٨٥ - ٱلْبُرُوج
85 - Al-Burooj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما ذكر قصة أصحاب الأخدود، أتبعها بما يتفرع عليها من أحكام الثواب والعقاب فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: يحتمل أن يكون المراد منه أصحاب الأخدود فقط، ويحتمل أن يكون المراد كل من فعل ذلك وهذا أولى لأن اللفظ عام والحكم عام فالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل. المسألة الثانية: أصل الفتنة الابتلاء والامتحان، وذلك لأن أولئك الكفار امتحنوا أولئك المؤمنين وعرضوهم على النار وأحرقوهم، وقال بعض المفسرين الفتنة هي الإحراق بالنار وقال ابن عباس ومقاتل: {فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حرقوهم بالنار، قال الزجاج: يقال فتنت الشيء أحرقته والفتن أحجار سود كأنها محترقة، ومنه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } تفسير : [الذاريات: 13]. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا عن هذا الوعيد وذلك يدل على القطع بأن الله تعالى يقبل التوبة، ويدل على أن توبة القاتل عمداً مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس. المسألة الرابعة: في قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ } قولان: الأول: أن كلا العذابين يحصلان في الآخرة، إلا أن عذاب جهنم وهو العذاب الحاصل بسبب كفرهم، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب أنهم أحرقوا المؤمنين، فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد والثاني عذاب إحراق وأن يكون الأول عذاب إحراق والزائد على الإحراق أيضاً إحراق، إلا أن العذاب الأول كأنه خرج عن أن يسمى إحراقاً بالنسبة إلى الثاني، لأن الثاني قد اجتمع فيه نوعا الإحراق فتكامل جداً فكان الأول ضعيفاً، فلا جرم لم يسم إحراقاً. القول الثاني: أن قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } إشارة إلى عذاب الآخرة: {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ } إشارة إلى ما ذكرنا أن أولئك الكفار ارتفعت عليهم نار الأخدود فاحترقوا بها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي حَرَّقوهم بالنار. والعرب تقول: فَتن فلانٌ الدرهمَ والدينارَ، إذا أدخله الكور، لينظر جودته. ودينار مفتون. ويسمى الصائغ الفتان، وكذلك الشيطان، وورِق فتين، أي فضة محترقة. ويقال للحَرّة فتين، أي كأنها أحرقت حجارتها بالنار، وذلك لسوادها. {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} أي من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد الغلام. {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} لكفرهم. {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار. وقد تقدم عن ابن عباس. وقيل: «ولهم عذاب الحريق» أي ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: لهم عذاب، وعذاب جهنم الحريق. والحريق: ٱسم من أسماء جهنم؛ كالسَّعير. والنار دركات وأنواع ولها أسماء. وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم، ثم يعذّبون بعذاب الحريق. فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله؛ أي صدقوا به وبرسله. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي} أي بساتين. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفَّى. {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} أي العظيم، الذي لا فوز يشبهه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ } بالإِحراق {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } بكفرهم {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ } أي عذاب إحراقهم المؤمنين في الآخرة، وقيل في الدنيا بأن أخرجت النار فأحرقتهم كما تقدم.
ابن عطية
تفسير : {فتنوا} معناه: أحرقوا، وفتنت الذهب والفضة في النار أحرقتهما، والفتين حجارة الحرة السود لأن الشمس كأنها أحرقتها، ومن قال إن هذه الآيات الأواخر في قريش جعل الفتنة الامتحان والتعذيب، ويقوي هذا التأويل بعض التقوية قوله تعالى: {ثم لم يتوبوا} لأن هذا اللفظ في قريش أحكم منه في أولئك الذين قد علم أنهم ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان فيهم وقت نزول الآية من تاب بعد ذلك وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، و {جهنم} و {الحرق} طبقتان من النار، ومن قال إن النار خرجت وأحرقت الكافرين القعود، جعل {الحريق} في الدنيا، و "البطش": الأخذ بقوة وشرعة، و {يبدىء ويعيد} ، قال الضحاك وابن زيد معناه: {يبدىء} الخلق بالإنشاء {ويعيد} بالحشر، وقال ابن عباس ما معناه: إن ذلك عام في جميع الأشياء، فهي عبارة عن أنه يفعل كل شيء إنه {يبدىء ويعيد} كلما ينعاد، وهذان قسمان مستوفيان جميع الأشياء، وقال الطبري معناه: {يبدىء} العذاب، ويعيده على الكفار، و {الغفور الودود} صفتا فعل، الأولى ستر على عباده، والثانية لطف بهم وإحسان إليهم، وخصص {العرش} بإضافة نفسه إليه تشريفاً، وتنبيهاً على أنه أعظم المخلوقات، وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم والحسن وابن وثاب والأعمش وعمرو بن عبيد: " المجيد " بخفض الدال صفة للعرش، وهذا على أن المجد والتمجيد قد يوصف به كثير من الجمادات، وقد قالوا مجدت الدابة إذا سمنت، وأمجدتها إذا أحسنت علفها، وقالوا: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار: كثرت نارهما، وقرأ الباقون والجمهور: "ذو العرش"، وروى ابن عباس: "ذي العرش" نعتاً لقوله {إن بطش ربك}.
