Verse. 5885 (AR)

٨٤ - ٱلْإِنْشِقَاق

84 - Al-Inshiqaq (AR)

اِذَا السَّمَاۗءُ انْشَقَّتْ۝۱ۙ
Itha alssamao inshaqqat

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذا السماء انشقت».

1

Tafseer

الرازي

تفسير : أما انشقاق السماء فقد مر شرحه في مواضع من القرآن، وعن علي عليه السلام أنها تنشق من المجرة، أما قوله: {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } ومعنى أذن له استمع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن»تفسير : وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب:شعر : صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا تفسير : والمعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها وتفريق أجزائها، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت له وأذعن، ولم يمتنع فقوله: {أية : قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }تفسير : [فصلت: 11] يدل على نفاذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلاً، وقوله ههنا: {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلاً، وأما قوله: {وَحُقَّتْ } فهو من قولك هو محقوق بكذا، وحقيق به. يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع وذلك لأنه جسم، وكل جسم فهو ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإن الوجود والعدم بالنسبة إليه على السوية، وكل ما كان كذلك، كان ترجيح وجوده على عدمه أو ترجيح عدمه على وجوده، لا بد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه فيكون تأثير قدرته في إيجاده، وإعدامه، نافذاً سارياً من غير ممانعة أصلاً، وأما الممكن فليس له إلا القبول والاستعداد، ومثل هذا الشيء حقيق به أن يكون قابلاً للوجود تارة، وللعدم أخرى من واجب الوجود، أما قوله: {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } ففيه وجهان الأول: أنه مأخوذ من مد الشيء فامتد، وهو أن تزال حبالها بالنسف كما قال: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفاً }تفسير : [طه: 105] يسوي ظهرها، كما قال: {أية : قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } تفسير : [طه: 107,106] وعن ابن عباس مدت مد الأديم الكاظمي، لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه واستوى والثاني: أنه مأخوذ من مده بمعنى أمده أي يزاد في سعتها يوم القيامة لوقوف الخلائق عليها للحساب، واعلم أنه لا بد من الزيادة في وجه الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو بإمدادها، لأن خلق الأولين والآخرين لما كانوا واقفين يوم القيامة على ظهرها، فلا بد من الزيادة في طولها وعرضها، أما قوله: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } فالمعنى أنها لما مدت رمت بما في جوفها من الموتى والكنوز، وهو كقوله: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 2] {أية : وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ }تفسير : [الإنفطار: 4] {أية : وَبُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ } تفسير : [العاديات: 9] وكقوله: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءاً وَأَمْوٰتاً }تفسير : [المرسلات: 26,25] وأما قوله: {وَتَخَلَّتْ } فالمعنى وخلت غاية الخلو حتى لم يبق في باطنها شيء كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو، كما يقال: تكرم الكريم، وترحم الرحيم. إذا بلغا جهدهما في الكرم الرحمة وتكلفاً فوق ما في طبعهما، واعلم أن التحقيق أن الله تعالى هو الذي أخرج تلك الأشياء من بطن الأرض إلى ظهرها، لكن الأرض وصفت بذلك على سبيل التوسع، وأما قوله: {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ } فقد تقدم تفسيره إلا أن الأول في السماء وهذا في الأرض، وإذا اختلف وجه الكلام لم يكن تكراراً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} أي ٱنصدعت، وتفطرتْ بالغَمام، والغَمام مثل السحاب الأبيض. وكذا رَوَى أبو صالح عن ٱبن عباس. وروي عن عليّ عليه السلام قال: تُشَقّ من المجرة. وقال: المُجَرَّة باب السماء. وهذا من أشراط الساعة وعلاماتها. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي سمِعت، وحق لها أن تسمع. رُوِي معناه عن ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما أَذِن الله لشيء كَأَذنَه لنبيّ يتغنى بالقرآن » تفسير : أي ما ٱستمع الله لشيء؛ قال الشاعر: شعر : صُمٌّ إذا سمِعوا خيراً ذُكرتُ بِه وإن ذُكِرتْ بِسُوءِ عِندهم أَذِنُوا تفسير : أي سمعوا. وقال قعنب بن أمّ صاحب: شعر : إِنْ يأذَنُوا رِيبةً طاروا بها فرحاً وما هُمُ أَذِنوا من صالحٍ دَفَنُوا تفسير : وقيل: المعنى وحقَّق الله عليها الاستماعَ لأمره بالانشقاق. وقال الضحاك: حُقَّتْ: أطاعت، وحُقّ لها أن تطيع ربها، لأنه خلقها؛ يقال: فلان محقوق بكذا. وطاعة السماء: بمعنى أنها لا تمتنع مما أراد الله بها، ولا يبعد خلق الحياة فيها حتى تطيع وتجيب. وقال قتادة: حق لها أن تفعل ذلك؛ ومنه قول كثير: شعر : فإن تكنِ العُتْبِى فأَهلاً ومَرْحَباً وحُقَّتْ لها العُتْبَى لدينا وقَلَّتِ تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} أي بُسِطَت ودُكَّت جِبالها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : تُمَدّ مَدَّ الأديم » تفسير : لأن الأديم إذا مدّ زال كل ٱنثناء فيه وٱمتدّ وٱستوى. قال ٱبن عباس وٱبن مسعود: ويزاد، وسعتها كذا وكذا؛ لوقوف الخلائق عليها للحساب حتى لا يكون لأحد من البشر إلا موضع قدمه، لكثرة الخلائق فيها. وقد مضى في سورة «إبراهيم» أن الأرض تبدل بأرض أخرى وهي الساهِرة في قول ٱبن عباس على ما تقدم عنه. {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي أخرجت أمواتها، وتخلت عنهم. وقال ٱبن جُبَير: ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء. وقيل: ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها، وتخلت منها. أي خلا جوفها، فليس في بطنها شيء، وذلك يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة. وقيل: تَخَلَّت مما على ظهرها من جبالها وبحارها. وقيل: أَلْقَتْ ما ٱستُودِعتْ، وتخلت مما ٱستحفظت؛ لأن الله تعالى ٱستودعها عباده أحياء وأمواتاً، وٱستحفظها بلاده مزارعة وأقواتاً. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي في إلقاء موتاها {وَحُقَّتْ} أي وحق لها أن تسمع أمره. وٱختلف في جواب «إذا» فقال الفراء: «أذِنت». والواو زائدة، وكذلك «وأَلْقَتْ». ٱبن الأنباري: قال بعض المفسرين: جواب «إذا السماء ٱنشقت» «أَذِنت»، وزعم أن الواو مقحمة وهذا غلط؛ لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع «حتى ـ إذا» كقوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } تفسير : [الزمر: 73] ومع «لما» كقوله تعالى: { أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ } تفسير : [الصافات: 103-104] معناه «ناديناهُ» والواو لا تقحم مع غير هذين. وقيل: الجواب فاء مضمرة كأنه قال: «إذا السماء ٱنشقت» فٰيأيها الإنسان إنك كادح. وقيل: جوابها ما دل عليه «فمُلاقِيهِ» أي إذا السماء ٱنشقت لاقى الإنسان كدحه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ} «إِذا السماء ٱنشقت». قال المبرد. وعنه أيضاً: الجواب «فأما من أوتِي كِتابه بِيمينِهِ» وهو قول الكسائي؛ أي إذا السماء ٱنشقت فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح ما قيل فيه وأحسنه. قيل: هو بمعنى ٱذكر {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}. وقيل: الجواب محذوف لعلم المخاطبين به؛ أي إذا كانت هذه الأشياء علم المكذِّبون بالبعث ضلالتهم وخسرانهم. وقيل: تقدّم منهم سؤال عن وقت القيامة، فقيل لهم: إذا ظهرت أشراطها كانت القيامة، فرأيتم عاقبة تكذيبكم بها. والقرآن كالآية الواحدة في دلالة البعض على البعض. وعن الحسن: إن قوله {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} قسم. والجمهور على خلاف قوله من أنه خبر وليس بقسم.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها خمس وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا ٱلسَّمَاءُ ٱنشَقَّتْ } بالغمام كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ }تفسير : [الفرقان: 25] وعن علي رضي الله تعالى عنه: تنشق من المجرة. {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } واستمعت له أي انقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها انقياد المطواع الذي يأذن للآمر ويذعن له. {وَحُقَّتْ } وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد يقال: حق بكذا فهو محقوق وحقيق. {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } بسطت بأن لا تزال جبالها وآكامها. {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } في الخلو أقصى جهدها حتى لم يبق شيء في باطنها. {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } في الإِلقاء والتخلي. {وَحُقَّتْ } للإِذن وتكرير {إِذَا } لاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة، وجوابه محذوف للتهويل بالإِبهام أو الاكتفاء بما مر في سورتي «التكوير» و «الانفطار» أو لدلالة قوله. { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلَـٰقِيهِ } عليه وتقديره لاقى الإِنسان كدحه أي جهداً يؤثر فيه من كدحه إذا خدشه، أو {فَمُلَـٰقِيهِ } و {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ } اعتراض، والكدح إليه السعي إلى لقاء جزائه. {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } سهلاً لا يناقش فيه. {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً } إلى عشيرته المؤمنين، أو فريق المؤمنين، أو {أَهْلِهِ } في الجنة من الحور. {وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ } أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. قيل تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره. {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً } يتمنى الثبور ويقول يا ثبوراه وهو الهلاك. {وَيَصْلَىٰ سَعِيراً } وقرأ الحجازيان والشامي «وَيَصْلَىٰ» لقوله تعالى: {أية : وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ }تفسير : [الواقعة: 94] وقرىء «وَيَصْلَىٰ» لقوله تعالى: {أية : ونصله جَهَنَّمَ }تفسير : [النساء: 115].

