Verse. 594 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَاِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَنْ تَقْصُرُوْا مِنَ الصَّلٰوۃِ۝۰ۤۖ اِنْ خِفْتُمْ اَنْ يَّفْتِنَكُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا۝۰ۭ اِنَّ الْكٰفِرِيْنَ كَانُوْا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِيْنًا۝۱۰۱
Waitha darabtum fee alardi falaysa AAalaykum junahun an taqsuroo mina alssalati in khiftum an yaftinakumu allatheena kafaroo inna alkafireena kanoo lakum AAaduwwan mubeenan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا ضربتم» سافرتم «في الأرض فليس عليكم جُناح» في «أن تَقصروا من الصلاة» بأن تردُّوها من أربع إلى اثنتين «إن خفتم أن يفتنكم» أي ينالكم بمكروه «الذين كفروا» بيان للواقع إذ ذاك فلا مفهوم له وبينت السنة أن المراد بالسفر الطويل وهو أربع برد وهي مرحلتان ويؤخذ من قوله تعالى: (فليس عيكم جُناح) أنه رخصة لا واجب وعليه الشافعي «إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا» بيّني العداوة.

101

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن أحد الأمور التي يحتاج المجاهد إليها معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف، والاشتغال بمحاربة العدو؛ فلهذا المعنى ذكره الله تعالى في هذه الآية، وهٰهنا مسائل: المسألة الأولى: قال يالواحدي: يقال قصر فلان صلاته وأقصرها وقصرها، كل ذلك جائز وقرأ ابن عباس: تقصروا من أقصر، وقرأ الزهري: من قصر، وهذا دليل على اللغات الثلاث. المسألة الثانية: اعلم أن لفظ القصر مشعر بالتخفيف، لأنه ليس صريحاً في أن المراد هو القصر في كمية الركعات وعددها أو في كيفية أدائها، فلا جرم حصل في الآية قولان: الأول: أن المراد منه صلاة المسافر، وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات، فإنها تصير في السفر ركعتين، فعلى هذا القصر إنما يدخل في صلاة الظهر والعصر والعشاء، أما المغرب والصبح، فلا يدخل فيهما القصر. الثاني: أنه ليس المراد بهذه الآية صلاة السفر، بل صلاة الخوف، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبدالله وجماعة، قال ابن عباس: فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيّكم محمد صلى الله عليه وسلم، فهذان القولان متفرعان على ما إذا قلنا: المراد من القصر تقليل الركعات. القول الثاني: أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية أداء الركعات، وهو أن يكتفي في الصلاة بالإيماء والإشارة بدل الركوع والسجود، وأن يجوز المشي في الصلاة، وأن تجوز الصلاة عند تلطخ الثوب بالدم، وذلك هو الصلاة التي يؤتى بها حال شدة التحام القتال، وهذا القول يروى عن ابن عباس وطاوس. واحتج هؤلاء على صحة هذا القول بأن خوف الفتنة من العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على إتمام أوصافهما، وإنما ذلك فيما يشتد فيه الخوف في حال التحام القتال، وهذا ضعيف، لأنه يمكن أن يقال: إن صلاة المسافر إذا كانت قليلة الركعات، فيمكنه أن يأتي بها على وجه لا يعلم خصمه بكونه مصلياً، أما إذا كثرت الركعات طالت المدة ولا يمكنه أن يأتي بها على حين غفلة من العدو. واعلم أن وجه الاحتمال ما ذكرنا، وهو أن القصر مشعر بالتخفيف، والتخفيف كما يحصل بحذف بعض الركعات فكذلك يحصل بأن يجعل الإيماء والإشارة قائماً مقام الركوع والسجود. واعلم أن حمل لفظ القصر على إسقاط بعض الركعات أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كيف نقصر وقد أمنا، وقد قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ } فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» تفسير : وهذا يدل على القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، وأن ذلك كان مفهوماً عندهم من معنى الآية. الثاني: أن القصر عبارة عن أن يؤتي ببعض الشيء، ويقتصر عليه، فأما أن يؤتى بشيء آخر، فذلك لا يسمى قصراً، ولا اقتصاراً، ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود، وتجويز المشي في الصلاة وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم، ليس شيء من ذلك قصراً، بل كلها إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء آخر، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى. الثالث: أن {مِنْ } في قوله {مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } للتبعيض، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإشارة. الرابع: أن لفظ القصر كان مخصوصاً في عرفهم بنقص عدد الركعات، ولهذا المعنى لما صلّى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، قال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ الخامس: أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى الركعات، لئلا يلزم التكرار، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: القصر رخصة، فإن شاء المكلف أتم، وإن شاء اكتفى على القصر، وقال أبو حنيفة: القصر واجب، فإن صلّى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته، واحتج الشافعي رحمه الله على قوله بوجوه: الأول: أن ظاهر قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } مشعر بعدم الوجوب، فإنه لا يقال {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } في أداء الصلاة الواجبة، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير مستعمل فيه، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات، بل تخفيف الأعمال. وأعلم أنا بيّـنا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره، فسقط هذا العذر. وذكر صاحب «الكشاف» وجهاً آخر فيه، فقال: إنهم لما ألفوا الاتمام، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، فيقال له: هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم: رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال: أوجبت عليكم هذا القصر، وحرمت عليكم الاتمام، وجلعته مفسداً لصلاتكم، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلاً، فلا يكون هذا الكلام لائقاً به. الحجة الثانية: ما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله: بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت، فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي، وكان عثمان يتم ويقصر، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه. الحجة الثالثة: أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز، لا على سبيل التعيين جزماً فكذا ههنا، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيه «حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»تفسير : فظاهر الأمر للوجوب، وعن أبي عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين. والجواب: أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعاً جائزاً، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره؟ ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى، والله أعلم. المسألة الرابعة: قال بعضهم: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وأعلم أن لفظ الآية يبطل هذا، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصراً في صلاة السفر، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر، والله أعلم. المسألة الخامسة: زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة. احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا: إن قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } جملة مركبة من شرط، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض، والجزاء هو جواز القصر، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلاً أو قصيراً، أقصى ما في الباب أن يقال: فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة، ومن دار إلى دار، إلا أنّا نقول: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض، فقد زال الاشكال، وإن سمي بذلك فنقول: أجمع المسلمون على أنه غير معتبر، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع، والعام بعد التخصيص حجة، فوجب أن يبقى النص معتبراً في السفر، سواء كان قليلاً أو كثيراً. والثاني: أن قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ } يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطاً لحصول هذه الرخصة، فلو كان الضرب في الأرض اسماً لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلاً دائماً، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد، ومن المسجد إلى السوق، وإذا كان حاصلاً دائماً امتنع جعله شرطاً لثبوت هذا الحكم، فلما جعل الله الضرب في الأرض شرطاً لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال وذلك هو الذي يسمى سفراً ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر، أما الفقهاء فقالوا: أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر، قالوا: والذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات: فالرواية الأولي: ما روي عن عمر أنه قال: يقصر في يوم تام، وبه قال الزهري والأوزاعي. الثانية: قال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر. والثالثة: قال أنس بن مالك: المعتبر خمس فراسخ. الرابعة: قال الحسن: مسيرة ليلتين. الخامسة: قال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المداين، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم الثالث جاز القصر، وهكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد. السادسة: قال مالك والشافعي: أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل إثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة قال الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر، قال أهل الظاهر: اضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً في تقدير المدة، إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب، وأما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر، فكان هذا الحكم ثابتاً في مطلق السفر بحكم هذه الآية، وإذا كان الحكم مذكوراً في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الاجتهاد والاستنباط، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة. وأعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على قوله عليه الصلاة والسلام [حديث : يمسح المسافر ثلاثة أيام]تفسير : ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافراً، وإذا لم يكن مسافراً لم يحصل الرخص المشروعة في السفر، وأما أصحاب الشافعي رضي الله عنه فإنهم عولوا على ما روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [حديث : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان]تفسير : ، قال أهل الظاهر: الكلام عليه من وجوه: الأول: أنه بناء على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو عندنا غير جائز لوجهين: الأول: إن القرآن وخبر الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم، والقرآن مقطوع المتن، والخبر مظنون المتن، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر، فترجيح الضعيف على القوي لا يجوز. والثاني: أنه روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إذا روي حديث عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه»، تفسير : دلّ هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة كتاب الله تعالى فهو مردود، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتاب وجب أن يكون مردوداً. الوجه الثاني: في دفع هذه الأخبار، وهو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة، إنما قلنا: إن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي الغزو، فلما كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر، كانت الحاجة إلى مقدار السفر المفيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين، ولو كان الأمر كذلك لعرفوها ولنقلوها نقلاً متواتراً، لا سيما وهو على خلاف ظاهر القرآن، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن هذه أخبار ضعيفة مردودة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز ترك ظاهر القرآن بسببها. الثالث: أن دلائل الشافعية ودلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة، وإذا تعارضت تساقطت، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن، هذا تمام الكلام في هذا الموضع. والذي عندي في هذا الباب أن يقال: إن كلمة (إذا) وكلمة (إن) لا يفيدان إلا كون الشرط مستعقباً لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لازم، بدليل أنه إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة وقع الطلاق، وإذا دخلت الدار ثانياً لا يقع وهذا يدل على أن كلمة (إذا) وكلمة (إن) لا يفيدان العموم البتة، وإذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر بالآية، فإن الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه الرخص وعندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلاً، فأما السفر القصير فإنما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة (إذا) للعموم، ولما ثبت أنه ليس الأمر كذلك فقط سقط هذا الاستدلال، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة صحيحة، والله أعلم. المسألة السادسة: زعم داود وأهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف. واحتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطاً بالخوف، وهو قوله {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } والمشروط بالشيء عدم عند عدم ذلك الشرط، فوجب أن لا يحصل جواز القصر عند الأمن. قالوا: ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد، لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز، ولقد صعب هذا الكلام على قوله ذكروا فيه وجوهاً متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام. وعندي أنه ليس في هذا غموض، وذلك لأنا بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } تفسير : [النساء: 31] أن كلمة (إن) وكلمة (إذا) يفيدان أن عند حصول الشرط يحصل المشروط، ولا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم المشروط، واستدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ } يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة، ويقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة، وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن بالنفي وبالإثبات، وإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتاً لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد، وذلك غير ممتنع، إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دلّ عليه القرآن، ونحن لا نقول به. فإن قيل: فعلى هذا لما كان هذا الحكم ثابتاً حال الأمن وحال الخوف، فما الفائدة في تقييده بحال الخوف؟ قلنا: إن الآية نزلت في غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو، فذكر الله هذا الشرط من حيث أنه هو الأغلب في الوقوع، ومن الناس من أجاب عنه بأن القصر المذكور في الآية المراد منه الاكتفاء بالإيماء والإشارة بدلاً عن الركوع والسجود، وذلك هو الصلاة حال شدة الخوف، ولا شك أن هذه الصلاة مخصوصة بحال الخوف، فإن وقت الأمن لا يجوز الإتيان بهذه الصلاة، ولا تكون محرمة ولا صحيحة، والله أعلم. ثم يقال لأهل الظاهر: إن ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا يجوز القصر إلا عند حصول الخوف الحاصل من فتنة الكفار، وأما لو حصل الخوف بسبب آخر وجب أن لا يجوز القصر، فإن التزموا ذلك سلموا من الطعن، إلا أنه بعيد، وإن لم يلتزموه توجه النقص عليهم، لأنه تعالى قال: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وذلك يقتضي أن الشرط هو هذا الخوف المخصوص، ولهم أن يقولوا: إما أن يقال: حصل إجماع الصحابة والأمة على أن مطلق الخوف كاف، أو لم يحصل الإجماع، فإن حصل الإجماع فنقول: خالفنا ظاهر القرآن بدلالة الإجماع، وهو دليل قاطع فلم تجز مخالفته بدليل ظني، وإن لم يحصل الإجماع فقد زال السؤال، لأنا نلتزم أنه لا يجوز القصر إلا مع هذا الخوف المخصوص، والله أعلم. أما قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ففي تفسير هذه الفتنة قولان: الأول: خفتم أن يفتنوكم عن إتمام الركوع والسجود في جميعها. الثاني: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بعداوتهم، والحاصل أن كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } والمعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة، وإنما قال {عَدُوّا } ولم يقل أعداء، لأن العدو يستوي فيه الواحد والجمع، قال تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 77].

القرطبي

تفسير : فيه عشر مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {ضَرَبْتُمْ} سافرتم، وقد تقدّم. واختلف العلماء في حكم القصر في السفر؛ فروي عن جماعة أنه فرض. وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين والقاضي إسماعيل وحماد بن أبي سليمان؛ واحتجوا بحديث عائشة رضي الله عنها: «فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين» الحديث، ولا حجة فيه لمخالفتها له؛ فإنها كانت تُتمّ في السفر وذلك يُوهِنُه. وإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم؛ وقد قال غيرها من الصحابة كعمر وابن عباس وجُبير بن مُطعِم: «إن الصلاة فُرِضت في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة» رواه مسلم عن ابن عباس. ثم إن حديث عائشة قد رواه ابن عِجْلان عن صالح بن كَيْسان عن عُروة عن عائشة قالت: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين. وقال فيه الأُوزاعيّ عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: فرض الله الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين؛ الحديث، وهذا اضطراب. ثم إن قولها: «فرضت الصلاة» ليس على ظاهره؛ فقد خرج عنه صلاة المغرب والصبح؛ فإن المغرب ما زِيد فيها ولا نقص منها، وكذلك الصبح، وهذا كله يضعّف متنه لا سنده. وحكى ابن الجَهْم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض، ومشهور مذهبه وجُل أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنَّة، وهو قول الشافعيّ، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ومذهب عامّة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير؛ وهو قول أصحاب الشافعيّ. ثم اختلفوا في أيهما أفضل؛ فقال بعضهم: القصر أفضل؛ وهو قول الأبْهَرِيّ وغيره. وقيل: إن الإتمام أفضل؛ وحكي عن الشافعيّ. وحكى أبو سعيد الفَرْوِيّ المالكيّ أن الصحيح في مذهب مالك التخيير للمسافر في الإتمام والقصر. قلت ـ وهو الذي يظهر من قوله سبحانه وتعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} إلا أن مالكاً رحمه الله يستحبّ له القصر، وكذلك يرى عليه الإعادة في الوقت إن أتم. وحكى أبو مُصْعَب في «مختصره» عن مالك وأهل المدينة قال: القصر في السفر للرجال والنساء سنة. قال أبو عمر: وحسبك بهذا في مذهب مالك، مع أنه لم يختلف قوله: أنّ من أتمّ في السفر يعيد ما دام في الوقت؛ وذلك استحباب عند مَن فَهِم، لا إيجاب. وقال الشافعيّ: القصر في غير الخوف بالسُّنّة، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنَّة؛ ومن صلَّى أربعاً فلا شيء عليه، ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة. وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل للرجل أن يصلي في السفر أربعاً؟ قال: لا، ما يعجبني، السنة ركعتان. وفي موطأ مالك عن ٱبن شِهاب عن رجل من آل خالد بن أسِيد، أنه سأل عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر؟ فقال عبد الله بن عمر: يا ابن أخي إن الله تبارك وتعالى بعث إلينا محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل» ففي هذا الخبر قصرُ الصلاة في السفر من غير خوف سُنّةٌ لا فريضة؛ لأنها لا ذِكر لها في القرآن، وإنما القصر المذكور في القرآن إذا كان سفراً وخوفاً واجتمعا؛ فلم يُبح القصرَ في كتابه إلا مع هذين الشرطين. ومثله في القرآن: { أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ } تفسير : [النساء: 25] الآية، وقد تقدّم. ثم قال تعالى: {أية : فَإذَا ٱطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}تفسير : [النساء:103] أي فأتمّوها؛ وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أربع إلى ٱثنتين إلا المغرب في أسفاره كلها آمنا لا يخاف إلا الله تعالى؛ فكان ذلك سُنّة مسنونةً منه صلى الله عليه وسلم، زيادة في أحكام الله تعالى كسائر ما سنّه وبيّنه، مما ليس له في القرآن ذكر. وقوله: « حديث : كما رأيناه يفعل » تفسير : مع حديث عمر حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصر في السفر من غير خوف؛ فقال: « حديث : تلك صدقة تصدّق الله بها عليكم فٱقبلوا صدقته » تفسير : يدل على أن الله تعالى قد يبيح الشيء في كتابه بشرط ثم يبيح ذلك الشيءَ على لسان نبيه من غير ذلك الشرط. وسأل حنظلةُ ٱبنَ عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان. قلت: فأين قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} ونحن آمنون؟ قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا ابن عمر قد أطلق عليها سُنّة؛ وكذلك قال ابن عباس. فأين المذهب عنهما؟. قال أبو عمر: ولم يُقم مالك إسناد هذا الحديث؛ لأنه لم يُسَمّ الرجل الذي سأل ابن عمر، وأسقط من الإسناد رجلاً، والرجل الذي لم يسمه هو أُمَيّة بن عبد الله بن خالد بن أسِيد بن أبي العِيص بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف، والله أعلم. الثانية ـ وٱختلف العلماء في حدّ المسافة التي تقصر فيها الصلاة؛ فقال داود: تقصر في كل سفر طويل أو قصير، ولو كان ثلاثة أميال من حيث تؤتى الجمعة؛ متمسكاً بما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد الهُنَائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرةَ ثلاثةِ أميال أو ثلاثةِ فراسخ ـ شُعْبَةُ الشاكُّ ـ صلّى ركعتين. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما فلعلّه حدّ المسافة التي بدأ منها القصر، وكان سفراً طويلاً زائداً على ذلك، والله أعلم. قال ابن العربي: وقد تلاعب قوم بالدِّين فقالوا: إن من خرج من البلد إلى ظاهره قصر وأكل، وقائل هذا أعجميٌّ لا يعرف السفر عند العرب أو مستخفٌّ بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمُؤخّر عيني، ولا أُفكر فيه بفضول قلبي. ولم يذكر حدّ السفر الذي يقع به القصر لا في القرآن ولا في السنة، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستَقِرٌّ علمُها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن؛ فنحن نعلم قطعاً أن من برز عن الدور لبعض الأُمور أنه لا يكون مسافراً لغة ولا شرعاً، وإن مشى مسافراً ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعاً. كما أنا نحكم على أن من مشى يوماً وليلة كان مسافراً؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا يحِلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرةَ يوم إلا مع ذى مَحْرَم منها » تفسير : وهذا هو الصحيح؛ لأنه وسط بين الحالين وعليه عوّل مالك، ولكنه لم يجد هذا الحديث متّفَقاً عليه، ورُوي مرة: «يوماً وليلة» ومرة «ثلاثة أيام» فجاء إلى عبد الله بن عمر فعّول على فعله، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رِئْم، وهي أربعة بُرُد؛ لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. قال غيره: وكافة العلماء على أن القصر إنما شُرع تخفيفاً، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالباً، فراعى مالك والشافعيّ وأصحابُهما والليث والأُوزاعِيّ وفقهاء أصحاب الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما يوماً تاماً. وقول مالك يوماً وليلة راجع إلى اليوم التام، لأنه لم يُرِد بقوله: مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله، وإنما أراد أن يسير سيراً يبيت فيه بعيداً عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم. وفي البخاري: وكان ابن عمر وابن عباس يُفطران ويَقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وهذا مذهب مالك. وقال الشافعيّ والطبريّ: ستة وأربعون مِيلاً. وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضَيعته على خمسة وأربعين مِيلاً قال: يقصر، وهو أمر متقارب. وعن مالك في الكتب المنثورة: أنه يقصر في ستة وثلاثين مِيلاً، وهي تقرب من يوم وليلة. وقال يحيى بن عمر: يعيد أبداً!. ابن عبد الحكم: في الوقت!. وقال الكوفيون: لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام؛ وهو قول عثمان وابن مسعود وحذيفة. وفي صحيح البخاريّ عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحْرَم » تفسير : . قال أبو حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام. وقال الحسن والزّهْرِي: تقصر الصلاة في مسيرة يومين؛ وروي هذا القول عن مالك، ورواه أبو سعيد الخُدْرِي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي مَحْرَم » تفسير : . وقصَر ابن عمر في ثلاثين مِيلاً، وأنس في خمسة عشر ميلاً. وقال الأُوزاعيّ: عامة العلماء في القصر على اليوم التام، وبه نأخذ. قال أبو عمر: اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب كما ترى في ألفاظها؛ ومَجْمَلُها عندي ـ والله أعلم ـ أنها خرجت على أجوبة السائلين، فحدّث كل واحد بمعنى ما سمع، كأنه قيل له صلى الله عليه وسلم في وقت ما: هل تسافر المرأة مسيرةَ يوم بغير مَحْرَم؟ فقال: لا. وقيل له في وقت آخر: هل تسافر المرأة يومين بغير محرم؟ فقال: لا. وقال له آخر: هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بغير مَحْرَم؟ فقال: لا. وكذلك معنى الليلة والبريد على ما رُوي، فأدّى كل واحد ما سمع على المعنى، والله أعلم. ويجمع معاني الآثار في هذا الباب ـ وإن اختلفت ظواهرها ـ الحظرُ على المرأة أن تسافر سفراً يخاف عليها فيه الفتنة بغير مَحْرَم، قصيراً كان أو طويلاً. والله أعلم. الثالثة ـ واختلفوا في نوع السفر الذي تُقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على الجهاد والحج والعُمرة وما ضارعها من صلة رَحِم وإحياء نفس. واختلفوا فيما سوى ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة ونحوها. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد. وقال عطاء: لا تقصر إلا في سفر طاعةٍ وسبيل من سبل الخير. وروي عنه أيضاً: تقصر في كل السفر المباح مثل قول الجمهور. وقال مالك: إن خرج للصيد لا لمعاشه ولكن متنزهاً، أو خرج لمشاهدة بلدة متنزهاً ومتلذذاً لم يقصر. والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية؛ كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما. ورُوي عن أبي حنيفة والأُوزاعيّ إباحة القصر في جميع ذلك، ورُوي عن مالك. وقد تقدّم في «البقرة» وٱختُلف عن أحمد، فمرة قال بقول الجمهور، ومرة قال: لا يقصر إلا في حج أو عمرة. والصحيح ما قاله الجمهور، لأن القصر إنما شُرع تخفيفاً عن المسافر للمشقات اللاحقة فيه، ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز، وكل الأسفار في ذلك سواء؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي إثم {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} فعمّ. وقال عليه السلام: « حديث : خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا » تفسير : . وقال الشعبيّ: إن الله يحب أن يعمل برُخَصه كما يحب أن يعمل بعزائمه. وأما سفر المعصية فلا يجوز القصر فيه؛ لأن ذلك يكون عوناً له على معصية الله، والله تعالى يقول: { أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ } تفسير : [المائدة: 2]. الرابعة ـ واختلفوا متى يقصر، فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذٍ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك في المدوّنة. ولم يَحُدّ مالك في القرب حدّا. ورُوي عنه إذا كانت قرية تجمع أهلها فلا يقصر أهلها حتى يجاوزوها بثلاثة أميال، وإلى ذلك في الرجوع. وإن كانت لا تجمع أهلها قصروا إذا جاوزوا بساتينها. ورُوي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفراً فصلّى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رَباح وسليمان بن موسى. قلت: ويكون معنى الآية على هذا: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض. والله أعلم. وروي عن مجاهد أنه قال: لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل. وهذا شاذ؛ وقد ثبت من حديث أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهر بالمدينة أربعاً وصلَّى العصر بذي الحُلَيفة ركعتين. أخرجه الأئمة، وبين ذي الحُليفة والمدينة نحوٌ من ستة أميال أو سبعة. الخامسة ـ وعلى المسافر أن ينوِي القصر من حين الإحرام؛ فإن افتتح الصلاة بنية القصر ثم عزم على المُقام في أثناء صلاته جعلها نافلة، وإن كان ذلك بعد أن صلّى منها ركعة أضاف إليها أُخرى وسلّم، ثم صلّى صلاة مقيم. قال الأَبْهَرِيّ وابن الجلاب: هذا ـ والله أعلم ـ استحباب، ولو بنى على صلاته وأتمها أجزأته صلاته. قال أبو عمر: هو عندي كما قالا؛ لأنها ظُهر، سفرية كانت أو حضرية وكذلك سائر الصلوات الخمس. السادسة ـ واختلف العلماء من هذا الباب في مدّة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتمّ؛ فقال مالك والشافعيّ واللّيث بن سعد والطبريّ وأبو ثور: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتمّ؛ ورُوي عن سعيد بن المُسَيِّب. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتمّ، وإن كان أقل قصر. وهو قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاوي، ورُوي عن سعيد أيضاً. وقال أحمد: إذا جمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر، وإن زاد على ذلك أتم، وبه قال داود. والصحيح ما قاله مالك، لحديث ابن الحَضْرَميّ: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يُصدر. أخرجه الطحاوي وابن ماجه وغيرهما. ومعلوم أن الهجرة إذْ كانت مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز؛ فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهيئة أسبابه، ولم يحكم لها بحكم المقام ولا في حيّز الإقامة، وأبقى عليه فيها حكم المسافر، ومنعه من مقام الرابع، فحكم له بحكم الحاضر القاطن؛ فكان ذلك أصلاً معتمَداً عليه. ومثله ما فعله عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجعل لهم مقام ثلاثة أيام في قضاء أُمورهم. قال ابن العربيّ: وسمعت بعض أحبار المالكية يقول: إنما كانت الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة؛ لأن الله تعالى أرجأ فيها من أنزل به العذاب وتيقّن الخروج عن الدنيا؛ فقال تعالى: { أية : تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } تفسير : [هود: 65]. وفي المسألة قول غير هذه الأقوال، وهو أن المسافر يقصر أبداً حتى يرجع إلى وطنه، أو ينزل وطناً له. روي عن أنس أنه أقام سنتين بنَيْسابور يقصر الصلاة. وقال أبو مِجلز: قلت لابن عمر: إني آتي المدينةَ فأُقيم بها السبعة أشهر والثمانية طالباً حاجة؛ فقال: صلّ ركعتين. وقال أبو إسحاق السّبِيعي: أقمنا بسجِستان ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نُصلّي ركعتين. وأقام ابن عمر بأَذْربِيجان يصلّي ركعتين ركعتين؛ وكان الثلج حال بينهم وبين القُفُول: قال أبو عمر: محمل هذه الأحاديث عندنا على أن لا نية لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدّة؛ وإنما مثل ذلك أن يقول: أخرج اليوم، أخرج غداً؛ وإذا كان هكذا فلا عزيمة هٰهنا على الإقامة. السابعة ـ روى مسلم عن عُروة عن عائشة قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمها في الحضر، وأُقِرّت صلاة السفر على الفريضة الأُولى. قال الزهرِيّ: فقلت لعروة ما بال عائشة تُتمّ في السفر؟ قال: إنها تأوّلت ما تأوّل عثمان. وهذا جواب ليس بمُوعِب. وقد اختلف الناس في تأويل إتمام عثمان وعائشة رضي الله عنهما على أقوال: فقال معمر عن الزهري: إن عثمان رضي الله عنه إنما صلّى بمنًى أربعاً لأنه أجمع على الإقامة بعد الحج. وروى مُغيرة عن إبراهيم أن عثمان صلَّى أربعاً لأنه اتخذها وطناً. وقال يونس عن الزُّهْرِيّ قال: لما ٱتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها صلّى أربعاً. قال: ثم أخذ به الأئمة بعده. وقال أيوب عن الزُّهْرِيّ، إن عثمان بن عفان أتَمّ الصلاة بمنًى من أجل الأعراب؛ لأنهم كثروا عامئذ فصلّى بالناس أربعاً ليعلمهم أن الصلاة أربع. ذكر هذه الأقوال كلها أبو داود في مصنَّفه في كتاب المناسك في باب الصلاة بِمنًى. وذكر أبو عمر في (التمهيد) قال ابن جريج: وبلغني إنما أوفاها عثمان أربعاً بِمنًى من أجل أن أعرابياً ناداه في مسجد الخَيْف بمنًى فقال: يا أمير المؤمنين، ما زِلتُ أصلّيها ركعتين منذ رأيتك عامَ الأول؛ فخشي عثمان أن يظن جهال الناس أنما الصلاة ركعتان. قال ابن جُريج: وإنما أوفاها بِمنًى فقط. قال أبو عمر: وأما التأويلات في إتمام عائشة فليس منها شيء يُرْوَى عنها، وإنما هي ظنون وتأويلات لا يَصحَبُها دليل. وأضعف ما قيل في ذلك: أنها أُم المؤمنين، وأن الناس حيث كانوا هم بنوها، وكان منازلهم منازلها، وهل كانت أُم المؤمنين إلا أنها زوجُ النبيّ أبي المؤمنين صلى الله عليه وسلم، وهو الذي سنّ القصر في أسفاره وفي غزواته وحجه وعُمَره. وفي قراءة أُبَي بن كعب ومصحفه «النبي أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجهُ أُمهاتهُم وهو أبٌ لهم». وقال مجاهد في قوله تعالى: { أية : هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } تفسير : [هود: 78] قال: لم يكنَّ بناته ولكن كن نساءَ أُمّته، وكل نبيّ فهو أبو أُمّته. قلت: وقد ٱعترض على هذا بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مُشَرِّعاً، وليست هي كذلك فانفصلا. وأضعف من هذا قولُ من قال: إنها حيث أتمّت لم تكن في سفر جائز؛ وهذا باطل قطعاً، فإنها كانت أخوفَ لله وأتقى من أن تخرج في سفر لا يرضاه. وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشِّيعة المبتدِعة وتشنيعاتهم؛ سبحانك هذا بهتان عظيم! وإنما خرجت رضي الله عنها مجتهدة محتسِبة تريد أن تطفىء نار الفتنة، إذ هي أحق أن يُستحيا منها فخرجت الأُمور عن الضبط. وسيأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى. وقيل: إنها أتمّت لأنها لم تكن ترى القصر إلا في الحج والعمرة والغزوة. وهذا باطل؛ لأن ذلك لم يُنقل عنها ولا عُرف من مذهبها، ثم هي قد أتمت في سفرها إلى عليّ. وأحسن ما قيل في قصرها وإتمامها أنها أخذت برخصة الله؛ لترى الناس أن الإتمام ليس فيه حرج وإن كان غيره أفضل. وقد قال عطاء: القصر سُنّة ورُخصة، وهو الراوي عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام وأفطر وأتم الصلاة وقصر في السفر، رواه طلحة بن عمر. وعنه قال: كل ذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، صام وأفطر وقصر الصلاة وأتم. وروى النّسائيّ بإسناد صحيح: حديث : أن عائشة اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنتَ وأُمِّي ٰ قَصرتَ وأتممتُ وأفطرتَ وصمت؟ فقال: «أحسنتِ يا عائشة» وما عاب عليّتفسير : . كذا هو مقيَّد بفتح التاء الأُولى وضم الثانية في الكلمتين. وروى الدّارَقُطْنِيّ عن عائشة: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصومتفسير : ؛ قال إسناده صحيح. الثامنة ـ قوله تعالى: {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} «أن» في موضع نصب، أي في أن تَقْصروا. قال أبو عبيد: فيها ثلاث لغات: قَصَرتُ الصلاة وقصّرتها وأقصرتها. وٱختلف العلماء في تأويله، فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى ٱثنتين من أربع في الخوف وغيره؛ لحديث يَعْلَى بن أُمَيّة على ما يأتي. وقال آخرون: إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة، والركعتان في السفر إنما هي تمام، كما قال عمر رضي الله عنه: تمام غير قصر، وقصرُها أن تصير ركعة. قال السُّدِّيّ: إذا صلّيت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحلّ إلا أن تخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلّي كلُّ طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئاً، ويكون للإمام ركعتان. ورُوي نحوه عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وكعب، وفعله حذيفة بطَبرستان وقد سأله الأمير سعيد بن العاص عن ذلك. وروى ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى كذلك في غزوة ذي قَرَد ركعة لكل طائفة ولم يقضوا. وروى جابر بن عبد الله: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى كذلك بأصحابه يوم مُحارب خَصَفَة وبني ثعلبة. وروى أبو هريرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى كذلك بين ضَجَنَان وعُسْفان. قلت: وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم صلى الله عليه وسلم في الحَضَر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. وهذا يؤيد هذا القول ويَعْضُده، إلا أن القاضي أبا بكر بن العربيّ ذكر في كتابه المسمى (بالقبس): قال علماؤنا رحمة الله عليهم هذا الحديث مردود بالإجماع. قلت: وهذا لا يصح، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع فلم يصح ما ادعَوْه من الإجماع وبالله التوفيق. وحكى أبو بكر الرازيّ الحنفي في (أحكام القرآن) أن المراد بالقصر هٰهنا القصر في صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى الإيماء، وبترك القيام إلى الركوع. وقال آخرون: هذه الآية مبيحة للقصر من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال الحرب، فأبيح لمن هذه حاله أن يصلي إيماءً برأسه، ويصلّي ركعة واحدة حيث توجه، إلى تكبيرة؛ على ما تقدّم في «البقرة». ورجح الطبرِيّ هذا القول وقال: إنه يعادله قوله تعالى: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي بحدودها وهيئتها الكاملة. قلت: هذه الأقوال الثلاثة في المعنى متقاربة، وهي مبنية على أن فرض المسافر القصر، وأن الصَّلاة في حقه ما نزلت إلاَّ ركعتين، فلا قصر. ولا يُقال في العزيمة لا جناح، ولا يُقال فيما شرع ركعتين إنه قصر، كما لا يُقال في صلاة الصبح ذلك. وذكر الله تعالىٰ القصر بشرطين والذي يعتبر فيه الشرطان صلاة الخوف؛ هذا ما ذكره أبو بكر الرازيّ في (أحكام القرآن) واحتج به، ورُدّ عليه بحديث يَعْلَىٰ بن أُمية على ما يأتي آنفاً إن شاء الله تعالىٰ. التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {إِنْ خِفْتُمْ} خرج الكلام على الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار؛ ولهذا قال يَعْلَى بن أُمية قلت لعمر: مالنا نقصر وقد أَمِنّا. قال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «حديث : صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته».تفسير : قلت: وقد استدل أصحاب الشافعيّ وغيرُهم على الحنفية بحديث يَعْلَىٰ بن أُمية هذا فقالوا: إن قوله: «ما لنا نقصر وقد أمِنّا» دليل قاطع على أن مفهوم الآية القصر في الركعات. قال الكَيا الطبريّ: ولم يذكر أصحاب أبي حنيفة على هذا تأويلاً يساوي الذّكْر؛ ثم إن صلاة الخوف لا يعتبر فيها الشرطان؛ فإنه لو لم يُضرب في الأرض ولم يوجَد السفر بل جاءنا الكفار وغزونا في بلادنا فتجوز صلاة الخوف؛ فلا يعتبر وجود الشرطين على ما قاله. وفي قراءة أُبَيّ «أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ» بسقوط «إن خفتم». والمعنى على قراءته: كراهية أن يفتنكم الذين كفروا. وثبت في مصحف عثمان رضي الله عنه «إن خفتم». وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدّو؛ فمن كان آمناً فلا قصر له. روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم: فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر، فقالت: إنه كان في حرب وكان يخاف، وهل أنتم تخافون؟. وقال عطاء: كان يتم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص وأتم عثمان، ولكن ذلك معلّل بعلل تقدّم بعضها. وذهب جماعة إلى أن الله تعالىٰ لم يُبح القصر في كتابه إلاَّ بشرطين: السفر والخوف، وفي غير الخوف بالسنّة، منهم الشافعي وقد تقدّم. وذهب آخرون إلى أن قوله تعالىٰ: {إِنْ خِفْتُمْ} ليس متصلاً بما قبلُ، وأن الكلام تَمّ عند قوله: {مِنَ ٱلصَّلاَةِ} ثم افتتح فقال: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف. وقوله: {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} كلام معترض، قاله الجُرْجاني وذكره المهدويّ وغيرهما. وردّ هذا القول القُشَيْرِيُّ والقاضي أبو بكر بن العربي. قال القُشَيْرِيّ أبو نصر: وفي الحمل على هذا تكلّف شديد، وإن أطنب الرجل ـ يريد الجرجانيّ ـ في التقدير وضرب الأمثلة. وقال ابن العربيّ: وهذا كله لم يفتقر إليه عمر ولا ٱبنه ولا يَعْلَي بن أُميّة معهما. قلت: قد جاء حديث بما قاله الجُرْجاني ذكره القاضي أبو الوليد بن رشد في مقدّماته، وابن عطية أيضاً في تفسيره عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نضرب في الأرض فكيف نصلّي؟ فأنزل الله تعالىٰ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} ثم انقطع الكلام، فلما كان بعد ذلك بَحْول غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هَلاّ شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أُخرىٰ في أثرها، فأنزل الله تعالىٰ بين الصلاتين: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} إلى آخر صلاة الخوف. فإن صح هذا الخبر فليس لأحد معه مقال، ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن. وقد رُوي عن ابن عباس أيضاً مثله، قال: إن قوله تعالىٰ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} نزلت في الصَّلاة في السفر، ثم نزل {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} في الخوف بعدها بعام. فالآية على هذا تضمنت قضيتين وحكمين. فقوله {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} يعني به في السفر؛ وتم الكلام، ثم ابتدأ فريضة أُخرىٰ فقدم الشرط؛ والتقدير: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصَّلاة. والواو زائدة، والجواب {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ}. وقوله: {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} اعتراض. وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهو حديث عمر إذْ رَوى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قاله له: « حديث : هذه صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته » تفسير : . قال النحاس: من جعل قصر النبيّ صلى الله عليه وسلم في غير خوف وفعله في ذلك ناسخاً للآية فقد غلِط؛ لأنه ليس في الآية منع للقصر في الأمن، وإنما فيها إباحة القصر في الخوف فقط. العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل. وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل. وفرَقَ الخليل وسيبويه بينهما فقالا: فتنته جعلت فيه فتنة مثل أكحلته، وأفتنته جعلته مُفْتَتِناً. وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته. {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} {عَدُوّاً} هٰهنا بمعنى أعداء. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} سافرتم. {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } بتنصيف ركعاتها ونفي الحرج فيه يدل على جوازه دون وجوبه، ويؤيده أن عليه الصلاة والسلام أتم في السفر. حديث : وأن عائشة رضي الله تعالى عنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت. فقال: أحسنت يا عائشة». تفسير : وأوجبه أبو حنيفة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: حديث : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر.تفسير : فظاهرهما يخالف الآية الكريمة فإن صحا فالأول مؤول بأنه كالتام في الصحة والإِجزاء، والثاني لا ينفي جواز الزيادة فلا حاجة إلى تأويل الآية. بأنهم ألفوا الأربع فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن ركعتي السفر قصر ونقصان، فسمي الإتيان بهما قصراً على ظنهم. ونفي الجناح فيه لتطبيب به نفوسهم، وأقل سفر تقصر فيه أربعة برد عندنا وستة عند أبي حنيفة. قرىء {تَقْصُرُواْ} من أقصر بمعنى قصر ومن الصلاة صفة محذوف أي: شيئاً من الصلاة عند سيبويه، ومفعول تقصروا بزيادة عند الأخفش. {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت، ولذلك لم يعتبر مفهومها كما لم يعتبر في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} وقد تظاهرت السنن على جوازه أيضاً في حال الأمن. وقرىء من الصلاة أن يفتنكم بغير إن خفتم بمعنى كراهة أن يفتنكم: وهو القتال والتعرض بما يكره.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [المزمل: 20] الآية. وقوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} أي: تخففوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن قائل: لا بد أن يكون سفر طاعة؛ من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء، ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه؛ لظاهر قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}، ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحاً، لقوله: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} تفسير : [المائدة: 3] الآية، كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار، بشرط أن لا يكون عاصياً بسفره، وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة، وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين، وهذا مرسل، ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواء كان مباحاً أو محظوراً، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، ترخص؛ لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة والثوري وداود؛ لعموم الآية، وخالفهم الجمهور. وأما قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة. وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تفسير : [النور: 33]، وكقوله تعالى: {أية : وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ} تفسير : [النساء: 23] الآية، وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جريج عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن رابية، عن يعلى بن أمية، قالت: سألت عمر بن الخطاب قلت له: قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»تفسير : . وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة الحذاء، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا علي بن محمد بن سعيد، حدثنا منجاب، حدثنا شريك عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر، فقال: هي رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عون عن ابن سيرين، عن ابن عباس، قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، ونحن آمنون لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين. وهكذا رواه النسائي عن محمد ابن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون به. قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور، عن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين، ثم قال الترمذي: صحيح. وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنساً يقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً. وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى ابن أبي إسحاق الحضرمي به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن حارثة ابن وهب الخزاعي، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس، وآمنه، ركعيتن. ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عنه به، ولفظ البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين، وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، وأبي بكر وعمر وعثمان صدراً من إمارته، ثم أتمها، وكذا رواه مسلم من حديث يحيى ابن سعيد القطان به. وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد عن الأعمش، حدثنا إبراهيم، سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان. ورواه البخاري أيضاً من حديث الثوري عن الأعمش به، وأخرجه مسلم من طرق عنه، منها عن قتيبة كما تقدم. فهذه الأحاديث دالة صريحاً على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف، ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ههنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية، وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضاً بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيدت في صلاة الحضر، وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، أربعتهم عن مالك به، قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر ههنا قصر الكمية، لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} وأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان وعبد الرحمن حدثنا سفيان عن زبيد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر رضي الله عنه، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم. وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر، وقد جاء مصرحاً به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه، وعلى هذا أيضاً فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق الثوري عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة، عن عمر، فذكره، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة، عن عمر، فالله أعلم. وقد روى مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي: وأيوب ابن عائد، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها، فكذلك يصلى في السفر. ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد عن طاوس نفسه، فهذا ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك، صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس ـ والله أعلم ـ لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر رضي الله عنه، وإذا كان كذلك، فيكون المراد بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} قصر الكيفية؛ كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآية، ولهذا قال بعدها: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} الآية، فبين المقصود من القصر ههنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد البخاري كتاب صلاة الخوف، صدره بقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}، وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} قال: ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه. وقال أسباط عن السدي في قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ} الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر، فهي تمام، التقصير لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان، والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم، وسجودهم، وقيامهم معاً جميعاً، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير عن مجاهد والسدي، وعن جابر وابن عمر، واختار ذلك أيضاً؛ فإنه قال بعدما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملاً عملنا به، فقد سمى صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنص القرآن، وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضاً: حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ } سافرتم {فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } في {أن تَقْصُرُوا مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ} بأن تردّوها من أربع إلى اثنتين {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ } أي ينالكم بمكروه {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بيان للواقع إذ ذاك فلا مفهوم له وبينت السنة أنّ المراد بالسفر الطويل، وهو أربعة بُرْدٍ وهي مرحلتان ويؤخذ من قوله تعالى:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أنه رخصة لا واجب، وعليه الشافعي {إِنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } بيِّن العداوة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ } قد تقدّم تفسير الضرب في الأرض قريباً. قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } فيه دليل على أن القصر ليس بواجب، وإليه ذهب الجمهور. وذهب الأقلون إلى أنه واجب، ومنهم عمر بن عبد العزيز والكوفيون، والقاضي إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وهو مرويّ عن مالك. واستدلوا بحديث عائشة الثابت في الصحيح: «حديث : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر، وأقرّت في السفر»تفسير : ولا يقدح في ذلك مخالفتها لما روت فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثله حديث يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب قلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وقد أمن الناس، فقال لي عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «حديث : صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»تفسير : أخرجه أحمد، ومسلم، وأهل السنن. وظاهر قوله: «حديث : فاقبلوا صدقته»تفسير : أن القصر واجب. قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ظاهر هذا الشرط أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن ولكنه قد تقرّر بالسنة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قصر مع الأمن، كما عرفت. فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت بالنسة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضته ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم من القصر مع الأمن. وقد قيل: إن هذا الشرط خرّج مخرج الغالب؛ لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر ما قال كما تقدّم. وفي قراءة أبيّ: "أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا" بسقوط {إِنْ خِفْتُمْ } والمعنى على هذه القراءة كراهة أن يفتنكم الذين كفروا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدّو، فمن كان آمناً، فلا قصر له. وذهب آخرون إلى أن قوله: {إِنْ خِفْتُمْ } ليس متصلاً بما قبله، وأن الكلام تمّ عند قوله: {مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } ثم افتتح فقال: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف. وقوله: {إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } معترض، ذكر معنى هذا الجرجاني، والمهدوي، وغيرهما. ورده القشيري، والقاضي أبو بكر بن العربي. وقد حكى القرطبي، عن ابن عباس معنى ما ذكره الجرجاني ومن معه، ومما يرد هذا، ويدفعه الواو في قوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } وقد تكلف بعض المفسرين، فقال: إن الواو زائدة، وإن الجواب للشرط المذكور، أعني قوله: {إِنْ خِفْتُمْ } هو قوله: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ } وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهي حديث عمر الذي قدّمنا ذكره، وما ورد في معناه. قوله: {أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال الفراء: أهل الحجاز يقولون، فتنت الرجل، وربيعة، وقيس، وأسد، وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل، وفرق الخليل، وسيبويه بينهما، فقالا فتنته: جعلت فيه فتنة مثل كحلته، وأفتنته: جعلته مفتناً، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته. والمراد بالفتنة: القتال، والتعرّض بما يكره قوله: {عَدُوّا } أي: أعداء. قوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من أهل الأمر حكمه، كما هو معروف في الأصول، ومثله قوله تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } تفسير : [التوبة: 103] ونحوه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وشذ أبو يوسف، وإسماعيل بن علية، فقالا: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الخطاب خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، قالا: ولا يلحق غيره به لماله صلى الله عليه وسلم من المزية العظمى، وهذا مدفوع، فقد أمرنا الله باتباع رسوله، والتأسي به، وقد قال صلى الله عليه وسلم «حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي» تفسير : والصحابة رضي الله عنهم أعرف بمعاني القرآن، وقد صلوها بعد موته في غير مرّة، كما ذلك معروف. ومعنى: {لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } أردت الإقامة، كقوله: {أية : وَإِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } تفسير : [المائدة: 6]، وقوله: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ * فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ }تفسير : [النحل: 98] قوله: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } يعني: بعد أن تجعلهم طائفتين، طائفة تقف بإزاء العدّو، وطائفة تقوم منهم معك في الصلاة: {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } أي: الطائفة التي تصلي معه. وقيل: الضمير راجع إلى الطائفة التي بإزاء العدّو، والأوّل أظهر؛ لأن الطائفة القائمة بإزاء العدّو لا بدّ أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك من كان في الصلاة؛ لأنه يظن أن ذلك ممنوع منه حال الصلاة، فأمره الله بأن يكون آخذاً لسلاحه أي غير واضع له. وليس المراد: الأخذ باليد، بل المراد: أن يكونوا حاملين لسلاحهم؛ ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدّوهم من إمكان فرصته فيهم. وقد قال بإرجاع الضمير من قوله: {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } إلى الطائفة القائمة بإزاء العدّو ابن عباس قال: لأن المصلية لا تحارب، وقال غيره: إن الضمير راجع إلى المصلية، وجوّز الزجاج، والنحاس أن يكون ذلك أمراً للطائفتين جميعاً، لأنه أرهب للعدّو. وقد أوجب أخذ السلاح في هذه الصلاة أهل الظاهر حملاً للأمر على الوجوب. وذهب أبو حنيفة إلى أن المصلين لا يحملون السلاح، وأن ذلك يبطل الصلاة، وهو مدفوع بما في هذه الآية، وبما في الأحاديث الصحيحة. قوله: {فَإِذَا سَجَدُواْ } أي: القائمون في الصلاة {فَلْيَكُونُواْ } أي: الطائفة القائمة بإزاء العدّو {مِن وَرَائِكُمْ } أي: من وراء المصلين. ويحتمل أن يكون المعنى: فإذا سجد المصلون معه، أي: أتموا الركعة تعبيراً بالسجود عن جميع الركعة، أو عن جميع الصلاة {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } أي: فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدوّ للحراسة {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ } وهي: القائمة في مقابلة العدو التي لم تصلّ {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } على الصفة التي كانت عليها الطائفة الأولى {وَلْيَأْخُذُواْ } أي: هذه الطائفة الأخرى {حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } زيادة التوصية للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ السلاح. قيل: وجهه أن هذه المرة مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل، وأما في المرة الأولى، فربما يظنونهم قائمين للحرب، وقيل: لأن العدوّ لا يؤخر قصده عن هذا الوقت، لأنه آخر الصلاة، والسلاح: ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، ولم يبين في الآية الكريمة كم تصلي كل طائفة من الطائفتين؟ وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء مختلفة، وصفات متعددة، وكلها صحيحة مجزئة من فعل واحدة منها، فقد فعل ما أمر به، ومن ذهب من العلماء إلى اختيار صفة دون غيرها، فقد أبعد عن الصواب، وقد أوضحنا هذا في شرحنا للمنتقى، وفي سائر مؤلفاتنا. قوله: {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً } هذه الجملة متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم الله بالحذر، وأخذ السلاح، أي: ودّوا غفلتكم عن أخذ السلاح، وعن الحذر؛ ليصلوا إلى مقصودهم، وينالوا فرصتهم، فيشدّون عليكم شدّة واحدة. والأمتعة: ما يتمتع به في الحرب، ومنه الزاد والراحلة. قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } رخص لهم سبحانه في وضع السلاح إذا نالهم أذى من المطر، وفي حال المرض؛ لأنه يصعب مع هذين الأمرين حمل السلاح، ثم أمرهم بأخذ الحذر لئلا يأتيهم العدّو على غرّة، وهم غافلون. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن أبي حنظلة قال: سألت ابن عمر، عن صلاة السفر، فقال: ركعتان قلت: فأين قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كفروا} ونحن آمنون؟ قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه سأل ابن عمر: أرأيت قصر الصلاة في السفر؟ إنا لا نجدها في كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة الخوف، فقال ابن عمر: يا بن أخي إن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل، كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين، وغيرهما عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس، وآمنه ركعتين. وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي، عن ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ركعتين. وأخرج ابن جرير، عن عليّ قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر، فقال المشركون: قد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددّتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله بين الصلاتين: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } فنزلت صلاة الخوف. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والدارقطني، والحاكم وصححه، عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآيات: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } ثم ذكر صفة الصلاة التي صلوها مع النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث في صفة صلاة الخوف كثيرة، وهي مستوفاة في مواطنها، فلا نطول بذكرها ها هنا. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن عباس في قوله: {إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى } قال: نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُم فِي الأَرْضِ} أي سرتم، لأنه يضرب الأرض برجله في سيره كضربه بيده، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً. {فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} اختلف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين: أحدهما: أنه قَصَرَ أركانها إذا خاف، مع استيفاء أعدادها فيصلي عند المسايفة والتحام القتال كيف أمكنه قائماً وقاعداً ومومياً، وهي مثل قوله: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ فِرجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} تفسير : [البقرة:239] وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه قصر أعدادها من أربع إلى ما دونها، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين، فإن كان آمناً مقيماً لم يقصر، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وداود بن علي. والثاني: أنه قَصْران، فقصر الأمَنْ، من الأربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة، وهذا قول جابر بن عبد الله والحسن. وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله عز وجل على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. والثالث: أنه يقصر في سفر خائفاً وآمناً من أربع إلى ركعتين لا غير. روي عن أبي أيوب عن علي عليه السلام قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلاَةِ} ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلاّ شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أُخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين {إِن خِفْتُم أَن يَفْتِنَكُم الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُم عَدُوّاً مُبِيْناً} إلى قوله: {عَذَاباً مُّهِيناً} فنزلت صلاة الخوف.

