}: هم الأبرار، أي فالشاربون من هذا الماء مقربون. وباء {يشرب بها} إما سببية، وعُدي فعل {يشرب} إلى ضمير العين بتضمين {يشرب} معنى: يمزج، لقوله: {ومزاجُه من تسنيم} أي يمزجون الرحيق بالتسنيم. وإمَّا باء الملابسة وفعل {يشرب} معدّى إلى مفعول محذوف وهو الرحيق، أي يشربون الرحيق ملابسين للعين، أي محيطين بها وجالسين حولها. أو الباء بمعنى (مِن) التبعيضية وقد عده الأصمعي والفارسي وابن قتيبة وابن مالك في معاني الباء، وينسب إلى الكوفيين. واستشهدوا له بهذه الآية وليس ذلك ببيّن فإنّ الاستعمال العربي يكثر فيه تعدية فعل الشرب بالباء دون (مِن)، ولعلهم أرادوا به معنى الملابسة، أو كانت الباء زائدة كقول أبي ذؤيب يصف السحاب: شعر : شَرْبنَ بماء البحر ثم ترفَّعت متَى لُجَج خُضر لَهُن نَئيجُ
د. أسعد حومد
تفسير : (22) - وَيَكُونُ الأَبْرَارُ الذِينَ يُطِيعُونَ رَبَّهُمْ، وَيُؤْمِنُونَ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى رُسُلِهِ فِي نَعِيمٍ دَائِمٍ مُقِيمٍ، وَجَنَّاتٍ فِيهَا فَضْلٌ عَظِيمٌ يَوْمَ القِيَامَةِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):