٨٣ - ٱلْمُطَفِّفِين
83 - Al-Mutaffifeen (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما وصف كرامة الأبرار في الآخرة ذكر بعد ذلك قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا في استهزائهم وضحكهم، ثم بين أن ذلك سينقلب على الكفار في الآخرة، والمقصود منه تسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجهين الأول: أن المراد من قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } أكابر المشركين كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصى بن وائل السهمي كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم الثاني: جاء علي عليه السلام في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية: أنه تعالى حكى عنهم أربعة أشياء من المعاملات القبيحة فأولها: قوله: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون أي يستهزئون بهم وبدينهم وثانيها: قوله: {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } أي يتفاعلون من الغمز، وهو الإشارة بالجفن والحاجب ويكون الغمز أيضاً بمعنى العيب وغمزه إذا عابه، وما في فلان غميزة أي ما يعاب به، والمعنى أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء ويعيبونهم، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم ويحرمونها لذاتها ويخاطرون بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه وثالثها: قوله تعالى: {وَإِذَا ٱنقَلَبُواْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ ٱنقَلَبُواْ فَـكِهِينَ } معجبين بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا، أو يتفكهون بذكر المسلمين بالسوء، قرأ عاصم في رواية حفص عنه: {فَكِهِينَ } بغير ألف في هذا الموضع وحده، وفي سائر القرآن {فَـٰكِهِينَ } بالألف وقرأ الباقون فاكهين بالألف، فقيل: هما لغتان، وقيل: فاكهين أي متنعمين مشغولين بما هم فيه من الكفر والتنعم بالدنيا وفكهين معجبين ورابعها: قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَـؤُلاَء لَضَالُّونَ } أي هم على ضلال في تركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدري هل له وجود أم لا، وهذا آخر ما حكاه تعالى عن الكفار. ثم قال تعالى: {وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ } يعني أن الله تعالى لم يبعث هؤلاء الكفار رقباء على المؤمنين، يحفظون عليهم أحوالهم ويتفقدون ما يصنعونه من حق أو باطل، فيعبون عليهم ما يعتقدونه ضلالاً، بل إنما أمروا بإصلاح أنفسهم. أما قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أن في هذا اليوم الذي هو يوم تصقع الأعمال والمحاسبة يضحك المؤمن من الكافر، وفي سبب هذا الضحك وجوه أحدها: أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء، ولأنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم قد باعوا باقياً بفان ويرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير راحة الأبد، ودخلوا الجنة فأجلسوا على الأرائك ينظرون إليهم كيف يعذبون في النار وكيف يصطرخون فيها ويدعون بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضاً الثاني: قال أبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها اخرجوا وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذاك هو سبب الضحك. المسألة الثانية: قوله: {عَلَى ٱلأَرَائِكِ يَنظُرُونَ } حال من يضحكون أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر. ثم قال تعالى: {هَلْ ثُوّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } ثوب بمعنى أثيب أي الله المثيب، قال أوس:شعر : سأجزيك أو يجزيك عني مثوب وحسبك أن يثني عليك وتحمدي تفسير : قال المبرد: وهو فعل من الثواب، وهو ما يثوب أي يرجع إلى فاعله جزاء ما عمله من خير أو شر، والثواب يستعمل في المكافأة بالشر، ونشد أبو عبيدة:شعر : ألا أبلغ أبا حسن رسولا فما لك لا تجيء إلى الثواب تفسير : والأولى أن يحمل ذلك على سبيل التهكم كقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }تفسير : [الدخان: 49] والمعنى كأنه تعالى يقول للمؤمنين: هل جازينا الكفار على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم بطريقتكم، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة؟ فيكون هذا القول زائداً في سرورهم، لأنه يقتضي زيادة في تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم، والمقصود منها أحوال القيامة. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} وصف أرواح الكفار في الدنيا مع المؤمنين باستهزائهم بهم، والمراد رؤساء قريش من أهل الشرك. روي ناس عن ٱبن عباس قال: هو الوليد بن المغيرة، وعُقْبة بن أبي مُعَيْط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث؛ وأولئك {كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل عَمار، وخَبَّاب وصُهَيب وبِلال {يَضْحَكُونَ} على وجه السخرية. {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ} عند إتيانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَتَغَامَزُونَ}: يغمز بعضهم بعضاً، ويشيرون بأعينهم. وقيل: أي يعيِّرونهم بالإسلام ويعيبونهم به؛ يقال: غمزت الشيء بيدي؛ قال: شعر : وكنت إذا غمزتُ قناةَ قومٍ كَسَرْت كُعوبَها أو تستقِيماً حديث : وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد غمزني، فقبضت رجليتفسير : . الحديث؛ وقد مضى في «النساء». وغمزته بعيني. وقيل: الغمز: بمعنى العيب، يقال غمزه: أي عابه، وما في فلان غَمْزة أي عيب. وقال مقاتل: نزلت في عليّ بن أبي طالب جاء في نفر من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَلَمَزهُمُ المنافقون، وضحكوا عليهم وتغامزوا. {وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ} أي ٱنصرفوا إلى أهلهم وأصحابهم وذَويهم {ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} أي مُعَجِّبين منهم. وقيل: مُعْجَبون بما هم عليه من الكفر، متفكهون بذكر المؤمنين. وقرأ ٱبن القعقاع وحفص والأعرج والسلميّ: «فَكِهِين» بغير ألف. الباقون بألف. قال الفراء: هما لغتان مثل طمِع وطامِع وحذِر، وحاذِر وقد تقدم في سورة «الدخان» والحمد لله. وقيل: الفكهِ: الأشِر البطر والفاكه: الناعم المتنعم. {وَإِذَا رَأَوْهُمْ} أي إذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} في ٱتباعهم محمداً صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} لأعمالهم، موكلين بأحوالهم، رقباء عليهم {فَٱلْيَوْمَ} يعني هذا اليوم الذي هو يوم القيامة {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم {مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} كما ضحك الكفار منهم في الدنيا. نظيره في آخر سورة «المؤمنين» وقد تقدم. وذكر ٱبن المبارك: أخبرنا محمد بن بشار عن قتادة في قوله تعالى {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} قال: ذُكِر لنا أن كعباً كان يقول إن بين الجنة والنار كُوًى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ كان له في الدنيا ٱطلع من بعض الكُوَى؛ قال الله تعالى في آية أخرى: { أية : فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 55] قال: ذُكِر لنا أنه ٱطلع فرأى جماجم القوم تَغْليِ. وذكر ٱبن المبارك أيضاً: أخبرنا الكلبيّ عن أبي صالح في قوله تعالى { أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 15] قال: يقال لأهل النار وهم في النار: ٱخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا ٱنتهوا إلى أبوابها غُلِّقت دونهم؛ فذلك قوله؛ { أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 15] ويضحك منهم المؤمنون حين غُلقِّتْ دونهم فذلك قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}. {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} {هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} وقد مضى هذا في أول سورة «البقرة». ومعنى «هل ثُوِّب» أي هل جُوزي بسخريتهم في الدنيا بالمؤمنين إذا فُعِل بهم ذلك. وقيل: إنه متعلق بـ«ـينظرون» أي ينظرون: هل جُوزي الكفار؟ فيكون معنى هل (التقرير) وموضعها نصباً بـ«ـينظرون». وقيل: ٱستئناف لا موضع له من الإعراب. وقيل: هو إضمار على القول، والمعنى؛ يقول بعض المؤمنين لبعض «هل ثُوِّب الكفار» أي أُثيب وجُوزي. وهو من ثاب يثوب أي رجع؛ فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشَّر. ختمت السورة والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي: يستهزئون بهم، ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين، يتغامزون عليهم، أي: محتقرين لهم، { وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} أي: وإذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا، ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين؛ يحقرونهم ويحسدونهم، { وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَآلُّونَ} أي: لكونهم على غير دينهم. قال الله تعالى: { وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ} أي: وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم؟ كما قال تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَٰحِمِينَ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} تفسير : [المؤمنون: 108 ــــ 111] ولهذا قال ههنا: {فَٱلْيَوْمَ} يعني: يوم القيامة {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك { عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} أي: إلى الله عز وجل، في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين، بل هم من أولياء الله المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقوله تعالى: {هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. آخر تفسير سورة المطففين، و لله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } كأبي جهل ونحوه {كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } كعمار وبلال ونحوهما {يَضْحَكُونَ } استهزاء بهم.
