٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
97
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد أتبعه بعقاب من قعد عنه ورضي بالسكون في دار الكفر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفرّاء: إن شئت جعلت {تَوَفَّـٰهُمُ } ماضياً ولم تضم تاء مع التاء، مثل قوله: {أية : إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا } تفسير : [البقرة: 70] وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخباراً عن حال أقوام معينين انقرضوا ومضوا، وإن شئت جعلته مستقبلاً، والتقدير: إن الذين تتوفاهم الملائكة، وعلى هذا التقدير تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة. المسألة الثانية: في هذا التوفي قولان: الأول: وهو قول الجمهور معناه تقبض أرواحهم عند الموت. فإن قيل: فعلى هذا القول كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] وبين قوله: {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ } تفسير : [السجدة: 11]. قلنا: خالق الموت هو الله تعالى، والرئيس المفوض إليه هذا العمل هو ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه. القول الثاني: {توفاهم الملائكة} يعني يحشرونهم إلى النار، وهو قول الحسن. المسألة الثالثة: في خبر (إن) وجوه: الأول: أنه هو قوله: قالوا لهم فيم كنتم، فحذف «لهم» لدلالة الكلام عليه. الثاني: أن الخبر هو قوله: {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } فيكون (قالوا لهم) في موضع {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ }، لأنه نكرة. الثالث: أن الخبر محذوف وهو هلكوا، ثم فسّر الهلاك بقوله: {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } أما قوله تعالى: {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } في محل النصب على الحال، والمعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، وهو وإن أضيف إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة، لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل ظالمين أنفسهم، إلا أنهم حذفوا النون طلباً للخفة، واسم الفاعل سواء أُريد به الحال أو الاستقبال فقد يكون مفصولاً في المعنى وإن كان موصولاً في اللفظ، وهو كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } تفسير : [الأحقاف: 24] {أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } تفسير : [المائدة: 95] {أية : ثَانِىَ عِطْفِهِ } تفسير : [الحج: 9] فالإضافة في هذه المواضع كلها لفظية لا معنوية. المسألة الثانية: الظلم قد يراد به الكفر قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] وقد يراد به المعصية {أية : فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } تفسير : [فاطر: 32] وفي المراد بالظلم في هذه قولان: الأول: أن المراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك، ولم يهاجروا إلى دار الإسلام. الثاني: أنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفاً، فإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولم يهاجروا إلى المدينة، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة. وأما قوله تعالى: {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } ففيه وجوه: أحدها: فيم كنتم من أمر دينكم. وثانيها: فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه. وثالثها: لم تركتم الجهاد ولم رضيتم بالسكون في ديار الكفار؟ ثم قال تعالى: {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلأَرْضِ } جواباً عن قولهم {فِيمَ كُنتُمْ } وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو لم نكن في شيء. وجوابه: أن معنى {فِيمَ كُنتُمْ } التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذاراً عما وبخوا به، واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا } أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم، بل مع القدرة على هذه المفارقة، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم فقال: {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً }. ثم استثنى تعالى فقال: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } ونظيره قول الشاعر:شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني تفسير : ويجوز أن يكون {لاَ يَسْتَطِيعُونَ } في موضع الحال، والمعنى لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو كان بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة. ثم قال: {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } أي لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلهم على الطريق. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني فإني لسيت من المستضعفين، ولا أني لا أهتدي الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، وكان شيخاً كبيراً، فمات في الطريق. فإن قيل: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين للوعيد على بعض الوجوه؟ قلنا: سقوط الوعيد إذا كان بسبب العحز، والعجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة وتارة بسبب الصبا، فلا جرم حسن هذا إذا أُريد بالولدان الأطفال، ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله تعالى، وإن أُريد العبيد والإماء البالغون فلا سؤال. ثم قال تعالى: {فَأُوْلَـئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } وفيه سؤال، وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة، والعاجز عن الشيء غير مكلف به، وإذا لم يكن مكلفاً به لم يكن عليه في تركه عقوبة، فلم قال: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } والعفو لا يتصور إلا مع الذنب، وأيضاً {عَسَى } كلمة الإطماع، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم. والجواب عن الأول: أن المستضعف قد يكون قادراً على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام. وأما السؤال الثاني: وهو قوله: ما الفائدة في ذكر لفظة {عسى} ههنا؟ فنقول: الفائدة فيها الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف الحال في غيره. هذاهو الذي ذكره صاحب «الكشاف» في الجواب عن هذا السؤال، إلا أن الأولى أن يكون الجواب ما قدمناه، وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزاً عنها مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة {عَسَى } لا بالكلمة الدالة على القطع. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً } ذكر الزجاج في {كَانَ } ثلاثة أوجه: الأول: كان قبل أن خلق الخلق موصوفاً بهذه الصفة. الثاني: أنه قال {كَانَ } مع أن جميع العباد بهذه الصفة والمقصود بيان أن هذه عادة الله تعالى أجراها في حق خلقه. الثالث: لو قال: إنه تعالى عفو غفور كان هذا إخباراً عن كونه كذلك فقط، ولما قال إنه كان كذلك كان هذا إخباراً وقع مخبره على وفقه فكان ذلك أدل على كونه صدقاً وحقاً ومبرأ عن الخلف والكذب. واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة فإنه لو لم يحصل ههنا شيء من الذنب لامتنع حصول العفو والمغفرة فيه، فلما أخبر بالعفو والمغفرة دلّ على حصول الذنب، ثم إنه تعالى وعد بالعفو مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فيدل على ما ذكرناه.
القرطبي
تفسير : المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبيّ صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم وفُتِن منهم جماعة فٱفتتنوا، فلما كان أمر بَدْر خرج منهم قوم مع الكفار؛ فنزلت الآية. وقيل: إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدّوا فقُتِلوا على الردّة؛ فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأُكرِهوا على الخروج فاستغفروا لهم؛ فنزلت الآية. والأول أصح. روى البخاريّ عن محمد بن عبد الرّحمٰن قال: قُطِع على أهل المدينة بَعْث فاكْتُتِبْتُ فيه فلَقِيت عِكرمةَ مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشدّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يُكَثِّرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيُرْمَى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يُضرب فيُقتل؛ فأنزل الله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ}. قوله تعالىٰ: {تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} يحتمل أن يكون فعلاً ماضياً لم يستند بعلامة تأنيث، إذ تأنيث لفظ الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون فعلاً مستقبلاً على معنى تتوفاهم؛ فحذفت إحدى التاءين. وحكى ابن فُورَك عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار. وقيل: تقبض أرواحهم؛ وهو أظهر. وقيل: المُراد بالملائكة ملك الموت؛ لقوله تعالىٰ: { أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } تفسير : [السجدة: 11]. و {ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} نصب على الحال؛ أي في حال ظلمهم أنفسهم، والمراد ظالمين أنفسهم فحذف النون استخفافاً وأضاف؛ كما قال تعالىٰ: { أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ } تفسير : [المائدة: 95]. وقول الملائكة: {فِيمَ كُنتُمْ} سؤال تقريع وتوبيخ، أي أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين! وقول هؤلاء: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} يعني مكة، اعتذار غير صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً}. ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلاَّ فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا، وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدّة ما واقعوه، ولعدم تعيّن أحدهم بالإيمان، واحتمال ردّته. والله أعلم. ثم استثنى تعالىٰ منهم من الضمير الذي هو الهاء والميم في {مَأْوَاهُمُ} من كان مستضعفاً حقيقة من زمني الرجال وضعفة النساء والوِلدان؛ كعيّاش ابن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وغيرهم الذين دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كنت أنا وأُمي ممن عنَى اللَّهُ بهذه الآية؛ وذلك أنه كان من الوِلدان إذ ذاك، وأُمّه هي أُمّ الفضل بنت الحارث وٱسمها لُبابة، وهي أخت ميمونة، وأُختها الأُخرىٰ لبابة الصغرى، وهن تسع أخوات قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهن: « حديث : الأخوات مؤمنات » تفسير : ومنهنّ سلمى والعصماء وحفيدة ويُقال في حفيدة: أُم حفيد، واسمها هزيلة. هنّ ست شقائق وثلاث لأم؛ وهنّ سلمى، وسلامة، وأسماء بنت عُميس الخَثْعَمِيّة ٱمرأة جعفر بن أبي طالب، ثم ٱمرأة أبي بكر الصدّيق، ثم ٱمرأة عليّ رضي الله عنهم أجمعين. قوله تعالىٰ: {فِيمَ كُنتُمْ} سؤال توبيخ، وقد تقدّم. والأصل «فيما» ثم حذفت الألف فرقاً بين الاستفهام والخبر، والوقف عليها «فِيمه» لئلا تحذف الألف والحركة. والمراد بقوله: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً} المدينة؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم! وفي هذه الآية دليل على هِجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير: إذا عمِل بالمعاصي في أرض فاخرج منها؛ وتلا: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من فرّ بِدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً ٱستوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمدٍ عليهما السَّلام » تفسير : . {فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي مثواهم النار. وكانت الهجرة واجبة على كل من أسلم. {وَسَآءَتْ مَصِيراً} نصب على التفسير. وقوله تعالىٰ: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل سبيل المدينة؛ فيما ذكر مجاهد والسديّ وغيرهما، والصواب أنه عامّ في جميع السبل. وقوله تعالىٰ: {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} هذا الذي لا حيلة له في الهجرة لا ذنب له حتى يعفى عنه؛ ولكن المعنى أنه قد يتوهم أنه يجب تحمل غاية المشقة في الهجرة، حتى أن من لم يتحمل تلك المشقة يعاقب فأزال الله ذلك الوهم؛ إذ لا يجب تحمل غايةِ المشقة، بل كان يجوز ترك الهجرة عند فقد الزاد والراحلة. فمعنى الآية: فأُولئك لا يستقصي عليهم في المحاسبة؛ ولهذا قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} والماضي والمستقبل في حقه تعالىٰ واحد، وقد تقدّم.
ابن كثير
تفسير : قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرىء، حدثنا حيوة وغيره، قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم، فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِىۤ أَنفُسِهِمْ}، رواه الليث عن أبي الأسود. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا أبو أحمد، يعني: الزبيري، حدثنا محمد بن شريك المكي، حدثنا عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض. قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِىۤ أَنفُسِهِمْ} الآية. قال عكرمة: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية لا عذر لهم. قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم التقية، فنزلت هذه الآية: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [العنكبوت: 10] الآية. قال عكرمة: نزلت هذه الآية في شباب من قريش كانوا تكلموا بالإسلام بمكة، منهم: علي بن أمية بن خلف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبِّه بن الحجاج، والحارث بن زمعة. قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِىۤ أَنفُسِهِمْ} أي: بترك الهجرة {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} أي: لم مكثتم ها هنا وتركتم الهجرة؟ {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلأَرْضِ} أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض {قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً} الآية، وقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»تفسير : ، وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: «حديث : افد نفسك وابن أخيك» تفسير : فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك، قال: «حديث : يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم»تفسير : ، ثم تلا عليه هذه الآية: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً} الآية، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} إلى آخر الآية، هذه عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}، قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني: طريقاً. وقوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} أي: يتجاوز الله عنهم بترك الهجرة، عسى من الله موجبة، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}، قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال: «حديث : سمع الله لمن حمده» تفسير : ثم قال قبل أن يسجد: «حديث : اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المقري، حدثني عبد الوارث، حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده بعد ما سلم، وهو مستقبل القبلة، فقال: «حديث : اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً من أيدي الكفار»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد عن علي بن زيد، عن عبد الله أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دبر صلاة الظهر: «حديث : اللهم خلص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً»تفسير : ، ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان. وقال البخاري: أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي مليكة، عن ابن عباس {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل. وقوله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}، هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، والمراغم مصدر، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغماً ومراغمة، قال النابغة بن جعدة:شعر : كطَوْدٍ يُلاذُ بِأركانِهِ عزيزِ المُراغَمِ والمَهْرَبِ تفسير : وقال ابن عباس: المراغم: التحول من أرض إلى أرض. وكذا روي عن الضحاك والربيع بن أنس والثوري. وقال مجاهد: {مُرَاغَماً كَثِيراً} يعني: متزحزحاً عما يكره. وقال سفيان بن عيينة: مراغماً كثيراً، يعني: بروجاً، والظاهر ـ والله أعلم ـ أنه التمنع الذي يُتحصَّن به، ويراغم به الأعداء. قوله: {وَسَعَةً} يعني: الرزق، قاله غير واحد، منهم قتادة حيث قال: في قوله: {يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} أي: من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى، وقوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} أي: ومن يخرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»تفسير : . وهذا عام في الهجرة، وفي جميع الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أكمل بذلك العابد المائة، ثم سأل عالماً: هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجراً إلى البلد الآخر، أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائباً، وقال هؤلاء إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب، فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من هذه، وهذه أن تبعد، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية أنه لما جاءه الموت، ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «حديث : من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله» تفسير : ثم قال بأصابعه هؤلاء الثلاث: الوسطى والسبابة والإبهام، فجمعهن وقال «حديث : وأين المجاهدون في سبيل الله؟ فخر عن دابته فمات، فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله» تفسير : يعني بحتف أنفه: على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : ومن قتل قعصاً، فقد استوجب الجنة»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الخزامي، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الخزامي، عن المنذر بن عبدالله عن هشام بن عروة عن أبيه: أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات فنزلت فيه {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}، قال الزبير: فكنت أتوقعه، وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني؛ لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره، وهذا الأثر غريب جداً، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدني، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، حدثنا أشعث، هو ابن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: خرج ضمرة بن جندب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية، وحدثنا أبي، حدثنا عبدالله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة، فلما نزلت: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} الآية. وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن عروبة البصري، حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان عن أبيه، حدثنا مكحول عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أنبأنا أبو مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله قال: من انتدب خارجاً في سبيلي، غازياً ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيماناً برسلي، فهو في ضمان على الله، إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة، وإما أن يرجع في ضمان الله، وإن طالب عبداً، فنغصه حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر، أو غنيمة، ونال من فضل الله فمات، أو قتل، أو رفصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله، فهو شهيد»تفسير : . وروى أبو داود من حديث بقية: «حديث : من فضل الله إلى آخره» تفسير : وزاد بعد قوله: فهو شهيد: «حديث : وإن له الجنة» تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن زياد سبَلان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن إسحاق عن حميد بن أبي حميد، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من خرج حاجاً فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة»تفسير : . وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فقتلوا يوم بدر مع الكفار {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّٰهُمُ ٱلْمَلَٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } بالمقام مع الكفار وترك الهجرة {قَالُواْ } لهم موبخين {فِيمَ كُنتُمْ } أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم؟{قَالُواْ } معتذرين {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ } عاجزين عن إقامة الدين {فِى ٱلأَرْضِ } أرض مكة {قَالُواْ } لهم توبيخاً {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } من أرض الكفر إلى بلد آخر كما فعل غيركم؟ قال الله تعالى:{فَأُوْلَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسآءَتْ مَصِيراً } هي.
الشوكاني
تفسير : قوله: {تَوَفَّـٰهُمُ } يحتمل أن يكون فعلاً ماضياً وحذفت منه علامة التأنيث؛ لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون مستقبلاً، والأصل تتوفاهم، فحذفت إحدى التاءين. وحكى ابن فورك، عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار. وقيل تقبض أرواحهم، وهو الأظهر. والمراد بالملائكة: ملائكة الموت لقوله تعالى: {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ } تفسير : [السجدة: 11]. وقوله: {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } حال، أي: في حال ظلمهم أنفسهم، وقول الملائكة: {فِيمَ كُنتُمْ } سؤال توبيخ، أي: في أي شيء كنتم من أمور دينكم؟ وقيل المعنى: أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين؟ وقيل: إن معنى السؤال التقريع لهم بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين. وقولهم: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلأرْضِ } يعني: مكة، لأن سبب النزول من أسلم بها ولم يهاجر، كما سيأتي، ثم أوقفتهم الملائكة على دينهم، وألزمتهم الحجة، وقطعت معذرتهم، فقالوا: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا } قيل: المراد بهذه الأرض: المدينة، والأولى العموم اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها، ويراد بالأرض الأولى كل أرض ينبغي الهجرة منها. قوله: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } هذه الجملة خبر لأولئك، والجملة خبر إن في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } ودخول الفاء لتضمن اسم إن معنى الشرط: {وَسَاءتْ } أي: جهنم {مَصِيراً } أي: مكاناً يصيرون إليه. قوله: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ } هو استثناء من الضمير في مأواهم، وقيل: استثناء منقطع لعدم دخول المستضعفين في الموصول وضميره. وقوله: {مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } متعلق بمحذوف، أي: كائنين منهم، والمراد بالمستضعفين من الرجال الزمني ونحوهم، والولدان كعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في أمر الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف، فكيف من كان مكلفاً، وقيل: أراد بالولدان المراهقين والمماليك. قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } صفة للمستضعفين، أو للرجال والنساء، والولدان، أوحال من الضمير في المستضعفين. وقيل: الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، أي: لا يجدون حيلة، ولا طريقاً إلى ذلك، وقيل: السبيل: سبيل المدينة: {فَأُوْلَـئِكَ } إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } وجيء بكلمة الإطماع لتأكيد أمر الهجرة، حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنباً يجب طلب العفو عنه. قوله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً } هذه الجملة متضمنة للترغيب في الهجرة، والتنشيط إليها. وقوله: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } فيه دليل على أن الهجرة لا بدّ أن تكون بقصد صحيح، ونية خالصة غير مشوبة بشيء من أمور الدنيا، ومنه الحديث الصحيح: «حديث : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»تفسير : . وقد اختلف في معنى قوله سبحانه: {يَجِدْ فِى ٱلأرْضِ مُرَاغَماً } فقال ابن عباس، وجماعة من التابعين، ومن بعدهم: المراغم المتحوّل والمذهب. وقال مجاهد: المراغم المتزحزح. وقال ابن زيد: المراغم المهاجر، وبه قال أبو عبيدة. قال النحاس: فهذه الأقوال متفقة المعاني، فالمراغم: المذهب والمتحول، وهو الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرغام، وهو: التراب، ورغم أنف فلان، أي: لصق بالتراب، وراغمت فلاناً: هجرته وعاديته، ولم أبال أن رغم أنفه. وقيل: إنما سمي مهاجراً، لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمي خروجه مراغماً، وسمي مسيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة. والحاصل في معنى الآية أن المهاجر يجد في الأرض مكاناً يسكن فيه على رغم أنف قومه الذين هاجرهم، أي: على ذلهم وهوانهم. قوله: {وسِعَةً} أي: في البلاد. وقيل: في الرزق، ولا مانع من حمل السعة على ما هو أعمّ من ذلك. قوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } قرىء "يدركه" بالجزم على أنه معطوف على فعل الشرط، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على إضمار أن. والمعنى أن من أدركه الموت قبل أن يصل إلى مطلوبه، وهو المكان الذي قصد الهجرة إليه أو الأمر الذي قصد الهجرة له: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } أي: ثبت ذلك عنده ثبوتاً لا يتخلف {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } أي: كثير المغفرة {رَّحِيماً } أي: كثير الرحمة. وقد استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك، أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهاراً، إذا كان قادراً على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين، لما في هذه الآية الكريمة من العموم، وإن كان السبب خاصاً، كما تقدّم. وظاهرها عدم الفرق بين مكان، ومكان وزمان وزمان. وقد ورد في الهجرة أحاديث، وورد ما يدلّ على أنه لا هجرة بعد الفتح. وقد أوضحنا ما هو الحقّ في شرحنا على المنتقى، فليرجع إليه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، وقتل البعض، فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت بهم هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ } قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ } تفسير : [العنكبوت: 10] إلى آخر الآية فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا، وأيسوا من كل خير، فنزلت فيهم: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَـٰهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل: 110] فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل. وقد أخرجه البخاري وغيره عنه مقتصراً على أوله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } إلى قوله: {وَسَاءتْ مَصِيراً } قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن ربيعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف، قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشباب كارهين كانوا قد أسلموا، واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفاراً ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن إسحاق. وقد روي نحو هذا من طرق. وقد أخرج البخاري، وغيره، عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } فقال: كنت أنا وأمي من المستضعفين أنا من الولدان، وأمي من النساء. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } قال: قوّة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } قال: نهوضاً إلى المدينة: {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } قال: طريقاً إلى المدينة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً } قال: المراغم المتحوّل من أرض إلى أرض. والسعة: الرزق. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {مُرَاغَماً } قال: متزحزحاً عما يكره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله: {وسِعَةً} قال: ورخاء. وأخرج أيضاً عن مالك قال: سعة البلاد. وأخرج أبو يعلى، وابن أبـي حاتم، والطبراني قال السيوطي: بسند: رجاله ثقات عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً، فقال لقومه احملوني، فأخرجوني من أرض الشرك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من وجه آخر، عنه نحوه. وأخرج ابن سعد، وأحمد، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عتيك قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله، وأين المجاهدون في سبيل الله؟ فخرّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله"تفسير : ، يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : ومن قتل قعصاً، فقد استوجب الجنة"تفسير : . وأخرج أبو يعلى، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً في سبيل الله فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة»تفسير : . قال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
