٨٥ - ٱلْبُرُوج
85 - Al-Burooj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المجرمين ذكر وعد المؤمنين وهو ظاهر وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ } ولم يقل تلك الدقيقة لطيفة وهي أن قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول هذه الجنات، وقوله: تلك إشارة إلى الجنات وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضياً والفوز الكبير هو رضا الله لا حصول الجنة. المسألة الثانية: قصة أصحاب الأخدود ولا سيما هذه الآية تدل على أن المكره على الكفر بالإهلاك العظيم الأولى له أن يصبر على ما خوف منه، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك روى الحسن أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: تشهد أني رسول الله فقال: نعم فتركه، وقال للآخر مثله فقال: لا بل أنت كذاب فقتله فقال عليه السلام: «حديث : أما الذي ترك فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه، وأما الذي قتل فأخذ بالفضل فهنيئاً له».
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن عباده المؤمنين: أن {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولهذا قال: {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} ثم قال تعالى: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي: إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله، وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر، أو هو أقرب، ولهذا قال تعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} أي: من قوته وقدرته التامة يبدىء الخلق، ويعيده كما بدأه بلا ممانع ولا مدافع، { وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ} أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه، ولو كان الذنب من أي شيء كان، والودود، قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب، {ذُو ٱلْعَرْشِ} أي: صاحب العرش العظيم، العالي على جميع الخلائق، والمجيد فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب عز وجل، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي: مهما أراد فعله، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل؛ لعظمته وقهره وحكمته وعدله؛ كما روينا عن أبي بكر الصديق: أنه قيل له وهو في مرض الموت: هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد. وقوله تعالى: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } أي: هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي: إذا أخذ الظالم، أخذه أخذاً أليماً شديداً، أخذ عزيز مقتدر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ: { هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ} فقام يستمع فقال: «حديث : نعم، قد جاءني» تفسير : وقوله تعالى: { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى تَكْذِيبٍ} أي: هم في شك وريب وكفر وعناد { وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} أي: هو قادر عليهم قاهر، لا يفوتونه ولا يعجزونه { بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ} أي: عظيم كريم { فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} أي: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. قال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا قرة بن سليمان، حدثنا حرب بن سريج، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك في قوله تعالى: { بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله { بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } في جبهة إسرافيل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح: أن أبا الأعبس، هو عبد الرحمن بن سلمان، قال: ما من شيء قضى الله: القرآن، فما قبله وما بعده، إلا وهو في اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل، لا يؤذن له بالنظر فيه. وقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ، ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه. وقد روى البغوي من طريق إسحاق بن بشر: أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله، وصدق بوعده، واتبع رسله، أدخله الجنة، قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه من الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك. وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمئة لحظة، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء» تفسير : آخر تفسير سورة البروج، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ }.
الماوردي
تفسير : {إنه هو يُبْدِىءُ ويُعيدُ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يحيى ويميت، قاله ابن زيد. الثاني: يميت ثم يحيى، قاله السدي. الثالث: يخلق ثم يبعث، قاله يحيى بن سلام. الرابع: يبدىء العذاب ويعيده، قاله ابن عباس. ويحتمل خامساً: يبدىء ما كلف من أوامره ونواهيه، ويعيد ما جزى عليه من ثواب وعقاب. {وهو الغَفورٌ الوَدُودُ} في الغفور وجهان: أحدهما: الساتر للعيوب. الثاني: العافي عن الذنوب. وفي الودود وجهان: أحدهما: المحب. الثاني: الرحيم. وفيه ثالث: حكاه المبرد عن اسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قول الشاعر: شعر : وأرْكبُ في الرّوْع عُريانةً ذلول الجناح لقاحاً وَدُوداً تفسير : أي لا ولد لها تحن إليه، ويكون معنى الآية أنه يغفر لعباده، وليس ولد يغفر لهم من أجله، ليكون بالمغفرة متفضلاً من غير جزاء. {ذو العَرْشِ المجيدُ} فيه وجهان: أحدهما: الكريم، قاله ابن عباس. الثاني: العالي، ومنه المجد لعلوه وشرفه. ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه من صفات الله تعالى، وهو قول من قرأ بالرفع. الثاني: أنه من صفة العرش، وهو قول من قرأ بالكسر. ويحتمل إن كان صفة للعرش وجهاً ثالثاً: أنه المحكم. {بل هو قُرآنٌ مَجِيْدٌ في لَوْحٍ مَّحفوظٍ} فيه وجهان: أحدهما: أن اللوح هو المحفوظ عند الله تعالى، وهو تأويل من قرأ بالخفض. الثاني: أن القرآن هو المحفوظ، وهو تأويل من قرأ بالرفع وفيما هو محفوظ منه وجهان: أحدهما: من الشياطين. الثاني: من التغيير والتبديل. وقال بعض المفسرين: إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه.
