Verse. 5921 (AR)

٨٥ - ٱلْبُرُوج

85 - Al-Burooj (AR)

اِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيْدٌ۝۱۲ۭ
Inna batsha rabbika lashadeedun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن بطش ربك» بالكفار «لشديد» بحسب إرادته.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أولاً وذكر وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثانياً أردف ذلك الوعد والوعيد بالتأكيد فقال لتأكيد الوعيد: {إن بطش ربك لشديد} والبطش هو الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم ونظيره {أية : إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } تفسير : [هود: 102] ثم إن هذا القادر لا يكون إمهاله لأجل الإهمال، لكن لأجل أنه حكيم إما بحكم المشيئة أو بحكم المصلحة، وتأخير هذا الأمر إلى يوم القيامة، فلهذا قال: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ } أي إنه يخلق خلقه ثم يفنيهم ثم يعيدهم أحياء ليجازيهم في القيامة، فدل الإمهال لهذا السبب لا لأجل الإهمال، قال ابن عباس: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً ثم يعيدهم خلقاً جديداً، فذاك هو المراد من قوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ }. ثم قال لتأكيد الوعد: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } فذكر من صفات جلاله وكبريائه خمسة: أولها: الغفور قالت المعتزلة: هو الغفور لمن تاب، وقال أصحابنا: إنه غفور مطلقاً لمن تاب ولمن لم يتب لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] ولأن غفران التائب واجب وأداء الواجب لا يوجب التمدح والآية مذكورة في معرض التمدح وثانيها: الودود وفيه أقوال: أحدها: المحب هذا قول أكثر المفسرين، وهو مطابق للدلائل العقلية، فإن الخير مقتضى بالذات والشر بالعرض، ولا بد أن يكون الشر أقل من الخير فالغالب لا بد وأن يكون خيراً فيكون محبوباً بالذات وثانيها: قال الكلبي: الودود هو المتودد إلى أوليائه بالمغفرة والجزاء، والقول هو الأول وثالثها: قال الأزهري: قال بعض أهل اللغة يجوز أن يكون ودود فعولاً بمعنى مفعول كركوب وحلوب، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لما عرفوا من كماله في ذاته وصفاته وأفعاله، قال: وكلتا الصفتين مدح لأنه جل ذكره إذا أحب عباده المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه. ورابعها: قال القفال: قيل الودود قد يكون بمعنى الحليم من قولهم: دابة ودود وهي المطيعة القياد التي كيف عطفتها انعطفت وأنشد قطرب:شعر : وأعددت للحرب خيفانة ذلول القياد وقاحا ودودا تفسير : وثالثها: ذو العرش، قال القفال: ذو العرش أي ذو الملك والسلطان كما يقال: فلان على سرير ملكه، وإن لم يكن على السرير، وكما يقال: ثل عرش فلان إذا ذهب سلطانه، وهذا معنى متفق على صحته، وقد يجوز أن يكون المراد بالعرش السرير، ويكون جل جلاله خلق سريراً في سمائه في غاية العظمة والجلالة بحيث لا يعلم عظمته إلا هو ومن يطلعه عليه ورابعها: المجيد، وفيه قراءتان إحداهما: الرفع فيكون ذلك صفة لله سبحانه، وهو اختيار أكثر القراء والمفسرين لأن المجد من صفات التعالي والجلال، وذلك لا يليق إلا بالله سبحانه، والفصل والاعتراض بين الصفة والموصوف في هذا النحو غير ممتنع والقراءة الثانية: بالخفض وهي قراءة حمزة والكسائي، فيكون ذلك صفة العرش، وهؤلاء قالوا: القرآن دل على أنه يجوز وصف غير الله بالمجيد حيث قال: {أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ } تفسير : [البروج: 21] ورأينا أن الله تعالى وصف العرش بأنه كريم فلا يبعد أيضاً أن يصفه بأنه مجيد، ثم قالوا: إن مجد الله عظمته بحسب الوجوب الذاتي وكمال القدرة والحكمة والعلم، وعظمة العرش علوه في الجهة وعظمة مقداره وحسن صورته وتركيبه، فإنه قيل: العرش أحسن الأجسام تركيباً وصورة وخامسها: أنه فعال لما يريد وفيه مسائل: المسألة الأولى: فعال خبر مبتدأ محذوف. المسألة الثانية: من النحويين من قال: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ } خبران لمبتدأ واحد، وهذا ضعيف لأن المقصود بالإسناد إلى المبتدأ إما أن يكون مجموعها أو كل واحد واحد منهما، فإن كان الأول كان الخبر واحد الآخرين وإن كان الثاني كانت القضية لا واحد قبل قضيتين. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال فقالوا: لا شك أنه تعالى يريد الإيمان فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان بمقتضى هذه الآية وإذا كان فاعلاً للإيمان وجب أن يكون فاعلاً للكفر ضرورة أنه لا قائل بالفرق، قال القاضي: ولا يمكن أن يستدل بذلك على أن ما يريده الله تعالى من طاعة الخلق لا بد من أن يقع لأن قوله تعالى: {فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } لا يتناول إلا ما إذا وقع كان فعله دون ما إذا وقع لم يكن فعلاً له هذه ألفاظ القاضي ولا يخفي ضعفها. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب لأحد من المكلفين عليه شيء ألبتة، وهو ضعيف لأن الآية دالة على أنه يفعل ما يريد، فلم قلتم: إنه يريد أن لا يعطي الثواب. المسألة الخامسة: قال القفال: فعال لما يريد على ما يراه لا يعترض عليه معترض ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة لا يمنعه منه مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم ويعاجل بعضهم العقوبة إذا شاء ويعذب من شاء منهم في الدنيا وفي الآخرة يفعل من هذه الأشياء ومن غيرهما ما يريد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي أخذه الجبابرة والظلمة، كقوله جلّ ثناؤه: { أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }. تفسير : [هود: 102] وقد تقدم. قال المبرد «إن بطش ربك» جواب القسم. المعنى: والسماء ذات البروج إن بطش ربك، وما بينهما معتَرِض مؤكِّد للقسم. وكذلك قال التِّرمذي الحكيم في نوادر الأصول: إن القسم واقع عما ذكر صفته بالشدة: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} يعني الخَلْق ـ عن أكثر العلماء ـ يخلُقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث. وروى عكرمة قال: عَجِب الكفار من إحياء الله جلّ ثناؤه الأموات، وقال ابن عباس: يبدىء لهم عذاب الحريق في الدنيا، ثم يعيده عليهم في الآخرة. وهذا اختيار الطبريّ: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} أي الستُور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها {ٱلْوَدُودُ} أي المحب لأوليائه. ورَوَى الضحاك عن ابن عباس قال: كما يودّ أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة. وعنه أيضاً «الودود» أي المتودد إلى أوليائه بالمغفرة، وقال مجاهد الوادّ لأوليائه، فعول بمعنى فاعل. وقال ابن زيد: الرحيم، وحكى المبرد عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قول الشاعر: شعر : وأركبُ في الروع عُرْيانةً ذلولَ الجَناح لقاحاً ودُوداً تفسير : أي لا ولد لها تحِن إليه، ويكون معنى الآية: إنه يغفر لعباده وليس له ولد يغفر لهم من أجله، ليكون بالمغفرة متفضلاً من غير جزاء. وقيل: الودود بمعنى المودود، كركوب وحلُوب، أي يوده عباده الصالحون ويحبونه {ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ} قرأ الكوفيون إلا عاصما «المجيد» بالخفض، نعتاً للعرش. وقيل: لـ«ـربك»؛ أي إن بطش ربك المجيد لشديد، ولم يمتنع الفصل، لأنه جارٍ مجرى الصفة في التشديد. الباقون بالرفع نعتا لـ«ـذو» وهو الله تعالى. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه المنعوت بذلك، وإن كان قد وُصف عرشه بالكريم في آخر «المؤمنون. تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخُ والعَفَار؛ أي تناهيا فيه، حتى يُقْتَبَس منهما. ومعنى ذو العرش: أي ذو المُلك والسلطان؛ كما يقال: فلان على سرير ملكه؛ وإن لم يكن على سرير. ويقال: ثُل عرشه: أي ذهب سلطانه. وقد مضى بيان هذا في «الأعراف» وخاصة في «كتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى». {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي لا يمتنع عليه شيء يريده. الزمخشريّ: «فَعَّال» خبر ابتداء محذوف. وإنما قيل: «فَعَّال» لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. وقال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرة محضة. وقال الطبريّ: رفع «فعال» وهي نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب «الغفور الودود». وعن أبي السّفر قال: دخل ناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه يعودونه فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني! قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ } بالكفار {لَشَدِيدٌ } بحسب إرادته.

