Verse. 593 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَمَنْ يُّھَاجِرْ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ يَجِدْ فِي الْاَرْضِ مُرٰغَمًا كَثِيْرًا وَّسَعَۃً۝۰ۭ وَمَنْ يَّخْرُجْ مِنْۢ بَيْتِہٖ مُھَاجِرًا اِلَى اللہِ وَرَسُوْلِہٖ ثُمَّ يُدْرِكْہُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ اَجْرُہٗ عَلَي اؘ۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ غَفُوْرًا رَّحِيْمًا۝۱۰۰ۧ
Waman yuhajir fee sabeeli Allahi yajid fee alardi muraghaman katheeran wasaAAatan waman yakhruj min baytihi muhajiran ila Allahi warasoolihi thumma yudrikhu almawtu faqad waqaAAa ajruhu AAala Allahi wakana Allahu ghafooran raheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما» مهاجرا «كثيرا وسعة» في الرزق «ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت» في الطريق كما وقع لجندع بن ضمرة الليثي «فقد وقع» ثبت «أجره على الله وكان الله غفورا رحيما».

100

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن ذلك المانع أمران: الأول: أن يكون له في وطنه نوع راحة ورفاهية، فيقول لو فارقت الوطن وقعت في الشدة والمشقة وضيق العيش، فأجاب الله عنه بقوله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً } يقال: راغمت الرجل إذا فعلت ما يكرهه ذلك الرجل، واشتقاقه من الرغام وهو التراب، فإنهم يقولون: رغم أنفه، يريدون به أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة، فجعلوا قولهم: رغم أنفه كناية عن الذل. إذا عرفت هذا فنقول: المشهور أن هذه المراغمة إنما حصلت بسبب أنهم فارقوا وخرجوا عن ديارهم. وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه، والله أعلم. والحاصل كأنه قيل: يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر، فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويكون سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سبباً لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سبباً لسعة العيش عليه. وأما المانع الثاني من الإقدام على المهاجرة فهو أن الإنسان يقول: إن خرجت عن بلدي في طلب هذا الغرض، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب شيء ربما أصل إليه، وربما لا أصل إليه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } والمعنى ظاهر، وفي الآية مسائل. المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قصد طاعة الله ثم عجز عن إتمامها، كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة: كالمريض يعجز عما كان يفعله في حال صحته من الطاعة، فيكتب له ثواب ذلك العمل هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فذلك محال، واعلم أن القول الأول أولى لأنه تعالى إنما ذكر هذه الآية ههنا في معرض الترغيب في الجهاد، وهو أن من خرج إلى السفر لأجل الرغبة في الهجرة، فقد وجد ثواب الهجرة، ومعلوم أن الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى، فأما القول بأن معنى الآية هو أن يصل إليه ثواب ذلك القدر من العمل، فلا يصلح مرغباً، لأنه قد عرف أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر من العمل، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : وإنما لكل امريء ما نوى» تفسير : وأيضاً ما روي في قصة جندب بن ضمرة، أنه لما قرب موته أخذ يصفق بيمينه على شماله، ويقول: اللّهم هذه لك، وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، ثم مات فبلغ خبره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان خيراً له، فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله، لأنه تعالى قال: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ذكر لفظ الوقوع، وحقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط، قال تعالى: {أية : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } تفسير : [الحج: 26] أي وقعت وسقطت. وثانيها: أنه ذكر بلفظ الأجر، والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون مستحقاً فذاك لا يسمى أجراً بل هبة. وثالثها: قوله: {عَلَى ٱللَّهِ } وكلمة {عَلَىٰ } للوجوب، قال تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران: 97] والجواب: أننا لا ننازع في الوجوب، لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلۤهية، وقد ذكرنا دلائله فيما تقدم. المسألة الثالثة: استدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من الغنيمة، كما وجب أجره. وهذا ضعيف، لأن لفظ الآية مخصوص بالأجر، وأيضاً فاستحقاق السهم من الغنيمة متعلق بحيازتها، إذ لا تكون غنيمة إلا بعد حيازتها، قال تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } تفسير : [الأنفال: 41] والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } أي يغفر ما كان منه من القعود إلى أن يخرج، ويرحمه بإكمال أجر المجاهدة.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ} شرط وجوابه. {فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً} اختلِف في تأويل المراغم؛ فقال مجاهد: المراغَم المتزَحْزَح. وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم: المراغم المتحول والمذهب. وقال ابن زيد: والمراغَم المهاجَر؛ وقاله أبو عبيدة. قال النحاس: فهذه الأقوال متفِقة المعاني. فالمراغم المذهب والمتحوَّل في حال هجرة، وهو اسم الموضع الذي يُراغَم فيه، وهو مشتق من الرِّغام. ورَغِم أنف فلان أي لَصِق بالتراب. وراغمت فلاناً هجرته وعاديته، ولم أُبالِ إن رغِم أنفه. وقيل: إنما سمي مهاجراً ومراغماً لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمّي خروجه مُراغَماً، وسمّى مصيره إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم هجرة. وقال السديّ: المراغم المبتغي للمعيشة. وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: المراغم الذهاب في الأرض. وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغِم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده؛ فكأن كفار قريش أرغموا أُنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أُنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. ومنه قول النابغة: شعر : كطَوْدٍ يُلاذُ بِأركانِه عزِيزِ المُراغَمِ والْمَهْرَبِ تفسير : الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَسَعَةً} أي في الرزق؛ قاله ابن عباس والربيع والضحاك. وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العَيْلَة إلى الغِنىٰ. وقال مالك: السعة سعة البلاد. وهذا أشبه بفصاحة العرب؛ فإن بسعة الأرض وكثرة المعاقل تكون السعة في الرزق، واتساع الصدر لهمومه وفِكَره وغير ذلك من وجوه الفرَج. ونحو هذا المعنى قول الشاعر: شعر : وكنتُ إذا خلِيلٌ رَامَ قَطْعِي وجدتُ ورَاي منْفَسَحاً عَرِيضَا تفسير : آخر: شعر : لكان لي مُضْطَرَبٌ وَاسِعٌ في الأرض ذاتِ الطّولِ والعَرْضِ تفسير : الثالثة ـ قال مالك: هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المُقام بأرض يُسَبُّ فيها السلفُ ويعملُ فيها بغير الحق. وقال: والمرَاغَم الذهاب في الأرض. والسَّعَةُ سَعَةُ البلاد على ما تقدم. واستدل أيضاً بعض العلماء بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الَغزْوِ ثم مات قبل القتال له سهمه وإن لم يحضر الحرب؛ رواه ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أهل المدينة. ورُوِي ذلك عن ابن المبارك أيضاً. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية. قال عكرمة مولى ابن عباس: طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته. وفي قول عِكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديماً، وأن الاعتناء به حَسَنٌ والمعرفة به فضل؛ ونَحْوٌ منه قول ابن عباس: مكثت سنين أُريد أن أسأل عمر عن المرأتينِ اللتينِ تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يمنعني إلاَّ مهابته. والذي ذكره عِكرمة هو ضَمْرة بن العِيص أو العِيص بن ضمرة بن زِنْبَاع؛ حكاه الطبريّ عن سعيد بن جبير. ويُقال فيه: ضُمَيرة أيضاً. ويُقال: جُنْدَع بن ضَمْرة من بني ليث، وكان من المستضعَفين بمكة وكان مريضاً، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني؛ فهيء له فراش ثم وضع عليه وخرج به فمات في الطريق بالتّنْعيم، فأنزل الله فيه {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً} الآية. وذكر أبو عمر أنه قد قِيل فيه: خالد بن حِزَام بن خُوَيْلد ٱبن أخي خديجة، وأنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يبلغ أرض الحبشة؛ فنزلت فيه الآية، والله أعلم. وحكى أبو الفرج الجَوْزِيّ أنه حبيب بن ضمرة. وقيل: ضمرة بن جُنْدب الضمريّ؛ عن السدّيّ. وحكي عن عِكرمة أنه جندب بن ضمرة الجُنْدَعِيّ. وحكي عن ابن جابر أنه ضمرة بن بغِيض الذي من بني ليث. وحكى المهَدوِيّ أنه ضمرة بن ضمرة بن نُعيم. وقيل: ضمرة بن خُزَاعة، والله أعلم. وروى معمر عن قتادة قال: لما نزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} الآية، قال رجل من المسلمين وهو مريض: واللَّهِ ما لي من عذرٍ ٰ إني لدليل في الطريق، وإني لموسِر، فٱحملوني. فحملوه فأدركه الموت في الطريق؛ فقال أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: لو بلغ إلينا لتَمّ أجره؛ وقد مات بالتنعيم. وجاء بنوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقِصة، فنزلت هذه الآية {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً} الآية. وكان ٱسمه ضَمْرة بن جُنْدب، ويُقال: جندب بن ضمرة على ما تقدّم. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} لما كان منه من الشرك. {رَّحِيماً} حين قَبِل توبته. الخامسة ـ قال ٱبن العربي: قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين: هرباً وطلباً؛ فالأوّل ينقسم إلى ستة أقسام ـ الأول الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضاً في أيام النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث كان؛ فإن بقي في دار الحرب عصي؛ ويُخْتَلف في حاله. الثاني ـ الخروج من أرض البدعة؛ قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسَبّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم تقدِر أن تغيّره فَزُل عنه، قال الله تعالىٰ: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأنعام:68] إلى قوله { أية : ٱلظَّالِمِينَ } تفسير : [الأنعام: 68]. الثالث ـ الخروج من أرض غلب عليها الحرام: فإنّ طلب الحلال فرض على كل مسلم. الرابع ـ الفرار من الأذية في البدن؛ وذلك فضل من الله أرخص فيه، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور. وأوّل من فعله إبراهيم عليه السَّلام؛ فإنه لما خاف من قومه قال: { أية : إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ } تفسير : [العنكبوت: 26]، وقال: { أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ } تفسير : [الصافات: 99]. وقال مخبراً عن موسى: { أية : فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ } تفسير : [القصص: 21]. الخامس ـ خوف المرض في البلاد الوَخمَة والخروج منها إلى الأرض النَّزهة. وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرّعاة حين ٱستَوْخَموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصِحّوا. وقد ٱسُتثني من ذلك الخروج من الطاعون؛ فمنع الله سبحانه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تقدّم بيانه في «البقرة». بَيْدَ أن علماءنا قالوا: هو مكروه. السادس ـ الفِرار خوف الأذية في المال؛ فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل مثله وأوكد. وأما قِسم الطلب فينقسم قسمين: طلب دِين وطلب دُنْيا؛ فأما طلب الدين فيتعدّد بتعدّد أنواعه إلى تسعة أقسام: الأوّل ـ سفر العِبرة؛ قال الله تعالىٰ: { أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [الروم: 9] وهو كثير. ويُقال: إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها. وقيل: لينفذ الحق فيها. الثاني ـ سفر الحج. والأوّل وإن كان ندباً فهذا فرض. الثالث ـ سفر الجهاد وله أحكامه. الرابع ـ سفر المعاش؛ فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه، من صيد أو احتطاب أو احتشاش؛ فهو فرض عليه. الخامس ـ سفر التجارة والكسب الزائد على القوت، وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالىٰ؛ قال الله تعالىٰ: { أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } تفسير : [البقرة: 198] يعني التجارة، وهي نِعمة مَنّ الله بها في سفر الحج، فكيف إذا انفردت. السادس ـ في طلب العِلم وهو مشهور. السابع ـ قصد البِقاع؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تشدّ الرّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد»تفسير : . الثامن ـ الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها. التاسع ـ زيارة الإخوان في الله تعالى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : زار رجل أخاً له في قريةٍ فأرصد الله له ملكاً على مَدْرَجِتِهِ فقال أين تريد فقال أُريد أخاً لي في هذه القرية قال هل لك من نعمةٍ تَرُبّها عليه قال لا غير أني أحببته في الله عزّ وجل قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه » تفسير : . رواه مسلم وغيره.

البيضاوي

تفسير : {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً} متحولاً من الرغام وهو التراب. وقيل طريق يراغم قومه بسلوكه أي يفارقهم على رغم أنوفهم وهو أيضاً من الرغام. {وٰسَعَةً} في الرزق وإظهار الدين. {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ } وقرىء {يُدْرِكْهُ} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ثم هو يدركه وبالنصب على إضمار أن كقوله: شعر : سَأَتْرُك مَنْزِلِي بِبَني تَمِيم وَأَلْحَقُ بالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحا تفسير : {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} الوقوع والوجوب متقاربان والمعنى: ثبت أجره عند الله تعالى ثبوت الأمر الواجب. والآية الكريمة نزلت في جندب بن ضمرة حمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله فقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايع عليه رسولك صلى الله عليه وسلم فمات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً } مهاجراً {كَثِيراً وَسَعَةً } في الرزق {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ } في الطريق كما وقع لجُنْدَع بن ضمرة الليثي {فَقَدْ وَقَعَ } ثبت {أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُرَاغَمًا} مُتحولاً من أرض إلى أرض، أو مَطلباً للمعيشة، أو مُهَاجَراً، أو مندوحة عما يكره، أو ما يرغم به قومه، لأن من هاجر راغباً عن قومه، فقد راغمهم، أخذ ذلك من الرغم وهو الذل، والتراب رَغام لذلته، والرَّغام ما يسيل من الأنف. {وَسَعَةً} في الرزق، أو في إظهار الدين، أو من الضلالة إلى الهدي، ومن العيلة إلى الغنى.