ابن عطية

تفسير : {ضربتم} معناه: سافرتم. فأهل الظاهر يرون القصر في كل سفر يخرج عن الحاضرة، وهي من حيث تؤتى الجمعة، وهذا قول ضعيف، واختلف العلماء في حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة، فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وابن راهويه: تقتصر الصلاة في أربعة برد، وذلك ثمانية وأربعون ميلاً. وحجتهم أحاديث رويت في ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال الحسن والزهري: تقصر الصلاة في مسيرة يومين ولم يذكرا أميالاً، وروي هذا القول عن مالك، وروي عنه أيضاً: تقصر الصلاة في يوم وليلة وهذه الأقوال الثلاثة تتقارب في المعنى، وروي عن ابن عباس وابن عمر: أن الصلاة تقصر في مسيرة اليوم التام، وقصر ابن عمر في ثلاثين ميلاً، وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على مسيرة خمسة وأربعين ميلاً، قال: يقصر، وعن ابن القاسم في العتبية: أن قصر في ستة وثلاثين فلا إعادة عليه، وقال يحيى بن عمر: يعيد أبداً، وقال ابن عبد الحكم: في الوقت، وقال ابن مسعود وسفيان والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: من سافر مسيرة ثلاث قصر. قال أبو حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها سير الإبل ومشي الأقدام, وروي عن أنس بن مالك: أنه قصر في خمسة عشر ميلاً، قال الأوزاعي: عامة العلماء في القصر في مسيرة اليوم التام، وبه نأخذ. واختلف الناس في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس، واختلف الناس فيما سوى ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح، كالتجارة ونحوها، وروي عن ابن مسعود أنه قال: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد وقال عطاء لا تقصر الصلاة إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير، وقد روي عن عطاء أنها تقصر في كل المباح، والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية، كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما، وروي عن الأوزاعي وأبي حنيفة إباحة القصر في جميع ذلك. وجمهور العلماء على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك في المدونة وابن حبيب وجماعة المذهب، قال ابن القاسم في المدونة: ولم يحد لنا مالك في القرب حداً، وروي عن مالك إذا كانت قرية يجمع أهلها فلا يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال؛ وإلى ذلك في الرجوع، وإن كانت لا يجمع أهلها قصر إذا جاوز بساتينها، وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفراً فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى, وروي عن مجاهد أنه قال: لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل، وهو شاذ، وقد ثبت أن النبي عليه السلام صلى الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وليس بينهما ثلث يوم، ويظهر من قوله تعالى {فليس عليكم جناح أن تقصروا} أن القصر مباح أو مخير فيه، وقد روى ابن وهب عن مالك: أن المسافر مخير، وقاله الأبهري، وعليه حذاق المذهب، وقال مالك في المبسوط: القصر سنة. وهذا هو جمهور المذهب، وعليه جواب المدونة بالإعادة في الوقت لمن أتم في سفره، وقال محمد بن سحنون وإسماعيل القاضي: القصر فرض، وبه قال حماد بن أبي سليمان، وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس أنه قال: من صلى في السفر أربعاً فهو كمن صلى في الحضر ركعتين، وحكى ابن المنذر عن عمر بن الخطاب: أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى، ويؤيد هذا قول عائشة: فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: {أن تقصروا} فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى اثنين من أربع، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنّا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ثم انقطع الكلام، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي عليه السلام، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، فهلا شددتم عليهم، فقال قائل منهم: إن لهم أخرى في أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} إلى آخر صلاة الخوف، وذكر الطبري في سرد هذه المقالة حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب، إن الله تعالى يقول {إن خفتم} وقد أمن الناس، فقال عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله عن ذلك فقال: "حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"تفسير : ، قال الطبري: وهذا كله قول الحسن، إلا أن قوله تعالى: {وإذا كنت} تؤذن بانقطاع ما بعدها مما قبلها، فليس يترتب من لفظ الآية، إلا أن القصر مشروط بالخوف، وفي قراءة أبيّ بن كعب "أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا" - بسقوط {إن خفتم} وثبتت في مصحف عثمان رضي الله عنه، وذهبت جماعة أخرى إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة القصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمناً فلا قصر له، وروي عن عائشة أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر، فقالت: إنه كان في حرب وكان يخاف، وهل أنتم تخافون؟ وقال عطاء: كان يتم الصلاة من أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص، وأتم عثمان بن عفان، ولكن علل ذلك بعلل غير هذه، وكذلك علل إتمام عائشة أيضاً بغير هذا وقال آخرون: القصر المباح في هذه الآية إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة، والركعتان في السفر إنما هي تمام، وقصرها أن تصير ركعة، قال السدي: إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن يخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئاً، ويكون للإمام ركعتان، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: ركعتان في السفر تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء فيصلي بهم ركعة، فتكون للإمام ركعتان ولهم ركعة، ركعة، وقال نحو هذا سعيد بن جبير وجابر بن عبد الله وكعب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله حذيفة بطبرستان وقد سأله الأمير سعيد بن العاصي ذلك، وروى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة بكل طائفة ولم يقضوا، وقال مجاهد عن ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، وروى جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بأصحابه يوم حارب خصفة وبني ثعلبة، وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان، وقال آخرون: هذه الآية مبيحة القصر من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال الحرب، فأبيح لمن هذه حاله أن يصلي إيماء برأسه، ويصلي ركعة واحدة حيث توجه إلى تكبيرتين إلى تكبيرة على ما تقدم من أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى: {أية : فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} تفسير : [البقرة:239] ورجح الطبري هذا القول، وقال: إنه يعادله قوله {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} أي بحدودها وهيئتها الكاملة، وقرأ الجمهور "تَقصُروا" بفتح التاء وضم الصاد، وروى الضبي عن أصحابه " تُقْصِروا" بضم التاء وكسر الصاد وسكون القاف وقرأ الزهري " تُقَصِّروا" بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد وشدها، و {يفتنكم} معناه: يمتحنكم بالحمل عليكم وإشغال نفوسكم في صلاتكم، ونحو هذا قول صاحب الحائط: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، وأصل الفتنة الاختبار بالشدائد، وإلى هذا المعنى ترجع كيف تصرفت، وعدو وصف يجري على الواحد والجماعة، و "مبين" مفعل من أبان، المعنى: قد جلحوا في عدواتكم وراموكم كل مرام. وقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} الآية قال جمهور الأمة: الآية خطاب للنبي عليه السلام، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، وقال أبو يوسف وإسماعيل بن علية: الآية خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن الصلاة بإمامة النبي عليه السلام لا عوض منها، وغيره من الأمراء منه العوض فيصلي الناس بإمامين، طائفة بعد طائفة، ولا يحتاج إلى غير ذلك. قال القاضي أبو محمد: وكذلك جمهور العلماء على أن صلاة الخوف تصلى في الحضر إذا نزل الخوف، وقال قوم: لا صلاة خوف في حضر، وقاله في المذهب عبد الملك بن الماجشون، وقال الطبري: {فأقمت لهم} معناه: حدودها وهيئتها، ولم تقصر على ما أبيح قبل في حال المسايفة، وقوله {فلتقم طائفة منهم معك} ، أمر بالانقسام، أي وسائرهم وجاه العدو حذراً وتوقع حملته،وأعظم الروايات والأحاديث على أن صلاة الخوف إنما نزلت الرخصة فيها في غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وخصفة، وفي بعض الروايات: أنها نزلت في ناحية عسفان وضجنان، والعدو: خيل قريش، عليها خالد بن الوليد، واختلف من المأمور بأخذ الأسلحة هنا؟ فقيل الطائفة المصلية، وقيل: بل الحارسة. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يتناول الكل، ولكن سلاح المصلين ما خف، واختلف الآثار في هيئة صلاة النبي عليه السلام بأصحابه صلاة الخوف، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء، فروى يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة أنه صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، فصفت طائفة معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً وأتموا ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، وروى القاسم بن محمد عن صالح ابن خوات عن سهل هذا الحديث بعينه، إلا أنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلَّى بالطائفة الأخيرة ركعة، سلم، ثم قضت هي بعد سلامه، وبهذا الحديث أخذ مالك رحمه الله في صلاة الخوف، كان أولاً يميل إلى رواية يزيد بن رومان، ثم رجع إلى رواية القاسم بن محمد بن أبي بكر، وروى مجاهد وغيره عن ابن عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت على خلاف فيه: أن النبي عليه السلام صلَّى صلاة الخوف بعسفان والعدو في قبلته، قال: فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقال المشركون: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، فقالوا: تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بين الظهر والعصر بهذه الآيات، وأخبره خبرهم، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف العسكر خلفه صفين، ثم كبر فكبروا جميعاً، ثم ركع فركعنا جميعاً، ثم رفع فرفعنا جميعاً، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا سجد الآخرون في مكانهم، ثم تقدموا إلى مصاف المتقدمين وتأخر المتقدمون إلى مصاف المتأخرين، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبي فسجد الصف الذي يليه، فلما رفع سجد الآخرون، ثم سلم فسلموا جميعاً، ثم انصرفوا، قال عبد الرزاق بن همام في مصنفه: وروى الثوري عن هشام مثل هذا، إلا أنه قال: ينكص الصف المقدم القهقرى حين يرفعون رؤوسهم من السجود، ويتقدم الآخرون فيسجدون في مصاف الأولين، قال عبد الرزاق عن معمر عن خلاد بن عبد الرحمن عن مجاهد قال: لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف إلا مرتين، مرة بذات الرقاع من أرض بني سليم، ومرة بعسفان والمشركون بضجنان بينهم وبين القبلة. قال القاضي أبو محمد: وظاهر اختلاف الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي أنه صلى صلاة الخوف في غير هذين الموطنين، وذكر ابن عباس أنه كان في غزوة ذي قرد صلاة خوف، وروى عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم النبي عليه السلام ركعة، ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة في حين واحد، وبهذه الصفة في صلاة الخوف أخذ أشهب رحمه الله، ومشى على الأصل في أن لا يقضي أحد قبل زوال حكم الإمام، فكذلك لا يبني، ذكر هذا عن أشهب جماعة منهم ابن عبد البر وابن يونس وغيرهما، وحكى اللخمي عنه: أن مذهبه أن يصلي الإمام بطائفة ركعة ثم ينصرفون تجاه العدو، وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعة ثم يسلم وتقوم التي معه تقضي، فإذا فرغوا منه صاروا تجاه العدو، وقضت الأخرى، وهذه سنة رويت عن ابن مسعود، ورجح ابن عبد البر القول بما روي عن ابن عمر، وروي أن سهل بن أبي حثمة قد روي عنه مثل ما روي عن ابن عمر سواء، وروى حذيفة حين حكى صلاة النبي عليه السلام في الخوف: أنه صلى بكل طائفة ركعة، ولم يقض أحد من الطائفتين شيئاً زائداً على ركعة، وذكر ابن عبد البر وغيره عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت لرسول الله أربع، ولكل رجل ركعتان، وبهذه كان يفتي الحسن بن أبي الحسن، وهو قول يجيزه كل من أجاز اختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة، وقال أصحاب الرأي: إذا كانت صلاة المغرب افتتح الإمام الصلاة ومعه طائفة، وطائفة بإزاء العدو، فيصلي بالتي معه ركعتين، ثم يصيرون إلى إزاء العدو، وتأتي الأخرى فيدخلون مع الإمام, فيصلي بهم ركعة ثم يسلم وحده, ثم يقومون إلى إزاء العدو, وتأتي الطائفة التي صلت مع الإمام ركعتين إلى مقامهم الأول في الصلاة، فيقضون ركعة وسجدتين وحداناً ويسلمون، ثم يجيئون إلى إزاء العدو، وتنصرف الطائفة الأخرى إلى مقام الصلاة، فيقضون ركعتين بقراءة وحداناً ويسلمون، وكملت صلاتهم. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: وهذا طرد قول أصحاب الرأي في سائر الصلوات، سأل مروان بن الحكم أبا هريرة، هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ قال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله وكبروا جميعاً الذين معه والذين بإزاء العدو ثم ركع رسول الله وركع معه الذين معه وسجدوا كذلك ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت الطائفة التي كانت معه إلى إزاء العدو وأقبلت الطائفة التي كانت بإزاء العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله قائم كما هو ثم قاموا فركع رسول الله ركعة أخرى وركعوا معه وسجد فسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت بإزاء العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله قاعد ثم كان السلام فسلم رسول الله وسلموا جميعاً. وأسند أبو داود في مصنفه عن عائشة رضي الله عنها صفة في صلاة النبي صلاة الخوف تقرب مما روي عن أبي هريرة وتخالفها في أشياء إلا أنها صفة صلاة الخوف من لدن قول أبي يوسف وابن علية أحد عشر قولاً منع صلاة الخوف لكونها خاصة النبي صلى الله عليه وسلم وعشر صفات على القول الشهير فإنها باقية للأمراء.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ} سرتم، لضربهم الأرض بأرجلهم في السير. {أَن تَقْصُرُواْ} الأركان بالإيماء عند التحام القتال مع بقاء عدد الصلاة، أو تقصروا من أربع إلى اثنتين في الخوف دون الأمن، أو تقصروا في الخوف إلى ركعة وفي الأمن إلى ركعتين، أو في الأمن والخوف إلى ركعتين لا غير.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا ضربتم في الأرض} يعني إذا سافرتم فيها {فليس عليكم جناح} أي حرج وإثم {أن تقصروا من الصلاة} يعني من أربع ركعات إلى ركعتين وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء، وأصل القصر في اللغة التضييق وقيل هو ضم الشيء إلى أصله. وفسر ابن الجوزي القصر بالنقص ولم أره لأحد من أهل التفسير واللغة وقيل معنى قصر الصلاة جعلها قصيرة بترك بعض ركعاتها أو بعض أركانها ترخيصاً ولهذا السبب ذكروا في تفسير قصر الصلاة المذكورة في الآية قولين: أحدهما أنه في عدد الركعات وهو رد الصلاة الرباعية إلى ركعتين والقول الثاني أن المراد بالقصر إدخال التخفيف في أدائها وهو أن يكتفي بالإيماء والإشارة عن الركوع والسجود. والقول الأول أصح ويدل عليه لفظة من في قوله أن تقصروا من الصلاة ولفظة من هنا للتبعيض وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة فثبت بهذا أن تفسير القصر بإسقاط بعض ركعات الصلاة أولى {إن خفتم أن يفتنكم} يعني يغتالكم ويقتلكم في الصلاة {الذين كفروا} ذهب داود الظاهري إلى أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف واستدل على صحة مذهبه بقوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ولأن عدم الشرط يقتضي عدم المشروط فعلى هذا لا يجوز القصر عند الأمن ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر الآحاد لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر واحد، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن القصر في حال الأمن في السفر جائز ويدل عليه ما روي حديث : عن يعلى بن أمية. قال: قلت لعمر بن الخطاب ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" تفسير : أخرجه مسلم وعن عبدالله بن خالد بن أسيد أنه قال لابن عمر كيف تقصرون الصلاة وإنما قال الله تعالى ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا حديث : فقال ابن عمر يا ابن أخي: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ونحن في ضلال فعلمنا فكان فيما علمنا أن أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر"تفسير : . أخرجه النسائي وعن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين فصلى ركعتين تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي وأجاب الجمهور عن قوله تعالى إن خفتم أن كلمة إن تفيد حصول الشرط ولا يلزم عند عدم الشرط عدم المشروط فقوله تعالى: {إن خفتم} يقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل رخصة القصر. وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن فإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتاً لحكم سكت عنه القرآن وذلك غير ممتنع إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دل عليه القرآن. فإن قلت إذا كان هذا الحكم ثابتاً في حال الأمن والخوف؛ فما فائدة تقييده بحال الخوف؟ قلت إنما نزلت الآية على غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم وأكثرها لم يخل عن خوف العدو فذكر الله عز وجل هذا الشرط من حيث إنه الأغلب في الوقوع. وقوله تعالى. {إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً} أي ظاهر العداوة فلعلمي بهذا رخصت لكم في قصر الصلاة لئلا يجدوا إلى قتلكم واغتيالكم سبيلاً وإنما قال عدواً ولم يقل أعداء لأنه يستوي فيه الواحد والجمع. فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل المسألة الأولى: في حكم القصر قصر الصلاة في حالة السفر جائز بإجماع الأمة وإنما اختلفوا في جواز الإتمام في حال السفر فذهب أكثر العلماء إلى أن القصر واجب في السفر وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس وبه قال الحسن وعمر بن عبدالعزيز وقتادة وهو قول مالك وأبي حنيفة ويدل عليه ما روي عن عائشة قالت حديث : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولىتفسير : . وفي رواية أخرى قالت: حديث : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر تفسير : أخرجاه في الصحيحين وذهب قوم إلى جواز الإتمام في السفر، ولكن القصر أفضل يروى ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وإليه ذهب الشافعي وأحمد وهو رواية عن مالك أيضاً. ويدل على ذلك ما روى البغوي بسند الشافعي عن عائشة قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر وأتم وحديث : عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت؟ قال أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ تفسير : أخرجه النسائي وظاهر القرآن يدل على ذلك لأن الله تعالى قال فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ولفظة ولا جناح إنما تستعمل في الرخصة لا فيما يكون حتماً، وأجيب عن حديث عائشة فرض الله الصلاة ركعتين بأن معناه فرضت ركعتين أولاً وزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليها وثبت جواز الإتمام بدليل آخر فوجب المصير إليه ليمكن الجمع بين الأحاديث ودلائل الشرع. المسألة الثانية: اختلف في صلاة المسافر إذا صلى ركعتين ركعتين هل هي مقصورة أم غير مقصورة فذهب قوم إلى أنها غير مقصورة وإنما فرض صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبدالله وإليه ذهب سعيد بن جبير والسدي وأبو حنيفة فعلى هذا يكون معنى القصر المذكور في الآية هو تخفيف ركوعها وسجودها. وقد تقدم الجواب عنه وذهب قوم إلى أنها مقصورة وليست بأصل، وهو قول مجاهد وطاوس، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. المسألة الثالثة: ذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح وشرط بعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد أو سفر طاعة، ولا يجوز القصر في سفر المعصية، وقال أبو حنيفة والثوري يجوز ذلك. المسألة الرابعة: اختلف العلماء في مسافة القصر فقال داود أهل الظاهر يجوز القصر في قصير السفر وطويله وروي ذلك عن أنس أيضاً وقال عمرو بن دينار قال لي جابر بن زيد أقصر بعرفة. وأما عامة أهل العلم فإنهم لا يجوزون القصر في السفر القصير واختلفوا في حد الطويل الذي يجوز فيه القصر. فقال الأوزاعي مسيرة يوم وكان ابن عمرو وابن عباس يقصران ويفطران في مسيرة أربعة برد هي ستة عشر فرسخاً وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق وقول الحسن والزهري قريب من ذلك فإنهما قالا مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي فقال مسيرة ليلتين قاصدتين ستة عشر فرسخاً كل فرسخ ثلاثة أميال فتكون ثمانية وأربعين ميلاً بالهاشمي والميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعاً معترضة معتدلة والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وقال الثوري وأبو حنيفة وأهل الكوفة لا قصر في أقل من ثلاثة أيام. فصل قيل قوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} كلام متصل بما بعده منفصل عما قبله وتقديره وإن خفتم روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال نزل قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} هذا القدر ثم بعد حول سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً وإذا كنت فيهم} الآية ومثل هذا في القرآن كثير يجيء الخبر بتمامه ثم ينسق عليه خبر آخر هو في الظاهر كالمتصل به وهو منفصل عنه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ...} الآية: ضَرَبْتُمْ: معناه: سافَرْتم، قال مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابنُ رَاهَوَيْهِ: تُقْصَرُ الصلاةُ في أربعةِ بُرُدٍ، وهي ثمانيةٌ وأربعون ميلاً؛ وحُجَّتهم أحاديثُ رُوِيَتْ في ذلك، عن ٱبْنِ عمر، وابن عباس. وقال الحسنُ والزُّهْريُّ: تُقْصَرُ في مسيرةِ يَوْمَيْنِ، وروي هذا أيضاً عن مالكٍ، وروي عنه: تُقْصَر في مسافة يوم ولَيلة، وهذه الأقوالُ الثلاثةُ تتقارَبُ في المعنى. والجمهورُ علَىٰ جواز القَصْر في السَّفَر المباحِ. وقال عطاءٌ: لا تُقْصَر إلا في سفر طاعةٍ، وسبيلِ خيرٍ، والجمهور: أنَّه لا قَصْرَ في سفُر معصيةٍ، والجمهور أنه لا يَقْصُر المسافرُ حتى يَخْرُجَ من بُيُوت القرية، وحينئذٍ هو ضاربٌ في الأرْضِ، وهو قولُ مالك وجماعةِ المَذْهَب، وإلى ذلك في الرجوع، وقد ثبت؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ»تفسير : ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا ثُلُثُ يَوْمٍ ويظهر مِنْ قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ} أنَّ القَصْر مباحٌ أو مخيَّر فيه، وقد رَوَى ابنُ وهْبٍ، عن مالكٍ، أنَّ المسافِرَ مخيَّر فيه؛ وقاله الأَبْهَرِيُّ؛ وعليه حُذَّاق المذْهَب، وقال مالكٌ في «المبسوط»: القَصْرُ سُنَّةٌ؛ وهذا هو الذي عليه جمهورُ المَذْهب؛ وعليه جوابُ «المدوَّنة» بالإعادة في الوَقْت لِمَنْ أتَمَّ في سفرِه. وقال ابنُ سُحْنُون وغيره: القَصْرُ فَرْضٌ. وقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} الآية، وفي حديثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّة، قال: قُلْتُ لعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: إنَّ اللَّه تعالَىٰ يقُولُ: {إنْ خِفْتُمْ}؛ وقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فقالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ؛ «حديث : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَٱقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».تفسير : ويَفْتِنَكُمْ: معناه يمتحنَكُمْ بالحَمْلِ عليكم، وإشغالِ نفوسكُمْ، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا صلَّى الظُّهْر بأصحابه، قال المُشْرِكُونَ: قد أَمْكَنَكُمْ محمَّد وأصحابه مِنْ ظُهورِهِمْ، هَلاَّ شَددتُّمْ عَلَيْهم، فقال قائلٌ منهم: إنَّ لَهُمْ أُخْرَىٰ فِي أَثَرِهَا، فأنزل اللَّهُ تعالَىٰ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إلى آخر صلاة الخَوْف.

