٨٥ - ٱلْبُرُوج
85 - Al-Burooj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لا بد للقسم من جواب، واختلفوا فيه على وجوه أحدها: ما ذكره الأخفش وهو أن جواب القسم قوله: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } واللام مضمرة فيه، كما قال: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا }تفسير : [الشمس: 1] {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا } تفسير : [الشمس: 9] يريد. لقد أفلح، قال: وإن شئت على التقديم كأنه قيل: قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج وثانيها: ما ذكره الزجاج، وهو أن جواب القسم: {أية : إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ }تفسير : [البروج: 12] وهو قول ابن مسعود وقتادة وثالثها: أن جواب القسم قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ }تفسير : [البروج: 10] الآية كما تقول: والله إن زيداً لقائم، إلا أنه اعترض بين القسم وجوابه، قوله: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } إلى قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ } تفسير : [البروج: 10] ورابعها: ما ذكره جماعة من المتقدمين أن جواب القسم محذوف، وهذا اختيار صاحب «الكشاف» إلا أن المتقدمين، قالوا: ذلك المحذوف هو أن الأمر حق في الجزاء على الأعمال وقال صاحب «الكشاف»: جواب القسم هو الذي يدل عليه قوله: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء، أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك لأن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم، ويعلموا أن كفار مكة عند الله بمنزلة أولئك الذين كانوا في الأمم السالفة يحرقون أهل الإيمان بالنار، وأحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش كما: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } أما قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا قصة أصحاب الأخدود على طرق متباينة ونحن نذكر منها ثلاثة: أحدها: أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلام ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب، فمال قلب الغلام إلى ذلك الراهب ثم رأى الغلام في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجراً، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فقوني على قتلها بواسطة رمي الحجر إليها، ثم رمى فقتلها، فصار ذلك سبباً لإعراض الغلام عن السحر واشتغاله بطريقة الراهب، ثم صار إلى حيث يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء، فاتفق أن عمي جليس للملك فأبرأه فلما رآه الملك قال: من رد عليك نظرك؟ فقال ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه فدل على الراهب فأحضر الراهب وزجره عن دينه فلم يقبل الراهب قوله فقد بالمنشار، ثم أتوا بالغلام إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا الله، فرجف بالقوم فهلكوا ونجا، فذهبوا به إلى سفينة لججوا بها ليغرقوه، فدعا الله فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي، وتقول: بسم الله رب الغلام ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بأخاديد في أفواه السكك، وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق، فصبرت على ذلك. الرواية الثانية: روي عن علي عليه السلام أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال: هم أهل الكتاب وكانوا متمسكين بكتابهم وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها بعض ملوكها فسكر فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: إن الله تعالى قد أحل نكاح الأخوات ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول: بعد ذلك حرمه، فخطب فلم يقبلوا منه ذلك فقالت له: أبسط فيهم السوط فلم يقبلوا، فقالت: أبسط فيهم السيف فلم يقبلوا، فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أتى فيها الذين أرادهم الله بقوله: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ }. الرواية الثالثة: أنه وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فصار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم إثني عشر ألفاً في الأخاديد، وقيل سبعين ألفاً، وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه إثنا عشر ذراعاً، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء»تفسير : فإن قيل: تعارض هذه الروايات يدل على كذبها، قلنا: لا تعارض فقيل: إن هذا كان في ثلاث طوائف ثلاث مرات مرة باليمن، ومرة بالعراق، ومرة بالشام، ولفظ الأخدود، وإن كان واحداً إلا أن المراد هو الجمع وهو كثير من القرآن، وقال القفال: ذكروا في قصة أصحاب الأخدود روايات مختلفة وليس في شيء منها ما يصح إلا أنها متفقة في أنهم قوم من المؤمنين خالفوا قومهم أو ملكاً كافراً كان حاكماً عليهم فألقاهم في أخدود وحفر لهم، ثم قال: وأظن أن تلك الواقعة كانت مشهورة عند قريش فذكر الله تعالى ذلك لأصحاب رسوله تنبيهاً لهم على ما يلزمهم من الصبر على دينهم واحتمال المكاره فيه فقد كان مشركوا قريش يؤذون المؤمنين على حسب ما اشتهرت به الأخبار من مبالغتهم في إذاء عمار وبلال. المسألة الثانية: الأخدود: الشق في الأرض يحفر مستطيلاً وجمعه الأخاديد ومصدره الخد وهو الشق يقال: خد في الأرض خداً وتخدد لحمه إذا صار طرائق كالشقوق. المسألة الثالثة: يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود القاتلين، ويمكن أن يكون المراد بهم المقتولين، والرواية المشهورة أن المقتولين هم المؤمنون، وروي أيضاً أن المقتولين هم الجبابرة لأنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار على الكفرة فأحرقتهم ونجى الله المؤمنين منها سالمين، وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواقدي وتأولوا قوله: {أية : فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ } تفسير : [البروج: 10] أي لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: ذكروا في تفسير قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } وجوهاً ثلاثة وذلك لأنا إما أن نفسر أصحاب الأخدود بالقاتلين أو بالمقتولين. أما على الوجه الأول ففيه تفسيران أحدهما: أن يكون هذا دعاء عليهم أي لعن أصحاب الأخدود، ونظيره قوله تعالى: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ }تفسير : [عبس: 17] {أية : قُتِلَ ٱلْخَراصُونَ }تفسير : [الذاريات: 10] والثاني: أن يكون المراد أن أولئك القاتلين قتلوا بالنار على ما ذكرنا أن الجبابرة لما أرادوا قتل المؤمنين بالنار عادت النار عليهم فقتلتهم، وأما إذا فسرنا، أصحاب الأخدود بالمقتولين كان المعنى أن أولئك المؤمنين قتلوا بالإحراق بالنار، فيكون ذلك خبراً لا دعاء. المسألة الرابعة: قرىء قتل بالتشديد. أما قوله تعالى: {ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: النار إنما تكون عظيمة إذا كان هناك شيء يحترق بها إما حطب أو غيره، فالوقود اسم لذلك الشيء لقوله تعالى: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّارِ وَٱلْحِجَارَةُ } تفسير : [البقرة: 24] وفي: {ذَاتِ ٱلْوَقُودِ } تعظيم أمر ما كان في ذلك الأخدود من الحطب الكثير. المسألة الثانية: قال أبو علي: هذا بدل الاشتمال كقولك: سلب زيد ثوبه فإن الأخدود مشتمل على النار. المسألة الثالثة: قرىء الوقود بالضم، أما قوله تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: العامل في إذ قتل والمعنى لعنوا في ذلك الوقت الذي هم فيه قعود عند الأخدود يعذبون المؤمنين. المسألة الثانية: في الآية إشكال وهو أن قوله: {هُمْ } ضمير عائد إلى أصحاب الأخدود، لأن ذلك أقرب المذكورات والضمير في قوله: {عَلَيْهَا } عائد إلى النار فهذا يقتضي أن أصحاب الأخدود كانوا قاعدين على النار، ومعلوم أنه لم يكن الأمر كذلك والجواب: من وجوه أحدها: أن الضمير في هم عائد إلى أصحاب الأخدود، لكن المراد ههنا من أصحاب الأخدود المقتولون لا القاتلون فيكون المعنى إذ المؤمنين قعود على النار يحترقون مطرحون على النار وثانيها: أن يجعل الضمير في {عَلَيْهَا } عائد إلى طرف النار وشفيرها والمواضع التي يمكن الجلوس فيها، ولفظ، على مشعر بذلك تقول مررت عليها تريد مستعلياً بمكان يقرب منه، فالقائلون كانوا جالسين فيها وكانوا يعرضون المؤمنين على النار، فمن كان يترك دينه تركوه ومن كان يصبر على دينه ألقوه في النار وثالثها: هب أنا سلمنا أن الضمير في هم عائد إلى أصحاب الأخدود بمعنى القاتلين، والضمير في عليها عائد إلى النار، فلم لا يجوز أن يقال: إن أولئك القاتلين كانوا قاعدين على النار، فإنا بينا أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار ارتفعت النار إليهم فهلكوا بنفس ما فعلوه بأيديهم لأجل إهلاك غيرهم، فكانت الآية دالة على أنهم في تلك الحالة كانوا ملعونين أيضاً، ويكون المعنى أنهم خسروا الدنيا والآخرة ورابعها: أن تكون على بمعنى عند، كما قيل في قوله: {أية : وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ } تفسير : [الشعراء: 14] أي عندي. أما قوله تعالى: {وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } فاعلم أن قوله: {شُهُودٌ } يحتمل أن يكون المراد منه حضور، ويحتمل أن يكون المراد منه الشهود الذين تثبت الدعوى بشهادتهم، أما على الوجه الأول، فالمعنى إن أولئك الجبابرة القاتلين كانوا حاضرين عند ذلك العمل يشاهدون ذلك فيكون الغرض من ذكر ذلك أحد أمور ثلاثة: إما وصفهم بقسوة القلب إذ كانوا عند التعذيب بالنار حاضرين مشاهدين له، وأما وصفهم بالجد في تقرير كفرهم وباطلهم حيث حضروا في تلك المواطن المنفرة والأفعال الموحشة، وأما وصف أولئك المؤمنين المقتولين بالجد دينهم والإصرار على حقهم، فإن الكفار إنما حضروا في ذلك الموضع طمعاً في أن هؤلاء المؤمنين إذا نظروا إليهم هابوا حضورهم واحتشموا من مخالفتهم، ثم إن أولئك المؤمنين لم يلتفتوا إليهم وبقوا مصرين على دينهم الحق، فإن قلت المراد من الشهود إن كان هذا المعنى، فكان يجب أن يقال: وهم لما يفعلون شهود ولا يقال: وهم على ما يفعلون شهود؟ قلنا: إنما ذكر لفظة على بمعنى أنهم على قبح فعلهم بهؤلاء المؤمنين، وهو إحراقهم بالنار كانوا حاضرين مشاهدين لتلك الأفعال القبيحة. أما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد من الشهود الشهادة التي تثبت الدعوى بها ففيه وجوه أحدها: أنهم جعلوا شهوداً يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب وثانيها: أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين يؤدون شهادتهم يوم القيامة: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [النور: 24]، وثالثها: أن هؤلاء الكفار مشاهدون لما يفعلون بالمؤمنين من الإحراق بالنار حتى لو كان ذلك من غيرهم لكانوا شهوداً عليه، ثم مع هذا لم تأخذهم بهم رأفة، ولا حصل في قلوبهم ميل ولا شفقة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} أي لعن. قال ٱبن عباس: كل شيء في القرآن «قُتل» فهو لُعِن. وهذا جواب القسم ـ في قول الفرّاء ـ واللام فيه مضمرة، كقوله: « أية : والشمس وضحاها - ثم قال - قد أفلح من زكاها »: تفسير : [الشمس: 1-9] أي لقد أفلح. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي قتل أصحاب الأخدود والسماءِ ذات البُروج؛ قاله أبو حاتم السجستانيّ. ٱبن الأنباريّ: وهذا غَلَط؛ لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: والله قام زيد؛ على معنى قام زيد والله. وقال قوم: جواب القسم { أية : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } تفسير : [البروج: 12] وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال بينهما. وقيل: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ } تفسير : [البروج: 10]. وقيل: جواب القسم محذوف، أي والسماء ذات البروج لَتُبْعَثُنَّ. وهذا ٱختيار ٱبن الأنباريّ. والأخدود: الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد. ومنه الخدّ لمجاري الدموع، والمخدّة؛ لأن الحدّ يوضع عليها. ويقال: تخدّد وجه الرجل: إذا صارت فيه أخاديد من جراح، قال طَرَفة: شعر : ووجهٌ كأنّ الشمسَ حلتْ رداءها عليه نَقيُّ اللونِ لم يَتَخدّدِ تفسير : {ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ} «النار» بدل من «الأخدود» بدل الاشتمال. و «الوقود» بفتح الواو قراءة العامة، وهو الحَطَب. وقرأ قتادة وأبو رجاء ونصر بن عاصم (بضم الواو) على المصدر؛ أي ذات الاتقاد والالتهاب. وقيل: ذات الوُقود بأبدان الناس. وقرأ أشهب العُقَيلي وأبو السَّمال العدويّ وٱبن السميقع «النار ذات» بالرفع فيهما؛ أي أحرقتهم النار ذات الوقود. {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} أي الذين خدّدوا الأخاديد وقعدوا عليها يلقون فيها المؤمنين، وكانوا بنجرانَ في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقد ٱختلفت الرواة في حديثهم. والمعنى متقارب. ففي صحيح مسلم عن صُهَيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر؛ فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فٱبعث إليّ غلاماً أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاماً يعلمه؛ فكان في طريقه إذا سَلَك، راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه؛ فكان إذا أتي الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه؛ فإذا أتى الساحر ضربه؛ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحرَ فقل: حبسني أهلي. وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتي على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فٱقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس؛ فرماها فقتلها ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني؛ أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى؛ فإن ٱبتليت فلا تدلَّ عليّ. وكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفِي الله؛ فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك؛ فآمن بالله فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس؛ فقال له الملك: مَنْ ردّ عليك بصرك؟ قال ربيِّ. قال: ولك رب غيري؟! قال: ربي وربُّك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دَلَّ على الغلام؛ فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني! أقد بلغ من سحرك ما تبرىء الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟! قال: إنا لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب؛ فجيء بالراهب، فقيل له: ٱرجع عن دينك. فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مَفْرِق رأسِه فشقه حتى وقع شِقاه. ثم جيء بِجلِيس الملِكِ فقيل له: ٱرجع عن دينك؛ فأبى فوضع المنشار في مَفْرِق رأسه، فشقه به حتى وقع شِقاه. ثم جيء بالغلام فقبَل له: ٱرجع عن دينك، فأبي فدفعه إِلى نفرٍ من أصحابه فقال: ٱذهبوا به إِلى جبل كذا وكذا، فٱصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذِروته فإن رجع عن دينه وإلا فٱطرحوه؛ فذهبوا به فصعِدوا به الجبل فقال: اللهم ٱكفِنِيهم بما شِئت، فرجف بهم الجبل، فسقطوا. وجاء يمشي إلى الملِك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانِيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: ٱذهبوا به فٱحملوه في قُرْقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فٱقذفوه؛ فذهبوا به فقال: اللهم ٱكفنيهم بما شئت؛ فٱنكفأت بهم السفينة، فغرقوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرُك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيدٍ واحدِ، وتصلبني على جِذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بٱسم الله رب الغلام، ثم ٱرمني؛ فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناسَ في صعيد واحد، وصلبه على جِذْع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: بٱسم الله رب الغلام؛ ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات؛ فقال الناس: آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! فأتى الملِك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد واللَّهِ نزل بك حَذرك، قد آمن الناس؛ فأمر بالأخدودٍ في أفواه السِّكك، فخدّت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها ـ أو قيل له ٱقتحم ـ ففعلوا؛ حتى جاءت ٱمرأة ومعها صبيّ لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: «يا أمَّة ٱصبِرِي فإنِك على الحق» » تفسير : . خرجه الترمذي بمعناه. وفيه: « حديث : وكان على طريق الغلام راهب في صومعة » تفسير : قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين. وفيه: « حديث : أن الدابة التي حَبَستِ الناس كانت أَسداً، وأن الغلام دُفن ـ قال ـ فيذكر أنه أُخرج في زمن عمر ابن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتِل » تفسير : . وقال: حديث حسن غريب. ورواه الضحاك عن ٱبن عباس قال: كان مَلِك بنَجْران، وفي رعِيته رجل له فتى، فبعثه إلى ساحر يعلمه السحر، وكان طريق الفتى على راهب يقرأ الإنجيل؛ فكان يعجبه ما يسمعه من الراهب، فدخل في دين الراهب؛ فأقبل يوماً فإذا حية عظيمة قطعت على الناس طريقهم، فأخذ حجراً فقال بٱسم الله رب السموات والأرض وما بينهما؛ فقتلها. وذكر نحو ما تقدم. وأن الملك لما رماه بالسهم وقتله قال أهل مملكة الملك: لا إله إلا إله عبد الله بن ثامر؛ وكان ٱسمَ الغلام، فغضب الملك، وأمر فخُدّت أخاديد، وجُمع فيها حطب ونار، وعَرَض أهل مملكته عليها، فمن رجعِ عن التوحيد تركه، ومن ثبت على دينه قذفه في النار. وجيء بٱمرأة مُرْضعِ فقيل لها ٱرجعي عن دينك وإلا قذفناك وولدك ـ قال ـ فأشفقت وهمَّت بالرجوع، فقال لها الصبيّ المُرْضَع: يا أمي، ٱثبتُي على ما أنت عليه، فإنما هي غميضة؛ فألقَوها وٱبنها. وروي أبو صالح عن ٱبن عباس أن النار ٱرتفعت من الأخدود فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذِراعاً فأحرقتهم. وقال الضحاك: هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مَبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تُبّع الحميري، وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً وأحرقهم فيه. حكاه الماورديّ، وحكى الثعلبيّ عنه أن أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذُوا رجالاً ونساء، فخدّوا لهم الأخاديد، ثم أوقدوا فيها النار، ثم أقيم المؤمنون عليها. وقيل لهم: تكفرون أو تُقْذَفون في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه؛ وقاله عَطِية العوفِيّ. ورُوي نحو هذا عن ٱبن عباس. وقال عليّ رضي الله عنه: إن مِلكاً سُكِر فوقع على أخته، فأراد أن يجعل ذلك شرعاً في رعِيته فلم يقبلوا، فأشارت إليه أن يخطُب بأن الله ـ عز وجل ـ أحل نكاح الأخوات، فلم يُسمع منه. فأشارت إليه أن يخدّ لهم الأخدود، ويلقي فيه كل من عصاه. ففعل. قال: وبقاياهم ينكِحون الأخوات وهم المَجُوس، وكانوا أهل كتاب. ورُوي عن عليّ أيضاً أن أصحاب الأخدود كان سببهم أن نبياً بعثه الله تعالى إلى الحبشة، فٱتبعه ناس، فحذّ لهم قومهم أخدوداً، فمن ٱتبع النبيّ رمي فيها، فجيء بٱمرأة لها بُنَيّ رضيع فجزِعت، فقال لها: يا أمّاه، ٱمضي ولا تجزعي. وقال أيوب عن عِكرمة قال: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} قال: كانوا من قومك من السجِستان. وقال الكلبيّ: هم نصارى نجران، أخَذوا بها قوماً مؤمنين، فخدّوا لهم سبعة أخاديد، طول كل أخدود أربعون ذراعاً، وعرضه ٱثنا عشر ذراعاً. ثم طرح فيه النفط والحطب، ثم عرضوهم عليها؛ فمن أبى فذقوه فيها. وقيل: قوم من النصارى كانوا بالقُسْطنطينية زمان قُسْطَنطين. وقال مقاتل: أصحاب الأخدود ثلاثة؛ واحد بنجران، والآخر بالشام، والآخر بفارس. أمّا الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما الذي بفارس فبختنصر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نُواس. فلم ينزل الله في الذي بفارس والشام قرآناً، وأنزل قرآناً في الذي كان بنجران. وذلك أن رجلين مسلمين كان أحدهما بتهامة، والآخر بنجران، آجر أحدهما نفسه، فجعل يعمل ويقرأ الإِنجيل؛ فرأت ٱبنة المستأجِر النورَ في قراءة الإنجيل، فأخبرت أباها فأسلم. وبلغوا سبعة وثمانين بين رجل وٱمرأة، بعد ما رفع عيسى، فخدّ لهم يوسف بن ذي نُواس بن تُبَّعٍ الحِميرِيّ أخدوداً، وأوقد فيه النار؛ وعرضهم على الكفر، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار، وقال: من رجع عن دين عيسى لم يقذف. وإن ٱمرأة معها ولدها صغير لم يتكلم، فرجعت، فقال لها ٱبنها: يا أمّاه، إني أرى أمامك ناراً لا تُطْفَأ، فقَذَفا جميعاً أنفسهما في النار، فجعلها الله وٱبنها في الجنة. فقُذِف في يوم واحد سبعة وسبعون إنساناً. وقال ٱبن إسحاق عن وهب بن منبه: كان رجل من بقايا أهل دين عيسى ابن مريم عليه السلام، يقال له قيميون، وكان رجلاً صالحاً مجتهداً زاهداً في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحاً في القرى، لا يُعْرَف بقرية إلا مضى عنها، وكان بَنَّاء يعمل الطين. قال محمد بن كعب القُرَظيّ: وكان أهل نَجْرانَ أهل شرك يعبدون الأصنام، وكان في قرية من قراها قريباً من نجران ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر؛ فلما نزل بها قيميون، بنى بها خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران يبعثون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر؛ فبعث إليه الثامرُ عبدَ الله ابن الثامر، فكان مع غلمان أهل نجران، وكان عبد الله إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من أمر صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم، فوحَّد الله وعبده، وجعل يسأله عن ٱسم الله الأعظم، وكان الراهب يعلمه، فكتمه إياه وقال: يا بن أخي، إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه؛ وكان أبو الثامر لا يظن إلا أن ٱبنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان. فلما رأى عبد الله أن الراهب قد بخِل عليه بتعليم ٱسم الله الأعظم، عمد إلى قِداح فجمعها، ثم لم يُبق لله تعالى ٱسماً يعلمه إلا كتبه في قِدْح، لكل اسم قِدْح؛ حتى إذا أحصاها أوقد لها ناراً، ثم جعل يقذفها فيها قِدْحاً قِدْحاً، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بِقدحه، فوثب القِدْح حتى خرج منها لم يضرَّه شيء؛ فأخذه ثم قام إلى صاحبه، فأخبره أنه قد علم ٱسم الله الأعظم الذي كتمه إِياه؛ فقال: وما هو؟ قال: كذا وكذا. قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع. فقال له: يٱبن أخي، قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله ابن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحداً به ضُرُّ إلا قال: يا عبد الله، أتوحِّد الله وتدخل في ديني، فأدعوَ الله لك فيعافِيكَ مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم؛ فيوحِّد الله ويسلم، فيدعو الله له فيُشْفَى، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فٱتبعه على دينه ودعا له فعوفي؛ حتى رُفِع شأنه إلى ملكهم، فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، فلأمثلنّ بك. قال: لا تقدر على ذلك؛ فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح عن رأسه، فيقع على الأرض ليس به بأس. وجعل يبعث به إلى مياه نجرانَ، بحار لا يلقَى فيها شي إلا هلك، فيلقَى فيها فيجرج ليس به بأس؛ فلما غلبه قال له عبد الله ابن الثامر: والله لا تقدر على قتلي حتى توحِّد الله وتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سُلِّطت عليّ وقتلتني. فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادته، ثم ضربه بعصا فشجه شجة صغيرة ليست بكبيرة، فقتله، وهلك الملك مكانَه، وٱجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحُكْمه. ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث؛ فمن ذلك كان أصل النصرانية بنجران. فسار إليهم ذو نُواس اليهوديّ بجنوده من حِمْير، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل، فٱختاروا القتل، فخدّ لهم الأخدود؛ فحَّرق بالنار وقتل بالسيف، ومَثَّل بهم حتى قتل منهم عشرين ألفاً. وقال وهب بن منبه: ٱثني عشر ألفاً. وقال الكلبيّ: كان أصحاب الأخدود سبعين ألفاً. قال وهب: ثم لما غَلَب أرياط على اليمن خرج ذو نُواس هارباً، فاقتحم البحر بفرسه فغرِق. قال ٱبن إسحاق: وذو نُواس هذا ٱسمه زُرْعة بن تُبّان أسعد الحميريّ، وكان أيضاً يسمى يوسف، وكان له غدائر من شعرٍ تَنُوسُ، أي تضطرب، فسمى ذا نُواس؛ وكان فعل هذا بأهل نجران، فأفلت منهم رجل ٱسمه دَوْسٌ ذو ثَعْلَبان، فساق الحبشة لينتصر بهم، فملكوا اليمن وهلك ذو نواس في البحر؛ ألقى نفسه فيه؛ وفيه يقول عمرو بن معدي كرب: شعر : أَتُوعِدني كأنك ذو رُعَيْنٍ بأَنعم عِيشةٍ أو ذو نُواسِ وكائِنْ كان قبلَك من نَعِيم ومُلْكٍ ثابتٍ في الناس راسِ قديمٍ عهدُه من عهدِ عادٍ عظيم قاهرِ الجبروت قاسِ أزال الدهرُ مُلْكَهم فأضحى يُنَقَّل من أناس في أناس تفسير : وذو رُعين: ملك من ملوك حمير. ورُعَين حصن له وهو من ولد الحرث بن عمرو بن حمير بن سَبَأ. مسألة: قال علماؤنا: أعلم الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية، ما كان يلقاه من وَحَّد قبلهم من الشدائد، يُؤنِّسهم بذلك. وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام، والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسّوا بمثل هذا الغلام، في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صِغر سنه وعظم صبره. وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نُشِر بالمنشار. وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم. ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا، حَسْب ما تقدم بيانه في سورة «النحل». قلت: ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى، قال الله تعالى مخبراً عن لقمان: {يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}: وروى أبو سعيد الخُدرِيّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن من أعظم الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطان جائر » تفسير : : خرجه الترمذيّ وقال: حديث حسن غريب، ورَوَى ابن سنجر (محمد بن سنجر) « حديث : عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أوضىء النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل، قال: أوصني: فقال: «لا تشرك بالله شيئاً وإن قُطِّعت أو حُرِّقْت بالنار...» » تفسير : الحديث: قال علماؤنا: ولقد امتُحِن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصَّلْب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك: ويكفيك قصة عاصم وخُبيب وأصحابهما وما لَقُوا من الحروب والمِحَن والقتل والأسر والحرق، وغير ذلك، وقد مضى في «النحل» أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك، فتأمله هناك. قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} دعاءٌ على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة الله تعالى: وقيل: معناه الإخبار عن قتل أولئك المؤمنين، أي إنهم قُتلوا بالنار فصبروا: وقيل: هو إخبار عن أولئك الظالمين، فإنه رُوِي أن الله قبض أرواح الذين ألقوا في الأخدود قبل أن يصلوا إلى النار، وخرجت نار من الأخدود فأحرقت الذين هم عليها قعود: وقيل: إن المؤمنين نَجَوا، وأحرقت النار الذين قعدوا، ذكره النحاس، ومعنى «عليها» أي عندها وعلى بمعنى عند: وقيل: «عليها» على ما يدنو منها منها من حافات الأخدود، كما قال: شعر : وباتَ علـى النارِ النَّـدى والمحلَّقُ تفسير : العامل في {إِذْ}، {قُتِلَ} أي لعنوا في ذلك الوقت: {وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أي حضور: يعني الكفار، كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبى ألقوه في النار وفي ذلك وصفهم بالقسوة ثم بالجد في ذلك: وقيل: «على» بمعنى مع، أي وهم: مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُتِلَ } لعن {أَصْحَٰبُ ٱلأُخْدُودِ } الشق في الأرض.