ابن عطية
تفسير : المراد بهذه الآية إلى قوله {مصيراً} جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر، فنزلت الآية فيهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما، كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر فأصيب بعضهم، فقال المسلمون كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت {إن الذين توفاهم الملائكة} الآية. قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، أن لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية الأخرى، {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} تفسير : [العنكبوت:10] الآية فكتب إليهم المسلمون بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير. ثم نزلت فيهم {أية : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} تفسير : [النحل:110] فكتبوا إليهم بذلك، أن الله قد جعل لكم مخرجاً فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في خمسة قتلوا ببدر، وهم قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف، قال النقاش: في أناس سواهم أسلموا ثم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: غر هؤلاء دينهم. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: وكان العباس ممن خرج مع الكفار لكنه نجا وأسر، وكان من المطعمين في نفير بدر، قال السدي:حديث : لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: افد نفسك وابن أخيك، فقال له العباس: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال "يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم" تفسير : ثم تلا عليه هذه الآية {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} قال السدي: فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر، إلا من لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: وفي هذا الذي قاله السدي نظر، والذي يجري مع الأصول أن من مات من أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتد فهو كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة وإن فرضنا فيهم من مات مؤمناً وأكره على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة، مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لما لم يتعين أحد أنه مات على الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يعتد بما كان عرف منهم قبل، ولا حجة للمعتزلة في شيء من أمر هؤلاء على تكفيرهم بالمعاصي، وأما العباس فقد ذكر ابن عبد البر رحمه الله أنه أسلم قبل بدر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر من لقي العباس فلا يقتله، فإنما أخرج كرهاً. قال القاضي أبو محمد عبد الحق - رحمه الله - وذكر أنه إنما أسلم مأسوراً حين ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أمر المال الذي ترك عند أم الفضل، وذكر أنه أسلم في عام خيبر، وكان يكتب إلى رسول الله بأخبار المشركين، وكان يحب أن يهاجر، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث بمكة فمقامك بها أنفع لنا. قال القاضي أبو محمد: لكن عامله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسر على ظاهر أمره. وقوله تعالى: {توفاهم} يحتمل أن يكون فعلاً ماضياً لم يستند بعلامة تأنيث، إذ تأنيث لفظ {الملائكة} غير حقيقي، ويحتمل أن يكون فعلاً مستقبلاً على معنى تتوفاهم، فحذفت إحدى التاءين ويكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي من هذا المعنى في المستقبل بعد نزول الآية. وقرأ إبراهيم "تُوفاهم" بضم التاء، قال أبو الفتح: كأنه يدفعون إلى الملائكة ويحتسبون عليهم. و "تَوفاهم" بفتح التاء معناه: تقبض أرواحهم، وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى: تحشرهم إلى النار و {ظالمي أنفسهم} نصب على الحال أي ظالميها بترك الهجرة، قال الزجّاج: حذفت النون من "ظالمين" تخفيفاً، كقوله تعالى: {بالغ الكعبة} [المائدة:95]، وقول الملائكة {فيم كنتم}؟ تقرير وتوبيخ، وقول هؤلاء {كنا مستضعفين في الأرض} اعتذار غير صحيح، إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل ثم وقفتهم الملائكة على ذنبهم بقولهم {ألم تكن أرض الله واسعة} والأرض في قول هؤلاء هي أرض مكة خاصة، و {ارض الله} هي الأرض بالإطلاق، والمراد فتهاجروا فيها إلى موضع الأمن، وهذه المقالة إنما هي بعد توفي الملائكة لأرواح هؤلاء. وهي دالة على أنهم ماتوا مسلمين، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا، وإنما أضرب على ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحد منهم بالإيمان، ولاحتمال ردته، وتوعدهم الله تعالى بأن {مأواهم جهنم}. ثم استثنى منهم من كان استضعافه على حقيقة من زمنة الرجال وضعفة النساء والولدان، كعياش بن أبي ربيعة والوليد بن هشام وغيرهما، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين، هي من النساء وأنا من الولدان، والحيلة: لفظ عام لأسباب أنواع التخلص، و "السبيل": سبيل المدينة فيما ذكر مجاهد والسدي وغيرهما والصواب أنه عام في جميع السبل. ثم رجّى الله تعالى هؤلاء بالعفو عنهم، و {عسى} من الله واجبة. أما أنها دالة على ثقل الأمر المعفو عنه، قال الحسن: {عسى} من الله واجبة، قال غيره: هي بمنزلة الوعد، إذ ليس يخبر بـ {عسى} عن شك ولا توقع، وهذا يرجع إلى الوجوب، قال آخرون: هي على معتقد البشر، أي ظنكم بمن هذه حاله تَرجِّي عفو الله عنه. والمراغم: المتحول والمذهب، كذا قال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم، ومنه قول النابغة الجعدي: [المتقارب] شعر : كَطود يلاذ بأَرْكَانِهِ عَزِيزٌ المراغِمِ وَالْمَذْهَبِ تفسير : وقول الآخر: [المتقارب] شعر : إلى بَلدٍ غَيْرِ داني الْمَحَلّ بَعِيدِ المرَاغمِ والْمُضْطَرَبْ تفسير : وقال مجاهد: "المراغم" المتزحزح عما يكره، وقال ابن زيد: "المراغم" المهاجر، وقال السدي: "المراغم" المبتغى للمعيشة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وهذا كله تفسير بالمعنى، فأما الخاص باللفظة، فإن "المراغم" موضع المراغمة، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر في أرض الله لأرغم أنوف قريش بحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. وكذلك الطود الذي ذكر النابغة، من صع فيه أمام طالب له وتوقل فقد أرغم أنف ذلك الطالب. وقرأ نبيح والجراح والحسن ابن عمران "مَرْغماً" بفتح الميم وسكون الراء دون ألف. قال أبو الفتح: هذا إنما هو على حذف الزوائد من راغم، والجماعة على "مراغم"، وقال ابن عباس والربيع والضحاك وغيرهم: {السعة} هنا هي السعة في الرزق، وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وقال مالك: السعة سعة البلاد. قال القاضي رحمه الله: والمشبه لفصاحة العرب أن يريد سعة الأرض وكثرة المعاقل، وبذلك تكون "السعة" في الرزق واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرح، ونحو هذا المعنى قول الشاعر [حطان بن المعلّى]. شعر : لَكَانَ لي مَضْطَرَبٌ وَاسِعٌ في الأَرْضِ ذَاتِ الطُّولِ والْعَرْضِ تفسير : ومنه قول الآخر: [ الوافر] شعر : وَكُنْتُ إذَا خَليلٌ رامَ قَطْعي وَجَدْتُ وَرَاي مُنْفَسَحاً عَرِيضاً تفسير : وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى: {ألم تكن أرض الله واسعة} وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: الآية تعطي أن كل مسلم ينبغي أن يخرج من البلاد التي تغير فيها السنن ويعمل فيها بغير الحق، وقوله تعالى {ومن يخرج من بيته} الآية: حكم باق في الجهاد والمشي إلى الصلاة والحج ونحوه، أما أنه لا يقال: إن بنفس خروجه ونيته حصل في مرتبة الذي قضى ذلك الفرض أو العبادة في الجملة، ولكن يقال: وقع له بذلك أجر عظيم، وروي: أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من كنانة، وقيل: من خزاعة من بني ليث، وقيل: من جندع، لما سمع قول الله عز وجل {الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً} قال: إني لذو مال وعبيد - وكان مريضاً - فقال: أخرجوني إلى المدينة، فأخرج في سرير فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت الآية بسببه، واختلف في اسمه، فحكى الطبري عن ابن جبير: أنه ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، وحكي عن السدي: أنه ضمرة بن جندب، وحكي عن عكرمة: أنه جندب بن ضمرة الجندعي، وحكي عن ابن جبير أيضاً: أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث، وحكى أبو عمر بن عبد البر: أنه ضمرة بن العيص، وحكى المهدوي: أنه ضمرة بن نعيم، وقيل: ضمرة بن خزاعة، وقرأت الجماعة "ثم يدركْه الموت" بالجزم عطفاً على {يخرج} وقرأ طلحة ابن سليمان وإبراهيم النخعي فيما ذكر أبو عمرو "ثم يدركُه" برفع الكاف - قال أبو الفتح: هذا رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يدركه الموت فعطف الجملة من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة على جملة، وعلى هذا حمل يونس بن حبيب قول الأعشى: [البسيط] شعر : إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الْخَيْلِ عَادَتُنا أو تَنْزِلُونَ فإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ تفسير : المراد وأنتم تنزلون وعليه قول الآخر [رويشد بن كثير الطائي]: [البسيط] شعر : إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتيني بِقيتُكُمْ فَمَا عَلَيّ بِذَنْبٍ عِنْدكُمْ فَوتُ تفسير : المعنى: ثم أنتم تأتيني. وهذا أوجه من أن يحمله على قول الآخر: [الوافر] شعر : ألم يأتيكَ وألأنباءُ تنمى تفسير : وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة ونبيح والجراح "ثم يدركَه " بنصب الكاف وذلك على إضمار " أن " كقول الأعشى: [ الطويل] شعر : لَنَا هضبةٌ لاَ يَنْزِلُ الذُّلُّ وَسْطَها وَيَأْوِي إلْيها الْمُسْتَجيرُ فَيُعْصَمَا تفسير : أراد: فأن يعصم - قال أبو الفتح: وهذا ليس بالسهل وإنما بابه اشعر لا القرآن، وأنشد ابن زيد: [الوافر] شعر : سَأَتْرُكُ مَنْزِلي لِبَني تَمِيمٍ وأَلحقُ بالحِجَازِ فأَسْترِيحا تفسير : والآية أقوى من هذا لتقدم الشرط قبل المعطوف. قال القاضي أبو محمد: ومن هذه الآية رأى بعض العلماء أن من مات من المسلمين وقد خرج غازياً فله سهمه من الغنيمة، قاسوا ذلك على " الأجر"، وقد تقدم معنى الهجرة فيما سلف ووقع عبارة عن الثبوت وقوة اللزوم وكذلك هي - وجب - لأن الوقوع والوجوب نزول في الأجرام بقوة. فشبه لازم المعاني بذلك وباقي الآية بيّن.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية: نزلت في أناس تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار فأنزل الله تعالى هذه الآية {إن الذين توفاهم الملائكة} يعني ملك الموت وأعوانه وهم ستة: ثلاثة منهم يلون قبض أرواح المؤمنين وثلاثة يلون قبض أرواح الكفار. وقيل أراد به ملك الموت وحده وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع وفي التوفي هنا قولان: أحدهما أنه قبض أرواحهم. الثاني حشرهم إلى النار فعلى القول الثاني يكون المراد بالملائكة الزبانية الذين يلون تعذيب الكفار {ظالمي أنفسهم} يعني بالشرك وقيل بالمقام في دار الشرك وذلك لأن الله تعالى لم يقبل الإسلام من أحد بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يهاجر إليه ثم نسخ ذلك فتح مكة بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" تفسير : أخرجاه في الصحيحين وقيل ظالمي أنفسهم بخروجهم مع المشركين يوم بدر وتكثير سوادهم حتى قتلوا معهم فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم {قالوا فيم كنتم} سؤال توبيخ وتقريع يعني قالت الملائكة: لهؤلاء الذين قتلوا في أي الفريقين كنتم أفي فريق المسلمين أم في فريق المشركين فاعتذروا بالضعف عن مقاومة المشركين وهو قوله تعالى إخباراً عنهم: {قالوا كنا مستضعفين} يعني عاجزين {في الأرض} يعني في أرض مكة {قالوا} يعني قال لهم الملائكة {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} يعني إلى المدينة وتخرجوا من بين أظهر المشركين فأكذبهم الله في قولهم كنا مستضعفين وأعلمنا بكذبهم {فأولئك} يعني من هذه صفتهم {مأواهم} يعني منزلهم {جهنم وساءت مصيراً} يعني بئس المصير مصيرهم إلى جهنم ثم استثنى أهل الهذر ومن علم ضعفه منهم فقال تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة} يعني لا يقدرون على حيلة ولا نفقة ولا قوة لهم على الخروج من مكة {ولا يهتدون سبيلاً} يعني ولا يعرفون طريقاً يسلكونه من مكة إلى المدينة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ...} الآية: المرادُ بهذه الآيةِ إلَىٰ قوله: {مَصِيراً} جماعةٌ من أهل مكَّة كانوا قد أسلموا، فَلَمَّا هاجَرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أقَامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ منهم جماعةٌ، فَٱفتتنوا، فلما كَانَ أَمْرُ بَدْرٍ، خَرَجَ منهم قومٌ مع الكُفَّار، فقُتِلُوا ببَدْرٍ، فنزلَتِ الآية فيهم. قال * ع *: والذي يَجْرِي مع الأصولِ أنَّ مَنْ ماتَ مِنْ هؤلاء مرتدًّا، فهو كافرٌ، ومأواه جهنَّم علَىٰ جهة الخلودِ المؤبدِ، وهذا هو ظاهرُ أمْرِ هؤلاءِ، وإنْ فَرَضْنا فيهم مَنْ مَاتَ مؤمناً، وأُكْرِهَ عَلَى الخُرُوجِ، أوْ ماتَ بمكَّة، فإنما هو عاصٍ في ترك الهِجْرة، مأواه جهنَّم علَىٰ جهة العِصْيَانِ دُونَ خُلُودٍ. وقوله تعالى: {تَوَفَّـٰهُمُ}: يحتملُ أن يكون فعلاً ماضياً، ويحتملُ أنْ يكون مستقْبَلاً؛ علَىٰ معنى: «تَتَوَفَّاهُمْ»؛ فحذِفَتْ إحدى التاءَيْنَ وتكون في العبارة إشارة إلَىٰ ما يأتي مِنْ هذا المعنَىٰ في المستقبل بعد نزول الآية، و {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ}: نصبٌ علَى الحالِ، أي: ظالميها بتَرْكِ الهِجْرَة، وَ {تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ}: معناه: تقبِضُ أرواحَهُمْ، قال الزَّجَّاج، وحُذِفَتِ النونُ مِنْ ظَالِمِينَ؛ تخفيفاً؛ كقوله: {أية : بَـٰلِغَ ٱلكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة:95]، وقولُ الملائكة: {فِيمَ كُنتُمْ}: تقريرٌ وتوبيخٌ، وقولُ هؤلاء: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ}: ٱعتذارٌ غيرُ صحيحٍ؛ إذ كانوا يستطيعُونَ الحِيَلَ، ويَهْتَدُونَ السُّبُلَ، ثم وقَفَتْهُم الملائكةُ علَىٰ ذَنْبهم بقولهم: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً}، والأرْضُ الأولَىٰ: هي أرْضُ مكَّة خاصَّة، وأرْضُ اللَّهِ هي الأرضُ بالإطلاق، والمراد: فتهاجِرُوا فيها إلَىٰ مواضعِ الأَمْنِ، وهذه المقاوَلَةُ إنما هِيَ بعد توفي الملائكَةِ لأرواحِ هؤلاءِ، وهي دالَّة علَىٰ أنهم ماتوا مُسْلِمِينَ وإلاَّ فلو ماتوا كافِرِينَ، لم يُقَلْ لهم شيءٌ مِنْ هذا، ثم استثنَىٰ سبحانه مَنْ كان ٱستضعافُهُ حقيقةً مِنْ زَمْنَى الرجالِ، وضَعَفَةِ النساءِ، والولدانِ، قال ابنُ عَبَّاس: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ»، والحِيلَةُ: لفظٌ عامٌّ لأنواع أسبَاب التخلُّص، والسَّبِيلُ: سبيلُ المدينةِ؛ فيما قاله مجاهد وغيره، والصوابُ: أنه عامٌّ في جميع السُّبُل، ثم رَجَّى اللَّه تعالَىٰ هؤلاءِ بالعَفْو عنهم، والمُرَاغِمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَب؛ قاله ابن عبَّاس وغيره، وقال مجاهدٌ: المُرَاغَمُ المتزحْزَحُ عمَّا يُكْرَه، وقال ابن زيْدٍ: المُرَاغَمُ: المُهَاجَرُ، وقال السُّدِّيُّ: المُرَاغَمُ: المبتغَىٰ للمعيشة. قال * ع *: وهذا كله تَفْسيرٌ بالمعنَىٰ، وأما الخاصُّ بِاللفظة، فإن المُرَاغَمَ هو موضِعُ المراغَمَةِ، فلو هاجر أَحَدٌ من هؤلاءِ المَحْبُوسِين بمكَّةَ، لأرْغَمَ أنُوفَ قريشٍ بحصوله في مَنَعَةٍ منهم، فتلكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المراغَمَةِ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: السَّعَةُ هنا هي السَّعَةُ في الرِّزْقِ، وقال مالك: السَّعة: سَعَةُ البلاد. قال * ع *: وهذا هو المُشَبِهُ للفصاحة؛ أنْ يريد سعة الأرْضِ؛ وبذلك تكونُ السَّعَةُ في الرِّزْق، وٱتِّسَاعُ الصَّدْرِ، وغيرُ ذلك من وجوه الفَرَجِ، وهذا المعنَىٰ ظاهرٌ من قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً}. قال مالكُ بْنُ أَنَسٍ (رحمه اللَّه): الآية تُعْطِي أنَّ كلَّ مسلمٍ ينبغي لَهُ أنْ يَخْرُجُ من البلادِ الَّتي تُغَيَّرُ فيها السُّنَنُ، ويُعْمَلُ فيها بغَيْر الحَقِّ. وقوله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ...} الآية حُكْمُ هذه الآية باقٍ في الجهَادِ، والمَشْيِ إلى الصلاةِ، والحَجِّ، ونحوِهِ، قلْتُ: وفي البابِ حديثٌ عن أبي أُمَامَةَ، وسيأتِي عند قوله تعالى: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [النور:61]. قال * ع *: والآية نزلَتْ بسبب رَجُلٍ من كِنَانَةَ، وقيلَ: من خُزَاعَةَ، اسمه ضَمْرَةُ في قولِ الأكْثَرِ؛ لما سمع قَوْلَ اللَّه تعالَى: الَّذِينَ {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} قال: إنِّي لَذُو مَالٍ وَعَبِيدٍ، وَكَانَ مَرِيضاً، فَقَالَ: أَخْرِجُونِي إلَى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ فِي سَرِيرٍ، فَأَدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيةُ بسببه. قال * ع *: ومِنْ هذه الآية رَأَىٰ بعضُ العلماء أنَّ مَنْ مات من المسلمين، وقد خَرَجَ غازياً، فله سَهْمُهُ من الغنيمة، قَاسُوا ذلك علَى الأجْرِ، وَوَقَعَ: عبارةٌ عن الثُّبُوتِ، وكذلك هِيَ «وَجَبَ»؛ لأنَّ الوقوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرَامِ بقوَّة، فشبه لازم المعانِي بذلك، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : لما ذَكَر - [تعالى] - ثواب من أقْدَم على الجِهَاد، أتْبَعَه بِعِقَاب من قَعَدَ عَنْهُ ورضي بالسُّكُون في دَارِ الحَرْبِ. قوله: "توفَّاهم" يجوز أن يكون مَاضِِياً، وإنما لم تَلْحَق علامة التَّأنيث للفعل؛ لأن التأنيث مَجَازِيّ؛ ويدلُّ على كونه فعلاً مَاضِياً قِرَاءَةُ "تَوَفتهُم" بتاء التأنيث. قال الفرَّاء: ويكون مثل قوله: {أية : إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} تفسير : [البقرة: 70] فيكون إخْبَاراً عن حَالِ أقْوَام معيَّنين، انْقَرَضُوا ومضوا ويجوز أن يَكُون مُضَارعاً حُذِفَتْ إحدى التَّاءَيْن تَخفيفاً مِنْه، والأصل: تتوَفَّاهُم، وعلى هذا تكُون الآيةُ عامَّة في حقِّ كلِّ من كان بهذه الصِّفَة. و "ظَالِمي" حالٌ من ضَمِير "تَوَفَّاهُم"، والإضافة غير محضة؛ إذ الأصْل: ظَالِمين أنفُسِهم؛ لأنه وإن أُضِيف إلى المَعرِفَةِ، إلا أنه نَكِرةٌ في الحَقِيقة؛ لأن المَعْنَى على الانْفِصَال؛ كأنه قيل: الظَّالِمِين أنْفُسهم، إلا أنَّهم لما حَذَفُوا [النُّون] طلباً للخِفة، واسْم الفَاعِل سواء أُرِيد به الحَالُ أو الاستِقْبَال، فقد يكُون مفصُولاً في المَعْنَى وإن كان مَوْصُولاً في اللَّفْظِ؛ فهو كقوله - تعالى -: {أية : هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} تفسير : [الأحقاف: 24]، و {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95]، {أية : ثَانِيَ عِطْفِهِ} تفسير : [الحج: 9] والتقدير: مُمْطِر لَنَا وبَالِغاً للكَعْبَةِ وثانِياً عِطْفه، والإضافة في هَذِهِ المَوَاضع لَفْظِيَّة لا مَعْنَوِيَّة. وفي خبر "إنَّ" هذه ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنه مَحْذُوفٌ، تقديُره: إنَّ الذين توفَّاهُم الملائكةُ هَلَكُوا، ويكون قوله: "قالوا: فيم كنتم" مبيِّناً لتلك الجُمْلَةِ المَحْذُوفة. الثاني: أنه {فأولئك مأواهم جهنم} ودخلت الفَاءُ زائدة في الخَبَر؛ تشبيهاً للموصُول باسم الشَّرْط، ولم تمنع "إنَّ" من ذَلِك، والأخْفَش يَمْنَعُه، وعلى هذا فَيَكُون قوله: "قالوا: فيم كنتم" إمَّا صفةً لـ "ظَالِمِي"، أو حالاً للملائكة، و "قد" مَعَه مقدَّرَةٌ عند مَنْ يشتَرِط ذلك، وعلى القول بالصِّفَة، فالعَائِد محذوف، أي: ظالمين أنْفُسَهم قَائِلاً لهم المَلاَئِكَة. والثالث: أنه {قالوا فيم كنتم}، ولا بد من تَقْدِيرِ العَائِد أيْضاً، أي: قالوا لَهُم كذا، و "فيم" خَبَرَ "كُنْتُم"، وهي "ما" الاستِفْهَامِيَّة حُذِفَت ألِفُها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك عند قوله: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 91]، والجُمْلَة من قوله: "فيم كنتم" في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ، و "في الأرض" متعلقٌ بـ "مُسْتَضْعَفِين"، ولا يجوز أن يكُون "في الأرْضِ" هو الخَبَر، و "مُسْتَضْعَفِين" حالاً، كما يَجُوز ذلك في نَحْو: "كان زيدٌ قائَماً في الدَّارِ" لعدمِ الفَائدة في هذا الخَبَر. فصل في معنى التَّوَفِّي في هذا التَّوفِّي قولان: الأول: قول الجُمْهُور، معناه تُقْبَض أرْوَاحهم عند الموْتِ. فإن قيل: كيف الجَمْع بَيْنَه وبين قوله - تعالى -: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42]، {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] وبين قوله {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة: 11]. فالجواب: خالق الموت هو الله - تعالى -، والمُفَوَّض إليه هذا العمل هو مَلك المَوْت وسَائِر الملائكة أعْوانه. الثاني: توفَّاهم الملائِكة، يعني: يَحْشُرونهم إلى النَّارِ، قاله الحَسَن. فصل الظُّلْم قد يُراد به الكُفْر؛ كقوله - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]، وقد يرادُ به المَعْصِيَة؛ كقوله: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} تفسير : [فاطر: 32]، وفي المراد بالظُّلْمِ هَهُنَا قَوْلان: الأول: قال بَعْضُ المُفَسِّرين: نزلت في نَاسٍ من أهْلِ مَكَّة، تكلَّمُوا بالإسْلام ولم يُهَاجِرُوا منهم: قَيْس بن الفاكه بن المُغيرَة، وقَيْس بن الوَليد وأشْبَاهُهُمَا، فلما خَرَج المُشْرِكُون إلى بَدْر، خرجوا مَعَهُم، فقاتَلُوا مع الكُفَّار وعلى هذا أراد بِظُلْمِهِم أنْفُسَهُم: إقامَتَهُم في دَارِ الكُفْرِ، وقوله - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي: ملك المَوْتِ وأعْوَانِهِ، أو أراد مَلَك المَوْتِ وَحْدَه؛ لقوله - تعالى -: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة: 11] والعَرَبُ قد تُخَاطِب الوَاحِد بلَفْظ الجَمْع. الثاني: أنها نَزَلَت في قَوْم من المُنَافِقِين، كانوا يُظْهِرُون الإيمان للمُؤمِنِين خوفاً، فإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِم، أظْهَرُوا لهم الكُفْر، ولا يُهَاجِرُون إلى المَدِينَةِ. وقوله: {قالوا فيم كنتم} من أمْرِ دينكُم، وقيل: فيم كُنْتُم من حَرْب أعْدَائه، وقيل: لما تركتم الجِهَاد ورَضِيتُم بالسُّكُون دَارِ الكُفَّار؛ لأن الله - تعالى - لم يَكُن يَقْبَل الإسلام بعد هِجْرَةَ النَّبي صلى الله عليه وسلم إلا بالهِجْرَة، ثم نَسَخَ ذلك بَعْدَ فَتْحِ مكَّة بقوله "لا هِجْرَة بَعْدَ الفَتْح" وهؤلاء قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وضرَبَت الملائكةُ وجوهَهُم وأدْبَارَهُم، وقَالُوا لهم: فيم كُنْتُم؟ ["قالوا كُنَّا"] أي: في ماذا كُنْتُم أو في أيِّ الفَرِيقَيِْن كنتم؟ أفي المُسْلِمين أو في المُشْرِكِين؟ سُؤال توبيخ وتَقْرِيع، فاعتذروا بالضَّعْف عن مُقَاوَمَة المُشْرِكِين، {وقالوا كنا مستضعفين} عَاجِزين، "في الأرْضِ" يعني: أرْضَ مَكَّة. فإن قيل: كان حَقُّ الجَوَاب أن يَقُولوا: كنا في كَذَا وكذا، ولم نكُن في شَيْء. فالجَواب: أن مَعْنَى "فِيمَ كُنْتُم": التَّوْبِيخ، بأنهم لم يَكُونوا في شَيْءٍ من الدِّين، حَيْثُ قَدَرُوا على المُهَاجَرَة ولم يُهَاجِرُوا فقالوا: كُنَّا مستَضْعَفِين اعْتِذاراً عمَّا وُبَّخُوا بِه، واعتِلالاً بأنَّهم ما كَانُوا قادِرِينِ على المُهَاجَرة، ثم إنّ المَلاَئِكَة لم يَقْبَلُوا منهم هذا العُذْر؛ بل ردُّوه عَلَيْهِم، فقالوا: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} يعني أنكم كنتم قادرين على الخُرُوجِ من مَكَّة إلى بَعْضِ البِلاَدِ التي لا تُمْنَعُون فيها من إظْهَار دِينكُم، فبقيتم بين الكُفَّار لا للعجز عن مُفَارَقَتِهِم، بل مع القُدْرَة على المُفَارَقَة. فصل وقد ورد لَفْظُ الأرْض على ثَمَانِية أوْجُه: الأول: الأرض المَعْرُوفة. الثاني: أرْضُ المَدِينة، قال الله - تعالى -: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}. الثالث: أرض مَكَّة؛ قال - تعالى - [{قَالُواْ] كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: بمكَّة. الرابع: أرْض مِصْر؛ قال - تعالى - {أية : فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الإسراء: 103]. الخامس: أرض الجَنَّة؛ قال تعالى {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} تفسير : [الزمر: 74]. السادس: بُطُون النِّساء؛ قال - تعالى -: {أية : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} تفسير : [الأحزاب: 27] يعني: النساء. السابع: الرحمة؛ قال - تعالى -: {أية : لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} تفسير : [الزمر: 10]، وقوله - تعالى -: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} تفسير : [العنكبوت: 56] أي رحْمَتِي. الثامن: القَلْب؛ قال - تعالى -: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} تفسير : [الحديد: 17]، أي: يحيى القُلُوب بعد قَسْوَتِها. قوله: "فتُهاجِرُوا" مَنْصُوبٌ في جَوابِ الاسْتِفْهَام. وقال أبو البَقَاء: "ألَمْ تَكُنْ" استِفْهام بمعنى التَّوْبِيخ، "فتُهَاجِرُوا" مَنْصُوبٌ على جواب الاستفهام؛ لأنَّ النَّفْي صار إثْبَاتاً بالاستفهَام. انتهى. قوله: "لأنَّ النَّفْي" إلى آخره لا يَظْهَر تَعْلِيلاً لقوله: "مَنْصُوبٌ على جواب الاستِفْهَام"؛ لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه عِلّةً لقوله: "بمَعْنَى التَّوْبيخ"، و ["ساءت"]: قد تَقَدَّم القول في "سَاء"، وأنها تَجْرِي مَجْرى "بِئْس" فيُشْترط في فاعلها ما يُشْتَرَط فَاعِلِ تيك، و "مصيراً": تَمْيِِيز. وكما بَيَّن عَدَم عُذْرِهِم، ذكر وعيدَهُم، فقال: {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} [أي:] بِئْس المَصِير إلى جَهَنَّم، ثم استَثْنى فقال: "إلا المستضعفين": في هذا الاستثناءِ قولان: أحدُهُما: أنه متصلٌ، والمسْتَثْنَى منه قوله: {فأولئك مأواهم جهنم}، والضمير يعودُ على المُتوفَّيْن ظَالِمِي أنْفُسِهم، قال هذا القَائِل: كأنه قيل: فأولئك في جَهَنَّم إلا المُسْتَضْعَفين، فعلى هذَا يَكُون هذا استِثْنَاء مُتَّصلاً. والثاني - وهو الصَّحيح -: أنه مُنْقَطِعٌ؛ لأن الضَّمير في "مَأواهُم" عائدٌ على قوله: {إن الذين توفاهم}، وهؤلاء المُتوفَّوْن: إمَّا كُفَّارٌ أو عُصَاة بالتَّخَلُّف، على ما قال المفَسِّرون، [وهم] قادرون على الهِجْرَة، فلم يندرجْ فيهم المُسْتَضْعَفُون فكان مُنْقَطِعاً، و "مِنْ الرِّجَال" حالٌ من المُسْتَضْعَفِين، أو من الضَّمِير المستتر فيهم، فيتعلَّقُ بمَحْذُوف. قوله: {لا يستطيعون حيلة} في هذه الجُمْلَة أرْبَعة أوجه: أحدها: أنَّها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: ما وَجْهُ استِضْعَافِهم؟ فقيل: كذا. والثاني: أنها حالٌ. قال أبو البَقَاء: "حالٌ مبيِّنة عن مَعْنَى الاستِضْعَاف"، قال شهاب الدين: كأنَّه يُشِير إلى المَعْنَى المتقدِّم في كونها جَوَاباً لسُؤال مُقَدَّر. الثالث: أنها مفسِّرةٌ لنفسِ المُسْتَضْعَفِين؛ لأنَّ وجوه الاستِضْعَاف كثيرة، فبيَّن بأحد مُحْتَمَلاته، كأنه قيل: إلا الذين استُضْعِفُوا بسبب عَجْزِهم عن كذا وكذا. الرابع: أنها صِفَة للمُسْتَضْعَفِين أو للرِّجَال ومن بَعْدَهم، ذكره الزمخشري، وعبارة البيضاوي أنه صِفَة للمُسْتَضْعَفِين؛ إذ لا تَرْقِية فِيِهِ، أي: لا تعيُّن فيه، فكأنه نكِرةٌ، فَصَحَّ وَصْفُهُ بالجُمْلَة. انتهى ما ذكرنا. واعتذر عن وصف ما عُرِّف بالألف واللام بالجُمَل التي في حُكم النَّكِرَات، بأن المُعَرَّف بِهِما لمَّا لم يكن مُعَيَّناً، جاز ذلك فيه، كقوله: [الكامل] شعر : 1867- وَلَقَدْ أمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي .................... تفسير : وقد قَدَّمْتُ تَقْرير المَسْألةِ. فصل في معنى الآية المعنى: لا يقدرون على حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، إذا كان بِهِم مَرَضٌ، أو كانوا تَحْتَ قَهْر قَاهِرٍ يَمْنَعُهم من المُهَاجَرَة. وقوله: "[و] لا يهتدون سبيلاً" أي: لا يَعْرِفُونَ طريق الحقِّ، ولا يَجِدُون من يَدُلهُم على الطَّرِيق. قال مُجَاهد والسُّدِّي وغيرهما: المرادُ بالسَّبيل [هنا:] سبيل المَدِينَة. قال القُرْطُبِيّ: والصَّحِيح إنَّه عامٌّ في جَمِيع السُّبُل. روى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بهذه الآيَة [إلى] مسلمي مَكَّة، فقال جندب بن ضمرة لِبنيه: احْمِلُونِي فإني لَسْت من المُسْتَضْعَفِين، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيق، والله لا أبيتُ اللَّيْلَة بمكّة، فحملُوه على سَرِير مُتَوجِّهاً [إلى ] المدينة، وكان شيخاً كبيراً فَمَات في الطَّريق. فإن قيل: كَيْف أدْخَل الوِلْدَان في جملة المسْتَثْنين من أهْل الوَعِيد، فإن الاستِثْنَاء إنَّما يَحْسُن لو كَانُوا مستحِقِّين للوَعِيد على بَعْضِ الوُجُوه. قلنا: سُقُوط الوعيدِ إذا كان بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارة يَحْصُل بسبَبِ عَدَمِ الأهْبَةِ، وتارةً [يَحْصُل] بسبَبِ الصِّبَا، فلا جرم حَسُن هذا الاستِثْنَاء، هذا إذَا أريد بالوِلْدَان الأطْفَال، ويجُوز أن يُرَاد المُرَاهِقُون منهم، الَّذيِن كَمُلَت عُقُولُهم، فتوجَّه التَّكْلِيف نَحْوَهُم فيما بَيْنَهُم [وبين الله]، وإن أريد العَبِيدُ والإمَاءُ البَالِغُون، فلا سُؤال. قوله: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} وفيه سُؤالان: أحدهما: أن القَوْمَ [لما] كانوا عَاجِزِين عن الهِجْرَة، والعَاجِز عن الشَّيْء غير مُكَلَّف له، وإذا لم يَكُن مُكَلَّفاً، لم يكن عَلَيْهِ في تَرْكه عُقُوبَة، فلم قال: {عسى الله أن يعفو عنهم} والعفو لا يتصَوَّر إلاَّ مع الذَّنْبِ، وأيضاً: "عَسَى" كلمة إطْمَاع، وهذا يَقْتَضِي عدم القَطْعِ بحُصُول العَفْوِ. فالجواب عن الأول: أن المُسْتَضْعَف قد يكُون قَادِراً على ذَلِكَ الشَّيْء مع ضرْبٍ من المَشَقَّة، وتمييز الضَّعْف الذي يَحْصُل عنده الرُّخْصة عند الحَدِّ الذي لا يَحْصُل عنده الرُّخْصَة شاقٌّ، فربما ظَنَّ الإنْسَان أنَّه عاجز عن المُهَاجَرة، ولا يكون كَذَلِكَ، ولا سِيَّمَا في الهِجْرة عن الوَطَنِ؛ فإنها شَاقَّة على النَّفْس، وبسبب شِدَّة النَّفْرَة قد يظن الإنْسَان كونه عَاجِزاً، مع أنَّه لا يكُون كذلك، فلهذا المَعْنَى كانت الحَاجَة في العَفْو شَدِيدة في هَذَا المقَامِ. السؤال الثاني: ما فَائِدة ذكْر لَفْظَة "عَسَى" هَهُنا؟ فالجواب: لأن فيها دَلاَلَة على [أن] ترك الهِجْرَة أمر مُضَيّق لا تَوْسِعة فيه، حتى أن المُضْطَر البَيِّن الاضْطِرَار من حَقِّه أن يقُول: عسى الله أن يَعْفُو عني، فكيف الحال في غَيْرِه، ذكره الزَّمَخْشَرِي. قال ابن الخَطِيب: والأولى أن يكون الجَوَاب ما تَقَدَّم من أن الإنْسَان لشدة نُفْرَته عن مُفَارَقََة الوَطَن، رُبَّما ظَنَّ نَفْسَه عَاجِزاً عنها مع أنه لا يَكُون كَذَلِك، فلهذا المَعْنَى ذكر العَفْوَ بكلمة "عَسَى" لا بالكَلِمَة الدَّالَّة على القَطْع. قال المفَسِّرُون: وكلمة "عَسَى" من اللَّه وَاجِبٌ؛ لأنه للإطْمَاع، والله - تعالى - إذا أطْمَعَ عَبْدَه أوْصَلَه إليه. ثم قال: {وكان الله غفوراً رحيماً}. ذكر الزَّجَّاج في كان ثلاثة أوجه: الأول: "كان" قَبْل أن خلق الخَلْق مَوْصُوفَاً بِهَذِه الصِّفَةِ. الثاني: كان مع جَمِيع العِبَاد بِهذه الصِّفَة، والمقصود بَيَان أن هذا عَادَة الله أجْرَاها في حَقِّ خلقه. الثالث: أنه - تعالى - لو قال: "عفو غفور" كان هذا إخْبَاراً عن كَوْنِهِ كذلك فقط، ولمَّا قال: إنَّه كان كَذَلِكَ، فهذا إخْبَار وقع بِخَبَرِه على وَقْفِهِ، فكان ذلك أدلَّ على كونه صِدْقاً [وحَقّاً] ومُبَرَّأ عن الكَذِب. وقال ابن عباس: كُنْتُ أنا وأمِّي ممن عَذَرَ اللَّهُ [يعني]: من المستَضْعَفِيِن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدْعُو لهؤلاءِ المسْتَضْعَفِين. حديث : روى أبو هُرَيْرَة؛ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سَمِع الله لِمَنْ حَمِدَه في الرَّكْعَة الأخيرة [من صَلاَةِ العِشَاء] قنت: اللَّهمُ أنْجِ عيَّاش بن أبي رَبِيعَة، اللَّهُم أنْجِ الوليدَ بن الوليدَ، اللَّهُمَّ أنْج المسْتَضعَفِين من المؤمنين، اللهم اشْدُدْ وطْأتَكَ على مُضَر، اللهم اجْعَلْهَا عليهم سِنين كسِنِي يُوسُف.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس. أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتي السهم يرمي به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل. فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة اسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت هذه الآية {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى آخر الآية. قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية وأنه لا عذر لهم فخرجوا، فلحقهم المشركون فاعطوهم الفتنة، فأنزلت فيهم هذه الآية {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} تفسير : [العنكبوت: 10] إلى آخر الآية. فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، فنزلت فيهم {أية : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} تفسير : [النحل: 110] فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن عكرمة في قوله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم} إلى قوله {وساءت مصيراً} قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن منية بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف. قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبان كارهين، كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفاراً ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق في قوله {إن الذين توفاهم الملائكة} قال: هم خمسة فتية من قريش: علي بن أمية، وأبو قيس بن الفاكه، وزمعة بن الأسود، وأبو العاصي بن منية بن الحجاج. قال: ونسيت الخامس. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: هم قوم تخلفوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا أن يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ضربت الملائكة وجهه ودبره. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كان قوم بمكة قد أسلموا، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا، فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله {إلا المستضعفين}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: هم أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يوم بدر فيمن أصيب. فأنزل الله فيهم هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال:حديث : لما أسر العباس، وعقيل، ونوفل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"افد نفسك وابن أخيك. قال: يا رسول الله ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم ثم تلا عليه هذه الآية {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} "تفسير : فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر {إلا المستضعفين} الذين {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً} حيلة في المال، والسبيل الطريق. قال ابن عباس: كنت أنا منهم من الولدان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: حدثت أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدو الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم، وقوله {إلا المستضعفين} قال: أناس من أهل مكة عذرهم الله فاستثناهم. قال: وكان ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء، في كفار قريش. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال "لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهروا ونبع الإيمان نبع النفاق معه فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال فقالوا: يا رسول الله لولا أنا نخاف هؤلاء القوم يعذبونا، ويفعلون ويفعلون لأسلمنا، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكانوا يقولون ذلك له، فلما كان يوم بدر قام المشركون فقالوا: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره، واستبحنا ماله. فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي صلى الله عليه وسلم معهم، فقتلت طائفة منهم وأسرت طائفة، قال: فأما الذين قتلوا فهم الذين قال الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية كلها {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} وتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم {أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} ثم عذر الله أهل الصدق فقال {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً} يتوجهون له لو خرجوا لهلكوا {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} اقامتهم بين ظهري المشركين. وقال الذين أسروا: يا رسول الله انك تعلم انا كنا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأن هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفاً؟ فقال الله {أية : يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم} تفسير : [الأنفال: 70] صنيعكم الذي صنعتم خروجكم مع المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم. {أية : وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل} تفسير : [الأنفال: 71] خرجوا مع المشركين فأمكن منهم". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. أنا من الولدان، وأمي من النساء. وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه تلا {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانو يدعو في دبر كل صلاة: اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ". تفسير : وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "حديث : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده. ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله {إلا المستضعفين} يعني الشيخ الكبير، والعجوز، والجواري الصغار، والغلمان. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن يحيى قال: "حديث : مكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع، وكان يقول في قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، والعاصي بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين بمكة الذين {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً} ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال {الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله {وساءت مصيراً} قال: كانوا قوماً من المسلمين بمكة، فخرجوا مع قومهم من المشركين في قتال، فقتلوا معهم، فنزلت هذه الآية {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} فعذر الله أهل العذر منهم، وهلك من لا عذر له قال ابن عباس: وكنت أنا وأمي ممن كان له عذر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {لا يستطيعون حيلة} قوة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {لا يستطيعون حيلة} قال: نهوضاً إلى المدينة {ولا يهتدون سبيلاً} طريقاً إلى المدينة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {ولا يهتدون سبيلاً} طريقاً إلى المدينة. والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} بـيانٌ لحال القاعدين عن الهجرة بعد بـيانِ حالِ القاعدين عن الجهاد، وتوفاهم يحتمل أن يكون ماضياً ويؤيده قراءةُ من قرأ توفتْهم وأن يكون مضارعاً قد حُذف منه إحدى التاءينِ وأصلُه تتوفاهم على حكاية الحالِ الماضيةِ والقصدِ إلى استحضار صورتِها، ويعضُده قراءةُ من قرأ تُوَفاهم على مضارع وُفِّيَتْ بمعنى أن الله تعالى يُوفيّ الملائكةَ أنفسِهم فيتوفّونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ} حالٌ من ضمير تَوَفاهم فإنه وإن كان مضافاً إلى المعرفة إلا أنه نكرةٌ في الحقيقة لأن المعنى على الانفصال وإن كان موصولاً في اللفظ كما في قوله تعالى: {أية : غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ } تفسير : [المائدة، الآية 1] و{أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ }تفسير : [المائدة، الآية 95] و{أية : ثَانِىَ عِطْفِهِ } تفسير : [الحج، الآية 9] أي مُحلّين الصّيدَ وبالغاً الكعبةَ وثانياً عِطْفَه كأنه قيل: ظالمين أنفسَهم وذلك بترك الهجرةِ واختيارِ مجاورةِ الكفارِ الموجبةِ للإخلال بأمور الدينِ فإنها نزلت في ناس من أهل مكةَ قد أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ فريضة {قَالُواْ} أي الملائكةُ للمُتوفَّيْن تقريراً لهم بتقصيرهم في إظهار إسلامِهم وإقامةِ أحكامِه من الصلاة ونحوها وتوبـيخاً لهم بذلك {فِيمَ كُنتُمْ} أي في أي شيءٍ كنتم من أمور دينِكم {قَالُواْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية سؤالِ الملائكةِ، كأنه قيل: فماذا قالوا في الجواب؟ فقيل: قالوا: متجانِفين عن الإقرار الصريحِ بما هم فيه من التقصير متعلِّلين بما يوجبه على زعمهم {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلأَرْضِ} أي في أرض مكةَ عاجزين عن القيام بمواجب الدينِ فيما بـين أهلِها {قَالُواْ} إبطالاً لتعللهم وتبكيتاً لهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا} إلى قطر منها تقدِرون فيه على إقامة أمورِ الدينِ كما فعله من هاجر إلى المدينة وإلى الحبشة، وأما حملُ تعلُّلِهم على إظهار العجزِ عن الهجرة وجعلُ جوابِ الملائكةِ تكذيباً لهم في ذلك فيرده أن سببَ العجز عنها لا ينحصر في فُقدان دار الهجرةِ بل قد يكون لعدم الاستطاعةِ للخروج بسبب الفقرِ أو لعدم تمكينِ الكفَرة منه فلا يكون بـيانُ سعةِ الأرضِ تكذيباً لهم ورداً عليهم بل لا بد من بـيان استطاعتِهم أيضاً حتى يتم التبكيتُ، وقيل: كانت الطائفةُ المذكورةُ قد خرجت مع المشركين إلى بدرٍ منهم قيسُ بنُ الفاكِهِ بنِ المغيرةِ وقيسُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة وأشباهُهما فقُتلوا فيها فضَرَبت الملائكةُ وجوهَهم وأدبارَهم، وقالوا لهم ما قالوا فيكون ذلك منهم تقريعاً وتوبـيخاً لهم بما كانوا فيه من مساعدة الكَفَرةِ وانتظامِهم في عسكرهم، ويكون جوابُهم بالاستضعاف تعلّلاً بأنهم مقهورين تحت أيديهم وأنهم أَخرجوهم كارهين فرُدَّ عليهم بأنهم كانوا بسبـيل من الخلاص عن قهرهم متمكّنين من المهاجرة {فَأُوْلَـئِكَ} الذين حُكِيت أحوالُهم الفظيعةُ {مَأْوَاهُمْ} أي في الآخرة {جَهَنَّمُ} كما أن مأواهم في الدنيا دارُ الكفرِ لتركهم الفريضةَ المحتومةَ فمأواهم مبتدأٌ وجهنمُ خبرُه، والجملةُ خبرٌ لأولئك، وهذه الجملةُ خبرُ إن والفاءُ فيه لتضمُّن اسمِها معنى الشرطِ، وقولُه تعالى: {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} [النساء، الآية: 97] حالٌ من الملائكة بإضمار قد عند من يشترطه، أو هو الخبرُ والعائدُ منه محذوفٌ أي قالوا لهم، والجملةُ المصدرةُ بالفاء معطوفةٌ عليه مستنتَجَةٌ منه ومما في حيّزه {وَسَاءتْ مَصِيراً} أي مصيراً لهم أي جهنم، وفي الآية الكريمةِ إرشادٌ إلى وجوب المهاجرةِ من موضع لا يتمكن الرجلُ من إقامة أمورِ دينِه بأي سبب كان، وعن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ فرَّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شِبْراً من الأرض استوجَبتْ له الجنة وكان رفيقَ أبـيه إبراهيمَ ونبـيِّه محمدٍ عليهما الصلاة والسلام«
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} [الآية: 97]. حدثنا محمد بن عبد الله بن شاذان قال: حدثنا زيد بن عبد الله الرومى بمصر قال: سمعت عبد الله بن حُبيق قال: سمعت يوسف بن أسباط قال: سمعت الهندى يقول: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه على بن الحسين عن أبيه قال: سمعت على بن أبى طالب عليه السلام يقول: ليس بين أحدكم وبين أرض نسب فخير البلاد ما حملكم.
القشيري
تفسير : الإشارة منه إلى من أدركه الأجلُ وهو في أسْر نَفْسه وفي رِقِّ شهواته - ليس له عذر حيث لم يهاجر إلى ظِلِّ قُربته ليتخلَّصَ مِنْ هوى نفسِه إذ لا حجابَ بينك وبين هذا الحديث إلا هواك.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين توفاهم الملائكة} يحتمل ان يكون ماضيا فيكون اخبارا عن احوال قوم معينين انقرضوا ومضوا وان يكون مضارعا قد حذف منه احدى التاءين واصله تتوفاهم وعلى هذا تكون الآية عامة فى حق كل من كان بهذه الصفة والظاهر ان لفظ المضارع ههنا على حكاية الحال الماضية والقصد الى استحضار صورتها بشهادة كون خبر انّ فعلا ماضيا وهو قالوا والمراد بتوفى الملائكة اياهم قبض ارواحهم عند الموت والملك الذى فوض اليه هذا العمل هو ملك الموت وله اعوان من الملائكة واسناد التوفى الى الله تعالى فى قوله {أية : الله يتوفى الانفس} تفسير : [الزمر: 42]. وفى قوله {أية : قل الله يحييكم ثم يميتكم} تفسير : [الجاثية: 26]. مبنى على ان خالق الموت هو الله تعالى {ظالمى انفسهم} فى حال ظلمهم انفسهم بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفرة الموجبة للاخلال بامور الدين فانها نزلت فى ناس من مكة قد اسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة فانه تعالى لم يكن يقبل الاسلام بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم الى المدينة الا بالهجرة اليها ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله عليه السلام "لا هجرة بعد الفتح" قال الله تعالى فيمن آمن وترك الهجرة {الذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا} وهو حال من ضمير توفاهم فانه وان كان مضافا الى المعرفة وحق الحال ان يكون نكرة الا ان اصله ظالمين انفسهم فتكون الاضافة لفظية {قالوا} اى الملائكة للمتوفين تقريرا لهم بتقصيرهم فى اظهار اسلامهم واقامة احكامه من الصلاة ونحوها وتوبيخا لهم بذلك {فيم كنتم} اى فى أى شىء كنتم من امور دينكم كأنه قيل فماذا قالوا فى الجواب فقيل {قالوا} متجانفين عن الاقرار الصريح بما هم فيه من التقصير متعللين بما يوجبه على زعمهم {كنا مستضعفين فى الارض} اى فى ارض مكة عاجزين عن القيام بمواجب الدين فيما بين اهلها {قالوا} ابطالا لتعللهم وتبكيتا لهم {ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها} الى قطر آخر منها تقدرون فيه على اقامة امور الدين كما فعله من هاجر الى المدينة والى الحبشة وقيل كانت الطائفة المذكورة قد خرجوا مع المشركين الى بدر فقتلوا فيها فضربت الملائكة وجوههم وادبارهم وقالوا لهم ما قالوا فيكون ذلك منهم تقريعا لهم وتوبيخا لهم بما كانوا فيه من مساعدة الكفرة بانتظامهم فى عسكرهم ويكون جوابهم بالاستضعاف تعللا بانهم كانوا مقهورين تحت ايديهم وانهم اخرجوهم اى الى بدر كارهين فرد عليهم بانهم كانوا بسبيل من الخلاص من قهرهم متمكنين من المهاجرة {فاولئك} الذين حكيت احوالهم الفظيعة {مأواهم} اى فى الآخرة {جهنم} كما ان مأواهم فى الدنيا دار الكفر لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار وكون جهنم مأواهم نتيجة لما قبله وهو الجملة الدالة على ان لا عذر لهم فى ذلك اصلا فعطف عليه عطف جملة على اخرى {وساءت مصيرا} مصيرهم جهنم {الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} الاستثناء منقطع فان المتوفين ظالمين انفسهم اما مرتدون او عصاة بتركهم الهجرة مع القدرة عليها وهؤلاء المستضعفون اى المستذلون المقهورون تحت ايدى الكفار ليسوا بقادرين عليها فلم يدخلوا فيهم فكان الاستثناء منقطعا والجار والمجرور حال من المستضعفين اى كائنين منهم. فان قلت المستثنى المنقطع وان لم يكن داخلا فى المستثنى منه لكن لا بد ان يتوهم دخوله فى حكم المستثنى منه ومن المعلوم ان لا يتوهم دخول الاطفال فى الحكم السابق وهو كون مأواهم جهنم فكيف ذكر فى عداد المستثنى. قلت للمبالغة فى التحذير من ترك الهجرة وايهام انها لو استطاعها غير المكلفين لوجبت عليهم والاشعار بانه لا محيص لهم عنها البتة تجب عليهم اذا بلغوا حتى كأنها واجبة عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا وان قوامهم يجب عليهم ان يهاجروا بهم متى امكنت {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} صفة للمستضعفين اذ لا توقيت فيه فيكون فى حكم المنكر واستطاعة الحيلة وجد ان اسباب الهجرة وما تتوقف عليه واهتداء السبيل معرفة طريق الموضع المهاجر اليه بنفسه او بدليل {فاولئك} اشارة الى ان المستضعفين الموصوفين بما ذكر من صفات العجز {عسى الله ان يعفو عنهم} ذكر بكلمة الاطماع ولفظ العفو ايذانا بان ترك الهجرة امر خطير حتى ان المضطر من حقه ان لا يأمن ويترصد الفرصة ويعلق بها قلبه {وكان الله عفوا غفورا} معنى كونه عفوا صفحه واعراضه عن العقوبة ومعنى كونه غفورا ستر القبائح والذنوب فى الدنيا والآخرة فهو كامل العفو تام الغفران: قال السعدى قدس سره شعر : بس برده بيند عملهاى بد هم اوبرده بوشد ببالاى خود تفسير : وفى الآية الكريمة ارشاد الى وجوب المهاجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من اقامة امور دينه بأى سبب كان. وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : من فر بدينه من ارض الى ارض وان كان شبرا من الارض استوجبت له الجنة وكان رفيق ابيه ابراهيم ونبيه محمد عليه السلام ". تفسير : قال الحدادى فى تفسيره فى قوله تعالى {ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها} دليل انه لا عذر لاحد فى المقام على المعصية فى بلده لاجل المال والولد والاهل بل ينبغى ان يفارق وطنه ان لم يمكنه اظهار الحق فيه ولهذا روى عن سعد بن جبير انه قال اذا عمل بالمعاصى بارض فاخرج منها شعر : سعد يا حب وطن كرجه حديث است صحيح نتوان مرد بسختى كه من انيجاز آدم تفسير : والاشارة فى الآية ان المؤمن عام وخاص وخاص الخاص كقوله {أية : فمنهم ظالم لنفسه} تفسير : [فاطر: 32]. وهو العام {أية : ومنهم مقتصد} تفسير : [فاطر: 32]. وهو الخاص {أية : ومنهم سابق بالخيرات} تفسير : [فاطر: 32]. وهو خاص الخاص {فالذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم} هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدسيتها من غير تزكيتها عن اخلاقها الذميمة وتحليتها بالاخلاق الحميدة ليفلحوا فخابوا وخسروا كما قال تعالى {قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها} {قالوا فيم كنتم} اى قالت الملائكة حين قبضوا ارواحهم فى أى غفلة كنتم تضيعون اعماركم وتبطلون استعدادكم الفطرى وفى أى واد من اودية الهوى تهيمون وفى أى روضة من رياض الدنيا كنتم تؤثرون الفانى على الباقى وتنسون الطهور والساقى واخوانكم يجاهدون فى سبيل الله باموالهم وانفسهم ويهاجرون عن الاوطان ويفارقون الاخوان والاخدان {قالوا كنا مستضعفين فى الارض} اى عاجزين فى استيلاء النفس الامارة وغلبة الهوى مأسورى الشيطان فى حبس البشرية {قالوا ألم تكن ارض الله} اى ارض القلب {واسعة فتهاجروا فيها} فتخرجوا من مضيق ارض البشرية فتسلكوا فى فسحة عالم الروحانية بل تطيروا فى هواء الهوية {فاولئك} يعنى ظالمى أنفسهم {مأواهم جهنم} البعد عن مقامات القرب {وساءت مصيرا} جهنم البعد لتاركى القرب والمتقاعدين عن جهاد النفس {الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} الذى صفتهم {لا يستطيعون حيلة} فى الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ولا على قهر النفس وغلبة الهوى ولا على قمع الشيطان فى طلب الهدى {ولا يهتدون سبيلا} الى صاحب ولاية يتمسكون بعروته الوثقى ويعتصمون بحبل ارادته فى طلب المولى فيخرجهم من ظلمات ارض البشرية الى نور سماء الربوبية على اقدام العبودية وهم المقتصدون المشتاقون ولكنهم بحجب الانانية محجوبون ومن شهود جمال الحق محرومون فعذرهم بكرمه ووعدهم رحمته وقال {فاولئك عسى الله ان يعفو عنهم} السكون عن الله والركون الى غير الله {وكان الله} فى الازل {عفوا} ولعفوه امكنهم التقصير فى العبودية {غفورا} ولغفرانه امهلهم فى اعطاء حق الربوبية كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين} تتوفاهم {الملائكة} أي: مَلَك الموت وأعوانه، يعني: تَقبِضُ أرواحهم، {ظالمي أنفسهم} بترك الهجرة ومرافقة الكفرة، {قالوا} أي: الملائكة في توبيخهم: {فِيمَ كنتم} أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم: أعلى الشك أو اليقين؟ أو: في أي بلد كنتم: في دار الكفر أو الإسلام؟ {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} فعجزنا عن الهجرة وإظهار الدين خوفًا من المشركين، {قالوا} أي: الملائكة تكذيبًا لهم وتبكيتًا: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} إلى قطر آخر، كما فعل المهاجرين إلى الحبشة والمدينة، لكن حبستكم أموالُكم، وعزَّت عليكم أنفسكم، {فأولئك مأواهم جهنم} لتركهم الهجرة الواجبة في ذلك الوقت، ومساعدتهم الكفار على غزو المسلمين، {وساءت مصيرًا} أي: قبحت مصيرًا جهنم التي يصيرون إليها. نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يُهاجروا، فخرجوا يوم بدر مع المشركين فرأوا قلةَ المسلمين، فقالوا: غرَّ هؤلاء دينُهم، فقُتِلوا، فضربت الملائكة وجوهم وأدبارهم، كما يأتي، فلا تجوز الإقامة تحت حكم الكفر مع الاستطاعة، بل تجب الهجرة، ولا عذر في المقام، وإن منعه مانعٌ فلا يكون راضيًا بحاله مطمئنَ النفس بذلك، وإلا عمَّهُ البلاءُ، كما وقع لأهل الأندلس، حتى صار أولادُهم كفارًا والعياذ بالله، وكذلك لا تجوز الإقامة في موضعٍ تغلبُ فيه المعاصي وترك الدين. قال البيضاوي: في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن في الرجل من إقامة دينه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فرَّ بدينه من أرض، ولو كان شبرًا من الأرض، استَوجَبَ الجنة، وكان رفيقَ إبراهيم ومحمد ـ عليهما الصلاة والسلام "تفسير : . قلت: ويدخل فيه ـ على طريق الخصوص ـ من فرّ من موضع تكثر فيه الشهوات والعوائد، أو تكثر فيه العلائق والشواغل، إلى موضع يقلُّ فيه ذلك، طلبًا لصفاء قلبه ومعرفة ربه، بل هو أولى، ويكون رفيقاً لهما في حضرة القدس عند مليك مقتدر. والله تعالى أعلم. ثم استثنى مَن تَحَقَّق إسلامُه وحبسه العذر، فقال: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} أي: المماليك والصبيان، وفيه إشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة، فلا محيص عنها، وأن قومهم يجب أن يهاجروا بهم متى أمكنت الهجرة. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهماـ: " كنتُ أنا أبي وأُمي ممن استثنى الله بهذه الآية ". ثم وصفهم بقوله {لا يستطيعون حيلة} أي: قوة على ما يتوقف عليه السفر، من ركوب أو غيره، {ولا يهتدون سبيلاً} أي: لا يعرفون طريقًا، ولا يجدون دليلاً، {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم}. وعبَّر بحرف الرجاء إيذانًا بأنّ تركَ الهجرة أمرٌ خطير، حتى إن المضطر من حقه أن لا يأمن، ويترصد الفرصة، ويُعلِّقُ بها قلبه، {وكان الله غفورًا رحيمًا} فيعفو ويغفر لمن غلبه العذر. وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يتغلغل في علم الباطن، مات ظالمًا لنفسه، أي: باخسًا لها؛ لما فوَّتها من لذيذ الشهود، ومعرفة الملك المعبود، ولا يخلو باطنه من الإصرار على أمراض القلوب، التي هي من أكبر الذنوب، فإذا توفته الملائكة على هذه الحالة، قالت له: فيم كنتَ حتَّى لم تهاجر إلى من يُطهرك من العيوب، ويوصلك إلى حضرة علام الغيوب؟ فيقول: كنتُ من المستضعفين في علم اليقين، ولم أقدر على صحبة أهل عين اليقين وحق اليقين؛ حَبَسَنَي عنهم حُبُّ الأوطان، ومرافقة النساء والولدان. فيقال لهُ: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجر فيها إلى من يخلصك من الحجاب، وينفي عنك الشك والارتياب؟ فلا جرم أن مأواه سجن الأكوان، وحرمان الشهود والعيان، إلاَّ من أقر بوجود ضعفه، واضطر إلى مولاه في تخليصه من نفسه، فعسى ربه أن يعطف عليه، فيوصله إلى عارف من أوليائه، حتى يلتحق بأحبابه وأصفيائه، وما ذلك على الله بعزيز.