النسفي

تفسير : {فَأُوْلَـئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } و «عسى» وإن كان للإطماع فهو من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع أنجز. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً } لعباده قبل أن يخلقهم. {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأرْضِ مُرَاغَماً } مهاجراً وطريقاً يراغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم: الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب. يقال راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك {كَثِيراً وَسَعَةً } في الرزق أو في إظهار الدين أو في الصدر لتبدل الخوف بالأمن {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً } حال من الضمير في «يخرج» {إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } إلى حيث أمر الله ورسوله {ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ } قبل بلوغه مهاجره وهو عطف على «يخرج» {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } أي حصل له الأجر بوعد الله وهو تأكيد للوعد فلا شيء يجـب على الله لأحد من خلقه. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } قالوا: كل هجرة لطلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة أو زهداً أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله، ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله. {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ } سافرتم فيها، فالضرب في الأرض هو السفر {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } حرج {أَن تَقْصُرُواْ } في أن تقصروا {مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } من أعداد ركعات الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين، وظاهر الآية يقتضي أن القصر رخصة في السفر والإكمال عزيمة كما قال الشافعي رحمه الله، لأن «لا جناح» يستعمل في موضع التخفيف والرخصة لا في موضع العزيمة وقلنا: القصر عزيمة غير رخصة ولا يجوز الإكمال لقول عمر رضي الله عنه: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم. وأما الآية فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } إن خشيتم أن يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ، والخوف شرط جواز القصر عند الخوارج بظاهر النص، وعند الجمهور ليس بشرط لما روي عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمنّا؟ فقال: عجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال «حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»تفسير : وفيه دليل على أنه لا يجوز الإكمال في السفر لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد، وإن كان المتصدق ممن لا تلزم طاعته كولي القصاص إذا عفا فمن تلزم طاعته أولى،، ولأن حالهم حين نزول الآية كذلك فنزلت على وفق الحال وهو كقوله: {أية : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } تفسير : [النور: 33]. دليله قراءة عبد الله «من الصلاة أن يفتنكم» أي لئلا يفتنكم على أن المراد بالآية قصر الأحوال وهو أن يومىء على الدابة عند الخوف، أو يخفف القراءة والركوع والسجود والتسبيح كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. {إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } فتحرزوا عنهم. {وَإِذَا كُنتَ } يا محمد {فِيهِمْ } في أصحابك {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } فأردت أن تقيم الصلاة بهم وبظاهره تعلق أبو يوسف رحمه الله فلا يرى صلاة الخوف بعده عليه السلام وقال: الأئمة نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عصر فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام كقوله تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ } تفسير : [التوبة: 103]. دليله فعل الصحابة رضي الله عنهم بعده عليه السلام {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } فاجـعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم وتقوم طائفة تجاه العدو {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } أي الذين تجاه العدو. عن ابن عباس رضي الله عنهما: وإن كان المراد به المصلين فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما {فَإِذَا سَجَدُواْ } أي قيدوا ركعتهم بسجدتين فالسجود على ظاهره عندنا وعند مالك بمعنى الصلاة {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ركعة فليرجـعوا ليقفوا بإزاء العدو {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ } في موضع رفع صفة لـ «طائفة» {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } أي ولتحضر الطائفة الواقفة بإزاء العدو فليصلوا معك الركعة الثانية {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ } ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوه {وَأَسْلِحَتَهُمْ } جمع سلاح وهو ما يقاتل به. وأخذ السلاح شرط عند الشافعي رحمه الله، وعندنا مستحب، وكيفية صلاة الخوف معروفة {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ } أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً } فيشدون عليكم شدة واحدة {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ } في أن تضعوا {أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من الله تعالى. {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } فرغتم منها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ } أي دوموا على ذكر الله في جميع الأحوال، أو فإذا أردتم أداء الصلاة فصلوا قياماً إن قدرتم عليه، وقعوداً إن عجزتم عن القيام، ومضطجـعين إن عجزتم عن القعود {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } سكنتم بزوال الخوف {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } فأتموها بطائفة واحدة أو إذا أقمتم فأتموا ولا تقصروا، أو إذا اطمأننتم بالصحة فأتموا القيام والركوع والسجود {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } مكتوباً محدوداً بأوقات معلومة.{وَلاَ تَهِنُواْ } ولا تضعفوا ولا تتوانوا {فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ } في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم. ثم ألزمهم الحجة بقوله {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ } أي ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أجدر منهم بالصبر لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بما يجـد المؤمنون من الألم {حَكِيماً } في تدبير أمورهم. روي أن طعمة بن أبريق ـ أحد بني ظفر ـ سرق درعاً من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجـعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد بن السمين ـ رجـل من اليهود ـ فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزل:

ابن عادل

تفسير : لما رَغَّبَ في الهِجْرَة، ذكر السَّبَب الذي يَمْنَع الإنْسَان من الهِجْرَة ثم أجَابَ عَنه، وذلك المَانِعُ أمْرَان: الأوّل: أن يكون في وَطَنِه في راحةٍ وَرَفَاهِية فيظن لأنه بِمفَارَقَتِه للوَطَن يقع في الشِّدَّة وضيق العَيْش، فأجاب اللَّه عن ذلك بقوله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}. قال القرطبي: قوله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} شرط، وجَوَابُه: {يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ}. واشتِقاق المُرَاغَم من الرغَام وهو التُّرَاب؛ يقولون: رغم أنفه، ويريدون أنه وَصَل إلى شَيْء يَكْرَهُه؛ لأن الأنْفَ عضو في غاية العِزَّة، والتُّرَاب في غاية الذِّلَّة، فجعلوا قولهم: رغم أنْفه كنَايَةً عن الذُّلِّ، إذا عرف هذا، [فنقول] المشهُور أن هذه المُرَاغَمة إنِّما حصلَت بسبَب فراقهِم، وخُرُوجهم عن دِيَارهم، وعن ابن عبَّاس: "مُرَاغماً" [أي]: مُتَحَوِّلاً [يتحوَّلُ إليه]. وقال مُجَاهد: متَزَحْزحاً عما يكْره، سُمِّيت المهاجرة مُرَاغَمَة؛ لأن من يَهَاَجر يراغم قَوْمَه؛ لأنه لا يجد ذلك [البَلَد] من النِّعْمَة والخَيْر، ما يكون سَبَباً لرغم أنْفِ أعْدَائِه الَّذِين كَانُوا معه في بلدته الأصْلِيّة، فإنه إذا اسْتَقَام حَالهُ في تِلْكَ البَلَد الأجْنَبِيَّة، وَوَصَل خَبَرُه إلى أهْل بَلدتهِ، خجلوا من سُوءِ معامَلَتِهم له، ورغمت أنُوفُهم بذلك وهَذَا أوْلى الوُجُوه. وأمَّا المَانِعِ الثاني عن الهجرة: فهو أن الإنْسَان يَقُول: إن خَرَجْت عن بَلَدي لطلب هذا الغَرَضِ، فربما وَصَلْتُ إليه، وربَّما لم أصِلْ إليه، فالأولى ألاَّ أُضِيعَ الرَّفَاهِيَة الحَاضَرة بسبب طَلَبِ شَيء قد يَحْصُل، فأجَابَ الله - تعالى - عن ذَلِك بقوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ}. والمراد بـ "السِّعَة": سعة الرِّزْق، وقيل: سَعَة من الضَّلال إلى الهُدَى. قوله - تعالى -: {وَمَن يَخْرُجْ [مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}]. روي أنه لما نَزَلت هذه الآيَةِ، سَمِعَها رجلٌ من بَنِي لَيْث شَيْخٌ كبير مَرِيضٌ يقال له: جُنْدَعُ بن ضَمْرة، فقال: واللَّه ما أنَا ممَّن استَثْنَى الله - عز وجل -، وإني لأجِدُ حِيلَة، ولي من المَالِ ما يُبَلِّغُنِي المَدِينَةَ وأبعد مِنْهَا، واللَّه لا أبِيتُ اللَّيلة بمكَّة، أخرِجُوني، فخرجوا به يَحْمِلُونه على سَرير حتى أتَوْا به التَّنْعِيم، فأدركه المَوْتُ، فصفَّق بيمِينِه على شِمَالِه، فقال: اللَّهُم هذه لك وهذه لِرَسُولِك، أبَايعُك على ما بَايَعَك عليه رَسُولكُ، فمات فَبَلَغ خَبَرُه أصْحَاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لو وَافَى المَدِينَة لكان أتمَّ أجْراً. وضَحِكَ المُشْرِكُون وقالوا: ما أدْرَك هذا ما طَلَب، فأنْزَلَ الله - تعالى -: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ [فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ}] أي: قبل بُلُوغه إلى مهاجره، "فقد وقع أجْرُه على اللَّه". أي: وجَب بإيجَابِه على نفسه فَضْلاً مِنْه. و "مُهَاجِراً" نصب على الحالِ من فَاعِل "يَخْرُج". فصل قال بَعْضُهم: إن من قَصَد طاعَةً وعجز عن إتْمَامِهَا، كتب اللَّه ثَوابَ تِلْكَ الطَّاعَة؛ كالمرِيض يَعْجَزُ عما كان يَعْمَلُه في حال صِحَّتِه من الطَّاعَة، فيكتب الله [لَهُ] ثواب ذلك العَمَل؛ هكذا رُوِي عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم. وقال آخَرُون: يُكْتَب له: أجر قَصْدِه، وأجْر القَدْرِ الذي أتَى به من ذَلِكَ العَمَل، أما أجْرُ تَمَام العَمَلِ، فذلك مُحَالٌ. والقول الأوَّل أوْلى؛ لأنه - تعالى - ذكر هذه الآيَةِ في مَعْرِض التَّرْغِيب في الهِجْرة، وهو أنَّ من خرج للرَّغْبَة في الهِجْرة، فقد وجد ثَوَاب الهِجْرَة، والتَّرْغِيبُ إنما يَحْصُل بهذا المَعْنَى، فأما القَوْل بأنّ معنى الآيةِ هو أن يَصِل إليه ثَوَابُ ذَلِكَ القَدْر من العَمَل، فلا يَصْلُح مرغِّباً؛ لأنه من المَعْلُوم أن كُلَّ من أتَى بِعَمَلٍ فإنه يَجِدُ الثَّوَاب المرتَّبَ على قَدْرِ ذلك العَمَل. فصل: شبه المعتزلة في وجوب الثواب على الله والرد عليها قالت المُعْتَزِلَة: هذه الآية تَدُلُّ على أن العمل يُوجِب الثَّوَاب على الله - تعالى -؛ لقوله: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ}، وذلك يدلُّ على قَوْلِنَا من ثلاثة أوجُه: الأول: حقيقة الوُجُوب هو الوُقُوع والسُّقُوط؛ قال - تعالى -: {أية : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} تفسير : [الحج: 36] أي وقعت وسَقَطَت. وثانِيها: أنه ذَكَرُه بلفظ الأجْر، والأجر عبارة عن المَنْفَعَة المسْتَحقِّة، فأمَّا الذي لا يكُون مُسْتَحقاً، فلا يُسَمَّى أجْراً، بل يُسمَّى هِبَةً. وثالثها: قوله: "على الله" وكلمة "عَلَى" للوُجُوب؛ قال - تعالى -: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ [مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}تفسير : ] [آل عمران: 97]. والجواب: أنا لا نُنَازعُ في الوُجُوب، لكن بِحُكْم الوَعْد والتَّفْضُّل والكرم، لا بحكم الاسْتِحْقَاق الذي لو لم يفْعَل لخَرَج عن الإلهيَّة. فصل نقل القُرْطُبِي عن مالكٍ؛ أنه قال: هذه الآية تدلُّ على أنَّهُ ليس لأحَدٍ المُقَامُ بأرض يُسَبُّ فيها السَّلَفُ ويُعْمَلُ فيها بِغَيْر الحَقِّ. فصل استدَلُّوا بهذه الآيَةِ على أنَّ الغَازِي إذا مَاتَ في الطَّرِيقِ، وَجَبَ سهْمُهُ في الغَنِيمَةِ، كما وَجَبَ أجْرُه، وفيه ضَعْفٌ؛ لأن لَفْظَ الآيَةِ مَخْصُوص بالأجْر، وأيْضاً فاسْتِحْقَاق السَّهم من الغَنِيمَة مُسْتَحقٌّ بحيازَتِها، إذ لا يَكُون ذلك إلا بَعْد حِيَازَتِها. قوله - تعالى -: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال عِكْرمَة مَوْلى ابْن عبَّاس: طَلَبْتُ اسم هذا الرَّجُل أرْبَع عَشْرَة سَنَة حتى وَجَدْتُه، وفي قول عِكْرمة [هذا] دَلِيلٌ على شَرَفِ هذا العِلْمِ، وأنَّ الاعْتِنَاء به حَسَنٌ والمَعْرِفَة به فَضْلٌ؛ ونحوه قول [ابن عبَّاسٍ]: مكثت سِنين أريد أن أسْأل عُمَر - رضي الله عنه - عن المَرْأتَيْن اللَّتَيْن تظاهرتا على رسُول الله صلى الله عليه وسلم فما يَمْنَعُنِي إلا مَهَابَتُه، والذي ذَكَرَه عِكْرِمَة هو قَوْل ضمرة بن العِيص، أو العيص بن ضمرة بن زِنْبَاع، حَكَاه الطَّبَرِي عن سَعِيد بن جُبَيْر، ويقال فيه ضُمَيْرة أيضاً، وذَكَرَ أبُو عمرو أنَّه قد قِيلَ فيه: خَالِد بن حزام بن خُوَيْلد ابن أخِي خَدِيجَة [خرج] مُهَاجراً إلى أرْض الحَبَشَة، فَهَتَفَتْهُ حيَّة في الطَّرِيق، فمات قبل أن يَبْلُغ أرْض الحَبَشَة؛ فأنزل الله فِيهِ الآية، وحكى ابْن الحَوْزِيّ أنه حَبيبُ بن ضَمْرة. وقال السُّدِّيُّ: ضَمْرة بن جُنْدب الضمريّ. وحكى المهدَوِيّ أنه ضمرة بن ضمرة بن نُعيم، وقيل ضمرة بن خُزاعَةَ. وروى معمر عن قتادة: لما نَزَل قوله - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [النساء: 97] قال رَجُل من المُسْلِمِين وهو مَرِيضٌ: والله - تعالى - ما لي عُذْرٌ: إني لَدَلِيل في الطَّرِيق وإني لمُوسِرٌ، فاحْمِلُوني فأدْركه المَوْتُ في الطَّرِيق، فقال أصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم: لو بَلَغ إلَيْنَا لتَمَّ أجْرُه، وقد مات بالتَّنْعِيم، وجاء بَنُوه إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقِصَّة، فنزل قوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً [إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}] الآية. قوله: "ثم يدركه" الجُمْهُور على جَزْم "يدركْه" عَطْفاً على الشَّرْطِ قبله، وجوابه: "فقد وقع" وقرأ الحَسَن البصري بالنَّصْب. قال ابن جِنِّي: "وهذا لَيْس بالسَّهْل، وإنما بَابُه الشَّعْر لا القُرْآنُ، وأنشد [الوافر] شعر : 1868- سَأتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيم وَألْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأسْتَرِيحَا تفسير : والآيةُ أقْوَى من هذا؛ لتقدُّم الشرط قَبْلَ المَعْطُوف"، يعني: أن النَّصْب بإضْمَار "أن" إنَّمَا يقع بعد الواوِ والفَاءِ في جَوَابِ الأشْيَاء الثَّمانية أو عَاطِفٍ، على تَفْصِيلٍ في كُتُب النحو، والنَّصْبُ بإضْمَار "أن" في غَير تِلْك المَوَاضِع ضَرُورَةٌ؛ كالبيتِ المتقدم؛ وكَقوْل الآخر: [الطويل] شعر : 1869-............................. وَيَأوِي إلَيْهَا المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَمَا تفسير : وتبع الزَّمَخْشِري أبا الفَتْح في ذلك، وأنْشَد البَيْت الأوَّل. وهذه المَسْألة جَوَّزها الكُوفيُّون لمدركٍ أخرَ، وهو أن الفِعْلَ الواقِع بين الشَّرْط والجَزَاء، يجوز فيه الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَزْمُ إذا وَقَعَ بعد الواوِ والفَاءِ؛ واستدَلُّوا بقول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1870- ومَنْ لا يُقَدِّمْ رِجْلَهُ مُطْمَئِنَّةً فَيُثْبِتَهَا فِي مُسْتَوى الْقَاعِ يَزْلَقِ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1871- ومَنْ يَقْتَربْ مِنَّا ويَخْضَعَ نُؤوِه ولا يَخْشَ ظُلْماً مَا أقَامَ وَلاَ هَضْمَا تفسير : وإذا ثَبَتَ ذلك في الواوِ والفَاءِ، فليَجُزْ في "ثُمَّ"؛ لأنها حَرْف عَطْفٍ. وقرأ النَّخعِيُّ، وطَلْحَة بن مُصَرِّف برفع الكَافِ، وخَرَّجَها ابن جنِّي على إضْمَار مُبْتَدأ، أي: "ثم هو يُدْرِكُه المَوْتُ" فعطفَ جُمْلَةً اسمِيّة على فِعْليّة، وهي جُمْلَة الشَّرْطِ: الفعلُ المَجْزُومُ وفاعلُه، وعلى ذلك حَمَل يُونُس قولَ الأعْشَى: [البسيط] شعر : 1872- إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عَادَتُنَا أوْ تَنْزِلُون فَإنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ تفسير : أي: وأنتم تنزلون، ومثله قول الآخر: [البسيط] شعر : 1873- إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأتِيِنِي بَقِيَّتُكُمْ فَمَا عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكُمْ حُوبُ تفسير : أي: ثم أنتم تَأتيني، وهذا أوْجهُ من أن يُحْمَل على أن يَأتِيني. قلتُ: يريدُ أنه لا يُحْمَلُ على إهْمَالِ الجَازِمِ، فيُرْفَعُ الفعل بعده، كما رفع في: شعر : 1874- ألَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ تفسير : فلم يَحْذِفِ اليَاء، وهذا البَيْت أنشده النَّحويُّون على أنَّ عَلاَمَةَ الجَزْم، حَذْفُ الحَرَكَةِ المُقَدَّرة في حَرْفِ العِلَّة، وضَمُّوا إليه أبياتاً أخَرَ، أمَّا أنَّهم يَزْعُمُون: أنَّ حَرْف الجَزْم يُهْمل، ويَسْتدلون بهذا البَيْت فَلاَ. ومنهم مَنْ خَرَّجَهَا على وَجْه أخَر؛ وهو أنه أراد الوَقْفَ على الكلمة، فنقلَ حَركَة هَاءِ الضَّمِير إلى الكَافِ السَّاكنَة للجَزْمِ، كقولِ الآخَر: [الرجز] شعر : 1875- عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُه مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أضْرِبُهْ تفسير : يريد: "لم أضْرِبْه" بسكون البَاء للجَازِم، ثم نَقَل إليها حَركَة الهاءِ، فصار اللَّفْظُ "ثم يُدْرِكُهْ" ثم أجْرََى الوصْلَ مُجْرى الوَقْفِ، التقى ساكنان، فاحْتاجَ إلى تَحْرِيك الأوَّلِ وهو الهَاءُ، فَحَرَّكها بالضَّمِّ؛ لأنه الأصلُ، وللإتباع أيضاً. ثمَّ قالَ اللَّه - تعالى -: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي: ويَغْفِرُ [اللَّه] ما كَانَ مِنْهُ [مِنِ القُعود] إلَى أنْ خَرَجَ. فصل قال ابن العَرَبِيَّ: قَسَّمَ العُلَمَاءُ الذِّهَاب في الأرْض [إلى] قسمين: هَرباً، وطلباً. والأول ينْقَسِم سِتَّة أقْسَام: أحدها: الهِجْرَة: وهي الخُروج من دَارِ الحرب إلى دَار الإسْلام، وكانت فَرْضاً في أيَّام النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذه الهِجْرَةِ باقيةٌ مفروضَةٌ إلى يَوْمِ القِيَامَة، والَّتِي انقطعت بالفَتْح: هي القَصْد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حَيْثُ كَانَ، فإنْ بَقِيَ في دَارِ الحَرْب، عصى ويختلف في حَالِه. وثانيها: الخُرُوج من أرْض البِدْعَة؛ كما تقَدَّم نَقْلُه عن مالك؛ فإنه إذا لم يَقْدِر على إزَالة المُنْكَر يَزُولُ عَنْهُ، قال [الله] - تعالى -: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 68]. وثالثها: الخُرُوج من أرض غلب عليها الحرامُ؛ لأن طَلَب فَرْضٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ. ورابعها: الفِرَار من الأذِيَّة في البَدَن، وذلك فَضْل من اللَّه ورُخْصَةٌ؛ كما فَعَل إبْراهيم - عليه الصلاة والسلام - لمَّا خَاف من قَوْمه وقال: {أية : إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} تفسير : [العنكبوت: 26]، وقال: {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99]، وقال - تعالى - حكاية عن موسى - عليه الصلاة والسلام: {أية : فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} تفسير : [القصص: 21]. وخامسها: خَوْف المَرَضِ في البلاد الوَخمة، فيخرج إلى أرْضِ النزهة؛ لأن النِّبي صلى الله عليه وسلم أذن للرُّعاة حين استَوْخَمُوا المدينة، أن يَخْرُجُوا إلى المَسْرَح فيكونوا فيه؛ حتى ما يَصحُّوا، وقد استُثْني من ذلك الخُرُوج من الطَّاعُون، بِمَا في الحَدِيث الصَّحيح. وسادسها: الفِرَار خَوْف الأذِيَّة في المَالِ، فإن حُرْمة مال المُسْلِم؛ كَحُرْمَة دَمِه. وأما الطَّلَبُ فينقسم قِسْمَيْن: طلب دِين وطَلَب دُنْيَا. فأمَّا طَلَب الدِّين فينقسم إلى تِسْعَة أقْسَام: الأول: سَفَر العِبْرة، قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ [كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}تفسير : ] [الروم: 9]. يقال: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ إنَّما طَافَ الأرْضَ؛ ليرى عَجَائِبَها، وقيل: ليُنْفِذَ الحَقَّ فيها. الثاني: سفر الحَجِّ، فالأوَّل نَدْب، وهذا فَرْضٌ. الثالث: الجهاد [وله أحكامُه]. الرابع: سَفَر المعاش؛ إذا تَعَذَّر على الرَّجُل مَعَاشُه مع الإقامة، فيخرج في طَلَبِه لا يزيد عَلَيْه؛ من صَيْد، أو احتِطَابٍ، أو احتشَاسٍ، فهو فَرْضٌ عَلَيْه. الخامس: سَفَر التِّجَارة والكَسْب الزَّائِد على القُوتِ، وذلك جَائِزٌ بفضل الله تعالى؛ قال - تعالى -: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [البقرة: 198] يعني: التِّجَارة، وهو نِعْمَة مَنَّ الله بِهَا في سَفَر الحَجِّ، [فكيف إذَا انْفَرَدَتْ]. السَّادس: طلب العِلْم. السَّابِع: قصد البِقَاع الشَّرِيفة؛ قال - عليه الصلاة والسلام - "حديث : لا تُشَدُّ الرِّحَال إلاَّ إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِد ". تفسير : الثَّامن: الثُّغُور للرِّبَاط بها. التاسع: زيارة الإخْوَان في الله - تعالى -؛ قال - عليه الصلاة والسلام: "حديث : زارَ رجُلٌ أخاً لَهُ في قَرْيَة، [فأَرْصَدَ الله له مَلَكاً على مدرجته، فقال: أيْن تُرِيدُ، قال: أريد أخاً لِي في هَذِهِ القَرْيَة]، فقال: هل له عَلَيْك من نِعْمَةٍ تَرُبُّها عَلَيْه، قال: إني أحْبَبْتُه في اللَّه، قال: فإني رسُول اللَّه إلَيْك، بأنَّ الله قد أحَبَّك كَمَا أحْبَبْتَهُ فيه" تفسير : [رواه مسلم، وغيره].