الخازن
تفسير : {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير}. قوله عزّ وجلّ: {إن بطش ربك لشديد} قال ابن عباس إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد. {إنه هو يبدىء ويعيد} أي يخلقهم أولاً في الدنيا، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت ليجازيهم بأعمالهم في القيامة {وهو الغفور} يعني لذنوب جميع المؤمنين. {الودود} أي المحب لهم، وقيل المحبوب أي يوده أولياؤه ويحبونه، وقيل يغفر ويود أن يغفر، وقيل هو المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. {ذو العرش} أي خالقه ومالكه. {المجيد} قرىء بالرفع على أنه صفة لله تعالى لأن المجد من صفات التعالي والجلال، وذلك لا يليق إلا بالله تعالى. وقرىء المجيد بالكسر على أنه صفة للعرش أي للسرير العظيم إذ لا يعلم صفة العرش وعظمته إلا الله تعالى وقيل أراد حسنه فوصفه بالمجيد فقد قيل إن العرش أحسن الأجسام، ثم قال تعالى: {فعال لما يريد} يعني أنه لا يعجزه شيء ولا يمنع منه شيء طلبه، وقيل فعال لما يريد لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة برحمته، لا يمنعه من ذلك مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر. {هل أتاك} أي قد أتاك {حديث الجنود} أي خبر الجموع الكافرة الذين تجندوا على الأنبياء ثم بين من هم فقال تعالى: {فرعون} يعني وقومه {وثمود} وكانت قصتهم عند أهل مكة مشهورة {بل الذين كفروا} أي من قومك يا محمد. {في تكذيب} يعني لك وللقرآن كما كذب من كان قبلهم من الأمم، ولم يعتبروا بمن أهلكنا منهم {والله من ورائهم محيط}، أي عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات} على الاطلاق من المفتونين وغيرهم {لهم} بسب ما ذكر من الايمان والعمل الصالح الذى من جملته الصبر على أذى الكفار واحراقهم وايراد الفاء اولا وتركها ثانيا يدل على جواز الامرين {جنات} يجازون بها بمقابلة النار ونحوها {تجرى من تحتها الانهار} يجازون بذلك بمقابلة الاحتراق والحرارة ونحو ذلك قال فى الارشاد ان أريد بالجنات الاشجار فجريان الانهار من تحتها ظاهر وان أريد بها الارض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهر فان اشجارها ساترة لساحتها كما يعرب عنه اسم الجنة. {ذلك} المذكور العظيم الشان وهو حصول الجنان {الفوز الكبير} الذى تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها فالحصر اضافى قال فى برهان القرءآن ذلك مبتدأ والفوز خبره والكبير صفته وليس له فى القرءآن نظير والفوز النجاة من الشر والظفر بالخير فان أشير بذلك الى الجنات نفسها فهو مصدر أطلق على المفعول مبالغة والا فهو مصدر على حاله قال الامام انما قال ذلك الفوز ولم يقل تلك لدقيقة لطيفة وهى ان قوله ذلك اشارة الى اخبار الله بحصول هذه الجنات ولو قال تلك لكانت الاشارة الى نفس الجنات واخبار الله عن ذلك يدل على كونه راضيا والفوز الكبير هو رضى الله لا حصول الجنة يقول الفقير وعندى ان حصول الجنات هو الفوز الكبير وحصول رضى الله هو الفوز الاكبر كما قال تعالى ورضوان من الله اكبر وانما لم يقل تلك لان نفس الجنات من حيث هى ليست بفوز وانما الفوز حصولها ودخولها.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنّ الذين آمنوا} وصبروا على الإيمان {وعَمِلوا الصالحات} من المفتونين وغيرهم {لهم} بسبب ذلك الإيمان والعمل الصالح {جناتٌ تجري من تحتها الأنهارُ}، إن أُريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أُريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهرة، فإنَّ أشجارها ساترة لساحتها، كما يعرب عنه اسم الجنة. {ذلك هو الفوزُ الكبير} الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها، والفوز: النجاة من الشر والظفر بالخير. والإشارة إمّا إلى الجنة الموصوفة بما ذكر, والتذكير لتأويلها بما ذكر، وإمّا إلى ما يفيده قوله: {لهم جنات...