البقاعي

تفسير : ولما كان لا يثيب ويعذب على هذا الوجه إلا من كان في غاية العظمة، قال معللاً لفعله ذلك دالاً بذلك التعلل على ما له من العظمة التي تتقاصر الأفكار دون عليائها، مؤكداً لما للأعداء من الإنكار: {إن بطش ربك} أي أخذ المحسن إليك المدبر لأمرك أعداء الدين بالعنف والسطوة وغاية الشدة {لشديد *} أي شدة يزيد عنفها على ما في البطش من العنف المشورط في تسميته، فهو عنف مضاعف. ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة، دل على كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله مؤكداً لما لهم من الإنكار: {إنه} وزاد التأكيد بمبتدأ آخر ليدل على الاختصاص فقال: {هو} أي وحده {يبدىء} أي يوجد ابتداء أي خلق أراد على أي هيئة أراد {ويعيد *} أي ذلك المخلوق بعد إفنائه في أي وقت أراده، وغيره لا يقدر على شيء من ذلك، وليس هذا الضمير بفصل لأنه لا يكون إلا والخبر لا يكون إلا معرفة، أو شبيه بها في أنه لا يلحقه "أل" المعرفة مثل خير منك، وأجاز المازني وقوعه قبل المضارع لمشابهته الاسم وامتناع دخول "أل" عليه فأشبه المعرفة، وقال: ولا يكون قبل الماضي لأن الماضي لا يشبه الاسم، قال الرضي: وما قاله دعوى بلا حجة ومثل "ومكر أولئك هو يبور" ليس بنص في كونه فصلاً لجواز كونه مبتدأ بما بعده خبره، ونقض قوله في الماضي بقوله تعالى:{أية : وأَنه هو أضحك وأبكى}تفسير : [النجم: 43]. ولما ذكر سبحانه بطشه، وكان القادر على العنف قد لا يقدر على اللطف، وإن قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك، وكان لا يقدر على محو الذنوب أعيانها وآثارها على كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ولا عتاب من أحد أصلاً إلا من كان قادراً على كل شيء، قال مبيناً لجميع ذلك دليلاً على أنه الفاعل المختار، ومؤكداً لخروجه عن العوائد: {وهو} أي وحده {الغفور} أي المحاء لأعيان الذنوب وآثارها إذا أراد بحيث لا يحصل لمن محا ذنبه كدر من جهة ذلك الذنب أصلاً {الودود *} أي الذي يفعل بمن أراد فعل المحب الكثير المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي محاه عنه وداً أي محبة كبيرة واسعة ويجعل له في قلوب الخلق رحمة، ومادة "ود" تدور على الاتساع كما بينته في سورة الروم، وزاد الأمر تأكيداً بذكر ما لا ينازع أصلاً في اختصاصه به تشريفاً له وتنبيهاً على أنه أعظم المخلوقات: {ذو العرش} أي العز الأعظم أو السرير الدال على اختصاصه الملك بالملك وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة، الذي به قوام الأمور {المجيد *} أي الشريف الكريم العظيم في ذاته وصفاته الحسن الجميل الرفيع العالي الكثير العطاء - هذا إذا رفع على أنه صفة لـ"ذو" وكذا إن جر على أنه صفة للعرش في قراءة حمزة والكسائي. ولما كان الاختصاص يدل قطعاً على كمال القدرة، أنتج ذكر هذه الاختصاصات قوله: {فعّال} أي على سبيل التكرار والمبالغة {لما يريد *} لا يؤده شيء من الأفعال سواء كانت منسوبة إليه من غير واسطة أو نسبت في الظاهر إلى غيره. ولما تمت الدلالة على أن بطشه شديد، قرره بما وجد من ذلك وذكره به تخويفاً وتسلية له لأن النظر في المحسوسات أمكن في النفوس فقال: {هل أتاك} أي يا أعظم خلقنا {حديث الجنود *} أي اذكر ما أتاك مما حدث لهم من بطشنا وما وقع بهم من سطواتنا لتكذيبهم رسلنا عليهم أفضل الصلاة والسلام بحيث صار حديثاً يتلى، وذكراً بين الخلق لعظمته لا يبلى، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر المعد للقتال والأعوان والمدينة، والكل ناظر إلى النجدة العظيمة والغلبة الزائدة. ولما كان المعلوم من السياق أن المراد من حديثهم ما حصل لهم من البطش لتكذيب الرسل لا سيما في البعث الذي السياق له، وكان الواقع من بيانه بآيات موسى وصالح عليهما الصلاة والسلام أبين مما وقع بآيات