النسفي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } يجوز أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة وبالذين آمنوا المطروحين في الأخدود، ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لم يرجعوا عن كفرهم {فَلَهُمْ } في الآخرة {عَذَابُ جَهَنَّمَ } بكفرهم {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ } في الدنيا لما رُوي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، ويجوز أن يريد الذين فتنوا المؤمنين أي بلوهم بالأذى على العموم والمؤمنين المفتونين، وأن للفاتنين عذابين في الآخرة لكفرهم ولفتنتهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } أي الذين صبروا على تعذيب الأخدود أو هو عام {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } البطش: الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، والمراد أخذه الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد أن صيرهم تراباً، دل باقتداره على الابداء والإعادة على شدة بطشه، أو أوعد الكفرة بأنه يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم إذ لم يشكروا نعمة الابداء وكذبوا بالإعادة {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ } الساتر للعيوب العافي عن الذنوب {ٱلْوَدُودُ } المحب لأوليائه. وقيل: الفاعل لأهل الطاعة ما يفعله الودود من إعطائهم ما أرادوا {ذُو ٱلْعَرْشِ } خالقه ومالكه {ٱلْمَجِيدُ} وبالجر: حمزة وعلي على أنه صفة للعرش ومجد الله عظمته ومجد العرش علوه وعظمه {فَعَّالٌ } خبر مبتدأ محذوف {لِّمَا يُرِيدُ } تكوينه فيكون فيه دلالة خلق أفعال العباد. {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ } أي قد أتاك خبر الجموع الطاغية في الأمم الخالية {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } بدل من {ٱلْجُنُودِ } وأراد بفرعون إياه وآله والمعنى قد عرفت تكذيب تلك الجنود للرسل وما نزل بهم لتكذيبهم {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من قومك {فِى تَكْذِيبٍ } واستيجاب للعذاب ولا يعتبرون بالجنود لا لخفاء حال الجنود عليهم لكن يكذبونك عناداً {وَٱللَّهُ مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ } أي عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه، والإحاطة بهم من ورائهم مثل لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت الشيء المحيط به {بَلْ هُوَ } بل هذا الذي كذبوا به {قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ } شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه ليس كما يزعمون أنه مفترى وأنه أساطير الأولين {فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } من وصول الشياطين إليه {مَّحْفُوظٍ }: نافع صفة للقرآن أي من التغيير والتبديل. واللوح عند الحسن شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه، وعند ابن عباس رضي الله عنهما وهو من درة بيضاء طولها ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور وكل شيء فيه مسطور. مقاتل: هو على يمين العرش. وقيل: أعلاه معقود بالعرش وأسفله في حجر ملك كريم، والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ...} الآية، فَتَنُوهُمْ، أي: أحرقوهم، * ت *: قال الهروي: قولُه تعالى: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} أي: لهم عذابٌ لكفرِهم وعذابٌ بِإحْرَاقِهم المؤمنينَ، انتهى، قال * ع *: ومَنْ قَال: إنَّ هذه الآياتِ الأواخِرَ في قريشٍ جَعلَ الفِتنةَ الامتحانَ والتعذيبَ، ويقوِّي هذا التأويلَ بعضَ التقويةِ قولُه تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ}، لأنَّ هذا اللفظُ في قريشٍ أشْبَهُ منه في أولئك، والبطشُ: الأخذُ بقوةٍ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}: لما ذكر قصة أصحاب الأخدود، أتبعها بما يتفرع من أحكام الثواب والعقاب، فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي: حرقوهم بالنار، والعرب يقولون: فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته، ودينار مفتون، ويسمى الصائغ: فتّان، وكذلك الشيطان، وورق فتين، أي: فضة محرقة، ويقال للحرة: فتين, وهي الأرض التي تركبها حجارة سوداء، كأنما أحرقت حجارتها بالنار لسوادها. وقال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد بالذين فتنوا: كل من فعل ذلك؛ لأن اللفظ والحكم عام. وقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} أي: من قبيح صنيعهم، وهذا يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وذلك يدلّ على القطع بأن الله يقبل التوبة، فدلَّ على أن توبة القاتل عمداً مقبولة. قوله: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ}. هو خبر "إنَّ الذينَ" دخلت الفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط، ولا يضر نسخه بـ "إن" خرفاً للأخفش. وارتفاع "عذاب" يجوز على الفاعلية بالجار قبله لوقوعه خبراً، وهو الأحسن، وأن يرتفع بالابتداء، والمعنى: لهم عذاب جهنَّم لكفرهم. وقيل: ولهم عذاب الحريق أي: ولهم في الآخرة عذابُ الحريق، والحريق: اسم من أسماء جهنم كالسعير، والنَّار دركات وأنواع، ولها أسماء، وكانوا يعذبون بالزَّمهرير في جهنم، ثم يعذبون بعذاب الحريق. والأول: عذاب ببردها. والثاني: عذاب بحرِّها. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}. أي: هؤلاء الذين آمنوا بالله، أي: صدقوا به وبرسوله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ} أي: بساتين. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لما ذكر تعالى وعيد المجرمين، ذكر وعد المؤمنين، {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} أي: العظيم الذي لا فوز يشبهه، وقال: "ذلِكَ الفوزُ" ولم يقل: تلك؛ لأن ذلك إشارة إلى إخبار الله تعالى بحضور الجنات، وتلك إشارة إلى الجنَّة الواحدة، وإخبار الله - تعالى - يدل على كونه راضياً. والفوز الكبير: هو رضا الله تعالى، لا دخول الجنة. قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}؛ أي: أخذه الجبابرة والظلمة، كقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102]. وقال المبرد: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ} جواب القسم وقد تقدم ذلك. والبطش: هو الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة، فقد تضاعف. قوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ}، يعني: الخلق عند أكثر العلماء يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث، وروى عكرمةُ، قال: عجب الكفَّار من إحيائه تعالى الأموات. وقال ابن عباس - رضي الله عنه - يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا، ثم يعيده عليهم في الآخرة، وهذا اختيار الطبري. قوله: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ}: "الغَفُور": أي: الستور لعباده المؤمنين، والودود: مبالغة في الوداد. قال ابن عباسٍ: هو المتودّد لعباده المؤمنين بالمغفرة. وعن المبرد، هو الذي لا ولد له، وأنشد: [المتقارب] شعر : 5157- وأركَبُ في الرَّوعِ عُريانَةً ذَلُولَ الجَناحِ لَقَاحاً ودُودَا تفسير : أي: لا ولد لها تحنّ إليه. وقيل: هو "فعول" بمعنى: "مفعول"، كالرَّكُوب والحلُوب أي: يوده عباده الصالحون. قوله: {ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ} قرأ الكوفيون إلاَّ عاصماً: "المجيد" بالجر. فقيل: نعت للعرش. وقيل: لـ "ربك" في قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}، قاله مكيٌّ. وقيل: لا يجوز أن يكون نعتاً للعرش؛ لأنه من صفات الله تعالى. وقرأ الباقون: بالرفع، على أنه خبر بعد خبر. وقيل: هو نعت لـ "ذو"، واستدلَّ بعضهم على تعدد الخبر بهذه الآية، ومن منع قال: لأنها في معنى واحد، أي: جامع بين هذه الأوصاف الشريفة، أو كل منها خبر لمبتدأ مضمر. والمجيد: هو النهاية في الكرم والفضل، والله - تبارك وتعالى - هو المنعوت بذلك، وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر المؤمنين. ومعنى "ذو العرش" أي: ذو الملك والسلطان، كما يقال: فلان على سرير ملكه وإن لم يكن على سرير، ويقال: بلي عرشه، أي: ذهب سلطانه. قوله: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي: لا يمتنع عليه شيء يريده. قال الزمخشريُّ: "فعالٌ" خبر مبتدأ محذوف، وإنما قيل: "فعال"؛ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. وقال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب الغفور الودود. وعن أبي السفر قال: دخل ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر - رضي الله عنه - يعودونه، فقالوا: ألا نأتيك بطبيبٍ؟ قال رضي الله عنه: قد رآنِي، قالوا: فَمَا قَال لَك؟ قال: قال: إنِّي فعَّالٌ لما أريدُ. فصل في أن الآية دلت على خلق الأفعال دلَّت هذه الآية على خلق الأفعال؛ لأنه تعالى يريد الإيمان، فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان، وإذا كان فاعلاً للإيمان وجب أن يكون فاعلاً للكفر ضرورة؛ لأنه لا قائل بالفرق. فصل في تفسير الآية قال القفال: "فعَّالٌ لما يُرِيدُ" أي: يفعل ما يريد على ما يراه، لا يعترض عليه ولا يغلبه غالب، فيدخل أولياءه الجنة، لا يمنعه مانع، ويدخل أعداءه النار، لا ينصرهم منه ناصر، ويمهمل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، فهو يفعل ما يريد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} الفتن