الماوردي
تفسير : {وإذا انقَلَبوا إلى أهْلِهم انقَلَبوا فَكِهينَ} قرأ عاصم في رواية حفص فكهين بغير ألف وقرأ غيره بألف، وفي القراءتين أربعة تأويلات: أحدها: فرحين، قاله السدي. الثاني: معجبين، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر: شعر : وقد فكهت من الدنيا فقاتلوا يوم الخميس بِلا سلاح ظاهر تفسير : الثالث: لاهين. الرابع: ناعمين، حكى هذين التأويلين عليّ بن عيس. وروى عوف عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : قال ربكم عز وجل: وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمني في الدنيا أخفته يوم القيامة . تفسير : {هل ثوِّب الكفارُ ما كانوا يَفْعَلونَ} هذا سؤال المؤمنين في الجنة عن الكفار حين فارقوهم، وفيه تأويلان: أحدهما: معناه هل أثيب الكفار ما كانوا يعلمون في الكفر، قاله قتادة. الثاني: هل جوزي الكفار على ما كانوا يفعلون، قاله مجاهد. فيكون " ثُوِّب" مأخوذاً من إعطاء الثواب. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن يكون معناه هل رجع الكفار في الآخرة عن تكذيبهم في الدنيا على وجه التوبيخ، ويكون مأخوذاً من المثابِ الذي هو الرجوع، لا من الثواب الذي هو الجزاء، كما قال تعالى: {وإذا جعَلْنا البيتَ مثابةً للناس} أي مرجعاً. ويحتمل تأويلاً رابعاً: هل رجع من عذاب الكفار على ما كانوا يفعلون، لأنهم قد علموا أنهم عذبوا، وجاز أن يظنوا في كرم الله أنهم قد رحموا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ} يعني في الدنيا، {يَضْحَكُونَ} من المؤمنينَ، رُوِيَ أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في صناديدِ قريشٍ وضَعَفَةِ المؤمنين، والضميرُ في {مَرُّواْ} للمؤمنينَ ويحتملُ أن يكونَ للكفارِ، وأما ضميرُ {يَتَغَامَزُونَ} فهو للكفارِ؛ لا يحتملُ غيرَ ذلك، و{فَـٰكِهِينَ} أي: أصحابُ فُكَاهَةِ وَنَشَاطٍ وسرورٍ باسْتِخْفَافِهم بالمؤمنين، وأما الضميرُ في {رَأَوْهُمْ} وفي {قَالُواْ} فقال الطبريُّ وغيره: هو للكفارِ، وقال بعضُهم: بل المعنى بالعَكْسِ، وإنمَا المعْنَى وإذا رأى المؤمنونَ الكفَّارَ قالوا: {إِنَّ هَـؤُلاَءِ لَضَالُّونَ}، وما أُرْسِلَ المؤمِنونَ حافِظِينَ على الكفَّارِ، وهذا كلَّه مَنْسُوخٌ على هذا التأويل، * ت *: والأول أظهر.
القشيري
تفسير : كانوا يضحكون استهزاءً بهم {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}!.