غيرهم ممن تقدم زمنه على هذه الأزمنة، وكانت أمة كل نبي من النبيين وأتباع فرعون تحوي أصنافاً من الخلق كثيرة، حكي أن طليعته يوم تبع بني إسرائيل وغرق كانت ستمائة ألف، أبدل من "الجنود" إعلاماً بأنهم أعداء الله قوله: {فرعون} وكذا أتباعه الذين كانوا أشد أهل زمانهم وأعتاهم وأكثرهم رعونة في دعوى الإلهية منه والتصديق منهم وكان هذا من عماوة قلوبهم مع ظهور علامات الربوبية السماوية والأرضية، والرسوخ في التكذيب والسفه والخفة والطيش مع رؤية تلك الآيات العظيمة على كثرتها وطول زمنها حتى دخل البحر على أمان من الغرق مع أن خطر الغرق به في تلك الحالة لم يكن يخفى على من له أدنى مسكة من عقله فأغرقه الله ومن معه أجمعين ولم يبق منهم أحداً، فلعنة الله عليه وعلى من كان معه من أتباعه وأتباعهم الطائفة الاتحادية العربية الفارضية الذين يكفي في ظهور كفرهم تصويبهم فرعون الذي أجمع على كفره جميع الفرق {وثمود *} الذين حملتهم الخفة على أن عقروا الناقة بعد رؤيتهم إياها تتكون من الصخرة الصماء غير مجوزين أن الذي خرق العادة بإخراجها ذلك يهلكهم في شأنها، وقد جمع سبحانه بهما بين العرب والعجم والإهلاك بالماء الذي هو حياة كل شيء والصيحة التي هي أمارة الساعة، وإنما كانت آياتهما أبين لأن آية ثمود ناقة خرجت من صخرة صماء، ومن آيات موسى عليه الصلاة والسلام إبداع القمل الذي لا يحصى كثرة من الكثبان، وإبداع الضفادع كذلك والجراد وإحياء العصا مرة أخرى، ولا شك عند عاقل أن من قدر على ذلك ابتداء من شيء لا أصل في الحياة فهو على إعادة ما كان قبل ذلك حياً أشد قدرة. ولما كان التقدير: نعم قد أتاني ذلك وعلمت من خبرهما وغيره أنك قادر على ما تريد، ولكن الكفار لا يصدقونني، عطف عليه قوله: {بل الذين كفروا} أي جاهروا بالكفر من هؤلاء القوم وغيرهم وإن كانوا في أدنى رتبة {في تكذيب *} أي لما رأوا من الآيات لا مستند لهم فيه وهو شديد محيط بهم لاتباعهم أهواءهم وتقليدهم آباءهم، فهم لا يقدرون على الخروج من ذلك التكذيب الذي صار ظرفاً لهم بعد سماعهم لأخبار هؤلاء المهلكين ورؤية بعض آثارهم، وبعد ما أقمت لهم من الأدلة على البعث في هذا القرآن المعجز، ولم يعتبروا بشيء من ذلك لما عندهم من داء الحسد، فحالهم أعجب من حالهم فحذرهم مثل مآلهم. ولما كان هذا ربما أوهم أن تكذيبهم على غير مراده سبحانه وتعالى، قال دافعاً لذلك مؤكداً قدرته على أخذهم تحذيراً لهم وتسلية لمن كذبوه: {والله} أي والحال أن الملك الذي اختص بالجلال والإكرام {من ورائهم} أي من كل جهة يوارونها أو تواريهم، وذلك كل جهة {محيط *} فهو محيط بهم من كل جهة بعلمه وقدرته، فهو كناية عن أنهم في قبضته لا يفوتونه بوجه كما أنه لا يفوت من صار في القبضة بإحاطة العدو به من غير مانع، فهو سبحانه قادر على أن يحل بهم ما أحل بأولئك، ولعله خص الوراء لأن الإنسان يحمي ما وراءه ولأنه جهة الفرار من المصائب. ولما كان من تكذيبهم، وهو أعظم تكذيبهم، طعنهم في أعظم آيات القرآن بأن يقولوا: هو كذب مختلق، إنما هو أساطير الأولين، أي أكذوباتهم لا حقائق لما يخبر به مع أنه قد أقام الدليل الأعظم لنفسه بنفسه بما له من الإعجاز على أنه حق، قال معبراً بالضمير إيذاناً بأنه لعظمه في كل قلب لا غيبة له أصلاً، ليس لأحد حديث إلا فيه، بانياً على ما تقديره: ليس الأمر كما يزعم الكفار في القرآن: {بل هو} أي هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد {قرآن} أي جامع لكل منقبة جليلة بالغ الذروة العليا في كل شرف {مجيد *} أي شريف كريم ليس فيه شيء من شوائب الذم عزيز عظيم شريف عال جواد حسن الخلال وحيد في نظمه ومعانيه المغيبة والمشاهدة حاو لمجامع الحمد ليس بقول مخلوق ولا هو مخلوق بل هو صفة الخالق بل هو جواد بكل ما يراد منه من المحاسن لمن صدقت نيته وطهرت طويته، وعلت همته وكرمت