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: { إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} وذلك يوم القيامة، {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي: استمعت لربها، وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، وذلك يوم القيامة، {وَحُقَّتْ} أي: وحق لها أن تطيع أمره؛ لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء، وذل له كل شيء، ثم قال: { وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} أي: بسطت وفرشت ووسعت. قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري، عن علي بن الحسين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة، مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه، فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول: يا رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي، فيقول الله عز وجل: صدق، ثم أشفع، قأقول: يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض ــــ قال ــــ وهو المقام المحمود»تفسير : . وقوله تعالى: { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي: ألقت ما في بطنها من الأموات، وتخلت منهم، قاله مجاهد وسعيد وقتادة. { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} كما تقدم. وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} أي: إنك ساع إلى ربك سعياً، وعامل عملاً {فَمُلَـٰقِيهِ} ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أوشر. ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال جبريل: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» تفسير : ومن الناس من يعيد الضمير على قوله: ربك، أي: فملاق ربك، ومعناه: فيجازيك بعملك، ويكافئك على سعيك، وعلى هذا، فكلا القولين متلازم، قال العوفي عن ابن عباس: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} يقول: تعمل عملاً تلقى الله به، خيراً كان أو شراً. وقال قتادة: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} إن كدحك يابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله، فليفعل، ولا قوة إلا بالله. ثم قال تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } أي: سهلاً بلا تعسير، أي: لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك، هلك لا محالة. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من نوقش الحساب، عذب» تفسير : قالت: فقلت: أفليس قال الله تعالى: { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}؟ قال: «حديث : ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة، عذب» تفسير : وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير من حديث أيوب السختياني به. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذباً» تفسير : فقلت: أليس الله يقول: { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}؟ قال: «حديث : ذاك العرض، إنه من نوقش الحساب، عذب» تفسير : وقال بيده على إصبعه كأن ينكت، وقد رواه أيضاً عن عمرو بن علي عن ابن أبي عدي عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة، فذكر الحديث، أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري، واسمه حاتم بن أبي صغيرة، به. قال ابن جرير: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا مسلم عن الحريش بن الخريت أخي الزبير، عن ابن أبي مليكة عن عائشة، قالت: من نوقش الحساب ــــ أو: من حوسب ــــ عذب. قال: ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض على الله تعالى، وهو يراهم. وقال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: «حديث : اللهم حاسبني حساباً يسيراً» تفسير : فلما انصرف، قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: «حديث : أن ينظر في كتابه، فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ، هلك» تفسير : صحيح على شرط مسلم. وقوله تعالى: { وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي: ويرجع إلى أهله في الجنة، قاله قتادة والضحاك: مسروراً، أي: فرحاً مغتبطاً بما أعطاه الله عز وجل. وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنكم تعملون أعمالاً لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله، فمسرور أو مكظوم» تفسير : وقوله تعالى: { وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} أي: بشماله من وراء ظهره، تثنى يده إلى ورائه، ويعطى كتابه بها كذلك، { فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً} أي: خساراً وهلاكاً { وَيَصْلَىٰ سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِىۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً } أي: فرحاً لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل، { إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله، ولا يعيده بعد موته، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما، والحور: هو الرجوع، قال الله: { بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} يعني: بلى سيعيده الله كما بدأه، ويجازيه على أعماله خيرها وشرها؛ فإنه كان به بصيراً، أي: عليماً خبيراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } هو كقوله: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ } تفسير : [التكوير: 1] في إضمار الفعل وعدمه. قال الواحدي: قال المفسرون: انشقاقها عن علامات القيامة، ومعنى انشقاقها: انفطارها بالغمام الأبيض، كما في قوله: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ } تفسير : [الفرقان: 25] وقيل: تنشقّ من المجرّة، والمجرّة باب السماء. واختلف في جواب إذا، فقال الفرّاء: إنه أذنت، والواو زائدة، وكذلك ألقت. قال ابن الأنباري: هذا غلط، لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع حتى إذا كقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } تفسير : [الزمر: 1] ومع لما، كقوله: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَـٰدَيْنَـٰهُ }تفسير : [الصافات: 103، 104] ولا تقحم مع غير هذين. وقيل: إن الجواب قوله: {فَمُلَـٰقِيهِ } أي: فأنت ملاقيه، وبه قال الأخفش. وقال المبرد: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً أي: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً، فملاقيه إذا السماء انشقت. وقال المبرد أيضاً: إن الجواب قوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } وبه قال الكسائي، والتقدير: إذا السماء انشقت، فمن أوتي كتابه بيمينه، فحكمه كذا، وقيل هو: {يا أيها ٱلإِنسَـٰنَ } على إضمار الفاء، وقيل: إنه {يا أيها ٱلإِنسَـٰنَ } على إضمار القول أي: يقال له يا أيها الإنسان وقيل: الجواب محذوف تقديره بعثتم، أو لاقى كلّ إنسان عمله، وقيل: هو ما صرّح به في سورة التكوير أي: علمت نفس هذا، على تقدير أن إذا شرطية، وقيل: ليست بشرطية وهي منصوبة بفعل محذوف أي اذكر، أو هي مبتدأ، وخبرها إذا الثانية، والواو مزيدة، وتقديره: وقت انشقاق السماء وقت مدّ الأرض، ومعنى: {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا }: أنها أطاعته في الانشقاق من الإذن، وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه {وَحُقَّتْ } أي: وحقّ لها أن تطيع وتنقاد وتسمع، ومن استعمال الإذن في الاستماع قول الشاعر:شعر : صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا تفسير : وقول الآخر:شعر : إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا مني وما أذنوا من صالح دفنوا تفسير : وقيل: المعنى: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق: أي: جعلها حقيقة بذلك. قال الضحاك: {حقت} أطاعت، وحقّ لها أن تطيع ربها لأنه خلقها، يقال: فلان محقوق بكذا، ومعنى طاعتها: أنها لا تمتنع مما أراده الله بها. قال قتادة: حقّ لها أن تفعل ذلك، ومن هذا قول كثير:شعر : فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا وحقت لها العتبى لدينا وقلت تفسير : {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } أي: بسطت كما تبسط الأدم؛ ودكت جبالها حتى صارت قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. قال مقاتل: سوّيت كمدّ الأديم، فلا يبقى عليها بناء ولا جبل إلا دخل فيها، وقيل: مدّت زيد في سعتها، من المدد، وهو: الزيادة. {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } أي: أخرجت ما فيها من الأموات والكنوز، وطرحتهم إلى ظهرها {وَتَخَلَّتْ } من ذلك. قال سعيد بن جبير: ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء، ومثل هذا قوله: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 2] {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } أي: سمعت وأطاعت لما أمرها من الإلقاء والتخلي {وَحُقَّتْ } أي: وجعلت حقيقة بالاستماع لذلك والانقياد له. وقد تقدّم بيان معنى الفعلين قبل هذا {يا أيّها ٱلإِنسَـٰنَ } المراد جنس الإنسان، فيشمل المؤمن والكافر، وقيل: هو الإنسان الكافر، والأوّل أولى لما سيأتي من التفصيل {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً } الكدح في كلام العرب: السعي في الشيء بجهد من غير فرق بين أن يكون ذلك الشيء خيراً أو شرّاً، والمعنى: أنك ساع إلى ربك في عملك، أو إلى لقاء ربك، مأخوذ من كدح جلده: إذا خدشه. قال ابن مقبل:شعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح تفسير : قال قتادة، والضحاك، والكلبي: عامل لربك عملاً {فَمُلَـٰقِيهِ } أي: فملاق عملك، والمعنى: أنه لا محالة ملاق لجزاء عمله، وما يترتب عليه من الثواب والعقاب. قال القتيبي: معنى الآية: إنك كادح: أي: عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك، والملاقاة بمعنى اللقاء: أي: تلقى ربك بعملك، وقيل: فملاق كتاب عملك؛ لأن العمل قد انقضى {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } وهم: المؤمنون: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } لا مناقشة فيه. قال مقاتل: لأنها تغفر ذنوبه، ولا يحاسب بها. وقال المفسرون: هو أن تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله، فهو الحساب اليسير {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً } أي: وينصرف بعد الحساب اليسير إلى أهله الذين هم في الجنة من عشيرته، أو إلى أهله الذين كانوا له في الدنيا من الزوجات والأولاد، وقد سبقوه إلى الجنة، أو إلى من أعدّه الله له في الجنة من الحور العين، والولدان المخلدين، أو إلى جميع هؤلاء مسروراً مبتهجاً بما أوتي من الخير والكرامة. {وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ } قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلفه. وقال قتادة، ومقاتل: تفك ألواح صدره وعظامه، ثم تدخل يده وتخرج من ظهره، فيأخذ كتابه كذلك {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً } أي: إذا قرأ كتابه قال: يا ويلاه يا ثبوراه، والثبور الهلاك {وَيَصْلَىٰ سَعِيراً } أي: يدخلها، ويقاسي حرّ نارها وشدّتها. قرأ أبو عمرو، وحمزة، وعاصم بفتح الياء، وسكون الصاد، وتخفيف اللام. وقرأ الباقون بضم الياء، وفتح اللام، وتشديدها، وروى إسماعيل المكي عن ابن كثير، وكذلك خارجة عن نافع، وكذلك روى إسماعيل المكي عن ابن كثير أنهم قرؤوا بضم الياء، وإسكان الصاد من أصلى يصلى {إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً } أي: كان بين أهله في الدنيا مسروراً باتباع هواه، وركوب شهوته بطراً أشراً لعدم خطور الآخرة بباله، والجملة تعليل لما قبلها، وجملة: {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } تعليل لكونه كان في الدنيا في أهله مسروراً، والمعنى: أن سبب ذلك السرور ظنه بأنه لا يرجع إلى الله، ولا يبعث للحساب والعقاب لتكذيبه بالبعث، وجحده للدار الآخرة، و"أن" في قوله: {أَن لَّن يَحُورَ } هي: المخففة من الثقيلة سادّة مع ما في حيزها مسدّ مفعولي ظنّ، والحور في اللغة: الرجوع، يقال حار يحور: إذا رجع، وقال الراغب: الحور التردّد في الأمر، ومنه نعوذ بالله من الحور بعد الكور: أي من التردّد في الأمر بعد المضيّ فيه، ومحاورة الكلام مراجعته، والمحار المرجع والمصير. قال عكرمة، وداود بن أبي هند: يحور كلمة بالحبشية، ومعناها يرجع. قال القرطبي: الحور في كلام العرب: الرجوع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور»تفسير : يعني: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وكذلك الحور بالضم، وفي المثل، حور في محار: أي: نقصان في نقصان، ومنه قول الشاعر:شعر : والذم يبقى وزاد القوم في حور تفسير : والحور أيضاً: الهلكة، ومنه قول الراجز:شعر : في بئر لا حور سرى وما شعر تفسير : قال أبو عبيدة: أي: في بئر حور، ولا زائدة. {بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً } بلى إيجاب للمنفيّ بلن أي: بلى ليحورنّ وليبعثنّ. ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً } أي: كان به وبأعماله عالماً لا يخفى عليه منها خافية. قال الزجاج: كان به بصيراً قبل أن يخلقه عالماً بأن مرجعه إليه. {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ } "لا" زائدة، كما تقدّم في أمثال هذه العبارة، وقد قدّمنا الاختلاف فيها في سورة القيامة، فارجع إليه، والشفق: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة. قال الواحدي: هذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعاً. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق، وكان أحمر، وحكاه القرطبي عن أكثر الصحابة، والتابعين والفقهاء. وقال أسد بن عمر، وأبو حنيفة: في إحدى الروايتين عنه إنه البياض، ولا وجه لهذا القول، ولا متمسك له لا من لغة العرب ولا من الشرع. قال الخليل: الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة. قال في الصحاح: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أوّل الليل إلى قريب العتمة، وكتب اللغة والشرع مطبقة على هذا، ومنه قول الشاعر:شعر : قم يا غلام أعنى غير مرتبك على الزمان بكأس حشوها شفق تفسير : وقال آخر: شعر : أحمر اللون كحمرة الشفق تفسير : وقال مجاهد: الشفق النهار كله ألا تراه قال: {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } وقال عكرمة: هو ما بقي من النهار، وإنما قالا هذا لقوله بعده: {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } فكأنه تعالى أقسم بالضياء والظلام، ولا وجه لهذا، على أنه قد روي عن عكرمة أنه قال: الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء، وروي عن أسد بن عمر الرجوع {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } الوسق عند أهل اللغة: ضم الشيء بعضه إلى بعض، يقال استوسقت الإبل: إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يسقها: أي: يجمعها. قال الواحدي: المفسرون يقولون: وما جمع، وضم، وحوى، ولف، والمعنى: أنه جمع، وضمّ ما كان منتشراً بالنهار في تصرّفه، وذلك أن الليل إذا أقبل آوى كل شيء إلى مأواه، ومنه قول ضابىء بن الحرث البرجمي:شعر : فإني وإياكم وسوقاً إليكم كقابض شيئًا لم تنله أنامله تفسير : وقال عكرمة {وَمَا وَسَقَ } أي: وما ساق من شيء إلى حيث يأوي، فجعله من السوق لا من الجمع، وقيل: {وَمَا وَسَقَ } أي: وما جُنَّ وستر، وقيل: {وَمَا وَسَقَ } أي: وما حمل، وكل شيء حملته فقد وسقته، والعرب تقول: لا أحمله ما وسقت عيني الماء، أي: حملته، ووسقت الناقة تسق وسقاً، أي: حملت. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل بن سليمان: وما وسق، وما حمل من الظلمة، أو حمل من الكواكب. قال القشيري: ومعنى حمل: ضمّ وجمع، والليل يحمل بظلمته كل شيء. وقال سعيد بن جبير: {وما وسق} أي: وما عمل فيه من التهجد والاستغفار بالأسحار، والأوّل أولى. {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ } أي: اجتمع، وتكامل. قال الفراء: اتساقه امتلاؤه، واجتماعه، واستواؤه ليلة ثالث عشر، ورابع عشر إلى ستّ عشرة، وقد افتعل من الوسق الذي هو الجمع. قال الحسن: اتسق امتلأ، واجتمع. وقال قتادة: استدار، يقال: وسقته فاتسق، كما يقال: وصلته فاتصل، ويقال أمر فلان متسق أي: مجتمع منتظم، ويقال اتسق الشيء: إذا تتابع. {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ } هذا جواب القسم. قرأ حمزة، والكسائي، وابن كثير، وأبو عمرو: "لتركبنّ" بفتح الموحدة على أنه خطاب للواحد، وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، وهي قراءة ابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، ومسروق، وأبي وائل، ومجاهد، والنخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وقرأ الباقون بضم الموحدة خطاباً للجمع، وهم الناس. وقال الشعبي، ومجاهد: لتركبنّ يا محمد سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني: تصعد فيها، وهذا على القراءة الأولى، وقيل: درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القرب من الله ورفعة المنزلة، وقيل المعنى: لتركبنّ حالاً بعد حال كل حالة منها مطابقة لأختها في الشدّة، وقيل المعنى: لتركبنّ أيها الإنسان حالاً بعد حال من كونك نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم حياً، وميتاً، وغنياً، وفقيراً، فالخطاب للإنسان المذكور في قوله: {يأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً } واختار أبو عبيد، وأبو حاتم القراءة الثانية قالا: لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقرأ عمر: "ليركبنّ" بالتحتية، وضم الموحدة على الإخبار، وروي عنه وعن ابن عباس أنهما قرآ بالغيبة، وفتح الموحدة أي: ليركبنّ الإنسان، وروي عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قرآ بكسر حرف المضارعة وهي لغة، وقرىء بفتح حرف المضارعة، وكسر الموحدة على أنه خطاب للنفس. وقيل: إن معنى الآية: ليركبنّ القمر أحوالاً من سرار، واستهلال، وهو بعيد. قال مقاتل {طَبَقاً عَن طَبقٍ } يعني: الموت والحياة. وقال عكرمة: رضيع، ثم فطيم، ثم غلام، ثم شابّ، ثم شيخ. ومحل {عن طبق} النصب على أنه صفة لـ {طبقاً} أي: طبقاً مجاوزاً لطبق، أو على الحال من ضمير لتركبنّ أي: مجاوزين، أو مجاوزاً. {فما لهم لاَ يُؤْمِنُونَ } الاستفهام للانكار، والفاء لترتيب ما بعدها من الإنكار، والتعجيب على ما قبلها من أحوال يوم القيامة، أو من غيرها على الاختلاف السابق، والمعنى: أيّ شيء للكفار لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من القرآن مع وجود موجبات الإيمان بذلك. {وَإِذَا قُرِىء عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءانُ لاَ يَسْجُدُونَ } هذه الجملة الشرطية، وجوابها في محل نصب على الحال أي: أيّ مانع لهم حال عدم سجودهم، وخضوعهم عند قراءة القرآن. قال الحسن، وعطاء، والكلبي، ومقاتل: مالهم لا يصلون. وقال أبو مسلم: المراد الخضوع، والاستكانة. وقيل: المراد نفس السجود المعروف بسجود التلاوة. وقد وقع الخلاف هل هذا الموضع من مواضع السجود عند التلاوة أم لا؟ وقد تقدم في فاتحة هذه السورة الدليل على السجود {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذّبُونَ } أي: يكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من الكتاب المشتمل على إثبات التوحيد، والبعث، والثواب، والعقاب: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } أي: بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب، وقال مقاتل: يكتمون من أفعالهم. وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه، ومنه قول الشاعر:شعر : الخير أبقى وإن طال الزمان به والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد تفسير : ويقال: وعاه حفظه، ووعيت الحديث أعيه وعياً، ومنه: {أية : أُذُنٌ وٰعِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 12] {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي: اجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم؛ لأن علمه سبحانه بذلك على الوجه المذكور موجب لتعذيبهم، والأليم المؤلم الموجع، والكلام خارج مخرج التهكم بهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } هذا الاستثناء منقطع أي: لكن الذين جمعوا بين الإيمان بالله، والعمل الصالح لهم أجر عند الله غير ممنون أي: غير مقطوع، يقال مننت الحبل: إذا قطعته، ومنه قول الشاعر:شعر : فترى خلفهنّ من سرعة الرجـ ـع منيناً كأنه أهباء تفسير : قال المبرد: المنين الغبار؛ لأنه تقطعه وراءها، وكل ضعيف منين وممنون. وقيل: معنى {غير ممنون} أنه لا يمنّ عليهم به، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً إن أريد من آمن منهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } قال: تنشقّ السماء من المجرّة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ } قال: سمعت حين كلمها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ } قال: أطاعت، وحقت بالطاعة. وأخرج الحاكم عنه وصححه قال: سمعت وأطاعت {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } قال: يوم القيامة {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } قال: أخرجت ما فيها من الموتى {وَتَخَلَّتْ } عنهم. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } قال: سواري الذهب. وأخرج الحاكم: قال السيوطي بسند جيد عن جابر قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : تمدّ الأرض يوم القيامة مدّ الأديم، ثم لا يكون لابن آدم فيها إلا موضع قدميه»تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً } قال: عامل عملاً {فَمُلَـٰقِيهِ } قال: فملاق عملك. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس أحد يحاسب إلا هلكتفسير : ، فقلت أليس يقول الله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً }؟ قال:حديث : ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك»تفسير : وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: «حديث : اللهم حاسبني حساباً يسيراًتفسير : ، فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: حديث : أن ينظر في كتابه، فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب هلك»تفسير : وفي بعض ألفاظ الحديث الأوّل، وهذا الحديث الآخر: «حديث : من نوقش الحساب عذّب»تفسير : وأخرج البزار، والطبراني في الأوسط، والبيهقي، والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث من كنّ فيه يحاسبه الله حساباً يسيراً، ويدخله الجنة برحمته: تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك»تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {يَدْعُواْ ثُبُوراً } قال: الويل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه: {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } قال: يبعث. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {أَن لَّن يَحُورَ } قال: أن لن يرجع. وأخرج سمويه في فوائده عن عمر بن الخطاب قال: {الشفق} الحمرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: {الشفق} النهار كله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } قال: وما دخل فيه. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عنه {وَمَا وَسَقَ } قال: وما جمع. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ } قال: إذا استوى. وأخرج عبد بن حميد، وابن الأنباري من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } قال: وما جمع، أما سمعت قوله:شعر : إن لنا قلائصاً نقانقا مستوسقات لو يجدن سائقا تفسير : وأخرج عبد بن حميد عنه {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ } قال: ليلة ثلاثة عشر. وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ } قال: حالاً بعد حال. وأخرج البخاري عن ابن عباس {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ } حالاً بعد حال، قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو عبيد في القراءات، وسعيد ابن منصور، وابن منيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ" يعني: بفتح الباء من {تركبنّ}. وقال: يعني: نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال. وأخرج الطيالسي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني عنه قال: {لَتَرْكَبُنَّ } يا محمد السماء {طَبَقاً عَن طَبقٍ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم في الكنى، والطبراني، وابن منده، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ: "لتركبنّ" يعني: بفتح الباء. وقال لتركبنّ يا محمد سماء بعد سماء. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ } قال: يعني: السماء تنفطر، ثم تنشق، ثم تحمّر. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عنه أيضاً في الآية قال: السماء تكون كالمهل، وتكون وردة كالدّهان، وتكون واهية، وتشقق، فتكون حالاً بعد حال. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } قال: يسرّون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إذا السماءُ انشَقّتْ} وهذا من أشراط الساعة، قال عليّ رضي الله عنه: تنشق السماء من المجرة، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محذوف الجواب وتقديره: إذا السماء انشقت رأى الإنسان ما قدّم من خير وشر. الثاني: أن جوابه {كادح إلى ربك كدحاً}. الثالث: معناه أذكر إذا السماء انشقت. {وأَذِنَتْ لِرّبها وحُقّتْ} معنى أذنت لربها أي سمعت لربها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشيء كإذانه لنبي يتغنى بالقرآن أي ما استمع الله لشيء، وقال الشاعر: شعر : صُمٌّ إذا سَمِعوا خيْراً ذُكِرتُ به وإنْ ذُكِرْتُ بسُوءٍ عندهم أَذِنوا تفسير : أي سمعوا. {وحُقّتْ} فيه وجهان: أحدهما: أطاعت، قاله الضحاك. الثاني: معناه حق لها أن تفعل ذلك، قاله قتادة، ومنه قول كثيّر: شعر : فإن تكُنْ العُتْبى فأهْلاً ومرحبا وحُقّتْ لها العُتبى لديْنَا وَقَلَّت. تفسير : ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنها جمعت، مأخوذ من اجتماع الحق على نافيه وحكى ابن الانباري أن {أذنت لربها وحقت} جواب القسم، والواو زائدة. {وإذا الأرضُ مُدَّتْ} فيها قولان: أحدهما: أن البيت كان قبل الأرض بألفي عام، فمدت الأرض من تحته، قاله ابن عمر. الثاني: أنها أرض القيامة، قاله مجاهد، وهو أشبه بسياق الكلام. وفي {مُدَّتْ} وجهان: أحدهما: سويت، فدكّت الجبال ويبست البحار، قاله السدي. الثاني: بسطت، قاله الضحاك، وروى عليّ بن الحسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مدّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه . تفسير : {وأَلقْتْ ما فيها وتَخلّتْ} فيه وجهان: أحدهما: ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت عمن على ظهرها من الأحياء، قاله ابن جبير. الثاني: ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها وتخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها، وهو معنى قول قتادة. ويحتمل ثالثاً: هو أعم، أنها ألقت ما استوعدت، وتخلت مما استحفظت لأن الله استودعها عباده أحياء وأمواتاً، واستحفظها بلاده مزارع وأقواتاً. {يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ إلى ربك كدْحاً فملاقيه} فيه قولان: أحدهما: إنك ساعٍ إلى ربك سعياً حتى تلاقي ربك، قاله يحيى بن سلام، ومنه قول الشاعر: شعر : ومَضَتْ بشاشةُ كلِّ عَيْشٍ صالحٍ وَبقيتُ أكْدَحُ للحياةِ وأَنْصَبُ تفسير : أي أعمل للحياة. ويحتمل قولاً ثالثاً: أن الكادح هو الذي يكدح نفسه في الطلب إن تيسّر أو تعسّر. {فأمّا مَنْ أَوتي كِتابَه بيمينه} روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وفي الثالثة تطير الكتب من الأيدي، فبين آخذٍ كتابه بيمينه، وبين آخذٍ كتابه بشماله ". تفسير : {فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً} وفي الحساب ثلاثة أقاويل: أحدها: يجازى على الحسنات ويتجاوز له عن السيئات، قاله الحسن. الثاني: ما رواه صفوان بن سليم عن عائشة قالت: سئل رسول الله عن الذي يحاسب حساباً يسيراً، فقال: حديث : يعرف عمله ثم يتجاوز عنه، ولكن من نوقش الحساب فذلك هو الهالك ". تفسير : الثالث: أنه العرض، روى ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} فقال: حديث : ذلك العرض يا عائشة، من نوقش في الحساب يهلك . تفسير : {وَيَنقَلِبُ إلى أهْلِه مَسْروراً} قال قتادة: إلى أهله الذين قد أعدهم الله له في الجنة. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يريد أهله الذين كانوا له في الدنيا ليخبرهم بخلاصه وسلامته. {إنَّه ظَنَّ أن لن يَحُورَ} أي لن يرجع حياً مبعوثاً فيحاسب ثم يثاب أو يعاقب، يقال: حار يحور، إذا رجع، ومنه الحديث: حديث : أعوذ بالله من الحْور بعد الكْورتفسير : ، يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وروي: " بعد الكوْن"، ومعناه انتشار الأمر بعد تمامه. وسئل معمر عن الحور بعد الكْون فقال: الرجل يكون صالحاً ثم يتحول امرء سوء. وقال ابن الأعرابي: الكُنْنّي: هو الذي يقول: كنت شاباً وكنت شجاعاً، والكاني: هو الذي يقول: كان لي مال وكنت أهب وكان لي خيل وكنت أركب، وأصل الحور الرجوع، قال لبيد: شعر : وما المرءُ إلا كالشهاب وضوئه يَحُورُ رماداً بَعْد إذ هو ساطعُ. تفسير : وقال عكرمة وداود بن أبي هند: يحور كلمة بالحبشية، ومعناها يرجع وقيل للقصار حواري لأن الثياب ترجع بعمله إلى البياض. {بلى إنّ ربّه كان به بَصيراً} يحتمل وجهين: أحدهما: مشاهداً لما كان عليه. الثاني: خبيراً بما يصير إليه.

ابن عطية

تفسير : هذه أوصاف يوم القيامة، و "انشقاق السماء": هو تفطيرها لهول يوم القيامة، كما قال: {أية : وانشقت السماء فهي يومئذ واهية} تفسير : [الحاقة:16]، وقال الفراء والزجاج وغيره: هو تشققها بالغمام، وقال قوم: تشققها تفتيحها أبواباً لنزول الملائكة وصعودهم في هول يوم القيامة، وقرأ أبو عمرو: "انشقت" يقف على التاء كأنه يشمها شيئاً من الجر، وكذلك في أخواتها، قال أبو حاتم: سمعت إعراباً فصيحاً في بلاد قيس بكسر هذه التاءات، وهي لغة، {وأذنت} معناه: استمتعت، وسمعت، أي أمره ونهيه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" تفسير : ،ومنه قول الشاعر [قعنب بن أم صاحب]: [البسيط] شعر : صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذُكِرْتُ بشرٍّ عندهم أذنوا تفسير : وقوله تعالى: {وحقت}، قال ابن عباس وابن جبير معناه: وحق لها أن تسمع وتطيع، ويحتمل أن يريد: وحق لها أن تنشق لشدة الهول وخوف الله تعالى، و "مد الأرض": هو إزالة جبالها حتى لا يبقى فيها عوج ولا أمت فذلك مدها، وفي الحديث: "حديث : إن الله تعالى يمد الأرض يوم القيامة مد الأديم العكاظي" تفسير : {وألقت ما فيها} : يريد الموتى قاله الجمهور، وقال الزجاج: ومن الكنوز، وهذا ضعيف لأن ذلك يكون وقت خروج الدجال، وإنما تلقي يوم القيامة الموتى، {وتخلت} معناه: خلت عما كان فيها أي لم تتمسك منهم بشيء، وقوله تعالى: {يا أيها الإنسان} مخاطبة للجنس، و "الكادح": العامل بشدة وسرعة واجتهاد مؤثر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل وله ما يغنيه حاءت مسألته خدوشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة" تفسير : والمعنى أنك عامل خيراً أو شراً وأنت لا محالة في ذلك سائر إلى ربك، لأن الزمن يطير بعمر الإنسان، فإنما هو مدة عمره في سير حثيث إلى ربه، وهذه آية وعظ وتذكير، أي فكر على حذر من هذه الحال واعمل عملاً صالحاً تجده، وقرأ طلحة: بإدغام كاف كادح ومن هذه اللفظة قول الشاعر: [الوافر] شعر : وما الإنسان إلا ذو اغترار طوال الدهر يكدح في سفال تفسير : وقال قتادة: من استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، وقوله تعالى: {فملاقيه} معناه: فملاقي عذابه أو تنعيمه، واختلف النحاة في العامل: في {إذا}، فقال بعض النحاة العامل: {انشقت} وأبى ذلك كثير من أئمتهم، لأن {إذا}: مضافة إلى {انشقت} ومن يجز ذلك تضعف عنده الإضافة، ويقوى معنى الجزاء، وقال آخرون منهم: العامل {فملاقيه}، وقال بعض حذاقهم: العامل فعل مضمر، وكذلك اختلفوا في جواب {إذا}، فقال كثير من النحاة: هو محذوف لعلم السامع به، وقال أبو العباس المبرد والأخفش: هو في قوله: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}،إذا انشقت السماء، انشقت فأنت ملاقي الله، وقيل التقدير فيا أيها الإنسان، وجواب {إذا} في الفاء المقدرة، وقال الفراء عن بعض النحاة: هو {أذنت} على زيادة تقدير الواو، وأما الضمير {فملاقيه}، فقال جمهور المتأولين هو عائد على الرب، فالفاء على هذا عاطفة ملاق على كادح، وقال بعض الناس: هو عائد على الكدح، فالفاء على هذا عاطفة جملة على التي قبلها، والتقدير فأنت ملاقيه، والمعنى ملاقي جزائه خيراً كان أو شراً، ثم قسم تعالى الناس إلى: المؤمن والكافر، فالمؤمنون يعطون كتبهم بأيمانهم ومن ينفذ عليه الوعيد من عصاتهم فإنه يعطى كتابه عند خروجه من النار، وقد جوز قوم أن يعطاه أولاً قبل دخوله النار، وهذه الآية ترد على هذا القول، و"الحساب اليسير": هو العرض: وأما من نوقش الحساب، فإنه يهلك ويعذب، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : " من حوسب عذب" فقالت عائشة: ألم يقل الله {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك العرض، وأما من نوقش الحساب فيهلك" تفسير : وفي الحديث من طريق ابن عمر: "حديث : إن الله تعالى يدني العبد حتى يضع عليه كنفه، فيقول: ألم أفعل بك كذا وكذا يعدد عليه نعمه ثم يقول له: فلم فعلت كذا وكذا لمعاصيه، فيقف العبد حزيناً فيقول الله تعالى: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" تفسير : وقالت عائشة: سمعت رسول النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : "اللهم حاسبني حساباً يسيراً" قلت يا رسول الله، وما هو؟ فقال: "أن يتجاوز عن السيئات" تفسير : وروي عن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حاسب نفسه في الدنيا، هون الله تعالى حسابه يوم القيامة" تفسير : ،وقوله تعالى: {إلى أهله} أي الذين أعد الله له في الجنة، إما من نساء الدنيا، وإما من الحور العين وإما من الجميع، والكافر يؤتى كتابه من ورائه لأن يديه مغلولتان، وروي أن يده تدخل من صدره حتى تخرج من وراء ظهره، فيأخذ كتابه بها، ويقال إن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان أبو سلمة من أفضل المؤمنين، وأخوه من عتاة الكافرين، {ويدعو ثبوراً} معناه: يصيح منتحباً، واثبوراه، واخزياه، ونحو هذا مما معناه: هذا وقتك، وزمانك أي احضرني، والثبور، اسم جامع للمكاره كالويل، وقرأ ابن كثير ونافع، وابن عامر والكسائي والحسن وعمر بن عبد العزيز والجحدري وأبو السناء والأعرج: "ويُصلّى" بشد اللام وضم الياء على المبالغة، وقرأ نافع أيضاً وعاصم في رواية أبان: بضم الياء وتخفيف اللام, وهي قراءة أبي الأشهب وعيسى وهارون عن أبي عمرو, وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وقتادة وعيسى وطلحة والأعمش: بفتح الياء على بناء الفعل للفاعل، وفي مصحف ابن مسعود: "وسيصلى"، وقوله تعالى: {في أهله} يريد في الدنيا أي تملكه ذلك لا يدري إلا السرور بأهله دون معرفة الله والمؤمن إن سر بأهله لا حرج عليه، وقوله تعالى: {إنه ظن أن لن يحور} ، معناه: لن يرجع إلى الله تعالى مبعوثاً محشوراً، قال ابن عباس: لم أعلم ما معنى {ويحور}، حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها: حوري، أي ارجعي، والظن هنا على بابه، و {أن} وما بعدها تسد مسد مفعولي ظن وهي {أن} المخففة من الثقيلة، والحور: الرجوع على الأدراج، ومنه: اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور. ثم رد تعالى على ظن هذا الكافر بقوله: {بلى}، أي يحور ويرجع، ثم أعلمهم أن الله تعالى لم يزل {بصيراً} بهم لا تخفى عليه أفعال أحد منهم، وفي هذا وعيد.