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏مراغماً كثيراً وسعة‏} ‏ قال‏:‏ المراغم التحول من أرض إلى أرض‏.‏ والسعة الرزق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏مراغما‏ً} ‏ قال‏:‏ متزحزحاً عما يكره‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏مراغماً‏}‏ قال‏:‏ منفسحاً بلغة هذيل‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول الشاعر‏:‏ شعر : واترك أرض جهرة إن عندي رجاء في المراغم والتعادي تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ المراغم المهاجر‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي، مراغماً قال‏:‏ مبتغى للمعيشة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر مراغماً قال منفسحا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة‏} ‏ قال‏:‏ متحولاً من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏ {‏وسعة‏} ‏ قال‏:‏ ورخاء‏.‏ وأخرج عن ابن القاسم قال‏:‏ سئل مالك عن قول الله ‏ {‏وسعة‏} ‏‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ سعة البلاء‏. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال‏:‏ خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً فقال لأهله‏:‏ احملوني فاخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال‏:‏ كان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر، وكان مريضاً فقال لأهله‏:‏ أخرجوني من مكة فإني أجد الحر‏.‏ فقالوا أين نخرجك‏؟‏ فأشار بيده نحو طريق المدينة، فخرجوا به فمات على ميلين من مكة، فنزلت هذه الآية ‏{‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت‏} ‏‏.‏ وأخرج أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين عن عامر الشعبي قال‏:‏ سألت ابن عباس عن قوله تعالى ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجرا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في أكثم بن صيفي قلت‏:‏ فأين الليثي‏؟‏ قال‏:‏ هذا قبل الليثي بزمان، وهي خاصة عامة‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير. أن رجلاً من خزاعة كان بمكة فمرض، وهو ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، فلما أمروا بالهجرة كان مريضاً، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره، ففرشوا له وحملوه وانطلقوا به متوجهاً إلى المدينة، فلما كان بالتنعيم مات، فنزل ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله‏}.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة، فلما نزلت ‏{أية : ‏إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 98‏]‏ فقال‏:‏ إنني لغني، وإني لذو حيلة‏.‏ فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{أية : ‏لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر‏} ‏تفسير : [‏النساء: 95‏]‏ رخَّص فيها لقوم من المسلمين ممن بمكة من أهل الضرر حتى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين، ورخص لأهل الضرر حتى نزلت {أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} تفسير : [النساء:97] إلى قوله {أية : وساءت مصيرا‏ً}‏ تفسير : ‏[‏النساء : 97‏]‏ قالوا‏:‏ هذه موجبة حتى نزلت ‏{أية : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 98‏]‏ فقال ضمرة بن العيص أحد بني ليث وكان مصاب البصر‏:‏ إني لذو حيلة لي مال فاحملوني، فخرج وهو مريض، فأدركه الموت عند التنعيم، فدفن عند مسجد التنعيم، فنزلت فيه هذه الآية ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت‏}‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال لما أنزل الله هؤلاء الآيات ورجل من المؤمنين يقال له ضمره، ولفظ عبد سبرة بمكة، قال‏:‏ والله إن لي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد منها، وإني لأهتدي إلى المدينة، فقال لأهله‏:‏ أخرجوني - وهو مريض يومئذ - فلما جاوز الحرم قبضه الله فمات، فأنزل الله ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من وجه آخر عن قتادة قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم‏} تفسير : ‏[‏النساء: 97‏]‏ قال رجل من المسلمين يومئذ وهومريض‏:‏ والله ما لي من عذر، إني لدليل بالطريق، وإني لموسر فاحملوني، فحملوه فأدركه الموت بالطريق، فنزل فيه ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ لما أنزل الله ‏{أية : ‏إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 97‏]‏ الآيتين‏.‏ قال رجل من بني ضمرة - وكان مريضاً - أخرجوني إلى الروح، فأخرجوه حتى إذا كان بالحصحاص مات، فنزل فيه ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر قوله ‏ {‏ومن يخرج من بيته‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في رجل من خزاعة‏. وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ لما سمع - هذه يعني ‏{أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 97‏]‏ الآية - ضمرة بن جندب الضمري قال لأهله - وكان وجعاً - ‏:‏ أرحلوا راحلتي فإن الأخشبين قد غماني - يعني جبلي مكة - لعلّي أن أخرج فيصيبني روح، فقعد على راحلته ثم توجه نحو المدينة فمات في الطريق، فأنزل الله ‏{‏ومن يخرج من بيته مهاجرا‏ً}‏ الآية‏.‏ وأما حين توجه إلى المدينة فإنه قال‏:‏ اللهم إني مهاجر إليك وإلى رسولك‏. وأخرج سنيد وابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏إن الذين توفاهم الملائكة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 97‏]‏ الآية‏.‏ قال ضمرة بن جندب الجندعي‏:‏ اللهم أبلغت المعذرة والحجة، ولا معذرة لي ولا حجة‏.‏ ثم خرج وهو شيخ كبير فمات ببعض الطريق، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أعلى ولاية أم لا‏؟‏ فنزلت ‏ {‏ومن يخرج من بيته‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال‏:‏ لما أنزل الله في الذين قتلوا مع مشركي قريش ببدر ‏{أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 97‏]‏ الآية‏.‏ سمع بما أنزل الله فيهم رجل من بني ليث كان على دين النبي صلى الله عليه وسلم مقيماً بمكة، وكان ممن عذر الله، كان شيخاً كبيراً، فقال لأهله‏:‏ ما أنا ببائت الليلة بمكة‏.‏ فخرجوا به حتى إذا بلغ التنعيم من طريق المدينة أدركه الموت، فنزل فيه ‏ {‏ومن يخرج من بيته‏} ‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال‏:‏ نزلت في رجل من بني ليث أحد بني جندع‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، أن جندع بن ضمرة الجندعي كان بمكة، فمرض فقال لبنيه‏:‏ أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها‏.‏ فقالوا إلى أين‏؟‏ فأومأ بيده نحو المدينة يريد الهجرة‏؟‏ فخرجوا به فلما بلغوا اضاة بني غفار مات، فأنزل الله فيه ‏{‏ومن يخرج من بيته‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ هاجر رجل من بني كنانة يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق، فسخر به قوم واستهزؤوا به، وقالوا‏:‏ لا هو بلغ الذي يريد ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويدفن‏.‏ فنزل القرآن ‏ {‏ومن يخرج من بيته‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ خرج رجل من مكة بعد ما أسلم وهو يريد النبي وأصحابه فأدركه الموت في الطريق فمات، فقالوا‏:‏ ما أدرك هذا من شيء‏.‏ فأنزل الله ‏{‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام قال‏:‏ هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً‏} ‏‏.‏ قال الزبير‏:‏ وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزني لوفاته حين بلغني، لأنه قلَّ أن هاجر أحدٌ من قريش إلا ومعه بعض أهله أو ذي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره‏.‏ وأخرج ابن سعد عن المغيرة بن عبد الرحمن الخزاعي عن أبيه قال‏:‏ خرج خالد بن حزام مهاجراً إلى أرض الحبشة في المرة الثانية، فنهش في الطريق فمات قبل أن يدخل أرض الحبشة، فنزلت فيه ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب. أن أهل المدينة يقولون‏:‏ من خرج فاصلاً وجب سهمه، وتأولوا قوله تعالى ‏ {‏ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله‏}‏ يعني من مات ممن خرج إلى الغزو بعد انفصاله من منزله قبل أن يشهد الوقعة، فله سهمه من المغنم‏.‏ وأخرج ابن سعد وأحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عتيك ‏"‏سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله - وأين المجاهدون في سبيل الله - فخر من دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله - يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومن قتل قعصاً فقد استوجب الجنة‏"‏‏.‏ وأخرج أبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً في سبيل الله كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً} ترغيبٌ في المهاجَرَة وتأنيسٌ لها أي يجدْ فيها متحوَّلاً ومهاجَراً وإنما عبّر عنه بذلك تأكيداً للترغيب لما فيه من الإشعار بكون ذلك المتحوَّلِ بحيث يصل فيه المهاجرُ من الخير والنعمةِ إلى ما يكون سبباً لرغم أنفِ قومِه الذين هاجرهم، والرُّغمُ الذلُّ والهوانُ وأصلُه لصوقُ الأنفِ بالرَّغام وهو التراب، وقيل: يجد فيها طريقاً يراغِمُ بسلوكه قومَه أي يفارقهم على رَغم أنوفِهم {وَسَعَةً} أي من الرزق {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} أي قبل أن يصل إلى المقصِد وإن كان ذلك خراجَ بابِه كما ينبىء عنه إيثارُ الخروجِ من بـيته على المهاجَرة، وهو عطفٌ على فعل الشرطِ وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، وقيل: هو حركةُ الهاءِ نُقلت إلى الكاف على نية الوقفِ، كما في قوله: [الرجز] شعر : من عَنَزِيٍّ سبَّني لم أضرِبُه عجبتُ والدهرُ كثيرٌ عجبُهْ تفسير : وقرىء بالنصب على إضمار أنْ كما في قوله: [الوافر] شعر : [سأترك منزلي لبني تميم] وألحقُ بالحجاز فأستريحا تفسير : {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} أي ثبت ذلك عنده تعالى ثبوتَ الأمرِ الواجبِ. روي (أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لما بَعَث بالآيات المتقدمةِ إلى مسلمي مكةَ قال جُندُبُ بنُ ضَمْرةَ لبنيه وكان شيخاً كبـيراً: احمِلوني فإني لستُ من المستضعفين وإني لأهتدي الطريقَ والله لا أبـيتُ الليلةَ بمكةَ فحمَلوه على سرير متوجِّهاً إلى المدينة فلما بلغ التنعيمَ أشرفَ على الموت فصفق بـيمينه على شماله ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايُعك على ما بايعك رسولُك فمات حميداً فبلغ خبرُه أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو تُوفيَ بالمدينة لكان أتمَّ أجراً فنزلت. قالوا: كلُّ هجرةٍ في غرض دينيَ من طلبِ علمٍ أو حجَ أو جهادٍ أو نحو ذلك فهي هجرةٌ إلى الله عز وجل وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} مبالِغاً في المغفرة فيغفرُ له ما فَرَط منه من الذنوب التي من جملتها القعودُ عن الهجرة إلى وقت الخروجِ {رَّحِيماً} مبالِغاً في الرحمة فيرحَمُه بإتمام ثوابِ هجرتِه. {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} شروعٌ في بـيان كيفيةِ الصلاةِ عند الضروراتِ من السفر ولقاءِ العدوِّ والمرضِ والمطرِ، وفيه تأكيدٌ لعزيمة المهاجِرِ على المهاجَرة وترغيبٌ له فيها لما فيه من تخفيف المؤنةِ، أي إذا سافرتم أيَّ مسافرةٍ كانت ولذلك لم يُقيَّد بما قُيِّد به المهاجَرة {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي لا حرجَ [ولا] مأثمَ {أَن تَقْصُرُواْ} أي في أن تقصُروا، والقصرُ خلافُ المدِّ يقال: قصَرْت الشيءَ أي جعلته قصيراً بحذف بعضِ أجزائِه أو أوصافِه، فمُتعلَّقُ القصرِ حقيقةً إنما هو ذلك الشيءُ لا بعضُه فإنه متعلَّقُ الحذفِ دون القصرِ وعلى هذا فقوله تعالى: {مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} ينبغي أن يكون مفعولاً لتقصُروا على زيادة مِنْ حسبما رآه الأخفش، وأما على تقدير أن تكون تبعيضيةً ويكونَ المفعولُ محذوفاً كما هو رأيُ سيبويهِ أي شيئاً من الصلاة فينبغي أن يُصارَ إلى وصف الجزءِ بصفة الكلِّ أو يرادَ بالقصر معنى الحبْس، يقال: قصَرتُ الشيءَ إذا حبستْه أو يرادَ بالصلاة الجنسُ ليكون المقصورُ بعضاً منها وهي الرُّباعياتُ، أي فليس عليكم جُناحٌ في أن تقصروا بعضَ الصلاةِ بتنصيفها، وقرىء تُقْصِروا من الإقصار وتُقَصِّروا من التقصير، والكل بمعنى. وأدنى مدةِ السفرِ الذي يتعلق به القصرُ عند أبـي حنيفةَ مسيرةَ ثلاثةِ أيام ولياليها بسير الإبلِ، ومشيِ الأقدام بالاقتصاد، وعند الشافعيِّ مسيرةَ يومين، وظاهرُ الآية الكريمة التخيـيرُ وأفضليةُ الإتمام وبه قال الشافعيّ وبما رُوي عن النبـي عليه الصلاة والسلام أنه أتم في السفر. وعن عائشة رضي الله عنها أنها أتمت تارةً وقصرت أخرى. وعن عثمانَ رضي الله عنه أنه كان يُتمّ ويَقصُر، وعندنا يجب القصرُ لا محالة خلا أن بعضَ مشايخنا سماه عزيمةً وبعضُهم رُخصةَ إسقاطٍ بحيث لا مَساغَ للإتمام لا رخصةَ ترفيهٍ، إذ لا معنى للتخيـير بـين الأخفِّ والأثقلِ وهو قولُ عمرَ وعليَ وابن عباس وابنِ عمرَ وجابر رضوانُ الله عليهم وبه قال الحسنُ وعمرُ بنُ عبد العزيز وقتادةُ وهو قول مالك. وقد رُوي حديث : عن عمرَ رضي الله عنه (صلاةُ السفر ركعتانِ تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان نبـيِّكم عليه السلام)تفسير : وعن أنس رضي الله عنه "حديث : خرجنا مع النبـي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكةَ فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة"تفسير : وعن عمرانَ بنِ حُصين رضي الله عنه «حديث : ما رأيتُ النبـيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر إلا ركعتين وصلى بمكةَ ركعتين ثم قال: "أتمُّوا فإنَّا قومٌ سَفْرٌ"» تفسير : وحين سمع ابنُ مسعودٍ أن عثمانَ رضي الله عنه صلى بمِنىً أربعَ ركعاتٍ استرجع ثم قال: صليت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بمنى ركعتين وصليتُ مع أبـي بكر رضي الله عنه بمِنىً ركعتين وصليت مع عمرَ رضي الله عنه بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعاتٍ ركعتان مُتقبَّلتان. وقد اعتذر عثمانُ رضي الله عنه عن إتمامه بأنه تأهّل بمكة، وعن الزهريّ أنه إنما أتمّ لأنه أزمع الإقامةَ بمكة، وعن عائشة رضي الله عنها أولُ ما فُرضت الصلاةُ فُرضتْ ركعتين ركعتين فأُقِرَّت في السفر وزيدت في الحضر. وفي صحيح البخاري أنها قالت: حديث : فرضَ الله الصلاةَ حين فرضها ركعتين في الحضَر والسفر، وزيد في صلاة الحضرتفسير : ، وأما ما روي عنها من الإتمام فقد اعتذر عنه وقالت: أنا أمُّ المؤمنين فحيث حللتُ فهي داري، وإنما ورد ذلك بنفي الجُناحِ لما أنهم ألِفوا الإتمامَ فكانوا مظِنةَ أن يخطُر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فصرح بنفي الجناحِ عنهم لتطيب به نفوسُهم ويطمئنوا إليه كما في قوله تعالى: {أية : فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} تفسير : [البقرة، الآية 158] مع أن ذلك الطوافَ واجبٌ عندنا ركنٌ عند الشافعيِّ. وقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جوابُه محذوفٌ لدِلالة ما قبله عليه أي إن خفتم أن يتعرّضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيرِه فليس عليكم جُناح الخ، وهو شرطٌ معتبرٌ في شرعية ما يُذكر بعده من صلاة الخوفِ المؤداةِ بالجماعة، وأما في حق مُطلقِ القصرِ فلا اعتبار له اتفاقاً لتظاهُر السننِ على مشروعيته حسبما وقفتَ على تفاصيلها. وقد ذكر الطحاويُّ في شرح الآثارِ مسنداً إلى «حديث : يعلىٰ بن أميةَ أنه قال: قلت لعمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه إنما قال الله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء، الآية 101] وقد أمِن الناسُ، فقال عمر رضي الله عنه: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقةٌ تصدّقَ الله بها عليكم فاقبَلوا صدقتَه"»تفسير : . وفيه دليلٌ على عدم جوازِ الإكمالِ لأن التصدقَ بما لا يحتمل التمليكَ إسقاطٌ محضٌ لا يحتمل الردَّ كما حُقّق في موضعه، ولا يُتَوهّمنّ أنه مخالفٌ للكتاب لأن التقيـيدَ بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحُكمِ عند وجودِ الشرطِ وأما عدمُه عند عدمِه فمسكوتٌ عنه فإن وجدَ له دليلٌ ثبت عنده أيضاً وإلا بقي على حاله لعدم تحققِ دليلِه لا لتحقق دليلِ عدمِه، وناهيك بما سمعتَ من الأدلة الواضحةِ، وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه إنما يدل على نفي الحُكمِ عند عدم الشرط إذا لم يكن له فائدةٌ أخرى وقد خرج الشرطُ هٰهنا مخرجَ الأغلبِ كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } تفسير : [النور، الآية: 33] بل نقول: إن الآيةَ الكريمةَ مجملةٌ في حق مقدارِ القصرِ وكيفيتِه وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدةِ الضربِ الذي نيط به القصرُ فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن وتخصيصِه بالرُباعيات على وجه التنصيف وبالضرب في المدة المعينة بـيانٌ لإجمال الكتابِ، وقد قيل: إن قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} الخ، متعلقٌ بما بعده من صلاة الخوفِ منفصلٌ عما قبله فإنه روي عن أبـي أيوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه أنه قال: نزل قولُه تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} [النساء، الآية: 101] ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حولٍ فنزل: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [النساء، الآية: 101] الخ، وقد قرىء من الصلاة أن يفتنكم بغير إن خفتم على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام، كأنه قيل: شرُع لكم ذلك كراهةَ أن يفتنكم الخ، فإن استمرارَ الاشتغالِ بالصلاة مَظِنةٌ لاقتدارهم على إيقاع الفتنةِ، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} تعليلٌ لذلك باعتبار تعلُّلِه بما ذُكر أو لما يُفهم من الكلام من كون فتنتِهم متوقَّعةً فإن كمالَ عداوتِهم للمؤمنين من موجبات التعرُّض لهم بسوء.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الآية: 100]. قال: أن يهاجر عما دون الله عز وجل وقال بعضهم: أن يخرج من جميع مراداته وهواه متبعًا لأمر الله وما يوصله إلى رضوانه.