ابن عبد السلام
تفسير : {قُتِلَ} جواب القسم أو {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ} {الأُخْدُودِ} الشق العظيم في الأرض وجمعه أخاديد، وهي حفائر شقت في الأرض وأوقد فيها النار وأُلقي فيها مؤمنون امتنعوا من الكفر كانوا حبشة أو نبطاً أو من بني إسرائيل أو من أهل نجران أو من أهل اليمن أو دانيال وأصحابه أو نصارى بالقسطنطينية أو نصارى باليمن قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً حرقهم في الأخدود يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري وقيل الأخاديد ثلاثة خد بالشام وخد بالعراق وخد باليمن فقوله {قُتِلَ} أي أُهلك المؤمنون أو لُعن الكافرون الفاعلون، قيل صعدت النار إليهم وهم شهود عليها فأحرقتهم فذلك قوله {أية : وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} تفسير : [البروج: 10].
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ} معناه فَعَلَ اللَّه بهم ذلكَ؛ لأنَّهم أهل له؛ فهو على جهة الدعاءِ بحسَبِ البشر، لا أنّ اللَّه يدعُو على أَحَدٍ، وقيل عن ابن عباس: معناه لُعِنَ وهذا تفسيرٌ بالمعنى، وقال الثعلبي: قال ابن عباس: كل شيء في القرآن {قُتِلَ} فهو: لُعِنَ، انتهى، وقيلَ: هو إخبارٌ بأنّ النارَ قَتَلَتْهُم؛ قاله الربيع بن أنس، * ص *: وجوابُ القَسَمِ محذوفٌ أي: والسماءِ ذاتِ البروجِ لَتُبْعَثُنَّ، وقال المبردُ: الجوابُ: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}، وقيل الجوابُ: {قُتِلَ} واللامُ محذوفةٌ أي: لَقُتِلَ، وإذا كانَ {قُتِلَ} هو الجوابُ فهو خَبَرٌ انتهى، وصَاحِبُ الأخدودِ: مذكورٌ في السِّيَرِ وغيرِها وحديثُه في مُسْلِمٍ مُطَوَّلٌ وهو مَلكٌ دَعَا المؤمنينَ باللَّهِ إلى الرجوعِ عن دينِهم إلى دينهِ، وخَدَّ لَهُمْ في الأرْضِ أخَادِيدَ طويلةً؛ وأضْرَمَ لهم ناراً وجَعَلَ يَطْرَحُ فيها من لم يرجعْ عن دينهِ؛ حتى جَاءَتْ امرأةٌ مَعِا صبيٌّ فَتَقَاعَسَتْ؛ فقال لها الطفل: يا أُمَّهْ؛ اصْبِرِي فِإنَّكِ عَلى الحق، فاقْتَحَمَتِ النارَ. وقوله: {ٱلنَّارِ} بدلٌ من الأخدودِ وهو بدلُ اشتمالٍ، قال * ع *: وقال الربيع بن أنس وأبو إسحاق وأبو العالية: بعثَ اللَّهُ على أولئك المُؤْمِنينَ رِيحاً فَقَبَضَتْ أرواحَهم أو نحوَ هذا، وخَرَجَتِ النارُ فأحْرَقَتِ الكافرينَ الذينَ كانُوا على حَافَّتَيِ الأخْدُودِ؛ وعلى هذا يجيءُ {قُتِلَ} خبراً لاَ دُعاء.
القشيري
تفسير : أي لُعِنوا. والأخدودُ: الحُفْرةُ في الأرض إِذا كانت مستطيلةً، وقصتهم في التفسير معلومة و "الوقود" الحطب. وهم أقوامٌ كتموا إيمانَهم فلمَّا عَلِمَ مَلِكُهم بذلك أضرم عليهم ناراً عظيمة، وألقاهم فيها. وآخِرُ مَنْ دَخَلَها امرأةٌ كان معها رضيعٌ، وهَمَّت أن ترجع، فقال لها الولد: قِفي واصبري... فأنت على الحقِّ. وألقوها في النار، واقتحمتها، وبينا كان أصحابُ الملك قعوداً حوله يشهدون ما يحدث ارتفعت النارُ من الأخدود وأحرقتهم جميعاً، ونجا من كان في النار من المؤمنين وسَلِموا.
اسماعيل حقي
تفسير : {قتل اصحاب الاخدود} جواب القسم بحذف اللام المؤكدة على انه خبر لا دعاء بمعنى لقد قتل اى اهلك بغضب الله ولعنته والاظهر أن الجملة دعائية دالة على الجواب لا خبرية والقتل كناية عن اللعن من حيث ان القتل لكونه اغلظ العقوبات لا يقع الا عن سخط عظيم يوجب الابعاد عن الخير والرحمة الذى هو معنى اللعن فكان القتل من لوازم اللعن كأنه قيل اقسم بهذه الاشياء ان كفار مكة ملعونون كما لعن اصحاب الاخدود وجه الاظهرية ان السورة وردت لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الايمان وتصبيرهم على اذية الكفرة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الايمان وصبرهم على ذلك حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم ويعلموا ان هؤلاء عند الله بمنزلة اولئك المعذبين ملعونون مثلهم احقاء بأن يقال فيهم ما قد قيل فيهم فظهر من هذا التقرير انه ليس دعاء على اصحاب الاخدود من قبل المقسم وهو الله تعالى لانه ليس عاجز وقد سبق تحقيقه فى سورة عبس ونحوها والاخدود الخد فى الارض وهو شق مستطيل كالنهر غامض اى عميق القرار وأصل ذلك من خدى الانسان وهما ما اكتفا الانف على اليمين والشمال وفى عين المعانى ومنه الخد لمجارى الدموع عليه واصحاب الاخدود كانوا ثلاثة وهم انطيانوس الرومى بالشأم وبخت نصر بفارس ويوسف ذو نواس بنجران وهو بتقديم النون وتأخير الجيم موضع باليمن فتح سنة عشر سمى بنجران بن زيدان بن سبأ شق كل واحد منهم شقا عظيما فى الارض كان طوله اربعين ذراعا وعرضه اثنى عشر ذراعا وهو الاخدود وملأوه نارا وألقوا فيه من لم يرتد عن دينه من المؤمنين قالوا والقرءآن انما نزل فى الذين بنجران يعنى ان اصحاب الاخدود هم ذو نواس الحميرى اليهودى وجنوده وذلك ان عبدا صالحا يقال له عبد الله بن الثامر وقع الى نجران وكان على دين عيسى عليه السلام فدعاهم فأجابوه فسار اليهم ذو نواس بجنود من حمير فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فحفر الخنادق واضرم فيها النيران فجعل يلقى فيها كل من اتبع ابن الثامر حتى أحرق نحوا من اثنى عشر ألفا او عشرين ألفا أو سبعين ألفا وذو نواس اسمه زرعة بن حسان ملك حمير وما حولها وكان ايضا يسمى يوسف وكانت له غدآئر من شعرأى ذوآئب تنوس اى تضطرب فسمى ذا نواس (روى) انه انفلت من اهل نجران رجل اسمه دوس ذو ثعلبان ووجد انجيلا محترقا بعضه فأتى به ملك الحبشة وكان نصرانيا فقال ان اهل دينك اوقدت لهم نار فأحرقوا بها وأحرقت كتبهم وهذا بعضها فأراه الذى جاء به ففزع لذلك فكتب الى صاحب الروم يستمده بنجارين يعملون له السفن فبعث اليه صاحب الروم من عمل له السفن فركبوا فيها فخرجوا الى ساحل اليمن فخرج اليهم اهل اليمن فلقوهم بتهامة واقتيلوا فلم ير ملك حمير له بهم طاقة وتخوف ان يأخذوه فضرب فرسه حتى وقع فى الحرب فمات فيه او ألقى نفسه فى البحر فاستولى الحبشة على حمير وما حولها وتملكوا وبقى الملك لهم الى وقت الاسلام وقال فى كشف الاسرار اصحاب الاخدود ايشان بت برستان بوده انداز اصحاب ذو نواس يمنى ودر زمان او ساحرى بو دكاهنومشعبذكه مدار ملك بدو بودى جون بسن شيخوخه رسيد بعرض ملك رسانيدكه من بير شده ام وضعف كلى بقو اى من راه يافته شعر : ديده ازهر شعاع تيره شود كوش وقت سماع خيره شود نه زبانرا مجال كويايى نه تن خسته را توانا بى تفسير : صلاح درآنست كه جوان عاقل تيزفهم بمن سبارتا آنجه دانسته ام بوى آموزم وبعد ازمن خلفى باشدكه امور ملك بوى منتظم تواند بود. كما جاء فى حديث المشارق كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر بكسر الباء اى شاخ وطعن فى السن قال للملك انى كبرت فابعث الى غلاما اعلمه السحر فبعث اليه غلاما يعلمه فكان فى طريقه اذا سلك اى الغلام راهب فقعد اليه اى متوجها الى الراهب وسمع كلامه فأعجبه اى اعجب كلام الراهب ذلك الغلام فكان اذا اتى الساحر مر بالراهب وقعد اليه فاذا أتى الساحر ضربه اى ضرب الساحر الغلام لمكثه فشكا ذلك الى الراهب فقال اى الراهب للغلام اذا خشيت الساحر فقل حبسنى قد حبست الناس على أسد أوحية يقال لها بالفارسية ازدر. فقال اى الغلام اليوم اعلم الساحر أفضل ام الراهب أفضل فأخذ حجرا وقال اللهم ان كان أمر الراهب أحب اليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فقال الراهب اى بنى أنت اليوم افضل منى قد بلغ من أمرك ما أدرى وانك ستبتلى فان ابتليت فلا تدل على وكان الغلام يبرئ الاكمه وهو الذى ولد أعمى والابرص ويداوى الناس بسائر الادوآء فسمع جليس للملك كان قد عمى فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ههنالك اجمع ان أنت شفيتنى قال انى لا اشفى أحدا انما يشفى الله فان آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله فاتى الملك فجلس اليه كما كان يجلس فقال الملك من رد عليك بصرك قال ربى فقال أولك رب غيرى قال ربى وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيئ بالغلام فقال له