الاحراق والفتنة بالفارسية آزون. اى محنوهم فى دينهم وآذوهم وعذبوهم بأى عذاب كان ليرجعوا عنه كاصحاب الاخدود ونحوهم كما روى ان قريشا كانوا يعذبون بلالا ونحوه فالموصول اللجنس وانما لم يدفع البلاء قبل الابتلاء لان أهل الولاء لا يخلو عن البلاء شعر : وهيهات هيهات الصفاء لعاشق وجنة عدن بالمكاره حفت تفسير : {ثم} اى بعدما فعلوا ما فعلوا من الفتنة {لم يتوبوا} اى عن كفرهم وفتنتهم فان ما ذكر من الفتنة فى الدين لا يتصور من دين الكافر قطعا وفى ايراد ثم اشعار بكمال حلمه وكرمه حيث لا يعجل فى القهر ويقبل التوبة وان طالت مدة الحوية قال الامام وذلك يدل على ان توبة القاتل عمدا مقبولة. {فلهم} فى الآخرة بسبب كفرهم {عذاب جهنم} يعذبون به أبدا {ولهم} بسبب فتنتهم للمؤمنين {عذاب الحريق} او عذاب عظيم زآئد فى الاحراق على عذاب سائر أهل جهنم فظهرت المغايرة بين المعطوفين وان كان كل منهما حاصلا فى الآخرة ويحتمل أن يكون المراد بعذاب جهنم بردها وزمهريرها وبعذاب الحريق حرها فيرددون بين برد وحر على أن يكون الحر لاحراقهم المؤمنين فى الدنيا والبرد لغيره كما قالوا الجزآء من جنس العمل والحريق اسم بمعنى الاحتراق كالحرقة وقول الكاشفى فى تفسيره عذاب الحريق عذاب آتش سوزان. يشير الى ان الحريق بمعنى النار المحرقة كما قال فى المفردات الحريق النار وكذا الحرق بالتحريك بالنار أو لهبها كما فى القاموس وحرق الشئ ايقاع حرارة فى الشئ من غير لهب كحرق الثوب بالدق والاحراق ايقاع نار ذات لهب فى شئ ومنه استعير أحرقنى بلومه اذا بالغ فى أذيته بلوم يقول الفقير الظاهر أن الحريق هنا بمعنى المحرق كالأليم بمعنى المؤلم فيكون اضافة العذاب الحريق من قبيل اضافة الموصوف الى صفته ويستفاد زيادة الاحراق من المقابلة فان العطف من باب الترقى بحسب العذاب المترتب على الترقى من حيث العمل.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} بالايذاء من غير استحقاقٍ او بالايذاء مطلقاً {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} اعاذنا الله منه {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} الحريق اسم للاحتراق بمعنى انّ لهم عذاباً مسبّباً عن الاحتراق، او عذاباً هو الاحتراق والمقصود انّ لهم فى جهنّم عذاب الحيّات والعقارب والحميم والزّقّوم، ولهم عذاب الاحتراق، او المراد بالّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات اصحاب الاخدود والمراد بعذاب الحريق احتراقهم بنار الاخدود، فانّه كما نقل بعد ما القوا المؤمنين فى النّار كان المؤمنون يدخلون الجنّة من غير احساس الم النّار وانقلبت النّار على الكفّار فأحرقتهم.
الأعقم
تفسير : {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} أي أحرقوهم وعذبوهم {ثم لم يتوبوا} من ذلك {فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} قيل: هما واحد، وقيل: لهم عذاب جهنم في الآخرة وعذاب الحريق في الدنيا لأنه تعالى أحرقهم بتلك النار، وقيل: الحريق بالكبد {إن بطش ربك} ان أخذه بالعقاب {لشديد} {إنه هو يبدئ ويعيد} قيل: يبدئ العذاب في.... ويعيده في الآخرة، وقيل: يبدئ الخلق في الدنيا ويعيده في الآخرة، وقيل: يبدئ النعم في الدنيا ثم يعيدها في الآخرة {وهو الغفور} لمن أناب إليه {الودود} قيل: يودّه كل أحد لاحسانه، وقيل: يودّ أولياءه ويحبهم، وقيل: الرحيم {ذو العرش} أي ربه وخالقه {المجيد} الكريم الكثير الاحسان، وإذا جعل صفة العرش فمعناه الرفيع لأنه فوق السماء، وقيل: هو الملك {فعّال لما يريد} لأنه لا يريد إلا الخير والصلاح {هل أتاك} قد أتاك {حديث الجنود} {فرعون وثمود} وما نزل بهم {بل الذين كفروا في تكذيب} {والله من ورائهم محيط} أي عالم بأفعالِهم لا يخفى عليه شيء {بل هو قرآن مجيد} كريم شريف {في لوح محفوظ} من التغيير والتبديل، وقيل: محفوظ أن يطلع عليه غير الملائكة، وقيل: فوق السماء السابعة، وقيل: لوح في السماء مكتوبٌ فيه القرآن وسائر ما يكون إلى يوم القيامة وفي أوله لا إله إلا الله وحده ودينه الإِسلام ومحمد عبده ورسوله فمن آمن به أدخله الجنة، واللوح من درة بيضاء.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} ضروا {المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ} بالإحراق *{ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} يستحقونه بكفرهم *{وَلَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ} بإحراقهم المؤمنين أو عذاب جهنم في الآخرة وعذاب الحريق في الدنيا وذلك أنه قيل خرجت نار الأخدود فأحرقتهم كما مر وعلى الأول فعذاب الحريق نار عظيمة في الآخرة تتسع كما يتسع الحريق.