Verse. 591 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِلَّا الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاۗءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيْعُوْنَ حِيْلَۃً وَّلَا يَہْتَدُوْنَ سَبِيْلًا۝۹۸ۙ
Illa almustadAAafeena mina alrrijali waalnnisai waalwildani la yastateeAAoona heelatan wala yahtadoona sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان» الذين «لا يستطيعون حيلة» لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة «ولا يهتدون سبيلا» طريقا إلى أرض الهجرة.

98

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَآءِ وَٱلْوِلْدٰنِ } الذين {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } لا قوّة لهم على الهجرة ولا نفقة {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } طريقاً إلى أرض الهجرة.

البقاعي

تفسير : ولما توعد على ترك الهجرة، أتبع ذلك بما زاد القاعد عنها تخويفاً بذكر من لم يدخل في المحكوم عليه بالقدرة على صورة الاستثناء تنبيهاً على أنهم جديرون بالتسوية في الحكم لولا فضل الله عليهم، فقال بياناً لأن المستثنى منهم كاذبون في ادعائهم الاستضعاف: {إلا المستضعفين} أي الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعُدوا ضعفاء وتقوى عليهم غيرهم {من الرجال والنساء والولدان} ثم بين ضعفهم بقوله: {لا يستطيعون حيلة} أي في إيقاع الهجرة {ولا يهتدون سبيلاً *} أي إلى ذلك. ولما كانت الهجرة شديدة، وكان ربما تركها بعض الأقوياء واعتل بالضعف، وربما ظن القادر مع المشقة أنه ليس بقادر؛ نفر من ذلك بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال: {فأولئك} ولما كان الله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء، لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء، بل له أن يعذب الطائع وينعم العاصي، ويفعل ويقول ما يشاء {أية : لا يسأل عما يفعل}تفسير : [الأنبياء: 23] أحل هؤلاء المعذورين محل الرجاء إيذاناً بأن ترك الهجرة في غاية الخطر فقال: {عسى الله} أي المرجو والخليق والجدير من الملك المحيط بأوصاف الكمال {أن يعفو عنهم} أي ولو آخذهم لكان له ذلك، وكل ما جاء في القرآن من نحو هذا فهو للإشارة إلى هذا المعنى، وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن عسى من الله واجبة، معناه أنه مع أن له أن يفعل ما يشاء لا يفعل إلا ما يقتضيه الحكمة على ما يستصوبه منهاج العقل السليم {وكان الله} أي الملك الذي له كل شيء فلا اعتراض عليه أزلاً وأبداً {عفواً} أي يمحو الذنب إذا أراد فلا يعاقب عليه وقد يعاتب عليه {غفوراً *} أي يزيل أثره أصلاً ورأساً بحيث لا يعاقب عليه ولا يعاتب ولا يكون بحيث يذكر أصلاً، ولعل العفو راجع إلى الرجال، والغفران إلى النساء والولدان. ولما رهب من ترك الهجرة، رغب فيها بما يسلي عما قد يوسوس به الشيطان من أنه لو فارق رفاهية الوطن وقع في شدة الغربة، وأنه ربما تجشم المشقة فاخترم قبل بلوغ القصد، فقال تعالى: {ومن يهاجر} أي يوقع الهجرة لكل ما أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بهجرته {في سبيل الله} أي الذي لا أعظم من ملكه ولا أوضح من سبيله ولا أوسع {يجد في الأرض} أي في ذات الطول والعرض {مراغماً} أي مهرباً ومذهباً ومضطرباً يكون موضعاً للمراغمة، يغضب الأعداء به ويرغم أنوفهم بسبب ما يحصل له من الرفق وحسن الحال، فيخجل مما جروه من سوء معاملتهم له؛ من الرغم وهو الذل والهوان، وأصله: لصوق الأنف بالرغام وهو التراب، تقول: راغمت فلاناً، أي هجرته وهو يكره مفارقتك لذلة تلحقه بذلك. ولما كان ذلك الموضع وإن كان واحداً فإنه لكبره ذو أجزاء عديدة، وصف بما يقتضي العدد فقال {كثيراً}. ولما كانت المراغمة لذة الروح، فكانت أعز من لذة البدن فقدمها؛ أتبعها قوله: {وسعة} أي في الرزق، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : صوموا تصحوا وسافروا تغنموا "تفسير : أخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه "واغزوا، وهاجروا تفلحوا". ولما كان ربما مات المهاجر قبل وصوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فظن أنه لم يدرك الهجرة مع تجشمه لفراق بلده قال: {ومن يخرج من بيته} أي فضلاً عن بلده {مهاجراً إلى الله} أي رضى الملك الذي له الكمال كله {ورسوله} أي ليكون عنده {ثم يدركه الموت} أي بعد خروجه من بيته ولو قبل الفصول من بلده {فقد وقع أجره} أي في هجرته بحسب الوعد فضلاً، لا بحسب الاستحقاق عدلاً {على الله} أي الذي له تمام الإحاطة فلا ينقصه شيء، وكذا كل من نوى خيراً ولم يدركه "لا حسد إلا في اثنتين" فهو موفيه إياه توفية ما يلتزمه الكريم منكم. ولما كان بعضهم ربما قصر به عن البلوغ توانيه في سيره أو عن خروجه من بلده فظن أن هجرته هذه لم تجبُر تقصيره قال: {وكان الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {غفوراً} أي لتقصير إن كان {رحيماً *} يكرم بعد المغفرة بأنواع الكرامات. ولما أوجب السفر للجهاد والهجرة، وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء؛ ذكر تخفيف الصلاة بالقصر بقوله سبحانه وتعالى: {وإذا ضربتم} أي بالسفر {في الأرض} أيّ سفر كان لغير معصية. ولما كان القصر رخصة غير عزيمة، بينه بقوله: {فليس عليكم جناح} أي إثم وميل في {أن تقصروا} ولما كان القصر خاصاً ببعض الصلوات، أتى بالجار لذلك ولإفادة أنه في الكم لا في الكيف فقال: {من الصلاة} أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم، وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات، وكم يقصر منها من ركعة، وأن القصر من الكمية لا من الكيفية بالإيماء مثلاً في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله تعالى عنه ليعلى بن أمية - حين قال له: كيف تقصر وقد أمنا -: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك -، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" تفسير : وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه "من"، وأما الإيماء ونحوه من كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر، والسياق كام ترى مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها، وأنه لا يسقطها عن المكلف شيء، وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما، فهذا سر قوله: {وإن خفتم أن يفتنكم} أي يخالطم مخالطة مزعجة {الذين كفروا} لا أنه شرط في القصر، كما بينت نفي شرطيته السنة، والحاصل أن هذا الشرط ذكر لهذا المقصد، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق بشهادة السنة؛ وقد كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين، فأتمت بعد الهجرة إشارة إلى أن المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة؛ روى الشيخان وأحمد - وهذا لفظه - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "حديث : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ". تفسير : ولما ذكر الخوف منهم، علله مشيراً بالإظهار موضع الإضمار، وباسم الفاعل إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما، أعرق فيه، أو إلى أن المجبول على العداوة المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه فقال: {إن الكافرين} أي الراسخين منهم في الكفر {كانوا} أي جبلة وطبعاً. ولعله اشار إلى أنهم مغلوبون بقوله: {لكم} دون عليكم {عدواً} ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال: {مبيناً} أي ظاهر العداوة، يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلاً، فربما وجدوا الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها، ولولا أنها لا رخصة فيها بوجه لوضعتها عنكم في مثل هذه الحالة، أو جعلت التخفيف في الوقت فأمرت بالتأخير، ولكنه لا زكاء للنفوس بدون فعلها على ما حددت من الوقت وغيره.