النسفي

تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } تصدعت وتشققت {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } سمعت وأطاعت وأجابت ربها إلى الانشقاق ولم تأب ولم تمتنع {وَحُقَّتْ } وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر الله إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ } بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } ورمت ما في جوفها من الكنوز والموتى {وَتَخَلَّتْ } وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو. يقال: تكرم الكريم إذا بلغ جهده في الكرم وتكلف فوق ما في طبعه {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } في إلقاء ما في بطنها وتخليها {وَحُقَّتْ } وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع، وحذف جواب «إذا» ليذهب المقدر كل مذهب، أو اكتفاء بما على بمثلها من سورتي التكوير والانفطار، أو جوابه ما دل عليه {فَمُلَـٰقِيهِ } أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إذا السّماء انشقت} يعني عند قيام السّاعة وهي من علاماتها {وأذنت لربها} أي سمعت أمر ربها بالانشقاق، وأطاعته من الأذن وهو الاستماع {وحقت} أي حق لها أن تطيع أمر ربها {وإذا الأرض مدت} يعني مد الأديم العكاظي وزيد في سعتها، وقيل سويت فلا يبقى فيها بناء ولا جبل {وألقت ما فيها} أي أخرجت ما في بطنها من الموتى والكنوز {وتخلت} أي من ذلك الذي كان في بطنها من الموتى والكنوز {وأذنت لربها وحقت} واختلفوا في جواب إذا فقيل جوابه محذوف تقديره إذا كان هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب أو العقاب، وقيل جوابه يا أيّها الإنسان إنك كادح والمعنى إذا انشقت السّماء لقي كل كادح ما عمله وقيل جوابه وأذنت وحينئذ تكون الواو زائدة {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً} أي ساع إليه في عملك سعياً والكدح عمل الإنسان وجهده في الأمرين الخير والشّر، وقيل معناه عامل لربك عملاً وقيل معناه إنك كادح في لقاء ربك وهو الموت، والمعنى أن هذا الكدح يستمر بك إلى الموت، وقيل معناه إنك تكدح في دنياك كدحاً تصير به إلى ربك. {فملاقيه} أي فملاق جزاء عملك.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {ويصلى} ثلاثياً مفتوح العين مبنياً للفاعل: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وحمزة وعاصم وخلف. الباقون {يصلى} بالتشديد مبنياً للمفعول {لتركبن} بفتح الباء للتوحيد والخطاب للإنسان: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف. الآخرون: بالضم على خطاب أفراد الجنس. الوقوف {انشقت} ه لا {وحقت} ه ك {مدّت} ه ك {وتخلت} ه ك {وحقت} ه ط لأن الجواب محذوف أي إذا كانت هذه الأمارات ظهر ما ظهر {فملاقيه} ه ط وقد يقال عامل " إذا " {فملاقيه} أي إذا السماء انشقت لاقى كدحه فلا وقف إلى قوله {فملاقيه} وقيل: قوله {فأما من أوتي} الشرط مع جوابه جواب للشرط الأول، وقوله {يأيها الإنسان} إلى قوله {فملاقيه} اعترض ولا وقف على {بيمينه} {يسيراً} ه ك {مسروراً} ه ط {ظهره} ه لا {ثبوراً} ه لا {سعيراً} ه ط {مسروراً} ه {يحور} ه لا {بلى} ج لجواز تعلق بلى بما قبله وبما بعده {بصيراً} ه ط للإبتداء بالقسم {بالشفق} ه لا {وسق} ه لا {اتسق} ه لا {طبق} ه ك {لا يؤمون} ه ك {لا يسجدون} ه ط {يكذبون} ه ز للآية والوصل أوجب لأن الواو للحال {يوعون} ه ز لفاء التعقيب {أليم} ه لا {ممنون} ه. التفسير: عن علي رضي الله عنه أن السماء تنشق من المجرّة. ومعنى {أذنت لربها} استمعت له ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " حديث : ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن "تفسير : والمراد أنها لم تمتنع عن قبول ما أريد بها من الإنشقاق والانفطار فعل المأمور والمطواع الذي أصغى لحديث آمره {وحقت} بذلك لأن الممكن لا بدّ له أن يقع تحت قدرة الواجب لذاته. ومدّ الأرض تسوية جبالها وآكامها بحيث لا يبقى فيها عوج. عن ابن عباس: مدّت مدّ الأديم العكاظي لأن الأديم إذا مدّ زال ما فيه من الانثناء واستوى. وقيل: من مدّه بمعنى أمدّه أي زيد في سعتها أو بسطتها ليمكن وقوف الخلائق الأوّلين والآخرين عليها {وألقت ما فيها} أي رمت بما في جوفها من الكنوز والأموات {وتخلت} أي خلت غاية الخلو كأنها تكلفت أقصى ما يمكنها من الفراغ. وقوله {وأذنت لربها وحقت} ليس بمكرر لأن الأوّل في السماء وهذا في الأرض وحذف جواب " إذا " ليذهب الوهم كل مذهب، أو اكتفاء بما مر في سورتي " التكوير " و " الانفطار ".وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والمعنى {يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه} إذا السماء انشقت، والأقرب أن الإنسان للجنس بدليل التفصيل بعده. وقيل: هو رجل بعينه إما محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى إنك تكدح في تبليغ رسالات الله فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل، وأما أمية بن خلف وإنه يجتهد في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس. والكدح جهد النفس في العمل حتى تأثرت من كدحت جلده إذا خدشته أي جاهد إلى وقت لقاء ربك وهو الموت وما بعده. وفيه أن الدنيا دار عناء وتعب ولا راحة ولا فرح فيها. والضمير في قوله {فملاقيه} للرب أي فملاق له ألبتة فهو كالتأكيد للمذكور، ويجوز أن يكون للكدح أي لجزائه يؤيده التفصيل الذي بعده. عن عائشة أن الحساب اليسير هو أن يعرّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : من يحاسب يعذب فقيل: يا رسول الله {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} قال: ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب" تفسير : أقول {سوف} من الكريم إطماع فيمكن أن تكون الفائدة في إيراده أن يكون المؤمن على ثقة واطمئنان بالوعد، ويمكن أن يكون إشارة إلى طول الامتداد بين مواقف ذلك اليوم {وينقلب إلى اهله} من الحور العين في الجنة أو إلى قرنائه من المؤمنين أو إلى عشيرته كقوله {أية : جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم} تفسير : [الرعد: 23] ومعنى {وراء ظهره} أن تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله وراء ظهره ويؤتى كتابه بشماله ومن وراء ظهره. وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره. وقيل: تجعل وجوههم إلى خلف فيكون الكتاب قد أوتي من جانب ظهره ولكن بشماله كما في " الحاقة ". والوراء ههنا بمعنى مجرد الجانب، أو معنى قدام. والثبور الهلاك ودعاؤه أن يقول: واثبوراه ". وسمي المواطأة على الشيء مثابرة على الشيء مثابرة لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه والنفس تمنعه عن ذلك أنه كان أي في الدنيا مسروراً في أهله كقوله {أية : وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين}تفسير : [المطففين: 31] وفيه أن الفرح في الدنيا يعقب الغم في الآخرة لقوله {أية : فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً}تفسير : [التوبة: 82] ومن كان في الدنيا حزيناً متفكراً في أمر الآخرة كان حاله في الآخرة بالعكس. والفرح المنهي عنه ما يتولد من البطر والترفه لا الذي يكون من الرضا بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية لقوله {أية : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا}تفسير : [يونس: 58] ثم بين أن سروره إنما كان لأجل أن البعث والنشور لم يكن محققاً عنده فقال {إنه ظنّ أن لن يحور} أي أن يرجع إلى الله أو إلى خلاف حاله من السرور والتنعم. عن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنت لها: حوري أي ارجعي. ثم نفى منطوقه بقوله {بلى} أي بلى يحور. وفي قوله {إن ربه كان بصيراً} إشارة إلى أن العلم التام بأحوال المكلفين يوجب إيصال الجزاء إليهم، فلا بد من دار سوى دار التكليف وإلا كان قدحاً في القدرة والحكمة. قال الكلبي: {كان به بصيراً} من يوم خلقه إلى أن بعثه. وقال عطاء: بصيراً بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء ثم أكد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال بقوله {فلا أقسم بالشفق} وهو الحمرة الباقية من آثار الشمس في الأفق الغربي قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل. وعن الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر. وعن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه البياض، وأنه روى أنه رجع عنه لأن البياض يمتد وقته فلا يصلح للتوقيت، ولأن التركيب يدل على الرقة ومنه الشفقة لرقة القلب. ثم إن الضوء يأخذ من عند غيبة الشمس في الرقة والضعف. وعن مجاهد أن الشفق ههنا النهار لما في النور من الرقة واللطافة كما أن في الظلمات الغلظ والكثافة، لأن القسم بالنهار يناسب القسم بالليل في قوله {والليل وما وسق} والتركيب يدل على الاجتماع والضم ومنه الوسق لأنه جامع لستين صاعاً. واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، وقد وسقها الراعي أي جمعها ونظيره في وقوع " افتعل " و " استفعل " مطاوعين لفعل " اتسع " و " استوسع ". أقسم الله سبحانه بجميع ما ضمه الليل وآواه وستره من النجوم والدواب وغيرها. ويمكن أن يكون من جملته أعمال العباد الصالحين. ثم أقسم بالقمر إذا اتسق أي اجتمع نوره وتكامل كما يقال " أمور فلان متسقة " أي مجتمعة على الصلاح كما يقال منتظمة. والطبق ما يطابق غيره ومنه قيل للغطاء " الطبق ". ثم قيل للحال المطابقة لغيرها طبق. وقوله {عن طبق} حال من فاعل {لتركبن} أو صفة أي طبقاً مجاوزاً لطبق، فـ " عن " تفيد البعد والمجاوزة أي حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول. وجوز أن يكون جمع طبقة أي أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدّة، فبعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة كأنهم لما انكروا البعث أقسم الله سبحانه أن ذلك كائن وأن الناس يلقون بعدالموت شدائد متنوّعة وأحوالاً مترتبة حتى يتبين السعيد من الشقي والمحسن من المسيء. وقيل: لتركبن سنة الأولين من المكذبين المهلكين. عن مكحول: كل عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه. والركوب على هذه التفاسير مجاز عن الحصول على تلك الحالة. وقد يقال على قراءة فتح الباء: إنها صيغة الغائبة والضمير للسماء وأحوالها المختلفة انشقاقها ثم انفطارها، ولعل هذا كمال الانحراف ثم صيرورتها وردة كالدهان أو كالمهل وهذا القول مناسب لأول السورة وهو مرويّ عن ابن مسعود. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أعباء الرسالة وأنه يجب عليه أن يتلقاه بالصبر والتحمل إلى أوان الظفر والغلبة كقوله {أية : لتبلوّن في أموالكم وأنفسكم} تفسير : [آل عمران: 86] وعن ابن عباس وابن مسعود أن المراد حديث الإسراء وأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب أطباق السماء. وبين القسم والمقسم عليه مناسبة لأنه أقسم بتغيرات واقعة في الأفلاك والعناصر على صحة إيجاد سائر التغايير من أحوال القيامة وغيرها، ولا شك أن القادر على بعض التغايير المعتبرة قادر على أمثالها فلا جرم قال على سبيل الاستبعاد {فما لهم لا يؤمنون} وتأويل الآية أن النفس إذا استغرقت في بعض المجهولات التصورية والتصديقية كان المناسبة شبيهة بالشمس الغاربة، فإذا أقبلت على تحصيل قضية من تلك القضايا المجهولة مثلاً تجلى عليها نور من النفس يترجح به عندها أحد طرفي النقيض على الآخر، لكن ما لم تكن جازمة فذلك النور كالشفق بالنسبة إلى ضياء الشمس، ثم إذا سبحت في لجة المعلومات لها طالبة للحد الأوسط عرضت هناك شبهة شبيهة بالليل وما وسقه، فإذا حصل الحدّ الأوسط بالتحقيق وانتقل الذهن منه إلى النتيجة الحقة صارت المسألة كالبدر التم وهو المستفاد ضوءه من النفس الناطقة القدسية التي يكاد زيتها يضيء ولو ولو لم تمسسه نار. و {طبقاً عن طبق} هي مراتب العلوم النظرية من أوّل بدايتها وهي كونها عقلاً هيولانياً إلى نهايتها وهي كونها عقلاً مستفاداً فكأنه سبحانه اقسم بأحوال المعلومات المستخلصة على إمكان حصول العلم بها. ثم وبخهم على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن. وقوله {لا يؤمنون} و{لا يسجدون} في موضع الحال والعامل معنى الفعل في {فما لهم} عن ابن عباس، عباس والحسن وعطاء والكسائي ومقاتل: المراد من السجود ههنا الصلاة. وقال أبو مسلم وغيره: أراد به الخضوع والاستكانة. والأكثرون على أنه السجود نفسه. ثم اختلفوا فعن أبي حنيفة وجوبه لأنه ذمهم على الترك. وعن الحسن وهو قول الشافعي أنه ستة كسائر سجدات التلاوة عنده. ثم بين بقوله {بل الذين كفروا يكذبون} أن الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه وإن كانت جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون بها تقليداً للأسلاف أو عناداً. ثم أجمل وعيدهم بقوله {والله أعلم بما يوعون} أي يجمعون ويضمرون في صدورهم من الشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة فهو يجازيهم على ذلك. وقيل: بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء. ثم صرح بالوعيد قائلاً {فبشرهم} وقوله {إلا الذين آمنوا} استثناء منقطع عند الزمخشري ولا بأس بكونه متصلاً كأنه قال: إلا من آمن منهم فله أجر غير مقطوع أو هز من المنة، بني الكلام ههنا على الاستئناف فلم يحتج إلى الفاء، وعلى التعقيب في التين فأورد الفاء والاستئناف أجمع مقدّمة.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَاءُ ٱنشَقَّتْ} الآية، هذه أوْصافُ يوم القيامةِ {وَأَذِنَتْ} معناه: اسْتَمَعَتْ وسَمِعَتْ أَمْرَ ربِّها؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ أَذَنَهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بالقُرآنِ»تفسير : ، و{حُقَّتْ} قال ابن عباس: معناه: وحُقَّ لها أنْ تَسْمَع وتطيع، ويحتملُ أن يريدَ: وحُقَّ لها أن تنشقَ لشدةِ الهولِ وخوفِ اللَّه تعالى، ومدُّ الأرْضِ هي إزالةُ جبالِها حتى لا يبقى فيها عوجٌ ولا أمْتٌ، وفي الحديث: «حديث : تُمَدُّ مَدَّ الأَدِيمِ»تفسير : ، و{وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} يعني: من الموتَى؛ قاله الجمهورُ. وخَرَّج الختلي أبو القاسمِ إسحاقُ بن إبراهيم في كتاب «الدّيباج» له بسندهِ عن نافعٍ عن ابن عمرَ حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ـــ عز وجل ـــ: {إِذَا ٱلسَّمَاءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} قال: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقَّ عَنْهُ الأَرْضُ فَأَجْلِسُ جَالِساً في قَبْرِي، فَيُفْتَحُ لِي بَابٌ إلَى السَّمَاءِ بِحِيَالِ رَأْسِي حَتَّىٰ أَنْظُرَ إلَى العَرْشِ، ثُمَّ يُفْتَحُ لي بَابٌ مِنْ تَحْتِي؛ حَتَّىٰ أَنْظُرَ إلَى الأَرْضِ السَّابِعَةِ؛ حَتَّىٰ أَنْظُرَ إلَىٰ الثَّرَىٰ، ثُمَّ يُفْتَحُ لي بَابٌ عَنْ يَمِينِي حَتَّىٰ أَنْظُرَ إلَى الجَنَّةِ وَمَنَازِلِ أَصْحَابِي، وَإنَّ الأَرْضَ تَحَرَّكَتْ تَحْتِي فَقُلْتُ: مَا لَكِ أَيَّتُهَا الأَرْضُ؟ قَالَتْ: إنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُلْقِيَ مَا في جَوْفِي، وأنْ أَتَخَلَّى؛ فَأَكُونَ كَمَا كُنْتُ؛ إذْ لاَ شَيْءَ فِيَّ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّه ـــ عَزَّ وَجَلَّ ـــ: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}، {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي: سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَسْمَعَ وَتُطِيعَ»تفسير : ، الحديثَ، انتهى من «التذكرة»، و{تخلّت} معناه خَلَّتْ عَمَّا كَانَ فيها لَمْ تَتَمَسَّكْ منهم بشيء.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} كقوله تعالى: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 1] في إضمار الفعل وعدمه، وفي "إذا" هذه احتمالات: أحدها: أن تكون شرطية. والثاني: أن تكون غير شرطية. فعلى الأول في جوابها خمسة أوجه: أحدها: أنها {َأَذِنَتْ} [الانشقاق: 2، 5] والواو مزيدة. قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن العرب لا تقتحم الواو إلا مع "حتى إذا" كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 73]، أو مع "لمَّا" كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ} تفسير : [الصافات: 103، 104]، أي: ناديناه، والواو لا تقحم مع غير هذين. الثاني: أنه "فمُلاقيهِ" أي فأنت ملاقيه وإليه ذهب الأخفش. والثالث: أنّه "يا أيُّها الإنسانُ" أيضاً، ولكن على إضمار القول: أي: يقال: "يا أيُّهَا الإنسَانُ". والخامس: أنَّه مقدَّرٌ، تقديره: بعثتم. وقيل: تقديره: لاقى كل إنسان كدحه وهو قوله: "فمُلاقِيهِ" ويكون قوله: "يا أيُّهَا الإنسَانُ" معترض، كقولك: إذا كان كذا وكذا - يا أيها الإنسان - ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر. ونقل القرطبي عن المبردِ، إنَّه قال: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: يا أيُّها الإنسان إنَّك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. وقيل: هو ما صرَّح به في سورتي "التَّكوير" و "الانفطار"، وهو قوله تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ} تفسير : [الانفطار: 5]، قاله الزمخشري، وهو حسنٌ. ونقل ابن الخطيب عن الكسائيِّ، أنه قال: إنَّ الجواب هو قوله: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ} تفسير : [الانشقاق: 7]، واعترض في الكلام على قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} تفسير : [الانشقاق: 6]. والمعنى: إذا انشقت السماء وكان كذا وكذا, فمن أوتي كتابه بيمنه, فهو كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره, فهو كذا, ونظيره قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ} تفسير : [البقرة: 38]. قال النحاسُ: وهذا أصحُّ ما قيل فيه وأحسنه. وعلى الاحتمال الثاني: فيه وجهان: أحدهما: أنَّها منصوبة مفعولاً بها بإضمار "واذْكُرْ". والثاني: أنها مبتدأ، وخبرها "إذَا" الثانية، و "الواو" مزيدة، تقديره: وقت انشقاق السماء وقت مدّ الأرض، أي: يقع الأمران في وقت. قاله الأخفش أيضاً. والعامل فيها إذا كانت ظرفاً - عند الجمهور - جوابها، إمَّا الملفوظ به، وإمَّا المقدَّر. وقال مكيٌّ: وقيل: العامل "انشقت". وقال ابن عطية: قال بعض النحاة: العامل "انشقت" وأبي ذلك كثير من أئمتهم؛ لأن "إذا" مضافة إلى "انشقت"، ومن يجيز ذلك تضعف عنده الإضافة، ويقوى معنى الجزاء. وقرأ العامة: "انشقتْ" بتاء التأنيث ساكنة، وكذلك ما بعده. وقرأ أبو عمرو في رواية عبيد بن عقيل: بإشمام الكسر في الوقف خاصة، وفي الوصل خاصة بالسكون المحض. قال أبو الفضلِ: وهذا من التغييرات التي تلحق الروي في القوافي، وفي هذا الإشمام بيان أن هذه "التاء" من علامة تأنيث الفعل للإناث، وليست مما ينقلب في الأسماء، فصار ذلك فارقاً بين الاسم والفعل، فيمن وقف على باقي الأسماء بالتاء، وذلك لغة طيّئ، وقد حمل في المصاحف بعض التاءات على ذلك. وقال ابن عطية: قال بعض النحاة: وقرأ أبو عمرو "انشقت" يقف على القاف، كأنه يشمها شيئاً من الجر، وكذلك في أخواتها. قال أبو حاتم: سمعت أعرابياً فصيحاً في بلاد قيس يكسر هذه التاءات. وقال ابن خالويه: "انشقَّت" - بكسر التاء - عبيد عن أبي عمرو. قال شهاب الدين: كأنه يريد إشمام الكسر، وأنَّه في الوقف دون الوصل؛ لأنه مطلق، وغيره مقيد، والمقيد يقضي على المطلق. وقال أبو حيَّان: وذلك أن الفواصل تَجْرِي مَجْرَى القوافي، فكما أن هذه التاء تكسر في القوافي تكسر في الفواصل؛ ومثال كسرها في القوافي؛ قول كثير عزّة: [الطويل] شعر : 5133- ومَا أنَا بالدَّاعِي لعَزَّةَ بالرَّدَى وَلا شَامتٍ إنْ نَعْلُ عَزَّةَ زَلَّتِ تفسير : وكذلك في باقي القصيدة؛ وإجراء الفواصل في الوقف مَجْرَى القوافي مهيع معروف كقوله تعالى: {أية : ٱلظُّنُونَاْ} تفسير : والرسولا، في سورة "الأحزاب" [10و 66]، وحمل الوصل على حالة الوقف موجود في الفواصل أيضاً. فصل في المراد بانشقاق السماء انشقاق السماء من علامات القيامة، وقد تقدَّم شرحه. وعن علي - رضي الله عنه - أنَّها تنشق من المجرَّة، وقال: المجرَّة: باب السماء. قوله: {وَأَذِنَتْ}. عطف على "انشقت"، وقد تقدَّم أنَّه جواب على زيادة الواو. ومعنى "وأذنت": أي: استمعت أمره، يقال: أذنت لك: استمعت لك، وفي الحديث: "حديث : مَا أذِنَ اللهُ لِشَيءٍ كأذنِهِ لِنَبيِّ يَتغنَّى بالقُرْآنِ ". تفسير : وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزَّجاج قول قعنب: [البسيط] شعر : 5134- صُمٌّ إذَا سَمِعُوا خَيْرَاً ذُكِرْتُ بِـهِ وإنْ ذُكِـرْتُ بِسُوءٍ عندهُمْ أذِنُوا تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 5135- إن يأذنُوا ريبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحَاً ومَا هُمُ إذِنُوا من صالحٍ دَفنُوا تفسير : وقال الجحاف بن حكيم: [الطويل] شعر : 5136- إذِنْـتُ لَكُمْ لمَّا سَمِعْـتُ هَرِيركُمْ ……….............…......... تفسير : ومعنى الاستعارة - هاهنا - أنَّه لم يوجد في جِرْمِ السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها، وتفريق أجزائها، فكأنَّها في قبول ذلك التأثير كالعبدِ الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت، وأذعن، ولم يمتنع كقوله تعالى: {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11]، وذلك يدل على نفوذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلاً. قاله ابن الخطيب. قوله: "وحُقَّتْ". الفاعل في الأصل هو الله تعالى، أي: حقَّ الله عليها ذلك، أي: بسمعهِ وطاعته، يقال: هو حقيقٌ بكذا ومحقوق، والمعنى: وحقَّ لها أن تفعل. قال الضحاكُ: "حَقَّتْ" أطاعت وحقَّ لها أن تُطِيعَ. وقال ابن الخطيب: وهو من قولك: محقوقٌ بكذا وحقيقٌ به، وهي حقيقة بأن تنقاد، ولا تمتنع. قوله: {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} مد الأديم. وقيل: "مُدَّتْ" بمعنى: أمدت وزيد في سعتها وقال مقاتلٌ رضي الله عنه: سُويت كمدّ الأديمِ، فلا يبقى فيها بناء ولا جبل، كقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} تفسير : [طه: 105] الآية. قوله: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا}. أي: أخرجت ما فيها من الموتى والكنوز، لقوله تعالى: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تفسير : [الزلزلة: 2]، "وتَخَلَّت" أي: خليتْ منها، ولم يبق في بطنها شيء، وذلك يؤذنُ بعظم الأمر كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة، ووصفت الأرض بذلك توسعاً وإلا فالتحقيق أنَّ الله تبارك وتعالى هو المخرج لتلك الأشياءِ من بطن الأرض. قوله تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}. تقدَّم تفسيره، وهذا ليس بتكرار؛ لأن الأوَّل في السماء وهذا في الأرض.