سجيته، فهو يأبي له مجده أن يلم بساحته طعن بوجه من الوجوه، ومجده تجريب أحكامه من بين عاجل ما شهد وآخل ما علم بعالم ما شهد، فكان معلوماً بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه وأشكاله، فكذب من قال إنه شعر أو كهانة أو سحر - أو غير ذلك من الأباطيل. ولما وصفه في نفسه مما يأبي له لحاق شيء من شبهة، وصف محله في الملأ الأعلى إعلاماً بأنه لا يطرأ عليه ما يغيره فقال: {في لوح} وهو كل صفيحة عريضة من خشب أو عظم أو غيرهما {محفوظ *} أي له الحفظ دائماً على أتم الوجوه من كل خلل ومن أن يصل إليه إلا الملائكة الكرام، قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الموت من الأحياء: يعبر عنه تارة باللوح، وتارة بالكتاب المبين، وتارة بإمام مبين، فجمع ما جرى في العالم وما سيجري مكتوب فيه كتباً لا يشاهد بهذه العين، وليس مما نعهده من الألواح، فلوحه تعالى لا يشبه ألواح خلقه كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذوات خلقه، ومثاله مثال قلب الإنسان في حفظ القرآن مثلاً كلماته وحروفه، ولو فتش قلبه لم يوجد فيه شيء ولا ينظر ذلك إلا نبي أو ولي يقرب من درجته - هذا معنى كلام الإمام رحمه الله تعالى، وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن فحفظه من التغيير والتبديل والتحريف وكل شبهة وريب في نظمه أو معناه كما أن البروج محفوظة في لوح السماء المحفوظ، بل القرآن بذلك أولى لأنه صفة الخالق في بيان وصفه لما خلق على الوجه الأتم الأعدل لأنه ترجمة ما أوجده الله سبحانه في الوجود، فصح قطعاً أنه لا بد أن يصدق في كل ما أخبر به، ومن أعظمه أنه سبحانه يحشر الناس للدينونة بالثواب والعقاب كما دان من كذب أولياءه في الدنيا بمثل ذلك فأخذ أعداءه وأنجى أولياءه، فرجع الختام منها على المبتدأ، وتعانق الافتتاح بالمنتهى، فاقتضى ذلك تنزيه المتكلم به عن أن يترك شيئاً فضلاً عن الأنفس بغير حفظ وعن كل ما لا يليق، وإثبات الكمالات له والأكمليات بكل طريق - والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وإليه المهرب والمتاب.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال‏:‏ قسم ‏ {‏والسماء ذات البروج‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وشاهد ومشهود‏} ‏ قال‏:‏ هذا قسم على أن بطش ربك لشديد إلى آخرها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏إن بطش ربك لشديد‏}‏ قال‏:‏ ههنا القسم ‏{‏إنه هو يبدىء ويعيد‏} ‏ قال‏:‏ يبدىء الخلق ثم يعيده ‏{‏وهو الغفور الودود‏} قال‏:‏ يود على طاعته من أطاعه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏إنه هو يبدىء ويعيد‏}‏ قال‏:‏ يبدىء العذاب ويعيده‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن الحسين بن واقد في قوله‏:‏ ‏{‏وهو الغفور الودود‏}‏ قال‏:‏ الغفور للمؤمنين الودود لأوليائه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏الودود‏} ‏ قال‏:‏ الحبيب، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ذو العرش المجيد‏} ‏ قال‏:‏ الكريم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أنس قال‏:‏ إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في القرآن في قوله‏:‏ ‏ {‏بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ‏} ‏ في جبهة اسرافيل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏في لوح محفوظ‏}‏ قال‏:‏ في أم الكتاب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏في لوح محفوظ‏} ‏ قال‏:‏ أخبرت أن لوح الذكر لوح واحد فيه الذكر، وإن ذلك اللوح من نور، وإنه مسيرة ثلاثمائة سنة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏محفوظ‏} ‏ قال‏:‏ محفوظ عند الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏في لوح محفوظ‏} ‏ قال‏:‏ في صدور المؤمنين‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن بريدة ‏ {‏في لوح محفوظ‏} ‏ قال‏:‏ لوح عند الله وهو أم الكتاب‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة بسند جيد عن ابن عباس قال‏:‏ خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم‏:‏ قبل أن يخلق الخلق اكتب علمي في خلقي، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه من طريق حلال القسلي عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن لله لوحاً من زبرجدة خضراء جعله تحت العرش، وكتب فيه‏:‏ إني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت ثلاثمائة وبضعة عشر خلقاً، من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد في مسنده وأبو يعلى بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن بين يدي الرحمن تبارك وتعالى لوحاً فيه ثلاثمائة وخمس عشرة شريعة، يقول الرحمن‏:‏ وعزتي وجلالي لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئاً فيه واحدة منكن إلا أدخلته الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن لله لوحاً أحد وجهيه ياقوتة والوجه الثاني زبرجدة خضراء، قلمه النور، فيه يخلق وفيه يرزق، وفيه يحيي وفيه يميت، وفيه يعز، وفيه يفعل ما يشاء في كل يوم وليلة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : خلق الله لوحاً من درة بيضاء، دفتاه من زبرجدة خضراء، كتابه من نور، يلحظ إليه في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة يحيي ويميت ويخلق ويعز ويذل ويفعل ما يشاء ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ} استئنافٌ خُوطبَ بهِ النبـيُّ صلى الله عليه وسلم إيذاناً بأنَّ لكفارِ قومِهِ نصيباً موفُوراً منْ مضمونِه كما ينبىءُ عنْهُ التعرضُ لعنوانِ الربوبـيةِ معَ الإضافةِ إلى ضميرِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ والبطشُ الأخذُ بعُنْفٍ وحيثُ وصفَ بالشدةِ فقدْ تضاعفَ وتفاقمَ وهو بطشُه بالجبابرةِ والظلمةَ وَأخذُه إيَّاهُم بالعذابِ والانتقامِ كقولِه تعالَى: { أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [سورة هود، الآية 102] {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ} أيْ هُو يُبدْىءُ الخلقِ وَهُوَ يعيدُه مِنْ دَخْلٍ لأحدٍ في شيءٍ منْهُمَا ففيهِ مزيدُ تقريرٍ لشدةِ بطشِه أوُ هُو يبدىءُ البطشَ بالكفرةِ في الدُّنيا وَيعيدُه فِي الآخرةِ {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} لمن تاب وآمنَ {ٱلْوَدُودُ} المحبُّ لمَنْ أطاعَ. {ذُو ٱلْعَرْشِ} خالقُه وقيلَ: المرادُ بالعرشِ الملكُ أيْ ذُو السلطنةِ القاهرةِ وقُرِىءَ ذِي العَرشِ عَلى أنَّهُ صفةُ ربِّك {ٱلْمَجِيدِ} العظيمُ في ذاتِه وصفاتِه فإنَّهُ واجبُ الوجودِ تامُّ القُدرةِ كاملُ الحكمةِ وقُرِىءَ بالجرِّ على أنه صفةٌ لربِّكَ أَوْ للعرشِ ومجدُه علوّه وعظمتُه {فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} بحيثُ لا يتخلفُ عنْ إرادتِه مرادٌ من أفعالِه تعالَى وأفعالِ غيرِه وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان بطش ربك لشديد} استئناف خوطب به النبى عليه السلام ايذانا بأن لكفار قومه نصيبا موفورا من مضمونه كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الاضافة الى ضميره عليه السلام والبطش تناول الشئ بصولة والأخذ بعنف يقال يد باطشة وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم وهو بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذ اياهم بالعذاب والانتقام وان كان بعد امهال فانه عن حكمة لا عن عجز.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ} بالكفار أي أخذهم بعنف *{لَشَدِيدٌ} مضاعف حسب إرادته.