اسماعيل حقي
تفسير : {عينا} نصب على المدح والاختصاص اى بتقدير أعنى {يشرب بها المقربون} من جناب الله قربا معنويا روحانيا اى يشربون ماءها صرفا وتمزج لسائر اهل الجنة وهم اصحاب اليمين فالباء مزيدة او بمعنى من وفيه اشارة الى التسنيم فى الجنة الروحانية هو معرفة الله ومحبته ولذة النظر الى وجهه الكريم والرحيق هو الابتهاج تارة بالنظر الى الله واخرى بالنظر الى مخلوقاته فالمقربون افضل من الابرار بمحبت غير نيا ميخته اندشراب ايشان صرفست وآنهاكه محبت ايشان آميخته باشد شراب ايشان ممزوج باشد شعر : ما شراب عيش ميخواهيم بى دردئ غم صاف نوشان ديرودردى فروشان ديكرند تفسير : وقال بعضهم شعر : تسبيح رهى وصف جمال توبست وزهر دوجهان ورا وصال توبست اندردل هركسى ذكر مقصوديست مقصود دل رهى خيال توبست تفسير : ودر بحر الحقائق آورده كه رحيق اشارتست بشراب خالص ازكدورات خمار كونين واوانى مختومهء رى قلوب اولياء واصفيا كه ختام اومسك محبت است لا يشرب من تلك الاوانى الا الطالبون الصادقون فى طريق السلوك الى الله (على نفسه فليبك من شاع عمره. وليس له منها نصيب ولا سهم) وتسنيم اعلاى مراتب محبت ذاتيه كه غير ممزوج باشد بصفات وافعال ومقربان اهل فنا فى الله وبقا بالله انه كما قال العارف فى خمر المحبة الصرفة الخالصة من المزج شعر : عليك بها صرفا فان شئت مزجها فعد لك عن ظلم الحبيب هو الظلم تفسير : العدل بمعنى العدول والظلم بالفتح هو ماء الاسنان وبريقها وبالضم هو الجور أى فان شئت مزجها فامزجها بزلال فم الحبيب وبريقه ان لم تقدر على شربها صرفا ولا تعدل فان العدول عن ظلم الحبيب ورشحة زلاله هو الظلم. وتاكسى بربساط قرب در مجلس انس ورياض قدس ازدست ساقئ رضا جرعهء ازين شراب ناب نجشد بويى ازسراين سخنان بمشام جان وى نرسد شعر : سرمايهء ذوق دوجهان مستى عشقست آنهاكه ازبن مى نجشيد ندجه دانند
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الذين أجرموا}؛ كفروا، كأبي جهل والوليد والعاص بن وائل وأضرابهم، {كانوا من الذين آمنوا} كعمّار وصُهيب وخباب وبلال {يضحكون} استهزاء بهم، {وإِذا مَرُّوا بهم يتغامزون}؛ يُشير بعضهم إلى بالعين طعناً فيهم وعيباً لهم، وقيل: جاء عليٌّ في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، وقالوا: أترون هذا الأصلع؟ فنزلت قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون الآية على هذا مدنية، {وإِذا انقلبوا إلى أهلهم} أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم {انقلبوا فاكهين}، متلذذين بذكرهم بالسوء، أو متعجبين، وقرأ حفص: {فكهين} بالقصر، أي: أشرين أو فرحين، وقال الفراء: هما سواء كطاعن وطعن. {وإِذا رَأَوهم} أي: رأى الكافرون المؤمنين {قالوا إِنَّ هؤلاء لضالُّون} أي: مخدوعون، أي: خدع محمدٌ هؤلاء فضلُّوا وتركوا اللذّات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا العاجل بالآجل، والحقيقة بالخيال, وهذا عين الضلال، ولم يشعر هؤلاء الكفرة أنَّ ما اغترُّوا به وانهمكوا فيه هو عين الضلال، قال تعالى: {وما أُرسلوا عليهم حافظين} أي: وما أرسل الكفّار على المسلمين، يحفظون أعمالهم, ويرقبون أحوالهم. والجملة حال، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ما أُرسلوا من جهة الله تعالى موكّلين بهم، مهيمنين على أعمالهم، يشهدون برُشدهم وضلالهم، بل أُمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى من تتبُّع عورات غيرهم. {فاليومَ الذين آمنوا من الكفارِ يضحكون}، حين يرونهم مغلولين أذلاء, قد غشيتهم فنون العذاب والصغَار بعد العزة والاستكبار، وهم {على الأرائك} آمنون, ووجه ذلك: أنهم لمَّا كانو أعداءهم في الدنيا جعل لهم سروراً في تعذيبهم، وقال كعب: بين الجنة والنار كُوَىً، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوه الذي كان له في الدنيا نظر إليه، دليله: {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات:55] فضحكوا منهم في الآخرة كما كانوا يضحكون منهم في الدنيا جزاءً وفاقاً. {على الأرائك ينظرون} حال، أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال، وقيل: يُفتح إلى الكفار باب إلى الجنة، فيُقال لهم: هَلمُّوا إليها، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مراراً، ويضحك المؤمنون، ويأباه قوله تعالى: {هل ثُوِّب الكفارُ ما كانوا يفعلون} فإنه صريح في أنَّ ضحك المؤمنين منهم جبراً لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة والمشاكلة. والتثويب والإثابة: المجازاة، أي: ينظرون هل جُوزي الكفار بما كانوا يفعلون من السخرية بالمؤمنين أم لا؟ ويحتمل أن يكون مفعول: "ينظرون" محذوفاً, أي: ينظرون إلى أعدائهم في النار، أو إلى ما هم فيه من نعيم الجنان، ثم استأنف بقوله: {هل ثُوِّب الكفارُ ما كانوا يفعلون} أي: هل جُوزوا بذلك إذا فعل بهم هذا العذاب المهين، و"هل" على هذا للتقرير، قال الرضي: وتختص "هل" بحكمين دون الهمزة، وهما: كونها للتقرير في الإثبات، كقوله تعالى: {هل ثوب الكفار} أي: ألم يَثوبوا، وإفادتها للنفي حتى جاز أن يجيء بعدها "إلاَّ" قصداً للإيجاب، كقوله تعالى: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن:60] وقول الشاعر: شعر : وهل أنا إلاّ مِن غُزَيّةَ إن غوت غَويتُ، وإن تُرشَدْ غزية أرشد تفسير : الإشارة: ما قاله الكفرة في ضعفاء المسلمين قاله أهل الغفلة في المنتسبين الذاكرين، حرفاً بحرف، وما أُرسلوا عليهم حافظين، فإذا تحققت الحقائق، ورُفع الذاكرون مع المقربين، وبقي أهل الغفلة مع الغافلين في أهل اليمين، يضحكون منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى الطريق، وصلّى الله عليى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الطوسي