ابو السعود

تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} استثناءٌ منقطعٌ لعدم دخولِهم في الموصول وضميرِه والإشارةِ إليه. ومِنْ في قوله تعالى: {مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ} متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من المستضعفين أي كائنين منهم، وذِكرُ الوِلدان إن أريد بهم المماليكُ أو المراهقون ظاهرٌ، وأما إن أريد بهم الأطفالُ فللمبالغة في أمر الهجرةِ والإيذانِ بأنها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلّفين لوجبت علهم، والإشعارِ بأنهم لا محيصَ لهم عنها البتةَ تجب عليهم [إذا] بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغِ لو استطاعوا أن يهاجروا بهم متى أمكنت، وقوله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} صفةٌ للمستضعفين فإن ما فيه من اللام ليس للتعريف، أو حالٌ منه أو من الضمير المستكنِّ فيه، وقيل: تفسيرٌ لنفس المستضعفين لكثرة وجوهِ الاستضعافِ، واستطاعةُ الحيلةِ وُجدانُ أسبابِ الهجرةِ ومباديها، واهتداءُ السبـيلِ معرفةُ طريقِ الموضعِ المهاجَرِ إليه بنفسه أو بدليل {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى المستضعفين الموصوفين بما ذُكر من صفات العجزِ {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} جيء بكلمة الإطماعِ ولفظِ العفوِ إيذاناً بأن الهجرةَ من تأكُّدِ الوجوبِ بحيث ينبغي أن يُعدَّ تركُها ممن تحقق عدمُ وجوبِها عليه ذنباً يجب طلبُ العفوِ عنه رجاءً وطمعاً لا جزماً وقطعاً {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} تذيـيلٌ مقررٌ لما قبله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [الآية: 98]. قال أبو سعيد: هم الذين أسرهم البلاء واستولى عليهم، حتى صار البلاء عليهم الحال وطناً، ثم أفنى عنهم شاهد البلاء بإثبات علم البلاء، فدل عليهم علم الأشياء بما تثابت عليهم علم الحق وذلك حين ردت عليهم صفاتهم بعد محو آثارهم، فإذ ذاك لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.