اطفيش

تفسير : أخذه عز وجل قومك الكافرين بك يا محمد بالعقاب بطش شديد والبطش الأخذ بشدة ووصفه بالإِخبار عنه بأَنه شديد فقد تركبت شدته يصيب قومك كما أصاب من قبلهم.

الالوسي

تفسير : استئناف خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم إيذاناً بأن لكفار قومه نصيباً موفوراً من مضمونه كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام. والبطش الأخذ بصولة وعنف وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم وهو بطشه عز وجل بالجبابرة والظلمة وأخذه سبحانه إياهم بالعذاب والانتقام.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {إن بطش ربك لشديد} علة لمضمون قوله: { أية : إن الذين فتنوا المؤمنين } تفسير : إلى قوله: { أية : ولهم عذاب الحريق } تفسير : [البروج: 10]، أي لأن بطش الله شديد على الذين فتنوا الذين آمنوا به. فموقع {إنَّ} في التعليل يغني عن فاء التسبب. وبطش الله يشمل تعذيبه إياهم في جهنم ويشمل ما قبله مما يقع في الآخرة وما يقع في الدنيا قال تعالى: { أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } تفسير : [الدخان: 16] ووجه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن بطش الله بالذين فتنوا المؤمنين فيه نصر للنبيء صلى الله عليه وسلم وتثبيت له.

الشنقيطي

تفسير : في مقام المنطوق بالمفهوم من العزيز الحميد، كما تقدم.