الملك اى بنى قد بلغ من سحرك ما تبرئ به الاكمه والابرص وتفعل وتفعل يعنى تداوى مرضا كذا وتداوى كذا فقال اى الغلام انى لا اشفى أحدا انما يشفى الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دله على الراهب فجيئ بالراهب فقيل ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فى مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيئ بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار فى مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيئ بالغلام فقيل ارجع عن دينك فأبى فدفعه الى نفر من اصحابه فقال لهم اذهبوا به الى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فاذا بلغتم ذروته فان رجع عن دينه والا فاطرحوه فذهبوابه فصعدوا به الجبل فقال اى الغلام اللهم اكفنيهم بما شئت يعنى ادفع عنى شرهم بأى سبب شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشى الى الملك فقال له الملك ما فعل اصحابك قال كفانيهم الله فدفعه الى نفر من اصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه فى قرقور أى سفينة صغيرة فتوسطوا به البحر فان رجع عن دينه والا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة اى مالت وانقلبت فغرقوا وجاء يمشى الى الملك فقال له الملك فما فعل اصحابك قال كفانيهم الله فقال للملك انك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به قال وما هو قال تجمع الناس فى صعيد واحد اى ارض بارزة وتصلبنى على جذع ثم خذ سهما من كنانتى وهى التى يجعل فيها السهام ثم ضع السهم فى كبد القوس وهو مقبضها عند الرمى ثم قل بسم الله رب الغلام ففعل كما قال الغلام ثم رماه فوقع السهم فى صدغه وهو ما بين العين والاذن فوضع يده على صدغه فى موضع السهم فمات فقال الناس آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فأتى الملك فقيل له يعنى أتى الملك آث فقال أرأيت ما كنت تحذر والله قد نزل بك حذرك اى والله قد نزل بك ما كنت تحذر منه وتخاف قد آمن الناس فأمر بالاخدود أى بحفر شق مستطيل فى أفواه السكك اى فى أبواب الطرق فخدت اى شقت واضرم النيران اى اوقدها واشعلها وقال من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها اى فاطرحوه فيها كرها ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبى رضيع لها فتقاعست اى تأخرت أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أماه اصبرى فانك على الحق وفى اهلى اى منعونى واذا خشيت اهلك فقل حبسنى الساحر فبينما هو كذلك اذ أتى على دابة عظيمة بعض الروايات كان للمرأة ثلاثة اولاد أحدهم رضيع فقال لها الملك ارجعى عن دينك والا ألقيتك واولادك فى النار فأبت فأخذ ابنها الاكبر فألقاه فى النار ثم قال لها ارجعى عن دينك فأبت فألقى ابنها الاوسط ثم قال ارجعى عن دينك فأبت فأخذوا الصبى ليلقوه فيها فهمت بالرجوع فقال الصبى يا اماه لا ترجعى عن الاسلام فانك على الحق ولا بأس عليك وفى كشف الاسرار فان بين يديك نارا لا تطفأ فألقى الصبى فى النار وامه على اثره وكان هو ممن تكلم فى المهد وهو رضيع وقد سبق عددهم فى سورة يوسف وكانت هذه القصة قبل مولده عليه السلام بتسعين سنة وفيما ذكر من الحديث اثبات كرامات الاولياء وجواز الكذب عند خوف الهلاك سوآء كان الهالك هو الكاذب او غيره وروى ان خربة اختفرت فى زمن عمر بن الخطاب فوجد الغلام الذى قتله الملك وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل وفى بعض التفاسير فوجدوا عبد الله بن الثامر واضعا أصبعه على صدغه فى رأسه اذا اميطت يده عنها سال دمه واذا تركت على حالها انقطع وفى يده خاتم من حديد فيه ربى الله فكتبوا الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان ذلك الغلام صاحب الاخدود فأتركوه على حاله حتى يبعثه الله يوم القيامة على حاله وعن على رضى الله عنه ان بعض الملوك المجوس وقع على اخته وهو سكران فلما صحا ندم وطلب المخرج فأمرته ان يخطب الناس فيقول ان قد أحل نكاح الاخوات ثم يخطبهم بعد ذلك ويقول ان الله حرمه فخطب فلم يقبلوا منه فقالت له ابسط فيهم السوط ففعل فلم يقبلوا فأمرته بالاخاديد وايقاد النار وطرح من أبى فيها فهم الذين أرادهم تعالى بقوله قتل اصحاب الاخدود.
الجنابذي
تفسير : {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} جواب للقسم او جملة دعائيّة معترضة بين القسم وجوابه او خبريّة معترضة واخبار عن حال الكفّار الّذين احرقوا المؤمنين او اخبار عن حال المؤمنين الّذين اُحرقوا فى الاخدود. ذكر حكاية اصحاب الاخدود وذكر حكاية اصحاب الاخدود فى روايات الخاصّة والعامّة باختلافٍ؛ فانّه روى "حديث : عن رسول الله (ص) انّه كان ملك وكان له ساحر فلمّا مرض السّاحر قال: ادفع الىّ غلاماً اعلّمه السّحر، فدفع اليه غلاماً وكان بينه وبين السّاحر راهب فمرّ الغلام بالرّاهب فافتتن به فبينما هو كذلك قد حبس النّاس حيّة، فقال: اليوم اعلم امر السّاحر والرّاهب فأخذ حجراً فقال: اللّهمّ ان كان امر الرّاهب احبّ اليك فاقتل هذه الحيّة فقتلها ومضى النّاس فأخبر بذلك الرّاهب، فقال: يا بنىّ انّك ستبتلى فلا تدلّ علىّ، وجعل يداوى النّاس ويبرء الاكمه والابرص فعمى جليس الملك فاتاه وحمل اليه مالاً كثيراً فقال: اشفنى ولك ما ههنا، فقال: انّ الله يشفى فان امنت بالله دعوت الله فآمن فدعا الله فشفاه، فجلس الى الملك فقال: من شفاك؟ - قال: ربّى، قال: انا؟ - قال: لا، ربّى وربّك الله، فأخذه ولم يزل به حتّى دلّه على الغلام، فأخذه فلم يزل به حتّى دلّه على الرّاهب، فوضع المنشار عليه فنشره شقّين وقال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى، فأمر ان يصعدوا به الى جبل كذا فان رجع والاّ يدهدهوه، ففعل به، فلمّا صعدوا به الجبل قال: اللّهمّ اكفنيهم، فكفاه الله واهلكهم، فرجع الى الملك وقال: كفانيهم الله، فقال: اذهبوا به فأغرقوه فى البحر، فكفاه الله تعالى واغرقهم، فجاء الى الملك وقال: كفانيهم الله، وقال: انّك لست بقاتلى حتّى تفعل بى ما آمرك، اجمع النّاس ثمّ اصلبنى على جذعٍ ثمّ خذ سهماً من كنانتى ثمّ ضعه على كبد القوس، ثمّ قل: باسم ربّ الغلام فانّك ستقتلنى، ففعل به ما قال فوقع السّهم فى صدغه ومات، فقال النّاس: آمنّا بربّ الغلام، فقيل له: أرأيت ما كنت تخاف قد نزل بك: آمن النّاس بربّ الغلام فأمر بالاخدود فخدّت على افواه السّكك ثمّ اضرمها ناراً فقال: من رجع عن دينه فدعوه، ومن ابى فأقمحموه فيها، وجاءت امرأة بابنٍ لها فقال لها يا امّه اصبرى فانّك على الحقّ، فلمّا رأى النّاس ذلك اشتدّ ثبات المؤمنين وشوق سائر النّاس الى دين الغلام"تفسير : . ونسب الى امير المؤمنين (ع) انّ ملكاً سكر فوقع على ابنته او قال على اخته، فلمّا افاق قال لها: كيف المخرج مّا وقعت فيه؟ - قالت: تجمع اهل مملكتك وتخبرهم انّك ترى نكاح البنات وتأمرهم ان يحلّوه، فجمعهم فأخبرهم، فأبوا ان يتابعوه فخدّ لهم اخدوداً فى الارض واوقد فيه النّيران وعرضهم عليها، فمن أبى قذفه فى النّار ومن اجاب خلّى سبيله، ونسب الى امير المؤمنين (ع) انّ الله بعث رجلاً حبشيّاً نبيّاً فكذّبوه قومه فقاتلهم فقتلوا اصحابه واسروه ثمّ بنوا له حيّزاً ثمّ ملأوه ناراً ثمّ جمعوا النّاس وقالوا: من كان على ديننا وامرنا فليعتزل، ومن كان على دين هؤلاء فليرم نفسه فى النّار معه، فجعل اصحابه يتهافتون فى النّار فجاءت امرأة ومعها صبىّ ابن شهرٍ فتكلّم الصّبىّ كما سبق، وروى عن علىٍّ (ع) ايضاً: انّ اصحاب الاخدود كانوا عشرة وعلى مثالهم عشرة يقتلون فى هذا السّوق يعنى سوق الكوفة، وقيل انّ يوسف بن ذى نواس الحميرىّ سمع انّ بنجران اليمن جمعاً على دين عيسى (ع) فسار اليهم وحملهم على التّهوّد فأبوا فخدّ لهم فى الارض واوقد وعرضهم عليها، فمن رجع عن دين عيسى سلم ومن لم يرجع كان يلقى فى النّار، واذاً امرأة جاءت مع ابنٍ لها فتكلّم الصّبىّ كما سبق، واصحاب الاخدود على التّأويل من دخل فى اخاديد الطّبع وابتلى بنار شهوات النّفس وغضباتها واهلك عن الفطرة الانسانيّة.