تفسير : قرأ حفص {فكهين} بغير الف بمعنى فرحين مرحين. الباقون "فاكهين" بألف بمعنى لاهين، وهو بمنزلة طامع وطمع، فالفاكه الطالب ما يتفكه به من نوادر الأمور والفاكه الناعم المعجب بحاله والتفكه التمتع بالمأكول من غير أخذه للقوت. وقرأ ابو عمرو - في رواية هارون - وحمزة والكسائي {هل ثوب} بالادغام، لقرب مخرج اللام من الثاء، الباقون واليزيدي عن ابي عمرو بالاظهار. قيل إن هذه الآية نزلت في جماعة من كفار قريش كانوا يعيرون جماعة من المسلمين الذين سبقوا إلى الايمان، ويهزؤن منهم، فقال الله تعالى مخبراً بأن المجرمين كانوا من الذين آمنوا بالله ووحدوه وأخلصوا له العبادة وصدقوا أنبياءه {يضحكون} على وجه الاستهزاء بهم والسخرية منهم {وإذا مروا بهم} يعني إذا مر بهم المؤمنون وجازوا عليهم غمز بعضهم بعضاً عليهم على وجه التعجب منهم والسخرية {وإذا انقلبوا إلى أهلهم} يعني الكفار إذا انقلبوا إلى اهلهم واصحابهم {انقلبوا فاكهين} أي لاهين. ومن قرأ {فكهين} أراد مرجين "معجبين" بحالهم {وإذا رأوهم} يعني الكفار إذا رأوا المؤمنين في دار الدنيا {قالوا} يعني بعضهم لبعض {إن هؤلاء} وأشاروا به إلى المؤمنين {لضالون} عن طريق الحق وعادلون عن الاستقامة، فقال الله تعالى {وما أرسلوا عليهم حافظين} أي لم يرسل هؤلاء الكفار حافظين على المؤمنين، فيحفظون ما هم عليهم، والمراد بذلك الذم لهم بعيب المؤمنين بالضلال من غير أن كلفوا منعهم من المراد وأن ينطقوا في ذلك بالصواب، فضلوا بالخطأ في نسبهم إياهم إلى الضلال، فكانوا ألوم منهم لو اخطئوا فيه، وقد كلفوا الاجتهاد. ثم قال {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} معناه إن يوم القيامة الذي يجازي الله تعالى كل احد على عمله فيجازي المؤمن بالثواب والنعيم، ويجازي الكافر بالعذاب والجحيم، ففي ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار، كما كان الكفار يضحكون من المؤمنين في الدنيا، وقيل الوجه في ضحك أهل الجنة من أهل النار أنهم لما كانوا أعداء الله تعالى وأعداءهم جعل لهم سروراً في تعذيبهم ولو كان العفو قد وقع عنهم لم يجز أن يجعل السرور في ذلك، لانه مضمن بالعداوة وقد زالت بالعفو. وقوله {على الأرائك ينظرون} معناه إن المؤمنين على سرر في الحجال واحدها أريكة ينتظرون ما يفعله الله بهم من الثواب والنعيم في كل حال، وما ينزل بالكفار من اليم العقاب وشديد النكال. ثم قال {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} وقيل في معناه قولان: احدهما - هل جوزي الكفار إذا فعل بهم هذا الذي ذكر بما كانوا يفعلون. الثاني - ينظرون هل جوزي الكفار، فيكون موضعه نصباً بـ {ينظرون} والاول استئناف لا موضع له. وإنما قال "هل ثوب" لأن الثواب في أصل اللغة الجزاء الذي يرجع على العامل بعمله، وإن كان الجزاء بالنعيم على الاعمال في العرف، يقال: ثاب الماء يثوب ثوباً إذا رجع، وثاب اليه عقله إذا رجع. ومنه التثاؤب. وقال قوم: يقول المؤمنون بعضهم لبعض: هل جوزي الكفار ما كانوا يفعلون سروراً بما ينزل بهم. ويجوز أن يكون ذلك من قول الله أو قول الملائكة للمؤمنين تنبيهاً لهم على أنه جوزي الكفار على كفرهم وسخريتهم بالمؤمنين وهزئهم، بأنواع العذاب ليزدادوا بذلك سروراً إلى سرورهم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ، في قَوْلِهِ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ...}إِلَى آخِرِ السُّوْرَةِ [29-36]. فَالَّذِيْنَ آمَنُوا: عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ. وَالَّذِينَ كَفَرُوْا: مُنَافِقُو قُرَيْشٍ.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {إنّ الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} قال: فهو حارث بن قيس وأناس معه كانوا إذا مرّ عليهم علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: انظروا إلى هذا الذي اصطفاه محمد صلى الله عليه وآله وسلم واختاره من أهل بيته وكانوا يسخرون منه، وإذا كان يوم القيامة فتح بين الجنة والنار باب فعلي بن أبي طالب عليه السلام على الأريكة متكئ [ب: يتكئ] فيقول هلم لكم، فإذا جاؤا سدّ بينهم الباب فهو كذلك ليسخر [ر: يسخر] منهم ويضحك، قال الله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون}
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أشركوا وبالغوا في الذنوب وهم كفار مكة الرؤساء كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وأشياعهم *{كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} كعمار وبلال وسهيب وحباب وغيرهم من فقراء المسلمين أو المراد المؤمنون جميعا *{يَضْحَكُونَ} استهزاء بهم قال الحسن يقولون في النبي وأصحابه انظروا الى هؤلاء الذين تركوا شهواتهم في الدنيا يطلبون بذلك نعيما بعدها في زعمهم قال المخالفون جاء علي وجماعة من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا الى أصحابهم فقالوا رأينا الأصلع وضحكوا فنزلت الآية قبل أن يصلوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قيل الذين أجرموا هم المنافقون لأنهم أشد استهزاء.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا} كأبى جهل والوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل {كَانُوا} فى الدنيا أى يقال يوم القيامة بمسمع الكفار المذكورين إن الذين أجرموا، كانوا إلى قوله يفعلون ويدل لذلك قوله {أية : فاليوم الذين آمنوا} تفسير : [المطففين: 34] {مِنَ الَّذِينَ آمنُوا يَضْحَكُونَ} استهزاء بهم لإيمانهم وفقرهم كعمار وصهيب وبلال وذكر أبو حيان أن الإمام علياً مر هو وجماعة من المؤمنين بجماعة من الكفار فضحكوا استهزاء فنزل إن الذين أجرموا إلى آخر السورة قبل أن يصل عليّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك فى مكة، وقيل المراد المنافقون فى المدينة وقالوا ربنا اليوم الأَصلع أى سيدنا الرجل الأَصلع يعنون علياً وقد قيل إِن السورة مكية إلا ثمانى آيات فى آخرها إِن الذين أجرموا وقيل إنها مدنية إلا ست آيات من أولها والمشهور أن ما نزل الهجرة وقبل الوصول إلى المدينة مدنى فقيل نزلت السورة بعد ونحوه قبل الوصول ووصلتهم السورة قبل وصوله ولا يلزم من أنهم أخبث الناس كيلاً ووزناً أنها نزلت بعد وصوله، وفى البيهقى أول ما نزل بالمدينة سورة التطفيف وقدم الجار والمجرور للفاصلة وطريق الاهتمام وبهم قيل وللحصر أى لا يستخفون إلا بالمؤمنين وهم أهل لأَن يعظموا.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } الخ حكاية لبعض قبائح مشركي قريش أبـي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم. جيء بها تمهيداً لذكر بعض أحوال الأبرار في الجنة {كَانُواْ } أي في الدنيا كما قال قتادة. {مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ } كانوا يستهزؤن بفقرائهم كعمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من الفقراء. وفي «البحر» روي أن علياً كرم الله / تعالى وجهه وجمعاً من المؤمنين معه مروا بجمع من كفار مكة فضحكوا منهم واستخفوا بهم فنزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } قبل أن يصل علي كرم الله تعالى وجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي «الكشاف» حكاية ذلك عن المنافقين وأنهم قالوا ربنا اليوم الأصلع أي سيدنا يعنون علياً كرم الله تعالى وجهه وإنما قالوه استهزاء ولعل الأول أصح. وتقديم الجار والمجرور إما للقصر إشعاراً بغاية شناعة ما فعلوا أي كانوا من الذين آمنوا يضحكون مع ظهور عدم استحقاقهم لذلك على منهاج قوله تعالى: {أية : أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ }تفسير : [إبراهيم: 10] لمراعاة الفواصل.