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ضروهم على الايمان وقهروهم على الكفر وهذا على عمومه ويشمل أصحاب الأخدود بالأَولى وهذا أولى من أن يراد أصحاب الأخدود وقيل المراد كفار قريش الذين عذبوا من آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجحه بعض بقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} لأَن أصحاب الأخدود مضوا لا تمكن توبتهم وهو ظاهر فى قوم تمكن توبتهم وقد يجاب بأَن أصحاب الأخدود فى زمانهم يستحقون أن يقال فيهم إن لم تتوبوا فلكم عذاب جهنم.. الخ قيل وأيضاً لو أريد كفار قريش لقيل ولم يتوبوا بالواو ولا بثم وهو فيهم لأَن الخصم يقول أنها فيمن لم يؤمن منهم والمراد ثم لم يتوبوا من كفرهم عموماً وفتنتهم خصوصاً لأَنه لو كان المراد من فتنتهم لاستحقوا أن لا يعذبوا إن لم يفتنوا ولو كانوا مشركين وقد يقال المراد أنهم إن لم يفتنوا عذبوا عذاباً واحداً وإن ماتوا وهم فاتنون عذبوا عذاباً آخر ايضاً، {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} بالنار والزمهرير والفاء فى خبر إن لشبه اسمها باسم الشرط فى العموم فهى ترجح أنه ليس المراد خصوص كفار الأَخدود {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} عذاب النار فقط وهو عطف خاص على عام أخر الحريق للفاصلة، ويجوز أن يكون المراد لهم عذاب جهنم لكفرهم وعذاب آخر منها لفتنتهم أو عذاب جهنم لفتنتهم وعذاب آخر لعدم توبتهم وقيل عذاب واحد وصف بأَنه فى موضع بعيد كما يقال للبئر البعيدة القعر جهنم وبأنه عذاب وهو الحريق والاضافة بيانية وقيل على ما مر عذابان عذاب جهنم فى الآخرة وعذاب نار الأخدود انقلبت إليهم والمؤمنون بريح من الله عز وجل وهو بعيد كما مر ولو قيل أحرقت النار المؤمنين كما هو ظاهر الآية والإخبار اونقلبت إلى الكفار فأَحرقتهم أيضاً لكان قريباً لكن لا سبيل إلى القول بلا حجة.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } أي محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه. والمراد بالذين فتنوا وبالمؤمنين والمؤمنات المفتونين إما أصحاب الأخدود والمطرحون فيه خاصة وإما الأعم ويدخل المذكورون دخولاً أولياً وهو الأظهر وقيل المراد بالموصول كفار قريش الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات من هذه الأمة بأنواع من العذاب. وقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } قال ابن عطية يقوي أن الآية / في قريش لأن هذا اللفظ فيهم أحكم منه في أولئك الذين قد علم أنهم ماتواعلى كفرهم وأما قريش فكان فيهم وقت نزولها من تاب وآمن وأنت تعلم أن هذا على ما فيه لا يعكر على أظهرية العموم والظاهر أن المراد ثم لم يتوبوا من فتنهم. {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } أي بسبب فتنهم ذلك {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ } وهو نار أخرى زائدة الإحراق كما تنبىء عنه صيغة فعيل لعدم توبتهم ومبالاتهم بما صدر منهم، وقال بعض الأجلة أي فلهم عذاب جهنم بسبب كفرهم فإن فعلهم ذلك لا يتصور من غير الكافر ولهم عذاب الحريق بسبب فتنهم المؤمنين والمؤمنات وفي جعل ذلك جزاء الفتن من الحسن ما لا يخفى. وتعقب بأن عنوان الكفر لم يصرح به في جانب الصلة وإنما المصرح به الفتن وعدم التوبة فالأظهر اعتبارهما سببين في جانب الخبر على الترتيب. وقيل أي فلهم جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا بناء على ما روى عن الربيع ومن سمعت أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم وقد علمت حاله. وتعقبه أبو حيان بأن {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} يأبـى عنه لأن أولئك المحرقين لم ينقل لنا أن أحداً منهم تاب بل الظاهر أنهم لم يلعنوا إلا وهم قد ماتوا على الكفر وفيه نظر وعليه إنما أخر {وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} ورعاية للفواصل أو للتتميم والترديف كأنه قيل ذلك وهو العقوبة العظمى كائن لا محالة وهذا أيضاً لا يتجاوزونه. وفي «الكشف» الوجه أن عذاب جهنم وعذاب الحريق واحد ووصف بما يدل على أنه للمعبودين جداً عن رحمته عز وجل وعلى أنه عذاب هو محض الحريق وهو الحرق البالغ وكفى به عذاباً. والظاهر أنه اعتبر الحريق مصدراً والإضافة بيانية ولا بأس بذلك إلا أن الوحدة التي ادعاها خلاف ظاهر العطف وقال بعضهم لو جعل من عطف الخاص على العام للمبالغة فيه لأن عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق وغيرهما كان أقرب ولعل ما ذكرناه أبعد عن القال والقيل. وجملة {فَلَهُمْ عَذَابُ} الخ وقعت خبراً لإن أو الخبر الجار والمجرور و{عَذَابُ} مرتفع به على الفاعلية وهو الأحسن والفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط ولا يضر نسخه بإن وإن زعمه الأخفش. واستدل بالآية على بعض أوجهها على أن عذاب الكفار يضاعف بما قارنه من المعاصي.