ابن عادل

تفسير : لما ذَكَرَ الجِهَاد ذَكَرَ أحد الأمُور التي يَحْتَاج إليها المُجَاهِد، وهو مَعْرِفَة كَيْفِيَّة أداء الصَّلاةِ في الخَوْف، والاشْتِغَال بمُحارَبَة العَدُوِّ. "أن تقصروا": هذا على حَذْفِ الخَافِضِ، أي: في أن تَقْصُرُوا، فيكونُ في مَحَلِّ "أنْ" الوَجْهَان المَشْهُوران، وهذا الجَارُّ يتعلَّقُ بلفظِ "جُنَاح" أي: فََليْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ في قَصْرِ الصَّلاة. قال الوَاحِدِيُّ: يُقَال: قَصَرَ فلان صَلاَتهُ، وأقصرها وقَصَّرَها، وكُلُّ جَائِزٌ. والجمهور على "تَقْصُروا" من "قَصَرَ" ثلاثياً، وقرأ ابن عبَّاس: "تُقْصِروا" من "أقْصر"، وهما لُغَتَان: قَصَر وأقْصَر، حكاهما الأزْهَرِيُّ، وقرأ الضَّبِيُّ عن رجاله بقراءة ابن عبَّاسٍ، وقرأ الزُّهري: "تُقَصِّروا" مشدِّداً على التَّكْثِيرِ. قوله: "من الصَّلاة" في "مِنْ" وَجْهَان: أظهرهُما: إنها تَبْعِيضيَّةٌ، وهذا مَعْنَى قول أبي البقاء، وزعم أنه مَذْهَب سيبويه، وأنَّها صفةٌ لمَحْذُوفٍ، تقديرُه: شيئاً من الصلاة. والثاني: أنَّها زائدةٌ، وهذا رأيُ الأخْفَش فإنه لا يَشْتَرِطُ في زِيَادتها شيئاً، و "أن يَفْتِنَكم": مفعُول "خفِْتُم". وقرأ عبد الله بن مَسْعُود، وأبَيُّ: "من الصَّلاة أن يفتنكُم" بإسقاط الجُمْلة الشَّرْطيّة، و "أن يفتِنَكُم" على هذه القراءة، مَفْعُولٌ من أجْله، ولغةُ الحِجَاز: "فَتَنَ" ثُلاثياً، وتميم وقَيْس: "أفْتَن" رُبَاعياً. فصل لفظ القَصْر مُشْعِرٌ بالتَّخْفِيف؛ لأنه لَيْس صريحاً في أنَّ المُرادَ: هو القَصر في عَددِ الركعَات، أي: في كيْفِيَّة أدائِها، فلا جَرَم حصل في الآيَة قولان: الأوّل: قَوْل الجُمْهُور أنَّ المراد مِنْه: القَصْر في عدد الرَّكَعَات والقَائِلون بهذا القَوْلِ اختلفُوا على قَوْلَيْن: الأوّل: أن المراد مِنْهُ: صلاة المُسَافِر؛ وهو أنَّ كُلَّ صَلاَةٍ تكُونُ في الحَضَر أرْبَع رَكَعَاتٍ، فإنها تَصِير في السَّفَرِ رَكْعَتِيْنِ، وعلى هَذَا إنَّما يَدْخُل القَصْر في الرُّبَاعِيَّة خاصَّة. الثاني: أنَّ المراد: صلاَة الخَوْف في السَّفَر، وهو قَوْل ابن عبَّاسٍ، وجَابِر بن عبد الله، وجماعة، قال ابن عبَّاس: فَرَضَ اللَّه صلاة الحَضَر أرْبَعاً، وصلاة [السَّفر ركعتَيْن]، وصلاة الخَوْفِ رَكْعَةً على لسان نَبِيِّكُم صلى الله عليه وسلم. القول الثاني: أن المُرَاد من القَصْر: التَّخْفِيف في كيْفِيَّة أداء الرَّكَعَات، وهو أن يُكتفى في الصَّلاة بالإيمَاءِ والإشَارَة بدل الرُّكُوع والسُّجُود، وأن يَجُوز المَشْيُ في الصَّلاة، وأن تجُوز الصلاة عند تلَطُّخ الثَّوْب بالدَّمِ وهو الصَّلاة حال التِحَام القِتَال، [وهو مَرْوِيٌّ عن ابْن عَبَّاسِ وطاووس، واحتَجُّوا: بأنَّ خوف فِتْنَة العَدُوِّ لا تَزُول فيمَا يُؤتَى بِرَكْعَتِيْن على تَمَامِ أوْصَافِهَا، وإنما عَيَّن ذَلِكَ فيما يَشْتَدُّ فيه الخَوْف حَالَ التِحام القِتَال]، وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنه يُمْكِن إن يُقَال: إن المُسَافر إذا كانَت الصَّلاة قَلِيلَة الرَّكَعَاتِ، فيمكنه أنْ يَأتِيَ بِهَا على وَجهٍ لا يَكُون خَصْمُه عَالِماً بَِكَوْنِهِ مُصَلِّياً أما إذا كثُرت الرَّكَعَات، طالَت الصَّلاة، ولا يُمْكِنُه أن يَأتِي بها على حين غَفْلَةٍ مع العَدُوِّ، وحَمْل لفظِ القصْر على إسْقَاط [بَعْض] الرَّكَعَاتِ أوْلَى لوجوه: أحدُها: ما رُوِيَ عن يعلى بن أمَيَّة أنَّه قال: حديث : قلت لعمر بن الخَطَّاب - رضي الله عنه -: كيف نَقْصُر وقد أمِنَّا، وقد قال الله - تعالى -: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ} فقال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ؛ فَسَأَلْتُ الرَّسُولَ - عليه الصلاة والسلام - فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُم، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"تفسير : وهذا يدلُّ على أن القَصْر المذكُور في الآية، وهو القصْرُ في عَدَدِ الركَعَاتِ. الثاني: أن القَصْر عبارةٌ عن أن يؤتى بِبَعْض الشَّيْء ويقتصر عَلَيْه، فإمَّا أن يُؤتَى بشَيٍْ آخَرَ، فذلك لا يُسَمَّى قَصراً، ومعْلُوم: أن إقامَة الإيماء [مَقَامَ] الرُّكُوع والسُّجُود، وتَجويز المَشْي في الصَّلاة، وتَجْوِيز الصَّلاة مع الثَوْب المُلَطَّخ بالدَّم، ليس شيء من ذلك قَصْراً؛ بل كُلُّها إثباتٌ لأحْكَامِ جديدةٍ، وإقَامَة لشَيْءٍ مَقَامَ شَيْء آخَرَ. الثالث: أن "مِنْ" في قوله: "مِنَ الصّلاة" للتَّبْعيضِ، وذلك يُوجِبُ جَوازَ الاقْتِصَارِ على بَعْضِ الصَّلاة. الرابع: أن لَفْظَ القَصْر كان في عُرْفِهِم مَخصُوصاً بتنْقِيصِ عددِ الرَّكَعَاتِ، ولهذا لمَّا صلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الظُّهر رَكْعِتَيْنِ، قال ذو اليَدَيْنِ: "أقصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيتَ؟". الخامس: القَصْر بمعنى: تغير هَيْئَةٍ [الصَّلاة] المَذْكُورة في الآيةِ الَّتِي بَعْدَهَا توجب أن يكُون المُراد من هذه الآيَة بَيَان القَصْر، بمعنى حذف بَعْض الرَّكعَات، لئلا يَلْزَم التَّكْرَار. فصل هل الأفضل الإتمام أم القصر؟ قصر الصَّلاة في السَّفر جَائِز بالإجْمَاعِ، واخْتَلَفُوا في جواز الإتْمَام. فذهب أكْثَرُهُم إلى أن القَصْرَ واجِبٌ، وهو قَوْل عُمَر وعَلِيِّ، وابن عُمَر، وجابر، وابن عبَّاس، وبه قال الحَسَن وعُمَر بن عَبْد العَزِيز، وقتادة، وهو قول مالِكٍ وأصحاب الرأي بما روتْ عائِشَة - رضي الله عنها -، قالت: "الصَّلاةُ أوَّل ما فُرِضت [رَكْعَتَيْن في الحَضَر والسَّفَر فأقِرَّتْ] صَلاَة السَّفَر، وأتِمَّت صَلاةُ الحَضَر". وذهب قَومٌ إلى جواز الإتْمَام، رُوِيَ ذلك عن عُثْمَان [وسَعْد] بن أبِي وَقَّاصٍ، وبه قال الشَّافِعِيُّ إن شاءَ أتَمَّ، وإن شاءَ قَصَر، والقَصْر أفْضَل. فصل قال أهل الظَّاهِر: قَلِيلُ السَّفَر وكَثِيرُه سَوَاء؛ لِظَاهِر الآية، فإن الآيَة مرتَّبَةٌ من شَرْط وجَزَاء، فإذا وُجِدَ الشَّرْط وهو الضَّرْب في الأرْض، ترتَّبَ عَلَيْه [الجزاء] سواء كَانَ طَويلاً أوْ قَصِيراً، وذلك مَرْوِيٌّ عن أنَسٍ، وقال عَمْرو بن دِينَار: قال لي جَابر بن زَيد: أقْصِر بعَرَفَة. فإن قيل: هذا يَقْتَضِي حُصُول الرُّخْصَة عند انْتِقَال الإنْسَان من مَحَلَّة إلى مَحَلَّة. فالجواب: لا نُسَلِّم أنَّ هذا ضَرْب في الأرْضِ، وإن سُلِّم، فنقول: الإجْمَاع مُنْعَقِدٌ على أنَّه غير مُعْتَبَر، فَهَذا تَخْصِيصٌ بالإجْمَاع، والعامُّ بعد التَّخْصيص حُجَّة. وقال الجُمْهُور: إن السَّفر مات لم يتقدَّر بِمقْدَار مَخْصُوصٍ، لم تَحْصُل فيه الرُّخْصَة، وقالوا: أجْمَع السَّلَف على أنَّ أقَل السَّفِر مقدَّرٌ، لأنه رُوِيَ عن عُمَر أنَّه يَقْصِر في يَوْم تامٍّ؛ وبه قَالَ الزُّهرِي والأوْزَاعِيُّ. وقال ابْن عَبَّاس: يَقْصرُ إذا زَادَ علي يَوْم ولَيْلَة. قال أنَس: المُعْتَبَر خَمْسَة فَرَاسِخ، وقال الحَسَن: مَسِيرة لَيْلَتَيْن. وقال الشَعْبِي، والنَّخعِي، وسعيد بن جُبَيْر: من الكُوفَة إلى المَدَائِن مسيرة ثلاثةَ أيّام، وهو قول أبِي حَنِيفَة، وروى الحَسَن بن زِيَاد، عن أبي حنيفة: أنَّهُ إذا سَافَر إلى موضع يكون مَسيرة يَوْمَيْن، وأكثر اليوم الثَّالِث، جاز القَصْر، وهكذا رَوَاهُ ابن سماعة، عن أبِي يُوسُف ومحمَّد. وقال مَالِكٌ: أمْيَال بأمْيَال هَاشِم جَدَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدَّر أمْيَال البَادِية؛ كل ميلٍ اثْنَا عَشَر ألف قدم، وهي أرْبَعَةٌ آلاف خطوة، فإن كل ثَلاثَة أقْدام خُطْوة، قالوا: واختِلاَف النَّاس يدل على انْعِقَاد الإجْمَاع، على أن الحُكْم غير مَرْبُوط بِمُطْلَق السَّفَر. قال أهل الظاهر: اضْطِرَابُهم يَدُلُّ على أنَّهم لم يَجِدُوا دَلِيلاً في تَقْدِير المُدَّة، إذ لو وَجَدُوه لما حَصَل الاضْطِرَاب، وأما سُكُوت [سَائِر] الصَّحَابَة؛ فلعَلَّه كان لاعْتِقَادِهم أنّ الآية دَالَّة على ارتِبَاط الحُكْمِ بِمُطْلَقِ السَّفَر، وإذا كان الحُكْم مَذْكُوراً في نَصِّ القُرْآن، لم يكن بِهِم حَاجَةٌ إلى الاجْتِهَاد والاستِنْبَاطِ؛ فلهذا سَكَتوا فاستدل الحَنفيَّة على تقدير المُدَّة بقوله - عليه الصلاة والسلام: "حديث : يَمْسَحُ المُسَافِر ثَلاَثَة أيّامٍٍ"تفسير : وهو يدل على أنَّه إذَا لَمْ يَحْصُل المَسْح ثلاثة أيَّام، لا يسَمَّى مسافِراً. واستدل الشَّافعيَّة بما رَوَى مُجَاهِدٌ وعطاء، عن ابن عبَّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا أهْل مَكَّة، لا تَقْصُروا في أدْنَى من أرْبَعة بُرُد من مَكَّة إلى عُسْفَان" تفسير : قال أهل الظَّاهِر: وهذا تَخْصِيص لعُمُوم القُرْآن بخَيْر الوَاحِد، وهو لا يَجُوز؛ لأن القُرْآن مَقْطُوع به والخَبَر مَظْنُونٌ، وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذا رُوِيَ عَنِّي حديثٌ فاعْرِضُوه على كِتَاب اللَّه - [تعالى] -، فإن وَافق، فَاقْبَلُوه، وإلا فَرُدُّوهُ" تفسير : وهذا مُخَالِفٌ لعموم الكِتَاب، وأيْضاً فإنها أخْبَار وردَتْ في وَاقِعَةٍ تَعُمُّ الحاجَةُ إلى مَعْرفتها؛ لأن الصَّحابة - رضي الله عنهم - كانُوا في أكْثَر الأوْقَات في السَّفَر والغَزْو، فلو كَانَت الرُّخْصَة مَخْصُوصَة بِسَفَرٍ، مقدَّر، لعرفوها ونَقَلُوها نقلاً متواتراً، لا سِيَّمَا وهو عَلَى خِلاف ظَاهِر القُرْآن، وأيضاً: فدلائل الشَّافعيَّة ودلائل الحَنَفِيَّة متقابِلة مُتَدافعة فسقَطَت ووجبَ الرُّجُوع لِظَاهِرِ القُرْآنِ. فصل خصَّ أهلُ الظَّاهر جواز القصر بِحَال الخَوْف؛ لقوله - تعالى -: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ} والمَشْرُوط بالشَّيْءِ عدمٌ، عند عَدَمِ ذلك الشَّيءِ، ولا يَجُوز دفع هذا الشَّرط بأخْبَار الآحَادِ؛ لأن نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبر الوَاحِدِ لا يَجُوز. قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} فقيل: إن يَفْتِنُوكم عن إتْمَام الرُّكُوع [والسُّجُود]، وقيل: "أن يفتنكم" أي يغلبكم الَّذين كَفَرُوا في الصَّلاة، ونَظِيرُه قوله: [تعالى]: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ} عن الصلاة؛ لأن كُلَّ مِحْنَة، وبَلِيّة، وشِدَّة فهي فِتْنَة، وجَواب الشَّرْط مَحْذُوف يَدُلُّ عليه ما قَبْلَه. وقيل: الكَلاَم تَمَّ [عند قوله: "مِنَ الصَّلاة"] والجملة الشَّرْطيةُ مُسْتَأنَفةٌ حتى قيلَ: إنها نَزَلَت بعد سَنَةٍ عن نُزُول ما قَبْلَها، وجوابُه حينئذٍ أيْضاً مَحْذُوف، ولكن يُقَدَّرُ من جِنْسِ ما بَعْدَه، وهذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وتأخير نُزُولِهَا لا يَقْتَضِي استِئْنَافَهَا. فصل اخْتَلَفُوا متى يَقْصُر: فالجُمْهُور على أنَّ المُسَافِر لا يَقْصُر حتَّى يَخْرُج من بُيُوت القَرْيَة [وحينئذٍ] هو ضَارِبٌ في الأرْضِ، وهو قول مَالِكٍ في المُدَوَّنة، وروي عنه: أنَّه إذا كَانَت قَرْية تَجمع أهْلُها لا يَقْصُرُ حتى يُجَاوِزَها بثلاَثَةِ أمْيَالٍ، وكذلك في الرُّجُوع، وعن الحَارِث بن أبي رَبيعة: إذا أرَادَ السَّفَر، يَقْصُرُ في مَنْزِلِه؛ فيكون مَعْنَى قوله - [تعالى] -: {إِذَا ضَرَبْتُمْ [فِي ٱلأَرْضِ} معناه]: إذا أرَدْتُم السَّفَر. وعن مجاهد: لا يَقْصُر يَوْمَه الأوَّل حتى اللَّيْل، وهذا شَاذٌّ؛ لأن النَّبِيَ صلى الله عليه وسلم صلى الظُّهْر بالمَدِينَة [أرْبعاً]، وصلَّى العَصْرَ بذي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْن، وبين المَدينَة وذي الحُلَيْفَة سِتَّة أمْيالٍ، أو سَبْعَة. فصل وعلى المَسَافِر أن يَنْوِيَ القَصْرَ حين الإحْرَام، فإن افْتَتَحَ الصَّلاة بنيَّة القصر، ثُمَّ عزم على المُقَام في أثناء الصَّلاة، جعلها نَافِلَةً، فإن كان ذَلِكَ بَعْد أنْ صَلَّى منها رَكْعَةً [واحِدَة]، أضَاف إليها أخْرى [وسلَّم] ثم صلى صلاة مُقِيم، وقال الأبْهَرِيّ، وابن الجَلاَّب: هذا - والله أعْلم - اسْتِحْبَابٌ، ولو بَنَى على صَلاَته وأتمّها، أجْزأتْهُ. قوله: {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} [و] المعنى: إن العدَاوَة بَيْنَكُم وبَيْنَ الكَافِرين قَديمَةٌ، والآن قد أظْهَرْتُم خلافَهُم في الدِّين فازْدَادَت عَدَاوتُهم لَكُم، فمن شِدَّة العَدَاوة، حارَبُوكم وقَصَدُوا إتلافكُم إن قَدَرُوا، فإن طَالَتْ صَلاتُكُم، فرُبَّمَا وَجَدُوا الفُرْصَة في قَتْلِكُم؛ فلهذا رَخَّصْتُ لَكُم في قَصْر الصَّلاة. قوله "لكم" متعلِّقٌ بمَحْذُوف: لأنه حالٌ من "عَدُوّاً"، فإنه في الأصْل صِفَةُ نَكِرَةٍ، ثم قُدِّم عَلَيْها، وأجاز أبُو البَقَاء أن يتعلَّق بـ "كَانَ"، [وفي المَسْألة] كَلاَمٌ مرَّ تَفْصِيلُه. وأفْرد "عَدُوّاً" وإن كَانَ المُرَادُ به الجَمْعَ لأنَّ العدُوَّ يسْتَوِي فيه الوَاحِد والجمع؛ قال - تعالى -: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} تفسير : [الشعراء: 77] وقد تقدّم تَحْقِيقُه في البَقَرة. فصل في معنى الآية قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} متَّصِل بما بَعْدَه من صَلاَةِ الخَوْفِ، منفصل عَمَّا قَبْلَه، رُوِيَ عن أبي أيُّوبٍ الأنْصَارِي، أنَّه قال: نَزل قَوْلُه: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} هذا القَدْر، ثمَّ بعد حَوْلٍ سألُوا رسُول الله صلى الله عليه وسلم عن صَلاَةِ الخَوْفِ؛ فنزل: "إن خفتم" أي: وإن خِفْتُم {أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً، وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ}. ومثله في القُرْآن كَثِيرٌ [أن] يجيء الخبر بِتَمَامِه، ثم يُنسق عَلَيْه خبرٌ آخَر، وهو في الظَّاهِر كالمُتَّصِل به، وهو مُنْفَصِلٌ عنه؛ كقوله - تعالى -: {أية : ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [يوسف: 51] هذه حكاية عن امْرَأة العَزِيز، وقوله: {أية : ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [يوسف: 52]، إخبارٌ عن يُوسُف - عليه الصلاة والسلام -.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة والطحاوي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان ‏ حديث : عن يعلى بن أمية قال‏ ‏"‏سألت عمر بن الخطاب قلت‏:‏ ‏ {‏ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا‏} ‏ وقد أمن الناس‏؟‏ فقال لي عمر‏:‏ عجبت مما عجبت منه‏!‏ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال‏: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي حنظلة قال‏:‏ سألت ابن عمر عن صلاة السفر‏؟‏ فقال‏:‏ ركعتان‏.‏ فقلت‏:‏ فأين قوله تعالى ‏ {‏إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا‏}‏ ونحن آمنون‏؟‏ فقال‏:‏ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي في سننه عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسد. أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر، أنا لا نجدها في كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة الخوف‏؟‏‏!‏ فقال ابن عمر‏:‏ يا ابن أخي إن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن حارثة بن وهب الخزاعي قال‏‏ ‏"‏صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى، أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً، ركعتين‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال‏:‏ سافرت إلى مكة فكنت أصلي ركعتين، فلقيني قراء من أهل هذه الناحية فقالوا‏:‏ كيف تصلي‏؟‏ قلت ركعتين‏!‏ قالوا أَسُنَّةٌ أو قرآن‏؟‏‏!‏ قلت‏:‏ كل سُنَّةٍ وقرآن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين‏.‏ قالوا إنه كان في حرب‏!‏ قلت‏:‏ قال الله {‏لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون} [‏الفتح: 27‏]‏ وقال ‏ {‏وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة‏} ‏ فقرأ حتى بلغ {فإذا اطمأننتم‏} [‏النساء: 103‏]‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً، ركعتين‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن علي قال‏ ‏"‏سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة‏} ‏ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر فقال المشركون‏:‏ لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم‏؟‏ فقال قائل منهم‏:‏ إن لهم مثلها أخرى في أثرها، فأنزل الله بين الصلاتين ‏ {‏إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏إن الله أعد للكافرين عذاباً مهينا‏ً} ‏ فنزلت صلاة الخوف‏"‏‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ قال رجل‏‏ "يا رسول الله إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين فأمره أن يصلي ركعتين‏".‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ ‏(‏فاقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا‏)‏ ولا يقرأ ‏ {‏إن خفتم‏} ‏ وهي في مصحف عثمان ‏ {‏إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا‏} ‏‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق قال‏:‏ سمعت أبي يقول‏ ‏ ‏"‏سمعت عائشة تقول‏:‏ في السفر أتموا صلاتكم‏.‏ فقالوا‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر ركعتين‏؟‏ فقالت‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب، وكان يخاف هل تخافون أنتم‏؟‏‏!‏‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏ ‏"‏قلت لعطاء أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم الصلاة في السفر‏؟‏ قال‏:‏ عائشة، وسعد بن أبي وقاص‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أمية بن عبد الله ‏"‏أنه قال لعبد الله بن عمر‏:‏ أنا نجد في كتاب الله قصر الصلاة في الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر‏؟‏ فقال عبد الله‏:‏ إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملاً عملنا به‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة‏} ‏ قال‏:‏ ‏"‏أنزلت يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان، فتوافقوا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعاً، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معاً جمعاً، فهم به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله ‏{أية : ‏فلتقم طائفة منهم معك‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 102‏]‏ فصلى العصر، فصف أصحابه صفين، ثم كبر بهم جميعاً، ثم سجد الأولون لسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كبر بهم وركعوا جميعاً، فتقدم الصف الآخر واستأخر الصف المقدم، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصر العصر إلى ركعتين‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن طاوس في قوله ‏ {‏أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا‏} ‏ قال‏:‏ قصرها من الخوف والقتال الصلاة في كل وجه راكباً وماشياً قال‏:‏ فأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هذه الركعتان، وصلاة الناس في السفر ركعتين فليس بقصر، هو وقاؤها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار في قوله ‏ {‏إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا‏} ‏ قال‏:‏ إنما ذلك إذا أخافوا الذين كفروا، وسن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ركعتين، وليس بقصر ولكنها وفاء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة‏} ‏ إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، والتقصير لا يحل إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة، والتقصير ركعة، يقوم الإمام ويقوم معه طائفتان، طائفة خلفه وطائفة يوازون العدو، فيصلي بمن معه ركعة، ويمشون إليهم على أدبارهم حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتلك المشية القهقرى، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة، ثم يجلس الإمام فيسلم، فيقومون فيصلون لأنفسهم ركعة، ثم يرجعون إلى صفهم، ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعته شيئاً تجزئه ركعة الإمام، فيكون للإمام ركعتان ولهم ركعة، فذلك قول الله ‏{أية : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة‏} تفسير : [النساء:102] إلى قوله ‏{أية : وخذوا حذركم‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 102‏]‏‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏أن يفتنكم الذين كفروا‏} ‏ قال‏:‏ بالعذاب والجهل بلغة هوزان‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر‏:‏ شعر : كل امرئ من عباد الله مضطهد ببطن مكة مقهور ومفتون‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سماك الحنفي قال‏:‏ سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال‏:‏ ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة‏.‏ قلت‏:‏ وما صلاة المخافة‏؟‏ قال‏:‏ يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء وهؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة ركعة‏.‏ وأخرج مالك وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏فرضت الصلاة ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏فرضت الصلاة على النبي بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعاً، وأقرت صلاة السفر ركعتين‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن عائشة قالت‏‏ ‏"‏فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب فرضت ثلاثاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة الأولى، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر، والصبح لأنها تطول فيها القراءة‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يا أهل مكة‏!‏ لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الشافعي والبيهقي عن عطاء بن أبي رباح. أن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس. أنه سئل أتقصر إلى عرفة‏؟‏ فقال‏:‏ لا، ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والنحاس عن ابن عباس قال‏:‏ فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏وإذا ضربتم في الأرض‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ قصر الصلاة - إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة - أن تكبر الله وتخفض رأسك إيماء راكباً كنت أو ماشياً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏{‏ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة‏} ‏ قال‏:‏ ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرة من حيث كان وجهه‏.‏

القشيري

تفسير : القَصْرُ في الصلاة سُنَّةٌ في السفر، وكان في ابتداء الشرع عند الخوف، فأقرَّ ذلك مع زوال الخوف رفقاً بالعباد، فلما دخل الفرضَ القَصرُ لأجل السفر عوضوا بإباحة النَّفل في السفر على الراحلة أينما توجهت به دابته من غير استقبال، فكذلك الماشي؛ ليُعْلَم أنَّ الإذنَ في المناجاة مستديمٌ في كل وقت؛ فإن أردْتَ الدخول فمتى شئت، وإن أردت التباعد مترخصاً فلك ما شئت، وهذا غاية الكرم، وحفظ سُنَّة الوفاء، وتحقق معنى الولاء.