الطوسي
تفسير : هذه الآية نزلت في قوم أظهروا للنبي (صلى الله عليه وسلم) الاسلام بمكة، فلما هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) وهاجر أصحابه فتنوهم آباؤهم عن دينهم فافتتنوا وخرجوا مع المشركين يوم بدر فقتلوا كلهم. وقيل: انهم كانوا خمسة نفر. قال عكرمة: هم قيس بن الفاكة بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الاسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن ميتة بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف. وذكر أبو الجارود عن أبي جعفر (ع) مثله، فانزل الله فيهم الآيات. وقال (ع): ان الذين توفاهم الملائكة يعني قبض أرواحهم {ظالمي أنفسهم} نصب على الحال يعني في حال هم فيها ظالموا نفوسهم بمعنى بخسوها حقها من الثواب وأدخلوا عليها العقاب بفعل الكفر. وقالت لهم الملائكة {فيم كنتم} أي في أي شيء كنتم من دينكم على وجه التقرير لهم والتوبيخ لفعلهم {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، ويمنعونا من الايمان بالله واتباع رسوله على جهة الاعتذار فقالت لهم الملائكة {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} يعني فتخرجوا من أرضكم وداركم وتفارقوا من يمنعكم من الايمان بالله وبرسوله إلى أرض يمنعكم أهلها من أهل الشرك، فتوحدوه وتعبدوه وتتبعوا نبيه ثم قال تعالى {فأولئك مأواهم جهنم} يعني مسكنهم جهنم {وساءت} يعني جهنم لأهلها الذين صاروا إليها {مصيراً} وسكناً ثم استثنى من ذلك المستضعفين الذين استضفعهم المشركون {من الرجال والنساء والولدان} وهم الذين يعجزون عن الهجرة لاعسارهم وقلة حيلتهم {ولا يهتدون سبيلاً} يعني في الخلاص من مكة. وقيل معناه لا يهتدون لسوء معرفتهم بالطريق من أرضهم إلى أرض الاسلام استثنوا من جملة من أخبر أن مأواهم جهنم للعذر الذي هم فيه. ونصب المستضعفين بالاستثناء من الهاء والميم في قوله: {مأواهم جهنم} فقال تعالى: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} يعني لعل الله أن يعفو عنهم لما هم عليه من الفقر ويتفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة من حيث لم يتركوها اختياراً {وكان الله عفواً غفوراً} ومعناه لم يزل الله ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده بترك عقوبتهم على معاصيهم {غفوراً} ساتراً عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها. قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين. قال عكرمة وكان العباس منهم وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو في دبر صلاة الظهر اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن ربيعه وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وبالجملة التي ذكرناها قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وقتادة، والضحاك، وابن وهب، وابن جبير. وقوله: {توفاهم} يحتمل أن يكون فعلا ماضياً ويكون موضعه الفتح لأن الماضي مبني على الفتح. والثاني أن يكون رفعاً والمعنى تتوفاهم وقد حذف أحد التائين وقد بينا فيما مضي أن {عسى} من الله معناه الوجوب قال المغربي: ذكر {عسى} ها هنا تضعيف لأمر غيرهم كما يقول القائل ليت من أطاع الله سلم، فكيف من عصاه. ومثله قول الشاعر: شعر : ولم تر كافر نعمى نجا من السوء ليت نجا الشاكر تفسير : والتوفي هو الاحصاء قال الشاعر: شعر : إن بني أدرد ليسوا من أحد ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد ولا توفاهم قريش في العدد تفسير : بمعنى أحصاهم. والملائكة تتوفى. وملك الموت يتوفى. والله يتوفى. وما يفعله ملك الموت والملائكة يجوز أن يضاف إلى الله إذا فعلوه بأمره وما تفعله الملائكة جاز أن يضاف إلى ملك الموت، إذا فعلوه بامره.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّ السّامع لما سمع المغفرة والرّحمة للقاعد توهّم انّ القاعد بجميع اقسامه مرحوم وسأل ذلك كأنّه منكر لعذاب القاعد فقال تعالى مؤكّداً بانّ واسميّة الجملة دفعاً لهذا الوهم: انّ الّذين توفّاهم الملائكة {ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} بعدم الخروج من دار الشّرك الّتى هى نفوسهم الحيوانيّة مقصّرين كانوا كالّذين توعّدهم بكونهم اصحاب الجحيم، او قاصرين كالّذين اسثناهم الله. اعلم انّه تعالى اراد ان يبيّن اقسام العباد فى العبوديّة وعدمها بعد ما ذكر القاعدين والمجاهدين فانّهم امّا واقفون فى دار الشّرك الّتى هى نفوسهم الامّارة سواء كانوا فى دار الّشرك الصّوريّة ام فى دار الاسلام الصّوريّة وقد اشار اليهم بقوله: انّ الّذين توفّاهم الملائكة (الآية) او خارجون من بيوتهم الّتى هى بيوت طبائعهم ونفوسهم الامّارة فى طلب من اسلموا على يده ومن قبلوا الاحكام القالبيّة منه واشار اليهم بقوله: ومن يخرج من بيته مهاجراً، الآية، ولمّا كان المقصود ممّن يخرج من بيته الطّالب للاسلام لم يأت بقوله: فى سبيل الله، لانّه لم يكن بعد علىّ سبيل الله واتى بقوله الى الله ورسوله لعدم وصوله الى الرّسول (ص) بعد او مهاجرون على سبيل الله الى مراتب الايمان بالتّوسّل بالولاية بعد ما كانوا قد خرجوا عن نفوسهم الامّارة بقبول الدّعوة الظّاهرة وقبول الاسلام بالبيعة العامّة النّبويّة، وهؤلاء امّا مجاهدون او قاعدون عن الجهاد وقد اشار اليهما بقوله سابقاً: لا يستوى القاعدون، واشار اليهم بقوله: ومن يهاجر فى سبيل الله، ولم يقل: من يخرج لانّ المفروض انّهم قد خرجوا بقبول الاسلام، ولم يقل الى الله ورسوله لانّ المفروض انّهم قد خرجوا الى الله ورسوله وقبلوا الدّعوة الظّاهرة وقال فى سبيل الله لانّهم بقبولهم الاسلام كانوا فى سبيل الله لانّ الاسلام طريق الى الايمان. تحقيق توفّى الله وتوفىّ الملائكة والرّسل ووجه الجمع بين الآيات المختلفة فى توفّى الانفس بتوفّى الله وملك الموت والملائكة والرّسل لا يخفى على البصير فانّ العقل فى العالم الصّغير كالحقّ فى العالم الكبير، واذا لوحظ انّ للعقل جنوداً واعواناً ومدارك وقوىً لا يعصون ما امرهم العقل وهم بأمره يعملون وانّ امره للقوى والمشاعر امتثالها من غير تراخٍ وتأبّى، وفعلها كما انّه منسوب اليها حقيقةً منسوب الى العقل ايضاً حقيقةً من غير مجازٍ لاحدى النّسبتين او اثنينيّة وتعدّد للنّسبة بل فعل القوى فعل العقل من حيث كونه فعل القوى من غير تعدّد فى الحيثيّة ايضاً فالرّؤية مثلاً فعل الباصرة وهى من حيث انّها فعل الباصرة فعل العقل لكن فى مرتبة الباصرة لافى مرتبته العالية، بل فعله الخاصّ به فى مرتبته العالية هو التّعقّل اعنى درك الاشياء مجرّدة عن غواشى المادّة والتّقدّر والتّحدّد والتّشكّل، علم انّ الفاعل فى كلّ فعل دانياً كان او عالياً هو الله سبحانه، لكن لكلّ مباشرٍ خاصٍّ ينسب الفعل اليه والى الله باعتبار تشأّنه وظهوره بفاعله الخاصّ وله باعتبار مرتبته المخصوصة فعل خاصّ به لا ينسب الى غيره، فالعقل مظهر لله سبحانه فى مرتبته الخاصّة والنّفس مظهر لملك الموت، والقوى والمشاعر مظاهر للملائكة والرّسل، فالباصرة كالملك تباشر نزع الصّور عن الموادّ، والنّفس كملك الموت تنزع عن الصّور المجرّدة عن الموادّ الصّور المجرّدة عن التّحدّدات والتّشكّلات المخصوصة مع تقدّرها، والعقل كالله ينزع الكليّات عن الصّور مع انّ نزع الاوّل ايضاً فعل العقل بواسطة الباصرة والنّزع الاخير فعله بلا واسطة فاختلاف الآيات والاخبار باعتبار اختلاف المباشر واختلاف المراتب مع صحّة الانحصار فى قوله تعالى الله يتوفّى الانفس، واختلاف المباشر باعتبار اختلاف النّفوس مثل مباشر نزع النّفوس النباتيّة والحيوانيّة والانسانيّة، وفى النّفوس الانسانيّة ايضاً مراتب فنفسٌ يقبضها الله بلا واسطة، ونفسٌ يقبضها ملك الموت، ونفسٌ يقبضها الملائكة والرّسل، ومقبوض الملائكة مقبوض لملك الموت ولله، ومقبوض ملك الموت مقبوض الله، والمراد بظلم النّفس ههنا غير ما ذكر فى قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} تفسير : [فاطر:32] لانّ الظّالمين لانفسهم هنا محكومٌ عليهم بالجحيم وهناك بالجنّة، فالمراد بظالمى انفسهم ههنا من لزم دار شركه ولم يخرج من بيت شركه الى الله ورسوله، وهناك من خرج من بيت شركه الى الله ورسوله ولكن وقف ولم يهاجر فى سبيل الله، فانّه محكوم عليه بالقعود عن الجهاد وعن الهجرة. وبعبارة أخرى الظّالم ههنا فى العالم الصّغير من لزم بيت نفسه الامّارة ولم يخرج منه الى مدينة صدره ليصل الى الرّسول وقبول الاسلام فهو مخلّد فى جحيم طبعه وبعد الموت فى جحيم الآخرة، وهناك من خرج من بيت نفسه الامّارة الى مدينة صدره ووصل الى الرّسول وقبل الاسلام بدليل ايراثه الكتاب اى كتاب النّبوّة بقبول احكام الرّسالة ولم يهاجر من مدينة صدره الى الجهاد الاكبر فى تحصيل الولاية فهو محكوم عليه بدخول الجنّة لكن ليس له درجة المجاهدين فى تحصيل الولاية. وما روى عن الصّادق (ع) فى تفسير الظّالم لنفسه هناك من انّه: يحوم حول نفسه؛ يشعر بما ذكر {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} بهذه الادناس والارجاس اى فى اىّ حال كنتم حتّى خرجتم بهذه الارجاس ولم ما طهّرتم نفوسكم فى حيوتكم؟ - {قَالُواْ} اعتذاراً {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} غلب علينا اهل الشّرك بحيث لا يمكننا تغيير حالنا {قَالْوۤاْ} ردّاً لاعتذارهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} اى فان تهاجروا او فلم تهاجروا يعنى ان لم يمكنكم التّغيير فى ارضكم لامكنكم المهاجرة عنها، والارض اعمّ من ارض العالم الكبير وارض العالم الصّغير وارض كتب الانبياء وسير احوالهم وارض احكام الملل المختلفة وتمييز المستقيم منها عن السّقيم {فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً} لا منافاة بين خصوصيّة النّزول والتّعميم الّذى ذكرنا على وفق ما اشير اليه فى الاخبار.
الأعقم
تفسير : {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الشرك لقومهم والإِيمان للمسلمين، وقيل: نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإِسلام ولم يهاجروا ثم خرجوا إلى بدر لقتال المسلمين فلما رأوا قلَّة المسلمين قالوا: غرَّ هؤلاء دينهم فقتلوا ببدر فبكتهم الملائكة بقولهم: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا} أراد أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة وهذا دليل على ان الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيها من إظهار دينه وعلم أنه في بلد أقوم وأدوم على العبادة حقَّت عليه الهجرة {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} قال ابن عباس: كنت وأُمي من الذين {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً} وكنت غلاماً صغيراً {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة} الآية قيل: لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من خزاعة يقال له جندب بن ضمرة وكان مريضاً فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملونه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ففعلوا فمات في الطريق، وروي أنه لما خرج ومات وبلغ خبره المسلمين فقالوا: لو بلغ المدينة لكان أتم أجره، وقال المشركون: ما أدرك ما طلب فنزلت، وروي أن جندب بن ضمرة لما أدركه أخذ بيمينه على شماله ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، وقيل: نزلت في أكثم بن صيفي فلما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل ولده إليه فآمن به فلما رجع إلى أبيه وأخبره بخبره كما كرامة لقومه ودعاهم إليها ثم قال لهم: أطيعوني يكن لكم شرف الدنيا والآخرة، فقالوا: خرّف الشيخ فلما عصوه ركب راحلته وتوجه الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلحقه رجل من سفهاء قومه فذعر الناقة فسقط منها فانكسرت رقبته فنزلت، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)" تفسير : من {يجد في الأرض مراغماً كثيراً} يعني طريقاً يراغم فيه أي يفارقهم فيه على رغمهم والرغم الهون فقد وقع أجره على الله فقد وقع ثوابه عليه {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} الآية نزلت في صلاة الخوف، وقيل: في صلاة السفر عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلَّى بأصحابه الظهر ورأى المشركون ذلك فندموا لو كانوا واقعوهم وعزموا على الايقاع بالمسلمين أن اشتغلوا بصلاتهم، فاطلع الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على أسرارهم، وروي أن بعضهم قال لبعض: دعوهم فإن لهم صلاة أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم يعنون صلاة العصر فإذا رأيتموهم قاموا إليها فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل بصلاة الخوف، وقيل: كان سبب اسلام خالد بن الوليد، وقيل: رفع الجناح في وضع الأسلحة نزل في عبد الرحمن بن عوف ومن خرج في تلك الوقعة، ثم بيّن تعالى صلاة الخوف فقال: {وإذا كنت فيهم} يا محمد {فأقمت لهم الصلاة} يعني في أصحابك الضاربين في الأرض الخائفين {فلتقم طائفة منهم معك في الصلاة} وفيه حذف تقديره وطائفة تجاه العدو {وليأخذوا أسلحتهم} قيل: المأمور بأخذ السلاح الطائفة المأمورة بالصلاة معه تأخذ السيف والخنجر والدرع فتلبسته الطائفة التي تكون تجاه، وتقديره: {وليأخذوا} الطائفة الأخرى {أسلحتهم} ويكونوا بأزاء العدو واختلفوا إذا سجدت الطائفة الأولى وفرغوا من ركعة كيف يصنعون على أقوال: تسلم وتمضي إلى وجه العدوّ وتأتي الطائفة الأخرى وتصلي بهم ركعة وتصلي بهم هذا مذهب من يرى صلاة الخوف ركعة والإِمام ركعتان مذهب جائز عن مجاهد، الثاني أن يتم الصلاة لكل طائفة فيصلي بهم ركعتين بكل طائفة مرة وهذا مروي عن الحسن، الثالث يصلي بالطائفة الأولى بركعة أخرى والإمام قائم حتى تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ثم يجلس في التشهد إلى أن يتموا ركعة أخرى ثم يسلم وهذا مذهب أهل البيت (عليهم السلام) والشافعي، الرابع أن الطائفة الأولى يصلي بهم ركعة ويعودون إلى وجه العدوّ وتأتي الطائفة الأخرى فيكبرون ويصلي بهم الركعة الثانية ويسلم الإِمام ويعودون هم إلى وجه العدوّ وتأتي الطائفة الأولى فيقضون ركعة بغير قراءة لأنهم لاحقون ويسلمون ويرجعون إلى وجه العدوّ وتأتي الطائفة الثانية ويقضون ركعة بغير قراءة لأنهم مسبوقون عن ابن مسعود وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وذكر ذلك في الحاكم {ولتأت طائفة أخرى لم يصلّوا} وهم الذين كانوا بإزاء العدو {فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} أي ثم ليكونوا حذرين من عدوكم {ودّ الذين كفروا} تمنى الكفار {لو تغفلون عن أسلحتكم} عن آلات الحرب {وأمتعتكم} ما بها بلاغكم {فيميلون عليكم ميلة واحدة} أي يحملون عليكم حملة واحدة {ولا جناح عليكم} أي لا حرج ولا إثم {إن كان بكم أذى من مطر} أو أنتم بازاء العدوّ {أو كنتم مرضى} أي بكم علَّة أو جراح وضعفتم عن حمل السلاح {أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم} أي كونوا على حذر {فإذا قضيتم الصلاة} فإذا صليتم في حال الخوف والقتال فصلّوها {قياماً} مشايفين ومقارعين {وقعوداً} جاثمين على الركب مرامين {فإذا اطمأننتم} حين تضع الحرب أوزارها {فأقيموا الصلاة} فاقضوا ما صلَّيتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} محدوداً بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها {ولا تهنوا} ولا تضعفوا ولا تنافوا {في ابتغاء القوم} في طلب الكفار بالقتال والتعرض لهم ثم ألزمهم الحجة بقوله تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون} أي ليس ما تكابدون من الألم مختصاً بكم إنما هو مشترك بينكم وبينهم يصيبكم كما يصيبهم وأنتم ترجون النصر من الله وإظهار الدين والثواب العظيم {وكان الله عليماً حكيماً} لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما هو عالم به فيما يصلحكم ويحسن عاقبته بكم.