البقاعي

تفسير : لما ختمت التطفيف بأن الأولياء في نعيم، وأن الأعداء في جحيم ثواباً وعقاباً، ابتدأ هذه بالإقسام على ذلك فقال: {إذا السماء} أي على ما لها من الإحكام والعظمة والحكمة الذي لا يقدر على مثلها غيره جلت قدرته {انشقت *} أي فصارت واهية وفتحت أبواباً فتخربت وتهدمت، وذلك بعد القيام من القبور كما مضى في الحاقة عن إحدى روايتي ابن عباس رضي الله عنهما {وأذنت} أي كانت شديدة الاستماع والطواعية والانقياد على أتم وجه كمن له أذن واعية ونفس مطمئنة راضية {لربها} أي لأمر المخترع لها والمدبر لجميع أمرها، وهي الآن وإن كانت منقادة فانقيادها ظاهر لأكثر الخلق وهم المثبتة، وأما المعطلة فربما نسبوا تأثيراتها إلى الطبائع والكواكب وأما عند الانشقاق فيحصل الكشف التام فلا يبقى لأحد شبهة {وحقت *} بالبناء للمفعول بمعنى أنها مجبولة على أن ذلك حق عليها ثابت لها، فهي حقيقة به لأنها مربوبة له سبحانه، وكل مربوب فهو حقيق بالانقياد لربه، وهي لم تزل مطيعة له في ابتدائها وانتهائها، لكن هناك يكون الكشف التام لجميع الأنام. ولما بدأ بالعالم العلوي لكونه أشرف لأنه أعلى مكانة ومكاناً، ثنى بالسفلي فقال تعالى: {وإذا الأرض} أي على ما لها من الصلابة والثخانة والكثافة، وأشار بالبناء للمفعول إلى سهولة الفعل فيها عليه سبحانه وتعالى وسرعة انفعالها مع كونه أعجب من انشقاق السماء فإنه ربما كان في الشيء لوهيه من تطاول مرور الزمان عليه بخلاف المد فقال: {مدت} أي بسطت بسط الأديم ومطت فامتطت فزيد في سعتها جداً بعد أن تمهدت فصارت دكاء فزالت جبالها وآكامها وتلالها، فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً كما أن الأديم إذا مد كان كذلك فزال تثنيه واتسع. ولما كان الجلد جديراً بأنه إذا مد أن يبين عن كل ما فيه من غيره قال: {وألقت ما فيها} أي أخرجت ما في بطنها من الأموال والكنوز والأموات إخراجاً سريعاً كأنها تقذفه قذفاً، وذلك أيضاً كالبساط إذا نقض {وتخلت *} أي تعمدت وتكلفت الخلو عن ذلك والترك له بغاية جهدها، أي فعل ذلك سبحانه فعلاً كانت الأرض كأنها فاعلة له على هذا الوجه، فصارت خلية عن كل شيء كان في بطنها، وصار بارزاً على ظهرها، ولما كان هذا ربما أوهم أنه بغير أمره سبحانه وتعالى قال: {وأذنت لربها} أي فعلت ذلك بإذن الخالق لها والمربي وتأثرت في ذلك عن تأثيره لا بنفسها، وفعلت فيه كله فعل السميع المجيب {وحقت *} أي وكانت حقيقة بذلك كما أن كل مربوب كذلك وتكرير "إذا" للتنبيه على ما في كل من الجملتين من عظيم القدرة، والجواب محذوف - لأنه في غاية الانكشاف بما دل عليه المقام مع ما تقدم من المطففين وما قبلها من السور وما يأتي في هذه السورة تقديره: ليحاسبن كل أحد على كدحه كله فليثوبنّ الكفار ما كانوا يفعلون وليجازين أهل الإسلام بما كانوا يعملون. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم في الانفطار التعريف بالحفظة وإحصائهم على العباد في كتبهم، وعاد الكلام إلى ذكر ما يكتب على البر والفاجر واستقرار ذلك في قوله تعالى:{أية : إن كتاب الأبرار لفي عليّين}تفسير : [المطففين: 18] وقوله:{أية : إن كتاب الفجار لفي سجين}تفسير : [المطففين: 7] أتبع ذلك بذكر التعريف بأخذ هذه الكتب في القيامة عند العرض، وأن أخذها بالأيمان عنوان السعادة، وأخذها وراء الظهر عنوان الشقاء إذ قد تقدم في السورتين قبل ذكر الكتب واستقرارها بحسب اختلاف مضمناتها فمنها ما هو في عليين ومنها ما هو في سجين إلى يوم العرض، فيؤتى كل كتابه فآخذ بيمينه وهو عنوان سعادته، وآخذ من وراء ظهره وهو عنوان هلاكه، فتحصّل الإخبار بهذه الكتب ابتداء واستقراراً وتفريقاً يوم العرض، وافتتحت السورة بذكر انشقاق السماء ومد الأرض وإلقائها ما فيها وتحليها تعريفاً بهذا اليوم العظيم بما يتذكر به من سبقت سعادته والمناسبة بينة - انتهى. ولما كان الجواب ما ذكرته، أتبعه شرحه فقال منادياً بأداة صالحة للبعد لأن المنادى أدنى الأسنان بادئاً بالأولياء لأن آخر التطفيف الذي هذا شرح له إدخال السرور عليهم: {يا أيها الإنسان} أي الآنس بنفسه الناسي لربه. ولما كان أكثر الناس منكراً للبعث أكد فقال: {إنك كادح} أي ساع وعامل مع الجهد لنفسك من خير أو شر، وأكثره مما يؤثر خدوشاً وشيناً وفساداً وشتاتاً، منتهياً {إلى ربك} الذي أوجدك ورباك بالعمل بما يريد معنىً وبالموت حساً، وأشار إلى اجتهاد كل فيما هو فيه وخلق له بالتأكيد بالمصدر فقال: {كدحاً} أي عظيماً {فملاقيه *} أي فمتعقب كدحك لقاؤك لربك، وأنه ينكشف لك أنك كنت في سيرك إليه كالمجتهد في لقائه اجتهاد من يسابق في ذلك آخر، وكل ذلك تمثيل لنفوذ إرادته ومضي أقضيته بسبب الانتهاء إليه، وحقيقته تلاقي جزاءه وينكشف لك من عظيم أمره ما ينكشف للملاقي مع من يلقاه بسبب اللقاء، وهذا أمر أنت ساع فيه غاية السعي لأن من كان الليل والنهار مطيتيه أوصلاه بلا شك إلى منتهى سفره شاء أو أبى، فذكر هذا على هذا النمط حث على الاجتهاد في الإحسان في العمل لأن من أيقن بأنه لا بد له من العرض على الملك أفرغ جهده في العمل بما يحمده عليه عند لقائه. ولما كان من المعلوم أن عبيد الملك إذا عرضوا عليه، كان فيهم المقبول والمردود، بسبب أن كدحهم تارة يكون حسناً وتارة يكون سيئاً، قال معرفاً أن الأمر في لقائه كذلك على ما نعهد، فمن كان مقبولاً أعطي كتاب حسناته بيمينه لأنه كان في الدنيا من أهل اليمين أي الدين المرضي، ومن كان مردوداً أعطي كتابه بشماله لأنه كان في الدنيا مع أهل الشمال وهو الدين الباطل الذي يعمل من غير إذن المالك، فكأنه يفعل من ورائه، فترجم هذا الغرض بقوله سبحانه وتعالى مفصلاً للإنسان المراد به الجنس جامعاً للضمير بعد أن أفرده تنصيصاً على حشر كل فرد: {فأما من أوتي} بناه للمفعول إشارة إلى أن أمور الآخرة كلها قهر وفي غاية السهولة عليه سبحانه وتعالى، وفي هذه الدار للأمر وإن كان كذلك إلا أن الفرق في انكشاف ستر الأسباب هناك فلا دعوى لأحد {كتابه} أي صحيفة حسابه التي كتبتها الملائكة وهو لا يدري ولا يشعر {بيمينه} من أمامه وهو المؤمن المطيع {فسوف يحاسب} أي يقع حسابه بوعد لا خلف فيه وإن طال الأمد لإظهار الجبروت والكبرياء والقهر {حساباً يسيراً} أي سهلاً لا يناقش فيه لأنه كان يحاسب نفسه فلا يقع له المخالفة إلا ذهولاً، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفو عن سيئها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏إذا السماء انشقت‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن أبي رافع قال‏:‏ صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ‏{‏إذا السماء انشقت‏} ‏ فسجد، فقلت له، فقال‏:‏ سجدت خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردوية عن أبي هريرة قال‏:‏ سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ‏{‏إذا السماء انشقت‏} ‏ و ‏{أية : ‏اقرأ باسم ربك‏}‏ تفسير : ‏[العلق: 1].‏ وأخرج البغوي في معجمه والطبراني عن صفوان بن عسال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ‏{‏إذا السماء انشقت‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن خزيمة والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر ‏ {‏إذا السماء انشقت‏}‏ ونحوها‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن عليّ قال‏:‏ تنشق السماء من المجرة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وأذنت‏}‏ قال‏:‏ أطاعت ‏ {‏وحقت‏} ‏ قال‏:‏ حققت بالطاعة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن السدي ‏ {‏وأذنت لربها وحقت‏} ‏ قال‏:‏ أطاعت وحق لها أن تطيع‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏وأذنت لربها‏}‏ سمعت حيث كلمها‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وأذنت لربها وحقت‏}‏ قال‏:‏ سمعت وأطاعت ‏ {‏وإذا الأرض مدت‏}‏ قال‏:‏ يوم القيامة ‏{‏وألقت ما فيها‏} ‏ أخرجت ما فيها من الموتى ‏ {‏وتخلت‏} ‏ عنهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏وألقت ما فيها‏} ‏ قال‏:‏ سواري الذهب‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ كان البيت قبل الأرض بألفي سنة، وذلك قول الله‏:‏ ‏{‏وإذا الأرض مدت‏}‏ قال‏:‏ مدت من تحته مدا‏ً.‏ وأخرج الحاكم عن ابن عمرو قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الله الخلائق الإِنس والجن والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء بنطحتها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها‏:‏ كوني تراباً، فيراها الكافر فيقول‏:‏ ‏{‏يا ليتني كنت ترابا‏ً}. وأخرج الحاكم بسند جيد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو القاسم الختلي في الديباج عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا السماء انشقت‏} ‏ الآية قال‏:‏ ‏"حديث : ‏أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فأجلس جالساً في قبري وإن الأرض تحركت بي، فقلت لها‏:‏ ما لك‏؟‏ فقالت‏:‏ إن ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي، وأن أتخلى فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وألقت ما فيها وتخلت‏} ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وأذنت لربها وحقت‏} ‏ قال‏:‏ سمعت وأطاعت‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وألقت ما فيها وتخلت‏} ‏ قال‏:‏ أخرجت أثقالها وما فيها من الكنوز والناس، وفي قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحا‏ً}‏ قال‏:‏ عامل له عملا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك ‏ {‏يا أيها الإِنسان إنك كادح إلى ربك كدحا‏ً} ‏ قال‏:‏ عامل إلى ربك عملا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إنك كادح إلى ربك كدحا‏ً}‏ قال‏:‏ عامل عملاً ‏{‏فملاقيه‏}‏ قال‏:‏ ملاق عملك‏.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن عاشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ليس أحد يحاسب إلا هلك، فقلت‏:‏ أليس الله يقول‏:‏ ‏ {‏فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً‏} ‏ قال‏:‏ ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عن عاشة‏:‏ ‏"حديث : ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته‏:‏ اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت‏‏ يا رسول الله: ما الحساب اليسير‏؟‏ قال‏:‏ أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب هلك‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله‏:‏ ‏ {‏فسوف يحاسب حساباً يسيرا‏ً}‏ قال‏:‏ يعرف ذنوبه ثم يتجاوز له عنها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عائشة قالت‏:‏ من حوسب يوم القيامة أدخل الجنة، وقالت‏:‏ ‏{‏فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً‏}‏ ثم تلت ‏{أية : ‏يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام‏} تفسير : [الرحمن: 41‏]‏.‏ وأخرج البزار والطبراني والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ ‏"‏ثلاث من كن فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنة برحمته‏:‏ تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك‏"‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏وينقلب إلى أهله مسرورا‏ً} ‏ قال‏:‏ إلى أهل له في الجنة، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وأما من أوتي كتابه وراء ظهره‏} ‏ قال‏:‏ تخلع يده فتجعل من وراء ظهره‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن حميد بن هلال قال‏:‏ ذكر لنا أن الرجل يدعى إلى الحساب يوم القيامة فيقال‏:‏ يا فلان هلم إلى الحساب‏.‏ قال‏:‏ حتى يقول أما يراد غيري مما يحضر به من الحساب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏يدعوا ثبورا‏ً}‏ قال‏:‏ الويل‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ‏ {‏إنه كان في أهله مسروراً‏} ‏ قال‏:‏ في الدنيا‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وأما من أوتي كتابه وراء ظهره‏} ‏ قال‏:‏ تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إنه ظن أن لن يحور‏} ‏ قال‏:‏ لن يبعث‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ‏{‏أن لن يحور‏} ‏ قال‏:‏ أن لن يرجع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏أن لن يحور‏}‏ أن لن يرجع إلينا‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏أن لن يحور‏}‏ قال‏:‏ أن لن يرجع بلغة الحبشة‏.‏ يقول‏:‏ أن لن يرجع إلى الله في الآخرة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول لبيد‏:‏ شعر : وما المرء إلا كالشهاب وضوءه يحور رماداً بعد إذ هو ساطع تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏ {‏إنه ظن أن لن يحور‏} ‏ قال‏:‏ ألم تسمع الحبشي إذا قيل له حر إلى أهلك، أي اذهب‏؟‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن العوام بن حوشب قال‏:‏ قلت لمجاهد‏:‏ الشفق قال‏:‏ إن الشفق من الشمس‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر قال‏:‏ الشفق الحمرة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏والليل ما وسق‏}‏ قال‏:‏ وما دخل فيه‏.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏والليل وما وسق‏} ‏ قال‏:‏ وما جمع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ‏{‏والليل وما وسق‏} ‏ يقول‏:‏ ما أوى فيه وما جمع من حياته وعقاربه ودوابه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏{‏وما وسق‏}‏ قال‏:‏ ما عمل فيه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏والقمر إذا اتسق‏} قال‏:‏ إذا استوى‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله والطبراني وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏والقمر إذا اتسق‏}‏ قال‏:‏ اتساقه اجتماعه‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول ابن صرمة‏: شعر : إن لنا قلائصاً نقانقا مستوسقات لو يجدن سائقاً تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏والقمر إذا اتسق‏} ‏ قال‏:‏ إذا استدار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏ {‏والليل وما وسق‏}‏ قال‏:‏ وما جمع أما سمعت قوله‏:‏‏ شعر : إن لنا قلائصاً نقانقا مستوسقات لو يجدن سائقاً تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ‏ {‏والقمر إذا اتسق‏} ‏ قال‏:‏ ليلة ثلاث عشرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب في قوله‏:‏ ‏ {‏لتركبن طبقاً عن طبق‏} ‏ قال‏:‏ حالاً بعد حال‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏لتركبن طبقاً عن طبق‏} ‏ قال‏:‏ أمراً بعد أمر‏.‏ وأخرج البخاري عن ابن عباس ‏ {‏لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏ حالاً بعد حال‏.‏ قال‏:‏ هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج أبي عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏{‏لتركبن طبقاً عن طبق‏} ‏ يعني بفتح الباء قال‏:‏ هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال‏.‏ وأخرج أبو عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏{‏لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏ يعني بفتح الباء قال‏:‏ هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال‏.‏ وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس ‏ {‏لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏ قال‏:‏ يا محمد السماء طبقاً بعد طبق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم في الكنى وابن منده في غرائب شعبة وابن مردويه والطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ ‏ {‏لتركبن طبقاً عن طبق‏} ‏ قال‏:‏ لتركبن بالنصب يا محمد سماء بعد سماء‏.‏ وأخرج البزار عن ابن مسعود ‏{‏لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏ يا محمد حالاً بعد حال‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي ‏ {‏لتركبن طبقاً عن طبق‏} ‏ يا محمد حالاً بعد حال‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏ {‏لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏ قال‏:‏ يعني السماء تنفطر ثم تنشق ثم تحمر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود في الآية قال‏:‏ السماء تكون ألواناً كالمهل، وتكون وردة كالدهان، وتكون واهية، وتشقق فتكون حالاً بعد حال‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن مكحول في قوله‏:‏ ‏ {‏لتركبن طبقاً عن طبق‏}‏ قال‏:‏ في كل عشرين عاماً تحدثون أمراً لم تكونوا عليه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير ‏{‏لتركبن طبقاً عن طبق‏} ‏ قال‏:‏ قوم كانوا في الدنيا خسيساً أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا أشرافاً فاتضعوا في الآخرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال‏:‏ حالاً بعد حال، بينما صاحب الدنيا في رخاء إذ صار في بلاء، وبينما هو في بلاء إذ صار في رخاء‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مكحول في قوله‏:‏ ‏{‏لتركبن طبقاً عن طبق‏} ‏ قال‏:‏ تكونون في كل عشرين سنة على حال لم تكونوا على مثلها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قرأ ‏{‏لتركبن طبقا‏ً} ‏ بالنصب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد أنه قرأ ‏{‏لتركبن طبقا‏ً}‏ بالنصب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏لتركبن‏}‏ بالتاء ورفع الباء على الجماع‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والله أعلم بما يوعون‏} ‏ قال‏:‏ يسرون‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ‏{‏بما يوعون‏}‏ قال‏:‏ يكتمون، وفي قوله‏:‏ ‏{‏لهم أجر غير ممنون‏}‏ قال‏:‏ غير محسوب‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏لهم أجر غير ممنون‏}‏ قال‏:‏ غير منقوص‏.‏ قال وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول زهير‏:‏ شعر : فضل الجواد على الخيل البطاء فلا يعطي بذلك ممنوناً ولا ترفا

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها خمس وعشرون {إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ} أي بالغمامِ كما في قولِه تعالى: { أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ} تفسير : [سورة الفرقان، الآية 25] وعن عليَ رضي الله تعالى عنه تنشقُ من المجرةِ {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا} أي واستمعتْ أي انقادتْ وأذعنتْ لتأثيرِ قُدرتِهِ تعالى حين تعلقتْ إرادتهُ بانشقاقِها انقيادَ المأمورِ المطواعِ إذا وردَ عليه أمرُ الآمرِ المُطاعِ، والتعرضُ لعنوانِ الربوبـيةِ مع الإضافة إليها للإشعارِ بعلةِ الحُكْمِ وهذه الجملةُ ونَظيرتُها الآتيةُ بمنزلة قولِه تعالى: { أية : أَتَيْنَا طَائِعِينَ} تفسير : [سورة فصلت، الآية 11] في الإنباء عن كونِ ما نُسبَ إلى السماءِ والأرضِ من الانشقاق والمد وغيرِهما جارياً على مُقْتضَى الحكمةِ كما أُشيرَ إليهِ فيما سلفَ {وَحُقَّتْ} أي جُعلت حقيقةً بالاستماع والانقيادِ لكنْ لا بعدَ أنْ لم تكنْ كذلك بلْ في نفسها وحدِّ ذاتها من قولهم هو محقوقٌ بكَذا وحقيقٌ به والمَعْنى انقادتْ لربِّها وهيَ حقيقةٌ بذلكَ لكنْ لا على أنَّ المرادَ خصوصيةُ ذاتها من بـين سائرِ المقدوراتِ بل خصوصيةُ المقدرةِ القاهرةِ الربانيةِ التي يتأتى لها كلُّ مقدورٍ ولا يتخلفُ عنها أمرٌ من الأمورِ فحقُّ الجملةِ أن تكونَ اعتراضاً مقرراً لما قبلَها لا معطوفةً عليهِ {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} أي بُسطتْ بإزالة جبالِها وآكامِها من مقارِّها وتسويتِها بحيثُ صارتُ قاعاً صفصفاً لا ترَى فيها عوجاً ولا أمتاً أو زيدتْ سعَةً وبسطةً منْ مدَّهُ بمعنى أمدَّه أي زادَهُ {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} أي رمتْ ما في جوفِها من الموتَى والكنوزِ كقولِه تعالى: { أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تفسير : [سورة الزلزلة، الآية 2] {وَتَخَلَّتْ} وخلتْ عمَّا فيها غايةَ الخلوِّ حتَّى لم يبقَ فيها شيءٌ منه كأنَّها تكلفتْ في ذلكَ أقصَى جُهدِها {وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا} في الإلقاءِ والتخلِّي {وَحُقَّتْ} أيْ وهيَ حقيقةٌ بذلكَ أي شأنُها ذلكَ بالنسبةِ إلى القدرةِ الربانيةِ وتكريرُ كلمةِ إذا معَ اتحادِ الأفعالِ المنسوبةِ إلى السماءِ والأرضِ وقُوعاً في الوقتِ الممتدِّ الذي هُو مدلولُها قد مرَّ سِرُّه فيمَا مَرَّ.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فمن بين مطيع، وعاصٍ وخطاب الهيبة إذا ورد يعنى ويعجز ولا فواد معه كقوله: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} وردت عليها صفة الهيبة فانشقت وأذنت لربها، وأطاعت وانقادت وحق لها ذلك وهو الذى أوجده. فقال سهل رحمه الله: سمعت لربها وحق لها أن تفعل ذلك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}. {ٱنشَقَّتْ}: انصدعت. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}. أي قابَلَتْ أمرَ ربِّها بالسمع والطاعة... وحقَّ لها أن تفعل ذلك. {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ}. بُسِطَت بانكدار آكامها وجبالِها حتى صارت ملساء، وألقت ما فيها من الموتى والكنوز وتخلَّت عنها... وقابلت أمر ربها بالسمع والطاعة. وجواب هذه الأشياء في قوله: {فَمُلاَقِيهِ} أي يَلْقَى الإنسانُ ما يستحقه على أعماله.