ابن عاشور
تفسير : هذه من جملة القول الذي يقال يوم القيامة للفجار المحكيّ بقوله تعالى: { أية : ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } تفسير : [المطففين: 17] لأنه مرتبط بقوله في آخره: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} إذ يتعين أن يكون قوله: {فَاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} حكاية كلام يصدر في يوم القيامة، إذ تعريف «اليوم» باللام ونصبه على الظرفية يقتضيان أنه يوم حاضر موقّت به الفعل المتعلق هو به، ومعلوم أن اليوم الذي يَضحَك فيه المؤمنون من الكفار وهم على الأرائك هو يوم حاضر حين نزول هذه الآيات وسيأتي مزيد إيضاح لهذا ولأن قوله: {كانوا من الذين آمنوا يضحكون} ظاهر في أنه حكاية كونٍ مضى، وكذلك معطوفاته من قوله: «وإذا مَرّوا، وإذا انقلبوا، وإذا رَأوهم» فدل السياق على أن هذا الكلام حكاية قول ينادي به يوم القيامة مِن حضرة القدس على رؤوس الأشهاد. فإذا جريتَ على ثاني الوجهين المتقدمين في موقع جُمل { أية : كلاّ إن كتاب الأبرار لفي عليين } تفسير : [المطففين: 18] الآيات، من أنها محكية بالقول الواقع في قوله تعالى: { أية : ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } تفسير : [المطففين: 17] إلى هنا فهذه متصلة بها. والتعبير عنهم بالذين أجرموا إظهار في مقام الإِضمار على طريقة الالتفات إذ مقتضى الظاهر أن يقال لهم: إنكم كنتم من الذين آمنوا تضحكون، وهكذا على طريق الخطاب وإن جريت على الوجه الأول بجعل تلك الجمل اعتراضاً، فهذه الجملة مبدأ كلام متصل بقوله: { أية : ثم إنهم لصَالوا الجحيم } تفسير : [المطففين: 16] واقع موقع بدل الاشتمال لمضمون جملة: { أية : إنهم لصالوا الجحيم } تفسير : [المطففين: 16] باعتبار ما جاء في آخر هذا من قوله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} فالتعبير بالذين أجرموا إذَن جار على مقتضى الظاهر وليس بالتفات. وقد اتّضح بما قرَّرناه تناسب نظم هذه الآيات من قوله: { أية : كلاّ إن كتاب الأبرار لفي عليين } تفسير : [المطففين: 18] إلى هنا مزِيدَ اتضاح، وذلك مما أغفل المفسرون العناية بتوضيحه، سوى أن ابن عطية أورد كلمة مجملة فقال: «ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول: {فاليوم} على حكاية ما يقال اهــــ. و{إذا} في المواضع الثلاثة مستعمل للزمان الماضي كقوله تعالى: { أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً } تفسير : [التوبة: 92] وقوله: { أية : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } تفسير : [النساء: 83]. والمقصود من ذكره أنه بعد أن ذكر حال المشركين على حِدة، وذكر حال المسلمين على حِدة، أعقب بما فيه صفة لعاقبة المشركين في معاملتهم للمؤمنين في الدنيا ليعلموا جزاء الفريقين معاً. وإصدار ذلك المقال يوم القيامة مستعمل في التنديم والتشميت كما اقتضته خلاصته من قوله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} إلى آخر السورة. والافتتاح بــــ {إن الذين أجرموا} بصورة الكلام المؤكد لإفادة الاهتمام بالكلام وذلك كثير في افتتاح الكلام المراد إعلانه ليتوجه بذلك الافتتاح جميع السامعين إلى استماعه للإِشعار بأنه خبر مهم. والمراد بـــ {الذين أجرموا} المشركون من أهل مكة وخاصة صناديدهم. وهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، والنضْر بن الحارث، كانوا يضحكون من عمار بن ياسر، وخباب بن الأرَتّ، وبلال، وصهيب، ويستهزئون بهم. وعبر بالموصول وهذه الصلة: {الذين أجرموا} للتنبيه على أن ما أخبر به عنهم هو إجرام، وليظهر موقع قوله: { أية : هل ثُوِّب الكفار ما كانوا يفعلون } تفسير : [المطففين: 36]. والإِجرام: ارتكاب الجُرم وهو الإثم العظيم، وأعظم بالإِجرام الكُفر ويؤذن تركيب «كانوا يضحكون» بأن ذلك صفة ملازمة لهم في الماضي، وصوغ {يضحكون} بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه ديدن لهم. وتعدية فعل {يضحكون} إلى الباعث على الضحك بحرف {مِن} هو الغالب في تعدية أفعال هذه المادة على أن (مِن) ابتدائية تشبَّه الحالةُ التي تبعث على الضحك بمكان يَصدر عنه الضحك، ومثله أفعال: سخر منه، وعجب منه. ومعنى يضحكون منهم: يضحكون من حالهم فكان المشركون لبطرهم يهزأوون بالمؤمنين ومعظمهم ضعاف أهل مكة فيضحكون منهم، والظاهر أن هذا يحصل في نواديهم حين يتحدثون بحالهم بخلاف قوله: {وإذا مرّوا بهم يتغامزون}. واعلم أنه إذا كان سبب الضحك حالة خاصة من أحوال كان المجرور اسم تلك الحالة نحو: { أية : فتبسم ضاحكاً مِن قولها } تفسير : [النمل: 19] وإذا كان مجموعَ هيئة الشيء كان المجرور اسم الذات صاحبة الأحوال لأن اسم الذات أجمع للمعروف من أحوالها نحو: { أية : وكنتم منهم تضحكون } تفسير : [المؤمنون: 110]. وقول عبد يغوث الحارث: شعر : وتَضحك منّي شَيْخَةٌ عبشميّة كأنْ لَم تَرى قبلي أسيراً يمانياً تفسير : والتغامز: تفاعل من الغمز ويُطلق على جسّ الشيء باليد جسّاً مكيناً، ومنه غمز القناة لتقويمها وإزالةِ كعوبها. وفي حديث عائشة: «لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمزَ رِجْلَيَّ فقبضتُهما». ويطلق الغمز على تحريك الطَّرْف لقصد تنبيه الناظر لما عسى أن يفوته النظر إليه من أحوال في المقام وكلا الإِطلاقين يصح حمل المعنى في الآية عليه. وضمير {مَروا} يجوز أن يعود إلى {الذين أجرموا} فيكون ضمير {بهم} عائداً إلى {الذين آمنوا}، ويجوز العكس، وأما ضمير {يتغامزون} فمتمحّض للعود إلى {الذين أجرموا}. والمعنى: وإذا مرّ المؤمنون بالذين أجرموا وهم في مجالسهم يتغامز المجرمون حين مرور المؤمنين أوْ وإذا مرّ الذين أجرموا بالذين آمنوا وهم في عملهم وفي عسر حالهم يتغامز المجرمون حين مرورهم، وإنما يتغامزون من دون إعلان السخرية بهم اتقاء لتطاول المؤمنين عليهم بالسب لأن المؤمنين قد كانوا كثيراً بمكة حين نزول هذه السورة، فكان هذا دأب المشركين في معاملتهم وهو الذي يُقرَّعُون به يوم القيامة. والإِنقلاب: الرجوع إلى الموضع الذي جيء منه. يقال: انقلب المسافر إلى أهله وفي دعاء السفر: «أعوذُ بك من كآبة المنقلب». وأصله مستعار من قَلَب الثوب، إذا صرفه من وجه إلى وجه آخر، يقال: قلب الشيء، إذا أرجعه. وأهل الرجل: زوجه وأبناؤه، وذكر الأهل هنا لأنهم ينبسط إليهم بالحديث فلذلك قيل: {إلى أهلهم} دون: إلى بيوتهم. والمعنى: وإذا رجع