البقلي

تفسير : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} هذا رخصة لاهل المشاهدة الذين استغرقوا فى بحار المعرفة والمحبة فاذا غلب عليهم سلطان الوجد وحان وقت الخدمة سهل عليهم احكام الفريضة بترخيص الله ايهم وهم انس الله الذين يجز لهم لاتوسع والرخص وعلى صورة الظاهر الضعفاء رخصة من عجزهم فى ديوان الانسانية عن حمل وارد الشرع بهياته.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا ضربتم فى الارض} شروع فى بيان كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر ولقاء العدو والمطر والمرض اى اذا سافرتم أى مسافرة كانت للهجرة او للجهاد او لغيرهما {فليس عليكم جناح} اى حرج ومأثم فى {ان تقصروا} شيئاً {من الصلوة} فهو صفة لمحذوف والقصر خلاف المد يقال قصرت الشىء اى جعلته قصيرا بحذف بعض اجرائه واوصافه فمتعلق القصر حقيقة انما هو ذلك الشىء لا بعضه فانه متعلق الحذف دون القصر وعلى هذا فقوله من الصلوة ينبغى ان يكون مفعولا لتقصروا على زيادة من حسبما رآه الاخفش واما على تقدير ان تكون تبعيضية ويكون المفعول محذوفا كما هو رأى سيبويه اى شيئاً من الصلاة فينبغى ان يصار الى وصف الجزء بصفة الكل والمراد قصر الرباعيات بالتنصيف فانها تصلى فى السفر ركعتين فالقصر انما يدخل فى صلاة الظهر والعصر والعشاء دون المغرب والفجر وادنى مدة السفر الذى يجوز فيه القصر عند ابى حنيفة رحمه الله مسيرة ثلاثة ايام ولياليها الايام للمشى والليالى للاستراحة بسير الابل ومشى الاقدام بالاقتصاد ولا اعتبار بابطاء الضارب اى المسافر السائر واسراعه فلو سار مسيرة ثلاثة ايام ولياليهن فى يوم قصر ولو سار مسيرة يوم فى ثلاثة ايام لم يقصر ثم تلك المسيرة ستة برد جمع بريد كل بريد اربعة فراسخ وكل فرسخ ثلاثة اميال باميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذى قدر اميال البادية كل ميل اثنا عشر الف قدم وهى اربعة آلاف خطوة فان كل ثلاثة اقدام خطوة. وظاهر الآية الكريمة التخيير بين القصر والاتمام وان الاتمام افضل لكن عندنا يجب القصر لا محالة خلا ان بعض مشايخنا سماه عزيمة وبعضهم رخصة اسقاط بحيث لا مساغ للاتمام لا رخصة توفية اذ لا معنى للتخيير بين الاخف والأثقل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم " تفسير : وهو يدل على عدم جواز الا كمال لان التصدق بما لا يحتمل التمليك اسقاط محض لا يحتمل الرد فليس لنا الا التدين بما شرع الله والعمل بما حكم. قال فى الاشباه القصر للمسافر عندنا رخصة اسقاط بمعنى العزيمة بمعنى ان الاتمام لم يبق مشروعا حتى اثم به وفسدت لو اتم ومن لم يقعد على رأس العزيمة فسدت صلاته لاتصال النافلة بها قبل كمال اركانها وان قعد فى آخر الركعة الثانية قدر التشهد اجزأته الاخريان نافلة ويصير مسيئا بتأخير السلام. قال فى تفسير الحدادى المسافر اذا صلى الظهر اربعا ولم يقعد فى الثانية قد التشهد فسدت صلاته كمصلى الفجر اربعا انتهى. فان قلت فما تصنع بقوله {فليس عليكم جناح ان تقصروا} فلم ورد ذلك بنفى الجناح قلت لما انهم الفوا الاتمام فكانوا مظنة ان يخطر ببالهم ان عليهم نقصانا فى القصر فصرح بنفى الجناح عنهم لتطيب به نفوسهم ويطمئنوا اليه كما فى قوله تعالى {أية : فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما} تفسير : [البقرة: 158]. مع ان ذلك الطواف واجب عندنا ركن عند الشافعى ثم ان العاصى كالمطيع فى رخصة السفر حتى ان الآبق وقاطع الطريق يقصران لان المقيم العاصى يمسح يوما وليلة كالمقيم المطيع فكذا المسافر ولان السفر ليس بمعصية فلا يعتبر غرض العاصى {ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا} جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان خفتم ان يتعرضوا لكم بما تكرهون من القتال وغيره فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة والقصر ثابت بهذا النص فى حال الخوف خاصة واما فى حال الامن فبالسُنة. قال المولى ابو السعود فى تفسيره وهو شرط معتبر فى شرعية ما يذكر بعده من صلاة الخوف المؤداة بالجماعة واما فى حق مطلق القصر فلا اعتبار له اتفاقا لتظاهر السنن على مشروعيته. ثم قال بعد كلام بل نقول ان الآية الكريمة مجملة فى حق مقدار القصر وكيفيته وفى حق ما يتعلق به من الصلاة وفى مقدار مدة القصر الذى نيط به القصر فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر فى حال الأمن وتخصيصه بالرباعيان على وجه التنصيف وبالضرب فى المدة المعينة بيان لاجمال الكتاب انتهى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال سافر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين مكة والمدينة لا يخاف الا الله فصلى ركعتين كذا فى الوسيط {ان الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} اى ظاهر العداوة وكمال عداوتهم من موجبات التعرض لكم بقتال او غيره.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا ضربتم في الأرض}، أي: سافرتم للجهاد أو غيره من السفر المباح، أو المطلوب، {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} الرباعية إلى ركعتين، ونفيُ الجُناح يقتضي أنها رُخصة، وبه قال الشافعي، ويؤيده أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أتمّ في السفر وأن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: يا رسول الله قَصَرْتَ وأتممْتُ، وصُمْتُ وأفطرتِ؟ فقال "حديث : أحسنت يا عائشة" تفسير : . وأوجبه أبو حنيفة؛ لقول عمر رضي الله عنه: ( السفر ركعتان؛ تمام غير قصر، على لسان نبيكم). ولقول عائشة: (أول ما فرضت الصلاة ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وزيدت في الحضر). وقال مالك رضي الله عنه: القصرُ سنة؛ لكونه ـ عليه الصلاة والسلام ـ دام عليه في كل سفر، ولم يتُم إلا مرةً لبيان الجواز. وقوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} طاهرِه أن الخوف شرط في القصر، وبه قالت عائشة وعثمان ـ رضي الله عنهما ـ، والجمهور على عدم شرطه، وإنما ذكره الحق ـ تعالى ـ لكونه غالبًا في ذلك الوقت، فلا يعتبر مفهومه، أو يؤخذ القصر في الأمن من السُّنة. ويؤيد هذا حديثُ يَعلى بن أمِية، قلت لعمر بن الخطاب: إن الله يقول: {إن خفتم}، وقد أمن الناس؟. فقال: عجبتُ مما تعجبتَ منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " حديث : صَدقةٌ تصدَّق به الله علَيكم، فاقبلوا صدَقته "تفسير : . وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة وهو آمن. وليس في الآية ما يدل على تحديد المسافة التي تُقصَرُ فيها الصلاةُ، بل ذَكَرَ مطلقَ السفر، ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفر، طال أو قصر. ومذهب مالك والشافعي: أن المسافة أربعة بُردُ، واحتجوا بآثار عن ابن عمر وابن عباس. وقال أبو حنيفة: ستة بُرُد، وكذلك لم يقيد الحقُّ السفرَ بمباح ولا غيره، ولذلك أجاز أبو حنيفةٍ القصرَ في كل سفر. ومنعه مالك في سفر المعصية. ومنعه ابن حنبل في المعصية والمباح. والمراد بالفتنة في قوله: {إن خفتم أن يفتنكم}: الجهاد والتعرض لما يُكره، وعداوة الكفار معلومة. الإشارة: وإذا ضربتم في ميادين النفوس، وتحقق سيرُكم إلى حضرة القدوس، فلا جناح عليكم أن تقتصروا على المهم من الصلاة الحسية، وتدوموا على الصلاة القلبية، التي هي العكوف في الحضرة القدسية، إن خفتم أن تشغلكم عن الشهود حلاوةُ المعاملة الحسية. قال بعض العارفين: اتقوا حلاوة المعاملة، فإنها سموم قاتلة. وكذلك قال القطب بن مشيش في المقامات كالرضا، والتسليم: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : معنى قوله: {وإذا ضربتم في الأرض} إذا سرتم فيها فليس عليكم جناح يعني حرج ولا اثم ان تقصروا من الصلاة يعني من عددها فتصلوا الرباعيات ركعتين. وظاهر الآية يقتضي أن التقصير لا يجوز إلا إذا خاف المسافر، لأنه قال {إن خفتم أن يفتنكم} ولا خلاف اليوم أن الخوف ليس بشرط، لأن السفر المخصوص بانفراده سبب للتقصير. والظاهر يقتضي ان التقصير جائز لا اثم فيه. ويقتضي ذلك انه يجوز الاتمام، وعندنا وعند كثير من الفقهاء أن فرض المسافر مخالف لفرض المقيم، وليس ذلك قصراً، لاجماع أصحابنا على ذلك. ولما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: حديث : فرض المسافر ركعتان غير قصر تفسير : . وأما الخوف بانفراده فعندنا يوجب القصر. وفيه خلاف وقد روي عن ابن عباس أن صلاة الخائف قصر من صلاة المسافر. وانها ركعة ركعة. وقال قوم: معنى قوله: {ليس عليكم جناح أن تقصروا} يعني من حدود الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. وهو الذي رواه أصحابنا في صلاة شدة الخوف. وأنه يصلي إيماء والسجود اخفض من الركوع. فان لم يقدر فان التسبيح المخصوص يكفي عن كل ركعة. ثم أخبر تعالى أن الكافرين يعني الجاحدين لتوحيد الله ونبوة نبيه فقد أبانوا عداوتهم لكم بماصبتهم لكم الحرب على عبادتكم الله، وترككم عبادة الاوثان. وفي قصر الصلاة ثلاث لغات تقول: قصرت الصلاة أقصرها وهي لغة القرآن. وقصرتها تقصيراً، واقصرتها إقصاراً. واختلف أهل التأويل في قصر الصلاة فقال قوم: هي قصر من صلاة الحاضر ما كان يصلي أربع ركعات أذن له في قصرها، فيصليها ركعتين. ذهب إليه يعلى ابن أمية، وعمر بن الخطاب. وإن يعلى قال لعمر كيف نقصر الصلاة وقد أمنا فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك فقال: حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته تفسير : . وبه قال ابن جريج وقتادة. وفي قراءة أبي {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا} ولا يقرأ {إن خفتم} ومعنى هذه القراءة الا يفتنكم الذين كفروا وحذف (لا) كما حذف في قوله: {أية : يبين الله لكم أن تضلوا} تفسير : ومعناه ألا تضلوا. وقال قوم: القصر لا يجوز إلا مع الخوف روي ذلك عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص. وقال قوم: عنى بهذه الآية قصر صلاة الخوف في غير حال المسابقة، وفيها نزلت. ذهب إليه مجاهد وغيره. وقال آخرون: عنى بها قصر الصلاة صلاة الخوف في حال غير شدة الخوف. وعنى به قصر الصلاة من صلاة السفر لا من صلاة الاقامة، لأن صلاة السفر عندهم ركعتان تمام غير قصر، كما قلناه - ذهب إليه السدي، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وجابر بن عبد الله، وكعب - وكان من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) قطعت يده يوم اليمامة وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وثعلبة ابن زهدم اليربوعي وكان من الصحابة - وأبو هريرة. وروي عن ابن عباس في رواية اخرى إن القصر المراد به صلاة شدة الخوف تقصر من حدودها وتصليها إيماء وهو مذهبنا. وأما حدّ السفر الذي يجب فيه التقصير فعندنا انه ثمانية فراسخ. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: مسيرة ثلاثة أيام. وقال الشافعي ستة عشر فرسخاً ثمانية وأربعين ميلا. وقال قوم: يجب في قليل السفر وكثيره. بينا الخلاف فيه في كتاب الخلاف. وانما قال في الاخبار عن الكافرين انهم عدو، ولم يقل أعداء لأن لفظة فعول وفعيل تقع على الواحد والجماعة، وفتنت الرجل أفتنه فهو مفتون لغة أهل الحجاز وتميم وربيعة. وأهل نجد كلهم وأسد يقولون: أفتنت الرجل فهو فاتن. وقد فتن فتوناً: إذا دخل في الفتنة.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} شرائط القصر وكيفيّته غير محتاجة الى البيان، ونفى الجناح لا ينافى وجوب القصر لانّه تعالى جرى على طريقة المخاطبات العرفيّة وآداب الملوك من نفى البأس والحرج عن الشّيء وارادة الامر به، وبعد ما علمت انّ الصّلوة هى ما به يتوجّه الى الله والاصل فيه محمّد (ص) وولايته ثمّ علىّ (ع) وخلافته، ثمّ الاعمال القلبيّته والقالبيّة المأخوذة منهما الّتى تصير سبباً للتّوجّه اليه تعالى امكنك تعميم السّفر وتعميم الصّلوة والقصر {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} اشارة الى الحكمة فى تشريع القصر لا انّه تقييد للحكم فلا ينافى وجوب القصر فى حال الا من على انّ حجّيّة مفهوم الشّرط غير مسلّم بل هو بحسب المفهوم كسائر المجملات، واعتباره وعدم اعتباره محتاج الى القرينة، ويحتمل ان يكون المراد صلوة الخوف وقصرها ويكون قصر مطلق الصّلوة فى السّفر من قبيل المجملات الّتى بيّنوها لنا بدليل بيان صلوة الخوف بعدها {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} استيناف فى موضع التّعليل.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ} أي أن يقتلكم {الذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} هذا قصر صلاة الخوف. قال: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي يضعون أسلحتهم وهم حذرون {إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}. أي من الهوان. وقد فسّرنا صلاة الخوف في سنن الصلاة. وتفسير مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بعُسفان والمشركون بضَجْنَان فتواقفوا، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر أربعاً، ركوعهم وسجودهم وقيامهم وقعودهم جميعاً؛ فهمَّ به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ}.... إلى آخر الآية. فصلّى رسول الله العصر؛ فصفَّ أصحابه خلفه صفين، ثم كبَّر بهم وكبَّروا جميعاً؛ فسجد الأوّلون بسجود النبي، والآخرون قيام؛ ثم سجد الآخرون حين قام النبي والصفّ الأول، ثم كبّر بهم وكبّروا جميعاً. فتقدم الصف الآخر وتأخر الصفّ الأول، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، فقصرت العصر إلى ركعتين. ذكروا أن أبا موسى الأشعري صلّى بأصحابه صلاة الخوف بالدير من أصبهان، وما بهم يومئذ كثير خوف، إلا أنه أراد أن يعلمهم دينهم؛ فجعل طائفة وراءه وطائفة مقبلة على عدوهم معهم السلاح؛ فصلى بالذين معه ركعة، ثم تأخروا على أعقابهم حتى قاموا مقام أصحابهم. وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا مقام أصحابهم، فصلى بهم ركعة أخرى، ثم قاموا فصلوا ركعة، ثم سلم كل إنسان منهم على يمينه وعلى يساره. ذكروا عن ابن عمر أنه كان يقول في صلاة الخوف: يكونون فرقتين: فرقة تصلي مع الإِمام، وطائفة تحرسهم؛ فيصلي بالذين يلونه ركعة، ثم يتأخرون على أعقابهم، فيقومون في مصاف إخوانهم، ويتقدم الآخرون، فيصلي به ركعة أخرى ثم يسلم؛ ثم يصلي كل إنسان منهم ركعة. ذكروا عن إبراهيم قال: يكونون طائفتين: طائفة خلفه وطائفة قبالة العدوّ؛ فيصلي بالذين خلفه ركعة، ثم يتأخرون حتى يقوموا في مقام أصحابهم، ويجيء الآخرون حتى يقوموا في مقام خلف الإِمام، فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم. ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم، ويجيء أصحابهم فيصلون ركعة، ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم، ويجيء الآخرون إلى مقام أصحابهم فيصلون ركعة ثم يسلمون. ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف فصفّهم خلفه، ثم كبر فكبروا جميعاً، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعاً، ثم سجد فسجد الذين يلونه والآخرون قيام. فلما رفعوا رؤوسهم من السجود سجدوا. قال بعضهم: كان العدو فيما بين أيديهم وفيما بينهم وبين القبلة. وقال بعضهم: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بهم صلاة الخوف فقامت طائفة وراءه، وطائفة خلفه مقبلة على العدو. فصلّى بالذين خلفه ركعتين، ثم تأخروا، وجاء آخرون فصلّى بهم ركعتين ثم سلّم؛ فتمت للنبي أربع ركعات، وللناس ركعتان. قال بعضهم: نرى أنه إنما كان هذا قبل أن تقصر الصلاة. قال بعضهم: إذا هجم العدو على قوم في مدينتهم صلّوا هكذا لا يقصرون الصلاة، ثم يقضون ركعتين ركعتين، ويكون قضاؤهم: أنَّ الذين صلى بهم آخراً يتأخرون حتى يقوموا في مقام أصحابهم، ثم يجيء أصحابهم إلى مكانهم فيقضون ركعتين، ثم يسلّمون، ثم يتأخرون إلى مقام أصحابهم، ثم يجيء أصحابهم إلى أماكنهم فيقضون ركعتين ثم يسلمون. أما صلاة المغرب في الخوف فقال بعضهم: يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ثم يتأخرون ويتقدم الآخرون فيصلّي بهم ركعة ثم يسلّم. ثم يتأخرون إلى مقام أصحابهم، ثم يجيء أصحابهم فيصلون الركعة التي بقيت عليهم، ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم، ويتقدم الآخرون، ويصلون ركعتين ثم يسلّمون. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بين مكة والمدينة ركعتين لا يخاف إلا الله. ذكروا عن حارثة بن وهب الخزاعي أنه قال: صليت مع رسول الله بمنى ركعتين، أكثر ما كان الناس وآمنهم. ذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني رجل تاجر اتّجر إلى البحرين، فكيف تأمرني بالصلاة؟ قال: صلّ ركعتين.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا}: وقرىء بضم التاء وكسر الصاد واسكان القاف بينهما من الاقصار، وقرأ الزهرى بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد مشددة من التقصير. {مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}: أى اذا سافرتم فى الأرض، والسفر فى البحر مثل السفر فى الأرض، وغير السفر كالسفر، ولكن ذكر السفر لأنه مظنته الخوف، والآية فى صلاة الخوف، فليس عليكم ميل عن الحق فى التقصير من الصلاة بحسب الامكان، كقراءة آية واحدة فى الركعة بعد فاتحة الكتاب، وعدم الترتيل، وتعظيمة واحدة، وتسبيحة واحدة، وكالصلاة بالايماء وذلك للغد وكصلاة ركعتين من أربع اذا كان فى الحضر، وواحدة من اثنتين اذا كان فى السفر، وذلك مع الامام، وذلك كله لمن خاف أن يفتنه الذين كفروا، أى أن يبلوه بقتل أو ضرب أو ينالوه بمضرة. وأما صلاة السفر فليست مأخوذة من الآية، والله أعلم، بل من السنة مثل قول ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بين مكة والمدينة ركعتين لا يخاف الا الله، وفى لفظ خرج من المدينة الى مكة لا يخاف الا رب العالمين، فصلى ركعتين، ومثل قول حارثة بن وهب الخزاعى: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين أكثر ما كان الناس وآمنهم، ولعل فى حجة الوداع. ومثل ما ذكروا عن حديث : رجل أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله انى رجل تاجر أتجر الى البحرين، فكيف تأمرنى بالصلاة؟ قال: صل ركعتينتفسير : ، ومثل خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة الى ذى الحليفة فصلى بهم ركعتين يعلمهم صلاة السفر، ومثل قول عمر رضى الله عنه: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، ومثل قول عائشة رضى الله عنها: "أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت فى السفر وزيدت فى الحضر" هذا مذهبنا، ومذهب ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، والسدى وأبى حنيفة، فلو صلى المسافر أربعا لم تجزه، وقيل: الأصل أربع فنقص منها للسفر ركعتان ترخيصا، وأنه لو صلى المسافر أربعا لأجزته، وأنه أولى من القصر، وقيل القصر أولى، ومذهب أبى حنيفة كمذهبنا، اذ قال: القصر فى السفر تحريمه غير رخصة لا يجوز غيره، واحتج من قال بذلك أيضا بأن ابن عمر أقام ثمانية عشر شهرا بمكة بقصر الصلاة. وقال الحسن: مضت السنة أن يقصر الصلاة المسافر ولو عشرين سنة ما لم يتخذ البلد الذى هو فيه وطنا، وأقام صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة يقصر، وفيه أيضا أن التقصير من السنة، واحتج من قال: أن الصلاة أربع ونقص للمسافر ركعتان، وأنه يجوز له أربع وهو مذهب الشافعى ومجاهد وطاوس وأحمد بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتم فى السفر، وبما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: حديث : اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة الى مكة حتى اذا قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى قصرت. وأتممت وصمت وأفطرت، فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علىَّتفسير : ، وبما روى عن عثمان كان يتم ويقصر، وبما روى حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال فى صلاة السفر لعمر: "انها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". تفسير : واختلفت الرواية عن مالك: روى عنه ابن وهب أن المسافر مخير فى القصر والتمام، وقاله الأبهرى وحذاف أهل مذهبه، وقال جمهورهم: ان القصر هو السنة، قال ابن سحنون وغيره: القصر فرض، وفى مدونة مالك أنه أتم فى السفر، أعاد فى الوقت، وأكثر علماء الأمة أن القصر فى السفر واجب، وبه قال عمر، وعلى، وابن عباس، والحسن، وجابر بن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، وهو أصح الرواية عن مالك. وقيل: يجوز للمسافر القصر والتمام، والقصر أولى ونسبت للشافعى، وأحمد، وعثمان، وسعد بن أبى وقاص، وحد السفر عندنا فرسخان، لأنه أقبل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قصر فيه والفرسخ ثلاثة أميال، وهو اثنا عشر ألف ذراع، فذلك أربعة وعشرون ألف ذراع، والميل أربعة آلاف ذراع، قال جابر بن زيد لعمرو بن دينار: قصر فى عرفة، وذلك لكون عرفة بعد الفرسخين المذكورين لا لما فهم عنه قومنا أنه قال له ذلك، لكونه يرى القصر فى السفر، ولو قصر اللهم الا أن أرادوا أنه يسمى ما دون الفرسخين سفرا، ويدل لذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج الى ذى الحليفة فصلى صلاة السفر، وذلك هو الفرسخان، نعم أجاز بعض العلماء القصر قبلهما لمن أراد السفر البعيد ثلاثة أيام. وعن داود وأهل الظاهر يجوز القصر فى السفر القصير والطويل ولو دون الفرسخين، لأنه قد ضرب فى الأرض، ومثل ذلك هو مروى عن أنس، وينبغى حمل كلام أنس فى السفر القصير على الفرسخين المذكورين، وقال الأوزاعى: لا يجوز الا فى السفر الطويل مسيرة يوم، وكان ابن عمر وابن عباس فيما قيل يقصران ويفطران فى مسيرة أربعة بُرد، وهى ستة عشر فرسخا، ونسب لمالك وأحمد واسحاق، ويقرب منه قول الحسن والزهرى، أن التقصير فى مسافة يومين، ونسب للشافعى وهو قول عن مالك يقال: مسيرة ليلتين قاصرتين ستة عشر فرسخا، كل فرسخ ثلاثة أميال، فذلك ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمى، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات. وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا قصر فى أقل من ثلاثة أيام، وذلك ستة برد، والليالى للاستراحة، والمدار على المسافة، فلو مشى فى يوم مسيرة ثلاثة أيام يقصر، وكذا سائر الأقوال المرجع فيها الى حصول المسافة، ولو فى مدة يسيرة، وكذا لو تباطأ فى السير لم يعتبر الزمان، بل المسافة، فلوا بقى أياما كثيرة لأتم حتى يقطعها، واذا كانت الأرض يدور فيها الطريق اعتبر الدوران وقصر، ولو كان تقطع فى وقت قليل لو لم تدر، وقد علمت أن البريد أربعة فراسخ، وأن الفرسخ ثلاثة أميال، وذلك بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذى قدر أميال البادية، كل ميل اثنى عشر ألف قدم، وهو أربعة آلاف خطوة، فان كل خطوة ثلاثة أقدام، القدمان وآخر بينهما وعن عمر: يقصر فى كل يوم، وعن ابن عباس: اذا زاد السفر على يوم وليلة قصر، وعن أنس: يقصر فى خمسة فراسخ. وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة: اذا سافر الى موضع يكون مسيرة يومين قصر، وكذا عن أبى يوسف ومحمد، ومن سافر فى معصية قصر كمن سافر فى طاعة أو مباح عندنا وعند أبى حنيفة، وقال جمهور الأمة: انه لا يقصر فى سفر يعصى به، وعن عطاء: لا قصر الا فى سفر طاعة، وقد علمت أن صلاة السفر ليست من الآية، بل من السنة، وأجمعت عليها الأمة، وزعم داود الطاهرى الى أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف، لقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} وزعم أن خبر الآحاد ان عمل به كان رافعا لهذا الشرط، فيكون ناسخا للقرآن، وهو لا ينسخه، ونحن نقول: ذلك اجماع وأحاديث ألحقت عدم الخوف بالخوف لا نسخ. وداود يزعم أن القصر من الآية، وكذا روى عن عمر وابنه أنه منها قال يعلى: من أمته، قلت لعمر بن الخطاب: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته "تفسير : أى التزموها فمن لم يقصر صدق عليه أنه لم يقبلها كذا نقول نحن وأبو حنيفة، وقال غيرنا المعنى اعتقدوا جوازه، لأن التصدق يناسبه، فلو لم يقصر لجاز، وكذا يدل له نفى الحرج فى الآية، وبذلك قال الشافعى. الجواب: أنه ليس كلما نفى الحرج دل على عدم الوجوب، لأن الانسان قد يتوهم حرمة الشىء وهو واجب، فينزل الله تعالى أنه لا حرج فيه فافعلوه حتما، كما صح أن العمرة واجبة، وهذا كله متبادر منه أن الصلاة السفرية منقوصة الحضرية، ولكن قد يعبر بالقصر من يقول: أن صلاة السفر أصل نظرا الى نقص عددها عن الأربع، ونجيب عن قول عائشة: قصرت وأتممت بأنها، والله أعلم أرادت أنها قصرت بعد حد السفر، وأتمت قبل حده وبعده شروعها فى السير له، وكذا ما روى أنه صلى الله عليه وسلم أتم فى السفر، وقد صح أنه مضت السنة أن يقصر المسافر، ولو طالت المدة فما قبل ذلك مؤول كما رأيت أو منسوخ بوجوب الاتمام، فمن صلى مسافرا أربعا بطلت عندنا، لأنه دخل الصلاة بنية غير جائزة الا ان صلى خلف مقيم، وادعى أبو حنيفة أنه ان صلى المسافر أربعا ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته، لاتصال النافلة بها قبل كمال أركانها، وان قعد آخر الركعة الثانية قدر التشهد أجزأته والأخريان نافلة، وأساء بتأخير السلام، وليس كذلك عندنا، لأنه لم ينو النفل من أوله، بل نوى أولا الأربع كلها فرضا، ولو نوى أولا الأخريين نفلا لصح الأوليان فرضا على قول من لم يوجب التسليم، فيكون التسليم بعد للنفل، أو من بعد الأخريين بمنزلة ما يزيد المصلى بعد تمام التحيات التى للتسليم، فيكون التسليم للفرض. ومثل ما روى عن يعلى بن أمية، ما روى عن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لابن عمر: كيف تقصرون الصلاة وقد أمنتم، والله يقول: {إِنْ خِفْتُمْ}؟ فقال ابن عمر: يا ابن أخى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ونحن فى ضلال مبين، فعلمنا فكان فيما علمنا أن نصلى ركعتين فى السفر، وأمرنا بهما. قلت: الأمر المجرد للوجوب، وما لجعل قرينة على عدم الوجوب من تأويلة، ولعل من أخذ صلاة السفر من الآية جعل قيد الخوف لبيان الواقع، ولكون الغالب الخوف حينئذ، فلا مفهوم له، فصح القصر فى عدم الخوف لأنه صلى الله عليه وسلم قصر فى الأمن أيضا، وهذا غير خارج عن كون الشرط قيدا لكن لا مفهوم له. وزعم أبو حنيفة أن عدم الشرط لا يفيد عدم المشروط له، بل وجوده يفيد مجرد ثبوت الحكم، فاذا قلت: ان قام زيد قمت أفاد أنك قائم لا بد أن قام زيد، وأما ان لم يقم فقد يحتمل أن تقوم، وأن لا تقوم، والأدلة هنا أفادت أنه يقصر المسافر أيضا ولو لم يخف، واذا جعلنا القصر من الآية فقد تم الكلام فى قوله تعالى: {إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِيناً}: وما بعده مستأنف فى صلاة الخوف السفر والحضر، لا فى مجرد القصر، والجملة مستأنفة تعليلية، كأنه قيل: لأن الذين كفروا أى أشركوا أو يعم الشرك والنفاق، يقول الله: لعلمى بعداوة الكفار لكم أبحت لكم القصر أو صلاة الخوف، والعدو يطلق على الجماعة والواحد والاثنين، وقرأ ابن مسعود: أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم باسقاط قوله: ان خفتم أى لئلا يفتنكم، أو كراهة أن يفتنكم، وقد جاء لفظ كره فى وصف الله كحديث: أن الله كره لكم ثلاثا، وغير هذا الحديث، وأما على قراءة: ان خفتم فان يفتنكم مفعول لخفتم، ويجوز تقدير الخوف فى قراءة اسقاطه، هكذا أن تقصروا من الصلاة خائفين أن يفتنكم، ومفعول تقصروا على القراءتين محذوف موصوف بقوله: من الصلاة، أى أن تقصروا شيئا من الصلاة، ومن تبعيضية، وأجاز الأخفش زيادة من فى الاثبات والتعريف، فيكون الصلاة عنده مفعول تقصروا ومن زائدة، ويخبر الوجه الأول. وقيل: صلاة القصر مأخوذة من الآية، وتم الكلام عليها فى قوله تعالى: {أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} واستأنف فى صلاة الخوف قوله: {إِنْ خِفْتُمْ} ويدل ما روى عن أبى أيوب الأنصارى أنه لما نزل قوله تعالى: {واذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ومضى حول سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِيناً}.