الواحدي

تفسير : {إنَّ بطش ربك} أخذه بالعذاب {لشديد}. {إنَّه هو يبدىء} الخلق، يخلقهم ابتداءً ثمَّ يُعيدهم عند البعث. {وهو الغفور الودود} المحبُّ أولياءه. {ذو العرش} خالقه ومالكه {المجيد} المستحقُّ لكمال صفات العلوِّ والمدح.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 12- إن أخذ ربك للجبابرة والظلمة بالغ الغاية فى الشدة. 13- إنه - وحده - يبدأ الخلق ويعيدهم. 14- وهو كثير المغفرة لمن تاب وأناب. كثير المحبة لمن أحبَّه وأطاعه. 15- صاحب العرش ومالكه، عظيم فى ذاته وصفاته. 16- فعَّال لما يريد لا يتخلف عن قدرته مراد. 17- هل أتاك - يا محمد - حديث الجموع الطاغية من الأمم الخالية؟. 18- قوم فرعون، وثمود، وما حل بهم من جزاء تماديهم فى الباطل. 19- بل الكافرون من قومك أشد فى تكذيبهم لك من تكذيب هؤلاء لرسلهم. 20- والله متمكن منهم عالم بهم. 21- بل ما جئتهم به قرآن عظيم بيِّن الدلالة على صدقك. 22- فى لوح محفوظ لا ترقى إليه قوة بتحريف أو تبديل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن بطش ربك: أي أخذه أذا أخذ الكافر شديد. يبدئ ويعيد: أي يبدئ الخلق ويعيده بعد فنائه ويبدئ العذاب ويعيده. الغفور الودود: أي لذنوب عباده المؤمنين المتودد لأوليائه. ذو العرش المجيد: أي صاحب العرش إذ هو خالقه ومالكه والمجيد المستحق لكمال صفات العلو. في تكذيب: أي بما ذكر في سياق الآيات السابقة. من ورائهم محيط: أي هم في قبضته وتحت سلطانه وقهره. قرآن مجيد: أي كريم عظيم. في لوح محفوظ: أي من الشياطين والمراد به اللوح المحفوظ. معنى الآيات: لما ذكر تعالى ما توعد به الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات من أجل إيمانهم أخبر رسوله معرضا بمشركي قومه وطغاتهم الذين آذوا المؤمنين في مكة من أجل إيمانهم أخبره بقوله {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي إن أخذه إذا بطش أخذه أليم شديد ودلل على ذلك بقوله {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} فالقادر على البدء والإِعادة بطشه شديد. وقوله {يُبْدِىءُ} أي الخلق ثم يعيده. ويبدئ العذاب أيضا ثم يعيده {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ} فهو قادر على البطش بأعدائه، وهو الغفور لذنوب أوليائه {ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ} أي صاحب العرش خلقا وملكا المجيد العظيم الكريم، {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} إذ لا يُكره تعالى على شيء ولا يقدر أحد على إكراهه. وقوله تعالى {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} كيف أهلكهم الله لما طغوا وبغوا وكفروا وعصوا نعم قد أتاك وقرأته على قومك الكافرين ولم ينتفعوا به لأنهم يعيشون في تكذيب لك يحيط بهم لا يخرجون منه لأنه تكذيب ناشئ من الكبر والحسد والجهل فلذا هم لم يؤمنوا بعد. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} أي هم في قبضته وتحت قهره وسلطانه لا يخفى عليه منهم شيء ولا يحول بينه وبينهم متى أراد أخذهم شيء. وقوله تعالى {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} يرد بهذا على المشركين الذين قالوا في القرآن إنه سحر وشعر واساطير الأولين فقال ليس هو كما قالوا وادّعوا وإنما هو قرآن مجيد في لوح محفوظ من الشياطين فلا تمسه ولا تقربه ولا من غير الشياطين من سائر الخلق أجمعين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تهديد الظلمة بالعذاب عقوبة في الدنيا وفي الآخرة. 2- إن الله تعالى لكرمه يتودد لأوليائه من عباده. 3- فائدة القصص هي الموعظة تحصل للعبد فلا يترك واجباً ولا يغشى محرما. 4- بيان إحاطة الله تعالى بعباده وأنهم في قبضته وتحت سلطانه. 5- شرف القرآن الكريم، وإثبات اللوح المحفوظ وتقريره.

د. أسعد حومد

تفسير : (12) - إِنَّ انْتِقَامَ اللهِ تَعَالَى مِنَ الجَبَابِرَةِ وَالطُّغَاةِ هُوَ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ، وَفِي مُنْتَهَى الإِيْلاَمِ. بَطْشُ رَبِّكَ - أَخْذُهُ الجَبَابِرَةَ بِالعَذَابِ.