القشيري

تفسير : مَنْ هَاجَرَ في الله عما سوى الله، وصحح قَصَده إلى الله وَجَدَ فسحة في عقوة الكَرَم، ومقيلاً في ذرى القبول، وحياة وَسَعةً في كنف القرب. والمهاجر - في الحقيقة - من هجر نَفْسَه وهواه، ولا يصحُّ ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته، ومَنْ قَصَدَه ثم أدركه الأجلُ قبل وصوله فلا ينزل إلا بساحات وصله، ولا يكون محطُّ روحه إلا أوطان قربه.

البقلي

تفسير : {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} اى من هجر من اوطان نفسه الى قضاء ولاية التفريد واتلف مهجته فى طريق محبة الله ولم يبق له مسكن يسكن قلبه فيه من العرش الى الثرى ويجد فى الارض المشرقة بنور الله سحانه مواطن الانس ومواقف القدس وسعة انوار قربته وسنا وصلته يستغنى به عن كل مواطن ومرقد وعن كل مالوف سوى الله وفى ارض القدم وفضاء الازل للعارفين المهاجرين منهم اليه مراغم وطنات الصفات ومشارب سواقى الجلال والجمال فى بحار الذات وسعة كنوز ازل الانال ومشاهدة اباد ---- من هاجر لله فى سبيل الله وصار غريب الله فى بلادهم مستوحشا مما دون الله يجد فى اكناف اطراف الارض مراغم صحبة اوليائه الله التى هناك سعة انوار مشاهدة الله قال الاستاد من هاجر فى الله بما سوى الله وصح قصده الى الله وجد فسحة فى عقوق الكرم ومقيلا فى ذوى القبول ورحبا وسعة فى كنف القرب قوله تعالى {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} اى من يخرج من طبيعة وهو نفسه وحوله وقوته واشارته وعباراته وعلمه ورسمه الى الله فى طلب مشاهدته والى الرسول فى متابعته بنعت المحبة ويدركه فى تضاعيف السير بعض الامتحان ويقع فى منزل الفتوة بعد المجاهدة وقد وقع اجر الوصلة له لان الله تعالى يجازيه بصدق مقدم الاول قبل ان يهاجر عما دون الله تعالى وقبل ان يخرج عن جميع مراداته وهواه متبعا لاوامر الله وما يواصله الى رضوانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن يهاجر فى سبيل الله} ترغيب فى المهاجرة وتأنيس لها وسبيل الله ما امر بسلوكه {يجد فى الارض مراغما كثيرا} اى متحولا يتحول اليه ومهاجرا وانما عبر عنه بذلك تأكيدا للترغيب لما فيه من الاشعار يكون ذلك المتحول بحيث يصل المهاجر بما فيه من الخير والنعمة الى ما يكون سببا لرغم انف قومه الذين هاجرهم. والرغم الذل والهوان واصله لصوق الانف بالرغام وهو التراب يقال ارغم الله انفه اى الصقه بالرغام ولما كان الانف من جملة الاعضاء فى غاية العزة والتراب فى غاية الذلة جعل قولهم رغم انفه كناية عن الذلة {وسعة} فى الرزق واظهار الدين {ومن يخرج من بيته مهاجرا} اى مفارقا قومه واهله وولده {الى الله ورسوله} اى الى طاعة الله وطاعة رسوله {ثم يدركه الموت} اى قبل ان يصل الى المقصد وان كان ذلك خارج بابه كما ينبىء عنه ايثار الخروج من بيته على المهاجرة {فقد وقع اجره على الله} الوقوع والوجوب متقاربان والمعنى ثبت اجره عند الله ثبوت الامر الواجب {وكان الله غفورا} مبالغا فى المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التى من جملتها القعود عن الهجرة الى وقت الخروج {رحيما} مبالغا فى الرحمة فيرحمه باكمال ثواب هجرته ـ روى ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث بالآيات المحذرة عن ترك الهجرة الى مسلمى مكة. قال جندب بن ضمرة من بنى الليث لبنيه وكان شيخا كبيرا لا يستطيع ان يركب الراحلة احملونى فانى لست من المستضعفين وانى لأهتدى الطريق ولى من المال ما يبلغنى المدينة وابعد منها والله لا ابيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها الى المدينة فلما بلغ التنعيم وهو موضع قريب من مكة اشرف على الموت فاخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال اللهم هذه لك وهذه لرسولك ابايعك على ما بايعك عليه رسولك فمات حميدا فلما بلغ خبره اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لو توفى بالمدينة لكان اتم اجرا وقال المشركون وهم يضحكون ما ادرك هذا ما طلب فانزل الله هذه الآية فمن هذا قالوا المؤمن اذا قصد طاعة ثم اعجزه العذر عن اتمامها كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة. وفى الكشاف قالوا كل هجرة لغرض دينى من طلب علم او حج او جهاد او فرار الى بلد يزداد فيه طاعة او قناعة وزهدا فى الدنيا او ابتغاء رزق طيب فهى هجرة الى الله ورسوله وان ادركه الموت فى طريقه فاجره واقع على الله انتهى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره من مات قبل الكمال فمراده يجيئ اليه كما ان من مات فى طريق الكعبة يكتب له اجر حجين. يقول الفقير سمى الذبيح المتخلص بحقى سمعت مرة شيخى العارف العلامة ابقاه الله بالسلامة وهو يقول عند تفسير هذه الآية ان الطالب الصادق اذا سافر من ارض بشريته الى مقام القلب فمات قبل ان يصل الى مراده فله نصيب من اجر البالغين الى ذلك المقام لصدق طلبه وعدم انقطاعه عن الطريق الى حد الموت بل الله يكمله فى عالم البرزخ بوساطة روح من ارواحه او بوساطة فيضه. ومثل هذا جاء فى حق بعض السلاك وله نظير فى الشريعة كما روى عن الحسن البصرى رحمه الله انه قال بلغنى ان المؤمن اذا مات ولم يحفظ القرآن امر حفظته ان يعلموه القرآن فى قبره حتى يبعثه الله تعالى يوم القيامة مع اهله فاذا كان طالب القرآن الرسمى بالغا الى مراده وانّ فى البرزخ حرصه على التحصيل فليس ببدع ان يكون طالب القرآن الحقيقى واصلا الى مرامه فى عالم المثال المقيد لشغفه على التكميل. اقول واما ما قال الشيخ الكبير صدر الدين القنوى قدس سره فى الفلك الآخر من الفلوك من المتفق شرعا وعقلا وكشفا ان كل كمال لم يحصل للانسان فى هذه النشأة وهذه الدار فانه لا يحصل له بعد الموت فى الدار الآخرة انتهى فلعله فى حق اهل الحجاب الذين قعدوا عن الطلب رأسا لا فى حق اهل الحجاب الذين سلكوا فماتوا قبل الوصول الى مكاشفة الافعال ومشاهدة الصفات ومعاينة الذات. قال المولى الجامى فى شرح الكلمة الشعبية من الفصوص الحكمية فما يدل على عدم الترقى بعد الموت من قوله تعالى {أية : ومن كان فى هذه أعمى} تفسير : [الإسراء: 72] الآية. انما هو بالنسبة الى معرفة الحق لا لمن لا معرفة له اصلا فانه اذا انكشف الغطاء ارتفع العمى بالنسبة الى الدار الآخرة ونعيمها وجحيمها والاحوال التى فيها واما قوله عليه السلام "حديث : اذا مات ابن آدم انقطع عمله " .تفسير : فهو يدل على ان الاشياء التى يتوقف حصولها على الاعمال لا تحصل وما لا يتوقف عليها بل يحصل بفضل الله ورحمته فقد يحصل وذلك من مراتب التجافى انتهى كلامه. فعلى السالك ان لا ينقطع عن الطريق ويرجو من الله التوفيق كى يصل الى منزل التحقيق: قال الحافظ الشيرازى شعر : كاروان رفت تودرراه كمين كاه بخواب وه كه بس بيخبر از غلغل جندين جرسى بال بكشاى صفير از شجر طوبى زن حيف باشد جوتومرغى كه اسير قفسى تاجو مجمر نفسى دامن جانان كيرم جان نهاديم برآتش زبى خوش نفسى جند بويد بهواى توبهر سو حافظ يسر الله طريقا بك يا ملتمسى تفسير : وفى التأويلات النجمية ان الاشارة فى الآية من غاية ضعف الانسان وحياته الحيوانية واستهواء الشيطان يكون الخوف غالبا على الطالب الصادق فى بدء طلبه فكما اراد ان يسافر عن الاوطان ويهاجر عن الاخوان طالبا فوائد اشارة سافروا لتصحوا وتغنموا لازالة مرض القلب ونيل صحة الدين والفوز بغنيمة صحبة شيخ كامل مكمل وطبيب حاذق مشفق ليعالج مرض قلبه ويبلغه كعبة طلبه فتسول له النفس اعداد الرزق وعدم الصبر ويعده الشيطان بالفقر فقال تعالى على قضية {أية : والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} تفسير : [البقرة: 268]. {ومن يهاجر فى سبيل الله} اى طلب الله {يجد فى الارض مراغما كثيرا} اى بلادا اطيب من بلاده واخوانا فى الدين احسن من اخوانه {وسعة} فى الرزق. وفيه اشارة اخرى وهى ومن يهاجر عن بلد البشرية فى طلب حضرة الربوبية يجد فى ارض الانسانية مراغما كثيرا اى متحولا ومنازل مثل القلب والروح والسر وسعة اى وسعة فى تلك العوالم الوسيعة او سعة من رحمة الله كما اخبر الله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام عن تلك الوسعة والسعة بقوله "حديث : لا يسعنى ارضى ولا سمائى وانما يسعنى قلب عبدى المؤمن " .تفسير : فافهم يا كثير الفهم قصير النظر قليل العبر ثم قال دفعا للهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية فى التخويف بالموت والايعاد بالفوت {ومن يخرج من بيته} اى بيت بشريته بترك الدنيا وقمع الهوى وقهر النفس بهجران صفاتها وتبديل اخلاقها {مهاجرا} الى الله طالبا له فى مبايعة رسوله {ثم يدركه الموت} قبل وصوله {فقد وقع أجره على الله} يعنى فقد اوجب الله تعالى على ذمة كرمه بفضله ورحمته ان يبلغه الى اقصى مقاصده واعلى مراتبه فى الوصول بناء على صدق نيته وخلوص طويته اذا كان المانع من اجله ونية المؤمن خير من عمله {وكان الله غفورا} لذنب بقية انانية وجوده {رحيما} عليه بتجلى صفة جوده ليبلغ العبد الى كمال مقصوده بمنه وكرمه وسعة جوده انتهى كلام التأويلات.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: المراغَم: المهرب والمذهب. قاله في القاموس. وقال البيضاوي: يجد متحولاً، من الرغام وهو التراب. وقيل: طريقًا يراغم قومه بسلوكه فيها، أي: يفارقهم على رغم أنوفهم، وهو أيضًا من الرغام. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن يهاجر في سبيل الله} لإعلاء كلمة الله وإقامة دينه، {يجد في الأرض} فضاءً كثيرًا، ومتحولاً كبيرًا يتحول إليه، وسعة بدلاً من ضيق ما كان فيه، من قهر العدو ومنعه من إظهار دينه، أو سعةٌ في الرزق، وبسطًا في المعيشة، فلا عذر له في المقام في مكان مُضَيَّقٍ عليه فيه في أمر دينه، {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله} وجهادٍ في سبيله، {ثم يُدركه الموت} قبل وصوله فقد ثبت أجرُه، ووجب على الله ـ وجوب امتنان ـ أن يبلغه قصده بعد موته، {وكان الله غفورًا} لما سلف له من عدم المبادرة، {رحيمًا} به، حيث بلَّغه مأمولَه. نزلت في جُندع بن ضَمرة، وكان شيخًا كبيرًا مريضًا، فلما سمع ما نزل في شأن الهجرة قال: والله ما أنا ممن استثنى الله، ولي مال يُبِلغني المدينة، والله لا أبيتُ الليلة بمكة، اخرجُوا بي، فخرجوا به على سريره حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت بها، فَصفَّق بيمينه على شماله، وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك، أُبايعك على مَا بَايَعَك عليه رسولك، فمات حَمِيدًا. فقال الصحابة: لو وافَى المدينةَ، كان أتم أجرًا، وضحك المشركون، وقالوا: ما أدرك ما طلب. فنزلت: {ومن يخرج من بيته...} الخ. وقيل: نزلت في خالد بن حزام، فإنه هاجر إلى أرض الحبشة، فنهشته حيَّةٌ في الطريق، فمات قبل أن يصل. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن يهاجر من وطن حظوظه وهواه، طلبًا للوصول إلى حضرة مولاه، يجد في أرض نفسه متسعًا للعلوم، ومفتاحًا لمخازن الفهوم، وسعة الفضاء والشهود، حتى ينطوي في عين بصيرته كلُّ موجود، ويتحقق بشهود واجب الوجود. ومن يخرج من بيت نفسه وسجن هيكله إلى طلب الوصول إلى الله ورسوله، ثم يُدركه الموت قبل التمكين، فقد وقع أجره على الله، وبلَّغه الله ما كان قَصَدَه وتمنُّاه، فيُحشر مع الصديقين أهلِ الرسوخ والتمكين، التي تلي درجتُهم درجةَ النبيين، وكذلك من مات في طلب العلم الظاهر ولم يدركه في حياته، حشِر مع العلماء، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : من جاءَه أجله وهو يطلبُ العلمَ لم يكن بينه وبين النبيين إلا درجةٌ واحدة"تفسير : . قلت: وهذه الدرجة التي بينه وبين النبوة هي درجة الصديقين المتقدمة قبله. وكل من مات في طلب شيء من الخير، أدركه بعد موته بحسن نيته، كما في الأحاديث النبوية، قال القشيري: المهاجر في الحقيقة، من هاجر نفسه وهواه، ولا يصح ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته وقصوده، فمن قصَده ـ أي قصد الحق تعالى ـ ثم أدركه الأجلُ قبل وصوله، فلا ينزل إلا بساحات وصله، ولا يكون محط رفقته إلا مكان قربه. هـ. وفي بعض الآثار: الهجرة هجرتان: هجرة صُغرى، وهجرة كبرى، فالصغرى: انتقال الأجسام مِن وطنٍ غير مرضي إلى وطن مرضي، والكبرى: انتقال النفوس من مألوفاتها وحظوظها إلى معرفة ربها وحقوقها. هـ.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية ان من يفارق وطنه، ويخرج من أرض الشرك وأهله هرباً بدينه إلى أرض الاسلام وأهلها والمهاجر في سبيل الله يعني منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه يجد في الارض مراغماً كثيراً {يجد} مجزوم، لأنه جواب الشرط. اللغة: والمراغم المضطرب في البلاد والمذهب يقال منه: راغم فلان قومه مراغماً ومراغمة قال الفراء: هما مصدران ومنه قول النابغة الجعدي: شعر : كطود يلاذ بأركانه عزيز المراغم والمهرب تفسير : وقال الشاعر: شعر : إلى بلد غير داني المحل بعيد المراغم والمضطرب تفسير : والمراغم مأخوذ من الرغام وهو التراب ومعنى راغمت فلاناً هجرته. ولم أبال رغم أنفه أي وان لصق بالتراب أنفه. المعنى: واختلف أهل التأويل في معناه، فقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى أرض وبه قال الضحاك، والربيع، والحسن، وقتادة، ومجاهد. وقال السدي يعني معيشة. وقال ابن زيد يعني مهاجراً. وقال ابن عباس يعني سعة في الرزق. وبه قال الربيع بن أنس والضحاك. وقال قتادة: سعة من الضلالة إلى الهدى. وقال يزيد بن أبي حبيب: ان أهل المدينة يقولون من خرج فاصلا من أهله يريد الغزو وجب سهمه لقوله: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} وقوله: {وسعة} يحتمل أمرين: أحدهما - السعة في الرزق. الثاني - السعة مما كان فيه من تضيق المشركين عليهم في أمر دينهم بمكة. ثم أخبر تعالى أن من خرج مهاجراً من أرض الشرك فاراً بدينه إلى الله ورسوله وأدركه الموت قبل بلوغه دار الهجرة وأرض الاسلام {فقد وقع أجره على الله} يعني ثواب عمله وجزاء هجرته عليه تعالى {وكان الله غفوراً} يعني ساتراً على عباده ذنوبهم بالعفو عنهم {رحيماً} بهم رفيقاً. النزول: وقيل في سبب نزول الآية ان الله لما أنزل ان الذين {توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} كتب المسلمون بالآيات وبعثوها إلى أخوانهم من أهل مكة فخرج حينئذ منها جماعة، فقالوا: لم يبق لنا عذر فهاجروا. وقال سعيد بن جبير وعكرمة والضحاك والسدي وابن زيد وابن عباس ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر (ع) أنها نزلت في ضمرة بن العيص بن ضمرة بن زنباع أو العيص بن ضمرة وكان مريضاً فأمر أهله أن يفرشوا له على سريرة ويحملوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال ففعلوا فأتاه الموت بالتغيم، فنزلت فيه الآية. وبه قال قتادة وقال: قال ضمرة وأنا أعرف الطريق ولي سعة في المال أخرجوني فأخرج، فمات. وقال عمر بن شبة: هو أبو أمية ضمرة بن حندب الخزاعي. وقال الزبير بن بكار: هو خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام خرج مهاجراً فمات في الطريق. قال عكرمة وخرج جماعة من مكة مهاجرين فلحقهم المشركون وفتنوهم عن دينهم فافتتنوا، فانزل الله فيهم {أية : ومن الناس من يقول أمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله }تفسير : وكتب بها المسلمون من المدينة إليهم ثم نزل فيهم {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم}.

الجنابذي

تفسير : {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لمّا فرغ من بيان حال المقصّر والقاصر المتوطّن فى دار الشّرك اراد ان يبيّن حال الخارج من بيت الشّرك وهو امّا يخرج فى الظّاهر من بيت وطنه الصّورىّ او فى الباطن من بيت نفسه الامّارة فى طلب الاسلام وليس له جهادٌ لانّ الجهاد بعد قبول الاسلام ومعرفة الاعداء باذن النّبىّ او الامام، او يهاجر فى سبيل الله بعد اسلامه فى طلب الايمان من بيته الصّورىّ او المعنوىّ ولهذا المهاجر يتصوّر الجهاد بمراتبه امّا بالاموال والانفس، او فانياً عن الاموال والانفس بمحض الامر من غير تعلّق الخاطر بغير الامر، او بالله بالفناء عن الامر ايضاً ولم يذكر الخارج من دار اسلامه او دار ايمانه الى دار الشّرك لعدم الاعتناء به ولاستفادته من مفهوم المخالفة واشار الى المهاجر بعد الاسلام فى سبيل الله بقوله: ومن يهاجر فى سبيل الله {يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ} بمعانيها {مُرَاغَماً كَثِيراً} من الرّغام وهو التّراب بمعنى المذهب والمهرب والمغضب والمراد به محلّ تفرّج وتنزّه من الارض بحيث يرغم الاعداء {وَسَعَةً} فى الارض او فى نفسه او فى معيشته او فى سيره ظاهراً او باطناً، وقدّم بيان حال المهاجر بعد الاسلام على الخارج الى الاسلام لشرفه وان كان مؤخّراً برتبته، واشار الى الخارج الى الاسلام بقوله تعالى {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ} ظاهراً وباطناً {مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} ذكر الى الله للاشارة الى انّ الخارج من بيت الشّرك ذاهباً الى الرّسالة فى طلب الاسلام ذاهب الى الله لانتهائه الى الله، ولانّ الرّسول مظهر الآلهة ولذا لم يكرّر لفظ الى {ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} اختيار بالجذبة الآلهية او اضطراراً فى السّبيل الظّاهرىّ او الباطنىّ {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} اى لا ينبغى ان يتكفّل اداء اجره غيره وفيه بشارة الى تامّة لهم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} فيغفر مساويه الغير الزّائلة عنه ويرحمه باعطاء اجره بلا واسطة ان كان نزول الآية فى جندب بن ضمرة حين خرج من مكّة الى المدينة فمات، او النّجاشّى حين خرج الى المدينة فمات؛ لا ينافى تعميمها، ولمّا ذكر المجاهدين والمهاجرين اراد ان يبيّن حكمهم فى العبادات فقال تعالى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَن يُّهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً}. قال الحسن: وجوهاً كثيرة من الطلب. {وَسَعَةً}. وقال بعضهم: {يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً}: مهاجَراً يهاجر إليه، يخرج مهاجراً ومراغماً للمشركين. وتفسير مجاهد: مراغماً. أي: متزحزَحاً عما يكره وسعة. قوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. ذكروا أن رجلاً من بني كنانة لما سمع أن بني كنانة قد ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم يوم بدر، وقد أدنف للموت، قال لأهله احملوني؛ فحملوه إلى النبي عليه السلام فمات في الطريق فأنزل الله فيه هذه الآية.