اطفيش

تفسير : {وَإذَا ضّرَبْتُمْ فِى الأَرضِ} جاوزتم فرسخين،مما اتخذتموه وطناً ولو فى الحوزة، لحديث الربيع رحمه الله، حديث : أنه صلى الله عليه وسلم جاوز فرسخين من المدينة إلى ذى الحليفة، وقال: أريد أن أعلمكم حد السفرتفسير : ، وقال مالك الشافعى: حده أربعة برد، وقال أبو حنيفة: ستة برد، والبريد أربعة فراسخ، وهى مسيرة يومين باعتدال فى السير، والفرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم، جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذى قدر أميال البادية، والميل اثنا عشر ألف قدم وهى أربعة آلاف خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام وعن أبى حنيفة يقصر فى ثلاثة أيام، وعن الحسن ابن زياد عن أبى حنيفة يومان، وأكثر الثالث، وكذا عن صاحبيه أبى يوسف ومحمد، وعن الحسن البصرى مسيرة ليلتين، وعن أنس خمسة فراسخ، وقيل أحد وعشرون فرسخاً، وقيل ثمانية عشر فرسخاً، وقيل خمسة عشر فرسخاً، وعن ابن عباس الزيادة على يوم، وعن عمر يوم، وقال داود الظاهرى: القصر لمطلق السفر ولو قليلا {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا} فى أن تقصروا {مِنَ الصَّلاَةِ} الرباعية ركعتين، فلا تصعب عليكم الهجرة، والقصر واجب، فمن صلى صلاة سفر تماما ولو يعدها قصراً هلك، ولزمته المغلظة، ورخص فى المغلظة، كما ذكر الشيخ موسى بن عامر، وكذلك قال بوجوب القصر أبو حنيفة كما قلنا ولنا قول عائشة رضى الله عنها: فرضت الصلاة ركعتين، والمغرب ثلاثا، وزاد الله فى الحضر علىغير المغرب، والفجر ركعتين فالتقصير عزيمة، وأبقى المغرب لأنه وتر النهار، والفجر لأنه يسن فيه طول القراءة، ولنا أيضا قول عمر: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وليس فى نفى الجناح ما ينافى الوجوب، لأنه دفع لما يتوهم أن القصر ذنب، على حد ما في قوله عز وجل: {أية : فلا جناح عليه أن يطوف بهما} تفسير : [البقرة: 158]، وقال الشافعى: القصر رخصة لا عزيمة، فإن شاء أتم، واستدل بأنه صلى الله عليه وسلم أتم، وأن عائشة رضى الله عنها حديث : قالت: يا رسول الله، قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال صلى الله عليه وسلم: أحسنتتفسير : ، فنقول: ما استمرت عليه عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت، فإنها لم تقل ذلك إلا لعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الإتمام فى السفر منسوخ، وأن قوله صلى الله عليه وسلم إنما هو قبل النسخ، ولا يخفى أن فرض صلاة السفر ركعتين ركعتين ينافى جواز الزيادة، وعائشة رضى الله عنها خالف فعلها روايتها، والقاعدة أن مثل ذلك يتبع فيه فعلها مثلا، وروى أنها اعتذرت عن فعلها بأنى أم المؤمنين، فدارى حيثما حللت {إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ} أن يقتلكم، كقوله تعالى: {أية : على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم} تفسير : [يونس: 83]، ويلتحق بالقتل نحوه، وقيل هذا مستأنف متعلق بقوله: فإذا كنت فيهم الخ، وعلى هذا فهى فى صلاة الخوف لا فى صلاة القصر، والصحيح أنها فى القصر {الَّذِينَ كَفَرُوا} هذا جار على الغالب فى ذلك الوقت، فيشرع القصر أيضاً فى حال الأمن كقوله تعالى: {أية : وربائبكم اللاتى فى حجوركم} تفسير : [النساء: 23] وقوله تعالى: {أية : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} تفسير : [البقرة: 229] الخ، وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قصر فى السفر من غير خوف، وأنه صلى الله عليه وسلم أباح لعائشة قصرها من غير خوف، وروى عن يعلى بن أمية، قلت بن الخطاب، فيم اقتصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله تعالى: إن خفتم أن يفتنكم، وقد ذهب الخوف اليوم، فقال: عجبت بما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال "حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"تفسير : ، أى فاعتقدوه واعملوا به، وذلك إسقاط للإتمام عن ذممنا والإسقاط لا يحتاج إل القبول، لا يقبل الرد خصوصاً ما كان من الله، فإنه ما لنا إلا التدين بما شرع لنا، وقال داود الظاهرى: لا يجوز القصر إلا حال الخوف لظاهرالآية، وإخبار القصر فى الأمن آحاد، والآحاد لا تنسخ القرآن، قلنا: الأحاديث بينت أن الشرط جرى على الغالب لا قيد، وقد أخرج البخارى ومسلم وابن جرير، والنسائى، والترمذى أنه صلى الله عليه وسلم صلى فى السفر ركعتين وهو فى أمن وقيل: القصر من السنة، وأما الآية ففى تخفيف الصلاة عند الخوف بتقليل القراءة والتسبيح والتعظيم بالإيماء كما يأتى قريبا إن شاء الله تعالى {إنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُّوا مُّبِيناً} وقيل المراد بالآية أن يخافوا العدو، فينفضوا من صلاتهم، وشأنها كالوضوء بالتيمم وتلاوة أية واحدة، ولو قصيرة والإيماء وتعظيمه وتسبيحة واحدة فى كل ركوع وسجود، ونسب لابن عباس وطاوس، وهو ضعيف، وقيل المراد ركعتان ولو فى المغرب للخوف فى السفر، وألحق به الخوف فى الحضر، وهو ضعيف.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي سافرتم أيّ سفر كان، ولذا لم يقيد بما قيد به المهاجرة، والشافعي رضي الله تعالى عنه يخص السفر بالمباح ـ كسفر التجارة ـ والطاعة ـ كسفر الحج ـ ويخرج سفر المعصية ـ كقطع الطريق والإباق ـ فلا يثبت فيه الحكم الآتي لأنه رخصة، وهي إنما تثبت تخفيفاً وما كان كذلك لا يتعلق بما يوجب التغليظ لأن إضافة الحكم إلى وصف يقتضي خلافه فساد في الوضع، ولنا إطلاق النصوص مع وجود قرينة في بعضها تشعر بإرادة المطلق وزيادة قيد عدم المعصية نسخ على ما عرف في موضعه، ولأن نفس السفر ليس بمعصية إذ هو عبارة عن خروج مديد وليس في هذا شيء من المعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده كما في السرقة، أو مجاوره كما في الإباق فيصلح من حيث ذاته متعلق الرخصة لإمكان الانفكاك عما يجاوره كما إذا غصب خفاً ولبسه فإنه يجوز له أن يمسح عليه لأن الموجب ستر قدمه ولا محظور فيه، وإنما هو في مجاوره وهو صفة كونه مغصوباً وتمامه في الأصول والمراد من الأرض ما يشمل البر والبحر، والمقصود التعميم أي إذا سافرتم في أي مكان يسافر فيه من بر أو بحر. {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي حرج وإثم {أَن تَقْصُرُواْ} أي في أن تقصروا، والقصر خلاف المد يقال: قصرت الشيء إذا جعلته قصيراً بحذف بعض أجزائه أو أوصافه، فمتعلق القصر إنما هو ذلك الشيء لا بعضه فإنه متعلق الحذف دون القصر، فقوله تعالى: {مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} ينبغي على هذا أن يكون مفعولاً لتقصروا و {مِنْ} زائدة حسبما نقله أبو البقاء عن الأخفش القائل بزيادتها في الإثبات، وأما على تقدير أن تكون تبعيضية ويكون المفعول محذوفاً والجار والمجرور في موضع الصفة ـ على ما نقله الفاضل المذكور عن سيبويه ـ أي شيئاً من الصلاة فينبغي أن يصار إلى وصف الجزء بوصف الكل، أو يراد بالقصر الحبس كما في قوله تعالى: {أية : حُورٌ مَّقْصُورٰتٌ فِى ٱلْخِيَامِ} تفسير : [الرحمن: 72] أو يراد بالصلاة الجنس ليكون (المقصور) بعضاً منها وهي الرباعية أي فليس عليكم جناح في أن تقصروا بعض الصلاة بتنصيفها، وقرىء {تقصروا} من أقصر ومصدره الإقصار وقرأ الزهري {تَقْصُرُواْ} بالتشديد ومصدره التقصير والكل بمعنى. وأدنى مدة السفر الذي يتعلق به القصر في المشهور ـ عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه ـ مسيرة ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام بالاقتصاد في البر، وجري السفينة والريح معتدلة في البحر، ويعتبر في الجبل كون هذه المسافة من طريق الجبل بالسير الوسط أيضاً، وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه التقدير بالمراحل وهو قريب من المشهور. / وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر الثالث، والشافعي رحمه الله تعالى في قول: بيوم وليلة، وقدر عامة المشايخ ذلك بالفراسخ، ثم اختلفوا فقال بعضهم: أحد وعشرون فرسخاً وقال آخرون ثمانية عشر، وآخرون خمسة عشر، والصحيح عدم التقدير بذلك، ولعل كل من قدر بقدر مما ذكر اعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام ولياليها، والدليل على هذه المدة ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يمسح المقيم كمال يوم وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» تفسير : لأنه صلى الله عليه وسلم عمم الرخصة الجنس، ومن ضرورته عموم التقدير، والقول بكون «ثلاثة أيام» ظرفاً للمسافر لا ليمسح يأباه أن السوق ليس إلا لبيان كمية مسح المسافر لا لإطلاقه، وعلى تقدير كونه ظرفاً للمسافر يكون يمسح مطلقاً وليس بمقصود، وأيضاً يبطل كونه ظرفاً لذلك أن المقيم يمسح يوماً وليلة إذ يلزم عليه اتحاد حكم السفر والإقامة في بعض الصور وهي صورة مسافر يوم وليلة لأنه إنما يمسح يوماً وليلة وهو معلوم البطلان للعلم بفرق الشرع بين المسافر والمقيم على أن ظرفية «ثلاثة» للمسافر تستدعي ظرفية اليوم للمقيم ليتفق طرفا الحديث، وحينئذٍ ـ يكون لا يكاد ينسب إلى أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم، وربما يستدل للقصر في أقل من ثلاثة بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» فإنه يفيد القصر في الأربعة برد وهي تقطع في أقل من ثلاثة، وأجيب بأن راوي الحديث عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف عند النقلة جداً حتى كان سفيان يزريه بالكذب فليفهم. واحتج الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بظاهر الآية الكريمة على عدم وجوب القصر وأفضلية الإتمام، وأيد ذلك بما أخرجه ابن أبـي شيبة والبزار والدارقطني عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم» وما أخرجه النسائي والدارقطني وحسنه البيهقي وصححه «حديث : أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله قصرت وأتممت وصمت وأفطرت؟ فقال: أحسنت يا عائشة»تفسير : وبما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان يتم ويقصر، وعندنا يجب القصر لا محالة خلا أن بعض مشايخنا سماه عزيمة، وبعضهم رخصة إسقاط بحيث لا مساغ للإتمام لا رخصة (توفية) إذ لا معنى للتخيير بين الأخف والأثقل، وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وجابر وجميع أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة، وهو قول مالك، وأخرج النسائي. وابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام» وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «أول ما فرض الله تعالى الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر» وأما ما روي عنها من الإتمام فقد اعتذرت عنه؛ وقالت: أنا أم المؤمنين فحيث حللت فهي داري كما اعتذر عثمان رضي الله تعالى عنه عن إتمامه بأنه تأهل بمكة وأزمع الإقامة بها كما روي عن الزهري فلا يرد أنها رضي الله تعالى عنها خالف رأيها روايتها، وإذا خالف الراوي روايته في أمر لا يعمل بروايته فيه، والقول: بأن حديثها غير مرفوع لأنها لم تشهد فرض الصلاة غير مسلم لجواز أنها سمعته من النبـي صلى الله عليه وسلم، نعم ذكر بعض الشافعية أن الخبر مؤل بأن الفرض في قولها: «فرضت ركعتين» بمعنى البيان، وقد ورد بهذا المعنى كـ {أية : فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2]. وقال الطبري: معناه فرضت لمن اختار ذلك من المسافرين، وهذا كما قيل في الحاج: إنه مخير في النفر / في اليوم الثاني والثالث، وأياً فعل فقد قام بالفرض وكان صواباً، وقال النووي: «المعنى فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في [صلاة] الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز (الإتمام) وحيث ثبتت دلائل [جواز] (الإتمام) وجب المصير إلى ذلك جمعاً بين الأدلة»، وقال ابن حجر عليه الرحمة: «والذي يظهر لي في جمع الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت عقب الهجرة إلا الصبح كما رواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة، وفيه: وتركت الفجر لطول القراءة والمغرب لأنها وتر النهار، ثم بعد ما استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية، ويؤيده قول ابن الأثير [في "شرح المسند"]: إن القصر كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف [كان] فيها، وقيل: القصر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية كما ذكره الدولابـي، وقال السهيلي: إنه بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوماً فعلى هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها «فأقرت صلاة السفر» أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة» انتهى. واستبعد هذا الجمع بأنها لو كانت قبل الهجرة ركعتين لاشتهر ذلك، وقال آخرون منهم: إن الآية صريحة في عدم وجوب الإتمام، وما ذكر خبر واحد فلا يعارض النص الصريح على أنه مخصوص بغير الصبح والمغرب، وحجية العام المخصوص مختلف فيها، وذكر أصحابنا أن كثرة الأخبار، وعمل الجم الغفير من الصحابة والتابعين وجميع العترة رضي الله تعالى عنهم أجمعين بما يقوي القول بالوجوب ووروده بنفي الجناح لأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فصرح بنفي الجناح عليهم لتطيب به نفوسهم وتطمئن إليه كما في قوله تعالى: {أية : فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} تفسير : [البقرة: 158] مع أن ذلك الطواف واجب عندنا، ركن عند الشافعي رحمه الله تعالى، وعن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه تلا هذه الآية لمن استبعد الوجوب بنفي الجناح. {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جوابه محذوف لدلالة ما قبل عليه أي إن خفتم أن يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال أو غيره فليس عليكم جناح الخ، وقد أخذ بعضهم بظاهر هذا الشرط فقصر القصر على الخوف، وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والذي عليه الأئمة أن القصر مشروع في الأمن أيضاً؛ وقد تظاهرت الأخبار على ذلك فقد أخرج النسائي والترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ركعتين» وأخرج الشيخان وغيرهما من أصحاب السنن عن حارثة بن وهب الخزاعي أنه قال: «صليت مع النبـي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين» إلى غير ذلك، ولا يتوهمن أنه مخالف للكتاب لأن التقييد بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط، وأما عدمه عند عدمه فساكت عنه فإن وجد له دليل ثبت عنده أيضاً، وإلا يبقى على حاله لعدم تحقق دليله لا لتحقق دليل عدمه. وناهيك ما سمعت من الأدلة الواضحة، وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه إنما يدل على نفي الحكم عند عدم الشرط إذا لم يكن فيه فائدة أخرى، وقد خرج الشرط ههنا مخرج الأغلب كما قيل في قوله تعالى: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 229] بل قد يقال إن الآية الكريمة مجملة / في حق مقدار القصر وكيفيته وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر فكلما ورد منه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف وبالضرب في المدة المعينة بيان لإجمال الكتاب كما قاله شيخ الإسلام، وقال بعضهم: إن القصر في الآية محمول على قصر الأحوال من الإيماء وتخفيف التسبيح والتوجه إلى أي وجه وحينئذٍ يبقى الشرط على ظاهر مقتضاه المتبادر إلى الأذهان، ونسب ذلك إلى طاوس والضحاك. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: قصر الصلاة إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة أن تكبر الله تعالى وتخفض رأسك إيماءاً راكباً كنت أو ماشياً، وقيل: إن قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} الخ متعلق بما بعده من صلاة الخوف منفصل عما قبله. فقد أخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبـي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها فأنزل الله تعالى بين الصلاتين {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إلى قوله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} تفسير : [النساء: 102] فنزلت صلاة الخوف» ولعل جواب الشرط على هذا محذوف أيضاً على طرز ما تقدم، ونقل الطبرسي عن بعضهم أن القصر في الآية بمعنى الجمع بين الصلاتين وليس بشيء أصلاً. وقرأ أبـيّ كما قال ابن المنذر: فأقصروا من الصلاة أن يفتنكم، والمشهور أنه كعبد الله أسقط {إِنْ خِفْتُمْ} فقط، وأياً مّا كان فإن {أَن يَفْتِنَكُمُ} في موضع المفعول له لما دل عليه الكلام بتقدير مضاف كأنه قيل: شرع لكم ذلك كراهة ان يفتنكم الخ فإن استمرار الاشتغال بالصلاة مظنة لاقتدار الكافرين على إيقاع الفتنة، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} إما تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ذكر، أو تعليل لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة فإن كمال العداوة من موجبات التعرض بالسوء، و {عَدُوّا} كما قال أبو البقاء: في موضع أعداء، وقيل: هو مصدر على فعول مثل الولوع والقبول، و {لَكُمْ} حال منه، أو متعلق بـ (كان).