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا} أي قالت لهم الملائكة {فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} يعني [مقهورين في أرض] مكة {قَالُوا} أي قالت لهم الملائكة {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} أي إليها. قال الله: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} أي بئس المصير من صار إلى جهنم. ذكروا عن بعضهم قال: هؤلاء قوم كانوا بمكة تكلَّموا بالإِسلام، فلما خرج أبو جهل وأصحابه خرجوا معه فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل ذلك عنهم. ثم عذر الذين بمكة واستثناهم فقال: {إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} [أي لا قوة لهم فيخرجون من مكة إلى المدينة] {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} أي لا يعرفون طريقاً إلى المدينة {فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} وعسى من الله واجبة. {وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً}. وقال مجاهد: هم أناس كانوا بمكة لم يستطيعوا أن يخرجوا معهم، فعذرهم الله. وقوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}. قال مجاهد: طريق المدينة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ} خبر ان هو قوله: {قَالُوا فَيمَ كُنتُمْ} والرابط محذوف أى قال الملائكة لهم، وأما {أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} فمفرع بالفاء على قوله: {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ}00الخ، ويجوز أن يكون الخبر: {فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} قرن بالفاء، لأن اسم ان شبه هنا باسم الشرط، وأن لا تمنع من ذلك كما مر فى موضعه، ولو كانت لا تدخل على أداة الشرط، وعليه فقال: {فِيمَ كُنتُمْ} حال من الملائكة بلا تقدير لقد وبتقريرها. {تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ}: توفى فعل ماض، وليس عدم التاء فيه لكون تأنيثه مجازيا كما قيل، بل لأن تاؤه من التاءات اللاحقة للمذكر كحمزة فى المفرد، وليس الملائكة مؤنثا البتة، واذا قرن فعله مثلا بالتاء فما هو الا كما يقرن فعل جمع التكسير بالتاء، كقام رجال وقامت رجال، وجاء طلبة وجاءت طلبة، ويناسب كونه ماضيا قراءة بعضهم: توفتهم بتاء الـتأنيث لتأويل الجماعة، لا لتاء ملائكة، ويجوز أن يكون مضارعا أصله تتوفاهم، حذفت احدى التاءين، ويناسب المضارعية قراءة بعضهم: توفاهم بضم التاء وفتح الفاء، ففى القراءة الأولى يكون المعنى على الاخبار بأحوال قول مضوا وانقرضوا معينين، وكذا القراءة الثانية، وهى توفتهم بتاء بعد الفاء. وأما على ان توفاهم بتاء مفتوحة وفتح الفاء أصله تتوفاهم وهو مضارع، فالمعنى على الاستقبال، وكذا توفاهم بضمها وفتح الفاء فى القراءة الثانية، ويحتمل أن يكون المعنى على هذه القراءة الثانية والفعل فيها مضارع، وعلى احتمال المضارع بحذف احدى التاءين على الماضى، لكن لحكاية الحال الماضية وتنزيلها حين النزول منزلة المستقبل ليتأكد مشاهدته كما يترقب المستقبل ليشاهد فضل مشاهدة أو على الحال تنزيلا للماضى منزلة الحاضر المعين، كأنه حاضر مشاهده. ومعنى توفاهم وتتوفاهم أن الملائكة أماتتهم بسبب عصر الروح أو بالتحلى لها، أو أن الملائكة أتمت عددهم بذلك الى الأموات أو بتناول أرواحهم بعد خروجها والمميت على الحقيقة هو الله تعالى، وفى السؤالات: انما يخرج الروح من البدن رب العالمين، ويتلقاها ملك الموت فيقبضها، ومن قال: يخرجها الملك فقد أشرك. انتهى وهو مشكل. والظاهر أنه لا يشرك أن قال: يخرجها الملائكة، وأراد أنهم يخرجونها بأمر الله وتسببهم فى خروجها بعصرهم اياها من مواضعها، وقد فسر به بعضهم قوله تعالى: {أية : والنازعات غرقا0 والناشطات نشطا }تفسير : ولا يتعين قول السؤالات أن الروح تخرج بتجلى الملك اليها، كانجذاب الحديد لحجر المغناطيس، ومعنى قراءة توفاهم بضم التاء وفتح الفاء أن الله تعالى يوفى الملائكة أرواح هؤلاء الذين يموتون ظالمين بكسر الفاء مشددة، فيتوفونها، أى يمكنهم من استيفائها فيستوفونها. والملائكة: ملك الموت وأعوانه، وهم كثير جدا، وقيل: أعوانه ستة: ثلاثة يلون قبض أرواح المؤمنون، وثلاثة يلون قبض أرواح الكفار، وقل المراد ملك الموت جمع تعظيما له ولفعله فعل الملائكة الكثيرة فى التوفى كالجمع فى {أية : رب ارجعون }تفسير : وقيل: المراد بالتوفى أخذ الزبانية من المحشر الكفار لا قبض أرواحهم. {ظَالِمى أَنفُسِهِمْ}: حال من هاء توفاهم، حذفت نونه للاضافة وهو جمع وظلم أنفسهم بالاقامة فى دار الشرك، وقد وجبت الهجرة يومئذ، لأن الله جل وعلا لا يقبل اسلام أحد الا أن هاجر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان حيث أمره رسول الله، أو كان مستضعفا، وبعد فتح مكة لم تجب الهجرة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ". تفسير : فقد قيل: ان الآية نزلت فى أناس تكلموا بالاسلام ولم يهاجروا، كقيس بن الوليد بن المغيرة، خرجوا الى القتال مع المشركين كقيس المذكور، أو لم يخرجوا، روى أنه لما خرج المسلمون الى بدر خرجوا مع الكفار فقاتلوا، وقيل: ظلموا بالشرك. وقد روى أن قوما خرجوا من مكة مع المشركين بقهر لقتال بدر، قهرهم المشركون على الخروج، ولم يعلموهم مسلمين اذ علموهم، ولما رأوا شوكة المشركين وضعف المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا: غر هؤلاء دينهم، وقاتلوا المسلمين، ويقتلهم المسلمون أو الملائكة، لأن الله جل وعلا أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر، وقاتلوا قدرا أمرهم الله به فقيل: قتلوا هؤلاء بأن ضربوا وجوههم وأدبارهم. {قَالُوا}: أى الملائكة لظالمى أنفسهم. {فِيمَ كُنتُمْ}: أى فى أى شىء كنتم من أمر دينكم فى صواب أم خطأ، وفى وفاء فى دين الصواب بأن هاجرتم مثلا، أو فى تقصير بأن تركتم الهجرة وخرجتم لقتال المسلمين، ومن فريق المسلمين أنتم أو من فريق المشركين، والاستفهام للتوبيخ والتقرير. {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ}: عوملنا بمعاملة الضعفاء، لأنا من الضعفاء، فقهرنا المشركون عن اقامة الدين، واعلاء كلمته، أو عن الهجرة أو عن الاسلام. {فِى الأَرْضِ}: مطلقا ومنها أرض مكة، وقيل فى أرض مكة هذا اعتذار منهم، أجابوا به الملائكة حين قالوا فيم كنتم، والجواب والسؤال كلاهما بلفظ الماضى، وهو مما يقوى أن التوفى مراد التسبب فى موت قوم مضوا، وعلى أن المراد الاستقبال أو الأخذ للنار يوم القيامة، فالماضى لتحقق الوقوع، وكذبهم للملائكة فى قوله: مستضعفين بقولهم الذى ذكر الله بقوله: {قَالُوا}: أى الملائكة. {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}: تنتقلوا فيها الى موضع منها تتمكنون فيه من دينكم، كما هاجر من قبلكم الى المدينة والى الحبشة، اذ هاجر بعض الصحابة الى الحبشة، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه سلم وغيره الى المدينة ضمن تهاجروا معنى تنتقلوا، فعداه بفى مذكورة، ثم بالى محذوفة، كما رأيت، ولعل حكمه التعدى بفى الى ضمير الأرض المبالغة فى الهجرة بأن الدين حق بالهجرة اليه ولو بالانتقال الى سائر الأرض كلها، كما يقال: أكل فى بطنه ويراد أنه ملأه. ويجوز أن تكون فى معنى الى أى فتهاجروا الى أرض الله الواسعة غير الأرض التى استضعفتم فيها، فيجوز أيضا أن لا تضمين لمعنى اللازم، بل يقدر حال، فيقدر مفعول لتهاجروا، أى فتهاجروا الأرض التى استضعفتم منتقلين فى أرض الله الواسعة، وتهاجروا منصوب فى جواز النفى أو الاستفهام، وتحب الملائكة من لم يتمكن من دينه ولم يهاجر الى حيث يتمكن، وها أنا ذا أدعو بما دعى به الزمخشرى، لأنه جاور بيت الله الحرام سبع سنين. اللهم انت كنت تعلم أن هجرتى اليكم لم تكن الا للفرار بدينى فاجعلها سببا لخاتمة الخير، ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جوارى لك بعكوفى عند بيتك بجوارك فى دار كرامتك، يا واسع الكرامة وأزيد. اللهم ان خودعت فى شىء من أمرى فارددنى الى بابك، يا راد الضالة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : من فر بدينه من أرض الى أرض وان كان شبرا من الأرض استوجبت لهم الجنة وكان رفيق أبيه ابراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم ". تفسير : ونحن معشر الأعاجم المسلمين ولو لم يكن ابراهيم عليه السلام أبانا فى النسب لكنه أبونا بالدين، وذلك مجاز فتراد فى الحديث الأبوة فى الدين للعرب والعجم، أو نعتبر قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : مولى القوم منهم " تفسير : فأبو العرب ابراهيم ونحن موال للعرب المسلمين فى الدين فنلتحق بهم التحاقا، كما يلتحق المعتق بنسب معتقه، ذلك قول منى قلته، وكلام حق أرسلته والى الآن من لم يتمكن من ذنبه الواجب على الفور فى موضع، ولو سر أتجب عليه الهجرة الى حيث يتمكن. {فَأُوْلَئِكَ مَأوَاهُمْ}: مرجعهم. {جِهَنَّمُ}: جزاء لتركهم الهجرة الواجبة، ومساعدة الكفار بالبقاء معهم، أو بالبقاء على الشرك، أو بالخروج معهم فى قتال المسلمين. {وَسَآءَتْ}: أى هى أى جهنم. {مَصِيراً}: تمييزا، أو فاعل ساءت ضمير لمؤنث مبهم مفسر بالتمييز الواقع على المؤنث الذى هو جهنم مخصوصة بالذم، أى وساءت مصيرا جهنم.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ} توفتهم، كما قرأ بعض، قوم مخصصون، انقرضوا، أسلموا ولو يهاجروا حتى ماتوا فى مكلة، أو فى بدر، إذ خرجوا مع المشركين، أو تتوفاهم، فهم على العموم الاستمرارى الماضوى المنزل منزلة الحاضر، بدليل أن الجبر ماض، وهو قالوا، فحذفت إحدى التاءين، ويدل له قراءة النخعى بضم التاء والبناء للمفعول شدوا، وفيت الشىء أخذته، أو المراد من لا يخرج للجهاد، أو كل ذلك {الْمَلآئِكَةُ} ملك الموت وأعوانه، وقيل ملك الموت، وجمع تعظيماً له، وقيل ثلاثة للمؤمنين، وثلاثة للكفار، والتوفى القبض للروح بإذن الله عز وجل، تقبضها الملائكة، وفى أثر بعض أصحابنا الحكم بكفر من قال إن الملائكة تقبضها، وإنما الملائكة تعصرها والله يقبضها، أى يخرجها، قال الله تعالى: {أية : الله يتوفى الأنفس} تفسير : [الزمر: 42]، {أية : والله يحيى ويميت} تفسير : [آل عمران: 156]، وقال: {أية : يحييكم ثم يميتكم} تفسير : [الجاثية: 26]، ولا شك أن الله هو خالق الموت والحياة كمانزل، ولا نزاع فى ذلك، إلا أن إطلاق التوفى لا بمعنى قبض الروح جائز لوروده كقوله تعالى: توفته رسلنا، قل يتوفاكم ملك الموت {ظَالِمِى أَنفُسِهِم} بترك الهجرة، ثم بالخروج إلى بدر مع المشركين والقتال معهم، والردة، أخرجهم المشركون معهم إلى بدر غير عالمين بإسلامهم، أو عالمين به قاهرين لهم أو راضين، كقيس بن الفاكه، والحرث ابن زمعة، وقيس بن الوليد، وأبى العاص بن منبه، وعلى بن أمية، ولما رأوا ضعف المسلمين قالوا: غر هؤلاء دينهم فارتدوا، وقاتلوا المسلمين، فقوى الله قلوب المؤمنين وأمدهم بالملائكة، وقيل المراد من لا يخرج إلى الجهاد معه صلى الله عليه وسلم، وقيل المنافقون {قَالُوا} أى الملائكة توبيخاً لهم {فِيمَ} فى أى دين، أو فى أى حال من ضعف أو قوة {كُنْتُمْ قَالُوا} اعتذار بالضعف عن مقاومة المشركين والهجرة، وإعلان الدين ونصره {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأَرْضِ} أرض مكة ومايليها، فلم نقدر على إظهار الإسلام والعمل به، وعلى ترك الخروج مع المشركين، ومقتضى الظاهر كنا فى استضعاف، أو لم نكن فى شىء، لكن قوى جوابهم بما قال، وطابق قالوا بقالوا {قَالُوا} أى الملائكة تكذيباً، أو إفحاماً لهم، أو توبيخاً، وتقريراً وتكذيباً لأنهم استطاعوا الحيلة واهتدوا السبيل {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} إلى المدينة أو الحبشة، كما فعل المسلمون، أو إلى موضع آخر يأذن لكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تقيمون فيه دينكم، جواب الملائكة هذا ظاهر فى أنهم موحدون ظالمون بترك الهجرة ولو كان المشركون أيضاً مخاطبين بالفروع {فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهِمْ جَهَنْمُ} وخبر إن قالوا الأول، والرابط محذوف، أى قالوا لهم، أو جملة أولئك الخ، والفاء لشبه الذين باسم الشرط، إذا حملناه على العموم، وتارك الهجرة مشرك ولو أسلم على الصحيح، وقيل فاسق، والآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يصل فيه الإنسان إلى إقامة دينه، وهذا مما لا ينسخ، ويندب أن يهاجر، ولو أقام دينه، بعد نسخ وجوب الهجرة، وتجب الهجرة قيل من أرض الوباء {وَسَآءَتْ} جهنم {مَصِيراً} فى الآية جمع بين التمييز وفاعل مستتر عائد إلى غير التمييز، ولا حاجة إلى جعل فاعل ساءت ضميرا عائداً إلى مبهم مفسر بالتمييز، وأنث مع تذكير التمييز، لوقوع التمييز على مؤنث، وتقدير المخصوص هكذا، وساءت مصيراً جهنم أى هو جهنم، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم، ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم ".
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ} بيان لحال القاعدين عن الهجرة إثر بيان القاعدين عن الجهاد، أو بيان لحال القاعدين عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه من المنافقين عقب بيان حال القاعدين من المؤمنين، و {تَوَفَّـٰهُمُ} يحتمل أن يكون ماضياً، وتركت علامة التأنيث للفصل ولأن الفاعل غير مؤنث حقيقي، ويحتمل أن يكون مضارعاً، وأصله ـ تتوفاهم ـ فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً، وهو لحكاية الحال الماضية، ويؤيد الأول قراءة من قرأ (توفتهم)، والثاني قراءة إبراهيم {تَوَفَّـٰهُمُ} بضم التاء على أنه مضارع وفيت بمعنى أن الله تعالى يوفي الملائكة أنفسهم، فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها، وإلى ذلك أشار ابن جني، والمراد من التوفي قبض الروح، وهو الظاهر الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وعن الحسن أن المراد به الحشر إلى النار، والمراد من الملائكة ملك الموت وأعوانه، وهم ـ كما في «البحر» ـ ستة: ثلاثة لأرواح المؤمنين، وثلاثة لأرواح الكافرين، وعن الجمهور أن المراد بهم ملك الموت فقط وهو من إطلاق الجمع مراداً به الواحد تفخيماً له وتعظيماً لشأنه، ولا يخفى أن إطلاق الجمع على الواحد لا يخلو عن بعد، والتحقيق أنه لا مانع من نسبة التوفي إلى الله تعالى وإلى ملك الموت وإلى أعوانه، والوجه في ذلك أن الله تعالى هو الآمر بل هو الفاعل الحقيقي، والأعوان هم المزاولون لإخراج الروح من نحو العروق والشرايين والعصب، والقاطعون لتعلقها بذلك، والملك هو القابض المباشر لأخذها بعد تهيئتها، وفي القرآن {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنْفُسَ} تفسير : [الزمر: 42] و {أية : يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة: 11] و {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} تفسير : [الأنعام: 61] ومثله {تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ}. {ظَالِمِيۤ} بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفار الموجبة للإخلال بأمور الدين، أو بنفاقهم وتقاعدهم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعانتهم الكفرة، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس «أنه كان قوم بمكة قد أسلموا فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية». وأخرج ابن جرير عن الضحاك «إن هؤلاء أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فلم يخرجوا معه إلى المدينة وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر فأصيبوا فيمن أصيب فأنزل الله فيهم هذه الآية» وروي عن عكرمة أن الآية نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة والحرث بن زمعة بن الأسود وقيس بن الوليد بن المغيرة وأبي العاص بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر مع المشركين من قريش فقتلوا هناك كفاراً، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه، و {ظَالِمِيۤ} منصوب على الحالية من ضمير المفعول في {تَوَفَّـٰهُمُ} وإضافته لفظية فلا تفيده تعريفاً، والأصل ظالمين أنفسهم. {قَالُواْ} أي الملائكة عليهم السلام للمتوفين توبيخاً لهم بتقصيرهم في إظهار إسلامهم وإقامة أحكامه وشعائره أو قالوا تقريعاً لهم وتوبيخاً بما كانوا فيه من مساعدة الكفرة وتكثير سوادهم وانتظامهم في عسكرهم وتقاعدهم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فِيمَ كُنتُمْ} أي في أي شيء كنتم من أمور دينكم وحذفت ألف ـ ما ـ الاستفهامية المجرورة وفاءاً بالقاعدة، وتكتب متصلة تنزيلاً لها مع ما قبلها منزلة الكلمة الواحدة، ولهذا تكتب ـ إلى وعلى وحتى ـ / في إلام وعلام وحتى م بالألف ما لم يوقف على ـ م ـ بالهاء، ولكن السؤال كما علمت طابقه الجواب بقوله تعالى: {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلأَرْضِ} وإلا فالظاهر في الجواب كنا في كذا، أو لم نكن في شيء، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية سؤال الملائكة كأنه قيل: فماذا قال أولئك المتوفون في الجواب؟ فقيل: قالوا في جوابهم: كنا مستضعفين في أرض مكة بين ظهراني المشركين الأقرباء. والمراد أنهم اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام وإدخالهم الخلل فيه بالاستضعاف والعجز عن القيام بمواجب الدين بين أهل مكة فلذا قعدوا وناموا، أو تعللوا عن الخروج معهم؛ والانتظام في ذلك الجمع المكسر بأنهم كانوا مقهورين تحت أيديهم، وأنهم فعلوا ذلك كارهين، وعلى التقديرين لم تقبل الملائكة ذلك منهم كما يشير إليه قوله سبحانه: {قَالُواْ} أي الملائكة {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا} أي إن عذركم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذي أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله تعالى لما يغيظ رسوله صلى الله عليه وسلم بأنكم مقهورون بين أولئك الأقوام غير مقبول لأنكم بسبيل من الخلاص عن قهرهم متمكنون من المهاجرة عن مجاورتهم والخروج من تحت أيديهم. {فَأُوْلَٰـئِكَ} الذي شرحت حالهم الفظيعة {مَأْوَاهُمْ} أي مسكنهم في الآخرة {جَهَنَّمُ} لتركهم الفريضة المحتومة، فقد كانت الهجرة واجبة في صدر الإسلام، وعن السدي كان يقول: من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر، والأصح الأول أو لنفاقهم وكفرهم ونصرتهم أعداء الله تعالى على سيد أحبائه عليه الصلاة والسلام، وعدم التقييد بالتأييد ليس نصاً في العصيان بما دون الكفر، وإنما النص التقييد بعدمه، واسم الإشارة مبتدأ أول، و {مَأْوَاهُمُ} مبتدأ ثان، و {جَهَنَّمُ} خبر الثاني وهما خبر الأول، والرابط الضمير المجرور، والمجموع خبر إن، والفاء لتضمن اسمها معنى الشرط، وقوله سبحانه: {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} في موضع الحال من الملائكة، وقد معه مقدرة في المشهور، وجعله حالاً ـ من الضمير المفعول بتقدير قد أولا، ولهم آخراً ـ بعيد، أو هو الخبر والعائد فيه محذوف أي لهم، والجملة المصدرة بالفاء معطوفة عليه مستنتجة منه ومما في (خبره)، ولا يصح جعل شيء من {قَالُواْ} الثاني، والثالث خبراً لأنه جواب، ومراجعة ـ فمن قال: لو جعل {قَالُواْ}: الثاني خبراً لم يحتج إلى تقدير عائد فقد ـ وهم، وقيل: الخبر محذوف تقديره هلكوا ونحوه، و {تهاجروا} منصوب في جواب الاستفهام وقوله تعالى: {وَسَآءتْ} من باب بئس أي بئست {مَصِيراً} والمخصوص بالذم مقدر أي مصيرهم أو جهنم. واستدل بعضهم بالآية على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه، وهو مذهب الإمام مالك، ونقل ابن العربي وجوب الهجرة من البلاد الوبيئة أيضاً، وفي كتاب «الناسخ والمنسوخ» أنها كانت فرضاً في صدر الإسلام فنسخت وبقي ندبها، وأخرج الثعلبي من حديث الحسن مرسلاً «حديث : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم »تفسير : وقد قدمنا لك ما ينفعك هنا فتذكر.