البقلي

تفسير : اذا اراد الله قلع الكون يلقى على السماوات والارض اثقال هيبة عظمته وكبريائه فتنشق السماء وتمد الارض من عكس تجلى عظمته كبريائه وحق منهما ان يتصعد عالما عليها من اثقال قهريات جبروته حيث شققهما وهما طايعتان لربهما وكيف لا يكون منهما طاعة وهما فى قبضة قهر جلاله اقل من خردلة الا ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام الكون فى عين الرحمن اقل من خردلة وكذلك يتجلى السماء ارواح العارفين وارض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء فتنشق الارواح وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها وبهذا الوصف وصف قلوب المقربين عند نزول خطاب الهيبة قال الله حتى اذا قرع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق قال بعضهم خطاب الامر اذا وقع على الهياكل فمن بين مطيع وعاص وخطاب الهيبة اذا وردت تفنى وتعجز الاقرار معه كقوله اذا السماء انشقت اذنت لربها وحق ورد عليها صفة الهيبة فانشقت واذنت لربها واطاعت وانقادت وحق لها ذلك وهو الذى اوجده.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذا السماء انشقت} اعرابه كأعراب اذا السماء انفطرت اى انفتحت بغمام أبيض يخرج منها كقوله تعالى {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام}تفسير : والباء للآلة كما فى قولك انشقت الارض بالنبات وفى ذلك الغمام الملائكة ينزلون وفى ايديهم صحائف الاعمال او فيه ملائكة العذاب وكان ذلك اشد وافظع من حيث انه جاءه العذاب من موضع الخير فيكون انشقاق السماء لنزول الملائكة بالاوامر الالهية وقيل للسقوط والانتقاض وقيل لهول القيامة وكيف لا تنشق وهى فى قبضة قهره اقل من خردلة ولا منع من جميع هذه الاقوال فانها تنشق لهبة الله فتنزل الملائكة ثم يؤول امرها الى الفساد والاختلال وعن على رضى الله عنه تنشق من المجرة وهى بفتح الميم باب السماء اى البياض المستطيل فى وسط السماء سميت بذلك لانها كأثر المجر ويقال لها بالفارسية راه حاجيان وكهكشان. تنشق السماء من ذلك الموضع كأنه مفصل ملتئم فتصدع منه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا السماءُ انشقتْ} أي: تشقّقت أبواباً لنزول الملائكة في الغمام، أو: انشقت وطُويت كطي السجل للكتاب، {وأَذِنَتْ لربها} أي: استمعت، وفي الحديث: "حديث : ما أَذِنَ اللهُ لشيءٍ إذنه لنبيٍّ يتغَنَّى بالقرآن "تفسير : أي: ما استمع، أي: انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلّقت إرادته بانشقاقها, ولم تأبَ ولم تمتنع، {وحُقَّتْ} أي: وحقَّ لها أن تسمع وتطيع لأمر ربها، إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى. {وإِذا الأرضُ مُدَّتْ}؛ بُسطت وسُويت باندكاك جبالها وكِّل أمتٍ فيها حتى تصير كالصحفية الملساء، عن أبن عباس: تُمدّ مَدَّ الأديم العُكاظي، منسوب إلى عكاظ سوق بين نخلة والطائف، كانت تعمره الجاهلية في ذي القعدة، عشرين يوماً، تجمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون، أي: يتغامزون ويتناشدون، قاله في القاموس. {وألقتْ ما فيها} أي: رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز، كقوله تعالى: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا }تفسير : [الزلزلة:2]. {وتخلتْ} منها فلم يبقَ في جوفها شيء، وذلك ما يُؤذن بعِظَم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها قبل الوضع. {وأَذِنَتْ لربها} أي: استمعت في إلقاء ما في بطنها، وتخليتها عنه، {وحُقتْ} أي: وهي حقيقة بأن تنقاد لربها ولا تمتنع، ولكن لا بُعد إن لم تكن كذلك، بل في نفسها وحَد ذَاتِها، من قولهم: هو محقوق بكذا، أو حقيق به، والمعنى: انقادت لربها وهي حقيقة بذلك مِن ذاتها، وكذلك يقال في انشقاق السماء. انظر أبا السعود. وجواب (إذا) محذوف، ليذهب المقدِّر كلَّ مذهب، أي: كان من الأمر الهائل ما يقصر عنه الوصف، أو حذف اكتفاءً بما تقدّم في سورة التكوير والانفطار، أو ما دلّ عليه {فملاقيه} أي: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدْحَهُ. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا السماء، أي: سماء الأرواح انشقت عن ظلمة الأشباح انشقاق الفجر عن ظلمة الليل، فتغيب ظلمة الأشباح في نور عالَم الأرواح, فحينئذ تظهر حقائق الأشياء على ما كانت عليه في الحقيقة الأزلية، فينتفي الحدث ويبقى القِدم. قال الورتجبي: إذا أراد الله قلع الكون، يلقي على السموات والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه، فتنشق السماء، وتمد الأرض من عكس تجلي عظمته وكبريائه، وحق لهما أن تتصدّعا، لِما عليهما من أثقال قهريات جبروته، حيث يشققهما، وهما طائعتان لربهما، وكيف لا تكون منهما طاعة، وهما في قبضة قهر جلاله أقل من خردلة، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكونُ في يمين الرحمن أقلِّ من خَردلةٍ "تفسير : وكذلك يتجلّى لسماء أرواح العارفين وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء، فتنشق الأرواح وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها، وبهذا الوصف وصف قلوب المقرّبين عند نزول خطاب الهيبة، قال الله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ...}تفسير : [سبأ:23] الآية. قال بعضهم: خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فهي بين مطيع وعاصٍ، وخطاب الهيبة إذا وردت تفني وتُعجز الإقرار معه كقوله: {إذا السماء انشقت} وَرَدَ عليها صفةُ الهيبة فانشقت وأذِنَتْ لربها وأطاعت وانقادت، وحُق لها ذلك، وهو الذي أوجدها. هـ وإذا الأرض أرض البشرية مُدت، أي: بُسطت ولانت لأحكام الربوبية بالمجاهدة والرياضة، وألقت ما فيها من الخبائث والعيوب، وتخلّت عنها، وأذنت لربها في أحكام العبودية والعبادة، وحُقَّتْ بذلك؛ لأنَّ في ذلك شرفَها وعزَّها، وجواب "إذا" محذوف، أي: كان من الأسرار والأنوار والمعارف ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تحيط به الإشارة. ثم حَثَّ على السير إلى ما ينال به هذا السر العظيم، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه وهو متوجه إلى جميع المكلفين على وجه الوعيد لهم والتخويف من عقابه والتنبيه لهم على قرب أو ان مجيئه {إذا السماء انشقت} وتقديره إذكر إذا السماء انشقت، ومعناه إذا انفطرت السماء وتصدعت وانفرجت، فالانشقاق افتراق إمتداد عن إلتئام، فكل انشقاق افتراق وليس كل افتراق انشقاقاً وقيل: الانشقاق الانفطار، والانصداع الانفراج. وقوله {وأذنت لربها وحقت} قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: معناه سمعت وأطاعت أي كأنها سمعت بأذن وأطاعت بانقياد لتدبير الله. تقول العرب أذن لك هذا الامر إذناً بمعنى أسمع لك قال عديّ بن زيد: شعر : أيها القلب تعلل بددن إن همي فى سماع وأذن تفسير : وقال آخر: شعر : صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم اذنوا تفسير : أي سمعوا وقال عدي بن زيد: شعر : فى سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ما ذي مشار تفسير : وقيل إن معنى و {حقت} حق لها أن تأذن بالانقياد لامر ربها، يقال: حق له أن يكون على هذا الأمر بمعنى جعل ذلك حقاً. وقوله {وإذا الأرض مدت} روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: "حديث : تمد الارض يوم القيامة مثل الأديم"تفسير : ومعنى {مدت} بسطت إن الله تعالى يأمر بأن تمد مد الأديم العكاظي حتى يزيد فى سعتها. وقيل معناه إنها تبسط باندكاك جبالها وآكامها حتى تصير كالصحيفة الملساء. وقوله {وألقت ما فيها وتخلت} معناه القت ما فيها من المعادن وغيرها، وتخلت منها، وذلك مما يؤذن بعظم الأمر كما تلقي الحامل ما فى بطنها عند الشدة وقال قتادة ومجاهد: أخرجت الأرض أثقالها. وقوله {وأذنت لربها وحقت} قد فسرناه وليس هذا على وجه التكرار، لأن الأول فى صفة السماء والثاني فى صفة الارض فليس بتكرار وهذا كله من أشراط الساعة وجلائل الامور التى تكون فيها. وجواب {إذا السماء انشقت} محذوف وتقديره إذا كانت هذه الاشياء التى ذكرها وعددها رأى الانسان ما قدم من خير او شر، وقيل جوابه فى {إنك كادح} قال ابن خالويه الفاء مقدرة والتقدير إذا السماء انشقت إلى قوله {وحقت} فيا أيها الانسان إنك كادح. وقال البلخي: الواو زائدة وجواب قوله {وأذنت لربها} {وحقت} وهو كقوله {حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها} والأول هو الوجه. وقوله {يا أيها الإنسان} خطاب لجميع المكلفين من البشر من ولد آدم يقول الله لهم ولكل واحد منهم {يا أيها الإنسان إنك كادح} والكدح السعي الشديد فى الامر يقال: كدح الانسان فى أمره يكدح، وفيه كدوح وخدوش أي آثار من شدة السعي فى الامر، ومعنى {كادح إلى ربك كدحاً} ايها الانسان إنك فى امرك بشدة ومشقة إلى أن تلقى جزاء عملك من ربك، فانت لا تخلو فى الدنيا من مشقة، فلا تعمل لها، واعمل لغيرها فيما تصير به إلى الراحة من الكدح، فالغني والفقير كل واحد منهما يكدح ما يقتضيه حاله. وقوله {فملاقيه} تفخيم لشأن الامر الذي يلقى من جهته، فجعل لذلك لقاء جزائه، لقاءه وهذا من المعاني العجيبة والحكمة البالغة والهاء فى {فملاقيه} يحتمل أمرين: أن تكون كناية عن الله، وتقديره فملاقي ربك أي تلاقى جزاء ربك، ويحتمل أن تكون كناية عن الكدح، وتقديره فملاقي كدحك الذي هو عملك. وقال تميم بن مقبل: شعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت واخرى ابتغى العيش اكدح تفسير : أي ادؤب وأسعى فى طلب العيش. ثم قسم تعالى أحوال الخلق يوم القيامة فقال {فأما من أوتي كتابه بيمينه} يعني من أعطي كتابه الذي فيه ثبت أعماله من طاعة او معصية بيده اليمنى {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} أي يواقف على ما عمل من الحسنات وماله عليها من الثواب، وما حط عنه من الاوزار إما بالتوبة أو المغفرة، فالحساب اليسير التجاوز عن السيئات، والاحتساب بالحسنات. ومن نوقش بالحساب هلك، روي عن النبي صلى الله عليه وآله، وقوله {وينقلب إلى أهله مسروراً} أي فرحاً مستبشراً. وقيل المراد بالأهل - ها هنا - هم الذين أعد الله لهم من الحور العين، ويجوز أن يكون المراد أقاربه إذا كانوا من أهل الجنة والسرور هو الاعتقاد أو العلم بوصول نفع اليه في المستقبل أو دفع ضرر عنه وقال قوم: هو معنى فى القلب يلتذ لأجله بنيل المشتهى يقال: سر بكذا من مال أو ولد أو بلوغ أمل يسر سروراً.

الجنابذي

تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} اعلم انّ الانسان حين الموت ينشقّ سماء روحه الحيوانيّة بخروج الرّوح الانسانيّة منها وتنتثر كواكب قواه وتنكدر وتتناثر وتندكّ جبال اعضائه وجبال انّيّاته، وتنبسط ارض بدنه واعضائه، وتخرج جميع القوى الانسانيّة والحيوانيّة الّتى هى اثقالها وتتخلّى منها، ولمّا كان العالم الصّغير انموذجاً من الكبير كان كلّما وقع فيه وقع فى الكبير ايضاً فيظهر انشقاق سماء لعالم الكبير وانكدار كواكبها وانتثارها واندكاك الجبال وغير ذلك.

الأعقم

تفسير : {إذا السماء} شرط جوابه محذوف تقديره رأى الانسان ما قدم من خير وشر، وقيل: جوابه، إنك كادح، وقوله: {انشقت} لنزول الملائكة وقيل: تنشق وتبقى وهو علم من أعلام الساعة {وأذنت لربها وحقّت} قيل: سمعت وأطاعت وحقت حقّا لها بأن تأذن بالانقياد لأمر ربها {وإذا الأرض مدّت} بسطت باندكاك جبالها، قيل: تمد الأرض يوم القيامة مدَّ الأديم في حديث مرفوع {وألقت ما فيها وتخلّت} قيل: أخرجت الأرض أثقالها وما فيها من الموتى والكنوز توسعاً كما قال: {وأذنت لربها وحقَّت} {يأيها الإِنسان} الآية نزلت في الحارث، وقيل: هو عام {إنك كادح إلى ربك كدحاً} عامل فيه عملاً من خير وشر، وقيل: صائر بكسبك إلى ربك {فملاقيه} قيل: ملاقي ربك والمعنى صائر إلى حكمه حيث لا حكم إلا حكمه، وقيل: ملاقي كدحك {فأما من أوتي كتابه بيمينه} قيل: كتاب أعمالهم التي كتبتها الحفظة وفائدة إعطائه باليمين كونه علامة لكونه من أهل الجنة وتعظيماً له {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} أي سهلاً وهو التجاوز ومن نوقش للحساب عذب في خبر مرفوع {وينقلب إلى أهله مسروراً} قيل: أهله من الحور العين، وقيل: أولاده وأزواجه وعشائره وقد سبقوه إلى الجنة، وقيل: إلى إخوانه من المؤمنين {وأمَّا من أوتي كتابه وراء ظهره}، قيل: يخلع يده وراء ظهره ويعطى كتابه {فسوف يدعو ثبوراً} يقول: واهلاكاه واثبوراه {ويصلى سعيراً} يدخل النار ويعذب بها {إنَّه كان في أهله مسروراً} في الدنيا وأهلها، وقيل: كان مسروراً بمعاصي الله لا يغتم ولا يندم {إنَّه ظنّ أن لن يحور} أي لن يرجع حال الحياة في الآخرة للجزاء ثم رد عليه فقال سبحانه: {بلى} أي ليس الأمر كما ظن بل يرجع إلى الآخرة والجزاء ويبعث {إن ربه كان به بصيراً} أي عالم بأحواله.

الهواري

تفسير : تفسير سورة إذا السماء انشقت، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ} وذلك يوم القيامة، عند النفخة الآخرة. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي: سمعت لربها فأطاعت. {وَحُقَّتْ} أي: وحق لها أن تفعل. قال تعالى: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ} قال ابن عباس: تُمدّ كما يمدّ الأديم العكاظي. وعكاظ سوق باليمن. وهذا إذا أبدلت، تبدل الأرض بأرض بيضاء وكأنها فضة لم تعمل عليها خطيئة، ولم يسفك عليها محجم دم حرام. قال تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} أي: أخرجت ما فيها من الأموات فظهروا على ظهرها. {وَتَخَلَّتْ} أي: إلى الله منهم. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي: سمعت وأطاعت. {وَحُقَّتْ} أي: وحق لها أن تفعل. قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً} أي: ساع إلى ربك سعياً بالعمل، كقوله تعالى: (أية : لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) تفسير : [طه:15]. قال تعالى: {فَمُلاَقِيهِ} أي: فملاق ثواب ذلك العمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} بالغمام كما قال {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام} تفسير : وقيل صدعت فكانت أبوابا وعن علي تشق من المجرة وهي الطريق الذي يظهر في السماء وفي القاموس المجرة باب السماء أو سرجها.

اطفيش

تفسير : مطاوع شق، توجهت إرادة الله إلى شقها فانشقت ومثله انفطرت أى انشقت بالغمام كما قال الله سبحانه وتعالى {أية : ويوم تشقق السماء بالغمام} تفسير : [الفرقان: 25] يسلطه عليها فتنشق به، وقيل تنشق لهول يوم القيامة لقوله تعالى: {أية : وانشقت السماء فهي يومئذ واهية} تفسير : [الحاقة: 16] ولا مانع أن يكون الهول هو تسلط الغمام فذلك قول واحد أما انشقت السماء عن الغمام فلا مزاحمة له مع انشقاقها لهول القيامة بلا إشكال فهى تنشق عن الغمام للهول، وعن على: تنشق من المجرة وهى نجوم صغار متقاربة وتسمى طريق التبانين أى حاملة التبن يتساقط التبن فى الأرض وتشبه تلك الأَرض فى بعض الآثار أنها باب السماء ويقال هى سرة السماء ويرد ما ذكر من انشقاق السماء منها أنها غير سماء بل تتحرك والسماء لا تتحرك على الصحيح تستقبل القبلة فتستدير معك وتستقبل المغرب فتستدير معك.

الالوسي

تفسير : أي بالغمام كما روي عن ابن عباس وذهب إليه الفراء والزجاج كما في «البحر» ويشهد له قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ }تفسير : [الفرقان: 25] فالقرآن يفسر بعضه بعضاً وقيل تنشق لهول يوم القيامة لقوله تعالى: {أية : وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاء فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ }تفسير : [الحاقة: 16] وبحث فيه بأنه لا ينافي أن يكون الانشقاق بالغمام. وأخرج ابن أبـي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها تنشق من المجرة وفي الآثار أنها باب السماء وأهل الهيئة يقولون إنها نجوم صغار متقاربة جداً غير متميزة في الحس ويظهر ذلك ظهوراً بيناً لمن نظر إليها بالأرصاد ولا منافاة على ما قيل من أن المراد بكونها باب السماء أن مهبط الملائكة عليهم السلام ومصعدهم من جهتها وذلك بجامع كونها نجوماً صغاراً متقاربة غير متميزة في الحس وخبر أن النبـي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً إلى أهل اليمن فقال له «يا معاذ إنهم سائلوك عن المجرة فقل هي لعاب حية تحت العرش» ومنه قيل إنها في البحر المكفوف تحت السماء لا يكاد يصح والقول المذكور لا ينبغي أن يحكى إلا لينبه على حاله. وقرأ عبيد بن عقيل عن أبـي عمرو {ٱنشَقَّتِ} وكذا مابعد من نظائره بإشمام التاء كسراً في الوقف، وحكى عنه أيضاً الكسر أبو عبد الله بن خالويه وذلك لغة طيء على ما قيل. وعن أبـي حاتم سمعت أعرابياً فصيحاً في بلاد قيس يكسر هذه التاء أي تاء التأنيث اللاحقة للفعل وهي لغة ولعل ذلك لأن الفواصل قد تجري مجرى القوافي فكما أن هذه التاء تكسر في القوافي كما في قول كثير عزة من قصيدة: شعر : وما أنا بالداعي لعزة بالردى ولا شامت إن قيل عزة ذلت تفسير : إلى غير ذلك من أبيات تلك القصيدة تكسر في الفواصل وإجراء الفواصل في الوقف مجرى القوافي مهيع معروف كقوله تعالى في سورة الأحزاب: {أية : ٱلظُّنُونَاْ}تفسير : [الآية: 10] و {أية : ٱلرَّسُولاَ}تفسير : [الآية: 66] وحمل الوصل على حالة الوقف موجود أيضاً في الفواصل.