الالوسي
تفسير : على حذف اللام منه للطول والأصل لقتل كما في قوله:شعر : حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما ان من حديث ولا صالي تفسير : وقيل على حذف اللام وقد والأصل لقد قتل وهو مبني على ما اشتهر من أن الماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم معموله تلزمه اللام وقد، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما إلا عند طول الكلام كما في قوله سبحانه : {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا }تفسير : [الشمس: 9] بعد قوله: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا }تفسير : [الشمس: 1] الخ والبيت المذكور، ولا يجوز تقدير اللام بدون قد لأنها لا تدخل على الماضي المجرد منها، وتمام الكلام في محله كشروح «التسهيل» وغيرها. وأياً ما كان فالجملة خبرية. وقال بعض المحققين إن الأظهر أنها دعائية دالة على الجواب كأنه قيل أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش لملعونون أحقاء بأن يقال فيهم قتلوا كما هو شأن أصحاب الأخدود لما أن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان وتصبيرهم على أذية الكفرة وتذكيرهم بما جرى ممن تقدمهم من التعذيب لأهل الإيمان وصبرهم على ذلك حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم ويعلموا أنهم مثل أولئك عند الله عز وجل في كونهم ملعونين مطرودين، فالقتل هنا عبارة عن أشد اللعن والطرد لاستحالة الدعاء منه سبحانه حقيقة فأريد لازمه من السخط والطرد عن رحمته جل وعلا. وقال بعضهم الأظهر أن يقدر إنهم لمقتولون كما قتل أصحاب الأخدود فيكون وعداً له صلى الله عليه وسلم بقتل الكفرة المتمردين لإعلاء دينه ويكون معجزة بقتل رؤسهم في غزوة بدر انتهى وظاهره إبقاء القتل على حقيقته واعتبار الجملة خبرية وهو كما ترى. وحكى في «البحر» أن الجواب محذوف وتقديره لتبعثن ونحوه وليس بشيء كما لا يخفى. والأخدود الخد وهو الشق في الأرض ونحوهما بناء ومعنى الخق والأخقوق ومنه ما جاء في خبر سراقة حين / تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت قوائمه أي قوائم فرسه في أخاقيق جرذان. أخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث صهيب يرفعه حديث : كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يكهن له فقال له ذلك الكاهن أنظروا إليَّ غلاماً فهماً فأعلمه علمي هذا فإني أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه فنظروا له غلاماً على ما وصف فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن وأن يختلف إليه فجعل الغلام يختلف إليه وكان على طريق الغلام راهب في صومعته فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به فلم يزل به حتى أخبره فقال إنما أعبد الله تعالى فجعل الغلام يمكث عند الراهب ويبطىء على الكاهن فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني فأخبر الغلام الراهب بذلك فقال له الراهب إذا قال لك الكاهن أين كنت فقل عند أهلي وإذا قال لك أهلك أين كنت فأخبرهم إنك كنت عند الكاهن فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثيرة قد حبستهم دابة يقال كانت أسداً فأخذ الغلام حجراً فقال اللهم إن كان ما يقول الراهب حقاً فأسألك أن أقتل هذه الدابة وإن كان ما يقوله الكاهن حقاً فأسألك أن لا أقتلها ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس من قتلها؟ فقالوا الغلام ففزع الناس وقالوا قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد فسمع أعمى فجاءه فقال له إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا فقال الغلام لا أريد منك هذا ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك قال نعم [فدعا الله] فرد عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم فأتى بهم فقال لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ثم أمر بالغلام فقال انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه فانطلقوا به إلى ذلك الجبل فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام ثم رجع الغلام فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه فانطلق به إلى البحر فغرق الله تعالى الذين كانوا معه وأنجاه الله تعالى فقال الغلام للملك إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول بسم الله رب الغلام فأمر به فصلب ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوضع الغلام يده على صدغه حين رمى ثم مات فقال الناس لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام فقيل للملك أجزعت إن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك فخد أخدوداً ثم ألقى فيها الحطب والنار ثم جمع الناس فقال من رجع عن دينه تركناه ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار فجعل يلقيهم في تلك الأخدود فقال يقول الله تعالى {قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } حتى بلغ {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} [البروج: 8]تفسير : وفيه فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرج فيذكر أنه خرج في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل وفي بعض رواياته حديث : فجاءت امرأة بابن لها صغير فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبـي يا أمه اصبري فإنك على الحقتفسير : . وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نجي قال شهدت علياً كرم الله تعالى وجهه وقد أتاه أسقف نجران فسأله عن أصحاب الأخدود فقص عليه القصة فقال علي كرم الله تعالى وجهه أنا أعلم بهم منك بعث نبـي من الحبش إلى قومه ثم قرأ رضي الله تعالى عنه {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}تفسير : [غافر: 78] فدعاهم فتابعه الناس فقاتلهم فقتل أصحابه وأخذ فأوثق فانفلت فأنس إليه رجال فقاتلهم وقتلوا وأخذ فأوثق فخددوا أخدوداً وجعلوا فيها النيران وجعلوا يعرضون الناس فمن تبع النبـي رمى به فيها ومن تابعهم ترك وجاءت امرأة في آخر من جاء ومعها صبـي لها فجزعت فقال الصبـي يا أمه اصبري ولا تماري فوقعت. وأخرج عبد بن حميد عنه كرم الله تعالى وجهه أنه قال كان المجوس أهل كتاب وكانوا متمسكين / بكتابهم وكانت الخمرة قد أحلت لهم فتناول منها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله فتناول أخته أو ابنته فوقع عليها فلما ذهب عنه السكر ندم وقال لها ويحك ما هذا الذي أتيت وما المخرج منه قالت المخرج منه أن تخطب الناس فتقول أيها الناس إن الله أحل نكاح الأخوات أو البنات فقال الناس جماعتهم معاذ الله تعالى أن نؤمن بهذا أو نقر به أو جاء به نبـي أو نزل علينا في كتاب فرجع إلى صاحبته وقال ويحك إن الناس قد آبوا على ذلك قالت إن أبوا عليك فابسط فيهم السوط فبسط فيهم السوط فأبوا أن يقروا قالت فجرد فيهم السيف فأبوا أن يقروا قالت فخذ لهم الأخدود ثم أوقد فيها النيران فمن تابعك خل عنه فخد لهم أخدوداً وأوقد فيها النيران وعرض أهل مملكته على ذلك فمن أبى قذفه في النار ومن لم يأب خلى عنه. وقيل وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى عليه السلام فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد وقيل سبعين ألفاً. وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعاً وعرضه اثني عشر ذراعاً. ولاختلاف الأخبار في القصة اختلفوا في موضع الأخدود فقيل بنجران لهذا الخبر الأخير وقيل بأرض الحبشة لخبر ابن نجي السابق وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان بمذراع اليمن أي قراه وهذا لا ينافي كونه بنجران لأنه بلد باليمن. وكذا اختلفوا في أصحاب الأخدود لذلك فحكي فيه ما يزيد على عشرة أقوال منها أنهم حبشة ومنها أنهم من النبط وروي عن عكرمة ومنها أنهم من بني إسرائيل وروى عن ابن عباس وأصح الروايات عندي في القصة ما قدمناه عن صهيب رضي الله تعالى عنه والجمع ممكن فقد قال عصام الدين لعل جميع ما روي واقع والقرآن شامل له فلا تغفل. وقرأ الحسن وابن مقسم (قتل) بالتشديد وهو مبالغة في لعنهم لعظم ما أتوا به. وقد كان صلى الله عليه وسلم على ما أخرج ابن أبـي شيبة عن عوف وعبد بن حميد عن الحسن إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ من جهد البلاء.
الشنقيطي
تفسير : قال أبو حيان، وجواب القسم في قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} تفسير : [البروج: 1] قيل: محذوف، فقيل: لتبعثن ونحوه، وقيل: مذكور، فقيل: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ونحوه، وقيل: قتل، وهذا نختاره، وحذفت اللام أي لقتل وحسن حذفها كما حسن في قوله: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} تفسير : [الشمس: 1]، ثم قال: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس: 9] أي لقد أفلح، ويكون الجواب دليلاً على لعنة الله على من فعل ذلك، وتنبيهاً لكفار قريش الذين يؤذون المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم. وإذا كان قتل هي الجواب فهي جملة خبرية، وإذا كان الجواب غيرها في جملة إنشائية، دعاء عليهم. وقرئ: قتل بالتشديد، قرأها الحسن وابن مقسم، وقرأها الجمهور بالتخفيف 1هـ. والأخدود: جمع خد، وهو الشق في الأرض طويلاً. وقوله: {ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ} الوقود بالضم وبالفتح، والقراءة بالفتح كالسحور، والوضوء. فبالفتح ما توقد كصبور والماء المتوضأ به والطعام المتسحر به، وبالضم المصدر، والفعل والوقود بالضم ما توقد به. ذكر صاحب القاموس، والنار ذات الوقود: بدل من الأخدود. وقيل في معناها: عدة أقوال، حتى قال أبو حيان: كسلت عن نقلها. ونقل الفخر الرازي ثلاثة منها. والمشهور عند ابن كثير ما رواه أحمد ومسلم: أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبر سني وحضر أجلي، فادفع لي غلاماً لأعلِّمه السحر، فدفع إليه غلاماً كان يعلمه السحر، وكان بين الساحر والملك راهب، فأتى الغلام الراهب فسمع من كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر ضربه، وقال ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر ضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك، فقل: حبسني الساحر: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة عظيمة فظيعة قد حبست الناس، فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحبّ إلى الله أمر الساحر؟ قال: فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبُّ إليَّك وأرضى من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة، حتى يجوز الناس ورماها فقتلها، ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضل مني، إنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس أعمى فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: اشفني. فقال: ما أنا أشفي أحداً، إنما يشفي الله عزَّ وجلَّ، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك، فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من ردَّ عليك بصرك؟ فقال: ربي، فقال: أنا. قال: لا، ربي وربك الله، قال: ولك رب غيري؟ قال: نعم، ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دلّه على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص، وهذه الأدواء، فقال: أما أنا لا أشفي أحداً إنما يشفي الله عز وجل، قال: أنا. قالا: لا، قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله فأخذه أيضاً بالعذاب حتى دل على الراهب فأوتي بالراهب فقيل: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرقه أيضاً، وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلاَّ فدهدهوه، فذهبوا به فلما علموا به الجبل، فال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فبعث به نفراً إلى البحر في فرفور، فقال: إذا لججتم به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فأغرقوه، فقال الغلام: اللَّهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا هم، وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي ثم قل: بسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني ففعل، ووضع السهم في قوسه ورماه به في صدغه، فوضع الغلام يده في موضع السهم ومات، فقال الناس آمنا برب الغلام، فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر، فقد والله وقع بك: قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك، فخدت فيها الأخاديد وأُضرِمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلاَّ فأقحموه فيها قال: فكانوا يتعادون ويتدافعون، فجاءت امرأة بابنٍ لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي، اصبري يا أماه فإنك على الحق"تفسير : . وقد قيل: إن الغلام دفن فوجد زمن عمر بن الخطاب ويده على صدغه، كلما رُفعت خرج الدم من جرحه، وإذا تُركت أعيدت على الجرح. وقد سقنا هذه القصة، وهي من أمثل ما جاء في هذا المعنى لها فيها من العبر، والتي يمكن أن يستفاد منها بعض الأحكام، حيث إن ابن كثير، عزاها للإمام أحمد بن حنبل ومسلم، أي لصحة سندها مرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك الآتي: الأول: أن السحر بالتعلم كما جاء قصة الملكين ببابل، هاروت وماروت يعلمان الناس السحر. الثاني: إمكان اجتماع الخير مع الشر: إذا كان الشخص جاهلاً بحال الشر، كاجتماع الإيمان مع الراهب مع تعلم السحر من الساحر. ثالثاً: إجراء خوارق العادات على أيدي دعاة الخير، لبيان الحق والتثبت في الأمر، كما قال الغلام: اليوم أعلم أمر الراهب أحبَّ إلى الله أم أمر الساحر؟ الرابع: أنه كان أميل بقلبه إلى أمر الراهب، إذ قال: اللَّهم إن كان أمر الراهب أحب إليك، فسأل عن أمر الراهب ولم يسل عن أمر الساحر؟ الخامس: اعتراف العالم بالفضل لمن هو أفضل منه، كاعتراف الراهب للغلام. السادس: ابتلاء الدعاة إلى الله ووجوب الصبر على ذلك، وتفاوت درجات الناس في ذلك. السابع: إسناد الفعل كله لله، إنما يشفي الله. الثامن: رفض الداعي إلى الله الأجر على عمله وهدايته {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} تفسير : [الفرقان: 57]. التاسع: بيان ركن أصيل في قضية التوسل، وهو أن مبناه على الإيمان بالله ثم الدعاء وسؤال الله تعالى. العاشر: غباوة الملك المشرك المغلق قلبه بظلام الشرك، حيث ظن في نفسه أنه الذي شفى جليسه. وهو لم يفعل له شيئاً، وكيف يكون وهو لا يعلم؟ الحادي عشر: اللجوء إلى العنف والبطش عند العجز عن الإقناع والإفهام، أسلوب الجهلة والجبابرة. الثاني عشر: منتهى القسوة والغلظة في نشر الإنسان، بدون هوادة. الثالث عشر: منتهى الصبر وعدم الرجوع عن الدين، وهكذا كان في الأمم الأولى، وبيان فضل الله على هذه الأمة، إذ جاز لها التلفظ بما يخالف عقيدتها وقلبها مطمئن بالإيمان. وقد جاء عن الفخر الرازي قوله: الآية تدل على أن المكره على الكفر بالإهلاك العظيم الأولى به أن يصبر على ما خوف منه، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك، وقال. وروى الحسن حديث : أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لأحدهما: تشهد أني رسول رسول الله؟ فقال: نعم، فتركه، وقال للآخر مثله، فقال: لا بل أنت كذاب. فقتله، فقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم: "أما الذي ترك فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه، وأما الذي قتل فأخذ بالأفضل فهنيئاً له" . تفسير : وتقدم بحث هذه المسألة للشيخ رحمه الله تعالى علينا وعليه. الرابع عشر: إجابة دعوة الغلام ونصرة الله لعباده المؤمنين: اللَّهم اكفنيهم بما شئت. الخامس عشر: التضحية بالنفس في سبيل نشر الدعوة، حيث دل الغلام الملك على الطريقة التي يتمكن الغلام من إقناع الناس بالإيمان بالله، ولو كان الوصول لذلك على حياته هو. السادس عشر: إبقاء جسمه حتى زمن عمر - رضي الله عنه - إكراماً لأولياء الله، والدعاة من أن تأكل الأرض أجسامهم. السابع عشر: إثبات دلالة القدرة على البعث. الثامن عشر: حياة الشهداء لوجود الدم وعودة اليد مكانها، بحركة مقصودة. التاسع عشر: معرفة تلك القصة عند أهل مكة حيث حدثوا بها تخويفاً من عواقب أفعالهم بضعفة المؤمنين، كما هو موضح في تمام القصة. العشرون: نطق الصبي الرضيع بالحق.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصْحَابُ} (4) - لُعِنَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، وَقَاتَلَهُمُ اللهُ تَعَالَى (وَهَذَا جَوَابُ القَسَمِ). (وَالأُخْدُودُ حُفْرَةٌ فِي الأَرْضِ. وَأَصْحَابُ الأُخْدُودِ هُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ يَهُودِ اليَمَنِ عَمَدُوا إِلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدِينِ المَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَأَكْرَهُوهُمْ عَلَى الارْتِدَادِ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَفَرُوا حُفْرَةً فِي الأَرْضِ (أُخْدُوداً) أَضْرَمُوا فِيهَا نَاراً عَظِيمَةً، وَوَقَفُوا بِالمُؤْمِنِينَ عَلَى النَّارِ، فَمَنْ قَبِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الارْتِدَادَ عَنْ دِينِهِ أَطْلَقُوهُ، وَمَنْ رَفَضَ أَلْقَوْهُ فِي النَّارِ. فَلَعَنَ اللهُ مَنْ قَامُوا بِهَذَا العَمَلِ المُنْكَرِ). قُتِلَ - لُعِنَ. الأُخْدُودِ - الشِّقِّ العَظِيمِ فِي الأَرْضِ.