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى تشريع آخر بمناسبة ذكر السفر للخروج من سلطة الكفر، على عادة القرآن في تفنين أغراضه، والتماس مناسباتها. والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. والضرب في الأرض: السفر. (وإذا) مضمّنة معنى الشرط كما هو غالب استعمالها، فلذلك دخلت الفاء على الفعل الذي هو كجواب الشرط. (وإذا) منصوبة بفعل الجواب. وقصر الصلاة: النقص منها، وقد عُلم أنّ أجزاء الصلاة هي الركعات بسجداتها وقراءاتها، فلا جرم أن يعلم أنّ القصر من الصلاة هو نقص الركعات، وقد بيّنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ صيّر الصلاة ذات الأربع الركعات ذات ركعتين. وأجملت الآية فلم تعيّن الصلوات التي يعتريها القصر، فبيّنته السنّة بأنّها الظهر والعصر والعشاء. ولم تقصر الصبح لأنّها تصير ركعة واحدة فتكون غير صلاة، ولم تقصر المغرب لئلاّ تصير شفعاً فإنّها وتر النهار، ولئلاّ تصير ركعة واحدة كما قلنا في الصبح. وهذه الآية أشارت إلى قصر الصلاة الرباعية في السفر، ويظهر من أسلوبها أنّها نزلت في ذلك، وقد قيل: إنّ قصر الصلاة في السفر شُرع في سنة أربع من الهجرة وهو الأصحّ، وقيل: في ربيع الآخر من سنة اثنتين، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوماً. وقد روى أهل الصحيح قول عائشة ــــ رضي الله عنها ــــ: فُرِضت الصلاة ركعتين فأقِرّت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر، وهو حديث بيّن واضح. ومحمل الآية على مقتضاه: أنّ الله تعالى لمّا فرض الصلاة ركعتين فتقرّرت كذلك فلمّا صارت الظهر والعصر والعشاء أربعاً نسخ ما كان من عددها، وكان ذلك في مبدأ الهجرة، وإذ قد كان أمر الناس مقاماً على حالة الحضر وهي الغالب عليهم، بطل إيقاع الصلوات المذكورات ركعتين، فلمّا غزوا خفف الله عنهم فأذنهم أن يصلّوا تلك الصلوات ركعتين ركعتين، فلذلك قال تعالى: {فليس عليكم جناح} وقال: {أن تقصروا من الصلاة} وإنّما قالت عائشة «أقرت صلاة السفر» حيث لم تتغيّر عن الحالة الأولى، وهذا يدلّ على أنّهم لم يصلّوها تامّة في السفر بعد الهجرة، فلا تعارض بين قولها وبين الآية. وقوله: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} شرط دلّ على تخصيص الإذن بالقصر بحَال الخوف من تمكّن المشركين منهم وإبطالِهم عليهم صلاتهم، وأنّ الله أذن في القصر لتقع الصلاة عن اطمئنان، فالآية هذه خاصّة بقصر الصلاة عند الخوف، وهو القصر الذي له هيئة خاصّة في صلاة الجماعة، وهذا رأي مالك، يدلّ عليه ما أخرجه في «الموطأ»: أنّ رجلاً من آل خالد بن أسِيد سأل عبد الله بن عُمر «إنّا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر»، فقال ابن عمر: «يابن أخي إنّ الله بعث إلينا محمداً ولا نعلم شيئاً فإنّما نفعل كما رأيناه يفعل»، يعني أنّ ابن عمر أقرّ السائل وأشعره بأنّ صلاة السفر ثبتت بالسنّة، وكذلك كانت ترى عائشة وسعد بن أبي وقّاص أنّ هذه الآية خاصّة بالخوف، فكانا يكمّلان الصلاة في السفر. وهذا التأويل هو البيّن في محمل هذه الآية، فيكون ثبوت القصر في السفر بدون الخوف وقصر الصلاة في الحضر عند الخوف ثابتين بالسنّة، وأحدهما أسبق من الآخر، كما قال ابن عمر. وعن يعلى بن أمية أنّه قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنّ الله تعالى يقول: {إن خفتم} وقد أمِن الناس. فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه فسألتُ رسول الله عن ذلك فقال «حديث : صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقَته»تفسير : . ولا شكّ أنّ محمل هذا الخبر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ عمرَ على فهمه تخصيصَ هذه الآية بالقصر لأجل الخوف، فكان القصر لأجل الخوف رخصة لدفع المشقّة، وقوله: له صدقة الخ، معناه أنّ القصر في السفر لغير الخوف صدقة من الله، أي تخفيف، وهو دون الرخصة فلا تردّوا رخصته، فلا حاجة إلى ما تَمَحّلوا به في تأويل القيد الذي في قوله: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وتقتصر الآية على صلاة الخوف، ويستغني القائلون بوجوب القصر في السفر مثل ابن عباس، وأبي حنيفة، ومحمد ابن سحنون، وإسماعيل بن إسحاق من المالكية؛ والقائلون بتأكيد سنّة القصر مثل مالك بن أنس وعامّة أصحابه، عن تأويل قوله: {فليس عليكم جناح} بما لا يلائم إطلاق مثل هذا اللفظ. ويكون قوله: {وإذا ضربتم في الأرض} إعادة لتشريع رخصة القصر في السفر لقصد التمهيد لقوله: {وإذا كنت فيهم} الآيات. أمّا قصر الصلاة في السفر فقد دلّت عليه السنّة الفعلية، واتَّبعه جمهور الصحابة إلاّ عائشة وسعدَ بن أبي وقاص، حتّى بالغ من قال بوجوبه من أجل حديث عائشة في «الموطأ» و«الصحيحين» لدلالته على أنّ صلاة السفر بقيت على فرضها، فلو صلاّها رباعية لكانت زيادة في الصلاة، ولقول عمر فيما رواه النسائي وابن ماجة: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غيرُ قصر. وإنّما قال مالك بأنّه سنّة لأنّه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر إلاّ القصر، وكذلك الخلفاء من بعده. وإنّما أتمّ عثمان بن عفّان الصلاة في الحج خشية أن يتوهّم الأعراب أنّ الصلوات كلّها ركعتان. غير أنّ مالكاً لم يقل بوجوبه من أجل قوله تعالى: {فليس عليكم جناح} لمنافاته لصيغ الوجوب. ولقد أجاد محامل الأدلّة. وأخْبِر عن الكافرين وهو جمع بقوله: {عَدُوّاً} وهو مفرد. وقد قدّمنا ذلك عند قوله تعالى: {أية : فإن كان من قوم عدوَ لكم}تفسير : [النساء: 92]. وقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} هذه صفة صلاة الخوف في الجماعة لقوله: {فأقمت لهم الصلاة}. واتّفق العلماء على أنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف. وأكثر الآثار تدلّ على أنّ مشروعيتها كانت في غزوة ذات الرّقَاع بموضع يقال له: نَخلة بين عسفان وضجنان من نجد، حين لقوا جموع غطفان: محارب وأنمار وثعلبة. وكانت بين سنة ستّ وسنة سبع من الهجرة، وأنّ أوّل صَلاة صلّيت بها هي صلاة العصر، وأنّ سببها أنّ المشركين لما رأوا حرص المسلمين على الصلاة قالوا: هذه الصلاة فرصة لنا لو أغرنا عليهم لأصبناهم على غِرّة، فأنبأ الله بذلك نبيّه صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية. غير أنّ الله تعالى صدّر حكم الصلاة بقوله: {وإذا كنت فيهم} فاقتضى ببادىء الرأي أنّ صلاة الخوف لا تقع على هذه الصفة إلاّ إذا كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي خصوصية لإقامته. وبهذا قال إسماعيل بن عُلية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة في أحد أقواله، وعلّلوا الخصوصية بأنّها لِحرص الناس على فضل الجماعة مع الرسول، بخلاف غيره من الأيّمة، فيمكن أن تأتمّ كلّ طائفة بإمام. وهذا قول ضعيف: لمخالفته فعل الصحابة، ولأنّ مقصد شرع الجماعة هو اجتماع المسلمين في الموطن الواحد، فيؤخذ بهذا المقصد بقدر الإمكان. على أنّ أبا يوسف لا يرى دلالة مفهوم المخالفة فلا تدلّ الآية على الاختصاص بإمامة الرسول، ولذلك جزم جمهور العلماء بأنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف للمسلمين أبداً. ومحمل هذا الشرط عندهم جار على غالب أحوالهم يومئذٍ من ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم لغزواتهم وسراياهم إلاّ للضرورة، كما في الحديث «حديث : لولا أنّ قوماً لا يتخلّفون بعدي ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلّفت عن سريّة سارت في سبيل الله»تفسير : ، فليس المراد الاحترازَ عن كون غيره فيهم ولكن التنويهَ بكون النبي فيهم. وإذ قد كان الأمراء قائمين مقامه في الغزوات فالذي رخّص الله للملسمين معه يرخّصه لهم مع أمرائه، وهذا كقوله: {أية : خذ من أموالهم صدقة}تفسير : [التوبة: 103]. وفي نظم الآية إيجاز بديع فإنّه لمّا قال: «فلتقم طائفة منهم معك» علم أنّ ثمة طائفة أخرى، فالضمير في قوله: {وليأخذوا أسلحتهم} للطائفة باعتبار أفرادها، وكذلك ضمير قوله: {فإذا سجدوا} للطائفة التي مع النبي، لأن المعية معية الصلاة، وقد قال: {فإذا سجدو}. وضمير قوله: {فليكونوا} للطائفة الأخرى المفهومة من المقابلة، لظهور أنّ الجواب وهو {فليكونوا من ورائكم} متعيّن لفعل الطائفة المواجهة العدوّ. وقوله: {ولتأت طائفة أخرى} هذه هي المقابلة لقوله: {فلتقم طائفة منهم معك}. وقد أجملت الآية ما تصنعه كلّ طائفة في بقية الصلاة. ولكنّها أشارت إلى أنّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم واحدة لأنّه قال: {فليصلوا معك}. فجعلهم تابعين لصلاته، وذلك مؤذن بأنّ صلاته واحدة، ولو كان يصلّي بكل طائفة صلاة مستقلّة لقال تعالى فلتصلّ بهم. وبهذا يبطل قول الحسن البصري: بأنّ رسول الله ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ صلّى ركعتين بكلّ طائفة، لأنّه يصير متمّا للصلاة غير مقصّر، أو يكون صلّى بإحدى الطائفتين الصلاة المفروضة وبالطائفة الثانية صلاة: نافلة له، فريضة للمؤمنين، إلاّ أن يلتزم الحسن ذلك. ويرى جواز ائتمام المفترض بالمتنفّل. ويظهر أنّ ذلك الائتمام لا يصحّ، وإن لم يكن في السنّة دليل على بطلانه. وذهب جمهور العلماء إلى أنّ الإمام يصلّي بكلّ طائفة ركعة، وإنّما اختلفوا في كيفية تقسيم الصلاة: بالنسبة للمأمومين. والقول الفصل في ذلك هو ما رواه مالك في «الموطأ»، عن سهل بن أبي حثمة: إنه صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، فصفّت طائفة معه وطائفة وِجاه العدوّ، فصلّى بالذين معه ركعة ثم قام، وأتمّوا ركعة لأنفسهم، ثم انصرفوا فوقفوا وِجاه العدوّ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت له، ثم سلّم، ثم قضوا الركعة التي فاتتهم وسلُّموا وهذه الصفة أوفق بلفظ الآية، والروايات غيرُ هذه كثيرة. والطائفة: الجماعة من الناس ذات الكثرة. والحقّ أنّها لا تطلق على الواحد والاثنين، وإن قال بذلك بعض المفسّرين من السلف. وقد تزيد على الألف كما في قوله تعالى: {أية : على طائفتين مِن قبْلِنا}تفسير : [الأنعام: 156]. وأصلها منقولة من طائفة الشيء وهي الجزء منه. وقوله: {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} استُعمل الأخذ في حقيقته ومجازه: لأنّ أخذ الحِذر مجاز، إذ حقيقة الأخذ التناول، وهو مجاز في التلبّس بالشيء والثبات عليه. وأخذُ الأسلحة حقيقة، ونظيره قوله تعالى: {أية : والذين تبوّأوا الدار والإيمانَ من قبلهم}تفسير : [الحشر: 9]، فإنّ تَبَوّأ الإيمانِ الدخول فيه والاتّصافُ به بعد الخروج من الكفر. وجاء بصيغة الأمر دون أن يقول: ولا جناح عليكم أن تأخذوا أسلحتكم، لأنّ أخذ السلاح فيه مصلحة شرعية. وقوله: {ود الذين كفروا} الخ، ودّهم هذا معروف إذ هو شأن كلّ محارب، فليس ذلك المعنى المعروف هو المقصود من الآية، إنّما المقصود أنّهم ودّوا ودّا مستقرباً عندهم، لظنّهم أنّ اشتغال المسلمين بأمور دينهم يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم جهلاً من المشركين لحقيقة الدين، فطمعوا أن تلهيهم الصلاة عن الاستعداد لأعدائهم، فنبه الله المؤمنين إلى ذلك كيلاً يكونوا عند ظنّ المشركين، وليعوّدهم بالأخذ بالحزم في كلّ الأمور، وليريهم أنّ صلاح الدين والدنيا صنوان. والأسلحة جمع سلاح، وهو اسم جنس لآلة الحرب كلّها من الحديد، وهي السيف والرمح والنبل والحَرْبَة وليس الدرع ولا الخُوذَة ولا التُّرس بسلاح. وهو يذكّر ويؤنث. والتذكير أفصح، ولذلك جمعوه على أسلحة وهو من زِنات جمع المذكّر. والأمتعة جمع متاع وهو كلّ ما ينتفع به من عروض وأثاث، ويدخل في ذلك ما له عون في الحرب كالسروج ولامة الحرب كالدروع والخُوذات. {فيميلون} مفرّع عن قوله: {لو تغفلون}» الخ، وهو محلّ الودّ، أي ودّوا غفلتكم ليميلوا عليكم. والميل: العدول عن الوسط إلى الطرف، ويطلق على العدول عن شيء كان معه إلى شيء آخر، كما هنا، أي فيعدلون عن مُعسكرهم إلى جيشكم. ولمّا كان المقصود من الميل هنا الكَرُّ والشدُّ، عُدّي بــــ(ــــعلى)، أي فيشدّون عليكم في حال غفلتكم. وانتصب (مَيلةً) على المفعولية المطلقة لبيان العدد، أي شدّة مفردة. واستعملت صيغة المرّة هنا كناية عن القوّة والشدّة، وذلك أنّ الفعل الشديد القويّ يأتي بالغرض منه سريعاً دون معاودة علاج، فلا يتكرّر الفعل لتحصيل الغرض، وأكّد معنى المرّة المستفاد من صيغة فعلة بقوله: {واحدة} تنبيهاً على قصد معنى الكناية لئلاّ يتوهّم أنّ المصدر لمجرّد التأكيد لقوله: {فيميلون}. وقوله: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر} الخ رخصة لهم في وضع الأسلحة عند المشقّة، وقد صار ما هو أكمل في أداء الصلاة رخصةً هنا، لأنّ الأمور بمقاصدها وما يحصل عنها من المصالح والمفاسد، ولذلك قيّد الرخصة مع أخذ الحذر. وسبب الرخصة أنّ في المطر شاغلاً للفريقين كليهما، وأمّا المرض فموجب للرخصة لخصوص المريض. وقوله: {إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً} تذييل لتشجيع المسلمين؛ لأنّه لمّا كرّر الأمر بأخذ السلاح والحَذر، خيف أن تثور في نفوس المسلمين مخافة من العدوّ من شدّة التحذير منه، فعقّب ذلك بأنّ الله أعدّ لهم عذاباً مهيناً، وهو عذاب الهزيمة والقتل والأسر، كالذي في قوله: {أية : قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم}تفسير : [التوبة: 14]، فليس الأمر بأخذ الحذر والسلاح إلاّ لتحقيق أسباب ما أعدّ الله لهم، لأنّ الله إذا أراد أمراً هيَّأ أسبابه. وفيه تعليم المسلمين أن يطلبوا المسبّبات من أسبابها، أي إن أخذتم حِذركم أمِنتم من عدوّكم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآية. قال بعض العلماء: المراد بالقصر في قوله: {أَن تَقْصُرُوا} في هذه الآية قصر كيفيتها لا كميتها، ومعنى قصر كيفيتها: أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن. كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي معهم الركعة الأخرى وكصلاتهم إيماء رجالاً وركباناً وغير متوجهين إلى القبلة، فكل هذا من قصر كيفيتها ويدل على أن المراد هو هذا القصر من كيفيتها. قوله تعالى: بعده يليه مبيناً له: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} الآية. وقوله تعالى: {أية : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}تفسير : [البقرة: 239] ويزيده إيضاحاً أنه قال هنا: {أية : فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [النساء:103] وقال في آية البقرة: {أية : فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 239]. لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف. وعلى هذا التفسير الذي دل له القرآن، فشرط الخوف في قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [النساء: 101] معتبر أي: وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصروا من كيفيتها، بل صلوها على أكمل الهيئات، كما صرح به في قوله: {أية : فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النساء: 103] وصرح باشتراط الخوف أيضاً لقصر كيفيتها بأن يصليها الماشي والراكب بقوله: {أية : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} تفسير : [البقرة: 239]. ثم قال {أية : فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم}تفسير : [البقرة: 239] الآية. يعني فإذا أمنتم فأقيموا صلاتكم كما أمرتم بركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها، على أكمل هيئة وأتمها، وخير ما يبين القرآن القرآن، ويدل على أن المراد بالقصر في هذه الآية القصر من كيفيتها كما ذكرنا، أن البخاري صدر باب صلاة الخوف بقوله: باب صلاة الخوف وقول الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 101-102] وما ذكره ابن حجر وغيره من أن البخاري ساق الآيتين في الترجمة ليشير إلى خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات بالكتاب قولاً، وبالسنة فعلاً، لا ينافي ما أشرنا إليه من أنه ساق الآيتين في الترجمة لينبه على أن قصر الكيفية الوارد في أحاديث الباب هو المراد بقصر الصلاة في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [النساء: 101] ويؤيده أيضاً أن قصر عددها لا يشترط فيه الخوف، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقصر هو وأصحابه في السفر وهم في غاية الأمن، كما وقع في حجة الوداع وغيرها، وكما قال صلى الله عليه وسلم لأهل مكة "حديث : أتموا فإنا قوم سفر ". تفسير : وممن قال بأن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكيفية لا الكمية: مجاهد، والضحاك، والسدي، نقله عنهم ابن كثير وهو قول أبي أبي بكر الرازي الحنفي. ونقل ابن جرير نحوه عن ابن عمر ولما نقل ابن كثير هذا القول عمن ذكرنا قال: وعتضدوا بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر". وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي ومسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة أربعتهم عن مالك به. قالوا: "فإذا كان أصل الصلاة في السفر اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية؟ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة". وأصرح من ذلك دلالة على هذا، ما رواه الإمام أحمد، حدثنا وكيع وسفيان وعبد الرحمن عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر رضي الله عنه قال: "حديث : صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصرتفسير : ، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم". وهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم، وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر، وقد جاء مصرحاً به في هذا الحديث وغيره وهو الصواب إن شاء الله تعالى، وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم، والنسائي قد قالوا إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضاص فقال، فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي، من طريق الثوري عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة عن عمر فذكره، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن زبيد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة عن عمر، فالله أعلم. وقد روى مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائذ، كلاهما عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في الحضر اربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. فكما يصلي في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلى في السفر". ورواه ابن ماجه من حديث اسامة بن زيد عن طاوس نفسه، فهذا ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها لأنها أخبرت أن اصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر فلما استقر ذلك صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر اربع، كما قاله ابن عباس والله أعلم. ولكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على ان صلاة السفر ركعتان وأنها تامة غير مقصورة كما هو مصرح به في حديث عمر - رضي الله عنه واعلم أن حديث عائشة المذكور تكلم فيه من ثمان جهات: الأولى: أنه معارض بالإجماع. قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه المسمى بالقبس. قال علماؤنا: هذا الحديث مردود بالإجماع. الثانية: أنها هي خالفته، والراوي من أعلم الناس بما روى فهي رضى الله عنها كانت تتم في السفر، قالوا ومخالفتها لروايتها توهن الحديث. الثالثة: إجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم. الرابعة: أن غيرها من الصحابة خالفها كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم فقالوا: "إن الصلاة فرضت في الحضر اربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة" وقد قدمنا رواية مسلم وغيره له عن ابن عباس. الخامسة: دعوى أنه مضطرب. لأنه رواه ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين" وقال فيه الأوزاعي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: "فرض الله الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين" الحديث. قالوا: فهذا اضطراب. السادسة: أنه ليس على ظاهره. لأن المغرب، والصبح لم يزد فيهما، ولم ينقص. السابعة: أنه من قول عائشة لا مرفوع. الثامنة: قول إمام الحرمين: لو صح لنقل متواتراً. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذه الاعتراضات الموردة على حديث عائشة المذكور كلها ساقطة، أما معارضته بالإجماع فلا يخفى سقوطها. لأنه لا يصح فيه إجماع، وذكر ابن العربي نفسه الخلاف فيه. وقال القرطبي بعد ذكره دعوى ابن العربي الإجماع المذكور قلت: وهذا لا يصح، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع فلم يصح ما ادعوه من الإجماع. وأما معارضته بمخالفة عائشة له فهي أيضاً ظاهرة السقوط. لأن العبرة بروايتها لا برأيها كما هو التحقيق عند الجمهور، وقد بيناه في سورة البقرة في الكلام على حديث طاوس المتقدم في الطلاق. وأما معارضته بإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم، فجوابه أن فقهاء الأمصار لم يجمعوا على ذلك، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن المسافر لا يصح اقتداؤه بالمقيم لمخالفتهما في العدد، والنية، واحتجوا بحديث "حديث : لا تختلفوا على إمامكم" تفسير : وممن ذهب إلى ذلك الشعبي وطاوس وداود الظاهري وغيرهم. وأما معارضته بمخالفة بعض الصحابة لها كابن عباس، فجوابه ما قدمناه آنفاً عن ابن كثير من أن صلاة الحضر لما زيد فيها واستقر ذلك صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع كما قال ابن عباس. وأما تضعيفه بالاضطراب فهو ظاهر السقوط. لأنه ليس فيه اضطراب أصلاً، ومعنى فرض الله وفرض رسول الله واحد. لأن الله، هو المشرع والرسول هو المبين، فإذا قيل فرض رسول الله كذا فالمراد أنه مبلغ ذلك عن الله فلا ينافي أن الله هو الذي فرض ذلك كما قال تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80] ونظيره حديث "حديث : إن إبراهيم حرم مكة" تفسير : مع حديث "حديث : إن مكة حرمها الله" تفسير : الحديث. وأما رده بأن المغرب والصبح لم يزد فيهما فهو ظاهر السقوط أيضاً. لأن المراد بالحديث الصلوات التي تقصر خاصة كما هو ظاهر، مع أن بعض الروايات عن عائشة عند ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي. قالت: "فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب. لأنها وتر النهار" وعند أحمد من طريق ابن كيسان في حديث عائشة المذكور "إلا المغرب فإنها كانت ثلاثاً". وهذه الروايات تبين أن المراد خصوص الصلوات التي تقصر، وأما رده بأنه غير مرفوع فهو ظاهر السقوط. لأنه مما لا مجال فيه للرأي فله حكم المرفوع، ولو سلمنا أن عائشة لم تحضر فرض الصلاة فإنها يمكن أن تكون سمعت ذلك من النَّبي صلى الله عليه وسلم في زمنها معه، ولو فرضنا أنها لم تسمعه منه فهو مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل. وأما قول إمام الحرمين إنه لو ثبت النقل متواتراً فهو ظاهر السقوط. لأن مثل هذا لا يرد بعدم التواتر، فإذا عرفت مما تقدم أن صلاة السفر فرضت ركعتين كما صح به الحديث عن عائشة وابن عباس وعمر - رضي الله عنهم - فاعلم أن ابن كثير بعد أن ساق الحديث عن عمر، وابن عباس، وعائشة قال ما نصه: وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} [النساء: 101] قصر الكيفية كما في صلاة الخوف. ولهذا قال: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [النساء: 101] الآية. ولهذا قال بعدها {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} [النساء: 102] الآية. فبين المقصود من القصر ها هنا، وذكر صفته وكيفيته اهـ. محل الغرض منه بلفظه وهو واضح جداً فيما ذكرنا وهو اختيار بن جرير. وعلى هذا القول فالآية في صلاة الخوف وقصر الصلاة في السفر عليه مأخوذ من السنة لا من القرآن، وفي معنى الآية الكريمة أقوال أخر. أحدها: أن معنى {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الاقتصار على ركعة واحدة في صلاة الخوف كما قدمنا آنفاً من حديث ابن عباس عند مسلم، والنسائي، وأبي داود، وابن ماجه. وقدمنا أنه رواه ابن ماجه عن طاوس. وقد روى نحوه أبو داود، والنسائي من حديث حذيفة قال: "حديث : فصلى بهؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة ولم يقضوا"تفسير : ورواه النسائي أيضاً من حديث زيد بن ثابت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وممن قال بالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة، الثوري وإسحاق ومن تبعهما. وروي عن أحمد بن حنبل وعطاء، وجابر، والحسن، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وحماد، والضحاك. وقال بعضهم: يصلى الصبح في الخوف ركعة، وإليه ذهب ابن حزم، ويحكى عن محمد بن نصر المروزي. وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، قال ابو هريرة، وابو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين ومنهم من قيده بشدة الخوف. وعلى هذا القول فالقصر في قوله تعالى: {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} [النساء: 101] قصر كمية. وقال جماعة: إن المراد بالقصر في قوله: {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} هو قصر الصلاة في السفر. قالوا: ولا مفهوم مخالفة للشرط الذي هو قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [النساء: 101]. لأنه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة. وقد تقرر في الأصول، أن من الموانع لاعتبار مفهوم المخالفة خروج المنطوق مخرج الغالب، ولذا لم يعتبر الجمهور مفهوم المخالفة في قوله: {أية : ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} تفسير : [النساء: 103] لجريانه على الغالب. قال في مراقي السعود: في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة: شعر : أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب تفسير : واستدل من قال: إن المراد بالآية قصر الرباعية في السفر بما أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [النساء: 101] فقد أمن الناس. قال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ذلك، فقال: "حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". تفسير : فهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره يدل على أن يعلى بن أمية، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر، وأن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أقر عمر على فهمه لذلك، وهو دليل قوي، ولكنه معارض بما تقدم عن عمر من أنه قال: "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم" ويؤيده حديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمان. وظاهر الآيات المتقدمة الدالة على أن المراد بقوله: {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} قصر الكيفية في صلاة الخوف، كما قدمنا، والله تعالى أعلم، وهيئات صلاة الخوف كثيرة، فإن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة، وتارة إلى غيرها، والصلاة قد تكون رباعية، وقد تكون ثلاثية، وقد تكون ثنائية ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم القتال، فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى رجالاً، وركباناً مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصحيح جائزة، وهيئاتها، وكيفياتها مفصلة في كتب الحديث والفروع، وسنذكر ما ذهب إليه الأئمة الأربعة منها إن شاء الله. أما مالك بن أنس، فالصورة التي أخذ بها منها هي أن الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة في الثنائية، وركعتين في الرباعية والثلاثية، ثم تتم باقي الصلاة، وهو اثنتان في الرباعية، وواحدة في الثنائية والثلاثية، ثم يسلمون ويقفون وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيجدون الإمام قائماً ينتظرهم، وهو مخير في قيامه بين القراءة، والدعاء، والسكوت إن كانت ثنائية، وبين الدعاء والسكوت إن كانت رباعية أو ثلاثية. وقيل ينتظرهم في الرباعية والثلاثية جالساً فيصلي بهم باقي الصلاة، وهو ركعة في الثنائية، والثلاثية، وركعتان في الرباعية، ثم يسلم ويقضون ما فاتهم بعد سلامه، وهو ركعة في الثنائية، وركعتان في الرباعية والثلاثية. فتحصل أن هذه الصورة، أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة أو اثنتين، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ويقفون في وجه العدو، ثم تأتي الأخرى فيصلي بهم الباقي، ويسلم ويتمون لأنفسهم. قال ابن يونس: في هذه الصورة التي ذكرنا، وحديث القاسم أشبه بالقرآن، وإلى الأخذ به رجع مالك اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه - مراد ابن يونس، أن الحديث الذي رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، بالكيفية التي ذكرنا، هو الذي رجع إليه مالك، ورجحه أخيراً على ما رواه، أعني مالكاً، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف. الحديث، و الفرق بين رواية القاسم بن محمد، وبين رواية يزيد بن رومان، أن رواية يزيد بن رومان فيها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى بالطائفة الأخرى الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، وقد عرفت أن رواية القاسم عند مالك في الموطأ، أنه يصلي بالطائفة الأخرى الركعة الباقية ثم يسلم فيتمون بعد سلامه لأنفسهم. قال ابن عبد البر مشيراً إلى الكيفية التي ذكرنا، وهي رواية القاسم بن محمد، عند مالك، وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات: إن الإمام لا ينتظر المأموم، وإن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام، وحديث القاسم هذا الذي أخرجه مالك في الموطأ موقوف على سهل، إلا أن له حكم الرفع. لأنه لا مجال للرأي فيه والتحقيق أنه مرسل صحابي. لأن سهلاً كان صغيراً في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وجزم الطبري، وابن حبان، وابن السكن، وغيرهم بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم توفي وسهل المذكور ابن ثماني سنين، وزعم ابن حزم، أنه لم يرد عن أحد من السلف القول بالكيفية التي ذكرنا أنها رجع إليها مالك، ورواها في موطئه عن القاسم بن محمد، هذا هو حاصل مذهب مالك في كيفية صلاة الخوف. قال أولاً: بأن الإمام يصلي بالطائفة الأولى، ثم تتم لأنفسها، ثم تسلم، ثم يصلي بقية الصلاة بالطائفة الأخرى وينتظرها حتى تتم، ثم يسلم بها ورجع إلى أن الأمام يسلم إذا صلى بقية صلاته مع الطائفة الأخرى، ولا ينتظرهم حتى يسلم بهم بل يتمون لأنفسهم بعد سلامه، كما بينا. والظاهر أن المبهم في رواية يزيد بن رومان في قول صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث، أنه أبوه خوات بن جبير الصحابي، رضي الله عنه، لا سهل بن حثمة، كما قال بعضهم. قال الحافظ في الفتح: ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير. لأن أبا أويس، روى هذا الحديث، عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه فقال: عن صالح بن خوات، عن أبيه، أخرجه ابن منده في معرفة الصحابة من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي، من طريق عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه، وجزم النووي في تهذيبه بأنه ابوه خوات، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره، قلت: وسبقه إلى ذلك الغزالي، فقال إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوات بن جبير اهـ. محل الغرض منه بلفظه. ولم يفرق المالكية بين كون العدو إلى جهة القبلة وبين كونه إلى غيرها، وأما إذا اشتد الخوف والتحم القتال، ولم يمكن لأحد منهم ترك القتال فإنهم يصلونها رجالاً وركباناً إيماء مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما نص عليه تعالى بقوله: {أية : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} تفسير : [البقرة: 239]. الآية. وأما الشافعي - رحمه الله - فإنه اختار من هيئات صلاة الخوف أربعاً: إحداها: هي التي ذكرنا آنفاً عند اشتداد الخوف والتحام القتال، حتى لا يمكن لأحد منهم ترك القتال، فإنهم يصلون كما ذكرنا رجالاً وركباناً إلخ الهيئة. الثانية: هي التي صلاها صلى الله عليه وسلم ببطن نخل، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى صلاتهم كاملة ثم يسلمون جميعهم: الإمام والمأمومون ثم تأتي الطائفة الأخرى التي كانت في وجه العدو فيصلي بهم مرة أخرى هي لهم فريضة وله نافلة، وصلاة بطن نخل هذه رواها جابر وأبو بكرة، فأما حديث جابر فرواه مسلم أنه صلى مع النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعتين ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وصلى بكل طائفة ركعتين. وذكره البخاري مختصراً ورواه الشافعي والنسائي وابن خزيمة من طريق الحسن عن جابر وفيه أنه سلم من الركعتين أولاً ثم صلى ركعتين بالطائفة الأخرى. وأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والدارقطني، وفي رواية بعضهم أنها الظهر، وفي رواية بعضهم أنها المغرب، وإعلال ابن القطان لحديث أبي بكرة هذا بأنه أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة، مردود بأنا لو سلمنا أنه لم يحضر صلاة الخوف فحديثه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لهم حكم الوصل كما هو معلوم، واعلم أن حديث أبي بكرة ليس فيه أن ذلك كان ببطن نخل. وقد استدل الشافعية بصلاة بطن نخل هذه على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. واعلم أن هذه الكيفية التي ذكرنا أنها هي كيفية صلاة بطن نخل كما ذكره النووي وابن حجر وغيرهما قد دل بعض الروايات عند مسلم والبخاري وغيرهما على أنها هي صلاة ذات الرقاع، وجزم ابن حجر بأنهما صلاتان، والله تعالى أعلم. وقد دل بعض الروايات على أن صلاة نخل هي صلاة عسفان والله تعالى أعلم. الهيئة الثالثة: من الهيئات التي اختارها الشافعي: صلاة عسفان، وكيفيتها كما قال جابر رضي الله عنه قال: "شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصفنا صفين، صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النَّبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النَّبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المتقدم، ثم ركع النَّبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو فلما قضى النَّبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النَّبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً" هذا لفظ مسلم في صحيحه وأخرج نحوه النسائي والبيهقي من رواية ابن عباس ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت وهو صحابي. وقول ابن حجر في التقريب في الكنى: إنه تابعي الظاهر أنه سهو منه رحمه الله، وإنما قلنا: إن هذه الكيفية من الكيفيات التي اختارها الشافعي مع أنها مخالفة للصورة التي صحت عنه في صلاة عسفان. لأنه أوصى على العمل بالحديث إذا صح، وأنه مذهبه، و الصورة التي صحت عن الشافعي - رحمه الله - في مختصر المزني والأم أنه قال صلى بهم الإمام وركع وسجد بهم جميعاً إلا صفاً يليه أو بعض صف ينتظرون العدو، فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الصف الذي حرسهم، فإذا ركع ركع بهم جميعاً وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولاً إلا صفاً أو بعض صف يحرسه منهم، فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا سجد الذين حرسوا ثم يتشهدون ثم سلم بهم جميعاً معاً، وهذا نحو صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم بعسفان، قال: ولو تأخر الصف الذي حرس إلى الصف الثاني وتقدم الثاني فحرس فلا بأس انتهى بواسطة نقل النووي. والظاهر أن الشافعي - رحمه الله - يرى أن الصورتين أعني: التي ذكرنا في حديث جابر وابن عباس وأبي عياش الزرقي والتي نقلناها عن الشافعي كلتاهما جائزة واتباع ما ثبت في الصحيح أحق من غيره، وصلاة عسفان المذكورة صلاة العصر. وقد جاء في بعض الروايات عند أبي داود وغيره أن مثل صلاة عسفان التي ذكرنا صلاها أيضاً صلى الله عليه وسلم يوم بني سليم. الرابعة: من الهيئات التي اختارها الشافعي - رحمه الله - هي: صلاة ذات الرقاع، والكيفية التي اختارها الشافعي منها هي التي قدمنا رواية مالك لها عن يزيد بن رومان، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة ثم يفارقونه ويتمون لأنفسهم ويسلمون، ويذهبون إلى وجوه العدو وهو قائم في الثانية يطيل القراءة حتى يأتي الآخرون فيصلي بهم الركعة الباقية ويجلس ينتظرهم حتى يصلوا ركعتهم الباقية، ثم يسلم بهم، وهذه الكيفية قد قدمنا أن مالكاً رواها عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، وأخرجها الشيخان من طريقه فقد رواه البخاري عن قتيبة عن مالك ومسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك نحو ما ذكرنا، وقد قدمنا أن مالكاً قال بهذه الكيفية أولاً ثم رجع عنها إلى أن الإمام يسلم ولا ينتظر إتمام الطائفة الثانية صلاتهم حتى يسلم بهم. وصلاة ذات الرقاع لها كيفية أخرى غير هذه التي اختار الشافعي وهي ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: صلَّى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النَّبي صلى الله عليه وسلم ركعة، ثم سلم النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري بمعناه، ولم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى. لأن إتمامهم في حالة واحدة يستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه: ثم سلم فقام هؤلاء أي: الطائفة الثانية فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، واعلم أن ما ذكره الرافعي وغيره من كتب الفقه من أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا مخالف للروايات الثابتة في الصحيحين وغيرهما، وقال ابن حجر في الفتح: إنه لم يقف عليه في شيء من الطرق وأما الإمام أحمد - رحمه الله - فإن جميع أنواع صلاة الخوف الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم جائزة عنده، والمختار منها عنده صلاة ذات الرقاع التي قدمنا اختيار الشافعي لها أيضاً، هي: أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون ويذهبون إلى وجوه العدو. ثم تأتي الطائفة الخرى فيصلي بهم الركعة الأخرى ثم يصلون ركعة فإذا أتموها وتشهدوا سلم بهم. وأما الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - فالمختار منها عنده، أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة إن كان مسافراً، أو كانت صبحاً مثلاً، واثنتين إن كان مقيماً، ثم تذهب هذه الطائفة الأولى إلى وجوه العدو، ثم تجيء الطائفة الأخرى ويصلي بهم ما بقي من الصلاة ويسلم، وتذهب هذه الطائفة الأخيرة إلى وجوه العدو، وتجيء الطائفة الأولى، وتتم بقية صلاتها بلا قراءة. لأنهم لاحقون، ثم يذهبون إلى وجوه العدو، وتجيء الطائفة الأخرى فيتمون بقية صلاتهم بقراءة. لأنهم مسبوقون، واحتجوا لهذه الكيفية بحديث ابن عمر المتقدم وقد قدمنا أن هذه الكيفية ليست في رواية الصحيحين وغيرهما لحديث ابن عمر. وقد قدمنا أيضاً من حديث ابن مسعود عند أبي داود أن الطائفة الأخرى لما صلوا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأخرى أتموا لأنفسهم فوالوا بين الركعتين، ثم ذهبوا إلى وجوه العدو فجاءت الطائفة الأولى فصلوا ركعتهم الباقية. هذا هو حاصل المذاهب الأربعة في صلاة الخوف. وقال النووي في شرح المهذب: صلاة ذات الرقاع أفضل من صلاة بطن نخل على أصح الوجهين. لأنها أعدل بين الطائفتين. ولأنها صحيحة بالإجماع وتلك صلاة مفترض خلف متنفل وفيها خلاف للعلماء. والثاني وهو قول أبي إسحاق، صلاة بطن نخل أفضل لتحصل كل طائفة فضيلة جماعة تامة. واعلم أن الإمام في الحضرية يصلي بكل واحدة من الطائفتين ركعتين، وفي السفرية ركعة ركعة، ويصلي في المغرب بالأولى ركعتين عند الأكثر. وقال بعضهم: يصلي بالأولى في المغرب ركعة، واعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وإن جزم جماعة كثيرة من المؤرخين بأن غزوة ذات الرقاع قبل خيبر، والدليل على ذلك الحديث الصحيح أن قدوم أبي موسى الأشعري على النَّبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع. قال البخاري في صحيحه: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو سامة، حدثنا بُرَيد بن عبد الله عن أبي موسى رضي الله عنه قال: "بلغنا مخرج النَّبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم، إما قال بضع، وإما قال في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، فوافقنا النَّبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر" الحديث...، وفيه التصريح بأن قدوم أبي موسى، حين افتتاح خيبر. وقد قال البخاري أيضاً: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: "خرجنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن في ستة نفر بيننا بعير نتعقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع". الحديث: فهذان الحديثان الصحيحان فيهما الدلالة الواضحة على تأخر ذات الرقاع عن خيبر، وقد قال البخاري رحمه الله: باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان فنزل نخلاً وهي بعد خيبر. لأن أبا موسى جاء بعد خيبر إلخ. وإنما بينا هذا ليعلم به أنه لا حجة في عدم صلاة الخوف في غزوة الخندق على أنها غير مشروعة في الحضر، بدعوى أن ذات الرقاع قبل الخندق وأن صلاة الخوف كانت مشروعة قبل غزوة الأحزاب التي هي غزوة الخندق، وأنه صلى الله عليه وسلم ما تركها مع أنهم شغلوه وأصحابه عن صلاة الظهر والعصر إلى الليل إلا؛ لأنها لم تشرع في الحضر، بل التحقيق أن صلاة الخوف ما شرعت إلا بعد الخندق وأشار أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي إلى غزوة ذات الرقاع بقوله: شعر : ثم إلى محارب وثعلبه ذات الرقاع ناهزوا المضاربه ولم يكن حرب وغورث جرى بهاله الذي لدعثور جرى مع النَّبي وعلى المعتمد جرت لواحد بلا تعدد تفسير : والناظم هذا يرى أنها قبل خيبر تبعاً لابن سيد الناس ومن وافقه، ومما اختلف فيه العلماء من كيفيات صلاة الخوف صلاة ذي قرد، وهي أن تصلى كل واحدة مع الإمام ركعة واحدة وتقتصر عليها، وقد قدمنا ذلك من حديث ابن عباس عند مسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه. ومن حديث حذيفة عند أبي داود، والنسائي، وهذه الكيفية هي التي صلاها حذيفة بن اليمان لما قال سعيد بن العاص بطبرستان: أيكم صلى صلاة الخوف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال حذيفة: أنا. وصلى بهم مثل ما ذكرنا كما أخرجه النسائي عنه، وعن زيد بن ثابت ورواه أبو داود عن ثعلبة بن زهدم وهو الذي رواه من طريقه النسائي، ولفظ أبي داود عن ثعلبة بن زهدم، قال كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقام فقال أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. قال أبو داود: وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله ومجاهد عن ابن عباس عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويزيد الفقير وأبو موسى. قال أبو داود: رجل من التابعين ليس بالأشعري جميعاً عن جابر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال بعضهم عن شعبة في حديث يزيد الفقير إنهم قضوا ركعة أخرى، وكذلك رواه سماك الحنفي عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه زيد بن ثابت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت للقوم ركعة ركعة، وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين اهـ. منه بلفظه. وقال القرطبي في تفسيره ما نصه: قال السدي: إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن تخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئاً. ويكون للإمام ركعتان، وروي نحوه عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وكعب وفعله حذيفة بطبرستان، وقد سأله الأمير سعيد بن العاص عن ذلك، وروي عن ابن عباس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة لكل طائفة ولم يقضوا، وروى جابر بن عبد الله أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه كذلك يوم غزوة محارب خصفة وبني ثعلبة، وروى أبو هريرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان، وبكون كل من الطائفتين تقتصر على ركعة واحدة. قال أيضاً إسحاق: وروي عن الإمام أحمد وجمهور العلماء على أن الاقتصار على ركعة واحدة في الخوف لا يجوز، وأجابوا عن الأحاديث الواردة بذلك من وجهين: الأول: أن المراد بقول الصحابة الذين رووا ذلك ولم يقضوا أنهم بعد ما أمنوا وزال الخوف، لم يقضوا تلك الصلاة التي صلوها في حالة الخوف وتكون فيه فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضي ما صلى على تلك الهيئة المخالفة لهيئة صلاة الأمن وهذا القول له وجه من النظر. الوجه الثاني: أن قولهم في الحديث ولم يقضوا أي في علم من روى ذلك. لأنه قد روي أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها، ورواية من زاد أولى قاله القرطبي وابن عبد البر، ويدل له ما تقدم من رواية يزيد الفقير عن جابر من طريق شعبة عند أبي داود، أنهم قضوا ركعة أخرى والمثبت مقدم على النافي ويؤيد هذه الرواية كثرة الروايات الصحيحة بعدم الاقتصار على واحدة في كيفيات صلاة الخوف والله تعالى أعلم. وحاصل ما تقدم بيانه من كيفيات صلاة الخوف خمس، وهي صلاة المسايفة الثابتة في صريح القرآن، وصلاة بطن نخل، وصلاة عُسْفان، وصلاة ذات الرقاع، وصلاة ذي قرد. وقد أشار الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي إلى غزوة ذات قَرَد بقوله: شعر : فغزوة الغابة وهي ذو قَرَد خرج في إثر لقاحه وجد وناشها سلمة بن الأكوع وهو يقول اليوم يوم الرضع وفرض الهادي له سهمين لسبقه الخيل على الرجلين واستنقذوا ابن حصن عشرا وقسم النَّبي فيهم جزرا تفسير : وقد جزم البخاري في صحيحه بأن غزوة ذات قرد قبل خيبر بثلاث ليال، وأخرج نحو ذلك مسلم في صحيحه عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: فرجعنا من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر، فما في الصحيح أثبت مما يذكره اهل السير مما يخالف ذلك، كقول ابن سعد: إنها كانت في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وكقول ابن إسحاق: إنها كانت في شعبان من سنة ست بعد غزوة لحيان بأيام. ومال ابن حجر في فتح الباري إلى الجمع بين ما في الحديث الصحيح وبين ما ذكره أهل السير بتكرر الخروج إلى ذي قرد، وقرد بفتحتين في رواية الحديث وأهل اللغة يذكرون أنه بضم ففتح أو بضمتين، وقد وردت صلاة الخوف على كيفيات أخر غير ما ذكرنا. قال ابن القصار المالكي: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواضع. وقال ابن العربي المالكي: روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعاً وعشرين مرة. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر والله تعالى أعلم، أن أفضل الكيفيات الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، ما كان أبلغ في الاحتياط للصلاة والتحفظ من العدو. تنبيهان الأول آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة. لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم. إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف. لأنه عذر ظاهر. الثاني: لا تختص صلاة الخوف بالنَّبي صلى الله عليه وسلم بل مشروعيتها باقية إلى يوم القيامة، والاستدلال على خصوصها به صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} [النساء: 102]ٍ الآية. استدلال ساقط. وقد أجمع الصحابة وجميع المسلمين على رد مثله في قوله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} تفسير : [التوبة: 103] الآية. واشتراط كونه صلى الله عليه وسلم فيهم، إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بين لهم بفعلك. لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره، وشذ عن الجمهور أبو يوسف والمزني وقال بقولهما الحسن بن زياد واللؤلؤي وإبراهيم بن عليه فقالوا: إن صلاة الخوف لم تشرع بعده صلى الله عليه وسلم واحتجوا بمفهوم الشرط في قوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} الآية. ورد عليهم بإجماع الصحابة عليها بعده صلى الله عليه وسلم، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صَلُّوا كما رِأَيتموني أُصلِّي" تفسير : وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. تنبيه: فإن قيل: قد قررتم ترجيح أن آية {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} [النساء: 101] في صلاة الخوف لا صلاة السفر، وإذن فمفهوم الشرط في قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} يفهم منه أن صلاة الخوف لا تشرع في الحضر. فالجواب: أن هذا المفهوم قال به ابن الماجشون، فمنع صلاة الخوف في الحضر، واستدل بعضهم أيضاً لمنعها فيه بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق، وفات عليه العصران وقضاهما بعد المغرب، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا في سفر، وجمهور العلماء على أنها تصلى في الحضر أيضاً، وأجابوا بأن الشرط لا مفهوم مخالفة له أيضاً. لجريه على الغالب كما تقدم، أو لأنه نزل في حادثة واقعة مبيناً حكمها. كما روي عن مجاهد قال: كان النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النَّبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة تامة بركوعها وسجودها، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم فنزلت، وهذه الحادثة وقعت وهم مسافرون ضاربون في الأرض، وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون المنطوق نازلاً على حادثة واقعة، ولذا لم يعتبر مفهوم المخالفة في قوله: {أية : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تفسير : [النور: 33] ولا في قوله: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 28] لأن كلاً منهما نزل على حادثة واقعة: فالأول: نزل في إكراه ابن أبي جواريه على الزنا، وهن يردن التحصن من ذلك. والثاني: نزل في قوم من الأنصار والوا اليهود من دون المؤمنين، فنزل القرآن في كل منهما ناهياً عن الصورة الواقعة من غير إرادة التخصيص بها، وأشار إليه في المراقي بقوله في تعداد موانع اعتبار مفهوم المخالفة: شعر : أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع تفسير : وأجابوا عن كونه صلى الله عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق: بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف، كما رواه النسائي وابن حبان والشافعي، وبه تعلم عدم صحة قول من قال: إن غزوة ذات الرقاع التي صلى بها النَّبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، كانت قبل الخندق، وأجابوا عن كونه لم يصلها إلا في السفر، بأن السفر بالنسبة إلى صلاة الخوف وصف طردي، وعلتها هي الخوف لا السفر، فمتى وجد الخوف وجد حكمها، كما هو ظاهر. نكتة: فإن قيل: لم لا تكون كل هيئة من هيئات صلاة الخوف ناسخة للتي قبلها. لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث، فالجواب من وجهين. الأول: هو ما تقدم من أن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة وتارة إلى غير جهتها إلى آخر ما تقدم، وكل حالة تفعل فيها الهيئة المناسبة لها كما هو ظاهر. الثاني: هو ما حققه بعض الاصوليين كابن الحاجب والرهوني وغيرهما من أن الأفعال لا تعارض بينها أصلاً، إذ الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصياً لا كلياً حتى ينافي فعلاً آخر، فليس للفعل الواقع قدر مشترك بينه وبين غيره، فيجوز أن يقع الفعل واجباً في وقت، وفي وقت آخر بخلافه، وإذن فلا مانع من جواز الفعلين المختلفين في الهيئة لعبادة واحدة وعقده في مراقي السعود بقوله: شعر : ولم يكن تعارض الأفعال في كل حالة من الأحوال تفسير : وما ذكره المحلى من دلالة الفعل على الجواز المستمر دون القول بحث فيه صاحب نشر البنود في شرح البيت المتقدم آنفاً، والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] معناه: ينالونكم بسوء فروع تتعلق بهذه الآية الكريمة على القول بأنها في قصر الرباعية، كما يفهم من حديث يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - عن النَّبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم وأحمد وأصحاب السنن كما تقدم. الفرع الأول: أجمع العلماء على مشروعية قصر الرباعية في السفر خلافاً لمن شذ وقال: لا قصر إلا في حج أو عمرة، ومن قال: لا قصر إلا في خوف، ومن قال: لا قصر إلا في سفر طاعة خاصة، فإنها أقوال لا معول عليها عند أهل العلم، واختلف العلماء في الإتمام في السفر، هل يجوز أو لا؟ فذهب بعض العلماء إلى أن القصر في السفر واجب. وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة - رحمه الله - وهو قول علي، وعمر، وابن عمر، ويروى عن ابن عباس وجابر، وبه قال الثوري وعزاه الخطابي في المعالم لأكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار، ونسبه إلى علي وعمر وابن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن قال: وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من صلى في السفر اربعاً اهـ. منه بواسطة نقل الشوكاني - رحمه الله - وحجة هذا القول الذي هو وجوب القصر ما قدمنا من الأحاديث عن عائشة، وابن عباس، وعمر - رضي الله عنهم - بأن الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، ودليل هؤلاء واضح، وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز الإتمام والقصر، كما يجوز الصوم والإفطار، إلا أنهم اختلفوا هل القصر أو الإتمام أفضل؟ وبهذا قال عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة رضي الله عنهم. قال النووي في شرح المهذب: وحكاه العبدري عن هؤلاء - يعني من ذكرنا - وعن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس والحسن البصري ومالك وأحمد وأبي ثور وداود، وهو مذهب أكثر العلماء ورواه البيهقي عن سلمان الفارسي في اثني عشر من الصحابة. وعن أنس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود وابن المسيب وأبي قلابة، واحتج أهل هذا القول بأمور. الأول: قوله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} [النساء: 101] الآية. لأن التعبير برفع الجناح دليل لعدم اللزوم. الأمر الثاني: هو ما قدمنا في حديث يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب من حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: في القصر في السفر "صدقة تصدق الله بها عليكم" تفسير : الحديث - فكونه صدقة وتخفيفاً يدل على عدم اللزوم. الأمر الثالث: هو ما رواه النسائي والبيهقي والدارقطني حديث : عن عائشة - رضي الله عنها - أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفطر هو صلى الله عليه وسلم وقصر الصلاة وصامت هي وأتمت الصلاة، فأخبرته بذلك، فقال لها: "أحسنت ". تفسير : قال النووي في شرح المهذب: هذا الحديث رواه النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح، قال: وقال البيهقي في السنن الكبرى. قال الدارقطني إسناده حسن، وقال في معرفة السنن والآثار هو إسناد صحيح. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر أن ما جاء في هذا الحديث من أن عمرة عائشة المذكورة في رمضان لا يصح. لأن المحفوظ الثابت بالروايات الصحيحة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط. لأنه لم يعتمر إلا أربع عمر: الأولى: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت الحرام عام ست. الثانية: عمرة القضاء التي وقع عليها عقد الصلح في الحديبية، وهي عام سبع. الثالثة: عمرة الجعرانة بعد فتح مكة عام ثمان وكل هذه العمر الثلاث في شهر ذي القعدة بالإجماع وبالروايات الصحيحة. الرابعة: عمرته مع حجه في حجة الوداع، ورواية النسائي ليس فيها أن العمرة المذكورة في رمضان ولفظه أخبرني أحمد بن يحيى الصوفي. قال حدثنا أبو نعيم. قال: حدثنا العلاء بن زهير الأزدي. قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود حديث : عن عائشة "أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت. قال: "أحسنت يا عائشة، وما عاب علي" تفسير : اهـ. الأمر الرابع: ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم ". تفسير : قال النووي في شرح المهذب: رواه الدارقطني، والبيهقي وغيرهما. قال البيهقي: قال الدارقطني إسناده صحيح وضبطه ابن حجر في التلخيص بلفظ يقصر بالياء، وفاعله ضمير النَّبي صلى الله عليه وسلم، وتتم بتاءين وفاعله ضمير يعود إلى عائشة فيكون بمعنى الحديث الأول، ولكن جاء في بعض روايات الحديث التصريح بإسناد الإتمام المذكور للنبي صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ حدثنا المحاملي حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة رضي الله عنها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم. قال علي: هذا إسناد صحيح اهـ. قال البيهقي: وله شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو وكلهم ضعيف. الخامس: إجماع العلماء على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام ولو كان القصر واجباً حتما لما جاز صلاة أربع خلف الإمام. وأجاب أهل هذا القول عن حديث عمر وعائشة وابن عباس بأن المراد بكون صلاة السفر ركعتين أي: لمن اراد ذلك، وعن قول عمر في الحديث "تمام غير قصر" بأن معناه أنها تامة في الأجر قاله النووي، ولا يخلو من تعسف وأجاب أهل القول الأول عن حجج هؤلاء قالوا: إن قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ} [النساء: 101] في صلاة الخوف كما قدمنا فلا دليل فيه لقصر الرباعية قالوا: ولو سلمنا أنه في قصر الرباعية فالتعبير بلفظ {أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 233] لا ينافي الوجوب كما اعترفتم بنظيره في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} تفسير : [البقرة: 158]. لأن السعي فرض عند الجمهور وعن قوله في الحديث: "حديث : صدقة تصدق الله بها عليكم" تفسير : بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبولها في قوله: "حديث : فاقبلوا صدقته" تفسير : والأمر يقتضي الوجوب فليس لناعدم قبولها مع قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاقبلوها"تفسير : ، وأجابوا عن الثالث والرابع بأن حديثي عائشة المذكورين لا يصح واحد منهما، واستدلوا على عدم صحة ذلك بما ثبت في الصحيح عن عروة أنها تأولت في إتمامها ما تأول عثمان، فلو كان عندها في ذلك رواية من النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يقل عنها عروة أنها تأولت. وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد ما نصه: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقال الزهري لهشام بن عروة لما حدثه عن أبيه عنها بذلك، فما شأنها كانت تتم الصلاة فقال: تأولت كما تأول عثمان فإذا كان النَّبي صلى الله عليه وسلم قد حسن فعلها وأقرها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر، أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون. وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم، فإنها أتمت كما أتمّ عثمان، وكلاهما تأول تأويلاً. والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له والله أعلم اهـ. محل الغرض منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه-: أما استبعاد مخالفة عائشة - رضي الله عنها - للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته مع الاعتراف بمخالفتها له صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فإنه يوهم أن مخالفته بعد وفاته سائغة ولا شك أن المنع من مخالفته في حياته باق بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فلا يحل لأحد ألبتة مخالفة ما جاء به من الهدى إلى يوم القيامة: فعلاً كان أو قولاً أو تقريراً، ولا يظهر كل الظهور أن عائشة تخالف هدى الرسول صلى الله عليه وسلم باجتهاد ورواية من روى أنها تأولت تقتضي نفي روايتها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في ذلك، والحديث المذكور فيه إثبات أنها روت عنه ذلك والمثبت مقدم على النافي فبهذا يعتضد الحديث الذي صححه بعضهم وحسنه بعضهم كما تقدم. والتحقيق أن سند النسائي المتقدم الذي روى به هذا الحديث صحيح، وإعلال ابن حبان له بأن فيه العلاء بن زهير الأزدي. وقال فيه: إنه يروي عن الثقاة ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به، مردود بأن العلاء المذكور ثقة كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره، وإعلال بعضهم له بأن عبد الرحمن بن الأسود لم يدرك عائشة مردود بأنه أدركها. قال الدارقطني: وعبد الرحمن أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق، وذكر الطحاوي عن عبد الرحمن أنه دخل على عائشة بالاستئذان بعد احتلامه، وذكر صاحب الكمال أنه سمع منها، وذكر البخاري في تاريخه وابن أبي شيبة ما يشهد لذلك، قاله ابن حجر وإعلال الحديث المذكور بأنه مضطرب. لأن بعض الرواة يقول عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة وبعضهم يقول عن عبد الرحمن عن عائشة مردود ايضاً، بأن رواية من قال عن أبيه خطأ والصواب عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة. قال البيهقي بعد أن ساق أسانيد الروايتين: قال أبو بكر النيسابوري: هكذا قال أبو نعيم عن عبد الرحمن عن عائشة، ومن قال عن ابيه في هذا الحديث فقد أخطأ اهـ. فالظاهر ثبوت هذا الحديث وهو يقوي حجة من لم يمنع إتمام الرباعية في السفر وهم أكثر العلماء، وذهب الإمام مالك بن أنس إلى أن قصر الرباعية في السفر سنة، وأن من اتم أعاد في الوقت. لأن الثابت أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على القصر في أسفاره وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان في غير أيام منى ولم يمنع مالك الإتمام. للأدلة التي ذكرنا والعلم عند الله تعالى. الفرع الثاني: اختلف العلماء في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة. فقال مالك والشافعي وأحمد: هي أربعة برد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وتقريبه بالزمان مسيرة يومين سيراً معتدلاً، وعندهم اختلاف في قدر الميل معروف واستدل من قال بهذا القول بما رواه مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه ركب إلى رِيم فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قال مالك: وذلك نحو من اربعة برد اهـ. وريم موضع. قال بعض شعراء المدينة: شعر : فكم من حرة بين المنقى إلى أحد إلى جنبات ريم تفسير : وبما رواه مالك عن نافع عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك. قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة اربعة برد، وبما قال مالك: إنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة. قال مالك: وذلك اربعة برد وذلك احب ماتقصر فيه الصلاة إلي، وبما رواه مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة كل هذه الآثار المذكورة في الموطأ، وممن قال بهذا ابن عمر وابن عباس كما ذكرناه عنهما. وقال البخاري - رحمه الله - في صحيحه: وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخاً اهـ. وبه قال الحسن البصري والزهري والليث بن سعد وإسحاق وأبو ثور نقله عنهم النووي، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز القصر في أقل من مسافة ثلاثة أيام، وممن قال به أبو حنيفة، وهو قول عبد الله بن مسعود وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والحسن بن صالح، والثوري وعن أبي حنيفة أيضاً يومان وأكثر الثالث، واحتج أهل هذا القول بحديث ابن عمر وحديث أبي سعيد الثابتين في الصحيح: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تسافر المراة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم" تفسير : وبحديث "حديث : مسح المسافر على الخف ثلاثة أيام ولياليهن"تفسير : ، ووجه الاحتجاج بهذا الحديث الأخير أنه يقتضي أن كل مسافر يشرع له مسح ثلاثة ايام ولا يصح العموم في ذلك إلا إذا قدر أقل مدة السفر بثلاثة أيام. لأنها لو قدرت بأقل من ذلك لا يمكنه استيفاء مدته. لانتهاء سفره فاقتضى ذلك تقديره بالثلاثة وإلا لخرج بعض المسافرين عنه اهـ. والاستدلال بالحديثين غير ظاهر فيما يظهر لي. لأن المراد بالحديث الأول: أن المراة لا يحل لها سفر مسافة ثلاثة ايام إلا مع ذي محرم، وهذا لا يدل على تحديد أقل ما يسمى سفراً، ويدل له أنه ورد في بعض الروايات الصحيحة: "حديث : لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم ". تفسير : وفي بعض الروايات الصحيحة "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة" وفي رواية لمسلم مسيرة يوم وفي رواية له ليلة، وفي رواية أبي داود لا تسافر بريداً، ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد. وقال البيهقي في السنن الكبرى: وهذه الرواية في الثلاثة واليومين واليوم صحيحة، وكأن النَّبي صلى الله عليه وسلم حديث : "سئل عن المرأة تسافر ثلاثاً من غير محرم، فقال "لا"، وسئل عنها تسافر يومين من غير محرم فقال "لا"، ويوماً فقال "لا" تفسير : فأدى كل واحد منهم ما حفظ ولا يكون عدد من هذه الأعداد حداً للسفر اهـ. منه بلفظه. فظهر من هذا: أن الاستدلال على أقل السفر بالحديث غير متجه كما ترى لا سيما أن ابن عمر باويه قد خالفه كما تقدم، والقاعدة عند الحنفية أن العبرة بما رأى الصحابي لا بما روى. وأما الاستدلال بحديث توقيت مسح المسافر بثلاثة أيام بلياليهن فهو أيضاً غير متجه، لأنه إذا انتهى سفره قبلها صار مقيماً وزال عنه اسم السفر وليس في الحديث أنه لا بد من أن يسافر ثلاثة بل غاية ما يفيده الحديث أن المسافر له في المسح على الخف مدة ثلاثة ايام، فإن مكثها مسافراً فذلك، وإن أتم سفره قبلها صار غير مسافر ولا إشكال في ذلك، وذهب جماعة من أهل العلم: إلى أن القصر يجوز في مسيرة يوم تام، وممن قال به الأوزاعي وابن المنذر واحتجوا بما تقدم في بعض الروايات الصحيحة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أطلق اسم السفر على مسافة يوم والسفر هو مناط القصر، وبما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام، وظاهر صنيع البخاري أنه يختار أنها يوم وليلة. لأنه قال: باب في كم يقصُر الصلاةَ وسمَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوماً وليلة سفراً لأن قوله وسمى النَّبي إلخ بعد قوله في كم يقصر الصلاة يدل على أن ذلك هو مناط القصر عنده كما هو ظاهر. وذهب بعض العلماء إلى جواز القصر في قصير السفر وطويله، وممن قال بهذا داود الظاهري قال عنه بعض أهل العلم: حتى إنه لو خرج إلى بستان خارج البلد قصر، واحتج أهل هذا القول بإطلاق الكتاب والسنة جواز القصر بلا تقييد للمسافة، وبما رواه مسلم في صحيحه عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين"،تفسير : هذا لفظ مسلم وبما رواه مسلم أيضاً في الصحيح عن جبير بن نفير قال: "خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على راس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلاً فصلى ركعتين فقلت له. فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين فقلت له. فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل" وأجيب من جهة الجمهور بأنه لا دليل في حديثي مسلم المذكورين. لأنه ليس المراد بهما أن تلك المسافة المذكورة فيهما هي غاية السفر، بل معناه أنه كان إذا سافر سفراً طويلاً فتباعد ثلاثة أميال قصر. لأن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن يصليها فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد من المدينة، وكذلك حديث شرحبيل المذكور، فقوله إن عمر رضي الله عنه صلى بذي الحليفة ركعتين محمول على ما ذكرناه في حديث أنس وهو كان مسافراً إلى مكة أو غيرها فمر بذي الحليفة وأدركته الصلاة فصلى ركعتين لا أن ذا الحليفة غاية سفره قاله النووي وغيره، وله وجه من النظر ولم ينقل عن النَّبي صلى الله عليه وسلم القصر صريحاً فيما دون مرحلتين كما جزم به النووي. قال مقيده - عفا الله عنه - قال ابن حجر في تلخيص الحبير: وروى سعيد بن منصور عن أبي سعيد قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخاً يقصر الصلاة".تفسير : ا.هـ وسكت عليه فإن كان صحيحاً فهو ظاهر في قصر الصلاة في المسافة القصيرة ظهوراً أقوى من دلالة حديثي مسلم المتقدمين. قال مقيده - عفا الله عنه - هذا الذي ذكرنا هو حاصل كلام العلماء في تحديد مسافة القصر والظاهر أنه ليس في تحديدها نص صريح، وقد اختلف فيها على نحو من عشرين قولاً، وما رواه البيهقي والدارقطني والطبراني عن ابن عباس عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد"تفسير : . ضعيف. لأن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك وكذبه الثوري. وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه وراويه عنه إسماعيل بن عياش وروايته عن غير الشاميين ضعيفة وعبد الوهاب المذكور حجازي لا شامي والصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عباس رواه عنه الشافعي بإسناد صحيح ورواه عنه مالك في الموطأ بلاغاً وقد قدمناه. والظاهر أن الاختلاف في تحديد المسافة من نوع الاختلاف في تحقيق المناط فكل ما كان يطلق عليه اسم السفر في لغة العرب يجوز القصر فيه. لأنه ظاهر النصوص ولم يصرف عنه صارف من نقل صحيح ومطلق الخروج من البلد لا يسمى سفراً، وقد كان صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قباء وإلى أحد ولم يقصر الصلاة، والحديثان اللذان قدمنا عن مسلم محتملان وحديث سعيد بن منصور المتقدم لا نعلم أصحيح هو أم لا؟ فإن كان صحيحاً كان نصاً قوياً في قصر الصلاة في المسافة القصيرة والطويلة، وقصر أهل مكة مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دليل عند بعض العلماء على القصر في المسافة غير الطويلة، وبعضهم يقول: القصر في مزدلفة، ومنى، وعرفات من مناسك الحج والله تعالى أعلم. قال مقيده - عفا الله عنه - أقوى الأقوال فيما يظهر لي حجة، هو قول من قال: إن كل ما يسمى سفراً ولو قصيراً تقصر فيه الصلاة، لإطلاق اسفر في النصوص، ولحديثي مسلم المتقدمين، وحديث سعيد بن منصور، وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب، سمعت ابن عمر يقول: "إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر". وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر يقول: "لو خرجت ميلاً قصرت الصلاة". قال ابن حجر في الفتح: إسناد كل منهما صحيح اهـ. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثالث: يبتدئ المسافر القصر، إذا جاوز بيوت بلده بأن خرج من البلد كله، ولا يقصر في بيته إذا نوى السفرن ولا في وسط البلد، وهذا هو قول جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة، وأكثر فقهاء الأمصار، وقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قصر بذي الحليفة، وعن مالك أنه إذا كان في البلد بساتين مسكونة أن حكمها حكم البلد، فلا يقصر حتى يجاوزها، واستدل الجمهور. على أنه لا يقصر إلا إذا خرج من البلد، بأن القصر مشروط بالضرب في الأرض، ومن لم يخرج من البلد لم يضرب في الأرض، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن أراد السفر قصر وهو في منزله، وذكر ابن المنذر، عن الحارث بن أبي ربيعة، أنه أراد سفراً فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب ابن مسعود قال: وروينا معناه عن عطاء، وسليمان بن موسى قال: وقال مجاهد: لا يقصر المسافر نهاراً حتى يدخل الليل، وإن خرج بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار، وعن عطاء. أنه قال: إذا جاوز حيطان داره فله القصر. قال النووي: فهذان المذهبان فاسدان فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النَّبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة، حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء، وموافقيه منابذ للسفر اهـ. منه، وهو ظاهر كما ترى. الفرع الرابع: اختلف العلماء في قدر المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها لزمه الإتمام، فذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد في إحدى الروايتين إلى أنها أربعة أيام، والشافعية يقولون: لا يحسب فيها يوم الدخول، ولا يوم الخروج، ومالك يقول: إذا نوى إقامة أربعة أيام صحاح أتم. وقال ابن القاسم: في العتبية يلغي يوم دخوله ولا يحسبه، والرواية المشهورة عن أحمد، أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة. وقال ابو حنيفة - رحمه الله-: هي نصف شهر، واحتج من قال بأنها أربعة أيام، بما ثبت في الصحيح من حديث العلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه - أنه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر" تفسير : هذا لفظ مسلم، وفي رواية له عنه "حديث : المهاجر إقامة ثلاث ليال بعد الصدر بمكة"تفسير : ، وفي رواية له عنه "حديث : يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً"تفسير : ، وأخرجه البخاري في المناقب، عن العلاء بن الحضرمي أيضاً بلفظ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث للمهاجر بعد الصدر" تفسير : اهـ. قالوا فأذن النَّبي صلى الله عليه وسلم، للمهاجرين في ثلاثة الأيام يدل على أن من أقامها في حكم المسافر، وأن ما زاد عليها يكون إقامة والمقيم عليه الإتمام، وبما أخرجه مالك في الموطأ بسند صحيح، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجراً أن يقيم ثلاثاً وأجيب عن هذا الدليل من جهة المخالف، بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم إنما رخص لهم في الثلاث. لأنها مظنة قضاء حوائجهم، وتهيئة أحوالهم للسفر، وكذلك ترخيص عمر لليهود في إقامة ثلاثة ايام، والاستدلال المذكور له وجه من النظر. لأنه يعتضد بالقياس. لأن القصر شرع لأجل تخفيف مشقة السفر، ومن أقام أربعة ايام، فإنها مظنة لإذهاب مشقة السفر عنه، واحتج الإمام أحمد، على أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة بما ثبت في الصحيح من حديث جابر، وابن عباس - رضي الله عنهم - حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "قدم مكة في حجة الوداع صبح رابعة، فأقام النَّبي صلى الله عليه وسلم، اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام،تفسير : وقد أجمع على إقامتها، وهي إحدى وعشرون صلاة. لأنها أربعة أيام كاملة، وصلاة الصبح من الثامن" قال: فإذا أجمع أن يقيم، كما أقام النَّبي صلى الله عليه وسلم قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم. وروى الأثرم، عن أحمد - رحمه الله - أن هذا الاحتجاج كلام ليس يفقهه كل الناس، وحمل الإمام أحمد حديث أنس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة في حجة الوداع عشراً يقصر الصلاة على هذا المعنى الذي ذكرنا عنه، وأن أنساً أراد مدة إقامته بمكة ومنى ومزدلفة. قال مقيده - عفا الله عنه - وهذا لا ينبغي العدول عنه لظهور وجهه، ووضوح أنه الحق. تنبيه حديث أنس هذا الثابت في الصحيح، لا يعارضه ما ثبت في الصحيح أيضاً، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أقام النَّبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا". لأن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في غزوة الفتح، وحديث أنس، في حجة الوداع، وحديث ابن عباس، محمول على أنه صلى الله عليه وسلم، ما كان ناوياً الإقامة، والإقامة المجردة عن نية لا تقطع حكم السفر عند الجمهور، و الله تعالى أعلم. واحتج أبو حنيفة - رحمه الله - لأنها نصف شهر، بما روى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "حديث : اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمسة عشر، يقصر الصلاة"تفسير : وضعف النووي في الخلاصة، رواية خمسة عشر. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وليس بجيد. لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي، من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله، عن ابن عباس كذلك، واختار أبو حنيفة رواية خمسة عشر، عن رواية سبعة عشر، ورواية ثمانية عشر، ورواية تسعة عشر. لأنها أقل ما ورد فيحمل غيرها على أنه وقع اتفاقاً، وأرجح الروايات، وأكثرها وروداً في الروايات الصحيحة رواية تسعة عشر وبها أخذ إسحاق ابن راهويه وجمع البيهقي بين الروايات، بأن من قال: تسعة عشر، عد يوم الدخول، ويوم الخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال: ثماني عشرة حذف أحدهما. أما رواية خمسة عشر، فالظاهر فيها أن الراوي ظن، أن الأصل رواية سبعة عشر فحذف منها، يوم الدخول، ويوم الخروج، فصار الباقي خمسة عشر، واعلم أن الإقامة المجردة عن النية فيها أقوال للعلماء: أحدها: أنه يتم بعد أربعة أيام. والثاني: بعد سبعة عشر يوما.ً والثالث: ثمانية عشر. والرابع: تسعة عشر. والخامس: عشرين يوماً. والسادس: يقصر أبداً حتى يجمع على الإقامة. والسابع: للمحارب أن يقصر، وليس لغيره القصر بعد إقامة أربعة ايام. وأظهر هذه الأقوال أنه لا يقصر حتى ينوي الإقامة ولو طال مقامه من غير نية الإقامة، ويدل له قصر النَّبي صلى الله عليه وسلم مدة إقامته في مكة عام الفتح، كما ثبت في الصحيح وما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي عن جابر قال: "حديث : أقام النَّبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة".تفسير : وقد صحح هذا الحديث النووي وابن حزم، وأعله الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلاً، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى عن أنس فقال: "بضع عشرة" وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي وهو ضعيف. قال البيهقي بعد إخراجه له: ولا أراه محفوظاً، وقد روي من وجه آخر عن جابر "بضع عشرة" اهـ. وقد اختلف فيه على الأوزاعي ذكره الدارقطني في العلل وقال الصحيح عن الأوزاعي عن يحيى أن أنساً كان يفعله. قال ابن حجر: ويحيى لم يسمع من أنس. وقال النووي في شرح المهذب: قلت ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد وهو إمام مجمع على جلالته وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح. لأن الصحيح أنه إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد حكم بالمسند اهـ. منه وعقده صاحب المراقي بقوله: شعر : والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ تفسير : إلخ... واستدل أيضاً من قال بأن الإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم السفر بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنهما - قال: "غزوت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يُصلّي إلا ركعتين يقول: حديث : يا أهل البلدة صلوا اربعاً فإنا سفر" تفسير : فقول النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فإنا سفر مع إقامته ثماني عشرة يدل دلالة واضحة على أن المقيم من غير نية الإقامة يصدق عيه إسم المسافر، ويؤيده حديث "حديث : إنما الأعمال بالنيات" تفسير : وهذا الحديث حسنه الترمذي وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. قال ابن حجر: وإنما حسن الترمذي حديثه لشاهده ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما علم من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق اهـ. وعلي بن زيد المذكور أخرج له مسلم مقروناً بغيره. وقال الترمذي في حديثه في السفر: حسن صحيح وقال: صدوق ربما رفع الموقوف ووثقه يعقوب بن شيبة. وقال بعض أهل العلم: اختلط في كبره، وقد روى عنه شعبة، والثوري، وعبد الوراث، وخلق. وقال الدارقطني: إنما فيه لين، والظاهر أن قول الدارقطني هذا أقرب للصواب فيه، لكن يتقى منه ما كان بعد الاختلاط. اهـ. إلى غير ذلك من الأدلة على أن الإقامة دون نيتها لا تقطع حكم السفر، "وقد أقام الصحابة برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة". رواه البيهقي بإسناد صحيح، وتضعيفه بعكرمة بن عمار مردود بأن عكرمة المذكور من رجال مسلم في صحيحه. وقد روى أحمد في مسنده عن ثمامة بن شراحيل عن ابن عمر أنه قال: "كنت بأذربيجان لا أدري قال: أربعة اشهر أو شهرين فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين" وأخرجه البيهقي. وقال ابن حجر في التلخيص: إن إسناده صحيح اهـ. ومذهب مالك الفرق بين العسكر بدار الحرب فلا يقصر وبين غيره فيقصر بنية إقامة أربعة أيام صحاح. الفرع الخامس: إذا تزوج المسافر ببلد أو مر على بلد فيه زوجته أتم الصلاة. لأن الزوجة في حكم الوطن، وهذا هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وأحمد، وبه قال ابن عباس: وروي عن عثمان بن عفان، واحتج من قال بهذا القول بما رواه الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - "أنه صلى بأهل منى اربعاً وقال: يا ايها الناس لما قدمت تأهلت بها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة المقيم ". تفسير : قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد بعد أن ساق هذا الحديث: وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. يعني: في مخالفته النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر في قصر الصلاة في منى وأعل البيهقي حديث عثمان هذا بانقطاعه وأن في إسناده عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف. قال ابن القيم: قال أبو البركات بن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك وأصحابهما اهـ. منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن أحسن ما يعتذر به عن عثمان، وعائشة في الإتمام في السفر أنهما فهما من بعض النصوص أن القصر في السفر رخصة، كما ثبت في صحيح مسلم أنه "صدقة تصدق الله بها" اهـ. وأنه لا بأس بالإتمام لمن لا يشق عليه ذلك كالصوم في السفر ويدل لذلك ما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "أنها كانت تصلي أربعاً قال: فقلت لها: لو صليت ركعتين فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق علي" وهذا أصرح شيء عنها في تعيين ما تأولت به والله أعلم. الفرع السادس: لا يجوز للمسافر في معصية القصر. لأن الترخيص له والتخفيف عليه إعانة له على معصيته، ويستدل لهذا بقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} تفسير : [المائدة: 3] الآية. فشرط في الترخيص بالاضطرار إلى أكل الميتة كونه غير متجانف لإثم، ويفهم من مفهوم مخالفته أن المتجانف لإثم لا رخصة له والعاصي بسفره متجانف لإثم والضرورة اشد في اضطرار المخمصة منها في التخفيف بقصر الصلاة ومنع ما كانت الضرورة إليه ألجأ بالتجانف للإثم يدل على منعه به فيما دونه من باب أولى، وهذا النوع من مفهوم المخالفة من دلالة اللفظ عند الجمهور لا من القياس خلافاً للشافعي وقوم كما بيناه مراراً في هذا الكتاب وهو المعروف بإلغاء الفارق وتنقيح المناط، ويسميه الشافعي القياس في معنى الأصل، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد وخالف في هذه المسألة أبو حنيفة - رحمه الله - فقال: يقصر العاصي بسفره كغيره لإطلاق النصوص. ولأن السفر الذي هو مناط القصر ليس معصية بعينه، وبه قال الثوري والأوزاعي: والقول الأول أظهر عندي والله أعلم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 101- الصلاة فريضة محكمة لا تسقط فى السفر، ولكن لا إثم على من يقصرها فيه عن الحضر. فالذين يخرجون مسافرين - إن خافوا أن يتعرض لهم الكافرون بما يكرهون - لهم أن يقصروا الصلاة، فالصلاة التى هى أربع ركعات يصلونها اثنتين، وإن الحذر من تعرض الكافرين واجب لأنهم أعداء، عداوتهم واضحة. 102- وإذا كنت - أيها النبى الأمين - فيهم وقامت صلاة الجماعة، فلا تنسوا الحذر من الأعداء، وذلك بتقسيم المسلمين إلى طائفتين: إحداهما تبدأ الصلاة مقتدية بك، وتكون الأخرى قائمة على الأسلحة والأمتعة لحراستها، فإذا أتممت نصف الصلاة ذهبت التى صلت وراءك وجاءت الأخرى فصليت بها الباقى، ثم تصلى ما فاتها وتصلى الأولى بقية الصلاة، وتسمى لاحقة والأخرى مسبوقة، إذ تؤدى أول الصلاة، واللاحقة تؤدى آخرها، وذلك التنظيم لكى لا تفوت الصلاة، وللحذر من الكافرين الذين يودون أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلوا عليكم دفعة واحدة، ويَنْقَضوُّا عليكم وأنتم فى الصلاة، وأن قتال المشركين مستمراً واجب، ولكن لا إثم عليكم أن تسكنوا إذا كان بكم مرض أو نزل مطر عاق عن القتال، ولكن على أن تكونوا على حذر دائم، وهذا عقاب الله للكافرين فى الدنيا، وفى الآخرة أعد لهم عذاباً مهيناً مذلاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ضربتم في الأرض: أي مسافرين مسافة قصر وهي أربعة برد أي ثمانية وأربعون ميلاً. إن تقصروا من الصلاة: بأن تصلوا الظهرين ركعتين ركعتين، والعشاء ركعتين لطولها. إن خفتم أن يفتنكم: هذا خرج مخرج الغالب، فليس الخوف بشرط في القصر وإنما الشرط السفر. حذرهم: الحيطة والأهبة لما عسى أن يحدث من العدو. وأسلحتكم: جمع سلاح ما يقاتل به من أنواع الأسلحة. لا جناح عليكم: أي لا تضييق عليكم ولا حرج في وضع الأسلحة للضرورة. قضيتم الصلاة: أديتموها وفرغتم منها. فإذا اطمأننتم: أي ذهب الخوف فحصلت الطمأنينة بالأمن. كتاباً موقوتا: فرضاً ذات وقت معين تؤدى فيه لا تتقدمه ولا تتأخر عنه. ولا تهنوا: أي لا تضعفوا. تألمون: تتألمون. معنى الآيات: بمناسبة الهجرة والسفر من لوازمها ذكر تعالى رخصة قصر الصلاة في السفر وذلك بتقصير الرباعية إلى ركعتين فقال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي سرتم فيها مسافرين {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي حرج وإثم في {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} وبينت السنة أن المسافر يقصر ولو أمن فهذا القيد غالبي فقط، وقال تعالى: {إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} تذييل أريد به تقرير عداوة الكفار للمؤمنين فلذا شرع لهم هذه الرخصة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [101] أما الآيتان بعدها فقد بيّنت صلاة الخوف وصورتها: أن ينقسم الجيش قسمين قسم يقف تجاه العدو وقسم يصلي مع القائد ركعة، ويقف الإِمام مكانه فيتمون لأنفسهم ركعة، ويسلمون ويقفون وجاه العدو، ويأتي القسم الذي كان واقفاً تجاه العدو فيصلي بهم الإِمام القائد ركعة ويسلم ويتمون لأنفسهم ركعة ويسلمون، وفي كلا الحالين هم آخذون أسلحتهم لا يضعونها على الأرض خشية أن يميل عليهم العدو وهم عزل فيكبدهم خسائر فادحة هذا معنى قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَٰوةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} يريد الطائفة الواقعة تجاه العدو لتحميهم منه {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} وقوله تعالى: {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً} سيق هذا الكلام لبيان علة الصلاة طائفة بعد أخرى والأمر بالأخذ بالحذر وحمل الأسلحة في الصلاة، ومن هنا رخص تعالى لهم إن كانوا مرضى وبهم جراحات أو كان هناك مطر فيشق عليهم حمل السلام أن يضعوا أسلحتهم فقال عز وجل: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} تذييل لكلام محذوف دل عليه السياق قد يكون تقديره فإن الكفار فجرة لا يؤمن جانبهم ولذا أعد الله لهم عذاباً مهيناً، وإنما وضع الظاهر مكان المضمر إشارة إلى علة الشر والفساد التي هي الكفر. وقوله تعالى في آية [103] {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} فإنه تعالى يأمر المؤمنين بذكره في كل الأحيان لا سيما في وقت لقاء العدو لما في ذلك من القوة الروحية التي تقهر القوى المادية وتهزمها فلا يكتفي المجاهدون بذكر الله في الصلاة فقط بل إذا قضوا الصلاة لا يتركون ذكر الله في كل حال وقوله تعالى: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} يريد إذا ذهب الخوف وحل الأمن واطمأنت النفوس أقيموا الصلاة بحدودها وشرائطها وأركانها تامة كاملة، لا تخفيف فيها كما كانت في حال الخوف إذ قد تصلي ركعة واحدة وقد تصلي إيماءً وإشارة فقط وذلك إذا التحم المجاهدون بأعدائهم. وقوله: {إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً} تعليل للأمر بإقام الصلاة فأخبر أن الصلاة مفروضة على المؤمنين وأنها موقوته بأوقات لا تؤدى إلا فيها. وقوله تعالى في آية [104] {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي لا تضعفوا في طلب العدو لإِنزال الهزيمة به. ولا تتعللوا في عدم طلبهم بأنكم تألمون لجراحاتكم {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ} من النصر والمثوبة العظيمة {مَا لاَ يَرْجُونَ} فأنتم أحق بالصبر والجلد والمطالبة بقتالهم حتى النصر عليهم وقوله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} فيه تشجيع للمؤمنين على مواصلة الجهاد، لأن علمهم بأن الله تعالى عليم بأحوالهم والظروف الملابسة لهم وحكيم في شرعه بالأمر والنهي لهم يطمئنهم على حسن العافية لهم بالنصر على أعدائهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية صلاة القصر وهي رخصة أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله فأصبحت سنة مؤكدة لا ينبغي تركها. 2- مشروعية صلاة الخوف وبيان كيفيتها. 3- تأكد صلاة الجماعة بحيث لا تترك حتى في ساعة الخوف والقتال. 4- استحباب ذكر الله تعالى بعد الصلاة وعلى كل حال من قيام وقعود واضطجاع. 5- تقرير فرضية الصلاة ووجوب أدائها في أوقاتها الموقوتة لها. 6- حرمة الوهن والضعف إزاء حرب العدو الاستعانة على قتاله بذكر الله ورجائه.