الذين أجرموا إلى بيوتهم وخلَصوا مع أهلهم تحدثوا أحاديث الفكاهة معهم بذكر المؤمنين وذمهم. وتكرير فعل: {انقلبوا} بقوله: {انقلبوا فاكهين} من النسج الجزل في الكلام كان يكفي أن يقول: وإذا انقلبوا إلى أهلهم فَكِهوا، أو إذا انقلبوا إلى أهلهم كانوا فاكهين. وذلك لما في إعادة الفعل من زيادة تقرير معناه في ذهن السامع لأنه مما ينبغي الاعتناء به، ولزيادة تقرير ما في الفعل من إفادة التجدد حتى يكون فيه استحضار الحالة. قال ابن جنّي في كتاب «التنبيه على إعراب الحماسة» عند قول الأحوص: شعر : فإذَا تَزولُ تزولُ عن مُتَخَمِّطٍ تُخْشَى بَوادِرُه على الأقران تفسير : محال أن تقول إذا قمتُ قمتُ وإذا أقعدُ أقعد لأنه ليس في الثاني غير ما في الأول، أي فلا يستقيم جعل الثاني جواباً للأول. وإنما جاز أن يقول فإذا تزول تزول لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفادة منه الفائدة ومثله قول الله تعالى: { أية : هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } تفسير : [القصص: 63] ولو قال: هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يفدِ القول شيئاً لأنه كقولك الذي ضربتُه ضربتُه والتي أكرمتُها أكرمتُها ولكن لما اتصل بــــ {أغويناهم} الثانية قولُه: {كما غوينا} أفاد الكلام كقولك الذي ضربتُه ضربتُه لأنه جاهل. وقد كان أبو عَلي امتنع في هذه الآية مما أخذناه غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتك اهــــ. وقد مضى ذلك في سورة القصص وفي سورة الفرقان. و{فاكهين} اسم فاعل فاكه، وهو من فَكِه من باب فرح إذا مزَح وتحدَّث فأضحَكَ، والمعنى: فاكهين بالتحدث عن المؤمنين، فحذف متعلق {فاكهين} للعلم بأنه من قبيل متعلقات الأفعال المذكورة معه. وقرأ الجمهور: {فاكهين} بصيغة الفاعل. وقرأه حفص عن عاصم وأبو جعفر «فكهين» بدون ألف بعد الفاء على أنه جمع فَكِه، وهو صفة مشبهة وهما بمعنى واحد مثل فارح وفرح. وقال الفراء: هما لغتان. وجملة: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالّون} حكت ما يقوله الذين أجرموا في المؤمنين إذا شاهدوهم أي يجمعون بين الأذى بالإِشارات وبالهيئة وبسوء القول في غيبتهم وسوء القول إعلاناً به على مسامع المؤمنين لعلهم يرجعون عن الإِسلام إلى الكفر، أم كان قولاً يقوله بعضهم لبعض إذا رأوا المؤمنين كما يفكهون بالحديث عن المؤمنين في خلواتهم، وبذلك أيضاً فارق مضمون هذه الجملة مضمون الجمل التي قبلها مع ما في هذه الجملة من عموم أحوال رؤيتهم سواء كانت في حال المرور بهم أو مشاهدة في مقرهم. ومرادهم بالضلال: فساد الرأي. لأن المشركين لا يعرفون الضلال الشرعي، أي هؤلاء سيئوا الرأي إذِ اتبعوا الإِسلام وانسلخوا عن قومهم، وفرطوا في نعيم الحياة طمعاً في نعيم بعد الموت وأقبلوا على الصلاة والتخلّق بالأخلاق التي يراها المشركون أوهاماً وعنتاً لأنهم بمعزل عن مقدرة قَدْر الكمال النفساني وما همهم إلا التلذذ الجثماني. وكلمة {إذا} في كل جملة من الجمل الثلاث ظرف متعلّق بالفعل الموالي له في كل جملة. ولم يعرج أحد من المفسّرين على بيان مفاد جملة: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} مع ما قبلها. وقال المهايمي في «تبصرة الرحمان»: «وإذا رأوهم يُؤْثِرون الكمالاتِ الحقيقية على الحسية» فقدَّر مفعولاً محذوفاً لفعل {رأوهم} لإِبداء المغايرة بين مضمون هذه الجملة ومضمون الجُمل التي قبلها وقد علمت عدم الاحتياج إليه ولقد أحسن في التنبيه عليه. وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد تحقيق الخبر. وجملة: {وما أرسلوا عليهم حافظين} في موضع الحال أي يلمزوهم بالضلال في حال أنهم لم يرسلهم مرسل ليكونوا موكلين بأعمالهم فدل على أن حالهم كحال المرسَل ولذلك نُفي أن يكونوا أرسلوا حافظين عليهم فإن شدة الحرص على أن يقولوا: إن هؤلاء لضالون، كلما رأوهم يشبه حال المرسَل ليتتبع أحوال أحد ومن شأن الرسول الحرص على التبليغ. والخبر مستعمل في التهكم بالمشركين، أي لم يكونوا مقَيَّضين للرقابة عليهم والاعتناء بصلاحهم. فمعنى الحِفظ هنا الرَّقابة ولذلك عدّي بحرف (على) ليتسلط النفي على الإِرسال والحِفظ ومعنَى الاستعلاء المجازي الذي أفاده حرف (على) فينتفي حالُهم الممثَّلُ. وتقديم المجرور على متعلَّقه للاهتمام بمفاد حرف الاستعلاء وبمجروره معَ الرعاية على الفاصلة. وأفادت فاء السّببيّة في قوله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون}، أن استهزاءهم بالمؤمنين في الدنيا كان سبباً في جزائهم بما هو من نوعه في الآخرة إذ جعل الله الذين آمنوا يضحكون من المشركين فكان جزاء وفاقاً. وتقديم «اليوم» على {يضحكون} للاهتمام به لأنه يوم الجزاء العظيم الأبدي وقوله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} في اتصال نظمه بما قبله غموض. وسكت عنه جميع المفسرين عدا ابن عطية. ذلك أن تعريف اليوم باللام مع كونه ظرفاً منصوباً يقتضي أن اليوم مراد به يومٌ حاضر في وقت نزول الآية نظير وقتِ كلام المتكلم إذا قال: اليوم يكون كذا، يتعين أنه يخبر عن يومه الحاضر، فليس ضَحِك الذين آمنوا على الكفار بحاصل في وقت نزول الآية وإنما يحصل يوم الجَزاء، ولا يستقيم تفسير قوله: {فاليوم} بمعنى: فيوم القيامة الذين آمنوا يضحكون من الكفار، لأنه لو كان كذلك لكان مقتضى النظم أن يقال فيومئذ الذين آمنوا من الكفار يضحكون. وابن عطية استشعر إشكالها فقال: «ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول: {فاليوم} على حكاية ما يقال يومئذ وما يكون اهــــ. وهو انقداح زناد يحتاج في تَنَوُّرِهِ إلى أعواد. فإمّا أن نجعل ما قبله متصلاً بالكلام الذي يقال لهم يوم القيامة ابتداء من قوله: { أية : ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } تفسير : [المطففين: 17] إلى هنا كما تقدم. وإمّا أن يجعل قوله: {فاليوم الذين آمنوا} الخ مقول قول محذوف دل عليه قوله في الآية قبله: {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون}. والتقدير: يقال لهم اليومَ الذين آمنوا يضحكون منكم. وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {الذين آمنوا من الكفار يضحكون} دون أن يقال: فاليوم يضحك الذين آمنوا، لإِفادة الحصر وهو قصر إضافي في مقابلة قوله: {كانوا من الذين آمنوا يضحكون} أي زال استهزاء المشركين بالمؤمنين فاليومَ المؤمنون يضحكون من الكفار دون العكس. وتقديم {من الكفار} على متعلَّقه وهو {يضحكون} للاهتمام بالمضحوك منهم تعجيلاً لإِساءتهم عند سماع هذا التقريع. وقوله: {من الكفار} إظهار في مقام الإِضمار، عُدل عن أن يقال: منهم يضحكون، لما في الوصف المظهر من الذم للكفار. ومفعول {ينظرون} محذوف دل عليه قوله: {من الكفار يضحكون} تقديره: ينظرونهم، أي يشاهدون المشركين في العذاب والإِهانة.