الثعلبي
تفسير : {قُتِلَ} لعن، قال ابن عباس: كل شيء في القرآن قتل فهو لعن. {أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ}: الشق واختلفوا فيهم فأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر قال: حدّثنا الحاكم أبو محمد يحيى بن منصور وأبو القاسم منصور بن العباس بنو شنج وأبو الحسن محمد بن محمود بن عبيد الله بمرو وأبو بكر أحمد بن محمد بن عبيد الله الطاهري [.....] واللفظ له قالوا: حدّثنا الحسن بن شيبان بن عامر الشيباني أن هدية بن خالد القيسي حدثهم قال: حدّثنا حماد بن سلمة، وحدثتُ عن محمد بن جرير قال: حدّثني محمد بن معمر قال: حدّثني حرمي بن عمارة قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال: حدّثنا ثابت بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت فابعث إليّ غلاماً أعلمه السحر فبعث إليه غلاماً يعلمه فكان في طريقه راهب فقعد إليه الغلام وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتي الساحر ضربه وإذا رجع من عند الساحر قعد إلى الراهب فسمع كلامه فإذا أتى أهله ضربوه، فشكى ذلك إلى الراهب فقال: إذا احتبست على الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا احتبست على أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر خير أم الراهب، فأخذ حجراً ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذا الدابة حتى يمضي الناس، فرمى بها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره فقال الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما قد أرى وإنك ستبتلى فإذا ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبري الأكمه والابرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك قد كان عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: لك هذا إن أنت شفيتني فقال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت بالله دعوت الله عز وجل فشفاك، فآمن بالله تعالى فشفاه الله فأتى الملك يمشي فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: وسأله بما شفيت قال: بدعاء الغلام، فأرسل إلى الغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ الأكمه والابرص وتفعل وتفعل، فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبي فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به فاذا بلغ ذروته فإن رجع عن دينه وإلاّ فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم كيف شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له: ما فعل أصحابك؟ فقال: أكفانيهم الله عز وجل فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال احملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فلجوا به فإن رجع عن دينه وإلاّ فاقذفوه فيه. فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فأنكفأت بهم السفينة فغرقوا به، فجاء يمشي الى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: أكفانيهم الله عز وجل، فقال للملك: إنّك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو؟ قل: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي ثم تضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في صدغه فوضع الغلام يده في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام ثلاثاً ثلاثاً، فأُتي الملك فقيل له: أريت ما كنت تحذره قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس كلهم. فأمر [بحفر] الأُخدود بأفواه السكك وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فاقذفوه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا ذلك حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام: يا أُمّه اصبري فإنك على حق ". تفسير : محمد بن يحيى قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة قال: حدّثنا جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة في قول الله سبحانه: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} قال: كانوا من قومك من النبط، وقال الكلبي: هم نصارى أهل نجران وذلك ان ملك نجران أخذ بها قوماً مؤمنين فخدّ لهم في الأرض سبعة أخاديد طول كل واحد أربعون ذراعاً وعرضه اثنتا عشرة ذراعاً ثم طرح فيها [النفط] والحطب ثم عرضهم عليها فمن أبى قذفوه في النار، فبدأ برجل يقال له عمرو بن زيد فسأله ملكهم، فقال: من علمك هذا يعني التوحيد فأبى أن يخبره فأتى الملك الذي علمه التوحيد فقال: أيّها الملك أنا علمته، واسمه عبد الله بن شمر فقذفه في النار، ثم عرض على النار واحداً واحداً حتى إذا أراد أن يتبع بقيّة المؤمنين فصنع ملكهم صنماً من ذهب ثم أمر على كل عشرة من المؤمنين رجلا يقول لهم إذا سمعتم صوت المزامير فأسجدوا للصنم فمن لم يسجد ألقوه في النار، فلما سمعت النصارى بذلك سجدوا للصنم، وأما المؤمنون فأبوا فخدّ لهم وألقاهم فيها [فارتفعت] النار فوقهم اثني عشرة ذراعاً. قال مقاتل: كانت [الأخاديد] ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، والاخرى بالشام، والاخرى بفارس، حرّقوا بالنار أمّا التي بالشام فهو انطيّا خوس بن ميسر الرومي، أمّا التي بفارس فهو بخت نصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس، فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله سبحانه فيهما قرآناً وأنزل في التي كانت بنجران، وذلك أن رجلين مسلمين ممّن يقرؤون الإنجيل أحدهما بأرض تهامة والآخر بنجران اليمن فأجّر أحدهما نفسه في عمل يعمله وجعل يقرأ الإنجيل، فرأت بنت المستأجر النور يضيء في قراءة الإنجيل فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتى رآه، فسأله فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام فتابعه هو وسبعة وثمانون إنساناً بين رجل وامرأة وهذا بعد ما رفع عيسى إلى السماء، فسمع ذلك يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تبع بن اليسوح الحميري فخدّلهم في الأرض فأوقد فيها فعرضهم على الكفر فمن أبى منهم أن يكفر قذفه في النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذف في النار، وإن امرأة جاءت ومعها ولد لها صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات فلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك ناراً لا تطفأ فلما سمعت ابنها يقول ذلك قذفا جميعاً أنفسهما في النار فجعلها الله وابنها في الجنة فقذف في النار في يوم واحد سبع وسبعون إنساناً. قال ابن عباس: من أبى أن يقع في النار ضرب بالسياط، فادخلت أرواحهم في الجنة قبل أن تصل أجسامهم إلى النار، وذكر محمد بن إسحاق بن يسار، عن وهب بن منبّه: إنّ رجلا كان بقي على دين عيسى فوقع إلى نجران فدعاهم فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنود من حمير خيّرهم بين النار واليهودية فأبوا عليه فخدَّ الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفاً، وقال الكلبي: كان أصحاب الاخدود سبعين ألفاً، قال وهب: لما علت أرباط على اليمن خرج ذو نواس هارباً فاقتحم البحر بفرسه فغرق وفيه يقول عمرو بن معدي كرب: شعر : اتوعدني كأنك ذو رعين بأنعم عيشه أو ذو نواس وكائن كان قبلك من نعيم وملك ثابت في الناس راسِ قديم عهده من عهد عاد عظيم قاهر الجبروت قاسِ أزال الدّهر ملكهم فأضحى ينقّل في أناس من أناسِ تفسير : قال الكلبي: وذو نواس هو الذي قتل عبد الله بن التامر وقد مضت القصّة في الحديث المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما يزيده وضوحاً ما روى عطاء عن ابن عباس إنّه قال: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شراحبيل بن شراحيل في الفترة قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بتسعين سنة. عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا عمر بن محمد بن بحير قال: حدّثنا عبد الحميد بن حميد الكشي، عن الحسن بن موسى قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الله القمي قال: حدّثنا جعفر بن أبي المغيرة عن ابن [ابري] قال: لما هزم المسلمون أهل أسفندهان انصرفوا فجاءهم يعني عمر فاجتمعوا، فقالوا: أي شيء تجري على المجوس من الأحكام فأنهم ليسوا بأهل كتاب وليسوا من مشركي العرب، فقال: علي بن أبي طالب: بل هم أهل الكتاب وكانوا متمسكين بكتابهم وكانت الخمر قد أحلّت لهم فتناولها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله فتناول اخته فوقع عليها فلما ذهب عنه السكر ندم وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت وما المخرج منه؟. قالت: المخرج منه أن تخطب الناس، فتقول: يا أيّها الناس إنّ الله أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب [هذا] في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيباً، فقال: يا أيّها الناس إنّ الله أحلّ نكاح الأخوات فقال الناس جماعتهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقرّ به ما جاءنا به نبي ولا أُنزل علينا في كتاب فرجع إلى صاحبته فقال: ويحك إنّ الناس قد أبوا عليّ قالت: إذا أُبّوا عليك فأبسط فيهم السوط قال: فبسط فيهم السوط، فأبى الناس أن يقرّوا فرجع إليها فقال: قد بسطت فيهم السوط فأبوا أن يقرّوا قالت: فجرّد فيهم السيف، قال: فجرّد فيهم السيف فأبوّا أن يقرّوا، وقال لها: ويحك إنّ الناس قد أبوا أن يقرّوا، قالت: خُدّ لهم أخدوداً ثم أوقد فيها النيران ثم اعرض عليها أهل مملكتك فمن تابعك فخلّ عنه ومن أبى فأقذفه في النار، فخدّ لهم أخدوداً فأوقد فيها النيران وعرض أهل مملكته على ذلك فمن أبى قذف في النار ومن أجاب خلّى سبيله، فأنزل سبحانه فيهم: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ} إلى قوله: {عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ}. وقال الضحاك: أصحاب الأخدود من بني إسرائيل أُخِذوا رجالا ونساءاً فخدّ لهم أخدوداً ثم أوقد فيها النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقال تكفرون أو نقذفكم في النار، ويزعمون أنه دانيال وأصحابه، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا عمر بن محمد بن بحير، قال: حدّثنا عبد بن حميد، عن يونس، عن شيبان عن قتادة في قوله سبحانه: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} قال: حُدّثنا أنّ علي بن أبي طالب كان يقول: هم أناس كانوا بمدراع اليمن اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر مؤمنوهم على كفارهم ثم اقتتلوا الثانية فظهر مؤمنوهم على كفارهم ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر بهم كفارهم فأخذوهم ثمّ أنّ رجلا من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى [خير] توقدون ناراً ثم تعرضوننا عليه، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون ومن لا اقتحم النار فاسترحتم منه قال: فأججوا ناراً وعرضوهم عليها فجعلوا يقتحمونها حتى بقيت عجوز فكأنها