ابن عاشور
تفسير : فلمّا جاء ذكر القاعدين عن الجهاد من المؤمنين بعذر وبدونه، في الآية السالفة، كان حال القاعدين عن إظهار إسلامهم من الذين عزموا عليه بمكة، أو اتّبعوه ثمّ صدّهم أهل مكة عنه وفتنوهم حتّى أرجعهوهم إلى عبادة الأصنام بعذر وبدونه، بحيث يخطر ببال السامع أن يتساءل عن مصيرهم إن هم استمرّوا على ذلك حتّى ماتوا، فجاءت هذه الآية مجيبة عمّا يجيش بنفوس السّامعين من التساؤل عن مصير أولئك، فكان موقعها استئنافاً بيانياً لسائل متردّد، ولذلك فصلت، ولذلك صدّرت بحرف التأكيد، فإنّ حالهم يوجب شكّاً في أن يكونوا ملحقين بالكفّار، كيف وهم قد ظهر ميلهم إلى الإسلام. ومنهم من دخل فيه بالفعل ثم صدّ عنه أو فتن لأجله. والموصول هنا في قوّة المعرّف بلام الجنس، وليس المراد شخصاً أو طائفة بل جنس من مات ظالماً نفسه، ولِما في الصلة من الإشعار بعلّة الحكم وهو قوله: {فأولئك مأواهم جهنّم}، أي لأنّهم ظلموا أنفسهم. ومعنى {توفّاهم} تُميتهم وتقبض أرواحهم، فالمعنى: أنّ الذين يموتون ظالمي أنفسهم، فعدل عن يموتون أو يتُوفَّوْن إلى تَوفّاهم الملائكةُ ليكون وسيلة لبيان شناعة فتنتهم عند الموت. و«الملائكة» جمع أريد به الجنس، فاستوى في إفادة معنى الجنس جمعُه، كما هنا، ومُفرده كما في قوله تعالى: {أية : قل يتوفّاكم مَلَك الموتِ الذي وكّل بكم}تفسير : [السجدة: 11] فيجوز أن يكون ملك الموت الذي يقبض أرواحَ الناس واحِداً، بقوة منه تصل إلى كلّ هالك، ويجوز أن يكون لكلّ هالك ملَك يقبض روحه، وهذا أوضح، ويؤيّده قوله تعالى: {إنّ الذين توفّاهم الملائكة} إلى قوله: {قالوا فيم كُنتم}. و{تَوفّاهم} فعل مضي يقال: توفّاه الله، وتَوفّاه ملك الموت، وإنّما لم يقرن بعلامة تأنيث فاعل الفعل، لأنّ تأنيث صيغ جموع التكسير تأنيث لفظي لا حقيقي فيجوز لَحاق تَاءِ التأنيث لفعلها، تقول: غَزَتْ العربُ، وغَزَى العربُ. وظلم النفس أن يفعل أحد فِعلا يؤول إلى مضرّته، فهو ظالم لنفسه، لأنّه فعل بنفسه ما ليس من شأن العقلاء أن يفعلوه لوخامة عقباه. والظلم هو الشيء الذي لا يحقّ فعله ولا تَرضى به النفوس السليمة والشرائعُ، واشتهر إطلاق ظلم النفس في القرآن على الكفر وعلى المعصية. وقد اختُلف في المراد به في هذه الآية، فقال ابن عباس: المراد به الكفر، وأنّها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، فلمّا هاجر أقاموا مع قومهم بمكة ففتنوهم فارتدّوا، وخرجوا يوم بدر مع المشركين فكثَّروا سواد المشركين، فقُتلوا ببدر كافرين، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ولكنّهم أكرهوا على الكفر والخروج، فنزلت هذه الآية فيهم. رواه البخاري عن ابن عباس، قالوا: وكان منهم أبو قيس بن الفاكِه، والحارث بن زمْعة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج؛ فهؤلاء قتلوا. وكان العباس بن عبد المطلب، وعَقيلٌ ونوفلٌ ابنا أبي طالب فيمن خرج معهم، ولكن هؤلاء الثلاثة أسِروا وفَدَوْا أنفسهم وأسلموا بعد ذلك، وهذا أصحّ الأقوال في هذه الأية. وقيل: أريد بالظلم عدم الهجرة إذ كان قوم من أهل مكة أسلموا وتقاعسوا عن الهجرة. قال السديّ: كان من أسلم ولم يهاجر يعتبر كافراً حتّى يهاجر، يعني ولو أظهر إسلامه وترك حال الشرك. وقال غيره: بل كانت الهجرة واجبة ولا يكفّر تاركها. فعلى قول السدّي فالظلم مراد به أيضاً الكفر لأنّه معتبر من الكفر في نظر الشرع، أي أنّ الشرع لم يكتف بالإيمان إذا لم يهاجر صاحبه مع التمكّن من ذلك، وهذا بعيد فقد قال تعالى: {أية : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتّى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر}تفسير : [الأنفال: 72] الآية؛ فأوجب على المسلمين نصرهم في الدين إن استنصروهم، وهذه حالة تخالف حالة الكفّار. وعلى قول غيره: فالظلم المعصية العظيمة، والوعيد الذي في هذه الآية صالح للأمرين، على أنّ المسلمين لم يعُدّوا الذين لم يهاجروا قبل فتح مكة في عداد الصحابة. قال ابن عطية: لأنّهم لم يتعيّن الذين ماتوا منهم على الإسلام والذين ماتوا على الكفر فلم يعتدّوا بما عرفوا منهم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وجملة: {قالوا فيمَ كنتم} خبر (إنّ). والمعنى: قالوا لهم قول توبيخ وتهديد بالوعيد وتمهيد لدحض معذرتهم في قولهم: {كنّا مسْتضعفين في الأرض}، فقالوا لهم {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}. ويجوز أن يكون جملة: {قالوا فيم كنتم} موضع بدل الاشتمال من جملة {توفّاهم}، فإنّ توفّي الملائكة إيّاهم المحكي هنا يشتمل على قولهم لهم {فيم كنتم}. وأمّا جملة {قالوا كنّا مستضعفين في الأرض} فهي مفصولة عن العاطف جرياً على طريقة المقاولة في المحاورة، على ما بيّناه عند قوله تعالى: {قالوا أتجْعل فيها من يفسد فيها} في سورة البقرة. وكذلك جملة: {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة}. ويكون خبر (إنّ) قوله: {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} على أن يكون دخول الفاء في الخبر لكون اسم إنّ موصولاً فإنّه يعامل معاملة أسماء الشروط كثيراً، وقد تقدّمت نظائره. والإتيان بالفاء هنا أولى لطول الفصل بين اسم (إنّ) وخبرها بالمقاولة، بحيث صار الخبر كالنتيجة لتلك المقاولة كما يدلّ عليه أيضاً اسم الإشارة. والاستفهام في قوله: {فيم كنتم} مستعْمل للتقرير والتوبيخ. و(في) للظرفية المجازية. و(ما) استفهام عن حالة كما دلّ عليه (في). وقد علم المسؤول أنّ الحالة المسؤولون أنّ الحالة المسؤول عنها حالة بقائهم على الكفر أو عدم الهجرة. فقالوا معتذرين {كنّا مستضعفين في الأرض}. والمستضعف: المعدود ضعيفاً فلا يعبأ بما يصنع به فليس هو في عزّة تُمَكِّنه من إظهار إسلامه، فلذلك يضطّر إلى كتمان إسلامه. والأرض هي مكة. أرادوا: كنّا مكرهين على الكفر ما أقمنا في مكة، وهذا جواب صادق إذ لا مطمع في الكذب في عالم الحقيقة وقد حسبوا ذلك عذراً يبيح البقاء على الشرك، أو يبيح التخلّف عن الهجرة، على اختلاف التفسيرين، فلذلك ردّ الملائكة عليهم بقولهم: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}، أي تخرجوا من الأرض التي تستضعفون فيها، فبذلك تظهرون الإيمان، أو فقد اتّسعت الأرض فلا تعدمون أرضاً تستطيعون الإقامة فيها. وظاهر الآية أنّ الخروج إلى كلّ بلد غير بلد الفتنة يعدّ هجرة، لكن دلّ قوله: {أية : مهاجراً إلى الله ورسوله}تفسير : [النساء: 100] أنّ المقصود الهجرة إلى المدينة وهي التي كانت واجبة، وأمّا هجرة المؤمنين إلى الحبشة فقد كانت قبل وجوب الهجرة؛ لأنّ النبي وفريقاً من المؤمنين، كانوا بعدُ بمكة، وكانت بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ردّ مفحم لهم. والمهاجرة: الخروج من الوطن وترك القوم، مفاعلةٌ من هَجَر إذا ترك، وإنّما اشتقّ للخروج عن الوطن اسم المهاجرة لأنها في الغالب تكون عن كراهية بين الراحل والمقيمين، فكلّ فريق يطلب ترك الآخر، ثم شاع إطلاقها على مفارقة الوطن بدون هذا القيد. والفاء في قوله: {فأولئك مأواهم جهنّم} [النساء: 97] تفريع على ما حكى من توبيخ الملائكة إيّاهم وتهديدهم. وجيء باسم الإشارة في قوله: {فأولئك مأواهم جهنم} للتنبيه على أنّهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة من أجْل الصفات المذكورة قبله، لأنّهم كانوا قادرين على التخلّص من فتنة الشرك بالخروج من أرضه. وقوله: {إلاّ المستضعفين} استثناء من الوعيد، والمعنى إلاّ المستضعفين حقّاً، أي العاجزين عن الخروج من مكة لقلّة جهد، أو لإكراه المشركين إيّاهم وإيثاقهم على البقاء: مثل عيّاش بن أبي ربيعة المتقدّم خبره في قوله تعالى: {أية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً}تفسير : [النساء: 92]، ومثل سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد. وفي «البخاري» حديث : أنّ رسول الله كان يدعو في صلاة العشاء: «اللهمّ نجّ عيّاش بن أبي ربيعة اللهمّ نجّ الوليد بن الوليد، اللهمّ نجّ سلمة بن هشام اللهمّ نجّ المستضعفين من المؤمنين»تفسير : . وعن ابن عباس: كنتُ أنا وأميّ من المستضعفين. والتبيين بقوله: {من الرجال والنساء والولدان} لقصد التعميم. والمقصد التنبيه على أنّ من الرجال مستضعفين، فلذلك ابتدىء بذكرهم ثم ألحق بذكرهم النساء والصبيان لأنّ وجودهم في العائلة يكون عذراً لوليّهم إذا كان لا يجد حيلة. وتقدّم ذكرهم بقوله تعالى: {أية : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان}تفسير : [النساء: 75]، وإعادة ذكرهم هنا ممّا يؤكّد أن تكون الآيات كلّها نزلت في التهيئة لفتح مكة. وجملة: {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً} حال من المستضعفينَ موضّحة للاستضعاف ليظهر أنّه غير الاستضعاف الذي يقوله الذين ظلموا أنفسهم {كُنَا مستضعفين في الأرض}، أي لا يستطيعون حيلة في الخروج إمّا لمنع أهل مكة إيّاهم، أو لفقرهم: {ولا يهتدون سبيلاً} أي معرفة للطريق كالأعمى. وجملة {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} الفاء فيها للفصيحة، والإتيان بالإشارة للتنبيه على أنّهم جديرون بالحكم المذكور من المغفرة. وفعل {عسى} في قوله: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} يقتضي أنّ الله يرجو أن يعفو عنهم، وإذْ كان الله هو فاعل العفو وهو عالم بأنّه يعفو عنهم أو عن بعضهم بالتعيين تعيّن أن يكون معنى الرجاء المستفاد من {عسى} هنا معنى مجازياً بأنّ عفوه عن ذنبهم عفوٌ عزيز المنال، فمُثِّل حال العفو عنهم بحال من لا يُقطع بحصول العفو عنه، والمقصود من ذلك تضييق تحقق عذرهم، لئلاّ يتساهلوا في شروطه اعتماداً على عفو الله، فإنّ عذر الله لهم باستضعافهم رخصة وتوسعة من الله تعالى، لأنّ البقاء على إظهار الشرك أمر عظيم، وكان الواجب العزيمةُ أن يكلّفوا بإعلان الإيمان بين ظهراني المشركين ولو جلب لهم التعذيب والهلاك، كما فعلت سُمَيَّة أمُّ عمّارٍ بن ياسر. وهذا الاستعمال هو محمل موارد {عسى} و(لعلّ) إذا أسندا إلى اسم الله تعالى كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وإذْ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلّكم تهتدون} تفسير : في سورة البقرة (53)، وهو معنى قول أبي عبيدة: «عسى من الله إيجاب» وقول كثير من العلماء: أنّ عسى ولعلّ في القرآن لليقين، ومرادهم إذا أسند إلى الله تعالى بخلاف نحو قوله: {أية : وقل عَسَى أن يهديني ربّي لأقرب من هذا رشداً}تفسير : [الكهف: 24]. ومثل هذا ما قالوه في وقوع حرَف (إنْ) الشرطية في كلام الله تعالى، مع أنّ أصلها أن تكون للشرط المشكوك في حصوله. وقد اتّفق العلماء على أنّ حكم هذه الآية انقضى يوم فتح مكة لأنّ الهجرة كانت واجبةً لمفارقة أهل الشرك وأعداء الدين، وللتمكّن من عبادة الله دون حائل يحول عن ذلك، فلمّا صارت مكة دار إسلام ساوت غيرها، ويؤيّده حديث: «حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكنْ جِهَادٌ ونيَّة» تفسير : فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلاّ المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة. وفي الحديث: «حديث : أللهمّ أمْضِ لأصحابي هجرتهم ولا تَرُدُّهْم على أعقابهم» تفسير : قاله بعدَ أن فتحت مكة. غير أنّ القياس على حكم هذه الآية يفتح للمجتهدين نظراً في أحكام وجوب الخروج من البلد الذي يفتن فيه المؤمن في دينه، وهذه أحكام يجمعها ستّة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون المؤمن ببلد يُفتن فيه في إيمانه فيُرغَم على الكفر وهو يستطيع الخروج، فهذا حكمَه حكم الذين نزلت فيهم الآية، وقد هاجر مسلمون من الأندلس حين أكرههم النصارى على التنصرّ، فخرجوا على وجوههم في كلّ واد تاركين أموالهم وديارهم ناجين بأنفسهم وإيمانِهم، وهلك فريق منهم في الطريق وذلك في سنة 902 وما بعدها إلى أن كان الجلاء الأخير سنة 1016. الحالة الثانية: أن يكون ببلدِ الكفر غيرَ مفتون في إيمانه ولكن يكون عرضة للإصابة في نفسه أو ماله بأسر أو قتل أو مصادرة مال، فهذا قد عرض نفسه للضرّ وهو حرام بلا نزاع، وهذا مسمَّى الإقامةِ ببلد الحرب المفسّرة بأرض العدوّ. الحالة الثالثة: أن يكون ببلد غلب عليه غير المسلمين إلاّ أنّهم لم يفتِنوا الناسَ في إيمانهم ولا في عباداتهم ولا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولكنّه بإقامته تجري عليه أحكام غير المسلمين إذا عرض له حادث مع واحد من أهل ذلك البلد الذين هم غير مسلمين، وهذا مثل الذي يقيم اليوم ببلاد أوروبا النصرانية، وظاهر قول مالك أنّ المقام في مثل ذلك مكسروه كراهة شديدة من أجل أنّه تجري عليه أحكام غير المسلمين، وهو ظاهر المدوّنة في كتاب التجارة إلى أرض الحرب والعتبية، كذلك تأوّل قولَ مالك فقهاء القيروان، وهو ظاهر الرسالة، وصريح كلام اللخمي في طالعة كتاب التجارة إلى أرض الحرب من تبصرته، وارتضاه ابن محرز وعبد الحقّ، وتأوّله سحنون وابن حبيب على الحرمة وكذلك عبد الحميد الصائغ والمازري، وزاد سحنون فقال: إنّ مقامه جرحة في عدالته، ووافقه المازري وعبد الحميد، وعلى هذا يجري الكلام في السفر في سفن النصارى إلى الحجّ وغيره. وقال البرزلي عن ابن عرفة: إن كان أمير تونس قويّاً على النصارى جاز السفر، وإلاّ لم يجز، لأنّهم يهينون المسلمين. الحالة الرابعة: أن يتغلّب الكفّار على بلدٍ أهلُه مسلمون ولا يفتنوهم في دينهم ولا في عبادتهم ولا في أموالهم، ولكنّهم يكون لهم حكم القوة عليهم فقط، وتجري الأحكام بينهم على مقتضى شريعة الإسلام كما وقع في صقلية حين استولى عليها رجير النرمندي. وكما وقع في بلاد غرناطة حين استولى عليها طاغية الجلالقة على شروط منها احترام دينهم، فإنّ أهلها أقاموا بها مدّة وأقام منهم علماؤهم وكانوا يلون القضاء والفتوى والعدالة والأمانة ونحو ذلك، وهاجر فريق منهم فلم يَعِب المهاجر على القاطن، ولا القاطنُ على المهاجر. الحالة الخامسة: أن يكون لغير المسلمين نفوذ وسلطان على بعض بلاد الإسلام، مع بقاء ملوك الإسلام فيها، واستمرار تصرّفهم في قومهم، وولاية حُكَّامهم منهم، واحترام أديانهم وسائر شعائرهم، ولكنّ تصرف الأمراء تحت نظر غير المسلمين وبموافقتهم، وهو ما يسمّى بالحماية والاحتلال والوصاية والانتداب، كما وقع في مصر مدّة احتلال جيش الفرنسيس بها، ثم مدّة احتلال الأنقليز، وكما وقع بتونس والمغرب الأقصى من حماية فرانسا، وكما وقع في سوريا والعراق أيّام الانتدَاب وهذه لا شبهة في عدم وجوب الهجرة منها. الحالة السادسة: البلد الذي تكثر فيه المناكر والبدع، وتجري فيه أحكام كثيرة على خلاف صريح الإسلام بحيث يخلِط عملاً صالحاً وآخرَ سَيّئاً ولا يجبر المسلم فيها على ارتكابه خلاف الشرع، ولكنه لا يستطيع تغييرها إلاّ بالقول، أو لا يستطيع ذلك أصلاً وهذه رُوي عن مالك وجوب الخروج منها، رواه ابن القاسم، غير أنّ ذلك قد حدث في القيروان أيّام بني عبيد فلم يُحفظ أنّ أحداً من فقهائها الصالحين دعا الناس إلى الهجرة. وحسبك بإقامة الشيخ أبي محمد بن أبي زيد وأمثاله. وحدث في مصر مدّة الفاطميين أيضاً فلم يغادرها أحد من علمائها الصالحين. ودون هذه الأحوال الستّة أحوال كثيرة هي أولى بجواز الإقامة، وأنّها مراتب، وإنّ لبقاء المسلمين في أوطانهم إذا لم يفتنوا في دينهم مصلحة كبرى للجامعة الإسلامية.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الذين توفاهم الملائكة} أَيْ: قبضت أرواحهم. نزلت في قومٍ كانوا قد أسلموا ولم يهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر، فخرجوا معهم فقتلوا يوم بدرٍ، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقوله: {ظالمي أنفسهم} بالمقام في دار الشِّرك والخروج مع المشركين لقتال المسلمين {قالوا: فيم كنتم} أَيْ: قالت الملائكة لهؤلاء سؤال توبيخٍ وتقريع: أكنتم في المشركين أم كنتم في المسلمين؟ فاعتذروا بالضَّعف عن مقاومة أهل الشِّرك في دارهم فـ {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} أَيْ: في مكة، فحاجَّتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم و {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} أخبر الله تعالى أنَّ هؤلاء من أهل النَّار، ثمَّ استثنى من صدق في أنَّه مستضعفٌ فقال: {إلاَّ المستضعفين} أي: الذين يوجدون ضعفاء {لا يستطيعون حيلة} لا يقدرون على حيلةٍ ولا نفقةٍ ولا قوَّةٍ للخروج {ولا يهتدون سبيلاً} لا يعرفون طريقاً إلى المدينة. {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً} أَيْ: مهاجراً ومتحوَّلاً {كثيراً وسعة} في الرِّزق {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله...} الآية. نزلت في حبيب بن ضمرة اللَّيثي، وكان شيخاً كبيراً خرج متوجِّهاً إلى المدينة فمات في الطَّريق، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وافى المدينة لكان أتمَّ أجراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر أنَّ مَنْ قصد طاعةً، ثمَّ أعجزه العذر عن تمامها كتب الله ثواب تمام تلك الطَّاعة، ومعنى {وقع أجره على الله} وجب ذلك بإيجابه. {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا...} الآية. نزلت في إباحة قصر الصَّلاة في السَّفر، وظاهر القرآن يدل على أنَّ القصر يستباح بالسَّفر والخوف، لقوله: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} أَيْ: يقتلكم، والإِجماع منعقدٌ على أنَّ القصر يجوز في السَّفر من غير خوف، وثبتت السنَّة بهذا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكن ذكر الخوف في الآية، على حال غالب أسفارهم في ذلك الوقت، ثمَّ ذكر صلاة الخوف فقال: {وإذا كنت فيهم}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: توفاهم: تقبض أرواحهم عند نهاية آجالهم. ظالمي أنفسهم: بتركهم الهجرة وقد وجبت عليهم. فيم كنتم: في أي شيء كنتم من دينكم؟ مصيراً: مأوى ومسكناً. حيلة: قدرة على التحول. مراغماً: مكاناً وداراً لهجرته يرغم ويذل به من كان يؤذيه في داره. وسعة: في رزقه. وقع أجره على الله: وجب أجره في هجرته على الله تعالى. معنى الآيات: لما كانت الهجرة من آثار الجهاد ناسب ذكر القاعدين عنها لضرورة ولغير ضرورة فذكر تعالى في هذه الآيات الهجرة وأحكامها فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} حيث تركوا الهجرة ومكثوا في دار الهوان يضطهدهم العدو ويمنعهم من دينهم ويحول بينهم وبين عبادة ربهم. هؤلاء الظالمون لأنفسهم تقول لهم الملائكة عند قبض أرواحهم {فِيمَ كُنتُمْ}؟ تسألهم هذا السؤال لأن أرواحهم مدساة مظلمة لأنها لم تزك على الصالحات، فيقولون معتذرين: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} فلم نتمكن من تطهير أرواحنا بالإِيمان وصالح الأعمال، فترد عليهم الملائكة قولهم: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} وتعبدوا ربكم؟ ثم يعلن الله تعالى عن الحكم فيهم بقوله: فأولئك البعداء {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} وساءت جهنم مصيراً يصيرون إليه ومأوى ينزلون فيه. ثم استثنى تعالى أصحاب الأعذار كما استثناهم في القعود عن الجهاد في الآيات قبل هذه فقال عز من قائل: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ}، واستضعاف الرجال يكون بالعلل والنساء والولدان بالضعف الملازم لهم، هؤلاء الذين لا يستطيعون حيلة أي لا قدرة لهم على التحول والإِنتقال لضعفهم، {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} إلى دار الهجرة لعدم خبرتهم بالدروب والمسالك فطمعهم تعالى ورجاهم بقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ} المذكورون {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} فلا يؤاخذهم ويغفر لهم بعض ما قصروا فيه ويرحمهم لضعفهم وكان الله غفوراً رحيماً. هذ ما دلت عليه الآيات الثلاث. أما الآية الرابعة [100] فقد أخبر تعالى فيها أن من يهاجر في سبيله تعالى لا في سبيل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها يجد بإذن الله تعالى في الأرض مذهباً يذهب إليه وداراً ينزل بها ورزقاً واسعاً يراغم به عدوه الذي اضطهده حتى هاجر من بلاده، فقال تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} ثم أخبر تعالى أن من خرج مهاجراً في سبيل الله أي لأجل عبادته ونصرة دينه ثم مات في طريق هجرته وإن لم يصل إلى دار الهجرة فقد وجب أجره على الله تعالى وسيوفاه كاملاً غير منقوص، ويغفر الله تعالى له ما كان من تقصير سابق ويرحمه فيدخله جنته. إذ قال تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الهجرة عندما يحال بين المؤمنين وعبادة ربه تعالى إذ لم يخلق إلا لها. 2- ترك الهجرة كبيرة من كبائر الذنوب يستوجب صاحبها دخول النار. 3- أصحاب الأعذار كما سقط عنهم واجب الجهاد يسقط عنهم واجب الهجرة. 4- فضل الهجرة في سبيل الله تعالى. 5- من مات في طريق هجرته أعطى أجر المهاجر كاملاً غير منقوص وهو الجنة.
القطان
تفسير : توفاهم: تتوفّاهم، تقبض أرواحهم. مأواهم: مسكنهم. ان الذين تقبض الملائكة أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم بتركهم الهجرةَ من دار الشرك الى دار الاسلام ـ سوف نسألهم في أي شيء كنتم من أمر دينكم، ولماذا لم تهاجروا؟ فإن قالوا: كنا مستضعَفين بين المشركين يمنعوننا من الايمان بالله، واتباع رسوله، أجابهم الملائكة: ألم تكن أرضُ الله واسعة؟ لماذا لم ترحلوا الى دار الإسلام حيث تستطيعون ان تعبدوا الله وتتبعوا نبيه؟ ان مثل هؤلاء الذين قِدروا على الهجرة ولم يهاجروا مأواهم جهنم يُعذَّبون فيها وساءت مصيرا. ثم استثنى جلّ ذِكره المستضعَفين حقيقةً، من الرجال والنساء والولدان، فهم لا يستطيعون الهجرة، فبيّن ان عسى الله ان يعفو عنهم لعذرهم الواضح واللهُ عفوّ غفور. وقد روى المحدِّثون في سبب نزولها روايات عدة منها: قال ابن عباس: كان قوم بمكة قد أسلموا، فلما هاجر رسول الله كرهوا ان يهاجروا، وخافوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وفي بعض الروايات تسميةٌ لعدد منهم، مثل: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، وعلي بن أمية بن خلف، والحارث بن زمعة بن الأَسود، والعاصي بن منبه بن الحجاج وغيرهم. وتقول الروايات أنهم قُتلوا جميعاً او أكثرهم. وعلى كل حال فإن حُكم الآية باقٍ، ينطبق على كل من خذل المسلمين او قصّر في نصرهم وساعدَ الكفار.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَوَفَّاهُمُ} {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} {وَاسِعَةً} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {مَأْوَاهُمْ} (97) - كَانَ فِي مَكَّةَ قَوْمٌ قَدْ أَسْلَمُوا، وَأَخْفُوا إِسْلاَمَهُمْ، فَأَخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ إلى قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَأصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ كَانَ أصْحَابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ، وَأُكرْهُوا فَاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلى مَنْ بَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ المُسْتَخْفِينَ فِي مَكَّةَ: أنَّهُمْ لاَ عُذْرَ لَهُمْ، وَأَنَّ عَلَيْهِم الهِجْرَةَ. والآيَةُ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ أقَامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الهِجْرَةِ، وَلَيسَ مُتَمكِّناً فِي مَوطِنِهِ مِنْ إقَامَةِ أمُورِ دِينِهِ، فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُرْتَكِبٌ حَرَاماً بِالإِجْمَاعِ. وَظُلْمُهُمْ لأنْفُسِهِمْ هُوَ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِالحَقِّ خَوْفاً مِنَ الأذَى، وَفَقْدُ الكَرَامَةِ عِنْدَ ذَوِي قُرْبَاهُمْ مِنَ المُبْطِلِينَ، وَهَذا الاعْتِذَارُ مِمَّا يَعْتَذِرُ بِهِ الذِينَ يُسَايِرُونَ أَصْحَابَ البِدَعِ بِحُجَّةِ دَفْعِ الأذَى عَنْ أنْفُسِهِمْ بِمُدَارَاةِ المُبْطِلِينَ، وَهذا لا يُعْتَدُّ بِهِ، لأنَّ الوَاجِبَ يَقْضِي عَلَيهِمْ بِإقَامَةِ الحَقِّ مَعَ احْتِمَالِ الأذَى فِي سَبِيلِ اللهِ، أوِ الهِجْرَةِ إلى حَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ إِقَامَةِ دِينِهِمْ. وَمَعْنَى الآيةِ: إنَّ الذِينَ تَحْضُرُهُمُ الوَفَاةُ، وَهُمْ مُقِيمُونَ فِي أرْضِ الشِّرْكِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِقَامَةِ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ، وَلاَ إِظْهَارَهَا (وَقَدْ عَدّ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاءِ ظَالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِتَرْكِهِم الهِجْرَةَ إلى دَارِ الأمْنِ وَالإسْلاَمِ)، فَتَسْألُهُمُ المَلائِكَةُ الكِرَامُ: لِمَ لِبِثْتُمْ مُقِيمِينَ فِي أرْضِ الكُفْرِ، وَتَرَكْتُمُ الهِجْرَةَ؟ فَيُجِيبُونَ: إنَّهُم كُانُوا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ، لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ، وَلا الذَّهَابِ فِي الأرْضِ. فَتَقُولُ لَهُمُ المَلاَئِكَةُ: أَلَيْسَتْ أرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا إلى حَيْثُ الأَمْنُ وَالحُرِّيَّةُ، وَالقُدْرَةُ عَلَى إظْهَارِ الإِيمَانِ؟ وَيَقَولُ تَعَالَى: إنَّ هَؤُلاءِ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ، وَسَاءَتْ مَصِيراً.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} الآية. نزلت في ناس من أهل مكة دخلوا في الإسلام ولم يهاجروا، منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة. وقيس بن الوليد بن المغيرة وانهم أظهروا الإيمان وأسرّوا النفاق فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين فلما التقى الناس. ورأوا قلة المؤمنين قالوا: غرّ هؤلاء دينهم، فقتلوا يوم بدر فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وهزموهم، فذكر الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي يقبض أرواحهم ملك الموت. وقوله {تَوَفَّاهُمُ} إن نَصَبْتَ جعلته ماضياً فيكون في موضع النصب وإن نصبت أمسى فيكون على مستقبل ومعنى {أية : تَتَوَفَّاهُمُ} تفسير : [النحل: 28] وأراد بالملائكة ملك الموت لأن الله تعالى قد يحمل الخطاب في موضع ويفسره في موضع فيكون الحكم للمفّسر فيرد عهد الله وقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} يحتمل أن يكون أراد به ملك الموت واحتمل أن يكون غيره لكنه لمّا فسّره في موضع آخر بقوله {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة: 11] علم أن المراد بقوله (توفاهم الملائكة) ملك الموت والله أعلم. فإن قيل: فلم أخرجه بلفظ الجماعة؟ قيل: قد يرد الخطاب بلفظ الجمع والمراد به الواحد كقوله عز وجل (انا نحن) ولا عليك إن الله واحد. ومثله في القرآن كثير وقوله (ظالمي) ظالمي أنفسهم بالشرك، والنفاق، ونصب ظالمي على الحال من (توفاهم الملائكة) في حال تحملهم أي شركهم {قَالْوۤاْ} يعني الملائكة. {فِيمَ كُنتُمْ} أي فيماذا كنتم؟ سؤال تقريع وتوبيخ ويجوز أن يكون معناه: فيمن كنتم أفي المشركين أم في المسلمين؟ {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} أي مقهورين عاجزين {فِي ٱلأَرْضِ} يعني أرض مكة فأخرجونا معهم كارهين {قَالُواْ} يعني الملائكة {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ} يعني أرض المدينة {وَاسِعَةً} أي آمنة {فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} فتضلّوا بها وتخرجوا من بين أظهر مكة. وروى سليمان بن عمرو عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير في قوله {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} قال إذا عمل بالمعاصي في أرض فأُخرج منها. وروى سليمان بن عمرو عن عباد بن منصور بن الناجي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب به الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم " . تفسير : فأكذبهم الله عز وجل وإنّما أنّهم كانوا مستطيعين الهجرة فقال {فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ} أي منزلهم {جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي بئس المصير إلى جهنم. ثم استثنى أهل مكة منهم فقال: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} يعني المؤمنين المخلصين المقهورين بمكة لم يستطيعوا الهجرة ومنعوا من اللحوق بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتجهزون للحوق به {مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ} والمستضعفين نصب على الاستثناء من مأواهم {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} لا يقدرون على حيلة ولاقوة ولانفقة للخروج منها {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} لا يعرفون طريقاً إلى الخروج منها وقال: إنّما يعني طريق المدينة قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من الذين لايستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً وكنت غلاماً صغيراً {فَأُوْلَـٰئِكَ} الذين هم بهذه الصفة {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} أي يتجاوز {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} وفي هذه الآية دليل على إمكان قول مَنْ قال إن الإيمان هو الأقرار فقط وذلك إن هؤلاء القوم كانوا قد أظمروا الإقرار فلم ينفعهم ذلك بعد أن لم تكن سرائرهم موافقه لأقوالهم {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي في طاعة الله {يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}. مجاهد: مراغماً كثيراً: أي متزحزحاً على كره. علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، وعليّ بن الحكم عن الضحاك: المراغم: السهول من الأرض إلى الأرض. أما السعة فسعة من الرزق، وبه قال مقاتل بن حيان. وقال أبو عبيدة: المراغم والمهاجر واحد، يقال: راغمت قومي وهاجرتهم وهو المضطرب، والمُذهب في الأرض. قال النابغة الجعدي: شعر : كطود يلاذ بأركانه عزيز المراغم والمهرب تفسير : وقال الشاعر: شعر : إلى بلد غير داني المحل بعيد المراغم والمضطرب تفسير : قال القيسي: فأصله أن الرجل كان إذا أسلم خرج من قومه مراغماً أي مغاضباً لهم ومهاجراً أي مقاطعاً عن دينهم، وقيل للمذهب مراغم وللمصير للنبي صلى الله عليه وسلم هجرة لأنها كانت هجرة الرجل قومه. وقيل: إن أصله من الرغام وهو التراب أي راغمته أي هاجرته ولم أبال وإن رغم أنفه أي ألصق بالتراب. فلما نزلت هذه الآيات سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير [وضيئاً] يقال له: جندع فقال: والله ما أنا ممن استثنى الله وإني لأجد حيلة وإن لي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها، والله لا أبقى الليلة بمكة، أخرجوني، فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به إلى التسنيم فأدركه الموت بها فصفق يمينه على شماله. ثم قال: هذه لك هذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك فمات شهيداً فأتى خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو وافى المدينة لكان مهاجراً، وقال المشركون وضحكوا منه ما أدرك هذا ما طلب، فأنزل الله تعالى {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} قبل بلوغه إلى مهاجره {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ} أي وجب ثوابه {عَلىَ ٱللَّهِ} بإيجابه ذلك على نفسه {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} كان منه في حال الشرك {رَّحِيماً} بما كان منه في الإسلام. {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي هاجرتم فيها {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي حرج وإثم {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} يعني من الأربع ركعات إلى ركعتين {إِنْ خِفْتُمْ} أي علمتم {أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} في الصلاة {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} مجاهراً بعداوته وقال: [....] عدوا بمعنى أعداء والله أعلم. قوله { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ}. تمام الكلام ههنا. ثم أصبح يقصر صلاة المسافر واو العطف فقال: (فإن خفتم ان يفتنكم الذين كفروا) يريد فإن خفتم وهو حرف شرط وفي القرآن مثل هذا كثير أي خفي الخبر بتمامه ثم عطف عليه حرف منفصل عنه في الباطن وهو في الظاهر كالمتصل كقوله {أية : ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [يوسف: 51] الآية. هذا اعتراف امرأة العزيز ثم وصل بها حكاية أُخرى عن يوسف وهو قوله {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يوسف: 52] لأن بعد الاعتراف بالذنب لا معنى لقولها {أية : لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يوسف: 52]. وفي التفسير: أنَّ يوسف لما قال هذه المقالة. قال له جبرئيل (عليه السلام) ولا حين هممت؟ وعندئذ قال يوسف {أية : وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} تفسير : [يوسف: 53] ومثل قوله تعالى {أية : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} تفسير : [القصص: 68] وقال: {أية : مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} تفسير : [القصص: 68] افتتاح كلام آخر يريد به النفي لأنه لو كان متصلاً بأول الكلام كان معناه [....]. قال: وحَمْل الآية على نحو ما أشرنا إليه من النظم يفيد زيادة معنى وهو وجوب القصر في السفر من غير خوف نص الآية لأنك متى مافصلت قوله تعالى {أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} متصلاً بذكر قصر الصلاة لزمك أن تقول قصر الصلاة في السفر من غير خوف بالسنّة وأن السُنّة ناسخة الكتاب، قيل: على زيادة معنى مع إستقامة نظمها أولى من حملها على غيرها. حكم الآية اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم في إتمام الصلاة في السفر أربع ركعات ولكن أُبيح له القصر تخفيفاً عنه وإليه ذهب الشافعي، ورجّح الوجوب طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان في غزوة بني لحيان. {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} الآية. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر قالا: حديث : إن المشركين لما رأوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه [قاموا إلى] صلاة الظهر يصلّون جميعاً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمهم ندموا على تركهم إلاّ كانوا كبراً عليهم فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحبَّ إليهم من آبائهم وأبنائهم يعني صلاة العصر. وإذا رأيتموهم قد قاموا فيها فشدّوا عليهم فاقتلوهم. فلما قاموا إلى صلاة العصر نزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف فإن الله يقول {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} مقيماً يعني شهيداً معهم {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ} إلى آخر الآية قال: فعلمه جبرئيل صلاة أُخرى. فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقف أصحابه صفين ثم كبر فكبروا جميعاً، ثم إن الصف الآخر استقبلوا العدو بوجوهم يحمون النبي وأصحابه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصف الذي معه ركعة وسجدتين ثم قاموا وكبروا وراءهم من غير أن يتكلموا إلى مصاف أصحابهم ونكص آخرون حتى قاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم تشهد وسلم ثم قام الصف الذي خلفه فرجعوا إلى مصاف أصحابهم، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وأربع سجدات والقوم ركعة وسجدتين وصلى كل إنسان منهم لنفسه ركعة وسجدتين . تفسير : كيفية صلاة الخوف اختلف العلماء في كيفية صلاة الخوف. فقال الشافعي: إذا صلى في سفر صلاة الخوف من عدو غير مأمون، صلى الإمام بطائفة ركعة وطائفة فجاءه العدو فإذا فرغ العدو قام فلبث قائماً وأطال وأتمم الطائفة للركعة التي بقيت عليها يقرأ بأم القرآن وسورة، ويخفف ويسلم وينصرف فيقف وجاءه العدو، ويأتي الطائفة الأُخرى فيصلي بها الإمام الركعة الثانية التي بقيت عليه فيقرأ فيها بعد إتيانهم بأم القرآن وسورة قصيرة ويثبت جالساً وتقوم الطائفة تتم لنفسها الركعة التي بقيت عليها بأم القرآن وسورة قصيرة ثم تجلس مع الإمام كل واحدة منهما مع إمامها ما أحدثت الأُخرى منه. واحتج بقول الله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} الآية. فاحتج أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك يوم ذات الرقاع. وروى معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} قال: هذا في الصلاة عند الخوف يقيم الإمام ويقوم معه طائفة منهم وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بأزاء العدو فيصلي الإمام بمن معه ركعة ثم يثبت قائماً فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ثم ينصرفون حتى يأتوا بأصحابهم فيقفون موقفهم. ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية ثم يجلس الإمام فينظرهم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ويشهدون ثم يسلم بهم الإمام، فهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع. ويدل على صحة هذا التأويل أيضاً حديث سهل بن أبي خيثمة في صلاة الخوف وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقوم الإمام في صلاة الخوف ويقوم صف خلفه وصف موازي العدو فيصلي بهؤلاء ركعة. قال: فإذا صلى بهم ركعة قاموا مكانهم والإمام قائم فيصلوا ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف اولئك وجاء أولئك فيصلي بهم ركعة. ثم قاموا مكانهم فصلّوا ركعة. قال الشافعي: فإن كانت صلاة المغرب فإن صلّى ركعتين بالطائفة الاولى فيثبت قائماً وأتموا لأنفسهم فحسن، وإن ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم [فجائز] ثم يأتي بالطائفة الأخرى فيصلي بها ما بقي عليه ثم يثبت جالساً حتى يقضي مابقي عليها ثم يسلم بهم. قال: وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالساً في الثانية أوقائماً في الثالثة حتى يتم الطائفة التي معه. ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها كما وصفت الأخرى. قال: وإن كان العدو قليلاً من ناحية القبلة والمسلمون كثير يأمنوهم في مستوى لايسترهم شيء إن حملوا عليهم زادهم صلى بهم الإمام جميعاً وركع وسجد بهم جميعاً إلاّ صف عليه أو بعض صف الوراء وإذا قاموا بعد السجدتين سجد الذين حرسوا. وإذا ركع ركع بهم جميعاً وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولئك إلاّ صفاً أو بعض صف يحرسونهم فيهم فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا سجد الذين يحرسونهم ثم يتشهد ويتشهدون ثم يسلم بهم جميعاً معاً وقال: وهو تأخر منهم يحرسونهم إلى الصف الثاني. ويقدم الثاني فحرسوا فلا بأس، وهذا نحو صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عُسفان. روى شبل عن محمّد بن يوسف عن مجاهد في قوله {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} قال قوم: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعاً ركوعهم وسجودهم وقيامهم معاً جميعاً فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على صفوفهم، وأثقالهم وأنزل الله تعالى {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ} فصلى العصر فصف أصحابه صفين. ثم كبر بهم جميعاً ثم سجد الأولون سجدة فالآخرون ثم سجدوا حين قام النبي صلى الله عليه وسلم والصف الأقل ثم كبَّر بهم وركعوا بهم جميعاً فتقدم الصف الآخر وليتأخر الصف الأول فيها فصلوا جميعاً كما فعلوا أول مرة وقصر صلاة العصر في ركعتين، وتشهد، فهذا حديث جابر في صلاة الخوف. عطاء عن جابر قال: حديث : صلينا مع الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف وكان العدو بيننا وبين القبلة فأقيمت الصلاة فصففنا خلفه صفين. وكبَّر وكبَّرنا معه جميعاً ثم ركع وركعنا معه ثم رفع رأسه فسجد فلما سجد هو والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحو العدو. وكلما قضى رسول الله السجود هو والصف الذي يليه. قاموا بحذاء الصف المؤخّر بالسجود فسجدوا ثم تأخر الصف المقدم وتقدم الصف المؤخر ثم كبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركع وركعنا جميعاً. ثم رفع رأسه فاستوى قائماً فسجد هو والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الاولى، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود هو والصف الذي يليه سجد الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعاًتفسير : ، كما نصنع وسلم هؤلاء بأقرانهم. قال الشافعي: ولو صلى بالخلف [....]. فإذا صلى بالطائفة الأخرى ركعتين ثم يُسلم جائز وهكذا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ببطن المحل. وروى يحيى بن أبي كبر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن حديث : عن جابر بن عبد الله أخبره إنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحدى الطائفتين ركعتين وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله أربع ركعات وصلى كل طائفة ركعتين . تفسير : قال المزني: وهذا يدل عندي بوجوب فريضة خلف من يصلي نافلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالطائفة الثانية فريضة لهم ونافلة له صلى الله عليه وسلم فهذا مذهب الشافعي في صلاة الخوف. وقال أبو حنيفة: السنٌّة أن يفرّق الإمام المسلمين فرقتين، فيصلّي بفرقة ركعة، وفرقة فجاءه العدو ثمّ يتشهّد بالفرقة التي سلَّمت فيصلي بركعة وهم في الصلاة فيقفون. وجاءه العدو وجاءت الفرقة الأخرى فصلت مع الإمام الركعة الأخرى. ثم انصرفت وعادت الفرقة الاولى وصلت صلاتها فعادت إلى مواجهة العدو وانصرفت الفرقة الأخرى. وأتمّت صلاتها، وذهب أبو حنيفة في هذا إلى حديث ابن عمر في صلاة الخوف. وهو ما حديث : روى ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يحدث انه صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم فَصَفَّ وراءه طائفة وأقبلت طائفة على العدو، فركع [بهم] رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجدتين، [سجد] مثل نصف صلاة الصبح ثم انصرفوا وأقبلوا على العدو وصلت الطائفة الأخرى فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ففعل مثل ذلك، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وقام كل رجل من الطائفتين فصلى لنفسه ركعة [وسجدتين] . تفسير : قال نافع عن ابن عمر: فإن كان خوفاً أشد من ذلك، فليصلوا قياماً وركباناً حيث جهتهم وهذه صلاته بذي قردة. وروي عن أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بذي قرد فصف صفاً يوازي العدو. وقال: فصلى بالصف الذي معه ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلوا ركعة ثم سلم فيهم جميعاً ثم إنصرف وكان النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ولكل واحد من الفريقين ركعة . تفسير : حديث أبي هريرة في صلاة الخوف وروى عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم انه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة: نعم، فقال مروان: متى؟ قال: عام غزوة نجد، حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر. وقامت معه طائفة وطائفة اخرى مما يلي العدو، وأظهرهم إلى القبلة فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبّر الذين معه، والذين يقاتلون العدو جميعاً. ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة واحدة وركع معه الطائفة التي تليه ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه. والآخرون قيام مما يلي القوم، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت معه الطائفة الذين معه فذهبوا إلى العدو، فقاتلوهم فأقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو وركعوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هو. ثم قاموا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى وركعوا معه وسجد، وسجدوا ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو. فركعوا، وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد كما هو فثم سلم وسلموا جميعاً، فصلى رسول الله ركعتين. ولكل رجل من الطائفتين ركعتان . تفسير : واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون خلاف في هذا بين العلماء إلاّ ما حكى عن أبي يوسف والمزني أنهما قالا: لايصلي صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هذا موضع الكلام طلبهما في هذا بالقدر الذي ذكرت في هذا الموضع ينفع إن شاء الله. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} نزلت هذه الآية في رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا محارباً وبني أنمار [فهزمهم الله وأحرزوا الذراري والمال] فنزل رسول الله والمسلمون معه ولايرون من العدو واحداً فوضع الناس اسلحتهم وأمتعتهم من ناحية [وخرج رسول الله] فمشى لحاجات وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادي، [والسماء ترش] فحال الوادي بين رسول الله وبين أصحابه وجلس رسول الله وهوى بصخرة ليضربه غويرث بن الحرث المحاربي، ثم الحضرمي، فقال أصحابه: يا غويرث. هذا محمد قد انقطع من إصحابه. قال: قتلني الله إن تركته ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سلّه من غمده وقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم "الله" ثم دعا: اللهم اكفني غويرث بن الحرث بما شئت. ثم أهوى بالسيف على رسول الله ليضربه فانكبّ لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه وبدر سيفه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه ثم قال: "من يعصمك الآن يا غويرث" قال: لا أحد. قال: إشهد أن لا اله إلاّ الله وأني عبده ورسوله، فقال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبداً ولا أعين عليه، فأعطاه رسول الله سيفه فقال غويرث: للنبي صلى الله عليه وسلم لأنت خير مني. قال النبي صلى الله عليه وسلم "أجل أنا أحق بك منك ثم رجع غويرث إلى أصحابه". فقالوا: ويلك لقد رأيناك أهويت بالسيف قائماً على رأسه ما منعك منه؟ قال: والله إني أهويت إليه بالسيف لكني لا أدري من زلخني من كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي من بين يدّي فسبقني فأخذه وقال: يا غويرث من يمنعك مني الآن، فقلت: لا ثم قال: اشهد أن لا اله إلاّ الله وإني رسول الله وأعطيك سيفك فقلت: لا، ولكني أُعطيك موثقاً أن لا أقاتلك أبداً ولا أعين عليك عدواً، فردّ السيف إليّ . تفسير : قال: وسكن الوادي فقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأخبرهم الخبر، وأقرأهم هذه الآية {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي لاضرر {إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} من عدوكم {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} يهانون فيه. قال الزجاج: الجناح الإثم وأصله من جنحت إذا عدلت عن المكان وأخذت جانباً عن القصد ثمّ قال {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي لا تعدلون عن الحق إن وضعتم أسلحتكم، والأذى مقصور، يقال: أذى يأذي أذىً، مثل فرع يفرع فرعاً {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} يعني صلاة الخوف أي فرغتم منها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} يعني فصلوا لله {قِيَاماً} للصحيح {وَقُعُوداً} للسقيم {وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} للجرحى والمرضى لمن لا يستطيعون الجلوس، ويقال: معناه فاذكروا الله بتوحيده وتسبيحه وشكره على كل حال {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} يعني صلاة الخوف والمرض والقتال، ورجعتم إلى منازلكم {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي أتموا الصلاة أربعاً {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} أي واجباً مفروضاً في الحضر والسفر، فركعتان في السفر وأربع في الحضر، وكتب الله عليهم ووقته أي جعل للأوقات ومنه قوله تعالى {أية : وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ} تفسير : [المرسلات: 11] ووقتت مخففة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هؤلاء هم الذين يظلمون أنفسهم بعدم المشاركة في الجهاد وهذا ما يحدث لهم عندما تقبض الملائكة أرواحهم. و "التوفي" معناه "القبض"؛ فيقال: "توفيت دَيْني" أي قبضته مستوفياً. ويقال: "توفي الله الإنسان" أي قبضه إليه مستوفياً. والقبض له أمر أعلى، وهو الحق. ومن بعد ذلك هناك موكل عام هو "عزرائيل" ملك الموت، وهناك معاونون لعزرائيل وهم الملائكة. فإذا نسبت الوفاة فهي تنسب مرة لله، فالله يتوفى: لأنه الآمر الأعلى، وتنسب الوفاة للملائكة في قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} تفسير : [الأنعام: 61]. وتنسب الوفاة إلى عزرائيل. {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة: 11]. وإذا ما أطلق الحق هذه الأساليب الثلاثة في وصف عملية الوفاة فهل هذا اختلاف وتناقض وتضارب في أساليب القرآن؟ لا، بل هو إيضاح لمراحل الولاية التي صنعها الله، فهو الآمر الأعلى يصدر الأمر إلى عزرائيل، وعزرائيل يطلق الأمر لجنوده. وفي حياتنا ما يشرح لنا هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فالتلميذ قد يذهب إلى المدرسة بعد امتحان آخر العام ويعود إلى بيته قائلاً: لقد وجدت نفسي راسباً، والسبب في ذلك هم المدرسون الذين قصدوا عدم إنجاحي. ويرد عليه والده: المدرسون لم يفعلوا ذلك، ولكن اللوائح التي وضعتها الوزارة لتصحيح الامتحانات هي التي جعلتك راسباً. فيرد التلميذ: لقد جعلني الناظر راسباً. وهذا قول صحيح؛ لأن الناظر يطبق القوانين التي يحكم بمقتضاها على الطالب أن يكون ناجحا أو راسبا. وقد يقول التلميذ: إن وزير التربية والتعليم هو من جعلني راسباً. وهذا أيضاً صحيح؛ لأن الوزير يرسم مع معاونية الخطوط الأساسية التي يتم حساب درجات كل تلميذ عليها، فإذا قال التلميذ: لقد جعلتني الدولة راسباً، فهو قول صحيح؛ لأنه فهم تسلسل التقنين إلى مراحل العلو المختلفة، وأي حلقة من هذه الحلقات تصلح أن تكون فاعلاً. ومن هنا نفهم أن الحق سبحانه حين يقول: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42]. فهذا قول صحيح، مثل قوله سبحانه: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة: 11]. ومثل قوله سبحانه: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} تفسير : [الأنعام: 61]. كل هذه الأقوال صحيحة؛ لأنها تتعلق بمدارج الآمر. { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} والظلم هو أن تأتي لغير ذي الحق وتعطيه ما تأخذ من ذي الحق، والظلم يقتضي ظالماً ومظلوماً وأمرا وقع الظلم فيه. فكيف يكون الإنسان ظالماً لنفسه وتتوفاه الملائكة على ذلك؟. لا بد أنهم فعلوا ما يستحق ذلك. فساعة تأتي للإنسان الشخصية المعنوية الإيمانية بعد أن آمن بالله وآمن بالمنهج، ثم تحدثه نفسه بالمخالفة، هنا يواجه صراعاً بين أمرين: مسئولية الشخصية الإيمانية التي تَقَبَّل بها المنهج من الله، ووازع النفس التي تلح عليه بالانحراف. ويدور ما هو أشبه بالجوار بين المسئولية الإيمانية ووزاع النفس الملح بالانحراف. وعندما تتغلب النفس الإيمانية يعرف الإنسان أن نفسه صارت مطمئنة وسعيدة، ويقول لنفسه: إنك إن طاوعت وازع الانحراف تكن قد حققت شهوة عاجلة ستكْوى بها في آخر الأمر، وأنت برفضك للشهوة تكون قد أنصفت نفسك. ولو طاوعت شهوتك العاجلة تكون قد ظلمت نفسك. ومثل ذلك يحدث في حياتنا العادية: عندما تدلل الأم ابنها بينما يطلب منه والده الاستذكار ويحاول أن يردعه ليقوم بمسئوليته الدراسية، إن هذه الأم تظلم ابنها، وكذلك يعطينا الحق فكرة عن الصراع بين الشخصية الإيمانية والنفس الانحرافية التي تريد الهوى فقط فيقول: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27]. هنا يقول هابيل لقابيل: - ولماذا تقتلني؟. إنني لست أنا الذي تقبل القربان ولكن الذي تقبله هو الله فما ذنبي؟. ويأتي بعد ذلك الحوار: {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المائدة: 28]. ولنلتفت إلى هذا القول الحكيم: {أية : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} تفسير : [المائدة: 30]. كأن هناك صراعاً في نفس قابيل بين أمرين "اقتل" و "لا تقتل"، النفس الإيمانية تقول: "لا تقتل" والنفس الشهوانية تقول: "بل عليك أن تقتل". وتغلبت النفس الشهوانية عندما طوعت له قتل أخيه، ومهدت له ذلك. وبعد أن قتل أخاه، وضاعت شِرَّة الغضب صار من النادمين، ثم بدأت الحيثيات تظهر وتتضح. ويبعث الله غراباً يبحث ويحفر في الأرض ليواري جثة غراب آخر. هنا قال قابيل: {أية : أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} تفسير : [المائدة: 31]. وهكذا نرى أن ظلم النفس هو أن نخالف ما شرع الله للنفس لينفعها نفعاً أبدياً مستوفياً، ولكن النفس قد تندفع وراء حبها للشهوات وتمنيها للنفع العاجل الذي لا خلود له، وعندما يحقق الإنسان هذا النفع العاجل لنفسه فهو يظلم نفسه. { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} إذن فالملائكة تسأل ظالمي أنفسهم: {فِيمَ كُنتُمْ} أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع أي لماذا ظلمتم أنفسكم؟ ولماذا لم تفعلوا مثلما فعل إخوانكم وهاجرتم وانضممتم لموكب الإيمان وموكب الجهاد؟.، ولماذا ظللتم في أماكنكم محجوزين ومحاصرين ولا تستطيعون الحركة ولا تستيطعون الفِكاك؟ وتكون إجابة الذين ظلموا أنفسهم: {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ}. وبالله عندما يحكي لنا الله هذه الصورة التي تحدث يوم القيامة فهل سيكون عندنا وقت للاستفادة منها؟. طبعاً لا؛ لأنه لن يكون لنا قدرة الاستدراك لنصحح الخطأ. والحق حين يقص علينا هذا المشهد فذلك من لطفه بنا، وتنبيه لكل منا: احذروا أن يأتي موقف ويحدث فيه ما أوضحته لكم ولن يستطيع أحد أن يستدرك الحياة ليصنع العمل الطيب. وعلى كل منكم أن يبحث أمر نفسه الآن. { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} وكلمة {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} تفيد أن قوماً استضعفوهم، أي أنهم لم يكونوا قادرين على الخروج والهجرة ولا يعرفون السبيل إليها، وخافوا على أموالهم وديارهم، والقوم الذين استضعفوهم قالوا لهم: إن خرجتم لا تأخذوا شيئاً من أموالكم. هذه هي بعض مظاهر الاستضعاف. وهنا تقول الملائكة ما يفيد أن هذا الكلام لا يليق ولا ينفع، تقول الملائكة: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}. وكأن هذا تنبيه آخر، وإعلان أن مثل هذا القول ومثل تلك الحجة لا قيمة لها؛ لأن الذي يمسكه مكانه وماله دون الله إنما هو من وضع وربط يقينه بالأسباب. أما الذي يضع منهج الله فوق مكانه وولده وكل شيء فهذا هو الذي وثق بالله لأنه هو المسبب وهو مانح ومعطي الأسباب. {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} وهذا القول على لسان الملائكة قادم من القانون الأعلى، فقد خلق الحق الخلق جميعاً واسكنهم في الأرض، وهذه الأرض ليست لأحد دون أحد، فمن يضق به مكان فليذهب إلى مكان آخر. وإذا كان الإنسان من ظلمه وجبروته وعتوه قد صنع تحديدا للمكان، فلا ينتقل إنسان من مكان إلى مكان إلا بعد سلسلة طويلة من التعقيدات التي تحول دون الانتقال من مكان إلى مكان، فذلك مناقضة لقضية الخلافة في الأرض؛ لأن الخلافة لم توزع كل جماعة على أرض ما. ولكن الإنسان، كل إنسان خليفة في الأرض كل الأرض، مصداقاً لقول الحق: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10]. فقد جعل الله الأرض متضعة مسخرة مذللة للإنسان، والأرض هي أي أرض، والأنام هم كل الأنام. وإن لم ينتبه العالم إلى هذه القضية ويجعلها قضية كونية اجتماعية، سيظل العالم في فساد وشقاء. فالذي يجعل الحياة في الأرض فاسدة هو خروج بعض الآراء التي تقول: إن الكثافة السكانية تمنع أن نجد الطعام لسكان بلد ما. يقولون ذلك في حين أن أرضاً أخرى تحتاج إلى أيد عاملة، ولذلك نجد أن البشرية أمام وضع مقلوب، فأرض في بلاد تحتاج إلى أناس، وأناس من بلاد يحتاجون إلى الأرض. ومن الواجب أن تسيح المسألة فتأخذ الأرض التي بلا رجال ما تحتاجه من الرجال من البلاد التي لا أرض فيها. وهذا الضجيج الذي يعلو في الكون سببه أنه يوجد في كون الله أرض بلا رجال ورجال بلا أرض، فإذا ما ضاق مكان بإنسان فله أن يذهب إلى مكان آخر، ولو كان الأمر كذلك لسعدت البشرية، ومن ينقض هذه القضية فعلية أن يعرف أنه ياخذ الخلافة في الأرض بغير شروطها، فالذي يفسد الأمر في الأرض أن الإنسان الخليفة في الأرض نسي أنه خليفة واعتبر نفسه أصيلاً في الكون. وما دام قد اعتبر نفسه أصيلاً في الكون فهذا هو الفساد. {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً} [النساء: 97]. إذن، فإن أقام الإنسان على ضيم ولم يعمل فكره وعقله ولم يطرح قضية الكون أمامه ليرى الأرض التي تسعه فيهاجر فيها فعلية أن يعرف أنه مهدد بسوء المصير؛ لأن الله قد جعل له الكون كله ليكون فيه خليفة، أمّا الذين سوف ينجون من هذا العقاب ومن تعنيف الملائكة لهم ساعة الوفاة فهم مَن يقول عنهم الحق في الآية التالية: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: خرج رجل من مكة يريد النبي، صلى الله عليه وسلم، وأَصحابه، فمات في الطريق، فقال المشركون: ما أَدرك هذا شيئاً. فأَنزل الله، عز وجل: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} [الآية: 100]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} [الآية: 97] يعني: من قتل من ضعفاءِ كفار قريش يوم بدر {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [الآية: 98] وهم مؤمنون كانوا مستضعفين بمكة فقال أَصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هم بمنزلة الذين قتلوا ببدر من ضعفاءِ قريش فنزل فيهم: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} يعني: طريقاً {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} [الآية: 99]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً} [الآية: 100] يعني: متزحزحاً عما يكره. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} [الآية: 101] وذلك يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم، بعسفان. والعدو بضجنان، فصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأَصحابه الظهر أَربع ركعات. ركوعهم وسجودهم، وقيامهم، وقعودهم جميعاً، فهمّ بهم المشركون أَن يغيروا على أَمتعتهم وأَقالهم، إِذا قاموا للعصر، فأَنزل الله عز وجل: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ} إِلى آخر [الآية: 102]. فصفّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أَصحابه خلفه صفين، ثم كبّر بهم وكبّروا جميعاً، ثم سجد الأَولون بسجود النبي والآخرون قيام، ثم سجد الآخرون ثم كبّر بهم وكبروا جميعاً. فتقدم الصف الآخر واستأْخر الصف الأَول. فتعاقبوا السجود كما فعلوا أَول مرة، وقصرت صلاة العصر ركعتين.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ثواب المجاهدين الأبرار، أتبعه بذكر عقاب القاعدين عن الجهاد الذين سكنوا في بلاد الكفر، ثم رغب تعالى في الهجرة من دار الكفر إِلى دار الإِيمان وذكر ما يترتب عليها من السعة والأجر والثواب، ثم لما كان الجهاد والهجرة سبباً لحدوث الخوف بين تعالى صلاة المسافر وطريقة صلاة الخوف، ثم أتبع ذلك بذكر أروع مثل في الانتصار للعدالة سجله التاريخ ألا وهو إِنصاف رجل يهودي اتهم ظلماً بالسرّقة وإِدانة الذين تآمروا عليه وهم أهل بيت من الأنصار في المدينة المنورة. اللغَة: {مُرَاغَماً} مذهباً ومتحولاً مشتق من الرّغام وهو التراب قال ابن قتيبة: المُراغم والمُهَاجر واحد وأصله أن الرجل كان إِذا أسلم خرج عن قومه مُراغماً لهم أي مغاضباً فقيل للمذهب مُرَاغَماً وسمي مصيره إِلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة {سَعَةً} اتساعاً في الرزق {تَقْصُرُواْ} القصر: النقص يقال قصر صلاته إِذا صلّى الرباعية ركعتين قال أبو عبيد: فيها ثلاث لغات قصرتُ الصلاة وقصَّرتها وأقصرتها {تَغْفُلُونَ} الغفلة: السهو الذي يعتري الإِنسان من قلة التحفظ والتيقظ {مَّوْقُوتاً} محدود الأوقات لا يجوز إِخراجه عن وقته {تَهِنُواْ} تضعفوا {خَصِيماً} الخصيم بمعنى المخاصم أي المنازع والمدافع {خَوَّاناً} مبالغاً في الخيانة. سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال: كان قوم من المسلمين أقاموا بمكة - وكانوا يستخفون بالإِسلام - فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأُكرهوا على الخروج فنزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ..} الآية. ب - كان ضمرة بن القيس من المستضعفين بمكة وكان مريضاً فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال لأولاده احملوني فإِني لستُ من المستضعفين وإِني لأهتدي الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير ثم خرجوا به فمات في الطريق بالتنعيم فأنزل الله {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ}. ج - روي أن رجلاً من الأنصار يقال له "طُعمة بن أُبيرق" من بني ظفر سرق درعاً من جاره "قتادة ابن النعمان" في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرقٍ فيه فخبأها عند "زيد بن السمين" اليهودي فالتُمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إِلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إِليَّ طُعْمة وشهد له ناسٌ من اليهود فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهدوا ببراءته وسرقة اليهودي فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزلت الآية {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ..} الآية وهرب طُعْمة إِلى مكة وارتد ونقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله. التفسِير: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} أي تتوفاهم الملائكة حال كونهم ظالمي أنفسهم بالإِقامة مع الكفار في دار الشرك وترك الهجرة إِلى دار الإِيمان {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي تقول لهم الملائكة في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم؟ وهو سؤال توبيخ وتقريع قالوا معتذرين: كنا مستضعفين في أرض مكة عاجزين عن إِقامة الدين فيها {قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}؟ أي قالت لهم الملائكة توبيخاً: أليست أرض الله واسعة فتهاجروا من دار الكفر إِلى دارٍ تقدرون فيها على إِقامة دين الله كما فعله من هاجر إِلى المدينة وإِلى الحبشة؟ قال تعالى بياناً لجزائهم {فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي مقرهم النار وساءت مقراً ومصيراً، ثم استثنى تعالى منهم الضعفة والعاجزين عن الهجرة فقال {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} أي لكن من كان منهم مستضعفاً كالرجال والنساء والأطفال الذين استضعفهم المشركون وعجزوا لإِعسارهم وضعفهم عن الهجرة ولا يستطيعون الخلاص ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} أي لعل الله أن يعفو عنهم لأنهم لم يتركوا الهجرة اختياراً {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} أي يعفو ويغفر لأهل الأعذار، وعسى في كلام الله تفيد التحقيق {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} هذا ترغيبٌ في الهجرة أي من يفارق وطنه ويهرب فراراً بدينه من كيد الأعداء يجد مُهَاجراً ومتجولاً في الأرض كبيراً يُراغم به أنف عدوه ويجد سعةً في الرزق فأرض الله واسعة ورزقه سابغ على العباد {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [العنكبوت: 56] {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} أخبر تعالى أن من خرج من بلده مهاجراً من أرض الشرك فاراً بدينه إِلى الله ورسوله ثم مات قبل بلوغه دار الهجرة فقد ثبت أجر هجرته على الله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي ساتراً على العباد رحيماً بهم {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} أي وإِذا سافرتم للغزو أو التجارة أو غيرهما فلا إِثم عليكم أن تقصروا من الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي إِن خشيتم أن ينالكم مكروه من أعدائكم الكفرة، وذكرُ الخوف ليس للشرط وإِنما هو لبيان الواقع حيث كانت أسفارهم لا تخلو من خوف العدو لكثرة المشركين ويؤيده حديث "يعلى بن أمية" قال قلت لعمر بن الخطاب: إِن الله يقول {إِنْ خِفْتُمْ} وقد أمن الناس فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال "حديث : صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" تفسير : {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} أي إِن الكافرين أعداء لكم مظهرون للعداوة ولا يمنعهم فرصة اشتغالكم بمناجاة الله أن يقتلوكم {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} أي وإِذا كنت معهم يا محمد وهم يصلون صلاة الخوف في الحرب فلتأتم بك طائفة منهم وهم مدججون بأسلحتهم احتياطاً ولتقم الطائفة الأخرى في وجه العدو {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} أي فإِذا فرغت الطائفة الأولى من الصلاة فلتأت الطائفة التي لم تصلّ إِلى مكانها لتصلي خلفك {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} أي وليكونوا حذرين من عدوهم متأهبين لقتالهم بحملهم السلاح {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً} أي تمنى أعداؤكم أن تنشغلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم فيأخذوكم غرة، ويشدوا عليكم شدة واحدة فيقتلونكم وأنتم تصلون والمعنى لا تتشاغلوا بأجمعكم بالصلاة فيتمكن عدوكم منكم ولكن أقيموها على ما أُمرتم به {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ} أي لا إِثم عليكم في حالة المطر أو المرض أن لا تحملوا أسلحتكم إِذا ضعفتم عنها {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي كونوا متيقظين واحترزوا من عدوكم ما استطعتم {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} أي أعدَّ لهم عذاباً مخزياً مع الإِهانة، روى ابن كثير عند هذه الآية عن أبي عياش الزُرقي قال: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد - وهم بيننا وبين القبلة - فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقالوا: لقد كانوا على حالٍ لو أصبنا غرتهم ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحبُّ إِليهم من أبنائهم وأنفسهم قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر تفسير : {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} الآية ثم أمر تعالى بكثرة ذكره عقب صلاة الخوف فقال {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} أي فإِذا فرغتم من الصلاة فأكثروا من ذكر الله في حال قيامكم وقعودكم واضطجاعكم واذكروه في جميع الحالات لعله ينصركم على عدوكم {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي فإِذا أمنتم وذهب الخوف فأتموا الصلاة وأقيموها كما أمرتم بخشوعها وركوعها وسجودها وجميع شروطها {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} أي فرضاً محدوداً بأوقات معلومة لا يجوز تأخيرها عنه، ثم حث تعالى على الجهاد والصبر عند الشدائد فقال {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي لا تضعفوا في طلب عدوكم بل جدّوا فيهم وقاتلوهم واقعدوا لهم كل مرصد {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} أي إِن كنتم تتألمون من الجراح والقتال فإِنهم يتألمون أيضاً منه كما تتألمون ولكنكم ترجون من الله الشهادة والمثوبة والنصر حيث لا يرجونه هم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بمصالح خلقه حكيماً في تشريعه وتدبيره، قال القرطبي: نزلت هذه الآية في حرب أُحد حيث أمر صلى الله عليه وسلم بالخروج في آثار المشركين وكان بالمسلمين جراحات وكان أمر ألا يخرج معه إِلا من حضر في تلك الوقعة، وقيل: هذا في كل جهاد. {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي إِنا أنزلنا إِليك يا محمد القرآن متلبساً بالحق لتحكم بين الناس بما عرّفك الله وأوحى به إِليك {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} أي لا تكن مدافعاً ومخاصماً عن الخائنين تجادل وتدافع عنهم، والمراد به "طعمة بن أبيرق" وجماعته {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} أي استغفر الله مما هممتَ به من الدفاع عن طُعْمة اطمئناناً لشهادة قومه بصلاحه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي مبالغاً في المغفرة والرحمة لمن يستغفره {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} أي لا تخاصم وتدافع عن الذين يخونون أنفسهم بالمعاصي {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} أي لا يحب من كان مفرطاً في الخيانة منهمكاً في المعاصي والآثام {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ} أي يستترون من الناس خوفاً وحياءً ولا يستحيون من الله وهو أحق بأن يُستحيا منه ويخاف من عقابه {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي وهو معهم جل وعلا عالم بهم وبأحوالهم يسمع ما يدبرونه في الخفاء ويضمرونه في السر من رمي البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} أي لا يعزب عنه شيء منها ولا يفوت.. ثم قال تعالى توبيخاً لقوم طُعْمة {هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي ها أنتم يا معشر القوم دافعتم عن السارق والخائنين في الدنيا {فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي فمن يدافع عنهم في الآخرة إِذا أخذهم الله بعذابه؟ {أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}؟؟ أي من يتولى الدفاع عنهم ونصرتهم من بأس الله وانتقامه؟ ثم دعاهم الله تعالى إِلى الإِنابة والتوبة فقال {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} أي من يعمل أمراً قبيحاً يسوء به غيره كاتهام بريء أو يرتكب جريمة يظلم بها نفسه كالسرقة {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي ثم يتوب من ذنبه يجد الله عظيم المغفرة واسع الرحمة قال ابن عباس: عرض اللهُ التوبة بهذه الآية على بني أُبيرق {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي من يقترف إِثماً متعمداً فإِنما يعود وبال ذلك على نفسه وكان الله عليماً بذنبه حكيماً في عقابه {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً} أي من يفعل ذنباً صغيراً أو إِثماً كبيراً {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} أي ثم ينسب ذلك إِلى بريء ويتهمه به فقد تحمّل جرماً وذنباً واضحاً، ثم بين تعالى فضله على رسوله فقال {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} أي لولا فضل الله عليك بالنبوة ورحمته بالعصمة لهمت جماعة منهم أن يضلوك عن الحق، وذلك حين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبرئ صاحبهم "طُعْمة" من التهمة ويلحقها باليهودي فتفضل الله عز وجل على رسوله بأن أطلعه على الحقيقة {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} أي وبال إِضلالهم راجع عليهم {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} أي وما يضرونك يا محمد لأن الله عاصمك من ذلك {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي أنزل الله عليك القرآن والسنة فكيف يضلونك وهو تعالى يُنزل عليك الكتاب ويوحي إِليك بالأحكام {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} أي علمك ما لم تكن تعلمه من الشرائع والأمور الغيبية وكان فضله تعالى عليك كبيراً بالوحي والرسالة وسائر النعم الجسيمة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام الذي يراد به التوبيخ والتقريع في {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ}؟ وفي {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً}؟ 2- إِطلاق العام وإِرادة الخاص {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} أريد بها صلاة الخوف. 3- الجناس المغاير في {يَعْفُوَ.. عَفُوّاً} وفي {يُهَاجِرْ.. مُهَاجِراً} وفي {يَخْتَانُونَ.. خَوَّاناً} وفي {يَسْتَغْفِرِ.. غَفُوراً}. 4- إِطلاق الجمع على الواحد في {تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} يراد به ملك الموت وذكر بصيغة الجمع تفخيماً له وتعظيماً لشأنه. 5- طباق السلب {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ}. 6- الاطناب بتكرار لفظ الصلاة تنبيهاً على فضلها {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً}.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} الآية، روى البخاري عن ابن عباس أن ناساً من المسلمين كانوا من المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم أو يضرب فيقتل فنزلت ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد اتبعه بعقاب من قعد عن الجهاد وسكن في بلاد الكفر. قال ابن عباس: التوفي هنا قبض الأرواح. وقرىء توفاهم احتمل أن يكون ماضياً واحتمل أن يكون مضارعاً. وقرئ توفتهم وتوفاهم والملائكة هنا ظاهرة الجمع فيكون المتوفي ملك الموت وأعوانه كما قال تعالى: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} تفسير : [الأنعام: 61]. ولذلك جاء الضمير مجموعاً في قوله: قالوا فيم كنتم. وهذا الاستفهام معناه التوبيخ والتقريع والمعنى في أي شيء كنتم من أمر دينكم وقيل من أحوال الدنيا وجوابهم للملائكة اعتذار عن تخلفهم عن الهجرة وإقامتهم بدار الكفر وهو اعتذار غير صحيح والذي يظهر أن قولهم كنا مستضعفين في الأرض جواب لقوله: فيم كنتم. على المعنى لا على اللفظ لأن معنى فيم كنتم في أي حال مانعة من الهجرة كنتم قالوا: كنا مستضعفين، أي في حالة استضعاف في الأرض بحيث لا نقدر على الهجرة. وهو جواب كذب والأرض هنا أرض مكة وظاهر قوله: فتهاجروا. انه منصوب على جواب قوله: ألم تكن، أو مجزوماً معطوفاً على تكن. {مِنَ ٱلرِّجَالِ} جماعة كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد، ومن النساء وجماعة كأمّ الفضل لبابة بنت الحارث أم عبد الله بن عباس، ومن الوالدان عبد الله بن عباس وغيره. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} قال الزمخشري: صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان قال: وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس بشيء بعينه كقوله: ولقد أمر على اللئيم يَسبُني. "انتهى". وهو تخريج ذهب إلى مثله بعض النحويين في قوله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [يس: 37] وهو هدم للقاعدة المشهورة ان النكرة لا تنعت إلا بالنكرة والمعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة والذي يظهر انها جملة مفسرة لقوله: المستضعفين، لأنه في معنى إلا الذين استضعفوا فجاءت بياناً وتفسيراً لذلك، لأن الإِستضعاف يكون بوجوه فيبين جهة الاستضعاف النافع في التخلف عن الهجرة وهي عدم استطاعة الحيلة وعدم اهتداء السبيل. والثاني مندرج تحت الأول لأنه يلزم من انتفاء القدرة على الحيلة التي يتخلص بها انتفاء اهتداء السبيل. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مسلمي مكة بهذه الآية. فقال جندب بن ضمرة الليثي، ويقال جندع بالعين أو ضمرة بن جندب لبنيه: احملوني فإِني لست من المستضعفين وإني لأهتدي الطريق والله لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم رضي الله عنه.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} وهم الذين بقوا في مكة، ولم يهاجروا مع رسول الله ولا بعده، فاستزلهم العدو، وأخرجوهم إلى قتال رسول الله يوم بدر، فقتلهم الملائكة حين إمدادهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم {ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} بتوطينها بين العدو مع القدرة على الهجرة، مع أنه حينئذ لا يقبل منهم الإيمان بلا هجرة، ثم نسخ بعد الفتح لذلك قال عليه السلام: "حديث : لا هجرة بعد الفتح"تفسير : {قَالُواْ} أي: الملائكة لهم حين أظهروا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {فِيمَ كُنتُمْ} في أي أمر وشأن من دينكم مع كونكم بين أعداء الله ورسوله؟ {قَالُواْ} في جوابهم معتذرين: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} محبوسين {فِي ٱلأَرْضِ} أرض العدو حين استزلونا وأخرجونا إلى قتال رسول الله {قَالْوۤاْ} أي: الملائكة موبخين لهم مقرعين تبكيتاً والزاماً: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} مع كونكم غير ملجئين على القعود {فَأُوْلَـٰئِكَ} البعداء المداهنون مع الأعداء المظاهرين لهم {مَأْوَاهُمْ} ومثواهم {جَهَنَّمُ} البعد عن جوار الله وسعة رحمته {وَسَآءَتْ} جهنم {مَصِيراً} [النساء: 97] مآباً ومتقلباً لهم. {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ} الذين استضعهم المرض أو الهرم أو عدم المكنة {وَٱلنِّسَآءِ} لأنهن لسن متكلفات بالهجرة إلا مع أزواجهن {وَٱلْوِلْدَانِ} وهم ليسوا من أهل التكليف، وبالجملة: المستضعفون هم الذين {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} أي: لا يقدرون على إحداث حيلة تنجيهم عن أعدائهم {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء: 98] يوصلهم إلى أوليائهم حتى يهاجروا. {فَأُوْلَـٰئِكَ} المضطربون في أمر الهجرة المستضعفون في يد العدو {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} أي: يمحو عن صحائف أعمالهم زلتهم الاضطرارية، ويغفر ذنوبهم كسائر المؤمنين إن كانوا مخلصين في الإيمان {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع لسرائر عباده ونيابتهم {عَفُوّاً} لمن أخلص {غَفُوراً} [النساء: 99] لمن تاب ورجع.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن القاعدين الظالمين لأنفسهم بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97] إلى قوله: {غَفُوراً} [النساء: 99]، والإشارة فيها: إن المؤمنين عوام وخواص وخاص الخاص، كقوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}تفسير : [فاطر: 32]؛ وهو العام، {أية : وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} تفسير : [فاطر: 32]؛ وهو الخاص، {أية : وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [فاطر: 32]؛ وهو خاص الخاص، فالذي {تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97]؛ فهم العوام الذين ظلموا على أنفسهم بتدسيسها من غير تزكيتها عن أخلاقها الذميمة وتحليتها بالأخلاق الحميدة ليفلحوا فخابوا وخسروا، كما قال الله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9-10]، {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} [النساء: 97]؛ أي: قالت الملائكة حين قبضوا أرواحهم في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم تبطلون استعدادكم الفطري؟ وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون؟ وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟ أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي، وتنسون الطهور الساقي، وإخوانكم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ويهاجرون عن الأوطان ويفارقون الإخوان والأخدان، {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ} [النساء: 97]؛ أي: عاجزين عن استيلاء النفس الأمارة، وغلبة الهوى ما سوى الشيطان في حبس البشرية، {قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً} [النساء: 97]؛ أي: أرض القلب واسعة، {فَتُهَاجِرُواْ} [النساء: 97] عن مضيق أرض البشرية تسلكوا في فسحة عالم الروحانية، بل تطيروا في هواء الهوية، {فَأُوْلَـٰئِكَ} [النساء: 97]؛ يعني: ظالمي أنفسهم، {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [النساء: 97] البعد عن مقامات القرب، {وَسَآءَتْ مَصِيراً} [النساء: 97]، جهنم البعد لتاركي القرب، والقاعدين عن جهاد النفس، {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ} [النساء: 98]، الذي صفتهم {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} [النساء: 98] في الخروج عن الدنيا؛ لكثرة العيال وضعف الحال، وعلى قهر النفس وغلبة الهوى، ولا على قمع الشيطان في طلب الهدى، {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء: 98]، إلى صاحبة ولاية يتمسكون بعروة الوثقى، ويعتصمون بحبل إرادته في طلب المولى، فيخرجهم من ظلمات البشرية إلى نور سماء الربوبية على أقدام العبودية؛ وهم المقتصدون المشتاقون، ولكن بحجب الأنانية محجوبون عن شهود جمال الحق محرومون فعذرهم الله، ووعدهم الله رحمته وقال تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } [النساء: 99]، السكون عن الله والركون إلى غير الله {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 99] في الأزل، {عَفُوّاً} [النساء: 99]؛ لعفوه أمكنكم التقصير في العبودية {غَفُوراً} [النساء: 99]؛ ولغفرانه أمهلهم في إعطاء حق الربوبية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم، ويقولون لهم: { فِيمَ كُنْتُمْ } أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم. { قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْض } أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة. ولهذا قالت لهم الملائكة: { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا } وهذا استفهام تقرير، أي: قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعًا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله، كما قال تعالى: {أية : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } تفسير : قال الله عن هؤلاء الذين لا عذر لهم: { فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } وهذا كما تقدم، فيه ذكر بيان السبب الموجِب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع. وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر، وفي الآية دليل على أن كل مَن توفي فقد استكمل واستوفى ما قدر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ "التوفي" فإنه يدل على ذلك، لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيًا. وفيه الإيمان بالملائكة ومدحهم، لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه التقرير والاستحسان منهم، وموافقته لمحله. ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة، الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه { وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا } . فهؤلاء قال الله فيهم: { فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } و "عسى" ونحوها واجب وقوعها من الله تعالى بمقتضى كرمه وإحسانه، وفي الترجية بالثواب لمن عمل بعض الأعمال فائدة، وهو أنه قد لا يوفيه حق توفيته، ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرًا فلا يستحق ذلك الثواب. والله أعلم. وفي الآية الكريمة دليل على أن من عجز عن المأمور من واجب وغيره فإنه معذور، كما قال تعالى في العاجزين عن الجهاد: {أية : لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } تفسير : وقال في عموم الأوامر: {أية : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } . تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" تفسير : ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده وانسدت عليه أبواب الحيل لقوله: { لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } وفي الآية تنبيه على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما مما يحتاج إلى سفر من شروط الاستطاعة.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ} [98] 139- أنا زكريا بن يحيى، نا إسحاق، نا المُقري، نا حيوة بن شُرَيح، أنا محمد بن عبد الرحمن قال: قُطع على أهل المدينة بعثٌ إلى اليمن فاكتتبتُ فيه فَلَقيت عكرمة فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي، وقال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سواد المشركين فيأتي أحدهم السهم يُرْمى به فيُصيبه فيقتله أو يُضرب فيُقتل، فنزلت {ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} الآية [النساء: 97].
همام الصنعاني
تفسير : 624- عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر عن قتادة والحسن في قوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}: [الآية: 100]، قال: متحولاً. 628- عبد الرزاق، أنبأنا ابن عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرو، عن عِكْرِمة في قوله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً}: [الآية: 98]، قال: مخرجاً، {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}: [الآية: 98]، قال: طَريقاً إلى المدينة. 629- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قَتَادة، قال: لَمَّا نزلتْ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ}: [الآية: 97]، قال: رجُلٌ مِنَ المسلمين وهو مَريضٌ يومئذٍ: والله مالي مِن عُذْر، إني لدليل بالطريق، وإني لموسر فاحْمِلُوني فحمَلُوهُ فأدركه الموتُ في الطريق فنزل فيه: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}: [الآية: 100]. 630- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابنُ عُيَيْنَة عن عَمْرو، قال: سمعتُ عِكْرِمة يقول: كان ناسٌ مِنَ أَهْلِ مكة قد شَهِدوا أن لا إلَه إلا الله قال: فلما خرج المشركومن إلى بدر أخرجوهم مَعَهُمْ فَقُتِلُوا، فنزلت فيهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} إلى: {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}: [الآيات: 97-99]، قال: فَكَتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، قال: فخَرَج ناسٌ مِنَ المسلمِينَ حتى إذا كانوا ببعْضِ الطريق طلبهم المشركونَ، فأدركوهم، فمِنْهُم مَنْ أُعْطِيَ الفتنة، فأنزل الله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ}تفسير : : [العنكبوت: 10]، فكَتَب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، فقال رجُلٌ من بني ضمرة - وكان مريضاً -: أخرجوني إلى الروح فأخرجوه حتى إذا كان بالحَصْحَاصِ مَات. فأنزل الله فيه: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}: [الآية: 100]، وأنزل في أولئك الذين كانوا أعطوا الفتنة: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ}تفسير : : [النحل: 110] إلى {رَّحِيمٌ}. 631- قال عبد الرزاق، قال: ابن عُيَيْنة: وأخبرني محمد بن إسحاق في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}: [الآية: 97]، قال: هم خَمْسَةُ فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْش: عليّ بن أمية، وأبو قيس بن الفاكه، وزَمْعَة بن الأسْوَدُ، وأبُو العاصي بن مُنَبِّه، قال: ونسيتُ الخامس. 632- عبد الرزاق عن ابن عُيَيْنَة، عَنْ عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاس يقولُ: كنتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتضْعَفِينَ من النساء والولدان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):