الشنقيطي
تفسير : وصفهم بالإجرام هنا يشعر بأنه السبب في ضحكهم من المؤمنين وتغامزهم بهم، وتقدم في سورة البقرة بيان موجب آخر في قوله تعالى: {أية : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [البقرة: 212]. وقد بين تعالى في سورة البقرة أن الذين اتقوا فوق هؤلاء يوم القيامة، والله يرزق من يشاء بغير حساب. وتكلم الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه هناك، وأحال على هذه الآية في البيان لنوع السخرية، وزاد البيان في سورة الأحقاف على قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ}تفسير : [الأحقاف: 11]. ومن الدافع لهم على هذا القول ونتيجة قولهم، وساق آية المطففين عندها، وكذلك عند أول سورة الواقعة على قوله تعالى: {أية : خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ}تفسير : [الواقعة: 3]. ومما تجدر الإشارة إليه، أن هذه الحالة ليست خاصة بهذه الأمة، بل تقدم التنبيه على أنها من غيرها ممن تقدم من الأمم. ففي قوم نوح: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ}تفسير : [هود: 38]. وكان نفس الجواب عليهم: {أية : قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}تفسير : [هود: 38-39]. وجاء بما يفيد أكثر من ذلك حتى بالرسل في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}تفسير : [الأنبياء: 41]. ومثلها في سورة الأنبياء بنص الآية المذكورة. تنبيه إذا كان هذا حال بعض الذين أجرموا مع بعض ضعفه المؤمنين، وكذلك حال بعض الأمم مع رسلها، فإن الداعية إلى الله تعالى يجب عليه ألا يتأثر بسخرية أحد منه، ويعلم أنه على سنن غيره من الدعاة إلى الله تعالى، وأن الله تعالى سينتصر له إما عاجلاً وإما آجلاً، كما في نهاية كل سياق من هذه الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن الذين أجرموا: أي على أنفسهم بالشرك والمعاصي كأبي جهل وأميّة بن خلف وعتبة بن أبي معيط. من الذين آمنوا: أي كبلال وياسر وعمار وصهيب وخبيب. يتغامزون: أي يشيرون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء بهم. فكهين: أي إذا رجعوا إلى ديارهم وأهليهم يرجعون نشاوى فرحين معجبين بحالهم. وإذا رأوّهم: أي وإذا رأى أولئك الفكهون رأوا المؤمنين. قالوا إن هؤلاء لضالون: إن هؤلاء يعنون المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لضالون بتركهم دينهم واتخاذهم لدين محمد صلى الله عليه وسلم الجديد. وما أرسلوا عليهم حافظين: أي ولم يكلفهم الله تعالى بحفظ أعمالهم ورعاية أحوالهم. وإنما هم متطفّلون. فاليوم: أي يوم القيامة. من الكفار يضحكون: أي من أجل ما هم فيه من العذاب حيث يرونهم وهم على أرائكهم. هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون: أي هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من الكفر والشر والفساد؟ والجواب نعم نعم نعم. معنى الآيات: بعدما بيّن تعالى حال الأبرار في دار الأبرار وذكر ما شاء الله أن يذكر من نعيمهم ترغيبا وتعليماً بعد أن ذكر في الآيات قبلها حال المجرمين وما أعد لهم من عذاب في دار العذاب. ذكر تعالى هنا في خاتمة السورة ما أوجب للمجرمين وهو النار، وما أوجب للمؤمنين وهو الجنة فذكر طرفا من سلوك المجرمين وآخر من سلوك المؤمنين فقال عز من قائل {إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} أي على أنفسهم أي أفسدوها بالشرك والشر والفساد كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي وغيرهم كانوا من الذين آمنوا كبلال وعمار وصهيب وخبيب وأضرابهم من فقراء المؤمنين {يَضْحَكُونَ} استهزاء بهم وسخرية. {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ} في شوارع مكة وحول المسجد الحرام {يَتَغَامَزُونَ} يشيرون إليهم بالجفن والحاجب على عادة المتكبرين {وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ} أي رجعوا {إِلَىٰ أَهْلِهِمُ} في ديارهم {ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} ناعمين معجبين بحالهم فرحين بما عندهم {وَإِذَا رَأَوْهُمْ} أي وإذا رأى أولئك المجرمون المؤمنين أشاروا إليهم وقالوا {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} بتركهم دينهم واعتناق دين محمد الجديد في نظرهم. قال تعالى {وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} أي على أعمالهم وأحوالهم حتى يقولوا ما قالوا وإنما هم متطفلون يدعون ما ليس لهم لقبح سلوكهم وسوء فهومهم، قال تعالى {فَٱلْيَوْمَ} يوم القيامة {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} أي من الكفار {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} أي الأسرة ذات الحجال {يَنظُرُونَ} إلى الكفار وهم في النار ويضحكون منهم وهم يعذبون ولا عجب في كيفية رؤيتهم لهم وهم في النار أسفل سافلين والمؤمنون في أعلى عليين إذ البث التلفزيوني اليوم قطع العجب وأبطله وقوله تعالى {هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ} أي هل جوزي الكفار على أفعالهم الإِجرامية؟ والجواب معلوم مما تقدم إذ وصفت حالهم وبين عذابهم والعياذ بالله من عذابه وأليم عقابه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التنديد بالإِجرام والمجرمين. 2- بيان ما كان عليه المشركون في مكة إبّان الدعوة وما لقيه المؤمنون منهم. 3- بيان أن المؤمنين سيرون المشركين في الجحيم ويضحكون منهم وهم في نعيمهم والمشركون في جحيمهم. 4- بيان إكرام الله لأوليائه، وإهانته تعالى لأعدائه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} (29) - إِنَّ المُجْرِمِينَ الذِينَ يُعَانُونَ سُوء العَذَابِ، فِي الآخِرَةِ، كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَسْخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الذِينَ أَكْرَمَهُم اللهُ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، حِينَمَا كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا.