القطان

تفسير : اذا ضربتم في الأرض: سافرتم فيها. جناح: ذنب. ان تقصروا من الصلاة: ان تصلوا ركعتين بدل الاربع. هنا يبين تعالى حكم الصلاة في حالة الخوف، فيرخّص لنا أن نصلّي ركعتين بدلاً من اربع. وهذه رخصة لنا من الله في حالة الجهاد والخوف من العدو. وهي تدل على أن الصلاة لا تُترك أبداً، بل يجب ان تؤدى مهما كان الامر خطيرا. وهو يشير الى ان اقامة الصلاة في ساحة المعركة، وفي اوقات الخوف ـ سلاح عظيم يقوّي معنوية المسلمين ويزيدهم اطمئناناً الى النصر. ومع هذا فانه يجب الحذر من الأعداء، لأنهم لا يقصّرون في فتنتكم، فالحراسة متعينة عليكم آنذاك حتى لا يغدروا بكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةِ} {ٱلْكَافِرِينَ} (101) - إذَا سَافَرْتُمْ فِي البِلادِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ حَرَجٌ، وَلاَ تَضييقٌ (جُنَاحٌ) أنْ تُخَفِّفُوا مِنَ الصَّلاَةِ، بِجَعْلِ الصَّلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ ثُنَائِيَّةً، وَعَدَّ الرَّسُولُ الكَرِيمُ صلى الله عليه وسلم القَصْرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: "حديث : صَدَقَة تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"تفسير : . وَعَدَّها الأَئِمَّةُ المُؤْمِنُونَ مُطْلَقَةً حَتَّى وَلَوْ تَحَقَّقَ الأمْنُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَبْقَ مَا يُخِيفُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَأهْلِهِ. وَقُدِّرَتِ المَسَافَةُ التِي تُجِيزُ القَصْرَ بـ 81 كِيلُومِتْراً عِنْدَ الأحْنَافِ، وَبِنَحْوِ 89 كِيلُومِتراً عِنْدَ أصْحَابِ المَذَاهِبِ الأُخرى. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا: فُرضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ زِيدَ فِي صَلاَةِ الحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ. وَالآيَةُ هُنَا تَعْنِي القَصْرَ مِنَ الرَّكَعَاتِ فِي حَالَةِ الخَوْفِ، بِأنْ تُصَلِّي طَائِفَةٌ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَةً وَاحِدَةً، فَإذَا أَتَمَّتْهَا مَعَهُ أتَمَّتْ هِيَ الرَّكْعَةَ الأخْرَى لِنَفْسِهَا، وَتَأتِي الطَّائِفَةُ الأُخْرَى التِي كَانَتْ تَحْرُسُ الطَّائِفَةَ الأُولَى، التِي صَلَّتْ، فَتُصَلِّي مََعَ الإِمَامِ الرّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ تُتِمُّ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لِنَفْسِهَا. (أمَّا قَصْرُ الصَّلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ فِي السَّفَرِ فَإنَّهُ مَأخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والضرب في الأرض مقصود به أن يمشي المؤمن في الأرض بصلابة وعزم وقوة. والقصر في الصلاة هو اختزال الكمية العددية لركعاتها. وفي اللغة "اختصار" و "اقتصار". "الاقتصار" أن تأخذ بعضا وتترك بعضاً، و "الاختصار" هو أخذ الكل بصفة موجزة. مثال ذلك عندما نختصر كتاباً ما فنحن نوجز كل المعاني التي فيه في عدد أقل من الكلمات. وقد يفكر إنسان في أن يكتب خطاباً، ثم يقول لنفسه: سأرسل برقية في الموضوع نفسه. وهنا لا بد أن يختزل الكلمات لتحمل معاني كثيرة في ألفاظ موجزة. والإسهاب - كما نعلم - لا يأخذ من الوقت مثلما يأخذ الإيجاز؛ فعندما يريد الإنسان الإيجاز فهو يقدح ذهنه - في وقت أطول - ليصل إلى المعاني في كلمات أقل. ويحكى عن سعد زغلول - زعيم ثورة 1919 المصرية - أنه كتب رسالة لصديق فأطال، وأنهى رسالته بهذه الكلمات: وإني أعتذر إليك عن التطويل فليس عندي الوقت الكافي للإيجاز. ويحكي التاريخ عن الخليفة المسلم الذي أراد أن يهدد قائد الروم.. فكتب إليه؛ أما بعد: فسآتيك بجيش أوله عندك وآخره عندي. وهكذا أوجز الخليفة حجم الخطر الداهم الذي سيواجه ملك الروم من جيش عرمرم سيملأ الأرض إلخ. وينقل التاريخ عن أحد قادة العرب وموقفه القتالى الذي كان صعباً في "دومة الجندل" أنه كتب إلى خالد بن الوليد كلمتين لا غيرهما "إياك أريد" ولم يقل أكثر من ذلك ليتضح من هذا الإيجاز حجم المعاناة التي يعانيها. وقد أوردنا هذا الكلام ونحن بصدد الحديث عن القصر والإيجاز. والقصر في الصلاة هو أن يؤدي المؤمن كُلاًّ من صلاة الظهر والعصر والعشاء ركعتين بدلاً من أربع ركعات، أما الصبح والمغرب فكلاهما على حاله، الصبح ركعتان، والمغرب ثلاث ركعات. وحكمة مشروعية ذلك أن الصلاة في وقت الحرب تقتضي ألا ينشغل المقاتلون عن العدو، ولا ينشغلوا أيضا عن قول الحق: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تفسير : [النساء: 103] فإذا شرع الله للخوف صلاة، وللحرب صلاة فمعنى ذلك أنه لا سبيل أبداً لأن ينسى العبد المؤمن إقامة الصلاة. وإذا كانت الصلاة واجبة في الحرب فلن تكون هناك مشاغل في الحياة أكثر من مشاغل الحرب والسيف. وصلاة الحرب - أي صلاة الخوف - جاء بها القرآن، أما صلاة السفر فقد جاءت بها السنة أيضا، وفيها يقصر المؤمن صلواته أيضاً: {أية : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 101] ولو رأى الكافرون المؤمنين مصفوفين جميعاً في الصلاة فقد يهجمون عليهم هجمة واحدة. ولذلك شرع الحق قصر الصلاة. ويكون الخطاب من بعد ذلك موجهاً للرسول صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ...}

الصابوني

تفسير : [7] صلاة الخوف التحليل اللفظي {ضَرَبْتُمْ}: الضرب في الأرض السيرُ فيها قال تعالى: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المزمل: 20] أي سافرون. {تَقْصُرُواْ}: القصر النقصُ وهو يحتمل النقص من عددها، والنقص من صفتها وهيئتها. قال الراغب: قصر الصلاة جعلها قصيرة بترك بعض أركانها ترخيصاً. وقال أبو عبيد: فيها ثلاث لغات: قصَرتُ الصلاة، وقصّرتها، وأقْصَرتها ذكره القرطبي. {يَفْتِنَكُمُ}: الفتنة: الابتلاء والاختبار وتستعمل في الخير والشر قال تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35]. قال الراغب: والفتنة كالبلاء يستعملان في الشدة والرخاء وهما في الشدة أظهر. {عَدُوّاً مُّبِيناً}: أي أعداء ظاهري العداوة. قال الطبرسي: "وإنما قال في الكافرين إنهم (عدُوّ) لأن لفظة فعول تقع على الواحد والجماعات". {حِذْرَهُمْ}: الحِذْر بسكون الذال كالحَذر بفتحها معناه الاحتراز عن الشيء المخيف. قال في "اللسان": الحِذْر والحَذر الخيفة ومن خاف شيئاً اتقاه بالاحتراس من أسبابه. قال الرازي: هما بمعنى واحد كالإِثْر والأثَر، والمِثْل والمَثَل، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من الخوف. والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم. {تَغْفُلُونَ}: الغفلة: سهوٌ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، قاله الراغب. {جُنَاحٌ}: الجُناحُ: الإثم، وهو من جنحت إذا عدلت عن المكان وأخذت جانباً عن القصد. {قَضَيْتُمُ}: فرغتم وانتهيتم، وقيل: معناها أديتم قال تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ} تفسير : [الجمعة: 10] أي أديت. {ٱطْمَأْنَنتُمْ}: أمنتم وأصله السكون يقال: اطمأن القلب أي سكن، والمراد إذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي تعرفونها، ويصح أن يكون المراد بالاطمئنان الإقامة. {كِتَٰباً مَّوْقُوتاً}: أي فرضاً محدوداً بأوقات لا يجوز التقديم أو التأخير فيها، والتوقيت: التحديد بالوقت. قال ابن قتيبة: "موقوتاً أي موقّتاً يقال: وقِّته الله عليهم ووقَته أي جعله لأوقات معلومة ومنه {أية : وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ} تفسير : [المرسلات: 11]. {تَهِنُواْ}: تضعفوا وتتوانوا من الوهن بمعنى الضعف {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} تفسير : [مريم: 4]. {ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ}: أي في طلبهم، يقال: ابتغى القوم أي طلبهم بالحرب، والمراد بالقوم هنا الكفار. {تَأْلَمونَ}: الألم الوجع، وهو من الأعراض التي تصيب الإنسان. قال في "الكشاف": المعنى "ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى بالصبر منهم". {وَتَرْجُونَ}: الرجاء معناه الأمل، قال الزجّاج: هو إجماع أهل اللغة الموثوق بعلمهم. وقال الراغب: الرجاء ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرة، ويأتي بمعنى الخوف قال الشاعر: شعر : إذا لسَعَتْه النَّحلُ لم يرجُ لسعها وحالفها في بيت نُوبٍ عوامل تفسير : {خَصِيماً}: الخصيم بمعنى المخاصم أي المنازع والمدافع، والمعنى: لا تكن لأجل الخائنين مخاصماً للبريئين قاله الزمخشري. وقال الطبري: المعنى: "لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً تخاصم عنه وتدافع عنه من طالبه بحقه الذي خانه". {غَفُوراً رَّحِيماً}: أي كثير المغفرة والرحمة لأن (فعولاً) و(فعيلاً) من صيغ المبالغة. المعنى الإجمالي إذا سافرتم أيها المؤمنون وسرتم في الأرض للجهاد أو التجارة أو السياحة أو غير ذلك، فليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من الصلاة المفروضة، فتصلّوا الرباعية ركعتين، لأن الإسلام دين اليسر والله تعالى يريد بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر، وخاصة إذا خفتم على أنفسكم من فتنة الكافرين، فهم أعداء مظهرون للعداوة، لا يراقبون الله ولا يخشونه فيكم، ولا يمنعهم فرصة اشتغالكم بمناجاة الله أن يقتلوكم، لأنهم أعداء لكم في كل حين وزمان. وإذا كنت يا محمد مع أصحابك في الحرب، وأردت أن تصلي بهم إماماً فاقسمهم طائفتين: طائفة تقف معك في الصلاة، وطائفة أخرى تحرسك ومعهم أسلحتهم فإذا سجدت الطائفة الأولى وأدركوا ركعة فليتأخروا ولتتقدم الطائفة الأخرى التي كانت تتولى الحراسة فَلْيُصلوا معك كما فعل الذين من قبلهم، ثم يتمموا صلاتهم. ثم أخبر تعالى بأن الكافرين يتمنون أن يصيبوا من المؤمنين غفلة، حتى يأخذوهم على حين غرة ويحملوا عليهم حملة واحدة وهم مشغولون بالصلاة واضعون السلاح، ولهذا أمر الله تعالى بأخذ الحذر والحيطة، ثم أخبر بأنه لا إثم عليهم إن كانت بهم جراحات أو مرض وشق عليهم حمل السلاح أن يضعوا أسلحتهم مع أخذ الحذر الشديد من الأعداء، فإذا قضى المؤمنون الصلاة وأتموها فعليهم أن يكثروا من ذكر الله في حالة القيام والقعود والاضطجاع، فإذا ذهب عنهم الخوف واطمأنوا فليؤدوا الصلاة كما شرعها الله، لأن الصلاة كانت على المؤمنين فرضاً محدوداً بأوقات، ثابتة ثبوت الكتاب في اللوح. ثم أمر تعالى المؤمنين بألاّ يضعفوا عن قتال الكفار، لأنهم يطلبون إحدى الحسنين: إما النصر والعزة، وإما الشهادة والجنة، وهم أحق بالثبات والصبر من المشركين. وختم الله تعالى هذه الآيات الكريمة بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالحكم بين الناس بالحق والعدل الذي أعلمه به، وألاّ يكون من أجل المنافقين خصيماً للبريئين، وأن يستغفر الله من تحسين ظنه ببعض الناس الذين يتظاهرون بالتقى والدين وهم من المنافقين. "وجه الارتباط بالآيات السابقة" كان السياق في الآيات السابقة في أحكام الجهاد في سبيل الله، ثم في أحكام الهجرة من الوطن ابتغاء مرضاة الله، ولما كانت الصلاة فرضاً لازماً في كل حال، لا تسقط في وقت القتال، ولا في أثناء الهجرة، ولا غيرها من أيام السفر، ولكن قد تتعذر أو تتعسر في حالة الحرب والسفر لذلك وردت هذه الآيات الكريمة تبيّن طريقة الصلاة في حالة الخوف وتأمر بالمحافظة على الصلاة حتى في حالة لقاء العدو، وقد رخص لهم القصر في حالة الخوف والسفر تيسيراً على العباد، فناسب ذكر هذه الأحكام والله تعالى أعلم. سبب النزول أولاً: روى الإمام أحمد وأهل السنن عن أبي عيّاش الزّرقي قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ...} الآية. ثانياً: وروي أن (طُعْمة بن أُبَيْرق) سرق درعاً لقتادة بن النعمان، وكان الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار ثم خبأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طُعمة فلم توجد عنده، وحلف مالي بها علمٌ، فقال أصحابها: بلى والله لقد دخل علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره فرأينا أثر الدقيق، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهود فأخذوه، فقال: دفعها إليّ طعمة، فقال قوم طعمة: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليجادل عن صحابنا فإنه بريء، فأتوه فكلّموه في ذلك فنزلت هذه الآيات {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ}. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: التعبير بقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} ليس للشرط وإنما خرج الكلام مخرج الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار، ولهذا قال (يَعْلَى بن أمية) لعمر رضي الله عنه: ما لنا نقصر وقد أمّنا؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "حديث : صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". تفسير : اللطيفة الثانية: أمر تعالى المجاهدين حين شروعهم بالصلاة بعدم طرح الأسلحة، وعبّر عن ذلك بالأخذ (وليأخذوا أسلحتهم) للإيذان بالاعتناء بضرورة الحذر من الكافرين، والتنبيه على ضرورة اليقظة وعدم التساهل في الأخذ بالأسباب. اللطيفة الثالثة: حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا محارباً مع أصحابه، فنزلوا وادياً ولا يرون من العدوّ أحداً، فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له، فلما قطع طرف الوادي بصرَ به (غورث بن الحارث) فانحدر من الجبل ومعه السيف، فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه يقول: قتلني الله إن لم أقتلك وقد سلّ سيفه من غمدة فقال يا محمد: من يعصمك منيّ الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله عز وجل، فأهوى بالسيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه فزلقت رجله وسقط على الأرض، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال: من يمنعك مني الآن يا غورث؟ فقال: لا أحد، كن خير آخذ فعفا عنه الرسول عليه السلام، فرجع إلى قومه فقصّ عليهم قصته فآمن بعض قومه ودخلوا في الإسلام . تفسير : اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي بما عرّفك وأعلمك وأوحى إليك، سمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور. قال الزمخشري: كان عمر يقول: "لا يقولَّنّ أحدكم قضيتُ بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيباً، لأن الله كان يريه إياه، وهو منّا الظن والتكلف". اللطيفة الخامسة: قال الرازي: واعلم أن في الآية تهديداً شديداً، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طُعْمة، وكان في علم الله أن (طُعْمة) كان فاسقاً، فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغّبه فيه أشد الترغيب؟. اللطيفة السادسة: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لا يدل على وقوع المعصية منه عليه السلام وإنما هو لزيادة حسناته ورفع مقامه، قال القاضي عياض في "الشفا": إن تصرف الأنبياء عليهم السلام بأمورٍ لم يُنهوا عنها، ولا أُمروا بها، ثم عوتبوا بسببها، إنما هي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم، وإلى كمال طاعتهم، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وأطال في هذا المقام وأطاب، ثم قال: وأيضاً فإن في التوبة والاستغفار معنى لطيفاً أشار إليه بعض العلماء وهو: استدعاء محبة الله، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} تفسير : [البقرة: 222]. الأحكام الشرعية الحكم الأول: قصر الصلاة في السفر. دل قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ} على مشروعية قصر الصلاة في السفر لأن قوله {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} معناه إذا سافرتم في البلاد، ولم يشرط الله تعالى أن يكون السفر للجهاد وإنما أطلق اللفظ ليعمّ كل سفر، وقد استدل العلماء بهذه الآية على مشروعية (قصر الصلاة) للمسافر ثم اختلفوا هل القصر واجب أم رخصة على مذهبين: المذهب الأول: أن القصر رخصة فإن شاء قصر وإن شاء أتم، وهو قول الشافعي وأحمد رحمهما الله. المذهب الثاني: أن القصر واجب وأن الركعتين هما تمام صلاة المسافر وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. وقال مالك: إن أتمّ في السفر يعيد ما دام في الوقت، والقصر عنده سنة وليس واجباً. دليل المذهب الأول: احتج الشافعية والحنابلة على عدم وجود القصر بأدلة نوجزها فيما يلي: أ - إن ظاهر قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ} يشعر بعدم الوجوب، لأن رفع الجناح يدل على الإباحة لا على الوجوب، ولو كان القصر واجباً لجاء اللفظ بقوله: فعليكم أن تقصروا من الصلاة، أو فاقصروا الصلاة. ب - ما روي أن عائشة اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قالت يا رسول الله قصرتُ وأتممتُ، وصمتُ وأفطرت، فقال: أحسنتِ يا عائشة ولم يَعِبْ عليّ. جـ - وقالوا: إن عثمان كان يتم ويقصر ولم ينكر عليه أحد الصحابة فدل على أن القصر رخصة. د - وقالوا مما يدل على ما ذكرناه أن رخص السفر جاءت على التخيير كالصوم والإفطار، فكذلك القصر. دليل المذهب الثاني: واستدل الحنفية على وجوب قصر الصلاة في السفر بأدلة نوجزها فيما يلي: أ - ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم. ب - إن النبي صلى الله عليه وسلم التزم القصر في أسفاره كلها، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين حتى يرجع . تفسير : جـ - ما روي عن (عمران بن حصين) قال: حديث : حججتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة: صلوا أربعاً فإنّا قوم سَفْرٌ . تفسير : د - وقال ابن عمر: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله تعالى، وقد قال الله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21]. هـ - وما روي عن عائشة الثابت في الصحيح "حديث : فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين، فزيدت في الحضر وأُقرّت في السفر ". تفسير : قالوا: فهذه هي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجب اتباعه وقد قال عليه السلام: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي" تفسير : فلمّا صلىّ في السفر ركعتين دلّ على أنه هو المفروض. الحكم الثاني: السفر الذي يبيح قصر الصلاة. اختلف الفقهاء في السفر الذي يبيح قصر الصلاة، فذهب بعضهم إلى أنه لا بدّ أن يكون (سفر طاعة) كالجهاد، والحج، والعمرة، وطلب العلم أو غير ذلك أو أن يكون مباحاً كالتجارة، والسياحة، وغير ذلك وهذا هو مذهب (الشافعية والحنابلة). وقال مالك: كل سفر مباح يجوز فيه قصر الصلاة، فقد روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين. قال ابن كثير هذا حديث مرسل. وقال أبو حنيفة والثوري وداود: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحاً أو محظوراً، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، وحجتهم في ذلك أن القصر فرضٌ معيَّنٌ للسفر لحديث عائشة السابق "حديث : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر" تفسير : ولم يخصّص القرآن سفراً دون سفر فكان مطلق السفر مبيحاً للقصر حتى ولو كان سفر معصية. قال ابن العربي في "أحكام القرآن": "وأما من قال إنه يقصر في سفر المعصية فلأنها فرضٌ معيّن للسفر فقد بينّا في كتاب "التلخيص" فساده، فإن الله سبحانه جعل في كتابه القصر تخفيفاً والتمام أصلاً، والرّخَص لا تجوز في سفر المعصية كالمسح على الخفين". أقول: ما ذهب إليه الجمهور من أن السفر المباح تقصر فيه الصلاة هو الأرجح لئلا نعينه على المعصية والله تعالى يقول: {أية : وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} تفسير : [المائدة: 2]. الحكم الثالث: ما هو مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة؟ 1 - ذهب أهل الظاهر إلى أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر. 2 - وذهب الشافعية والحنابلة والمالكية إلى أن أقله يومان، مسيرة ستة عشر فرسخاً. 3 - وذهب الحنفية إلى أن أقله ثلاثة أيام، مسيرة أربعة وعشرين فرسخاً. 4 - وقال الأوزاعي أقله مرحلة يوم، مسيرة ثمانية فراسخ. وقد مرت هذه الأقوال في آية الصوم مع الأدلة فارجع إليها هناك. قال ابن العربي في الردّ على الظاهرية: "تلاعب قوم بالدين فقالوا: إنّ من خرج من البلد إلى ظاهره قصر الصلاة وأكل، وقائل هذا أعجميّ لا يعرف السفر عند العرب، أو مستخفّ بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه ما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أن أفكّر فيه بفضول قلبي، وقد كان من تقدم من الصحبة يختلفون في تقديره، فروي عن عمر، وابن عمر، وابن عباس أنهم كانوا يقدّرونه بيوم، وعن ابن مسعود أنه كان يقدّره بثلاثة أيام، يعلمهم بأن السفر كل خروج تُكلّف له وأدركت فيه المشقة". الحكم الرابع: كيف تصلى صلاة الخوف؟ ذهب الإمام أبو يوسف رحمه الله إلى أن ما اشتملت عليه الآية من الأحكام في صلاة الخوف، كان خاصاً بالرسول عليه السلام مع الجيش، أخذاً من ظاهر قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ}. وذهب الجمهور إلى أن صلاة الخوف مشروعة، لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته، وقد أمرنا باتباعه والتأسي به، والأئمة هم خلفاؤه من بعده يقيمون شريعته وملته، فلا موجب للقول بالخصوصية. ثم اختلفوا في كيفية الصلاة على أقوال عديدة حسب اختلاف الروايات عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال في "المغني": "ويجوز أن يصلي صلاة الخوف على كل صفة صلاّها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز" وقد اختار الإمام أحمد حديث (سهل بن أبي حثمة) وقد رواه الجماعة ولفظه عند مسلم كما يلي (حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في الخوف، فصفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلّم ). تفسير : ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - قصر الصلاة في السفر وفي الخوف مع الإمام وغيره. 2 - وجوب الاستعداد وأخذ الحيطة والحذر من الأعداء. 3 - الصلاة لها أوقات محدودة فلا يباح الإخلال بها. 4 - ضرورة الصبر وعدم الوهن والجزع من مجابهة الأعداء.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هاتان الآيتان أصل في رخصة القصر، وصلاة الخوف، يقول تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ } أي: في السفر، وظاهر الآية [أنه] يقتضي الترخص (1) في أي سفر كان ولو كان سفر معصية، كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وخالف في ذلك الجمهور، وهم الأئمة الثلاثة وغيرهم، فلم يجوزوا الترخص (2) في سفر المعصية، تخصيصا للآية بالمعنى والمناسبة، فإن الرخصة سهولة من الله لعباده إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا، والعاصي بسفره لا يناسب حاله التخفيف. وقوله: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ } أي: لا حرج ولا إثم عليكم في ذلك، ولا ينافي ذلك كون القصر هو الأفضل، لأن نفي الحرج إزالة لبعض الوهم الواقع في كثير من النفوس، بل ولا ينافي الوجوب كما تقدم ذلك في سورة البقرة في قوله: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } إلى آخر الآية. وإزالة الوهم في هذا الموضع ظاهرة، لأن الصلاة قد تقرر عند المسلمين وجوبها على هذه الصفة التامة، ولا يزيل هذا عن نفوس أكثرهم إلا بذكر ما ينافيه. ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران: أحدهما: ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم على القصر في جميع أسفاره. والثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. وقوله: { أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ } ولم يقل أن تقصروا الصلاة فيه فائدتان: إحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود، فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة لأجزأ، فإتيانه بقوله: { مِنَ الصَّلاةِ } ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. الثانية: أن { من } تفيد التبعيض ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات لا جميعها، فإن الفجر والمغرب لا يقصران وإنما الذي يقصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين. فإذا تقرر أن القصر في السفر رخصة، فاعلم أن المفسرين قد اختلفوا في هذا القيد، وهو قوله: { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } الذي يدل ظاهره أن القصر لا يجوز إلا بوجود الأمرين كليهما، السفر مع الخوف. ويرجع حاصل اختلافهم إلى أنه هل المراد بقوله: { أَنْ تَقْصُرُوا } قصر العدد فقط؟ أو قصر العدد والصفة؟ فالإشكال إنما يكون على الوجه الأول. وقد أشكل هذا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : يا رسول الله ما لنا نقصر الصلاة وقد أمِنَّا؟ أي: والله يقول: { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" تفسير : أو كما قال. فعلى هذا يكون هذا القيد أتى به نظرا لغالب الحال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليها، فإن غالب أسفاره أسفار جهاد. وفيه فائدة أخرى وهي بيان الحكمة والمصلحة في مشروعية رخصة القصر، فبيَّن في هذه الآية أنهى ما يتصور من المشقة المناسبة للرخصة، وهي اجتماع السفر والخوف، ولا يستلزم ذلك أن لا يقصر مع السفر وحده، الذي هو مظنة المشقة. وأما على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالقصر: قصر العدد والصفة فإن القيد على بابه، فإذا وجد السفر والخوف، جاز قصر العدد، وقصر الصفة، وإذا وجد السفر وحده جاز [ ص 198 ] قصر العدد فقط، أو الخوف وحده جاز قصر الصفة ولذلك أتى بصفة صلاة الخوف بعدها بقوله: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } أي: صليت بهم صلاة تقيمها وتتم ما يجب فيها ويلزم، فعلمهم ما ينبغي لك ولهم فعله. ثم فسَّر ذلك بقوله: { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ } أي: وطائفة قائمة بإزاء العدو كما يدل على ذلك ما يأتي: { فَإِذَا سَجَدُوا } أي: الذين معك أي: أكملوا صلاتهم وعبر عن الصلاة بالسجود ليدل على فضل السجود، وأنه ركن من أركانها، بل هو أعظم أركانها. { فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا } وهم الطائفة الذين قاموا إزاء العدو { فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } ودل ذلك على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى منتظرا للطائفة الثانية، فإذا حضروا صلى بهم ما بقي من صلاته ثم جلس ينتظرهم حتى يكملوا صلاتهم، ثم يسلم بهم وهذا أحد الوجوه في صلاة الخوف. فإنها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة كلها جائزة، وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى. والثاني: أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها. وتدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل أن يصلوا بإمام واحد. ولو تضمن ذلك الإخلال بشيء لا يخل به لو صلوها بعدة أئمة، وذلك لأجل اجتماع كلمة المسلمين واتفاقهم وعدم تفرق كلمتهم، وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب أعدائهم، وأمر تعالى بأخذ السلاح والحذر في صلاة الخوف، وهذا وإن كان فيه حركة واشتغال عن بعض أحوال الصلاة فإن فيه مصلحة راجحة وهو الجمع بين الصلاة والجهاد، والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص على الإيقاع بالمسلمين والميل عليهم وعلى أمتعتهم، ولهذا قال تعالى: { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً } . ثم إن الله عذر من له عذر من مرض أو مطر أن يضع سلاحه، ولكن مع أخذ الحذر فقال: { وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } . ومن العذاب المهين ما أمر الله به حزبه المؤمنين وأنصار دينه الموحدين من قتلهم وقتالهم حيثما ثقفوهم، ويأخذوهم ويحصروهم، ويقعدوا لهم كل مرصد، ويحذروهم في جميع الأحوال، ولا يغفلوا عنهم، خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم. فلله أعظم حمد وثناء على ما مَنَّ به على المؤمنين، وأيَّدَهم بمعونته وتعاليمه التي لو سلكوها على وجه الكمال لم تهزم لهم راية، ولم يظهر عليهم عدو في وقت من الأوقات. وفي قوله: { فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ } يدل على أن هذه الطائفة تكمل جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يثبت منتظرا للطائفة الأخرى قبل السلام، لأنه أولا ذكر أن الطائفة تقوم معه، فأخبر عن مصاحبتهم له. ثم أضاف الفعل بعْدُ إليهم دون الرسول، فدل ذلك على ما ذكرناه. وفي قوله: { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة في ركعتهم الأولى، وحكما في ركعتهم الأخيرة، فيستلزم ذلك انتظار الإمام إياهم حتى يكملوا صلاتهم، ثم يسلم بهم، وهذا ظاهر للمتأمل.

النسائي

تفسير : قوله عزَّ وجل: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ} [101] 140- أخبرني شعيب بن يوسف، عن يحيى وهو ابن سعيد القطَّان، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، عن عبدالله بن باباه، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعُمر: إقصار الصلاة، قال الله عز وجل / {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} وقد ذهب ذلك الآن، قال: عَجبتُ مما عَجبتَ منه، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : صدقة تصدق الله عليكم، فاقبلوا صدقته ".