سيد قطب

تفسير : تبدأ السورة ببعض مشاهد الانقلاب الكونية التي عرضت بتوسع في سورة التكوير، ثم عرضت بتوسع في سورة التكوير، ثم في سورة الانفطار. ومن قبل في سورة النبأ. ولكنها هنا ذات طابع خاص. طابع الاستسلام لله. استسلام السماء واستسلام الأرض، في طواعية وخشوع ويسر: {إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت، وأذنت لربها وحقت}.. ذلك المطلع الخاشع الجليل تمهيد لخطاب "الإنسان"، وإلقاء الخشوع في قلبه لربه. وتذكيره بأمره؛ وبمصيره الذي هو صائر إليه عنده. حين ينطبع في حسه ظل الطاعة والخشوع والاستسلام الذي تلقيه في حسه السماء والأرض في المشهد الهائل الجليل: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً، ويصلى سعيراً. إنه كان في أهله مسروراً. إنه ظن أن لن يحور. بلى إن ربه كان به بصيراً}.. والمقطع الثالث عرض لمشاهد كونية حاضرة، مما يقع تحت حس "الإنسان" لها إيحاؤها ولها دلالتها على التدبير والتقدير، مع التلويح بالقسم بها على أن الناس متقلبون في أحوال مقدرة مدبرة، لا مفر لهم من ركوبهم ومعاناتها: {فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق؛ لتركبن طبقاً عن طبق}.. ثم يجيء المقطع الأخير في السورة تعجيباً من حال الناس الذين لا يؤمنون؛ وهذه هي حقيقة أمرهم، كما عرضت في المقطعين السابقين. وتلك هي نهايتهم ونهاية عالمهم كما جاء في مطلع السورة: {فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟}.. ثم بيان لعلم الله بما يضمون عليه جوانحهم وتهديد لهم بمصيرهم المحتوم: {بل الذين كفروا يكذبون. والله أعلم بما يوعون. فبشرهم بعذاب أليم. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. لهم أجر غير ممنون}.. إنها سورة هادئة الإيقاع، جليلة الإيحاء، يغلب عليها هذا الطابع حتى في مشاهد الانقلاب الكونية التي عرضتها سورة التكوير في جو عاصف. سورة فيها لهجة التبصير المشفق الرحيم، خطوة خطوة. في راحة ويسر، وفي إيحاء هادئ عميق. والخطاب فيها: {يا أيها الإنسان} فيه تذكير واستجاشة للضمير. وهي بترتيب مقاطعها على هذا النحو تطوف بالقلب البشري في مجالات كونية وإنسانية شتى، متعاقبة تعاقباً مقصوداً.. فمن مشهد الاستسلام الكوني. إلى لمسة لقلب "الإنسان". إلى مشهد الحساب والجزاء. إلى مشهد الكون الحاضر وظواهره الموحية. إلى لمسة للقلب البشري أخرى. إلى التعجيب من حال الذين لا يؤمنون بعد ذلك كله. إلى التهديد بالعذاب الأليم واستثناء المؤمنين بأجر غير ممنون.. كل هذه الجولات والمشاهد والإيحاءات واللمسات في سورة قصيرة لا تتجاوز عدة أسطر.. وهو ما لا يعهد إلا في هذا الكتاب العجيب! فإن هذه الأغراض يتعذر الوفاء بها في الحيز الكبير ولا تؤدى بهذه القوة وبهذا التأثير.. ولكنه القرآن ميسر للذكر؛ يخاطب القلوب مباشرة من منافذها القريبة. صبغة العليم الخبير! {إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت، وأذنت لربها وحقت}.. وانشقاق السماء سبق الحديث عنه في سور سابقة. أما الجديد هنا فهو استسلام السماء لربها؛ ووقوع الحق عليها، وخضوعها لوقع هذا الحق وطاعتها: {وأذنت لربها وحقت}.. فإذن السماء لربها: استسلامها وطاعتها لأمره في الانشقاق، {وحقت}.. أي وقع عليها الحق. واعترفت بأنها محقوقة لربها. وهو مظهر من مظاهر الخضوع، لأن هذا حق عليها مسلم به منها. والجديد هنا كذلك هو مد الأرض: {وإذا الأرض مدت}.. وقد يعني هذا مط رقعتها وشكلها، مما ينشأ عن انقلاب النواميس التي كانت تحكمها، وتحفظها في هذا الشكل الذي انتهت إليه ـ والمقول إنه كري أو بيضاوي ـ والتعبير يجعل وقوع هذا الأمر لها آتياً من فعل خارج عنها، مما يفيده بناء الفعل للمجهول: {مدت}. {وألقت ما فيها وتخلت}.. وهو تعبير يصور الأرض كائنة حية تلقي ما فيها وتتخلى عنه. وما فيها كثير. منه تلك الخلائق التي لا تحصى، والتي طوتها الأرض في أجيالها التي لا يعلم إلا الله مداها. ومنه سائر ما يختبئ في جوف الأرض من معادن ومياه وأسرار لا يعلمها إلا بارئها. وقد حملت هذا أجيالاً بعد أجيال، وقروناً بعد قرون. حتى إذا كان ذلك اليوم: ألقت ما فيها وتخلت.. {وأذنت لربها وحقت}.. هي الأخرى كما أذنت السماء لربها وحقت. واستجابت لأمره مستسلمة مذعنة، معترفة أن هذا حق عليها، وأنها طائعة لربها بحقه هذا عليها.. وتبدو السماء والأرض ـ بهذه الآيات المصورة ـ ذواتي روح. وخليقتين من الأحياء. تستمعان للأمر، وتلبيان للفور، وتطيعان طاعة المعترف بالحق، المستسلم لمقتضاه، استسلاماً لا التواء فيه ولا إكراه. ومع أن المشهد من مشاهد الانقلاب الكوني في ذلك اليوم. فإن صورته هنا يظللها الخشوع والجلال والوقار والهدوء العميق الظلال. والذي يتبقى في الحس منه هو ظل الاستسلام الطائع الخاشع في غير ما جلبة ولا معارضة ولا كلام! وفي هذا الجو الخاشع الطائع يجيء النداء العلوي للإنسان، وأمامه الكون بسمائه وأرضه مستسلماً لربه هذا الاستسلام: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}.. {يا أيها الإنسان}.. الذي خلقه ربه بإحسان؛ والذي ميزه بهذه "الإنسانية" التي تفرده في هذا الكون بخصائص كان من شأنها أن يكون أعرف بربه، وأطوع لأمره من الأرض والسماء. وقد نفخ فيه من روحه، وأودعه القدرة على الاتصال به، وتلقي قبس من نوره، والفرح باستقبال فيوضاته، والتطهر بها أو الارتفاع إلى غير حد، حتى يبلغ الكمال المقدر لجنسه، وآفاق هذا الكمال عالية بعيدة! {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}.. يا أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحاً، تحمل عبئك، وتجهد جهدك، وتشق طريقك.. لتصل في النهاية إلى ربك. فإليه المرجع وإليه المآب. بعد الكد والكدح والجهاد.. يا أيها الإنسان.. إنك كادح حتى في متاعك.. فأنت لا تبلغه في هذه الأرض إلا بجهد وكد. إن لم يكن جهد بدن وكد عمل، فهو جهد تفكير وكد مشاعر. الواجد والمحروم سواء. إنما يختلف نوع الكدح ولون العناء، وحقيقة الكدح هي المستقرة في حياة الإنسان.. ثم النهاية في آخر المطاف إلى الله سواء. يا أيها الإنسان.. إنك لا تجد الراحة في الأرض أبداً. إنما الراحة هناك. لمن يقدم لها بالطاعة والاستسلام.. التعب واحد في الأرض والكدح واحد ـ وإن اختلف لونه وطعمه ـ أما العاقبة فمختلفة عندما تصل إلى ربك.. فواحد إلى عناء دونه عناء الأرض. وواحد إلى نعيم يمسح على آلام الأرض كأنه لم يكن كدح ولا كد.. يا أيها الإنسان.. الذي امتاز بخصائص "الإنسان".. ألا فاختر لنفسك ما يليق بهذا الامتياز الذي خصك به الله، اختر لنفسك الراحة من الكدح عندما تلقاه. ولأن هذه اللمسة الكامنة في هذا النداء، فإنه يصل بها مصائر الكادحين عندما يصلون إلى نهاية الطريق، ويلقون ربهم بعد الكدح والعناء: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً، ويصلى سعيراً. إنه كان في أهله مسروراً. إنه ظن أن لن يحور. بلى إن ربه كان به بصيراً}.. والذي يؤتى كتابه بيمينه هو المرضي السعيد، الذي آمن وأحسن، فرضي الله عنه وكتب له النجاة. وهو يحاسب حساباً يسيراً. فلا يناقش ولا يدقق معه في الحساب. والذي يصور ذلك هو الآثار الواردة عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيها غناء.. عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : من نوقش الحساب عذب" تفسير : قالت: قلت: أفليس قال الله تعالى: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً}. قال: "حديث : ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض. من نوقش الحساب يوم القيامة عذب ".. تفسير : وعنها كذلك قالت: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في بعض صلاته: "حديث : اللهم حاسبني حساباً يسيراً"تفسير : .. فلما انصرف قلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: "حديث : أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه. من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك ".. تفسير : فهذا هو الحساب اليسير الذي يلقاه من يؤتى كتابه بيمينه.. ثم ينجو {وينقلب إلى أهله مسروراً}.. من الناجين الذين سبقوه إلى الجنة.. وهو تعبير يفيد تجمع المتوافقين على الإيمان والصلاح من أهل الجنة. كل من أحب من أهله وصحبه. ويصور رجعة الناجي من الحساب إلى مجموعته المتآلفة بعد الموقف العصيب. رجعته متهللاً فرحاً مسروراً بالنجاة واللقاء في الجنان! وهو وضع يقابل وضع المعذب الهالك المأخوذ بعمله السيئ، الذي يؤتى كتابه وهو كاره: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً. ويصلي سعيراً}.. والذي ألفناه في تعبيرات القرآن من قبل هو كتاب اليمين وكتاب الشمال. فهذه صورة جديدة: صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر. وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يعطاه كذلك من وراء ظهره. فهي هيئة الكاره المكره الخزيان من المواجهة! ونحن لا ندري حقيقة الكتاب ولا كيفية إيتائه باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر. إنما تخلص لنا حقيقة النجاة من وراء التعبير الأول؛ وحقيقة الهلاك من وراء التعبير الثاني. وهما الحقيقتان المقصود أن نستيقنهما. وما وراء ذلك من الأشكال إنما يحيي المشهد ويعمق أثره في الحس، والله أعلم بحقيقة ما يكون كيف تكون! فهذا التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحاً، وقطع طريقه إلى ربه كدحاً ـ ولكن في المعصية والإثم والضلال ـ يعرف نهايته، ويواجه مصيره، ويدرك أنه العناء الطويل بلا توقف في هذه المرة ولا انتهاء. فيدعو ثبوراً، وينادي الهلاك لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء. وحين يدعو الإنسان بالهلاك لينجو به، يكون في الموقف الذي ليس بعده ما يتقيه. حتى ليصبح الهلاك أقصى أمانيه. وهذا هو المعنى الذي أراده المتنبي وهو يقول: شعر : كفى بك داء أن ترى الموت شافياً وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا تفسير : فإنما هي التعاسة التي ليس بعدها تعاسة. والشقاء الذي ليس بعده شقاء!.. {ويصلى سعيراً}.. وهذا هو الذي يدعو الهلاك لينقذه منه.. وهيهات هيهات! وأمام هذا المشهد التعيس يكر السياق راجعاً إلى ماضي هذا الشقي الذي انتهى به إلى هذا الشقاء.. {إنه كان في أهله مسروراً. إنه ظن أن لن يحور}.. وذلك كان في الدنيا.. نعم كان.. فنحن الآن ـ مع هذا القرآن ـ في يوم الحساب والجزاء وقد خلفنا الأرض وراءنا بعيداً في الزمان والمكان! {إنه كان في أهله مسروراً}.. غافلاً عما وراء اللحظة الحاضرة؛ لاهياً عما ينتظره في الدار الآخرة، لا يحسب لها حساباً ولا يقدم لها زاداً.. {إنه ظن أن لن يحور} إلى ربه، ولن يرجع إلى بارئه، ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف لاحتقب بعض الزاد ولادخر شيئاً للحساب! {بلى إن ربه كان به بصيراً}.. إنه ظن أن لن يحور. ولكن الحقيقة أن ربه كان مطلعاً على أمره، محيطاً بحقيقته، عالماً بحركاته وخطواته، عارفاً أنه صائر إليه، وأنه مجازيه بما كان منه.. وكذلك كان، حين انتهى به المطاف إلى هذا المقدور في علم الله. والذي لم يكن بد أن يكون! وصورة هذا التعيس وهو مسرور بين أهله في حياة الأرض القصيرة المشوبة بالكدح ـ في صورة من صور الكدح ـ تقابلها صورة ذلك السعيد، وهو ينقلب إلى أهله مسروراً في حياة الآخرة المديدة، الطليقة، الجميلة، السعيدة، الهنيئة، الخالية من كل شائبة من كدح أو عناء.. ومن هذه الجولة الكبيرة العميقة الأثر بمشاهدها ولمساتها الكثيرة، يعود السياق بهم إلى لمحات من هذا الكون الذي يعيشون فيه حياتهم، وهم غافلون عما تشي به هذه اللمحات من التدبير والتقدير، الذي يشملهم كذلك، ويقدّر بإحكام ما يتوارد عليهم من أحوال: {فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق.. لتركبن طبقاً عن طبق}.. وهذه اللمحات الكونية التي يلوح بالقسم بها، لتوجيه القلب البشري إليها، وتلقي إيحاءاتها وإيقاعاتها.. لمحات ذات طابع خاص. طابع يجمع بين الخشوع الساكن، والجلال المرهوب. وهي تتفق في ظلالها مع ظلال مطلع السورة ومشاهدها بصفة عامة. فالشفق هو الوقت الخاشع المرهوب بعد الغروب.. وبعد الغروب تأخذ النفس روعة ساكنة عميقة. ويحس القلب بمعنى الوداع وما فيه من أسى صامت وشجى عميق. كما يحس برهبة الليل القادم، ووحشة الظلام الزاحف. ويلفه في النهاية خشوع وخوف خفي وسكون! {والليل وما وسق}.. هو الليل وما جمع وما حمل.. بهذا التعميم، وبهذا التجهيل، وبهذا التهويل. والليل يجمع ويضم ويحمل الكثير.. ويذهب التأمل بعيداً، وهو يتقصى ما يجمعه الليل ويضمه ويحمله من أشياء وأحياء وأحداث ومشاعر، وعوالم خافية ومضمرة، ساربة في الأرض وغائرة في الضمير.. ثم يؤوب من هذه الرحلة المديدة، ولم يبلغ من الصور ما يحتويه النص القرآني القصير: {والليل وما وسق}.. إنما يغمره من النص العميق العجيب، رهبة ووجل، وخشوع وسكون تتسق مع الشفق وما يضفيه من خشوع وخوف وسكون! {والقمر إذا اتسق}.. مشهد كذلك هادئ رائع ساحر.. وهو القمر في ليالي اكتماله.. وهو يفيض على الأرض بنوره الحالم الخاشع الموحي بالصمت الجليل، والسياحة المديدة، في العوالم الظاهرة والمكنونة في الشعور.. وهو جو له خفية بجو الشفق، والليل وما وسق. يلتقي معهما في الجلال والخشوع والسكون.. هذه اللمحات الكونية الجميلة الجليلة الرائعة المرهوبة الموحية يلتقطها القرآن لقطات سريعة، ويخاطب بها القلب البشري، الذي يغفل عن خطابها الكوني. ويلوح بالقسم بها ليبرزها للمشاعر والضمائر، في حيويتها، وجمالها وإيحائها وإيقاعها، ودلالتها على اليد التي تمسك بأقدار هذا الكون، وترسم خطواته، وتبدل أحواله.. وأحوال الناس أيضاً وهم غافلون: {لتركبن طبقاً عن طبق}.. أي لتعانون حالاً بعد حال، وفق ما هو مرسوم لكم من تقديرات وأحوال. ويعبر عن معاناة الأحوال المتعاقبة بركوبها. والتعبير بركوب الأمور والأخطار والأهوال والأحوال مألوف في التعبير العربي، كقولهم: "إن المضطر يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه".. وكأن هذه الأحوال مطايا يركبها الناس واحدة بعد واحدة. وكل منها تمضي بهم وفق مشيئة القدر الذي يقودها ويقودهم في الطريق، فتنتهي بهم عند غاية تؤدي إلى رأس مرحلة جديدة، مقدرة كذلك مرسومة، كتقدير هذه الأحوال المتعاقبة على الكون من الشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق. حتى تنتهي بهم إلى لقاء ربهم، الذي تحدثت عنه الفقرة السالفة.. وهذا التتابع المتناسق في فقرات السورة، والانتقال اللطيف من معنى إلى معنى، ومن جولة إلى جولة، هو سمة من سمات هذا القرآن البديع.. وفي ظل هذه اللمحات الأخيرة، والمشاهد والجولات السابقة لها في السورة، يجيء التعجيب من أمر الذين لا يؤمنون. وأمامهم هذا الحشد من موحيات الإيمان ودلائله في أنفسهم وفي الوجود: {فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟}.. أجل! فما لهم لا يؤمنون؟ إن موحيات الإيمان في لمحات الوجود، وفي أحوال النفوس، تواجه القلب البشري حيثما توجه؛ وتتكاثر عليه أينما كان. وهي من الكثرة والعمق والقوة والثقل في ميزان الحقيقة بحيث تحاصر هذا القلب لو أراد التفلت منها. بينما هي تناجيه وتناغيه وتناديه حيثما ألقى بسمعه وقلبه إليها! {فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا قرئ عليم القرآن لا يسجدون؟} وهو يخاطبهم بلغة الفطرة، ويفتح قلوبهم على موحيات الإيمان ودلائلة في الأنفس والآفاق. ويستجيش في هذه القلوب مشاعر التقوى والخشوع والطاعة والخضوع لبارئ الوجود.. وهو "السجود".. إن هذا الكون جميل. وموح. وفيه من اللمحات والومضات واللحظات والسبحات ما يستجيش في القلب البشري أسمى مشاعر الاستجابة والخشوع. وإن هذا القرآن جميل. موح. وفيه من اللمسات والموحيات ما يصل القلب البشري بالوجود الجميل، وببارئ الوجود الجليل. ويسكب فيه حقيقة الكون الكبيرة الموحية بحقيقة خالقه العظيم.. {فما لهم لا يؤمنون؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟}.. إنه لأمر عجيب حقاً. يضرب عنه السياق ليأخذ في بيان حقيقة حال الكفار، وما ينتظرهم من مآل: {بل الذين كفروا يكذبون. والله أعلم بما يوعون. فبشرهم بعذاب أليم}.. بل الذين كفروا يكذبون. يكذبون إطلاقاً. فالتكذيب طابعهم وميسمهم وطبعهم الأصيل. والله أعلم بما يكنون في صدورهم، ويضمون عليه جوانحهم، من شر وسوء ودوافع لهذا التكذيب.. ويترك الحديث عنهم، ويتجه بالخطاب إلى الرسول الكريم: {فبشرهم بعذاب أليم}.. ويا لها من بشرى لا تسر ولا يودها متطلع إلى بشرى من بشير! وفي الوقت ذاته يعرض ما ينتظر المؤمنين الذين لا يكذبون، فيستعدون بالعمل الصالح لما يستقبلون. ويجيء هذا العرض في السياق كأنه استثناء من مصير الكفار المكذبين: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. لهم أجر غير ممنون}.. وهو الذي يقال عنه في اللغة إنه استثناء منقطع. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يكونوا داخلين ابتداء في تلك البشارة السوداء ثم استنثوا منها! ولكن التعبير على هذا النحو أشد إثارة للانتباه إلى الأمر المستثنى! والأجر غير الممنون.. هو الأجر الدائم غير المقطوع.. في دار البقاء والخلود.. وبهذا الإيقاع الحاسم القصير، تنتهي السورة القصيرة العبارة، البعيدة الآماد في مجالات الكون والضمير.

ابن عاشور

تفسير : قدم الظرف {إذا السماء انشقت} على عامله وهو {كادح} للتهويل والتشويق إلى الخبر وأول الكلام في الاعتبار: يا أيها الإِنسان إنك كادح إذا السماء انشقت الخ. ولكن لما تعلق {إذا} بجزء من جملة {إنك كادح} وكانت {إذا} ظرفاً متضمناً معنى الشرط صار: يا أيها الإنسان إنك كادح جواباً لشرط {إذا} ولذلك يقولون {إذا} ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه، أي خافض لجملة شرطه بإضافته إليها منصوباً بجوابه لتعلقه به فكلاهما عامل ومعمول باختلاف الاعتبار. و{إذا} ظرف للزمان المستقبل، والفعل الذي في الجملة المضافة إليه {إذا} مؤول بالمستقبل وصيغ بالمضيّ للتنبيه على تحقق وقوعه لأن أصل {إذا} القطع بوقوع الشرط. وانشقت مطاوع شَقَّها، أي حين يشقُّ السماءَ شَاقّ فتنشق، أي يريد الله شقها فانشقت كما دل عليه قوله بعده: {وأذنت لربها}. والانشقاق هذا هو الانفطار الذي تقدم في قوله: { أية : إذا السماء انفطرت } تفسير : [الانفطار: 1] وهو انشقاق يلوح للناس في جوّ السماء من جرَّاء اختلال تركيب الكرة الهوائية أو من ظهور أجرام كوكبية تخرج عن دوائرها المعتادة في الجو الأعلى فتنشق القبة الهوائية فهو انشقاق يقع عند اختلال نظام هذا العالم. وقدّم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {إذا السماء انشقت} دون أن يقال: إذا انشقت السماء لإفادة تقوّي الحكم وهو التعليق الشرطي، أي إن هذا الشرط محقق الوقوع، زيادة على ما يقتضيه {إذا} في الشرطية من قصد الجزم بحصول الشرط بخلاف (إنْ). {وأذِنَت}، أي استمعت، وفِعل أذِن مشتق من اسم جامد وهو اسم الأُذْن بضم الهمزة آلة السمع في الإِنسان يقال أَذِن له كما يقال: استمع له، أي أصغى إليه أُذنَهُ. وهو هنا مجاز مرسل في التأثر لأمر الله التكويني بأن تنشق. وليس هو باستعارة تبعية ولا تمثيلية. والتعبير بـــ «ربها» دون غير ذلك من أسماء الله وطرق تعريفه، لِمَا يؤذن به وصف الرب من الملك والتدبير. وجملة: {وحُقت} معترضة بين المعطوفة والمعطوف عليه. والمعنى: وهي محقوقة بأن تَأْذِن لربّها لأنها لا تخرج عن سلطان قدرته وإن عظم سمكها واشتدّ خَلقها وطال زمان رتقها فما ذلك كله إلا من تقدير الله لها، فهو الذي إذا شاء أزالها. فمتعلِّق {حُقّت} محذوف دل عليه فعل: {وأذنت لربها}، أي وحقت بذلك الانقياد والتأثر يقال: حُقَّ فلان بكذا، أي توجه عليه حقّ. ولما كان فاعل توجيه الحَق غيرَ واضح تعيينُه غالباً، كان فهل حُقّ بكذا، مبنياً للمجهول في الاستعمال، ومرفوعه بمعنى اسم المفعول، فيقال: حقيق عليه كذا، كقوله تعالى: { أية : حقيق على أن لا أقول على اللَّه إلا الحق } تفسير : [الأعراف: 105] وهو محقوق بكذا، قال الأعشى: شعر : لمحقُوقه أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أن المُعان مُوفقُ تفسير : والقول في جملة: {وإذا الأرض مُدّت} مثل القول في جملة {إذا السماء انشقت} في تقديم المسند إليه على المسند الفعلي. ومَدّ الأرض: بسطها، وظاهر هذا أنها يُزال ما عليها من جبال كما يُمد الأديم فتزول انثناءاته كما قال تعالى: { أية : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً فيذرُها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتاً } تفسير : [طه: 105 ـــ 107]. ومن معاني المدّ أن يكون ناشئاً عن اتساع مساحة ظاهرها بتشققها بالزلازل وبروز أجزاء من باطنها إلى سطحها. ومن معاني المدّ أن يزال تكويرها بتمدد جسمها حتى تصير إلى الاستطالة بعد التكوير. وذلك كله مما يؤذن باختلال نظام سير الأرض وتغير أحوال الجاذبية وما يحيط بالأرض من كرة الهواء فيعقب ذلك زوالُ هذا العالم. وقوله: {وألقت ما فيها} صالح للحمل على ما يناسب هذه الاحتمالات في مدّ الأرض ومحتمل لأن تنقذف من باطن الأرض أجزاء أخرى يكون لانقذافها أثر في إتلاف الموجودات مثلُ البراكين واندفاعُ الصخور العظيمة وانفجار العيون إلى ظاهر الأرض فيكون طوفان. {وتخلت} أي أخرجت ما في باطنها فلما يبق منه شيء لأن فعل تخلّى يدل على قوة الخلوّ عن شيء لما في مادة التفعل من الدلالة على تكلف الفعل كما يقال تكرم فلان إذا بالغ في الإِكرام. والمعنى: إنه لم يبق مما في باطن الأرض شيء كما قال تعالى: { أية : وأخرجت الأرض أثقالها } تفسير : [الزلزلة: 2]. وتقدم الكلام على نظير قوله: {وأذنت لربها وحقت} آنفاً. وجملة: {يا أيها الإنسان إنك كادح} إلى آخره جواب {إذا} باعتبار ما فُرع عليه من قوله: {فملاقيه} ونسب هذا إلى المبرد، أي لأن المعطوف الأخير بالفاء في الأخبار هو المقصود مما ذكر معه. فالمعنى: إذا السماء انشقت وإذا الأرض مُدّت لاقيتَ ربك أيها الإنسان بعد كدحك لملاقاته فكان قوله: {إنك كادح} إدماجاً بمنزلة الاعتراض أمام المقصود. وجوز المبرد أن يكون جواب {إذا} محذوفاً دل عليه قوله: {فملاقيه} والتقدير: إذا السماء انشقت إلى آخره لاقيتَ أيها الإنسان ربك. وجوز الفرّاء أن يكون جواب {إذا} قوله {وأذنت لربها} وإن الواو زائدة في الجواب. ورده ابن الأنباري بأن العرب لا تقحم الواو إلا إذا كانت {إذا} بعد (حتى) كقوله تعالى: { أية : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها } تفسير : [الزمر: 73] أو بعد (لما) كقوله تعالى: { أية : فلما أسلما وتلّه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم } تفسير : [الصافات: 103، 104] الآية. وقيل: الجواب: { أية : فأما من أوتي كتابه بيمينه } تفسير : [الانشقاق: 7]، ونسب إلى الكسائي واستحسنه أبو جعفر النحاس. والخطاب لجميع الناس فاللام في قوله: {الإنسان} لتعريف الجنس وهو للاستغراق كما دل عليه التفصيل في قوله: { أية : فأما من أوتي كتابه بيمينه} تفسير : [الانشقاق: 7] إلى قوله: {أية : كان به بصيراً } تفسير : [الانشقاق: 15]. والمقصود الأول من هذا وعيد المشركين لأنهم الذين كذبوا بالبعث. فالخطاب بالنسبة إليهم زيادة للإِنذار، وهو بالنسبة إلى المؤمنين تذكير وتبشير. وقيل: أريد إنسان معين فقيل: هو الأسود بن عبد الأسد (بالسين المهملة في «الاستيعاب» و«الإِصابة» ووقع في «الكشاف» بالشين المعجمة كما ضبطه الطيبي وقال هو في «جامع الأصول» بالمهملة)، وقيل: أُبيّ بن خلف، وقد يكون أحدهما سبب النزول أو هو ملحوظ ابتداء. والكدحُ: يطلق على معان كثيرة لا نتحقق أيَّها الحقيقة، وقد أهمل هذه المادة في «الأساس» فلعله لأنه لم يتحقق المعنى الحقيقي. وظاهر كلام الراغب أن حقيقته: إتعاب النفس في العمل والكد. وتعليق مجروره في هذه الآية بحرف (إلى) تؤذن بأن المراد به عمل ينتهي إلى لقاء الله، فيجوز أن يضمن {كادح} معنى ساعٍ لأن كدح الناس في الحياة يتطلبون بعمل اليوم عملاً لغد وهكذا، وذلك يتقضَّى به زمن العمر الذي هو أجل حياة كل إنسان ويعقبه الموت الذي هو رجوع نفس الإنسان إلى محض تصرف الله، فلما آل سعيه وكدحه إلى الموت جُعِل كدحُه إلى ربه. فكأنه قيل: إنك كادح تسعى إلى الموت وهو لقاء ربك، وعليه فالمجرور ظرف مستقر هو خبر ثان عن حرف (إنَّ)، ويجوز أن يضمن {كادح} معنى ماش فيكون المجرور ظرفاً لغواً. و{كدحاً} منصوب على المفعولية المطلقة لتأكيد {كادح} المضمن معنى ساع إلى ربك، أي ساع إليه لا محالة ولا مفر. وضمير النصب في «ملاقيه» عائد إلى الرب، أي فملاق ربك، أي لا مفر لك من لقاء الله ولذلك أكد الخبر بإن.