القشيري

تفسير : الإشارة منه إلى الذين مَلَكَتْهُم المعاني فأفنتهم عنهم، فَبَقُوا مُصَرَّفِين له، لا لهم حَوْلٌ ولا قوة، يبدو عليهم ما يُجْرِيه - سبحانه - عليهم، فهم بعد عود نفوسهم بحق الحقّ محوٌ عنهم، فلا يهتدون إلى غيره سبيلاً، ولا يتنفَّسون لغيره نَفَساً. ويقال على موجب ظاهر الآية إن الذين أقعدتهم الأعذار عن الاختيار فعسى أن يتفضَّل الحقُّ - سبحانه - عليهم بالعفو.

البقلي

تفسير : {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} وصف قوما اقعدهم نور الشهود عن السير فى المجاهدات وافناهم عن طلب الخروج من نيران الكبرياء وطمس طرق الرجوع من مشاهدة الذات الى الصفات ومن الصفات الا الاسماء ومن الاسماء الى الافعال ومن الافعال الى الخلق فى عيونهم وحيرهم فى فقار الازليات والابديات حتى لو يريدوا روح الفترة لحظة لم تظفروا به لانهم مردودن من بحار الصفات الى بحار الذات ومن بحار الذات الى بحار الصفات لا يتسطيعون حيلة الرجوع الى البشرية ولا يهتدون سبيلا الى الكون والعلة لانهم مستضعفون فى قبضة الالوهية مستغرقون فى قاموس القدمية قال ابو سعيد الخراز الذين اسرهم البلاء واستولى عليهم حتى صار البلاء لهم وطنا بعد ما كان الحلول لهم وطنا ثم افنى عنهم شاهد البلاء باثبات علم البلاء ورد عليهم على الانسانية باثبات علم الحق وذلك حين ردت اليهم صفاتهم بعد محو أثارهم فاذا ذاك لا يتستطعيون حيلة ولا يهتدون سبيلا.

الجنابذي

تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ} استثناء منقطع ان خصّص ظالموا انفسهم بالمقصّرين وان عمّ المقصّرين والقاصرين فمتّصل فانّ المقيم فى دار شرك النّفس امّا متمكّن من الخروج بحسب القوّة النّظرية والعمليّة او غير متمكّن والاوّل مقصّر والثّانى قاصر، والمستضعف من لا قدرة له بحسب القوّة العمليّة على الاعمال الّتى تطهّر قلبه عمّا يحجبه عن افاضات الحقّ تعالى ولا بحسب القوّة النّظريّة على التميز بين الحقّ والباطل ولذلك فسّر المستضعفين بقوله تعالى {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} بحسب العمل {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} بحسب النّظر وقد يفسّر المستضعف بمن لم يسمع ديناً ومذهباً سوى عاديّاتة وهو راجع الى الاوّل لانّ العجز امّا من جهة اصل الفطرة او من جهة عدم المنبّه.