} الخ، من حيازتهم لها، فإنَّ حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعاً، وما فيه من البُعد للإيذان بعلو درجته، وبُعد منزلته في الفضل. ومحله: الرفع، وخبره: ما بعده. {إِنَّ بطشَ ربك لشديدٌ}، البطش: الأخذ بعنف، فإذا وُصف بالشدة فقد تفاقم وتعاظم أمره. والمراد: أخذ الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام، وهو استئناف، خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم إيذاناً بأنَّ لكفار قوهه نصيباً موفوراً من مضمونه، كما يُنبىء عنه التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره صلى الله عليه وسلم. {إِنه هو يُبدىء ويُعيد} أي: هو يُبدىء الخلق وهو يُعيده، من غير دخلٍ لأحد في شيء منها. ففيه مزيد تقرير لشدة بطشه، فقد دلّ باقتداره على البدء والإعادة على شدة بطشه، أو: هو يُبدىء البطش بالكفرة في الدنيا ويُعيده في الآخرة. {وهو الغفورُ} الساتر للعيوب، الغافر للذنوب، {الودودُ} المحب لأوليائه، أو: الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود، من إعطائهم ما أرادوا، {ذو العرش} أي: خالقه ومالكه، وقيل: المراد بالعرش: المُلك، أي: ذو السلطة القاهرة {المجيدُ} بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة لذُو، أي: العظيم في ذاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة {فعَّالٌ لما يُريد} بحيث لا يتخلّف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال عباده، ففيه دلالة على خلق أفعال العباد، وهو خبر عن محذوف. {هل أتاك حديثُ الجنود} أي: قد أتاك حديث الطاغية والأمم الخالية. وهو استفهام تشويق مقرر لشدّة بشطه تعالى بالظَلَمة العصاة, والكفرة العتاة. وكونه فعال لما يُريد مع تسليته صلى الله عليه وسلم بأنه سيصيب قومه صلى الله عليه وسلم ما أصاب تلك الجنود. {فرعونَ وثمودَ}؛ بدل من الجنود؛ لأنَّ المراد بفرعون هو وقومه. والمراد بحديثهم: ما صدر منهم من التمادي على الكفر والضلال، وما حلّ بهم من العذاب والنكال، أي: قد أتاك حديثهم، وعرفت ما فعل بهم، فذكّر قومك ببطش الله تعالى، وحذّرهم أن يُصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. {بل الذين كفروا في تكذيبٍ}، إضراب عن مماثلتهم، وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان، كأنه قيل: ليسوا مثلهم في ذلك، بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب، فإنهم مستقرُّون في تكذيبٍ شديد للقرآن الكريم، أو كأنه قيل: ليست جنايتهم مجرد عدم التذكُّر والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيب شديدٍ للقرآن الناطق بذلك، لكن لا أنهم يكذبون بوقوع تلك الحادثات، بل لكون ما نطق به قرآناً من عند الله تعالى مع وضوح أمره، وظهور حاله، بالبينات الباهرة. {واللهُ من ورائهم محيط}؛ عالم بأحوالهم، قادر عليهم، لا يفوتونه. وهو تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوات المحاط المحيط. {بل هو قرآن مجيد} أي: بل هذا الذي كذّبوا به قرآن شريف عالي الطبقة في الكتب السماوية، وفي نظمه وإعجازه، وهو رد لكفرهم وإبطال لتكذيبهم، وتحقيق للحق، أي: ليس الأمر كما قالوا، بل هو كتاب شريف {في لوح محفوظ} من التحريف والتبديل. وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن، والباقي بالجر صفة للوح، أي: محفوظ من وصول الشياطين إليه. واللوح عند الحسن: شيء يلوح للملائكة يقرؤونه، وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو من درّة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، قلمه نور، وكل شيءٍ فيه مسطور. قال مقاتل: هو عن يمين العرش، وقيل: أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حِجْرِ ملَك كريم هـ. الإشارة: إنَّ الذين آمنوا إيماناً حقيقيًّا شهوديًّا، وعملوا الصالحات بأيدي القلوب والأرواح والأسرار، يعني العمل الباطني، لهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحِكم، ذلك هو الفوز الكبير والسعادة العظمى. إنَّ بطش ربك بأهل الإنكار الجاحدين لأهل الخصوصية لَشَدِيد، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، إنه هو يُبدىء ويُعيد، يُبدىء الحجاب للمحجوبين، ويُعيد الشهود للعارفين، وهو الغفور للتائبين المتوجهين، الودود للسائرين المحبين. قال الورتجبي: الغفور للجنايات، الودود بكشف المشاهدات. هـ. ذو العرش: ذو السلطة القاهرة على العوالم العلوية والسفلية. قال الورتجبي: وصف نفسه بإيجاد العرش، ثم وصف نفسه بالشرف والتنزيه، أي: بقوله: {المجيد} إعلاماً بأنه كان ولا مكان، والآن ليس في المكان، إذ جلاله وجماله منزَّه عن مماسة المكان، والحاجة إلى الحدثان. هـ. قال القشيري: ويجوز أن يكون المراد بالعرش: قلب العارف المستَوي للرحمن، كما جاء الحديث: " قلب العارف عرش الله " هـ. فعّال لما يُريد، يُقرِّب البعيد ويُبعد القريب إن شاء. قال القشيري: إنْ أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك، وهو عادل في ذلك، وإن أراد عكس ذلك فهو كذلك. هـ. فلذا كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، هل أتاك حديث الجنود، أي: جنود النفس التي تُحارب به الروح لتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، ثم فسّرها بفرعون الهوى، وثمود حب الدنيا، والطبع الدني. بل الذين كفروا بطريق الخصوص في تكذيب، لهذا كله، فلا يُفرقون بين الروح والنفس، ولا بين الفرق والجمع، والله من ورائهم محيط، لا يفوته شيء، لإحاطة المحيط بالأشياء ذاتاً وصفاتاً وفعلاً، بل هو ـ أي: ما يوحي إلى الأسرار الصافية، والأرواح الطاهرة ـ قرآن مجيد في لوح محفوظ عن الخواطر والهواجس الظلمانية، وهو قلب العارف. والله تعالى أعلم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف {المجيد} بالخفض جعلوه نعتاً للعرش. الباقون بالرفع على أنه نعت لله تعالى، وقرأ نافع "محفوظ" بالرفع. الباقون بالخفض نعتاً للوح. ومن رفع جعله نعتاً للقرآن. اخبر الله تعالى عن صفة المؤمنين، فقال {إن الذين آمنوا} أي صدقوا بتوحيد الله واخلاص عبادته {وعملوا الصالحات} من الاعمال، واجتنبوا القبائح {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أى لهم بساتين تجري من تحت أشجارها الانهار {ذلك الفوز الكبير} فالفوز النجاة بالنفع الخالص، وأصله النجاة، وقيل للمهلكة مفازة تفاؤلا كأنه قيل: منجاة، وفاز فلان بكذا أى خلص له نفعه، يفوز فوزاً. ولا يقال إلا في تعظيم النفع الذى صار له، وإنما ذكر الكبير - ها هنا - لان النعيم لهؤلاء العاملين كبير بالاضافة إلى نعيم من لا عمل له ممن يدخل الجنة، لما فيه من الاجلال والاكرام والمدح والاعظام. وقيل: الفوز الحظ الواقع من الخير. ثم قال متوعداً ومتهدداً للكفار والعصاة {إن بطش ربك لشديد} يا محمد والبطش الاخذ بالعنف، بطش به يبطش بطشاً ويبطش ايضاً، فهو باطش، وإذا وصف بالشدة فقد تضاعف مكروهه وتزايد إيلامه. وقوله {إنه هو يبدئ ويعيد} قال ابن عباس: معناه إنه يبدأ العذاب ويعيده لاقتضاء ما قبله ذلك. وقال الحسن والضحاك وابن زيد: يبدأ الخلق ويعيده لان الاظهر فى وصفه تعالى بأنه المبدئ المعيد العموم في كل مخلوق {وهو الغفور} يعني الستار على خلقه معاصيهم {الودود} أى واد لهم ومحب لمنافع خلقه {ذوالعرش المجيد} ومعناه صاحب العرش، العظيم المجيد وقال ابن عباس: معناه الكريم. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً المجيد بالجر جعلوه نعتاً للعرش. ومعناه ذو العرش الرفيع. الباقون بالرفع جعلوه نعتاً للغفور أى هو الغفور الودود المجيد ذو العرش، قال المبرد: يجوز أن يكون نعتاً لقوله {إن بطش ربك.... المجيد} فيكون قد فصل بينهما، وفيه بعد لانه قال {لشديد} وقال {أنه هو يبدئ ويعيد، وهو الغفور الودود ذو العرش} وفصل بهذا كله، يقال: مجدت الابل تمجد مجوداً إذا رعيتها فرعت وشبعت. ولا فعل لك، او أمجدتها أمجدها إمجاداً إذا اشبعتها من العلف وملأت بطونها ولا فعل لها في ذلك، وفي المثل في كل شجر نار واستمجد المرح والغفار. ومعناه كثر ناره لانه ليس في الشجر أكثر ناراً من الغفار. وقوله تعالى {فعال لما يريد} معناه ما يشاؤه ويريده من أفعال نفسه يفعله لا يمنعه من ذلك مانع ولا يعترض عليه معترض، ولا يجوز أن يكون المراد إنه فعال لكل ما يريد لان ذلك يقتضي انه فعال لكل ما يريد أن يفعله العباد، وذلك انه يستحيل أن يفعل ما يريد أن يفعله العباد، لأن في ذلك ابطال الامر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب، إذ لا يأمرهم أن يفعلوا ما قد فعله، ولا ينهاهم عنه، ولانه قد أراد من الكفار أن يؤمنوا، لانه قد أمرهم بالايمان وما فعل إيمانهم وقد قال الله تعالى {أية : وما الله يريد ظلماً للعالمين}تفسير : ولو فعل ظلمهم لكان قد أراد ظلمهم. وقوله {هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود} معناه تذكر يا محمد حديثهم تذكر معتبر، فانك تنتفع به، وهذا من الايجاز الحسن والتفخيم الذي لا يقوم مقامه التصريح لما يذهب الوهم فى أمرهم كل مذهب ويطلب الاعتبار كل مطلب. وقوله {بل الذين كفروا في تكذيب} معناه بل هؤلاء الكفار الذين كفروا كذبوا بالبعث والنشور فاعرضوا عما يوجبه الاعتبار بفرعون وثمود، واقبلوا على ما يوجبه الكفر والتكذيب من التأكيد، ولم يعلموا أن {الله من ورائهم محيط} يقدر أن ينزل بهم ما انزل بفرعون. وقيل المعنى {هل أتاك حديث الجنود} وما كان منهم إلى انبيائهم فاصبر كما صبر الرسل قبلك {بل الذين كفروا في تكذيب} ايثاراً منهم لأهوائهم واتباعاً لسنن آبائهم. وقوله {والله من ورائهم محيط} أي هم مقدور عليهم كما يكون فيما احاط الله بهم، وهذا من بلاغة القرآن. وقوله {بل هو قرآن مجيد} أي كريم فالمجيد الكريم العظيم الكريم بما يعطي من الخير، فلما كان القرآن يعطي المعاني الجليلة والدلائل النفيسة كان كريماً مجيداً بما يعطي من ذلك، لان جميعه حكم. وقيل: الحكم على ثلاثة أوجه لا رابع لها: معنى يعمل عليه فيما يخشى ويتقى، وموعظة تلين القلب للعمل بالحق، وحجة تؤدي إلى تمييز الحق من الباطل فى علم دين أو دنيا، وعلم الدين أشرفهما وجميع ذلك موجود فى القرآن. وقوله {في لوح محفوظ} عن التغيير والتبديل والنقصان والزيادة. وقال مجاهد: المحفوظ أم الكتاب، وقيل: انه اللوح المحفوظ الذي كتب الله جميع ما كان ويكون فيه - ذكره أنس بن مالك - أي كأنه بما ضمن الله من حفظه في لوح محفوظ ومن رفع {محفوظ} جعله صفة القرآن. ومن قرأه بالخفض جعله صفة اللوح.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال المؤمنين {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قد مضى بيان جريان الانهار من تحت الجنّات فى آخر سورة آل عمران عند قوله فالّذين هاجروا واخرجوا {ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ} يا محمّد (ص) او من يتأتّى منه الخطاب {لَشَدِيدٌ} الجملة فى مقام التّعليل لعذاب الكافرين ونعيم المؤمنين، والاتيان بالبطش والحكم عليه بالشّدّة اشعار بشدّة العذاب فانّ البطش هو الاخذ بالعنف والسّطوة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} هم المحرقون في الأخدود رضي الله عنهم *{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} وقيل الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش يصدون الناس عن الإيمان ويأذونهم عليه وأهل الإيمان المسلمون فلهؤلاء الذين فتنوهم عذاب على الكفر وعذاب على الفتنة وأيده بعض بأن لفظ ثم لم يتوبوا أشبه في قريش. *{ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ} مصغر عنه كل ما سواه من ملك الدنيا.