الشنقيطي

تفسير : تقدم الكلام عليه في أول سورة الانفطار، عند قوله تعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 1]، والإحالة على كلام الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورتي الشورى وقَ.

الواحدي

تفسير : {إذا السماء انشقت} تنشقُّ السَّماء يوم القيامة. {وأذنت لربها} سمعت أمر ربِّها بالانشقاق {وحقت} وحقَّ لها أن تطيع. {وإذا الأرض مدَّت} من أطرافها فَزِيد فيها، كما يمدُّ الأديم. {وألقت ما فيها} ما في بطنها من الموتى والكنوز {وتخلَّت} وخَلَتْ منها.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- إذا السماء تصدعت بما يؤذن بزوالها. 2- وسمعت لربها وأطاعت، وجدير بها أن تسمع وتطيع. 3- وإذا الأرض زيدت سعة بدك جبالها وإزالة آكامها، وتغيرت طبيعتها. 4- ورمت ما بجوفها من الموتى والكنوز، وتخلت عنه. 5- وانقادت لربها فى زيادة سعتها، وإلقاء ما فى جوفها وتخليها عنه، وحقيق بها ذلك. إذا حدث كل ما تقدم لَقِىَ كل إنسان جزاء عمله. 6- يا أيها الإنسان: إنك مجدّ فى عملك جدا يوصلك إلى غايتك، فملاق ربك بعملك، فيجازيك عليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا السماء انشقت: أي بالغمام وهو سحاب أبيض رقيق وذلك لنزول الملائكة. وأذنت لربها: أي سمعت وأطاعت. وحقت: أي وحق لها أن تسمع أمر ربها وتطيعه. وإذا الأرض مدت: أي زيد في سعتها كما يمد الأديم أي الجلد إذ لم يبق عليها بناء ولا جبل. وألقت ما فيها وتخلت: أي ألقت ما فيها من الموتى ألقتهم أحياء إلى ظهرها وتخلت عنه أي عما كان في بطنها. إنك كادح: أي عامل كاسب للخير أو الشر. إلى ربك كدحا: أي إلى أن تلقى ربك وأنت تعمل وتكسب فليكن عملك مما يرضي عنك ربك. فملاقيه: أي ملاق ربك بعد موتك وبعملك خيره وشره. كتابه: أي كتاب عمله وذلك بعد البعث. وينقلب إلى أهله مسرورا: أي بعد الحساب اليسير يرجع إلى أهله في الجنة من الحور العين فرحا. وراء ظهره: أي يأخذه بشماله من وراء ظهره إهانة له. يدعو ثبورا: أي ينادي هلاكه قائلا واثبوراه واثبوراه أي يا هلاكه. ويصلى سعيرا: أي ويحرق بالنار تحريقا وينضج انضاجة بعد أخرى على قراءة يُصلَّى بالتضعيف. إنه ظن أن لن يحور: أي أنه كان في الدنيا يظن أنه لا يرجع إلى الحياة بعد الموت فلذا لم يعمل خيرا قط ولم يتورع عن ترك الشر قط لعدم إيمانه بالبعث. معنى الآيات: قوله تعالى {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} يخبر تعالى أنه إذا انشقت السماء أي تصدعت وتفطرت وذابت فصارت كالدهان {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي وسمعت لأمر ربها واستجابت {فَكَانَتْ} كما أمرها الله أن تكون منشقة منفطرة حتى تكون كالمهل، {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} من الأديم واتسعت رقعتها حيث زال منها الجبال والآكام والمباني والعمارات وأصبحت قاعا صفصفا {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} أي ما في بطنها من أموات {وَتَخَلَّتْ} عنه أي عما كان في بطنها {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} في ذلك كله أي سمعت وأجابت {وَحُقَّتْ} أي وحق لها أن تسمع وتجيب وتطيع وجواب إذا الأولى والثانية واحد وهو {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} تفسير : [الانفطار: 5] أو ما أحضرت كما تقدم نظيره في التكوير والانفطار. وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ} أي يا بن آدم {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} أي إنك عامل تعمل يوميا وليل نهار إلى أن تموت وتلقى ربك إنك لا تبرح تعمل لا محالة وتكسب بجوارحك الخير والشر إلى الموت حيث تنتقل إلى الدار الآخرة وتلقى ربك وتلاقيه هذا يشهد له قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح "حديث : كلكم يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"تفسير : ، إذا فمن الخير لك يا أيها الإِنسان المكلف أن تعمل خيرا تلاقي به ربك فيرضى عنك به ويكرمك إنك حقا ملاق ربك بعملك فأنصح لك أن يكون عملك صالحا وانظر إلى الصورة التالية {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ} لأنه حوى الخير ولا شر فيه {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} ينظر في كتابه ويقرر هل فعلت كذا فيعترف ويتجاوز عنه وينقلب إلى أهله في الجنة وهم الحور العين والنساء المؤمنات والذرية الصالحة يجمعهم الله ببعضهم كرامة لهم وهو قوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [الطور: 21] {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ} أي كتاب أعماله {وَرَآءَ ظَهْرِهِ} حيث تغل اليمني مع عنقه وتخرج الشمال وراء ظهره ويعطى كتابه وراء ظهره {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً} أي ينادي هلاكه قائلا واثبوراه واثبوراه أي يا هلاكه احضر فهذا أوان حضورك {وَيَصْلَىٰ سَعِيراً} أي ويدخل نارا مستعرة شديدة الالتهاب ويصلى أيضا فيها تصلية أي ينضح فيها لحمه المرة بعد المرة وأبدا. والعياذ بالله وعلة ذلك وسببه هو {إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ} في الدنيا {مَسْرُوراً} لا يخاف الله ولا يرجو الدار الآخرة يعمل ما يشاء ويترك ما يشاء إنه ظن أن لن يحور أي أنه لا يرجع حيا بعد موته ولا يحاسب ولا يجزى هذه علة هلاكه وشقائه فاحذروها أيها الناس اليوم فآمنوا بربكم ولقائه واعملوا عملا ينجيكم من عذابه. وقوله تعالى {بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} اي ليحورن وليبعثن وليحاسبن وليس كما يظن أنه لا يبعث ولا يحاسب ولا يجزى بل لا بد من ذلك كله إن ربه تعالى كان به وبعمله بصيرا لا يخفى عليه من أمره شيء ونتيجة لذلك تَمَّ له هذا الحساب والعقاب بِأَمَرِ العذاب وأشدِّه دخول النار وتصلية جحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء ببيان مقدماته في انقلاب الكون. 2- بيان حتمية لقاء الإِنسان ربّه. 3- كل إنسان مكلف بالعقل والبلوغ فهو عامل وكاسب لا محالة إلى أن يموت ويلقى ربه. 4- أهل الإِيمان والتقوى يحاسبون حسابا يسيرا وهو مجرد عرض لا غير ويفوزون أما من نوقش الحساب فقد هلك وعذب لأنه لا يملك حجة ولا عذرا. 5- التنعم في الدنيا والانكباب على شهواتها وملاذها مع ترك الطاعات والصالحات ثمرة عدم الإِيمان أو اليقين بالبعث والجزاء.

القطان

تفسير : انشقت السماء: تصدعت. أَذِنت لربها: استمعت اليه، أذِنَ للشيء: استمع اليه، وأذِنَ بالشيء: عَلِمَه. حُقت: أطاعت، وقع عليها الحق واعترفت بأنها محقوقة لربها. واذا الأرض مُدت: تغيرت جميع ملامحها وأصبحت قاعا صفصفا، بإزالة جبالها وتغيير معالمها. وألقت ما فيها وتخلّت: أخرجت جميع ما فيها من الخلائق والكنوز التي طوتها في أجيالها العديدة. كادح: عامل بجد ومشقة، كدح في العمل كَدحا: سعى، وأجهد نفسَه، وعملَ خيراً أو شرّا، وكدحَ لِعياله: كسبَ لهم بمشقة. فملاقيه: فسوف تجدُ عملَك امامك مسجلاً في سِجلٍّ دقيق، لا ينسى شيئا. ينقلب الى أهله: يرجع الى عشيرته فرحا مسرورا. من أُوتي كتابه وراء ظهره: صورةٌ عجيبة من الاحتقار والازدراء. الثبور: الهلاك، يدعو ثُبورا: يدعو على نفسه بالهلاك. يصلَى سعيرا: يدخل جهنم. إنه ظن انه لن يحُور: انه كان لا يؤمن بالبعث، و الرجوع الى الله، حار يحور حورا وحئورا: رجَعَ. بلى: سيرجع الى الله ويحاسَب. بين الله تعالى في مطلع هذه السورة الكريمة أهوالَ يوم القيامة، في آيات موجَزة هي من عجائب إيجازِ القرآن وبلاغته، وذَكَر أن ما يقع بين يدي الساعة من كوارث وأهوالٍ تُشِيبُ الوِلدان، ويفزع لها الانسان. فمنها: إذا تشقّقت السماءُ وتصدّعت، واختلَّ نظامُ العالم، واستمعت السماءُ لأمرِ ربّها وانقادت لحُكمه، {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي انبسطت بنسفِ ما فيها من جبال، وأصبحت لا بناءَ فيها ولا وِهاد، كما قذفت ما في جوفها من الخلائق والكنوز. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} واستمعت لأمرِ ربّها وأطاعت... إذا حصل كل هذا - لَقِيَ الانسانُ من الأهوال ما لا يحيط به الخيالُ في ذلك اليوم العصيب. بعد هذه المقدمة الهائلة أخبرَ اللهُ تعالى عن كدِّ الإنسانِ، وتعبه في هذه الحياة. {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ}. يا أيها الإنسانَ الغافل عن مصيره، لا تظنَّ أنك خالد، كلاّ انك مُجِدٌّ في السيرِ إلى ربك، وراجع إليه يومَ القيامة، وان كلَّ عملٍ عملتَه، خيراً أو شراً، سوف تُلاقيه أمامك في سجلٍّ دقيق، وسَيُجازيك ربُّك على كَدْحِك من ثوابٍ وعقاب. في ذلك اليوم ينقسم الناسُ فريقين: فريقَ الصالحين البررة، وهؤلاء يحاسَبون حسابا يسيرا، وينقلبون الى أهلهم فرحين مسرورين كما قال تعالى، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} إذ يتجاوز الله عن سيئاته. وقد روى البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من نُوقش الحسابَ عُذِّب. فقالت عائشة: أوليسَ الله يقول {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} فقال: إنما ذلكَ العَرضُ، ولكنّ من نوقش الحسابَ عُذِّب . تفسير : وفي الحديث: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إِن الله يُدني العبدَ يوم القيامة حتى يضعَ كَنَفَهُ عليه، فيقول له: فعلتَ كذا وكذا، ويعدِّدُ عليه ذنوبَه ثم يقول له: سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرُها لك اليومتفسير : ، فهذا هو المرادُ من الحساب اليسير. الكنف: الرحمة والستر. والفريق الثاني فريق العصاة الجاحدين، وهؤلاء يحاسبون حساباً عسيرا ويَلْقَون من العذاب ما لا يتصوره الانسان... {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَىٰ سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً}. هذه صورةٌ عجيبة جديدة، تأتي لأول مرة في القرآن الكريم، وهي إعطاء الكتاب للمجرمِ من وراءِ ظهره، وما هي الا نوعٌ من الاحتقار وازدراء به. وهو حين يتناوله على هذه الصورة يدعو على نفسه بالهلاك والموت، ولكن لا يجاب، ويكون مصيره النار وبئس القرار ويقول: {أية : يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} تفسير : [الحاقة: 25-29]. لماذا؟ انه كان في الدنيا ساهياً لاهيا، سادراً وراء شهواته يُنكر البعثَ والحسابَ والجزاء، وقد ظنَّ أن لن يرجعَ إلى الله، ولن يبعثَه بعدَ الموت. {بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} بلى إن الله سيعيدُه بعد موته ويحاسِبُه على عمله، وهو لا تخفى عليه خافية. قراءات قرأ نافع وابن عامر وابن كثير والكسائي: يُصلى بضم الياء وفتح الصاد واللام المشددة، والباقون: يصلى بفتح الياء واسكان الصاد وفتح اللام من غير تشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - حِينَمَا يَحِينُ قِيَامُ السَّاعَةِ تَحْدُثُ أَحْدَاثٌ عَجِيبَةٌ فِي الكَوْنِ، وَيَضْطَرِبُ نِظَامُهُ، وَتَنْشَقُّ السَّمَاءُ، وَتَتَصَدَّعُ. انْشَقَّتْ - انْصَدَعَتْ.