اطفيش

تفسير : {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِى الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً} موضع تحول فى الرغام، وهو التراب، حتى يصل المدينة، أو طريقا يلصق بها أنوف أعدائه بالرغام، أى التراب، بوصوله بها إلى المدينة، كما أن المراغم ورد فى اللغة المذهب فى الأرض، وأن المراغمة المغاضبة {وَسَعةً} فى الرزق وإعلانا للدين، ولما سمع جندب بن صخر قوله تعالى: إلا المستضعفين الخ، وقد بعث صلى الله عليه وسلم بالآية إلى من آمن فى مكة، وتليت عليهم قال: والله ما أنا فيمن استثنى الله عز وجل، إنى لأجد حيلة، ولى من المال ما يبلغنى المدينة وأبعد منها، وإنى لأهتدى السبيل، والله لا أبيت الليلة بمكة، أخرجونى منها إلى المدينة، فخرج به بنوه يحملونه على سرير وكان شيخاً كبيراً لا يستطيع ركوب الراحلة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله، وقال: اللهم هذه، أى اليمين لك، وهذه أى اليسرى لرسولك، أبايعك على ما بايع به، رسولك، فمات، فضحك المشركون، وقالوا: ما أدرك ما طلب، وقال المسلمون فى المدينة: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً، فنزل قوله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إلَى اللهِ وَرَسُولهِ} فى المدينة أو فى طلب علم، أو حج أو عمرة، أو جهاد، أو زيارة رحم، أو نحوها وقيل نزلت فى أكثم بن صيفى لما أسلم ومات مهاجراً، وقال الزبير: نزلت فى خالد ابن حزام، هاجر إلى الحبشة ومات بحية {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} قبل الوصول، أو قبل فعل ما خرج له، ولو عند بابه خارجا، وثم لعلو درجة الموت على درجة الخروج {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ} ثبت له بوعد الله {عَلَى اللهِ} وروى البيهقى، وأبو يعلى، عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ومن خرج غازياً فى سبيل الله فمات كتب له أجر الغازى إلى يوم القيامة" تفسير : ، والمراد التمثيل، فيعم غير ذلك، والمراد أيضاً ثبوت ذلك له فى كل سنة، واستدل أهل المدينة بالآية على أن للغازى إذا مات فى الطريق سهمه فى الغنيمة التى مات فى غزوتها والصحيح أن له ثواب الآخرة فقط {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} بإكمال ثواب هجرته وقصده، وكل من قصد فرضاً أو نفلا بالعزم وعطل عنه يكتب أجره كاملا، لا كما قيل إن له أجر ما عمل منه فقط.

الالوسي

تفسير : {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً} ترغيب في المهاجرة وتأنيس لها، والمراد من المراغم المتحول والمهاجر ـ كما روي ذلك عن ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم فهو اسم مكان، وعبر عنه بذلك تأكيداً للترغيب لما فيه من الإِشعار بكون ذلك المتحول الذي يجده يصل فيه المهاجر إلى ما يكون سبباً لرغم أنف قومه الذين هاجرهم، وعن مجاهد: أن المعنى يجد فيها متزحزحاً عما يكره، وقيل: متسعاً مما كان فيه من ضيق المشركين، وقيل: طريقاً يراغم بسلوكه قومه ـ أي يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب، وقرىء مرغماً {وَسَعَةَ} أي من الرزق وعليه الجمهور، وعن مالك سعة من البلاد. {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} أي يحل به قبل أن يصل إلى المقصد ويحط رحال التسيار، بل وإن كان ذلك خارج بابه كما يشعر به إيثار الخروج من بيته على المهاجرة، وثمّ لا تأبى ذلك كما ستعرفه قريباً إن شاء الله تعالى، وهو معطوف على فعل الشرط، وقرىء {يُدْرِكْهُ} بالرفع، وخرجه ابن جني كما قال السمين على أنه فعل مضارع مرفوع للتجرد من الناصب والجازم، والموت فاعله، والجملة خبر لمبتدأ محذوف أي ـ ثم هو يدركه الموت ـ وتكون الجملة الإسمية معطوفة على الفعلية الشرطية وعلى ذلك حمل يونس قول الأعشى:شعر : إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا (أو تنزلون فإنا معشر نزل) تفسير : أي أو أنتم تنزلون وتكون الاسمية حينئذ كما قال بعض المحققين: في محل جزم وإن لم يصح وقوعها شرطاً لأنهم يتسامحون في التابع، وإنما قدروا المبتدأ ليصح رفعه مع العطف على الشرط المضارع، وقال عصام الملة: ينبغي أن يعلم أنه على تقدير المبتدأ يجب جعل {مِنْ} موصولة لأن الشرط لا يكون جملة اسمية ويكون {يَخْرُجُ} أيضاً مرفوعاً، ويرد عليه حينئذ أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ، فالأولى أن الرفع بناءاً على توهم رفع {يَخْرُجُ} لأن المقام من مظان الموصول، ولا يخفى أنه خبط وغفلة عما ذكروا، وقيل: إن ضم الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركتها إلى الكاف كقوله:شعر : عجبت والدهر كثير عجبه من عنزي يسبني لم أضربه تفسير : وهو كما في «الكشف» ضعيف جداً لإجراء الوصل مجرى الوقف والنقل أيضاً، ثم تحريك الهاء بعد النقل بالضم وإجراء الضمير المتصل مجرى الجزء من الكلمة؛ والبيت ليس فيه إلا النقل وإجراء الضمير مجرى الجزء، وقرأ الحسن {يُدْرِكْهُ} بالنصب، وخرجه غير واحد على أنه بإضمار إن نظير ما أنشده سيبويه من قوله:شعر : سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا تفسير : ووجهه فيه أن سأترك مستقبل مطلوب فجرى مجرى الأمر ونحوه، والآية ـ لكون المقصود منها الحث على الخروج وتقدم الشرط الذي هو شديد الشبه بغير الموجب ـ كانت أقوى من البيت، وذكر بعض المحققين أن النصب في الآية جوزه الكوفيون لما أن الفعل الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم عندهم إذا وقع بعد الواو والفاء كقوله:شعر : ومن لا يقدم رجله مطمئنة فيثبتها في مستوى القاع يزلق تفسير : وقاسوا عليهما ثم، فليس ما ذكر في البيت نظير الآية، وقيل: من عطف المصدر المتوهم على المصدر المتوهم مثل ـ أكرمني وأكرمك ـ أي ليكن منك إكرام ومني، والمعنى من يكن منه خروج من بيته وإدراك الموت له. {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} أي وجب بمقتضى وعده وفضله وهو جواب الشرط، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن المهاجر له إحدى الحسنيين إما أن يرغم أنف أعداء الله ويذلهم بسبب مفارقته لهم واتصالهم بالخير والسعة، وإما أن يدركه الموت ويصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم، وفي الآية ما لا يخفى من المبالغة في الترغيب فقد قيل: كان مقتضى الظاهر ـ ومن يهاجر إلى الله ورسوله ويمت يثبه ـ إلا أنه اختير {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً} على ـ ومن يهاجر ـ لما أشرنا إليه آنفاً، ووضع {يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} موضع ـ يمت ـ إشعاراً بمزيد الرضا من الله تعالى، وأن الموت كالهدية منه سبحانه له لأنه سبب للوصول إلى النعيم المقيم الذي لا ينال إلا بالموت، وجيء ـ بثم ـ بدل الواو تتميماً لهذه الدقيقة، وأن مرتبة الخروج دون هذه المرتبة، وأقيم {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} مقام ـ يثبه ـ لما أنه مؤذن باللزوم والثبوت، وأن الأجر عظيم لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه لأنه على الذات الأقدس المسمى بذلك الاسم الجامع؛ وعن الزمخشري: إن فائدة {ثُمَّ يُدْرِكْهُ} بيان أن الأجر إنما يستقر إذا لم يحبط العمل الموت، واختلف فيمن نزلت؛ فأخرج ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة، وكان بلغه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ} تفسير : [النساء: 97] الآية وهو بمكة حين بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسلميها فقال لبنيه: احملوني فإني لست / من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، وإني لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله؛ ويقول: اللهم هذه لك وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسولك، ولما بلغ خبر موته الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: ليته مات بالمدينة فنزلت، وروى الشعبـي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في أكتم بن صيفي لما أسلم ومات وهو مهاجر، وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير أنها نزلت في خالد بن حزام وقد كان هاجر إلى الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات، وروي غير ذلك، وعلى العلات فالمراد عموم اللفظ لا خصوص السبب، وقد ذكر أيضاً غير واحد أن من سار لأمر فيه ثواب كطلب علم وحج وكسب حلال وزيارة صديق وصالح ومات قبل الوصول إلى المقصد فحكمه كذلك، وقد أخرج أبو يعلى والبيهقي عن أبـي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً في سبيل الله تعالى فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة»تفسير : ، واحتج أهل المدينة بالآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة، والصحيح ثبوت الأجر الأخروي فقط {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} مبالغاً في المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج {رَّحِيماً} مبالغاً في الرحمة فيرحمه سبحانه بإكمال ثواب هجرته ونيته. ومن باب الإشارة في بعض ما تقدم من الآيات: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} أي وما ينبغي لمؤمن الروح {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} وهو مؤمن القلب {إِلا} أن يكون قتلاً {خطأ}، وذلك إنما يكون إذا خلصت الروح من حجب الصفات البشرية فإذا أرادت أن تتوجه إلى النفس أنوارها لتميتها وقع تجليها على القلب فخر صعقاً من ذلك التجلي ودك جبل النفس دكاً فكان قتله خطأ لأنه لم يكن مقصوداً {وَمَن قَتَلَ} قلباً {مُؤْمِناً} خطأ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} وهي رقبة السر الروحاني وتحريرها إخراجها عن رق المخلوقات {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} تسلمها العاقلة وهي الألطاف الإلهية إلى القوى الروحانية فيكون لكل منهما من حظ الأخلاق الربانية {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} وذلك وقت غنائهم بالفناء بالله تعالى {فَإن كَانَ} المقتول بالتجلي {مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ} بأن كان من قوى النفس الأمارة {وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} وهي رقبة القلب فيطلقه من وثاق رق حب الدنيا والميل إليها، ولا دية في هذه الصورة لأهل القتيل {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ} بأن كان من قوى النفس القابلة للأحكام الشرعية ظاهراً والمهادنة للقلب {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ} واجبة على عاقلة الرحمة {إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي أهل تلك النفس من الصفات الأخر {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} وهي رقبة الروح وتحريرها إفناؤها وإطلاقها عن سائر القيود {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} رقبة كذلك بأن كانت روحه محررة قبل {أية : فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} تفسير : [النساء: 92] أي فعليه الإمساك عن العاديات وترك المألوفات ستين يوماً، وهي مقدار مدة الميقات الموسوي ونصفها رجاء أن يحصل له البقاء بعد الفناء {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} تفسير : [النساء: 93] إشارة إلى أن النفس إذا قتلت القلب واستولت عليه بقيت معذبة في نيران الطبيعة مبعدة عن الرحمة مظهراً لغضب الله تعالى. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} لإرشاد عباده {فَتَبَيَّنُواْ} حال المريد في الرد والقبول {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} أي لا تنفروا من استسلم لكم وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه فتقولوا له لست مؤمناً صادقاً لتعلق قلبك بالدنيا فسلم ما عندك من حطامها ليخلو قلبك لربك وتصلح لسلوك الطريق {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} للسالكين إليه فإذا حظي بها السالك ترك لها ما في يده من الدنيا وأعرض قلبه عن ذلك {أية : كَذٰلِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ} تفسير : [النساء: 94] أي مثل هذا المريد كنتم أنتم في مبادي طلبكم وتسليم أنفسكم للمشايخ حيث كان لكم تعلق بالدنيا فمنّ الله عليكم بعد السلوك بتلك المغانم الكثيرة التي عنده فأنساكم جميع ما في أيديكم وفطم قلوبكم عن الدنيا بأسرها فقيسوا حال من يسلم نفسه إليكم بحالكم لتعلموا أن الله سبحانه بمقتضى ما عود المتوجهين إليه الطالبين له سيمنّ على هؤلاء بما منّ به عليكم، ويخرج حب الدنيا من قلوبهم بأحسن وجه كما أخرجه من قلوبكم. والحاصل أنه لا ينبغي أن يقال لمن أراد التوجه إلى الحق جل وعلا من أرباب الدنيا في مبادي الأمر: أترك دنياك واسلك لأن ذلك مما ينفره ويسد باب التوجه عليه لشدة ترك المحبوب دفعة واحدة، ولكن يؤمر بالسلوك ويكلف من الأعمال ما يخرج ذلك عن قلبه لكن على سبيل التدريج {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ} بمنعها عن حقوقها التي اقتضتها استعداداتهم من الكمالات المودعة فيها {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} حيث قعدتم عن السعي وفرطتم في جنب الله تعالى وقصرتم عن بلوغ الكمال الذي ندبتم إليه {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلأَرْضِ} أي أرض الاستعداد باستيلاء قوى النفس الأمارة وغلبة سلطان الهوى وشيطان الوهم {قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا} أي ألم تكن سعة استعدادكم بحيث تهاجروا فيها من مبدأ فطرتكم إلى نهاية كمالكم، وذلك مجال واسع فلو تحركتم وسرتم بنور فطرتكم خطوات يسيرة بحيث ارتفعت عنكم بعض الحجب انطلقتم عن أسر القوى وتخلصتم عن قيود الهوى وخرجتم عن القرية الظالم أهلها التي هي مكة النفس الأمارة إلى البلدة الطيبة التي هي مدينة القلب، وإنما نسب سبحانه وتعالى هنا التوفي إلى الملائكة لأن التوفي وهو استيفاء الروح من البدن بقبضها عنه على ثلاثة أوجه: توفي الملائكة وتوفي ملك الموت وتوفي الله تعالى، فأما توفي الملائكة فهو لأرباب النفوس، وهم إما سعداء وإما أشقياء، وأما توفي ملك الموت فهو لأرباب القلوب الذين برزوا عن حجاب النفس إلى مقام القلب، وأما توفي الله تعالى فهو للموحدين الذين عرج بهم عن مقام القلب إلى محل الشهود فلم يبق بينهم وبين ربهم حجاب فهو سبحانه يتولى قبض أرواحهم بنفسه ويحشرهم إلى نفسه عز وجل، ولما لم يكن هؤلاء الظالمين من أحد الصنفين الأخيرين نسب سبحانه توفيهم إلى الملائكة، وقيد ذلك بحال ظلمهم أنفسهم {فَأُوْلَٰـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} الطبيعة {أية : وَسَاءتْ مَصِيراً} تفسير : [النساء: 97] لما أن نار البعد والحجاب بها موقدة {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ} وهم كما قال بعض العارفين: أقوياء الاستعداد الذين قويت قواهم الشهوية والغضبية مع قوة استعدادهم فلم يقدروا على قمعها في سلوك طريق الحق ولم يذعنوا لقواهم الوهبية والخيالية فيبطل استعدادهم بالعقائد الفاسدة فبقوا في أسر قواهم البدنية مع تنور استعدادهم بنور العلم وعجزهم عن السلوك برفع القيود {وَٱلنّسَآءَ} أي القاصرين الاستعداد عن درك الكمال العلمي وسلوك طريق التحقيق الضعفاء القوى، قيل: وهم البله المذكورون في خبر «حديث : أكثر أهل الجنة البله» تفسير : {وَٱلْوِلْدٰنِ} أي القاصرين عن بلوغ درجة الكمال لفترة تلحقهم من قبل صفات النفس {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} لعدم قدرتهم وعجزهم عن كسر النفس وقمع الهوى {أية : وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 98] لعدم علمهم بكيفية السلوك {فَأُوْلَٰـئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} بمحو تلك الهيئات المظلمة لعدم رسوخها وسلامة عقائدهم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً} عن / الذنوب ما لم تتغير الفطرة {أية : غَفُوراً} تفسير : [النساء: 99] يستر بنور صفاته صفات النفوس القابلة لذلك {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} عن مقار النفس المألوفة {يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ} أي أرض استعداده {مُرَاغَماً كَثِيراً} أي منازلاً كثيرة يرغم فيها أنوف قوى نفسه {وٰسِعَةً} أي انشراحاً في الصدر لسبب الخلاص من مضايق صفات النفس وأسر الهوى {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ} أي مقامه الذي هو فيه {مهاجراً إلى الله} بالتوجه إلى توحيد الذات {وَرَسُوْلِهِ} بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات {ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} أي الانقطاع {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} حسبما توجه إليه {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 100] فيستر بصفاته صفات من توجه إليه ويرحم من انقطع دون الوصول بما هو أهله، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ثم إنه سبحانه بعد أن أمر بالجهاد ورغب في الهجرة أردف ذلك ببيان كيفية الصلاة عند الضرورات من تخفيف المؤنة ما يؤكد العزيمة على ذلك، فقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ}.