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} عموماً فدخل فيه من أحرقوا فى الأخدود بالأَولى {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} على حذف مضاف أى من تحت أشجارها والجنة أرض الشجر مع الشجر وإن اريد بالجنة الشجر فلا حذف. {ذَلِك} أى ثبوت الجنات لهم وقيل الاشارة إلى الجنات والافراد والتذكير إذ لم يقل هؤلاءِ لتأويل ما ذكر، {الفَوزُ} مصدر بمعنى اسم المفعول أى المفوز به أو بولغ بأَن الجنات نفس الفوز وإن جعلنا الإشارة إلى الحوز أو النيل مصدر نال فالفوز باق على المصدرية بمعنى الظفر ومن خصائص الجنة أن أهلها لا يكرهون من طعامها كله شيئاً ولا يملون منه شيئاً وكذا شرابها وسائر نعمها {الْكَبِيرُ} الذى لا فوز إلاَّ وهو دونه وإن شئت قال فى الموضعين الكمال والإشارة البعدية على كل حال للشرف والعلو.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } على الإطلاق من المفتونين وغيرهم {لَهُمْ } بسبب ما ذكر من الإيمان والعمل الصالح {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } إن أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر فإن أشجارها ساترة لساحتها كما يعرب عنه اسم الجنة. وفَصْلُ الجملة قيل لأنها كالتأكيد لما أشعرت به الآية قبل من اختصاص العذاب بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا. {ذَلِكَ} إشارة إلى كون ما ذكر لهم وحيازتهم إياه وقيل للجنات الموصوفة والتذكير لتأويلها بما ذكر وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو الدرجة وبعد المنزلة في الفضل والشرف، ومحله الرفع على الابتداء خبره {ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ } الذي يصغر عنده الفوز بالدنيا وما فيها من الرغائب والفوز النجاة من الشر والظفر بالخير فعلى الوجه الثاني في الإشارة هو مصدر أطلق على المفعول مبالغة وعلى الأول مصدر على حاله.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله: {ثم لم يتوبوا} المقتضي أنهم إن تابوا لم يكن لهم عذاب جهنم فيتشوف السامعُ إلى معرفة حالهم أمقصورة على السلامة من عذاب جهنم أو هي فوق ذلك، فأخبر بأن لهم جنات فإن التوبة الإِيمان، فلذلك جيء بصلة {آمنوا} دون: تابوا: ليدل على أن الإِيمان والعمل الصالح هو التوبة من الشرك الباعث على فتن المؤمنين، وهذا الاستئناف وقع معترضاً. ويجوز أن يكون اعتراضاً بين جملة { أية : إن الذين فتنوا المؤمنين } تفسير : [البروج: 10] وجملة: { أية : إن بطش ربك لشديد } تفسير : [البروج: 12] اعتراضاً بالبشارة في خلال الإِنذار لترغيب المنذَرين في الإِيمان، ولتثبيت المؤمنين على ما يلاقونه من أذى المشركين على عادة القرآن في إرداف الإِرهاب بالترغيب. والتأكيد بــــ {إنَّ} للاهتمام بالخبر. والإِشارة في {ذلك} إلى المذكور من اختصاصهم بالجنات والأنهار. و{الكبير}: مستعار للشديد في بابه، والفوز: مصدر.