الجيلاني
تفسير : {إِنَّ} المشركين المسرفين {ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} بالجرائم العظام الموجبة لأنواع الانتقام، من جملتها: إنهم {كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} [المطففين: 29] ويستهزئون بفقراء المؤمنين. {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ} متهكمين {يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 30] أي: يغمز بعضهم بعضهم، ويشيرون بأعينهم كبراً عليهم وخيلاءً. {وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ} ورجعوا {إِلَىٰ أَهْلِهِمُ} وأماكنهم وإخوانهم {ٱنقَلَبُواْ} وصاروا {فَكِهِين} [المطففين: 31] متلذذين منهمكين بما رأوا من شيم المؤمنين من صلاتهم وخشوعهم فيها، وتضرعهم واستكانتهم، وتواضعهم مع إخوانهم. {وَ} هم من شدة شكيمتهم وغيظهم {إِذَا} مروا {رَأَوْهُمْ} أي: المؤمنين {قَالُوۤاْ} متهكمين: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} السفلة المستحسنين {لَضَالُّونَ} [المطففين: 32] منحرفون عن مقتضى الرشد والهداية بمتابعة هذا المجنون؛ يعنون: الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَ} هم يقولون هكذا من كمال ضلالهم في أنفسهم، بل من حسدهم عليهم، مع أنهم {مَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ} أي: على المؤمنين {حَافِظِينَ} [المطففين: 33] يحفظون عليهم أعمالهم، ويشهدون بهدايتهم وضلالهم، بل الأمر بالعكس. {فَٱلْيَوْمَ} أي: اليوم الموعود المعهود الذي هو يوم القيامة {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله، وصدقوا بالآخرة، وبجميع الأمور الموعودة فيها {مِنَ ٱلْكُفَّارِ} المصرين على العناد والإنكار {يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34] أي: يضحك المؤمنون يومئذٍ عكس ما كانوا عليه في النشأة الأولى؛ إذ يرونهم أذلاء صاغرين، مغلولين في نار القطعية، معذبين بأنواع المحن. مع أن المؤمنين حينئذٍ متكئين {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} المعدة لهم جزاء ما يتكلمون على الله، ويتكئون إلى فضله وإحسانه، مواظبين على أداء المأمورات وترك المنكرات، صابرين على متاعب الطاعات ومشاق التكاليف القالعة لعرق المستلذات الجسمانية، والمشتهيات النفسانية {يَنظُرُونَ} [المطففين: 35] حينئذٍ بنور الإيمان، وصفاء اليقين والعرفان إلى وخامة ما فيه أصحاب الكفر والكفران، ويشكرون بنعمة الإيمان والإحسان. {هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ} وقد جوزوا يومئذٍ بأسوأ الجزاء؛ بسبب {مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 36] من الاستهانة والاستهزاء بالمؤمنين، وضحكهمه بأعمالهم، وتغازمهم فيما بينهم بعيونهم تهكماً عليهم. جعلنا الله ممن بصَّره بعيوب نفسه، وأعماه عن عيوب غيره بمنِّه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المراقب على تربية النفس، المداوم على تهذيب الأخلاق أن تصفي نفسك عن مطلق الرذائل المنافية لصفاء مشرب التوحيد، وتخلصها عن عموم القيود الإمكانية المتولدة من طغيان الطبيعة، وتُحليها بمحاسن الأخلاق والأطوار المناسبة للفطرة الأصلية التي جبلت عيها في مبدأ خلقك، فلك الاتكال على الله، والفرار من على أصحاب الغفلة والضلال. وإياك إياك أن تخالطهم وتجالس معهم؛ لأن صحبة الأشرار تُميت القلوب، وتؤثر في السر، وتُذهب جودة الفطنة، وتكدر صفاء مشرب الوحدة وتُزيد الوحشة، وتورث النسيان المستلزم لأنواع الخسران والحرمان. جعلنا الله ممن أذاقه حلاوة خلوته، وأنسه مع وحدته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى جزاء المجرمين وجزاء المؤمنين و [ذكر] ما بينهما من التفاوت العظيم، أخبر أن المجرمين كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين، ويستهزئون بهم، ويضحكون منهم، ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم، احتقارا لهم وازدراء، ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم، { وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ } صباحًا أو مساء { انْقَلَبُوا فَكِهِينَ } أي: مسرورين مغتبطين، وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرأوا على القول عليه بلا علم. قال تعالى: { وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ } أي: وما أرسلوا وكلاء على المؤمنين ملزمين بحفظ أعمالهم، حتى يحرصوا على رميهم بالضلال، وما هذا منهم إلا تعنت وعناد وتلاعب، ليس له مستند ولا برهان، ولهذا كان جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم، قال تعالى: { فَالْيَوْمَ } أي: يوم القيامة، { الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } حين يرونهم في غمرات العذاب يتقلبون، وقد ذهب عنهم ما كانوا يفترون، والمؤمنون في غاية الراحة والطمأنينة . { عَلَى الأرَائِكِ } وهي السرر المزينة، { يُنْظَرُونَ } إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون إلى وجه ربهم الكريم. { هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } أي: هل جوزوا من جنس عملهم؟ فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال، الذي هو عقوبة الغي والضلال. نعم، ثوبوا ما كانوا يفعلون، عدلا من الله وحكمة، والله عليم حكيم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):