الثعلبي

تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} أي سمعت أمر ربها بالإنشقاق وطاعته {وَحُقَّتْ} أي وحق لها أن تطيع ربّها وحق الله ذلك عليه. {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} مدّ الأديم العكاظي وزيد في سعتها. {وَأَلْقَتْ} أخرجت {مَا فِيهَا} من الموتى والكنوز {وَتَخَلَّتْ} وخلت فليس في باطنها شيء. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}، واختلفوا في جواب قوله {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} فقيل جوابه متروك؛ لأنّ المعنى مفهوم، وقيل جوابه {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ} ومجازه: إذا السماء انشقت لقي كل كادح ما عمله، قال المبّرد: فيه تقديم وتأخير تقديره {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ} {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}، وقيل: جوابه {وَأَذِنَتْ}، وحينئذ يكون الواو زائدة. ومعنى قوله {كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} أي عامل واصل به إلى ربّك عملا فملاقيه ومجازى به خيراً كان أو شراً، وقال القتيبي ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك، والكدح: السعي والجهد في الأمر حتى يكدح ذلك فيه، أي يؤثّر ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل وله ما يغنيه جاءت مسلته يوم القيامة خدوشاً أو خموشاً أو كدوحاً في وجه" تفسير : أي أثر الخدش، قال ابن مقبل: شعر : وما الدهر إلاّ تارتان فمنهما أموت وأُخرى أبتغي العيش أكدح تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا إسحاق بن بشر عن سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : النادم ينتظر الرحمة والمعجب ينتظر المقت وكل عامل سيقدم على ما سلف ". تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ} ديوان أعماله {بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مندة قال: حدّثنا محمد بن غالب قال: حدّثني سعيد بن سليمان قال: حدّثنا مبارك بن فضالة عن أيوب عن أبي مليكة حديث : عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يحاسب يعذّب" قالوا: يا رسول الله أليس قد قال الله سبحانه: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} قال: "ذاكم العرض ولكن من نوقش الحساب عذّب ". تفسير : {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} فتغُلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل يده الشمال وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، وقال مجاهد: يخلع يده وراء ظهره. {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً} ينادى بالويل والهلاك {وَيَصْلَىٰ سَعِيراً} قرأ أبو جعفر وأيوب وكوفي غير الكسائي بفتح الياء والتخفيف واختاره أبو عبيد لقوله سبحانه: {أية : إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 163]، وقوله {أية : يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [الأعلى: 12] وقرأ الباقون بضم الياء وتشديد اللام، واختاره أبو حاتم لقوله سبحانه {أية : ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} تفسير : [الحاقة: 31] {أية : وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} تفسير : [الواقعة: 94] {إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} سمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم المصري يقول: قال ابن عطاء لنفسه متابعاً ساعياً. {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} يرجع إلينا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعوذ بك من الحور بعد الكور" تفسير : وقال ابن عباس: كنت لا أدري ما معنى يحور حتى سمعت إعرابية تدعوا بنيةً لها فتقول: حوري حوري أي أرجعي، وقال الشاعر: شعر : وما المرء إلاّ كالشهاب وضوءه يحور رماداً بعد إذ هو ساطع تفسير : ثم قال: {بَلَىٰ}، أي ليس كما ظن بلى يحور إلينا ويبعث. {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً * فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ} قال مجاهد وغيره: هو النهار كلّه، عكرمة: ما بقى من النهار، وقال ابن عباس وأكثر الناس: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس وبغيبوبته يتعلّق أول وقت العشاء الآخرة وإليه ذهب من الصحابة ابن مسعود وابن الزبير وعمر وابنه وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأنس بن مالك وأبو قتادة الأنصاري وأبو هريرة وجابر بن عبد الله ومن التابعين سعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير وطاووس وعبد الله بن دينار ومكحول، ومن الفقهاء مالك والأوزاعي والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وابن عبيد وأحمد وإسحاق، وقال قوم: هو البياض، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة، والأختيار القول الأول؛ لأجماع العبادلة عليه، ولأن الشواهد في كلام العرب وأشعارهم تشهد له، قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الثور أحمر كأنه الشقق، وقال الشاعر: شعر : أحمر اللون كمحمر الشقق تفسير : وقال آخر: شعر : قم ياغلام أعني غير محتشم على الزمان بكأس حشوها شفق تفسير : ويقال للحفرة الشفق، وزعم الحكماء أنَّ البياض لا يغيب أصلا قال الخليل: صعدت منارة اسكندرية فرمقت البياض فرأيته يتردّد من أفق الى أفق ولم أره يغيب، والله أعلم بالصواب. {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي جمع وجمل، ويقال: وسقته أسقه وسقاً، ومنه قيل للطعام المجتمع الكبير: وسق وهو ستون صاعاً، وطعام موسّق أي مجموع في غرارة ووعاء، وقال مجاهد: برواية ابن أبي بحج: وما آوي فيه من دابة، منصور عنه: ومالفّ وأظلم عليه ودخل فيه، عكرمة: وما جمع فيه منّ دوابة وعقاربة وحيّاته وظلمته، ضحاك ومقاتل: وما ساق من ظلمه فاذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه، وقال الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: شيبه أن يكون على هذا القول من المقلوب، لأن أصل ساق يسوق، عثمان: حمل من الظلمة، أبو حيان: أقبل من ظلمة أو كوكب، سعيد بن جبير: وما عمل فيه، وروى ابن أبي مليكة وابن جبير عن ابن عباس: وما جمع قال: ألم تسمع قول الشاعر: شعر : أن لنا قلائصاً حقائقاً مستوسقات لو يجدن سائقاً تفسير : {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ} أي أجتمع واستوى وتمّ نوره، قتادة: إذا أستدار وقيل: سار، مرّة الهمداني: أرتفع وهو في الأيام البيض، ويقال: أتسق الشيء إذا تتابع، واستوسق من الأبل إذا أجتمعت وأنضمت وهو أفتعل من الوسق. {لَتَرْكَبُنَّ} قرأ أهل مكة والكوفة إلاّ عاصماً بفتح التاء، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود وأصحابه وابن عباس وأبي العالية، وقالوا: يعني لتركبن يامحمد سماء بعد سماء ودرجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة، وقيل: أراد به السماء تتغير لون بعد لون فتصير تارة كالدهان وتارة كالمهل وتشقق بالغمام مرّة ويطوي أخرى، وقرأ الآخرون بضمّة وأختاره أبو عبيد قال: لأنَّ المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وسلم إنَّما ذكر قبل الآية من يؤتى منهم كتابة بيمينه وشماله ثم قال: بعدّها فمالهم لا يؤمنون وذكر ركوبهم طبقاً بعد طبق بينهما. واختلف المفسرون في معنى الآية فقال أكثرهم: حالاً بعد حال وأمراً بعد أمر في مواقف القيامة عن محمد بن مروان عن الكلبي، حيان عنه: مرّة يعرفون ومرة يجهلون، قاتل: يعني الموت ثم الحياة ثم الموت ثم الحياة، عطا: مرّة فقرأ ومرة غنى، عمرو بن دينار عن ابن عباس: الشدائد والأهوال الموت ثم البعث ثم العرض، والعرب تقول لمن وقع في أمر شديد: وقع في بنات طبق وفي أخرى بنات طبق، أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالكم، عكرمة: حالا بعد حال، رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ، قالت الحكماء: يشتمل الأنسان من كونه نطفة الى أن يهرم ويموت على سبعة وثلاثين حالا من سبعة وثلاثين اسماً: نطفة ثم علقة ثم مضعة ثم خلقاً آخر ثم جنيناً ثم وليداً ثم رضيعاً ثم فطيماً ثم يافعاً ثم ناشئاً ثم مترعرعاً ثم حزوراً ثم مراهقاً ثم محتلماً ثم بالغاً ثم أمرد ثم طارداً ثم طارا ثم باقلا ثم مسيطراً ثم مطرخما ثم مختطاً ثم صملا ثم ملتحياً ثم مستوياً ثم مصعداً ثم مجتمعاً والشاب يجمع ذلك كلّه ثم ملهوزاً ثم كهلاً ثم أشمط ثم شيخاً ثم أشيب ثم حوقلاً ثم صفتاناً ثم هرماً ثم ميتاً، فهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: {لَتَرْكَبُنَّ}. {طَبَقاً عَن طَبقٍ} والطبق في اللغة الحال، قال الأقرع بن حابس: شعر : إني أمرؤ قد حلبت الدهر أشطره وساقني طبق منه الى طبق فلست أصبو الى خل يفارقني ولا تقبض أحشائي من الفرق تفسير : وأنشدني أبو القاسم عبد الله بن محمد البابي قال: أنشدني أبو سعيد عثمان بن جعفر بن نصره الموصلي قال: أنشدنا أبو يعلي أحمد بن علي المثنى: شعر : الصبر أجمل والدنيا مفجعة من ذا الذي لم يذق من عيشه رنقاً إذا صفا لك من مسرورها طبق أهدى لك الدهر من مكروهها طبقاً تفسير : وقال مكحول في هذه الآية: في كل عشرين عاماً يحدثون أمراً لم يكونوا عليه، وهذا أدلّ دليل على حدث العالم وأثبات الصانع، قالت الحكماء: من كان اليوم على حالة وغداً أخرى فليعلم أن يدبيره الى سواه، وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على أنَّ لهذا العالم صانع فقال: تحويل الحالات وعجز القوة وضعف الأركان وقهر المنّة وفسخ العزيمة. سمعت أبا القاسم المفّر يقول: سمعت أبا الفضل أحمد بن محمد بن حمدون النسّوي يقول: سمعت أبا عبد الرحمن الأرزياني يقول: دخل أبو الفم علي بن محمد بن زيد العلوي بطبرستان عائداً فأنشأ يقول: شعر : إني أعتللت ولا كانت بك العلل وهكذا الدَّهر فيه الصاب والعسل إنَّ الذي لا تحل الحادثات به ولا يغير فيه الله لا الرجل تفسير : {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ} لا يخضعون ولا يستكينون له، وقال الكلبي ومقاتل: لا يصلّون. أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف بقرأتي عليه قال: أخبرنا مكّي قرأةً عليه سنة تسع عشر وثُلثمائه قال: حدّثني محمد بن يحيى قال: وفيها قرأ علي بن عبد الله بن نافع المدّني وحدّثني مطرف بن عبد الله عن مالك بن أنس عن عبد الله بن زيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن أحمد أنَّ أبا هريرة قرأ {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} تفسير : [الإنشقاق: 1] فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وأخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن نوح قرأه عليه سنة ست وثمانين وثلثمائة قال: أخبرنا أبو العباس السراج قال: حدثنا قتيبة عن الليث عن بكر عن نعيم بن عبد الله بن محمد قال: صليت مع أبي هريرة فوق هذا المسجد فقرأ {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} فسجد فيها وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} قال مجاهد: يكتمون، قتادة: يوعون في صدورهم، ابن زيد يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة. {فَبَشِّرْهُمْ} أخبرهم {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}. غير منقوص ولا مقطوع.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {كَادِحٌ} الكدح: الجد والاجتهاد وجهد النفس في العمل قال الشاعر: شعر : ومضتْ بشاشةُ كل عيشٍ صالح وبقيتُ أكدحُ للحياةِ وأنصب تفسير : {يَحُورَ} يرجع يقال: حار يحور إِذا رجع ومنه حديث "حديث : أعوذ بك من الحور بعد الكور"تفسير : أي الرجوع إِلى النقصان بعد الزيادة {ٱلشَّفَقِ} الحمرة التي تكون بعد مغيب الشمس {وَسَقَ} جمع وضم ولف {ٱتَّسَقَ} اجتمع وتكامل وتم نوره {مَمْنُونٍ} مقطوع. التفسِير: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} هذه الآيات بيان لأهوال القيامة، وتصويرٌ لما يحدث بين يدي الساعة من كوارث وأهوال يفزع لها الخيال والمعنى: إِذا تشققت السماء وتصدَّعت مؤذنة بخراب الكون قال الألوسي: تنشق لهول يوم القيامة {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي واستمعت لأمر ربها وانقادت لحكمه وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع وأن تنشق من أهوال القيامة {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} أي وإِذا الأرض زادت سعة بإِزالة جبالها وآكامها، وصارت مستوية لا بناء فيها ولا وهاد ولا جبال {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز والمعادن وتخلت عنهم قال القرطبي: أخرجت أمواتها وتخلت عنهم، وألقت ما في بطنها من الكنوز والمعادن كما تلقي الحامل ما في بطنها من الحمل، وذلك يؤذن بعظم الهول {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي واستمعت لأمر ربها وأطاعت، وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع.. وجواب {إِذَا} محذوف ليكون أبلغ في التهويل أي إِذا حدث كل ما تقدم، لقي الإِنسان من الشدائد والأهوال، ما لا يحيط به الخيال.. ثم أخبر تعالى عن كدِّ الإِنسان وتعبه في هذه الحياة، وأنه يلقى جزاءه عند الله فقال {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ} الخطاب عام لكل إِنسان أي أنت يا ابن آدم جاهدٌ ومجدٌّ بأعمالك التي عاقبتها الموت، والزمانُ يطير وأنت في كل لحظة تقطع شوطاً من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرعٌ إِلى الموت، ثم تلاقي ربك فيكافئك على عملك، إِن كان خيراً فخيرٌ، وإِن كان شراً فشرٌّ قال في البحر: كادحٌ أي جاهد في عملك من خير وشر طول حياتك إِلى لقاء ربك، فملاقٍ جزاء كدحك من ثوابٍ وعقاب.. ثم ذكر تعالى انقسام الناس إِلى سعداء وأشقياء وإِلى من يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذ كتابه بشماله فقال {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} أي فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، وهذه علامة السعادة {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} أي فسوف يكون حسابه سهلاً هيناً، يُجازى على حسناته، ويُتجاوز عن سيئاته، وهذا هو العرضُ كما جاء في الحديث الصحيح {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي ويرجع إِلى أهله في الجنة مبتهجاً مسروراً بما أعطاه الله من الفضل والكرامة {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} أي وأمَّا من أعطي كتاب أعماله بشماله من وراء ظهره، وهذه علامة الشقاوة {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً} أي يصيح بالويل والثبور، ويتمنى الهلاك والموت {وَيَصْلَىٰ سَعِيراً} أي ويدخل ناراً مستعرة، يقاسي عذابها وحرَّها {إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي لأنه كان في الدنيا مسروراً مع أهله، غافلاً لاهياً، لا يفكر في العواقب، ولا تخطر بباله الآخرة قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها، فأعقبهم به الحزن الطويل {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} أي إنه ظنَّ أن لن يرجع إِلى ربه، ولن يحييه الله بعد موته للحساب والجزاء، فلذلك كفر وفجر {بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} أي بلى سيعيده الله بعد موته، ويجازيه على أعماله كلها خيرها وشرها، فإِنه تعالى مطلع على العباد، لا تخفى عليه خافية من شئونهم {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ} {لاَ} لتأكيد القسم أي فأقسم قسماً مؤكداً بحمرة الأفق بعد غروب الشمس {وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي وبالليل وما جمع وضمَّ إِليه، وما لفَّ في ظلمته من الناس والدواب والهوام قال المفسرون: الليل يسكن فيه كل الخلق، ويجمع ما كان منتشراً في النهار من الخلق والدواب والأنعام، فكلٌ يأوي إِلى مكانه وسربه، ولهذا امتن تعالى على العباد بقوله {أية : وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً}تفسير : [الأنعام: 96] فإِذا جاء النهار انتشروا، وإِذا جاء الليل أوى كل شيء إِلى مأواه {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ} أي وأقسمُ بالقمر إِذا تكامل ضوءه ونوره، وصار بدراً ساطعاً مضيئاً {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} هذا جواب القسم أي لتلاقُنَّ يا معشر الناس أهوالاً وشدائد في الآخرة عصيبة قال الألوسي: يعني لتركبن أحوالاً بعد أحوال، هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، وهي الموتُ وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها وقال الطبري: المراد أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالاً {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} استفهام يقصد به التوبيخ أي فما لهؤلاء المشركين لا يؤمنون بالله، ولا يصدّقون بالبعث بعد الموت، بعد وضوح الدلائل وقيام البراهين على قوعه؟ {وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ} أي وإِذا سمعوا آيات القرآن، لم يخضعوا ولم يسجدوا للرحمن؟ {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ} أي بل طبيعة هؤلاء الكفار التكذيب والعناد والجحود، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} أي والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب قال ابن عباس: {يُوعُونَ} أي يضمرون من عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي فبشرهم على كفرهم وضلالهم بعذاب مؤلم موجع، واجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم قال في التسهيل: ووضع البشارة في موضع الإِنذار تهكم بالكفار {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي لكنْ الذين صدَّقوا الله ورسوله، وجمعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي لهم ثوابٌ في الآخرة غير منقوص ولا مقطوع، بل هو دائم مستمر. ختم تعالى السورة الكريمة ببيان نعيم الأبرار، بعد أن ذكر مآل الفجار، وهو توضيح لما أجمله في أول السورة من ملاقاة كل عامل لجزائه في قوله {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ}. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين لفظ {ٱلسَّمَآءُ} و{ٱلأَرْضُ}. 2- المقابلة بين {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} وبين {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ}. 3- الكناية {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} كنَّى به عن الشدة والأهوال التي يلقاها الإِنسان. 4- الجناس الناقص بين كلمتي {وَسَقَ} و{ٱتَّسَقَ}. 5- الأسلوب التهكمي {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} استعمال البشارة في موضع الإِنذار تهكم وسخرية بالكفار. 6- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} ومثل {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ * وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ} ويسمى بالسجع وهو من المحسنات البديعية.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} هذه السورة مكية واتصالها بما قبلها ظاهر قال ابن عباس انشقت لنزول الملائكة. {وَأَذِنَتْ} أي استمعت وسمعت أمره ونهيه. {وَحُقَّتْ} قال ابن عباس وحق لها أن تسمع وهذا الفعل مبني للمفعول والفاعل هو الله تعالى أي وحق الله عليها الاستماع. {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} سويت وقيل بسطت ومنه الحديث حديث : تمد الأرض مد الأديم العكاطي حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه وذلك أن الأديم إذا مد زال ما فيه من تثن وانبسط فتصير الأرض إذ ذاك كما قال تعالى: {قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} . تفسير : {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} ما في بطنها من الأموات. {وَتَخَلَّتْ} ممن على ظهرها من الأحياء. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي في إلقاء ما في بطنها وتخليها والإِنسان يراد به الجنس والتقسيم بعد ذلك يدل عليه وقال مقاتل: المراد به الأسود بن عبد الأسد بن هلال المخزومي جادل أخاه أبو سلمة أي والذي خلقك لتركبن الطبقة ولتوافين العقبة فقال الأسود: فأين الأرض والسماء وما حال الناس في ذلك اليوم. {إِنَّكَ كَادِحٌ} أي جاهد في عملك من خير وشر. {إِلَىٰ رَبِّكَ} أي طول حياتك إلى لقاء ربك وهو أجل موتك. {فَمُلاَقِيهِ} أي ملاقي كدحك أي جزاءه من ثواب وعقاب. {حِسَاباً يَسِيراً} قالت عائشة رضي الله عنها تقدر ذنوبه ثم يتجاوز عنه. {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي إلى من أعد الله له في الجنة من نساء المؤمنين ومن الحور العين أو آل عشيرته المؤمنين ليخبرهم بخلاصه وسلامته. {وَرَآءَ ظَهْرِهِ} روي أن شماله يدخل من صدره حتى يخرج من وراء ظهره فيأخذ كتابه بها والظاهر من الآية أن الإِنسان انقسم إلى هذين القسمين. {يَدْعُواْ ثُبُوراً} يقول واثبوراه الهلاك وهو جامع لأنواع المكاره. {إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي في الدنيا فرحاً بطراً مترفاً لا يعرف الله تعالى ولا يفكر عاقبة الأمور. {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} أي لن يرجع إلى الله وهذا تكذيب بالبعث. {بَلَىٰ} إيجاب بعد النفي أي بلى ليحورن. {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} أي لا يخفى عليه أفعالاً فلا بد من حوره ومجازاته. {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ} أقسم تعالى بمخلوقاته تشريفاً لها وتعريضاً للاعتبار بها والشفق بياض يتلو الحمرة. {وَمَا وَسَقَ} أي وما ضم من الحيوان وغيره إذ جميع ذلك ينضم ويسكن في ظلمة الليل وقال ابن عباس: وما غطى عليه من الظلمة وقرىء لتركبن بضم الباء معناه أيها الناس وبفتحها أيها الإِنسان. {طَبَقاً عَن طَبقٍ} أي حالاً بعد حال. {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تعجب من انتفاء إيمانهم وقد وضحت الدلائل. و{لاَ يَسْجُدُونَ} لا يتواضعون ويخضعون. {بِمَا يُوعُونَ} بما يجمعون من الكفر والتكذيب كأنهم يجعلونه في أوعية يقال وعيت العلم وأوعيت المتاع. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي سبق لهم في علمه أنهم يؤمنون. {غَيْرُ مَمْنُونٍ} غير مقطوع وقال ابن عباس: ممنون معدد عليهم محسوب منقص بالمن.

الجيلاني

تفسير : {إِذَا ٱلسَّمَآءُ} أي: سماء عالم الطبيعة والأركان {ٱنشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] وانخرقت لتصعد وتعرج الأرواح الفائضة إلى الأشباح نحو سماء الأسماء والصفات بعد خرق التعينات، ورفع الإضافات. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي: أصغت وانقادت لحم ربها وأمره الذي مضى على انشقاقها {وَ} بعدما أمرت {حُقَّتْ} [الانشقاق: 2] لها، ولاقت بحالها أن امتثلت بالمأمور وانقادت. {وَإِذَا ٱلأَرْضُ} أي: أرض الطبيعة والهيولي القابلة المجبولة لانعكاس تأثيرات سماء الأسماء والصفات {مُدَّتْ} [الانشقاق: 3] امتدت وانبسطت لقبول مطاويها. {وَأَلْقَتْ} أخرجت فظهرت {مَا فِيهَا} من التقوى المودعة القابلة لفيضان أنوار الذات {وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق: 4] عن حفظ الأمانات بالإلهية. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} في الإلقاء والتخلية {وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 5] لها للاستئذان والإصغاء، ولاقتضاء مرتبة العبودية ذلك، حينئذٍ انكشفت لها جزاء ما كسبت واقترفت في نشأة الاختبار. ثمَّ نادى سبحانه الإنسان نداء تنبيه وتخطية، وتحريك حمية فطرية، وسلسلة جبلية فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ} المصور على صورة الرحمن، المنتخب من بين سائر المظاهر لحكمة الخلافة والنيابة، ومصلحة المعرفة في التوحيد، فاعرف قدرك، ولا تغفل عن حقيقتك {إِنَّكَ كَادِحٌ} ساعٍ للتقرب والتوحيد {إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} وسعياً منتهياً إلى إفناء هويتك في هوية الحق، وبالجملة: {فَمُلاَقِيهِ} [الانشقاق: 6] يعني: أنت ملاقٍ ربك بمقتضى سعيك واجتهادك، فلك ألاَّ تفترق ما يوصلك إليه، ويفنيك فيه بعد جذب من جانب الحق، وتوفيق من لدنه؛ لتكون من أرباب اليمن والكرامة، الموسومين بأصحاب اليمين، المؤتين لهم صحف أعمالهم من قِبَل أيمانهم التي هي علامة إيمانهم وعرفانهم. {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ} المطوي المشتمل على تفاصيل ما صدر عنه {بِيَمِينِهِ} [الانشقاق: 7] الذي هو عنوان اليُمن والكرامة والرضوان. {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 8] سهلاً سريعاً. {وَيَنقَلِبُ} ويرجع بعد الحساب {إِلَىٰ أَهْلِهِ} الذي هم رفقاؤه في سبيل السعادة والكرامة {مَسْرُوراً} [الانشقاق: 9] مبسوطاً فرحاناً. {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} [الانشقاق: 10] الذي هو عنوان الشقاوة، ودليل العتاب والعقاب، وأنواع الملامة والندامة. {فَسَوْفَ يَدْعُواْ} ويتمنى {ثُبُوراً} [الانشقاق: 11] ويلاً وهلاكاً؛ لصعوبة حسابه، وغلبة سيئاته على حسناته. {وَ} بالآخرة {يَصْلَىٰ} ويطرح صاغراً ذليلاً {سَعِيراً} [الانشقاق: 12] مسعراً بنيران الشهوات والغفلات الصادرة منه بمتابعة الأوهام والخيالات، وأنواع الضلال والجهالات الناشئة من القوى البهيمية الحاصلة من طغيان الطبيعة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها الكادح لربك؛ القادح في أمر لطيفتك، الفاضح نفسك، {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} [الانشقاق: 1]؛ يعني: إذا انشقت سماء صدرك {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} [الانشقاق: 2] في انشقاقها {وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 2]؛ أي: تطيع أمر الرب وهو يوم قادح، {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} [الانشقاق: 3]؛ أي: أرض البشرية مدت في عينيك لا يقى فيها عوجاً ولا أمتاً {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} [الانشقاق: 4]؛ ألقت ما فيها من كنوز القوالب والاستعدادات {وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق: 4]؛ أي: ما بقيت فيها من القوى، وخلت بالكلية منها، وانتزعت عنها شاءت أم أبت {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 5]؛ أي: وحق لها أن تطيع أمر ربها. {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} [الانشقاق: 6] أيتها اللطيفة الباقية الإنسانية، إنك مسرعة إلى ربك في عملك، فانظري ما عملت خيراً عملت لتكوني مسارعة إلى لطفه، أم شراً عملت لتكوني مسارعة إلى قهره {فَمُلاَقِيهِ}؛ أي: تشاهدين جزاء الشر لا محالة، وكلكم في تلك الحالة مسارعون إلى ربكم بأمر الرب حيث يقول: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [آل عمران: 133] فطوبى لمن سارع إلى مغفرة، وويل لمن [كفر] نعمته، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 7-8] وهو المسارع إلى مغفرة الرب، {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} [الانشقاق: 9]؛ أي: ينقلب إلى قواه الطائعة له المؤمنة بربه، مسروراً معه مغفوراً {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} [الانشقاق: 10] وهو المسارع إلى نعمته؛ لأنه كان متوجهاً إلى الدنيا مدبراً عن العقبى، فلأجل ذلك أوتي كتابه وراء ظهره؛ لأن كل ما عمل بقي وراء ظهره وما قدم لنفسه عملاً صالحاً، {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً} [الانشقاق: 11] ينادي بالويل والثبور ويدعو هو بنفسه على نفسه بالويل والثبور حين يهوى به في السعير كقوله تعالى: {وَيَصْلَىٰ سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} [الانشقاق: 12-13]؛ يعني: في الدنيا مع القوى الكافرة كان مسروراً باتباع الشهوات والتلذذ بالمنهيات على وفق هواه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينًا لما يكون في يوم القيامة من تغير الأجرام العظام: { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } أي: انفطرت وتمايز بعضها من بعض، وانتثرت نجومها، وخسف بشمسها وقمرها. { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } أي: استمعت لأمره، وألقت سمعها، وأصاخت لخطابه، وحق لها ذلك، فإنها مسخرة مدبرة تحت مسخر ملك عظيم، لا يعصى أمره، ولا يخالف حكمه. { وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ } أي: رجفت وارتجت، ونسفت عليها جبالها، ودك ما عليها من بناء ومعلم، فسويت، ومدها الله تعالى مد الأديم، حتى صارت واسعة جدًا، تسع أهل الموقف على كثرتهم، فتصير قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا. { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } من الأموات والكنوز. { وَتَخَلَّتْ } منهم، فإنه ينفخ في الصور، فتخرج الأموات من الأجداث إلى وجه الأرض، وتخرج الأرض كنوزها، حتى تكون كالأسطوان العظيم، يشاهده الخلق، ويتحسرون على ما هم فيه يتنافسون، { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ يَا أَيُّهَاالإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ } أي: إنك ساع إلى الله، وعامل بأوامره ونواهيه، ومتقرب إليه إما بالخير وإما بالشر، ثم تلاقي الله يوم القيامة، فلا تعدم منه جزاء بالفضل إن كنت سعيدًا، أو بالعدل إن كنت شقيًا. ولهذا ذكر تفصيل الجزاء، فقال: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } وهم أهل السعادة. { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا } وهو العرض اليسير على الله، فيقرره الله بذنوبه، حتى إذا ظن العبد أنه قد هلك، قال الله [تعالى] له: " إني قد سترتها عليك في الدنيا، فأنا أسترها لك اليوم ". { وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ } في الجنة { مَسْرُورًا } لأنه نجا من العذاب وفاز بالثواب، { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } أي: بشماله من خلفه. { فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا } من الخزي والفضيحة، وما يجد في كتابه من الأعمال التي قدمها ولم يتب منها، { وَيَصْلَى سَعِيرًا } أي: تحيط به السعير من كل جانب، ويقلب على عذابها، وذلك لأنه في الدنيا { كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا } لا يخطر البعث على باله، وقد أساء، ولم يظن أنه راجع إلى ربه وموقوف بين يديه. { بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا } فلا يحسن أن يتركه سدى، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب.

النسائي

تفسير : 680 - أنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، عن مالكٍ، عن عبد اللهِ بن يزيد، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أن أبا هُريرة قرأ بهم {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} [1] فسجدَ فيها فلمَّا انصرف أخبرهم أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم سَجَدَ فيها.