اطفيش

تفسير : {إِلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالوِلْدَانِ}: هؤلاء المستضعفون ليسوا من الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم المشار اليهم بقوله: {أية : أولئك مأواهم جهنم }تفسير : فالاستثناء منقطع مثاله قولك: جاء الزيدون الا العمرين، والولدان: العبيد البلغ هنا، لأنهم مكلفون كالحر حتى انه لو ارتد العبد لقتل أو بيع. فى الاعراب قولان فى السؤالات، وان أريد بالولدان الأطفال الأحرار، والأطفال العبيد فكيف يذكرون فى مقام الهجرة ووجوبها، حتى انه رخص لهم ترخيصا لضعفهم وهم غير مكلفين؟ الجواب: أن الأطفال تبع لمن هم فى يده من أب أو أم أو غيرهما، كالخلائف فيجب على من هم فى يده أن يؤجر بهم متى أمكنته الهجرة، كما يزكى ما لهم وكما يتعين على البلغ أن ينهوا الأطفال أن يدخلوا فى الأوقات الثلاث بلا اذن، أو أنه ذكر الأطفال مبالغة فى الهجرة، حتى انها كادت تجب على غير البالغ، واشعار بأنهم بصدد الهجرة، فانه ان أدرك بلوغهم وجوبها وجبت عليهم، وكذلك المراهق فقد قيل يجب عليه الحكم الذى يميزه لكن لا يقطع عليه عذره. {لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً}: نوعا من التحول اما الى المدينة من مكة اذا لم تكن لهم نفقة أو قوة على ذلك الجملة حال من المستضعفين، أو من الضمير المستتر فيه، أو نعت للمستضعفين، لأن المراد الجنس لا مستضعفون محدودون. {وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}: أى لا يعرفون سبيلا الى المدينة، فعدى يهتدى بنفسه لتضمنه معنى يعرف، أو منصوب على نزع الخافض، أى لا يهتدون الى سبيل يوصلهم المدينة، أو لا يهتدون السبيل اليها أى لا يعرفون الطريق بأنفسهم، ولم يجدوا دليل أو عرفوا أو وجدوا، ومنعهم العدو فى الطريق. قال مجاهد: السبيل طريق المدينة، وقيل عام لجميع السبل مثل أن يتبع الى الحبشة الرجل من هاجر اليها ممن لا يعذر، وأن يهاجر الى حيث يمكن بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد كلام مجاهد أن الهجرة المطردة المفتوح بابها، يومئذ انما هى الى المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم اليها تقوية له، ثم انه لا يخفى أن الولدان الأطفال كلهم، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا بأنفسهم، لكن يستطيعون بمن يقوم بهم، ولذلك صح أن يكون لفظ الولدان معطوفا على الرجال والنساء، ولو كانت من للتبعيض، فكما أن بعض الرجال والنساء مستضعفون، وبعضهم غير مستضعفين، كذلك بعض الولدان مستضعف، وبعض غير مستضعف بأن كان له واسطة يقوى بها.

اطفيش

تفسير : {إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ} الموجودين ضعفاء، أو المعدودين ضعفاء، لعرج، أو مرض، أو عمى، أو ضعف بدن، أو نحو ذلك، أو المقهورين، والاستثناء منقطع، فإن المستضعفين الموتى، أو المستضعفين مطلقا لا يطيقون الهجرة، فلا يكفون بما لا طاقة به، فلم يدخلوا فى الذين توفاهم الملائكة الخ، ولا فى مأواهم جهنم، ولا سيما الصبيان، وهم المراد بالولدان، حتى لا يتوهم دخولهم، مع أنه لا مانع من توهم بادىء الرأى دخولهم، فذكرهم مع عدم توهم دخولهم مبالغة فى التحذير، أو مراعاة لإشرافهم على وجوب الهجرة بقرب البلوغ، ومراعاة لمن سيبلغ قبل نسخ الهجرة ومراعاة لهجرة قائميهم بهم كما خوطب قائموهم بزكاة أموالهم وبشؤنهم {مِنَ الرِّجَالِ} كعياش بن أبى ربيعة، وسلمة بن هشام {وَالنِسَّآءِ وَالْوَلْدَانِ} الصبيان، وقد يطلق على الذكور والإناث، وهو المراد فى الآية تغليبا للذكور، ويجوز أن يراد بهم المماليك {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} يتوصلون بها إلى الهجرة {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} لا يعرفون طريقا إلى المدينة، ولا يجدون دليلا، أو لا يهتدون إلى سبيل، أو لا يهتدى سبيلهم، بل يعوج لو خرجوا إليها.