ابن عاشور

تفسير : جملة {ومن يهاجر} عطف على جملة {أية : إنّ الذين توفّاهم الملائكة}تفسير : [النساء: 97]، و(مَن) شرطية. والمهاجرة في سبيل الله هي المهاجرة لأجل دين الله. والسبيل استعارة معروفة، وزادها قبولاً هنا أنّ المهاجرة نوع من السير، فكان لذكر السبيل معها ضرب من التورية. والمراغم اسم مكان من راغم إذا ذهب في الأرض، وفعل راغم مشتقّ من الرّغام ــــ بفتح الراء ــــ وهو التراب. أو هو من راغم غيره إذا غلبه وقهره، ولعلّ أصله أنّه أبقاه على الرغام، أي التراب، أي يجِد مكاناً يُرْغم فيه من أرغمه، أي يَغلب فيه قومه باستقلاله عنهم كما أرغموه بإكراهه على الكفر، قال الحارث بن وعلة الذهلي:شعر : لا تأمنَنْ قوماً ظلمتهم وبدأتهم بالشتم والرغم إن يأبِرُوا نَخْلاً لغيرهم والشيءُ تحقره وقد ينمي تفسير : أي أن يكونوا عوْناً للعدوّ على قومهم. ووصفُ المراغم بالكثير لأنّه أريد به جنس الأمكنة. والسعة ضد الضيق، وهي حقيقةً اتّساعُ الأمكنة، وتطلق على رفاهية العيش، فهي سعة مجازية. فإن كان المراغم هو الذهاب في الأرض فعطف السعة عليه عطف تفسير، وإن كان هو مكان الإغاضة فعطف السعة للدلالة على أنّه يجده ملائماً من جهة أرضاء النفس، ومن جهة راحة الإقامة. ثم نوّه الله بشأن الهجرة بأن جعل ثوابها حاصلاً بمجرّد من بلد الكفر، ولو لم يبلغ إلى البلد المهاجَر إليه. بقوله: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} الخ. ومعنى المهاجرة إلى الله المهاجرة إلى الموضع الذي يرضاه الله. وعطف الرسول على اسم الجلالة للإشارة إلى خصوص الهجرة إلى المدينة للإلتحاق بالرسول وتعزيز جانبه، لأنّ الذي يهاجر إلى غير المدينة قد سلم من إرهاق الكفر ولم يحصّل على نصرة الرسول، ولذلك بادر أهل هجرة الحبشة إلى اللحاق بالرسول حين بلغهم مهاجَرهُ إلى المدينة. ومعنى {يدركه الموت}، أي في الطريق، ويجوز أن يكون المعنى: ثم يدركه الموت مهاجراً، أي لا يرجع بعد هجرته إلى بلاد الكفر وهو الأصحّ، وقد اختلف في الهجرة المرادة من هذه الآية: فقيل: الهجرة إلى المدينة، وقيل: الهجرة إلى الحبشة. واختلف في المعني بالموصول من قوله: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله}. فعند من قالوا إنّ المراد الهجرة إلى المدينة قالوا المراد بمن يخرج رجل من المسلمين كان بقي بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلمّا نزل قوله تعالى: {إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم إلى قوله: وكان الله غفوراً رحيماً} [النساء: 97 ـــ 100] كتب بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين من أهل مكة، وكان هذا الرجل مريضاً، فقال: إني لَذو مال وعبيد، فدعا أبناءَه وقال لهم: احملوني إلى المدينة. فحملوه على سرير، فلمّا بلغ التنعيم توفّي، فنزلت هذه الآية فيه، وتعمّ أمثاله، فهي عامّة في سياق الشرط لا يخصّصها سبب النزول. وكان هذا الرجل من كنانة، وقيل من خزاعة، وقيل من جُنْدَع، واختلف في اسمه على عشرة أقوال: جندب بن حمزة الجندعي، حندج بن ضمرة الليثي الخزاعي. ضمرة بن بغيض الليثي، ضمرة بن جندب الضمْري، ضمرة بن جندب الضمْري، ضمرة بن ضمرة بن نعيم. ضمرة من خزاعة (كذا). ضمرة بن العيص. العيص بن ضمرة بن زنباع، حبيب بن ضمرة، أكثم بن صيفي. والذين قالوا: إنّها الهجرة إلى الحبشة قالوا: إنّ المعنيّ بمن يخرج من بيته خالد بن حزام بن خويلد الأسدي ابن أخي خديجة أمّ المؤمنين، خرج مهاجراً إلى الحبشة فنهشته حيّة في الطريق فمات. وسياق الشرط يأبى هذا التفسير.

القطان

تفسير : مراغما: مكاناً ومأوى يصيب فيه الخير ومعيشة حسنة. وقع أجره على الله: ثبت اجره عند الله ووجب. ومن يهاجر في سبيل الله، ولنصرة دينه، يجد في الارض مأوى يصيب فيه الخير وسعة الرزق والنجاة من الاضطهاد. هذا وعدٌ من الله تعالى للمهاجرين في سبيله. اما من يموت في الطريق مهاجراً الى الله ورسوله، قبل وصوله، فقد وعده الله بالأجر العظيم، مكافأة له على ترك وطنه لاقامة دينه واتباع رسوله. وقد ذكر العلماء ان من سار لأمر فيه منفعةٌ كطلبِ علمٍ وحجٍّ وكسبٍ حلال مات قبل الوصول الى مقصده ـ فله مثل هذا الحكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {مُرَاغَماً} (100) - يُحَرِّضُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَلَى الهِجْرَةِ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي مُفَارَقَةِ المُشْرِكِينَ، وَيُعْلِمُهُمْ أنَّ المُؤْمِنينَ حَيْثُمَا ذَهَبُوا وَجَدُوا أمَاكِنَ أمْنٍ يَلْجَؤُونَ إلَيهَا، وَيَتَحَصَّنُونَ بِها مِنَ المُشْرِكِينَ، وَيَتَحَرَّرُونَ فِيها مِنَ الأعْدَاءِ، وَيُرَاغِمُونَهُمِ بِها، وَيَجِدُونَ سَعَةً فِي الرِّزْقِ. وَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ بِنِيَّةِ الهِجْرَةِ فَيَلْقَى حَتْفَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ عِنْدَ اللهِ، مِثْلَ ثَوابِ مَنْ هَاجَرَ. وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : إِنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَاتِ، وَإنَّمَا لِكُلَّ امْرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُها، أو امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إليهِ"تفسير : . المُرَاغَمُ - هُوَ مَكَانُ الهِجَرْةِ وَالمَأْوَى يُصِيبُ فِيهِ المُهَاجِرُ الخَيْرَ وَالسَّعَةَ فَيُرْغِمُ بِذَلِكَ أُنُوفَ أَعْدَائِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الذي يهاجر في سبيل الله سيجد السعة إن كان قد وضع في نفسه العملية الإيمانية. وفي البداية كان المسلمون يهاجرون إلى الحبشة؛ لأنهم لم يكونوا آمنين في مكة على دينهم. ولذلك قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط الله له كونه واستعرض قضية العدالة في الكون، فلم يقبل النبي إلا أن يذهب المهاجرون إلى الحبشة، ولا بد أن الحق قد أعلمه أن الحبشة في ذلك الزمان هي أرض بلا فتنة. وقد يقول قائل: ولماذا لم يختر النبي أن يهاجر المهاجرون الأوائل إلى قبيلة عربية في الجنوب أو في الشمال؟ لقد كانت لقريش السيادة على كل الجزيرة العربية بقبائلها، فكل القبائل تحج عند قريش ولم تكن هناك أي بيئة عربية قادرة على أن تقف أمام هوى قريش. ولذلك استعرض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد جميعاً إلى أن أمرهم بالهجرة إلى الحبشة، والعلة في الذهاب إلى الحبشة أن هناك ملكاً لا يظلم عنده أحد. وكان العدل في ذاته وساماً لذلك الملك وسماها المؤمنون دار أمن، وإن لم تكن دار إيمان. وأما الهجرة إلى المدينة فقد كانت إلى دار الإيمان. وعلينا أن نعرف نحن الذين نعيش في هذا الزمان أنه لا هجرة بعد الفتح، إلا إن كانت هجرة يقصد بها صاحبها المعونة على طاعة الله. وهو ما يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ". تفسير : وهناك هجرة باقية لنا وهي الحج، أو الهجرة إلى طلب العلم، أو الهجرة لأن هناك مجالاً للطاعة أكثر، فلنفترض أن هناك مكاناً يضيق الحكام فيه على الذهاب إلى المسجد، فيترك أهل الإيمان هذا المكان إلى مكان فيه مجال يأخذ فيه الإنسان حرية أداء الفروض الدينية، كل هذه هجرات إلى الله. والنية في هذه الهجرات لا يمكن أن تكون محصورة فقط في طلب سعة العيش. ولذلك لا يصح أن يكون الشغل الشاغل للناس ما يشغلهم في هذا الزمان هو سعة العيش. وها هو ذا الإمام على - كرم الله وجهه - يقول: عجبت للقوم يَسْعَوْنَ فيما ضُمِن - بالبناء للمفعول - لهم ويتركون ما طلب منهم. فكل سعى الناس إنما هو للرزق والعيش وهو أمر مضمون لهم من خالقهم جل وعلا: {أية : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 100]. ولن يجد المهاجر إلا السعة من الله، والشاعر يقول: شعر : لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق تفسير : وقد يقول الإنسان: إنني أطلب سعة الرزق بالهجرة، ونقول: أنت تبحث عن وظيفة لها شكل العمل وباطنها هو الكسل لأنك في مجال حياتك تجد أعمالاً كثيرة. ونجد بعضاً ممن يطلبون سعة الرزق يريد الواحد منهم أن يجلس على مكتب ويقبض مرتباً، بينما يبحث المجتمع عن العامل الفني بصعوبة، كأن الذين يبحثون عن سعة الرزق يريدون هذه السعة مع الكسل، لا مع بذل الجهد. { وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً} وساعة تقرأ كلمة "مراغم" تعرف أنها تفتح المجال أمام المستضعفين الذين يستذلهم الجبارون. ومادة "مراغم" هي "الراء والغين والميم" والأصل فيها "الرّغام" أي "التراب". ويقال: سوف أفعل كذا وأنف فلان راغم، أي أنف فلان يذهب إلى التراب وسأفعل ما أنا مصمم عليه. وما دام هناك إنسان سيفعل شيئاً برغم أنف إنسان آخر، فمعناه أن الثاني كان يريد أن يستذله وأراد أن يرغمه على شيء، لكنه رفض وفعل ما يريد. وعندما يرى الإنسان جباراً يشمخ بأنفه ويتكبر، فهو يحاول أن يعانده ويصنع غير ما يريد ويجعل مكانه هذا الأنف في التراب، ويقال في المثل الشعبي: أريد أن أكسر أنف فلان. وعندما يهاجر من كان مستعضفا ويعاني من الذلة في بلده، سيجد أرضاً يعثر فيها على ما يرغم أنف عدوه. فيقول العدو: برغم أنن ضيقت عليه راح إلى أحسن مما كنت أتوقع. ويرغم الإنسان بهجرته أنف الجبارين. وكلمة "مراغم" هي اسم مفعول، وتعني مكاناً إذا ما وصلت إليه ترغم أنف خصمك الذي كان يستضعفك، فهل هناك أفضل من هذا؟. {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً} أي أنه سبحانه يعطي المهاجر أشياء تجعل من كان يستضعفه ويستذلّه يشعر بالخزي إلى درجة أن تكون أنفه في الرَّغام. والمستضعف في أرضٍ ما يجد من يضيق عليه حركته، لكنه عندما يهاجر في سبيل الله سيجد سعة ورزقاً. ويتابع الحق الآية: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} ولا أحد يعرف ميعاد الموت. فإن هاجر إنسان في سبيل الله فقد لا يصل إلى المراغم؛ لأن الموت قد يأتيه، وهنا يقع أجره على الله. فإذا كان سبحانه قد وعد المهاجر في سبيله بالمكان الذي يرغم أنف خصمه وذلك سبب، ومن مات قبل أن يصل إلى ذلك السبب فهو قد ذهب إلى رب السبب، ومن المؤكد أن الذهاب إلى رب السبب أكثر عطاءً. وهكذا نجد أن المهاجر رابح حياً أو ميتاً. {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} وكلمة {وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} أي سقط أجره على الله. كأن الحق سبحانه وتعالى يقول للعبد: أنت عندما تهاجر إلى أرض الله الواسعة، إن أدركك الموت قبل أن تصل إلى السعة والمراغم، فأنت تذهب إلى رحابي. والمراغم سبب من أسبابي وأنا المسبب. وحتى نفهم معنى: {وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} علينا أن نقرأ قوله الحق: {أية : وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم} تفسير : [النمل: 82] والوقوع هنا هو سقوط، ولكنه ليس كالسقوط الذي نعرفه، بل هو الذهاب إلى الله. ولماذا يستخدم الحق هنا "وقع" بمعنى "سقط"؟ هو سبحانه يلفتنا إلى ملحظ هام: حيث يكون الجزاء أحرص على العبد من حرص العبد عليه، فإذا ما أدرك العبد الموت فالجزاء يسعى إليه وهو عند الله، ويعرف الجزاء مَن يذهب إليه معرفة كاملة. وهكذا يجب أن نفهم قوله الحق: {أية : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 100] والله غفور رحيم حتى لمن توانى قليلاً، وذلك حتى يلحق بالركب الإيماني ويتدارك ما فاته؛ لأن الله يغفر ما فات إن حاول العبد تداركه. والهجرة تقتضي ضرباً في الأرض، وتقتضي الجهاد. وبعد أن جعل الله الإسلام أركاناً، جاء فحمل المسلم ما يمكن أن يؤديه من هذه الأركان، فأركان الإسلام هي: الشهادة؛ والصلاة؛ والصوم؛ والزكاة؛ والحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً، والمسلم ينطق بالشهادة ويؤدي الصلاة، ولكنه قد لا يملك مالاً؛ لذلك يعفيه الحق من الزكاة. وقد يكون صاحب مرض دائم فلا يستطيع الصوم، فيعفيه الله من الصوم. وقد لا تكون عنده القدرة على الحج فيعفيه الحق من الحج. أما شهادة "لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" فقد لا يقولها المسلم في العمر إلا مرة واحدة. ولم يبق إلا ركن الصلاة وهو لا يسقط عن الإنسان أبداً ما دامت فيه الصلاحية لأدائها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : رأس الأمر كله الإسلام وعموده الصلاة ). تفسير : ولأن الصلاة هي الركن الذي لا يسقط أبداً فقد جمع الله فيها كل الأركان، فعند إقامة الصلاة يشهد المسلم ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وخلال الصلاة يصوم الإنسان عن الطعام والشراب، وإضافة إلى ذلك يصوم ويمتنع عن الكلام أيضا، وهكذا نجد الصلاة أوسع في الإمساك عن ركن الصيام. فالإنسان وهو يقيم الصلاة يحبس نفسه عن أشياء كثيرة قد يفعلها وهو صائم، فالصوم - مثلاً - لا يمنع الإنسان من الحركة إلى أي مكان لكن الصلاة تمنع الإنسان إلا من الوقوف بين يدي الله. إذن فالصلاة تأخذ إمساكاً من نوع أوسع من إمساك المؤمن في الصيام. والزكاة هي إخراج جزء من المال، والمال يأتي به الإنسان من الحركة والعمل. والحركة والعمل تأخذ من الوقت. وحين يصلي المسلم فهو يزكي بالأصل، إنه يزكي ببذل الوقت الذي هو وعاء الحركة، إذن ففي الصلاة زكاة واسعة. والحج إلى البيت الحرام موجود في الصلاة؛ لأن المسلم يتحرى الاتجاه إلى البيت الحرام كقبلة في كل صلاة، وهكذا. ولذلك اختلفت الصلاة عن بقية الأركان. فلم تشرع بواسطة الوحي، وإنما شرعت بالمباشرة بين رب محمد ومحمد صلى الله عليه وسلم. ولأن هذه هي منزلة الصلاة نجد الحق يحذرنا من أن يشغلنا الضرب في الأرض عنها، بل شرع سبحانه صلاة مخصوصة اسمها "صلاة الحرب وصلاة الخوف" حتى لا يقولن أحد إن الحرب تمنعنا من الصلاة، ففي الحرب يكون من الأولى بالمسلم أن يلتحم بمنهج ربه. كذلك في السفر يشرع الحق قصر الصلوات: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً} معناهُ مَذْهَبٌ وَمُتحولٌ. تفسير : وقوله تعالى: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} معناهُ ثَوابُهُ.