تلكأت، فقال لها طفلٌ في حجرها: أمضي ولا تنافقي فقص الله عليهم نبأهم وحديثهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو محمد المزني قال: حدّثنا مطين قال: حدّثنا عثمان قال: حدّثنا معاوية بن هشام، عن شريك عن جابر عن أبي طفيل، عن علي قال: كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي، قال علي: بُعث نبي من الحبشة إلى قومه، ثم قرأ عليّ: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} تفسير : [غافر: 78]، فدعاهم النبي فتابعه أُناس فقاتلهم فقتل أصحابه وأُخذ فأوثق فأفلت منهم، فخدّ أخدوداً فملأها ناراً فمن تبع النبي رُمي فيها ومن تابعهم تركوه فجاءوا بامرأة معها صبي رضيع فجزعت فقال: يا أماه مرّي ولا تنافقي." وبه عن مطين قال: حدّثنا أبو موسى وقال: وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر وكان أبوه سلّمه إلى معلم يعلّمه السحر فكره الغلام ذلك ولم يجد بُدّاً من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم، وكان في طريقه راهب حسن القراءة حسن الصوت فأعجبه ذلك وكان يأتي المعلم آخر الغلمان ويضربه المعلم ويقول: من الذي حبسك وإذا انقلب إلى أبيه دخل على الراهب فضربه أبوه ويقول: لما أبطأت، فشكى الغلام ذلك إلى الراهب فقال له الراهب: إذا أتيت المعلم فقل حبسني أبي وإذا أتيت أباك فقل: حبسني المعلم، وكان في تلك البلاد حيّة عظيمة قطعت الطريق على الناس فمر بها الغلام فرماها فقتلها فأحس الراهب بذلك فازداد به عجباً وقال أنت قتلتها قال: نعم قال: إنّ لك لشأناً، وكان للملك ابنٌ مكفوف البصر، فسمع بالغلام وقتله الحيّة فجاءه مع قائد فقال: أنت قتلت الحيّة؟ قال: لا، قال: ومن قتلها؟ قال: الله، قال: من الله؟ قال: ربُّ السماوات والأرض وما بينهما وربُّ الشمس والقمر والليل والنهار والدنيا والآخرة، قال: فان كنت صادقاً فادع ربّك حتى يرد عليّ بصري، قال: الغلام أرأيت إن ردّ الله سبحانه عليك بصرك أتؤمن به؟ قال: نعم، قال: اللهم إن كان صادقاً فاردد عليه بصره، فردّ الله تعالى عليه بصره فرجع إلى منزله بلا قائد، ثم دخل على الملك فلما رآه تعجب منه فقال: من صنع هذا، قال: الله، قال: ومن الله؟ قال: ربُّ السماوات والأرض وما بينهما وربُّ المشرق والمغرب وربّ الشمس والقمر والليل والنهار والدنيا والآخرة، فقال له الملك: أخبرني من علّمك هذا، ودلّه على الغلام فدعاه فكلّمهُ فاذا غلامٌ عاقل، فسألهُ عن دينه فأخبره بالإسلام ومن آمن معه، فهمّ الملك بقتلهم مخافة أن يبدل دينه فأرسل بهم إلى ذروة جبل وقال: ألقوهم من رأس الجبل، فذهبوا بالغلام إلى أطول جبل فدعا الغلام ربَّه فأهلكهم الله سبحانه، فغاظ الملك ذلك، ثم أرسل معهم رجالا إلى البحر فقال: غرّقوهم فدعا الغلام ربَّه فأغرقهم ونجا هو وأصحابه، فدخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك الذين أرسلتهم معك؟ فقال: أهلكهم الله ونجّاني فقال: اقتلوه بالسيف فنبا السيف عنه، وفشا خبره بأرض اليمن وعرفه الناس فعظّموه وعلموا إنه وأصحابه على الحق فقال الغلام للملك: إنّك لا تقدر على قتلي إلاّ أن تفعل ما أقول، قال: فكيف أقتلك، قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم باسم إلهي، ففعل الملك ذلك ثم رماه باسم إله الغلام فأصابه فقتله، فقال الناس: لا إله إلاّ إله عبد الله بن ثامر ولا دين إلاّ دينه، فغضب الملك وأغلق الباب وأخذ أفواه السكك وخدّ أخدوداً وملأه ناراً ثم عرضهم رجلا رجلا فمن رجع عن الإسلام تركه ومن قال ديني دين عبد الله ألقاه في الأخدود فأحرقه، وكان في مملكته امرأة أسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاثة أحدهم رضيع، فقال لها الملك: إرجعي عن دينك وإلاّ ألقيك في النار وأولادك معك، فأبت فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار ثم قال لها: إرجعي إلى دينك فأبت فألقى الثاني في النار ثم قال لها: إرجعي عن دينك فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمّت المرأة بالرجوع فقال الصبي: يا أماه لا ترجعي عن الإسلام فأنك على الحق ولا بأس عليك فأُلقي الصبي في النار وأُلقيت أمه على أثره فذلك قوله سبحانه {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ}. وقال الضحاك: أحرق بخت نصر قوماً من المسلمين. والأخدود: الحفرة والشق المستطيل في الأرض كالنهر وجمعه أخاديد وهو أفعول من الخد يقال خددتُ في الأرض خدّاً أي شققت وحفرت. {ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ} قراءة العامة بفتح الواو وهو الخطب، وقرأ أبو رجاء العطاردي بضم الواو على المصدر وقراءة العامة النار ذات بالكسر فهما على نعت الأخدود، وقرأ أشهب العقيلي بالرفع فيهما على معنى أحرقتهم {ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ}. قال الربيع بن أنس: كان أصحاب الاخدود قوماً مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وأن جبّاراً من عبدة الأوثان أرسل إليهم فعرض عليهم الدخول في دينه فأبوا فخدّ أخدوداً وأوقد فيه ناراً ثم خيّرهم بين الدخول في دينه وبين إلقائهم في النار فأختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم فألقوا في النار، فنجّى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بأن قبض أرواحهم قبل أن تمسّهم النار وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم. {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}: حضور، وقال مقاتل: يعني يشهدون إنّ المؤمنين حين تركوا عبادة الصنم {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ}: أي وما علموا فيهم عيباً ولا وجدوا لهم جرماً ولا رأوا منهم سوءاً. {إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ}: يعني إلاّ لأن ومن أجل أن آمنوا {بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ}: عَذّبوا وأحرقوا {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} نظيره قوله سبحانه وتعالى: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} تفسير : [الذاريات: 13]، {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} في الآخرة {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} في الدنيا وذلك إنّ الله سبحانه أحرقهم بتلك النار التي أحرقوا بها المؤمنين، هذا قول ربيع وأصحابه، وقال الآخرون: هما واحد. أخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا علي بن محمد بن لؤلؤ الوراق قال: حدّثنا أبو عبيد محمد ابن أحمد بن المؤمل الصيرفي قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن جعفر الأحول المعروف باللقوق قال: حدّثنا منصور بن عمّار قال: حدّثنا سعيد بن أبي توبة عن عبد الرحمن بن الجهم يبلغ به حذيفة بن اليمان قال: حديث : أسرَّ إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً في النار فقال: "يا حذيفة إن في جهنم لسباعاً من نار وكلاباً من نار وكلاليب من نار وسيوفاً من نار وأنه يبعث ملائكة يعلّقون أهل النار بتلك الكلاليب بأحناكهم ويقطعونهم بتلك السيوف عضواً عضواً ويلقونها إلى تلك الكلاب والسباع كلما قطعوا عضواً عاد مكانه عضواً جديد ". تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} واختلف العلماء في جواب القسم فقال بعضهم: جوابه {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} وفيه إضمار يعني لقد قُتل، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ}. وقال قتادة: جوابه قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي أخذهُ بالعذاب والإنتقام. {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ}: يعني الخلق عن أكثر العلماء، وروى عطية العوفي عن ابن عباس: يبديء العذاب في الدنيا للكفار ثم يعيد عليهم العذاب في الآخرة. {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ}: قال ابن عباس: التودد إلى أوليائه بالمغفرة. علي عنه: الحبيب، مجاهد: الواد، ابن زيد: الرحيم، وقيل: بمعنى المودود كالحلوب والركوب، وقيل: معناه يغفر ويودُّ أن يغفر. {ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ}: السرير العظيم وقال: ابن عباس وقتادة: الكريم، واختلف القرّاء فيه فقرأ يحيى وحمزة والكسائي وخلف بجر الدال على نعت العرش. غيرهم بالرفع على صفة الغفور. {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ}، خبر الجموع الهالكة ثم بين من هم فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، من قومك يا محمد. {فِي تَكْذِيبٍ}: [واستجاب للتعذيب] كدأب من قبلهم، {وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} عالم بهم لا يخفى عليه شيءٌ من أحوالهم {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} كريم شريف كثير الخير وليس كما زعم المشركون، وقال عبد العزيز بن يحيى: مجيد يعني غير مخلوق، وقرأ ابن السميفع: بل هو قرآن مجيد بالاضافة، أي قرآن ربّ مجيد. {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ }. قرأ يحيى بن يعمر: في لوح بضم اللام، أي إنّه بلوح وهو ذو نور وعلو وشرف. وقرأ الآخرون: بفتح اللام لوح محفوظ. قرأ نافع وابن مخيضر: بضم الظاء على نعت القرآن، وقرأ الباقون: بالكسر على نعت اللوح. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد قال: حدّثنا ابن خلويه قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا إسحاق بن بشر، قال: أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح لا إله إلاّ الله وحده، ودينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عزّوجل وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة. قال: فاللوح لوح من درة بيضاء طويلة طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه بر معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك يقال له ما طريون محفوظ من الشياطين، فذلك قوله {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} لله عزّوجل فيه في كلّ يوم ثلاث مائة وستون لحظة يحيي ويميت ويعزّ ويذلُ ويفعل ما يشاء. أخبرني عقيل إنّ المعافي أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثنا عمرو بن علي قال: سمعت قرّة بن سليمان قال: حدّثنا حرب بن سريح قال: حدّثنا عبد العزيز بن صهّيب عن أنس بن مالك: في قوله {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}. قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في جبهة إسرافيل. وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: كان {أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} [الآية: 4]. خدِّوا الخدود وملؤوها ناراً، فأَلقوا فيها من آمن بالله وتركوا من كفر. فأَلقوا بضعة وثمانين مؤمناً، حتى أَتوا على عجوز كبيرة، وابنها خلفها صبي صغير، فلما رأَت النار كيف تأْخذهم، جزعت، قالت: يا بني أَما ترى؟ قال لها ابنها: يا أَمتاه امضي ولا تنافقي. فمضت واقتحم ابنها على اثرها. قال الحسن: كانت لذعة نار ثم لا نار عليهم آخر ما عليهم ثم قال: يا سبحان الله، ما أَصبر الله، إِنهم يعذبون أَولياءَه بالنار وهو يدعوهم إِلى التوبة، ثم قرأَ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} . يقول: أَحرقوا المؤمنين والمؤمنات {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} [الآية: 10]. أَي: فلو تابوا لتاب الله، عز وجل، عليهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلأُخْدُودِ} [الآية: 4]. شق في الأَرض بنجران، كانوا يعذبون الناس فيها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 10]. يعني: عذبوا.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} معناه لُعِنَ أصحابُ الإِخْدُودِ، والإخدودُ: الحُفرة والجَمعُ أخاديدٌ. وكانوا باليَمنِ فَحَفَروا للمؤمنينَ هذه الحُفرةِ ثم أوقدوا فيها ناراً وقذفُوهم فيهَا.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} [4] 681 - أنا أحمدُ بنُ سليمان، نا عَفَّانُ بنُ مُسلمٍ، نا حمادُ بنُ سلمةَ، نا ثابتٌ البُنانيُّ، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن صُهيبٍ، أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان مَلِكٌ ممَّن كان قبلكم وكان له ساحرٌ، فلما كَبِرَ السَّاحرُ قال لِلمَلِكِ: إني قد كبرت سِنِّي وحضر أجلي فادفع إليَّ غُلاماً فلأُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فدفع إليه غُلاماً وكان يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ فكان في الطَّريقِ إذا سَلَكَ راهِبٌ، فأتي الغلامُ الرَّاهبَ، فسمعَ كلامَهُ فأعجبهُ نحوُهُ وكلامُهُ، فكان إذا أتى على السَّاحرِ ضَرَبَهُ وقال ما حَبَسَكَ؟ فإذا أتى أهلهُ جلسَ عند/ الراهبِ... فإذا أتى أهلهُ ضربوه وقالوا ما حَبَسَكَ؟ فشكى ذلك إلى الراهبِ، فقال: إذا أراد السَّاحرُ أن يضربكَ فقل: حَبَسَني أهلي، وإذا أراد أهلُك أن يضربوك فقل حبسني السَّاحرُ، فبينما هو كذلك إذ أتى يوماً على دابةٍ فظيعةٍ عظيمةٍ قد حَبَسَتِ الناس فلا يستطيعون أن يجُوزُوا، وقال: اليوم أعلمُ أمرُ الرَّاهبِ أحبُّ إلى اللهِ أم أمرُ السَّاحر، وأخذ حجراً وقال: اللَّهُمَّ إن كان أمرُ الرَّاهبِ أحبَّ إليكَ وأرضى لَكَ من أمرِ السَّاحرِ فاقتل هذه الدَّابَّةَ حتى يجُوزَ الناسُ، فرماها فقتلها ومضى الناسُ فأخبر الرَّاهب بذلك فقال: أي بُنيَّ، أنت أفضلُ مِنِّي، وإنَّكَ سَتُبْتَلي فإن ابتليتَ فلا تَدُلَّ عليَّ وكان الغُلامُ يُبرِيءُ الأكمهَ والأبرصَ وسائرَ الأدواءِ ويشفيهم. وكان جليسٌ لِلمَلِكِ فعمي فسمع به فأتاهُ بهدايا كثيرةٍ فقال: اشفني ولك ما ها هنا أجمعُ. فقال: ما أشفي أنا أحداً إنَّما يشفي اللهُ عزَّ وجلَّ، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ الله فشفاك فآمن فدعا اللهَ عزَ وجلَّ له فشفاهُ، ثم أتى الملِكَ فجلس مِنهُ نحو ما كان يجلسُ، فقال له الملكُ: يا فلانُ من ردَّ عليك بصركَ قال: ربِّي، قال: أنا؟! قال: لا، ولكن ربِّي وَرَبُّكَ اللهُ. قال: ولكَ ربٌّ غيري؟! قال: نعم. فلم يزل يُعذبهُ حتى دلَّ على الغُلامِ فبعث إليه فقال: أي بُني، قد بلغ من سحرك أنكَ تُبريءُ الأكمه والأبرصَ وهذه الأدواءَ فقال: ما أشفي أنا أحداً، ما يشفي غيرُ اللهِ، قال: أنا؟! قال: لا، قال: وإنَّ لكَ ربّاً غيري؟ قال: نعم، ربي وربُّك اللهُ، قال: فأخذهُ أيضاً بالعذابِ فلم يزل به حتى دلَّ على الرَّاهبِ، فأُتي الرَّاهبُ، فقيل: ارجع عن دينك فأبى. فوُضعَ المِنشارُ على مفرق رأسهِ حتى وقع شِقَّاهُ إلى الأرضِ. فقال لِلأعمى ارجع عن دينك فأبى فوضع المِنشارَ على مفرق رأسِهِ حتى وقع شِقاةُ إلى/ الأرضِ، فقال لِلغلامِ ارجع عن دينك فأبى، فبعث معهُ نفراً إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروتهُ فإن رجع عن ديِنِهِ وإلاَّ فدهدِهُوهُ من فوقهِ، فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال: اللَّهُمَّ اكفنِيهم بما شئتَ فرجفَ الجبلُ فتدهدهُوا أجمعون، وجاءَ الغلامُ حتى دخل على المَلِكِ فقال: ما فعل أصحابكَ؟ قال: كفانيهمُ اللهُ عزَّ وجلَّ، فبعث معهُ نفراً في قُرقُورةٍ وقال: إذا لجَّجْتُمْ معهُ في البحرِ فإن رجَعَ عن دِيِنه وإلاَّ فَغَرِّقُوهُ. قال أبو عبد الرحمنِ: بعضُ حُرُوفِ "غرِّقوهُ" سقط من كتابِهِ. فَلَجَّجُوا به في البحر فقال الغُلامُ: اللَّهُمَّ اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون وجاءَ الغُلامُ حتى دخلَ على المِلك، فقال: ما فعل أصحابكَ؟ قال: كفانيهم اللهُ جلَّ وعزَّ، ثم قال للمَلِكِ: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرُكَ. فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، قال: وما هو؟ قال: تجمعُ الناسَ في صعيدٍ ثم تَصلِبُني على جذعٍ فتأخُذُ سهماً من كنانتي ثم تقولُ باسمِ ربِّ الغُلامِ فإنَّك إن فعلت ذلك قتلتني، ففعل فوضع السَّهم في كبد قوسِهِ ثم رمى وقال: باسم ربِّ الغُلامِ فوقع السَّهْمُ في صُدْغِهِ فوضع الغُلامُ يده على موضع السَّهْمِ وماتَ رحمهُ اللهُ - فقال الناسُ: آمنَا بربِّ الغُلامِ. فقيل لِلمَلِكِ: أرأيت ما كنت تحذرُ فقد والله نزل بك. قد آمن الناسُ كُلُّهُمْ. فأمر بأفواهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ فيها الأخاديدُ وأُضرِمتَ فيها النِّيرانُ وقال: من يرجعْ عن دينهِ فدعُوهُ، وإلاَّ فأقْحِمُوهُ فيها. وكانوا يتنازعون ويتدافعون، فجاءت امرأةٌ بابنٍ لها تُرْضِعُهُ فكأنَّهَا تقاعَستْ أن تقع في النِّيرانِ فقال الصَّبِيُّ: اصبري فإنَّكِ على الْحَقُّ ". تفسير : 682 - أنا عمرو بنُ عليٍّ، أنا عبد الرحمنِ، نا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن سِماَكٍ، عن جابرِ بن سَمُرةَ، حديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: كان يقرأَ في الظُّهرِ والعَصْرِ/ {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} [الطارق: 1] وَنَحْوِهَا . تفسير : 683 - أنا مُحْمَّدُ بنُ عليِّ بن حَرْبٍ، أنا عليُّ بنُ الحُسينِ بنِ واقدٍ، عن أبيهِ، عن يزيد النَّحْوِيِّ، عن عكرمَةَ، عن ابن عباسٍ في قولهِ {أية : وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} تفسير : [البروج: 3] قال الشَّاهِدُ مُحَّمدٌ صلى الله عليه وسلم، والمشهودُ يومُ القيامةِ، وذلك قولهُ {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساءِ: 41]. ذيل التفسير قوله تعالى: [{قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ} [4]]
همام الصنعاني
تفسير : 3570- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ}: [الآية: 4]، قال: ي عني القاتلين الذين قُتِلُوا. 3571- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، قال كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إذا صَلّى العصر هَمَسَ، والهمس في قول بعضهم: تحرك شفتيه يتكلم بشيء، فقيل له: يا نبي الله، إ نك إذا صَلَّيْتَ العصر هَمَسْتَ فقال: "إنَّ نبياً من الأنبياء كان أعجب بأُمته فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم مِنْهُم، وبين أن أُسلط عليهم عَدُوّهم، فاختاروا النِّقمة، قال: فسلَّط الله عليهم الموت. قال: فمات منهم في يوم سبعون ألفاً. قال: وكان إذا حدَّث هذا الحديث، حدَّث بهذا الحديث الآخر. قال: كان ملك من الملوك له كاهن يتكهن لهم، فقال: ذلِكَ الكاهِنُ: انظروا إليَّ غلاماً فهماً فَطِناً أو قال لقيناً، فأعلمه على هذا؛ فإني أخاف أن أموت، فينقطع منكم هذا العلم فلا يكون من من يعلمه، قال: فنظروا له غلاماً على ما وصف فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف عليه. قال: فجعل الغلام يختلف إليه، قال: وكان على طريق الغلام راهب في صومعة له، قال: معمر: وأحسب أن أصحاب الصَّوامِعِ يومئذٍ كانوا مسلِمين، قال: فجعل الغلام يسأل الراهب، كلما مرَّ به فلم يزل به حتى أخْبَرَهُ، فقال إنما أَعْبُدُ الله، قال: فحعل الغلام يمكث عند الراهب ويبطئ عن الكاهن، قال: فأرسل الكاهن إلى أهْل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، قال: فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب، إذا قال لك الكاهن: أين كنت؟ فقل عند أهْلِي، وإذا قال أهلك أَيْن كنت؟ فقل: إنك كنت عند الكاهن قال: فينما الغلام على ذلك، إذ مرَّ بجماعة من الناس كبيرة، قد حبستهم دابة، قال بعضهم: إن هذه الدابة كانت أسداً، قال: فأخذ الغلام حجراً، فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حَقّاً، فأسْأَلك أن أقتل هذه الدابة، وإن كان ما يقوله الكاهن حقاً، فأسألك أن لا أقتلها، ثم رَمى فقتل الدابة، فقال الناس: ممن قتلها؟ فقالوا: الغعلام، فَفَزعَ الناس إليه، وقالوا: قَدْ عَلِمَ هذا الغلام علماً لم يعلمه أحَدٌ. ق ال: فَسَمِعَ به أعمى، فجاءه، فقال له الأعمى: إن أنت رددت عليَّ بصري، فإنَّ لك كذا وكذا، فقال الغلام لا أريد مِنْكَ هذا، ولكن أرَأَيْتَ إنْ رجع إليك بصرك أتؤمن بالذي رَدَّه عليك؟ قال: نعم. قال: فدع الله فرد إليه بصَرَه، قال: فآمَن الأعمى، قال: فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم فأُتِيَ بهم، فقال: لأقتلنَّ كل واحدٍ منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه. قال: فأمر بالراهب، وبالرجل الذي كانَ أعْمَى، فوضع المنشار على مِفْرق أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلةٍ أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه، قال: فانطلقوا إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك الموضع الذي أرادوا، جعلوا يتهافتون من ذَلِكَ الجبل، ويتردونَ منه حتى لم يبق منهم إلا الغلام. قال: ثم رجع الغلام، فأَمَرَ به الملك، فقال: انطلقوا به إلى البحر فألقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر: فأغْرَق الله الذين كانوا معه وأنجاه، فقال الغلام أنت لا تقتلني حتى تصلبني، ثم ترميني، فتقول إذا رميتني: باسم رب الغلام، قال: فأمر به فصُلِبَ ثم رَمَاهُ، فقال: باسم رب الغلام، قال: فوضع الغلام يده على صدغه حى رمي ثم مات. قال: فقال الناسُ: لقد علم هذه الغلام علماً ما علمه أحد، وإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة؟ فهذا العالم كلهم قد خالَفُوكَ، فَخدَّ أخدوداً، ثم ألقى فيها الحطب والنَّارَ، ثم جمع الناس عليها، فقال: من رجع إلى دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النَّارِ، فجعل يلقيهم في ذَلِكَ الأخدود، فيقول الله تبارك وتعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ * ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}: [الآيات من 4-8]، قال: فأما الغلام فإنه دفن فذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب، وإصبعه على صدغه، كما كَانَ وضعها حين قتل".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):