الالوسي

تفسير : {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} استثناء منقطع (لأن الموصول وضمائره)، والإشارة / إليه بأولئك لمن توفته الملائكة ظالماً لنفسه، فلم يندرج فيهم المستضعفون المذكورون، وقيل: إنه متصل والمستثنى منه {أية : فَأُوْلَٰـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} تفسير : [النساء: 97] وليس بشيء أي إلا الذين عجزوا عن الهجرة وضعفوا {مِنَ ٱلرّجَالِ} كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد {وَٱلنّسَاء} كأم الفضل لبابة بنت الحرث أم عبد الله بن عباس وغيرها {وَٱلْوِلْدٰنِ} كعبد الله المذكور وغيره رضي الله تعالى عنهم، والجار حال من المستضعفين، أو من الضمير المستتر فيه أي كائنين من هؤلاء، وذكر الولدان للقصد إلى المبالغة في وجوب الهجرة والأمر بها حتى كأنها مما كلف بها الصغار، أو يقال: إن تكليفهم عبارة عن تكليف أوليائهم بإخراجهم من ديار الكفر، وأن المراد بهم المراهقون، أو من قرب عهده بالصغر مجازاً كما مر في اليتامى أو أن المراد التسوية بين هؤلاء في عدم الإثم والتكليف، أو أن العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان، أو المراد بهم العبيد والإماء. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} أي لا يجدون أسباب الهجرة ومباديها {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} أي ولا يعرفون طريق الموضع المهاجر إليه بأنفسهم أو بدليل، والجملة صفة لما بعد (من)، أو للمستضعفين لأن المراد به الجنس سواء كانت أل موصولة أو حرف تعريف وهو في المعنى كالنكرة، أو حال منه، أو من الضمير المستتر فيه، وجوز أن تكون مستأنفة مبينة لمعنى الاستضعاف المراد هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَٱلْوِلْدَانِ} (98) - وَاسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ سُوءِ المَصِيرِ، الذِي يَنْتَظِرُ القَاعِدِينَ عَنِ الهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ - وَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ إِقَامَةَ شَعَائِرِ دِينِهِمِ - المُسْتَضْعَفِينَ الذِينَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ أيْدِي المُشْرِكِينَ، وَالذِينَ لَوْ قَدَرُوا عَلَى التَّخَلُّصِ لَمَا اسْتَطَاعُوا الاهْتِدَاءَ إلى سُلُوكِ الطَّرِيق، وَإيجَادِ السَّبِيلِ، كَالعَجَزَةِ وَالمَرْضَى وَالنِّسَاءِ وَالمُرَاهِقِينَ الذِين عَقَلُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعلينا أن نعرف أن هناك فرقاً بين "مستضعف دعوى ومستضعف حقيقي"، فهناك مستضعف قد قبل استضعاف غيره له وجعل من نفسه ضعيفاً. هذا هو "مستضعف دعوى". أما "المستضعف الحقيقي" فهو مِن هؤلاء الذين يحددهم الحق: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}. هؤلاء هم المستضعفون فعلاً حسب طبيعة عجزهم من الرجال والنساء والولدان. هل الولد من الولدان يكون مستضعفاً؟ نعم؛ لأن الاستضعاف إما أن يكون طارئاً وإما أن يكون ذاتياً؛ فبعض من الرجال يكون مملوكاً لغيره ولا يقدر على التصرف أو الذهاب، وكذلك النساء؛ فالمرأة لا تستطيع أن تمشي وحدها وتحمي نفسها، بل لا بد أن يوجد معها من يحميها من زوج أن محرم لها، وكذلك الولدان؛ لأنهم بطيعتهم غير مكلفين وهم بذلك يخرجون عن نطاق التعنيف من الملائكة لأنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. وهذه دقة في الأداء القرآني، فالإنسان مكلف بالخروج عن ظلم غيره له ولو بالاحتيال، والاحتيال هو إعمال الفكر إعمالاً يعطي للإنسان فرصة أكثر مما هو متاح له بالفعل. فقد تكون القوة ضعيفة. ولكن بالاحتيال قد يوسع الإنسان من فرص القوة. ومثال ذلك: الإنسان حين يريد أن يحمل صخرة، قد لا يستطيع ذلك بيديه، لكنه يأتي بقضيب من الحديد ويصنع منه عتلة ويضع تحت العتلة عجلة، ليدحرج الصخرة، هذه هي حيلة من الحيل، وكذلك السَّقالات التي نبني عليها، إنها حيلة. والذي قام ببناء الهرم، كيف وضع الحجر الأخير على القمة؟ لقد فعل ذلك بالحيلة، والذي جلس لينحت مسلة من الجرانيت طولها يزيد على العشرة الأمتار، ثم نقلها وأقامها إنّه فعل ذلك بالحيلة. فالحيلة هو فكر يعطي الإنسان قدرة فوق قدرته على المقدور عليه، كذلك معرفة السبيل إلى الهجرة. وكانت معرفة الطرق إلى الهجرة من مكة إلى المدينة في زمن رسول الله تحتاج إلى خبرة حتى يتجنب الواحد منهم المفازات والمتاهات، وحينما قال الرسول بالهجرة أحضر دليلاً للطريق، وكان دليله كافراً، فلا يتأتى السير في مثل هذه الأرض بلا دليل. ولننظر إلى قول الحق سبحانه: {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى...}.