الأندلسي

تفسير : قوله: {مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} قيل: نزلت في اكتم بن صيفي ولما رغب تعالى في الهجرة ذكر ما يترتب عليها من وجود السعة والمذاهب الكثيرة ليذهب عنه ما يتوهم وجوده في الغربة ومفارقة الوطن من الشدة، وهذا يقرر ما قالته الملائكة: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} تفسير : [النساء: 97] معنى مراغماً: متحولاً ومذهباً، قاله ابن عباس. وقرأ الجراح ونُيَح والحسن بن عمران مرغماً على وزن مفعل كمذهب. وقال ابن جنى: هو على حذف الزوايد من راغم والسعة هنا في الرزق، قاله ابن عباس. {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} الآية، روى مجاهد عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فقال المشركون: لقد أصبنا غرّة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت آية القصر فيما بين الظهر والعصر، والضرب في الأرض السفر. والظاهر جواز القصر في مطلق السفر وبه قال أهل الظاهر. واختلف فقهاء الأمصار في حد المسافة بما هو مذكور في كتبهم. وقرىء تقصروا من قصر وتقصروا من أقصر وتقصروا من قصر، وقوله: من الصلاة، مجمل إذ يحتمل القصر من عدد الركعات والقصر من هيئات الصلاة ويرجع في ذلك إلى ما صح في الحديث. وقوله: إن خفتم ظاهره اشتراط الخوف في القصر من الصلاة وإلى ذلك ذهب جماعة. والحديث الصحيح يدل على أن هذا الشرط لا مفهوم له فلا فرق بين الأمن والخوف. {أَن يَفْتِنَكُمُ} لغة الحجاز فتن ولغة تميم وربيعة وقيس أفتن. {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} الآية استدل بظاهر الخطاب للرسول عليه السلام من لا يرى صلاة الخوف بعده صلى الله عليه وسلم حيث شرط كونه فيهم وكونه هو المقيم لهم الصلاة وهو مذهب ابن عليّة وأبي يوسف. والظاهر أن صلاة الخوف لا تكون إلا في السفر ولا تكون في الحضر وان كان خوف وذهب إليه قوم. وذهب الجمهور إلى أن الحضر إذا كان خوف كالسفر. ومعنى فأقمت لهم الصلاة، قال الطبري: أقمت حدودها وحياتها والذي يظهر أن المعنى فأقمت بهم وعبر عن ذلك بالإِقامة إذ هي فرض على المصلي في قول. ومعنى فلتقم هو من القيام وهو الوقوف، وقيل: فلتهتم بأمر صلاتها حتى تقع على وفق صلاتك من قام بالأمر اهتم به وجعله شغله والظاهر أن الضمير في وليأخذوا أسلحتهم عائد على طائفة لقربها من الضمير ولكونها لها في ما بعد في قوله: فإِذا سجدوا، معناه صلوا، وفيه دليل على أن السجود قد يعبر به عن الصلاة ومنه إذا جاء أحدكم المسجد فليسجد سجدتين أي فليصل ركعتين. {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} ظاهره أن الضمير في فليكونوا عائد على الساجدين والمعنى أنهم إذا فرغوا من السجود انتقلوا إلى الحراسة والسلاح هو ما يتحصن به الإِنسان من سيف ورمح وخنجر ودبوس ونحو ذلك، وهو مفرد مذكر جمعه على أسلحة كحمار وأحمرة، وقد يؤنث. قال الطرماح: شعر : يهز سلاماً لم يرثها كلالة يشك بها منها غموض المغابن تفسير : وقال الزمخشري: فليكونوا، يعني غير المصلين من ورائكم يحرسونكم وجوز الوجهين ابن عطية. {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ} غير المصلين. {وَلْيَأْخُذُواْ} ظاهره وجوب أخذ الأسلحة لاطمئنان المصلي ودلت هذه الكيفية التي ذكرها تعالى في هذه الآية على أن كل طائفة صلت مع الرسول بعض صلاة ولا دلالة فيها على مقدار ما صلت معه ولا كيفية إتمامهم وإنما جاء ذلك في السنة وذكر في صلاة الخوف عشر كيفيات بيناها في البحر. {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ} تقدم الكلام في نحوها في قوله: {أية : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ} تفسير : [البقرة: 96] وإنما قال ميلة واحدة أي شدة واحدة لأنها أبلغ في الاستئصال من الشدات. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} الآية، لما كانت هاتان الحالتان وهما الأذى من المطر والمرض مما يشق حمل السلاح فيهما رخص في ذلك مع الأمر بأخذ الحذر والتحفظ من العدو لئلا تغفلوا فيهجم عليهم العدو. ورخص في ذلك للمريض لأن حمله السلاح مما يكربه ويزيد في مرضه ورخص في ذلك إن كان قطر لأن المطر مما يثقل العدو ويمنعه من خفة الحركة للقتال.

الجيلاني

تفسير : {وَمَن يُهَاجِرْ} عن بقعة الإمكان التي هي أرض الطبيعة سالكاً {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الذي هو الصراط المستقيم الموصل إلى الفناء فيهن، متوجهاً إلى الفوز ببقائه الأزلي السرمدي {يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ} أرض الطبيعة {مُرَٰغَماً كَثِيراً} أي: بوادي وأودية من اللذات الوهمية، كثر وقوفه فيها إلى أن ينجو {وَ} يجد أيضاً {سَعَةً} مخرجاً من تلك المضائق حسب إخلاصه في سلوكه إلى أن يفوز بمطلوبه {وَ} بالجملة: أن {مَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ} أي: هويته الباطلة في نفسها حال كونه {مُهَاجِراً إِلَى} توحيد {ٱللَّهِ وَ} متابعة {رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} الإرادي فمات عن لوازم البشرية مطلقاً {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} كما قال سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : من أحبني أحببته، ومن أحببته قتلته، ومن قتلته فعلي ديته، ومن علي ديته فأنا ديته ". تفسير : من هذا تفطن العارف أن ليس وراء الله مرمى، وإياك أن تتقيد بهويتك ولوازمها، ومتى تخلصت عنها وعن لوازمها وصلت، بل اتصلت {وَكَانَ ٱللَّهُ} المرشد لعباده إلى توحيده {غَفُوراً} لذنوب أنانيتهم وهيتهم {رَّحِيماً} [النساء: 100] لهم يوصلهم إلى ما يتوجهون نحو. ثم قال سبحانه: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ} سافرتم {فِي ٱلأَرْضِ} لا لمعصية، بل لمصلحة دينية من تجارة وغزو وحج وصلة وطلب علم، وغير ذلك {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} ضيق وزر {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ} الرباعية ركعتين {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالاحتيال والاغتيال {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ} دائماً {لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} [النساء: 101] ظاهر العداوة مترصدين للفرصة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المهاجرين وهم السابقون بقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء: 100]، والإشارة فيها: إن من غاية ضعف الإنسان، وجبانة الجيوانية، واستهواء الشيطانية يكون خوف البشرية غالباً على الطالب الصادق في بدء طلبه، فكلما أراد أن يسافر عن الأوطان ويهاجر عن الإخوان طالباً فوائد إشارة أن يسافروا تصحوا، وتغتنموا الإزالة مرض القلب ونيل صحة الدين والفوز بسنح كامل مكتمل، وطيب حاذق مشفق ليعالج مرض قلبه ويبلغه كعبة طلبه، فسولت له النفس إعواز الرزق وعدم الصبر، ويعده الشيطان بالفقر فقال تعالى: على قضيته {أية : وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} تفسير : [البقرة: 268]، {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 100]؛ أي: في طلب الله، {يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً} [النساء: 100]؛ أي: بلاءً أطيب من بلاءه، وإخواناً في الدين أحسن من إخوانه، وسعة في الرزق، وفيه إشارة أخرى؛ وهي ومن يهاجر عن البشرية في طلب حضرة الربوبية يجد في الأرض الإنسانسة، {مُرَٰغَماً كَثِيراً} [النساء: 100] أي: متحولاً ومنازل مثل القلب والروح والسر، {وَسَعَةً} [النساء: 100] أي: وسعة في تلك العوالم الوسيعة وسعة من رحمة الله. كما أخبر تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم عن تلك العوالم الوسيعة بقوله: "حديث : لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : ، فافهم يا كثير الفكر قصير النظر قليل العبر. ثم قال تعالى دفعاً للهوى حبس النفسانية ووساوس الشيطانية في التخويف بالموت والإبعاد بالفوت {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ} [النساء: 100] أي: ببيت بشريته بترك الدنيا وقمع الهوى وقهر النفس بهجران صفاتها وتبديل أخلاقها {مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ} [النساء: 100] وطالباً له في متابعته، {وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ} [النساء: 100] قبل وصوله، {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} [النساء: 100]؛ يعني: فقد أوجب الله تعالى على ذمة كرمه بفضله ورحمته أن يبلغه إلى أقصى مقاصده وأعلى مراتبه في الوصول ينال على صدق نية وخلوص طوية إذا كان المانع من أجله، ونية المؤمن أبلغ من عمله، {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} [النساء: 100]؛ لذنب بقية أنانية وجوده، {رَّحِيماً} [النساء: 100]، عليه بتجلي صفة جوده ليبلغ العبد إلى كمال مقصوده بمنِّه وكرمه وسعة وجوده. ثم أخبر عن خوف الأعداء على طريق الأولياء بقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} [النساء: 101]، إلى قوله: {أية : عَذَاباً مُّهِيناً}تفسير : [النساء: 102]. والإشارة فيها: إن الله تعالى خلق الخلق للعبودية والمعرفة، وقد جعلها مخبأة، فأما العبودية ففي صورة الصلاة، وأما المعرفة ففي التكبيرات والتسبيحات وسائر أركان الصلاة وشرائطها مودعة، وليس هذا موضع شرحها وسنبينها في موضعها إن شاء الله تعالى، فلهذا المعنى فرض الصلاة في الخوف وشدة القتال والحضر والسفر والصحة والمرض، فإن الصلاة صورة جذبة الحق ومعراج العبد؛ ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام مترقياً مقامات العبودية والمعرفة، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103]؛ يعني: واجباً في جميع الأوقات حين فرضت بقوله تعالى: {أية : فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} تفسير : [النساء: 103]؛ أي: أديموها رخص فيها بخمس صلوات في خمسة أوقات بضرورة ضعف الإنسانية، كما كانت الصلاة خمسين صلاة حين فرضت ليلة المعراج فجعلها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وهذا لعوام الخلق، وأثبت دوام الصلاة للخواص بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ}تفسير : [المعارج: 23].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا. وذلك أن كثيرًا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتًا بعد الألفة، وفقرًا بعد الغنى، وذلا بعد العز، وشدة بعد الرخاء. والأمر ليس كذلك، فإن المؤمن ما دام بين أظهر المشركين فدينه في غاية النقص، لا في العبادات القاصرة عليه كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدية كالجهاد بالقول والفعل، وتوابع ذلك، لعدم تمكنه من ذلك، وهو بصدد أن يفتن عن دينه، خصوصا إن كان مستضعفًا. فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله ومراغمتهم، فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله من قول وفعل، وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما أخبر الله تعالى. واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم لله، كمل بذلك إيمانهم وحصل لهم من الإيمان التام والجهاد العظيم والنصر لدين الله، ما كانوا به أئمة لمن بعدهم، وكذلك حصل لهم مما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم، ما كانوا به أغنى الناس، وهكذا كل من فعل فعلهم، حصل له ما حصل لهم إلى يوم القيامة. ثم قال: { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: قاصدا ربه ورضاه، ومحبة لرسوله ونصرًا لدين الله، لا لغير ذلك من المقاصد { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ } بقتل أو غيره، { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } أي: فقد حصل له أجر المهاجر الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى، وذلك لأنه نوى وجزم، وحصل منه ابتداء وشروع في العمل، فمن رحمة الله به وبأمثاله أن أعطاهم أجرهم كاملا ولو لم يكملوا العمل، وغفر لهم ما حصل منهم من التقصير في الهجرة وغيرها. ولهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } يغفر للمؤمنين ما اقترفوه من الخطيئات، خصوصا التائبين المنيبين إلى ربهم. { رَحِيمًا } بجميع الخلق رحمة أوجدتهم وعافتهم ورزقتهم من المال والبنين والقوة، وغير ذلك. رحيمًا بالمؤمنين حيث وفقهم للإيمان، وعلمهم من العلم ما يحصل به الإيقان، ويسر لهم أسباب السعادة والفلاح وما به يدركون غاية الأرباح، وسيرون من رحمته وكرمه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله أن لا يحرمنا خيره بشر ما عندنا.