ابن عاشور
تفسير : إن كان هذا جواباً للقسم على قول بعض المفسرين كما تقدم كان ما بين القسم وما بين هذا كلاماً معترضاً يقصد منه التوطئة لوعيدهم بالعذاب والهلاك بذكر ما توعّد به نظيرهم، وإن كان الجواب في قوله: { أية : قتل أصحاب الأخدود } تفسير : [البروج: 4] كان قوله: {إن الذين فتنوا المؤمنين} بمنزلة الفذلكة لما أقسم عليه إذ المقصود بالقسم وما أقسمَ عليه هو تهديد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات من مشركي قريش. وتأكيد الخبر بــــ {إنَّ} للرد على المشركين الذين ينكرون أن تكون عليهم تبعةً من فتن المؤمنين. والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: هم مشركو قريش وليس المراد أصحاب الأخدود لأنه لا يلاقي قوله: {ثُم لم يتوبوا} إذ هو تعريض بالترغيب في التوبة، ولا يلاقي دخول الفاء في خبر {إنَّ} من قوله: {فلهم عذاب جهنم} كما سيأتي. وقد عُدّ من الذين فتنوا المؤمنين أبو جهل رأسُ الفتنة ومِسْعَرها، وأميةُ بن خلف وصفوانُ بن أمية، والأسودُ بن عبد يغوث، والوليدُ بن المغيرة، وأمُّ أنْمار، ورجل من بني تَيْم. والمفتونون: عد منهم بلالُ بن رباح كان عبداً لأمية بن خلف فكان يعذبه، وأبو فُكيهة كان عبداً لصفوان بن أمية، وخَبَّابُ بن الأرتِّ كان عبداً لأمّ أنمار، وعَمّار بن ياسر، وأبوه ياسِر، وأخوه عبد الله كانوا عبيداً لأبي حذيفة بن المغيرة فوكَل بهم أبا جهل، وعامرُ بن فُهيرة كان عبداً لرجل من بني تَيْم. والمؤمنات المفتونات منهنّ: حَمَامَةُ أمُّ بلال أمَةُ أمية بن خلف. وزِنِّيرَة، وأمُّ عنَيْس كانت أمة للأسود بن عبد يغوث والنهدية. وابنتها كانتا للوليد بن المغيرة، ولطيفةُ، ولبينةُ بنت فهيرة كانت لعُمر بن الخطاب قبل أن يسلم كان عمر يَضربها، وسُمية أمُّ عمار بن ياسر كانت لعمّ أبي جهل. وفُتِن ورجَع إلى الشرك الحارثُ بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعليُّ بن أمية بن خلف، والعاصي بن المنبه بن الحجاج. وعَطفُ {المؤمنات} للتنويه بشأنهن لئلا يظنّ أن هذه المزية خاصة بالرجال، ولزيادة تفظيع فعل الفاتنين بأنهم اعتدَوا على النساء والشأن أن لا يتعرض لهن بالغلظة. وجملة: {ثم لم يتوبوا} معترضة. و{ثُمّ} فيها للتراخي الرتبي لأن الاستمرار على الكفر أعظم من فتنة المؤمنين. وفيه تعريض للمشركين بأنهم إن تابوا وآمنوا سلِمُوا من عذاب جهنم. والفَتْن: المعاملة بالشدة والإِيقاع في العناء الذي لا يجد منه مخلصاً إلا بعناء أو ضرّ أخف أو حيلة، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : والفتنة أشد من القتل } تفسير : في سورة البقرة (191). ودخول الفاء في خبر (إنّ) من قوله: {فلهم عذاب جهنم} لأنّ اسم (إن) وقعَ مَوصولاً والموصول يضمَّن معنى الشرط في الاستعمال كثيراً: فتقدير: إن الذين فتنوا المؤمنين ثم إنْ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم، لأن عطف قوله: {ثم لم يتوبوا} مقصود به معنى التقييد فهو كالشرط. وجملة: {ولهم عذاب الحريق} عطف في معنى التوكيد اللفظي لجملة: {لهم عذابُ جهنم}. واقترانُها بواو العطف للمبالغة في التأكيد بإيهام أن من يريد زيادة تهديدهم بوعيد آخر فلا يُوجد أعظم من الوعيد الأول. مع ما بين عذاب جهنم وعذاب الحريق من اختلاف في المدلول وإن كان مآل المدلولين واحداً. وهذا ضرب من المغايرة يحسن عطف التأكيد. على أن الزج بهم في عذاب جهنم قبل أن يذوقوا حريقها لما فيه من الخزي والدفع بهم في طريقهم قال تعالى: { أية : يوم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعّاً } تفسير : [الطور: 13] فحصل بذلك اختلاف مَّا بين الجملتين. ويجوز أن يراد بالثاني مضاعفة العذاب لهم كقوله تعالى: { أية : الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللَّه زدناهم عذاباً فوق العذاب } تفسير : [النحل: 88]. ويجوز أن يراد بعذاب الحريق حريق بغير جهنم وهو ما يضرم عليهم من نار تعذيب قبل يوم الحساب كما جاء في الحديث: « حديث : القبر حفرة من حفر جهنم أو روضة من رياض الجنة » تفسير : رواه البيهقي في «سننه» عن ابن