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتٌ} {ٱلأَنْهَارُ} (11) - إِنَّ الذِينَ أَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَقَامُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَأُوْلَئِكَ يُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَهَذَا هُوَ الفَوْزُ الكَبِيرُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} [البروج: 11]؛ يعني: القوى التي آمنت باللطيفة الداعية لها وعملت الصالحات لهم الجنات التي عمرت في نفوسهم بالعمل الصالح تجري من تحتها الأنهار والمعرفة، و{ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ} [البروج: 11] وهذه الآية تصلح أن تكون جواب القسم؛ يعني: يكرر القسم، ثم قال: {أية : قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ}تفسير : [البروج: 4].... إلى آخره، ثم أقسم وقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [البروج: 11] ولو نقول: إن في الآية تقديماً وتأخيراً كما قيل يجوز؛ يعني: قتل أصحاب الأخدود {أية : وَٱلسَّمَآءِ....}تفسير : [البروج: 1] إلى آخره؛ {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] جواب بعد الجواب؛ يعني: يوم يبطش البطشة الكبرى أشد من البطش العاجل الذي بيناه في عذاب الحريق. {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13]؛ يعني: خلقهم أولاً، يميتهم ثانياً، ثم يحييهم ثالثاً، وبعبارة أخرى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} [البروج: 13] ويعيد القوى في النفس الأمارة من الغيب إلى الشهادة ويجعلها مظهراً لصفة قهره، ويعيدها إلى عالم الغيب من الشهادة مع الكتاب الآلات الباقية للمظهرية لصفة القهر. {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ} [البروج: 14] للقوى التائبة المؤمنة {ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ} [البروج: 15] الذي كان فوق الكرسي المسمى بفلك الأفلاك؛ وهو مستوى الصفة الروحانية ومحرك الأفلاك؛ وهو مبدئ ظهور الفعل {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16]؛ يعني: يفعل بتحركه الأفلاك ما كتب على اللوح أراد ظهوره، {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} [البروج: 17-18]؛ أي: سمعت حديث القوى القالبية، والنفسية التي آمنت بفرعون اللطيفة القالبية غير المستخلصة عن الباطل وأرادة الغلبة على اللطيفة المستخلصة عن الباطل الواصلة إلى الحق ما فعل الله بهم، {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ} [البروج: 19] أيتها اللطيفة الخفية، لك كما كذبوا من قبل اللطائف المستخلصة عن الباطل الداعية أممهم إلى الحق والأمن، {وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} [البروج: 20]؛ يعني: عالم بكيدهم قادر على دفعهم ولكنه يمهلهم؛ ليكسوا آلات شقاوتهم الأبدية، {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} [البروج: 21]؛ يعني: إن الذي ينزل عليك من أحوالهم، ومما يؤول إليه أمرهم في الآخرة، من أمور الغيبية المشهودة من أعين أهل الشهادة، قرآن حق لا شعر ولا كهانة وبعبارة أخرى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} [البروج: 21] إنهم أملهوا حتى أكثروا الفساد وادخروا العذاب الشديد ليوم المعاد مكتوب {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } [البروج: 22]؛ أي: في لوح عقلك، محفوظ في قوة حافظتك، وقد بينا في قدسية أخرى ذكر القرآن القديم الكريم الذي {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] والقرآن المجيد الذي يقرؤه الآفاقيون، فاطلب منها حقيقتها فسبيلك أيها السالك سماءك ولوحك، وشاهدك ومشهودك، ويوم الموعود، ولا تنكر الآيات البينات الأنفسية التي تشاهدها في السلوك، وتذعن الأمر للطيفة، وتكفر بالنفس الأمارة، وتكون من حزب الرحمن، وتجاهد مع جند الشيطان؛ لتكون من الفائزين بالفوز الكبير. اللهم اجعلنا من أهل الفوز والسداد والصلاح بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان كل صباح ورواح.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):