عمر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ}. يحتمل أن يكون مراداً به أصحاب الأخدود، وفتنوا بمعنى أحرقوا، ويحتمل أن يكون عاماً في كل من أذى المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم ويردوهم عنه بأي أنواع الفتنة والتعذيب. وقد رجع الأخير أبو حيان وحمله على العموم أولى، ليشمل كفار قريش بالوعيد والتهديد، وتوجيههم إلى التوبة مما أوقعوه بضعفة المؤمنين، كعمار وبلال وصهيب وغيرهم. ويرجح هذا العموم، العموم الآخر الذي يقابله في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} [البروج: 11]، فهذا عام بلا خلاف في كل من اتصف بهذه الصفات.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الذين فتنوا} أَيْ: أحرقوا {المؤمنين والمؤمنات ثمَّ لم يتوبوا} لم يرجعوا عن كفرههم {فلهم عذاب جهنم} بكفرهم {ولهم عذاب الحريق} بما أحرقوا المؤمنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} (10) - إِنَّ الذينَ حَاوَلُوا فِتْنَةَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ عَنْ دِينِهِمْ، وَعَذَّبُوهُمْ لِيُجْبِرُوهُمْ عَلَى الارْتِدَادِ عَنِ الإِيْمَانِ، وَأَصَرُّوا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالعِنَادِ والطُّغْيَانِ، وَلَمْ يَتُوبُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ حَتَّى أَدْرَكَهُمُ المَوْتُ، فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً فِي نَارِ جَهَنَّمَ جَزَاءً لَهُمْ. فَتَنُوا - عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ لِيُجْبِرُوهُمْ عَلَى تَرْكِ دِينِهِمْ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} معناه أَحرقُوهم.
الجيلاني
تفسير : وبالجملة: {إِنَّ} المسرفين المفسدين {ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ} وأحرقوا {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} ظلمّاً وعدواناً، كراهة هدايتهم وإيمانهم {ثُمَّ} بعدما فعلوا من الإفراط والإسراف {لَمْ يَتُوبُواْ} إلى الله، ولم يرجعوا نحموه سبحانه عن ظلمهم، ولم يستغفروا نادمين {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} الطرد والحرمان عن حضور الحنَّان المنَّان {وَلَهُمْ} ولحق بهم؛ بسبب كفرهم بالله، وإنكارهم توحيده {عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} [البروج: 10] بدل ما فعلوا بالمؤمنين من حرقهم في الأخاديد. ثمَّ عقب سبحانه وعيدهم بوعد المؤمنين فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة الحق {وَ} أكدوا إيمانهم بأن {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقرونة بالإخلاص في النيات {لَهُمْ} عند ربهم جزاء إيمانهم وأعمالهم تفضلاً عليهم {جَنَّاتٌ} منتزهات العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} جداول المعارف والحقائق المنتشئة من بحر الحقيقة، وبالجملة: {ذَلِكَ} القوم العظيم الشأن، البعيد رفعةً ومكانةً عن أفهام الأنام هو {ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} [البروج: 11] والفضل العظيم الذي لا فوز أعظم منه وأرفقع. ثمَّ أشار سبحانه إلى تهديد أصحاب الضلال، المنحرفين عن جادة الاعتدال، مخاطباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل، وأخذه بالعنف لعصاة عباده المائلين عن سبيل سداده، وجادة رشاده {لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] بحيث لا يقال على شدة بطشه، وتضاعف عذابه وانتقامه. وكيف يقاس على بطشه، ويقاوم مع أخذه {إِنَّهُ} سبحانه {هُوَ} القادر الغالب الذي {يُبْدِىءُ} ويظهر عموم المظاهر والموجودات من كتم العدم بالقدرة الغالبة الكاملة، ثمَّ يخفي ويعدم كلها أيضاً بكمال قدرته {وَيُعِيدُ} [البروج: 13] ويخرج عن فضاء الظهور مرة بعد أخرى بمقتضى قدرته واختياره، فكيف يقاوم ويقاس مع قدرته سبحانه هذه؟! وكيف يطيق أحد أن يقوم بمعارضته - تعالى شأنه أن يُعارض حكمه، ويُنازع سلطانه - يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسأل عن فعله، إنه حكيم حميد؟! {وَهُوَ} سبحانه بمقتضى سعة جوده ورحمته {ٱلْغَفُورُ} الستار المحاء لذنوب من تاب ورجع نحوه مخلصاً نادماً، وإن كبرت وكثرت، فإن رحمته أوسع منه وأشمل {ٱلْوَدُودُ} [البروج: 14] المحب لإخلاص المذنبين، وتوبة المستغفرين، وضراعة الخائفين المخبتين، المستحيين من الله، النادمين على ما صدر عنهم وقت الغفلة والغرور. وكيف لا يود ولا يغفر سبحانه، مع أنه {ذُو ٱلْعَرْشِ} المستوي على عروش ما ظهر وبطن بالاستيلاء التام، والاستقلال الكامل {ٱلْمَجِيدُ} [البروج: 15] العظيم في ذاته وصفاته، وأسمائه وأفعاله؛ إذ لا وجود لسواه، ولا كون لغيره. فظهر أنه {فَعَّالٌ} بالاستقلال الاختيار {لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16] وجميع الأفعال الجارية في ملكه وملكوته صادرة عنه باختياره، وبلا شركة فيها ومظاهرة؛ إذ لا يجري في ملكه إلاَّ ما يشاء بمقتضى علمه الشامل، وحكمته الكاملة، سواء كان إنعاماً أو انتقاماً. ثمَّ أشار سبحانه إلى تسلية حبيبه صلى الله عليه وسلم، وحثه على الصبر بأذيات قومه وتكذيبهم إياه مكابرةً فقال: {هَلُ أَتَاكَ} أي: قد أتاك ووصل إليك، وثبت ذلك عندك يا أكمل الرسل بالتواتر {حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ} [البروج: 17] أي: أخبار الأمم السالفة، وقصة تكذيبهم للرسل والكتب، وانتامنا عنهم بعدما بلغ أذيات الرسل غايتها. يعني: {فِرْعَوْنَ} الطاغي الباغي وملئه، كيف كذبوا أخاك موسى الكليم عليه السلام، وكيف قصدوا لمقته وهلاكه مراراً، وكيف انتقمنا عنهم واستأصلناهم {وَثَمُودَ} [البروج: 18] المردود، كيف كذبوا أخاك صالحاً عليه السلام، وكيف انتقمنا عنهم، تذكر يا أكمل الرسل قصصهم مع رسلهم، وما جرى عليهم من لدنَّا، فاصبر على ما أصابك من قومك، فإن ذلك من عزم الأمور، فسننتقم عنهم، مثلما انتقمنا من الأمم السالفة الهالكة. {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بك وبكتابك {فِي تَكْذِيبٍ} [البروج: 19] أعظم من تكذيب الماضين، إنهم سمعوا قصصهم، وما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم فلم يعتبروا، ولم ينزجروا، فسيلحقهم أشد مما لحقهم من العذاب عاجلاً وآجلاً. {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع لعموم ما جرى في ضمائرهم من الكفر والشقاق {مِن وَرَآئِهِمْ} أي: وراء هوياتهم الباطلة، وتعيناتهم العاطلة {مُّحِيطٌ} [البروج: 20] لهم بالإحاطة الذاتية، بحيث لا يفوت منه سبحانه شيء من جرائمهم وآثامهم، سيجازيهم عليها بمقتضى إحاطته، وهم منكرون إحاطته؛ لذلك ينكرون كتابه الجامع لجميع الكمالات الدنيوية والأخروية، الغيبية والشهادية، ينسبونه إلى الشعر والكهانة، وأنواع التزويرات والمفتريات الباطلة عناداً ومكابرةً، مع أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ} فرقان بين الحق والباطل، والهداية والضلال {مَّجِيدٌ} [البروج: 21] عظيم عند الله مبين، مبيِّن لأحكام الدين المستبين. مثبت {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 22] هو حضرة العلم الإلهي، ولوح قضائه المصون عن مطلق التحريف والتغيير. جعلنا الله ممن تنور بنور الإيمان، وانكشف بحقية القرآن الفرقان. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المحمدي، المنكشف بحقية القرآن - هداك الله إلى حقيقته - أن تعتقد إلى أن تنكشف أن مطلق الحوادث الجارية في عالم الكون والفساد، إنما هو مثبت في لوح القضاء المصون عن سمت التبديل والتغيير؛ إذ ما يبدل القول والحكم لدى القادر الحكيم العليم. والتصرفات الواقعة في عالم الملك والملكوت إنما هي مرفوعة مرسومة فيه على وجهها، بحيث لا يشذ شيء منها عنه، والقرآن المجيد منتخب منه، حاوٍ على عموم ما ثبت فيه إجمالاً. ومن أدركته العناية السرمدية، وجذبته الجذبة الأحدية تفطن من رموز القرآن إلى نور الأسرار والمعارف التي فصلها الحق في لوح قضائه، وحضرة علمه، لكن الواصل إلى هذه المرتبة العليَّة أقل من القليل. وبالجملة: فكن راجياً من الله الجميل، ولا تيأس من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلاَّ القوم الخاسرون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):