٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
102
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أنه تعالى لما بيّـن في الآية المتقدمة حال قصر الصلاة بحسب الكمية في العدد، بيّـن في هذه الآية حالها في الكيفية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو يوسف والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول صلى الله عليه وسلم ولا تجوز لغيره، وقال المزني: كانت ثابتة ثم نسخت. واحتج أبو يوسف على قوله بوجهين: الأول: أن قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } ظاهره يقتضي أن إقامة هذه الصلاة مشروطة بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، لأن كلمة «إذا» تفيد الاشتراط الثاني: أن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل، إلا أنا جوزنا ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم لتحصل للناس فضيلة الصلاة خلفه، وأما في حق غير الرسول عليه الصلاة والسلام فهذا المعنى غير حاصل، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة، وأما سائر الفقهاء فقالوا: لما ثبت هذا الحكم في حق النبي صلى الله عليه وسلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ } تفسير : [الأعراف: 158] ألا ترى أن قوله تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ } تفسير : [التوبة: 103] لم يوجب كون الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به دون غيره من الأمة بعده، وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض، فاندفع هذا الكلام، والله أعلم. المسألة الثانية: شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بهم ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون؟ فيه أقوال: الأول: أن تلك الطائفة يسلمون من الركعة الواحدة ويذهبون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم، وهذا مذهب من يرى أن صلاة الخوف للإمام ركعتان، وللقوم ركعة، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد. الثاني: أن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين، وهذا قول الحسن البصري. الثالث: أن يصلي الإمام مع الطائفة الأولى ركعة تامة، ثم يبقى الإمام قائماً في الركعة الثانية إلى أن تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية ويصلون مع الإمام قائماً في الركعة الثانية ركعة، ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية، ثم يسلم الإمام بهم، وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي. الرابع: أن الطائفة الأولى يصلي الإمام بهم ركعة ويعودون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة، والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة، وهم في حكم من خلف الإمام، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته، وهذا قول عبد الله بن مسعود، ومذهب أبي حنيفة. وأعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه الصلاة، فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصلحة، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام، أما الواحدي رحمه الله فقال: الآية مخالفة للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة، وبين ذلك من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ } وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلّت عند إتيان الثانية، وعند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك، لأن الطائفة الثانية عنده تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها. الثاني: أن قوله {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام لأن مطلق قولك: صليت مع الإمام يدل على أنك أدركت جميع الصلاة معه، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك، وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا: الآية مطابقة لقولنا، لأنه تعالى قال: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } وهذا يدل عى أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة، وأجاب الواحدي عنه فقال: هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة، وليس الأمر كذلك، بل هو لطائفتين السجود للأولى، والكون من ورائكم الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية والله أعلم. ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول: قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } أي وإذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طائفة منهم معك} والمعنى فاجعلهم طائفتين، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم وليأخذوا أسلحتهم، والضمير إما للمصلين وإما لغيرهم، فإن كان للمصلين فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، وذلك لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم، وإن كان لغير المصلين فلا كلام فيه. ويحتمل أن يكون ذلك أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط. ثم قال: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ } يعني غير المصلين {مِن وَرَائِكُمْ } يحرسونكم، وقد ذكرنا أن أداء الركعة الأولى مع الإمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن، إنما التفاوت يقع في أداء الركعة الثانية فيه، وقد ذكرنا مذاهب الناس فيها. ثم قال: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } وقد بينا أن هذه الآية دالة على صحة قول الشافعي. ثم قال: {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } والمعنى أنه تعالى جعل الحذر وهو التحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ وجعلا مأخوذين. قال الواحدي رحمه الله: وفيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة. فإن قيل: لم ذكر في الآية الأولى {أَسْلِحَتَهُمْ } فقط، وذكر في هذه الآية حذرهم وأسلحتهم. قلنا: لأن في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة، بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار كونهم في الصلاة، فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم، فلا جرم خص الله تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال: {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ }. ثم قال تعالى: {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتَهُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً } أي بالقتال. عن ابي عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه الظهر، ورأى المشركون ذلك، فقالوا بعد ذلك: بئسما صنعنا حيث لم نقدم عليهم، وعزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى، فأطلع الله نبيّه صلى الله عليه وسلم على أسرارهم بهذه الآية. ثم قال تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } والمعنى أنه إن تعذر حمل السلاح إما لأنه يصيبه بلل المطر فيسود وتفسد حدته، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطناً فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء، أو لأجل أن الرجل كان مريضاً فيشق عليه حمل السلاح، فههنا له أن يضع حمل السلاح. ثم قال: {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر، لئلا يجترىء العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم واستغناماً منهم لوضع المسلمين أسلحتهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن قوله في أول الآية {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فيقتضي أن يكون أخذ السلاح واجباً ثم تأكد هذا بدليل آخر، وهو أنه قال: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} فخص رفع الجناح في وضع السلاح بهاتين الحالتين، وذلك يوجب أن فيما وراء هاتين الحالتين يكون الإثم والجناح حاصلاً بسبب وضع السلاح. ومنهم من قال: إنه سنة مؤكدة، والأصح ما بيناه ثم الشرط أن لا يحمل سلاحاً نجساً إن أمكنه، ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف، وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد. المسألة الثانية: قال أبو على الجرجاني (صاحب النظم): قوله تعالى: {وخذوا حذركم} يدل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو. والذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر، لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة مع النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة، وأما حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة، والمسلمون كانوا مستقبلين لها، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ } يدل على جواز هذه الوجوه؛ والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكراراً محضاً من غير فائدة، ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن وإنه غير جائز، والله أعلم. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: إن الله تعالى أمر بالحذر، وذلك يدل على كون العبد قادراً على الفعل وعلى الترك وعلى جميع وجوه الحذر، وذلك يدل على أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى، وجوابه ما تقدم من المعارضة بالعلم والداعي، والله أعلم. المسألة الرابعة: دلت الآية على وجوب الحذر عن العدو، فيدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والعلاج باليد والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجباً والله أعلم. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } وفيه سؤال، أنه كيف طابق الأمر بالحذر قوله {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } وجوابه: أنه تعالى لما أمر بالحذر عن العدو أوهم ذلك قوة العدو وشدتهم، فأزال الله تعالى هذا الوهم بأن أخبر أنه يهينهم ويخذلهم ولا ينصرهم البتة حتى يقوي قلوب المسلمين ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لما لهم من القوة والهيبة، وإنما هو لأجل أن يحصل الخوف في قلب المؤمنين، فحينئذ يكونون متضرعين إلى الله تعالى في أن يمدهم بالنصر والتوفيق، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : [الأنفال: 45]. ثم قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ } وفيه قولان: الأول: فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه، الثاني: أن المراد بالذكر الصلاة، يعني صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسابقة والمقارعة، وقعوداً حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض، فإذا اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة، فاقضوا ما صليتم في حال المسابقة. هذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسابقة إذا حضر وقتها، وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء إلا أن على هذا القول إشكالاً، وهو أن يصير تقدير الآية: فإذا قضيتم الصلاة فصلوا، وذلك بعيد لأن حمل لفظ الذكر على الصلاة مجاز فلا يصار إليه إلا لضرورة. ثم قال تعالى: {فَإِذَا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} واعلم أن هذه الآية مسبوقة بحكمين: أولهما: بيان القصر وهو صلاة السفر، والثاني: صلاة الخوف، ثم إن قوله {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } يحتمل نقيض الأمرين، فيحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافراً بل يصير مقيماً، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة، ويحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب القلب، بل يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي كنتم تعرفونها، ولا تغيروا شيئاً من أحوالها وهيآتها، ثم لما بالغ الله سبحانه وتعالى في شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر، ثم ذكر بعد ذلك صلاة الخوف ختم هذه الآية بقوله {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} أي فرضاً موقتاً، والمراد بالكتاب هـٰهنا المكتوب كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعول والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة، يقال: وقته ووقته مخففاً، وقريء {أية : وَإِذَا ٱلرُّسُلُ وقتت } تفسير : [المرسلات: 11] بالتخفيف. واعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدّر بأوقات مخصوصة، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات ههنا وبينها في سائر الآيات، وهي خمسة: أحدها: قوله تعالى {أية : حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ } تفسير : [البقرة: 238] فقوله {ٱلصَّلَوٰتِ } يدل على وجوب صلوات ثلاثة، وقوله {والصلاة الوسطى} يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة وإلا لزم التكرار، فلا بدّ وأن تكون زائدة على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة، وإلا لم يحصل فيها وسطى، فلا بدّ من جعلها خمسة لتحصل الوسطى، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلّت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها. وثانيها: قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءانَ ٱلْفَجْرِ } تفسير : [الإسراء: 78] فالواجب من الدلوك إلى الغسق هو الظهر والعصر، والواجب من الغسق إلى الفجر هو المغرب والعشاء والواجب في الفجر هو صلاة الصبح، وهذه الآية توهم أن للظهر والعصر وقتاً واحداً وللمغرب والعشاء وقتاً واحداً. وثالثها: قوله سبحانه {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } تفسير : [الروم: 17] والمراد منه الصلاتان الواقعتان في طرفي النهار وهما المغرب والصبح، ثم قال {أية : وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } تفسير : [الروم: 18] فقوله {وَعَشِيّاً } المراد منه الصلاة الواقعة في محض الليل وهي صلاة العشاء، وقوله {وَحِينَ تُظْهِرُونَ } المراد الصلاة الواقعة في محض النهار، وهي صلاة الظهر كما قدم في قوله {أية : حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } تفسير : [الروم: 17] صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر، فكذلك قدم في قوله {وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر، فصارت الصلوات الأربعة مذكورة في هذه الآية، وأما صلاة العصر فقد أفردها الله تعالى بالذكر في قوله {وَٱلْعَصْرِ } تشريفاً لها بالإفراد بالذكر. ورابعها: قوله تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } تفسير : [هود: 114] فقوله {طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } يفيد وجوب صلاة الصبح ووجوب صلاة العصر لأنهما كالواقعتين على الطرفين، وإن كانت صلاة الصبح واقعة قبل حدوث الطرف الأول وصلاة العصر واقعة قبل حدوث الطرف الثاني. وقوله {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } يفيد وجوب المغرب والعشاء، وكان بعضهم يستدل بهذه الآية على وجوب الوتر قال: لأن الزلف جمع، وأقله ثلاثة، فلا بدّ وأن يجب ثلاث صلوات في الليل عملاً بقوله {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } وخامسها: قوله تعالى {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ فَسَبّحْ } فقوله {أية : قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } تفسير : [طه: 130] إشارة إلى الصبح والعصر، وهو كقوله {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } تفسير : [هود: 114] وقوله {وَمِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ } إشارة إلى المغرب والعشاء، وهو كقوله {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } وكما احتجوا بقوله {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ } فكذلك احتجوا عليه بقوله {وَمِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ } لأن قوله آناء الليل جمع وأقله ثلاثة، فهذا مجموع الآيات الدالة على الأوقات الخمسة للصلوات الخمس. واعلم أن تقدير الصلوات بهذه الأوقات الخمسة في نهاية الحسن والجمال نظراً إلى المعقول، وبيانه أن لكل شيء من أحوال هذا العالم مراتب خمسة: أولها: مرتبة الحدوث والدخول في الوجود، وهو كما يولد الإنسان ويبقى في النشو والنماء إلى مدة معلومة، وهذه المدة تسمى سن النشو والنماء. والمرتبة الثانية: مدة الوقوف، وهو أن يبقى ذلك الشيء على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان وهذه المدة تسمى سن الشباب. والمرتبة الثالثة: مدة الكهولة، وهو أن يظهر في الإنسان نقصانات ظاهرة جلية إلى أن يموت ويهلك، وتسمى هذه المدة سن الشيخوخة. المرتبة الخامسة: أن تبقى آثاره بعد موته مدة، ثم بالآخرة تنمحي تلك الآثار وتبطل وتزول، ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر، فهذه المراتب الخمسة حاصلة لجميع حوادث هذا العالم سواء كان إنساناً أو غيره من الحيوانات أو النباتات، والشمس حصل لها بحسب طلوعها وغروبها هذه الأحوال الخمس، وذلك لأنها حين تطلع من مشرقها يشبه حالها حال المولود عندما يولد، ثم لا يزال يزداد ارتفاعها ويقوى نورها ويشتد حرها إلى أن تبلغ إلى وسط السماء، فتقف هناك ساعة ثم تنحدر ويظهر فيها نقاصانات خفية إلى وقت العصر، ثم من وقت العصر يظهر فيها نقصانات ظاهرة فيضعف ضوؤها ويضعف حرها، ويزداد انحطاطها وقوتها إلى الغروب، ثم إذا غربت يبقى بعض آثارها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم تنمحي تلك الآثار وتصير الشمس كأنها ما كانت موجودة في العالم، فلما حصلت هذه الأحوال الخمسة لها وهي أمور عجيبة لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا جرم أوجب الله تعالى عند كل واحد من هذه الأحوال الخمسة لها صلاة، فأوجب عند قرب الشمس من الطلوع صلاة الفجر شكراً للنعمة العظيمة الحاصلة بسبب زوال تلك الظلمة وحصول النور، وبسبب زوال النوم الذي هو كالموت وحصول اليقظة التي هي كالحياة، ولما وصلت الشمس إلى غاية الارتفاع ثم ظهر فيها أثر الانحطاط أوجب صلاة الظهر تعظيماً للخالق القادر على قلب أحوال الأجرام العلوية والسفلية من الضد إلى الضد، فجعل الشمس بعد غاية ارتفاعها واستعلائها منحطة عن ذلك العلو وآخذة في سن الكهولة، وهو النقصان الخفي، ثم لما انقضت مدة الكهولة ودخلت في أول زمان الشيخوخة أوجب تعالى صلاة العصر. ونعم ما قال الشافعي رحمه الله: أن أول العصر هو أن يصير ظل كل شيء مثليه، وذلك لأن من هذا الوقت تظهر النقصانات الظاهرة، ألا ترى أن من أول وقت الظهر إلى وقت العصر على قول الشافعي رحمه الله ما ازداد الظل إلا مثل الشيء، ثم إن في زمان الطيف يصير ظله مثليه، وذلك يدل على أن من الوقت الذي يصير ظل الشيء مثلاً له تأخذ الشمس في النقصانات الظاهرة، ثم إذا غربت الشمس أشبهت هذه الحالة ما إذا مات الإنسان، فلا جرم أوجب الله تعالى عند هذه الحالة صلاة المغرب، ثم لما غرب الشفق فكأنه انمحت آثار الشمس ولم يبق منها في الدنيا خبر ولا أثر، فلا جرم أوجب الله تعالى صلاة العشاء، فثبت أن إيجاب الصلوات الخمس في هذه الأوقات الخمسة مطابق للقوانين العقلية والأصول الحكمية، والله أعلم بأسرار أفعاله.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} روى الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي عيّاش الزرقيّ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلّىٰ بنا النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرّتهم؛ قال: ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم؛ قال: فنزل جبريل عليه السَّلام بهذه الآية بين الظهر والعصر {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ}. وذكر الحديث. وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالىٰ. وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه. وقد ٱتصلت هذه الآية بما سبق من ذكر الجهاد. وبيّن الرب تبارك وتعالىٰ أن الصَّلاة لا تسقط بعذر السفر ولا بعذر الجهاد وقتال العدوّ، ولكن فيها رُخَصٌ على ما تقدم في «البقرة» وهذه السورة، بيانهُ من اختلاف العلماء. وهذه الآية خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يتناول الأُمراء بعده إلى يوم القيامة، ومثله قوله تعالىٰ: { أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } تفسير : [التوبة: 103] هذا قول كافة العلماء. وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن عُلَيَّة فقالا: لا نصلّي صلاة الخوف بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإن الخطاب كان خاصاً له بقوله تعالىٰ: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في ذلك، وكلهم كان يحب أن يأتمّ به ويصلّي خلفه، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب؛ فلذلك يصلّي الإمام بفريق ويأمر من يصلّي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا. وقال الجمهور: إنا قد أمرنا باتباعه والتأسِّي به في غير ما آية وغير حديث، فقال تعالىٰ: { أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } تفسير : [النور: 63] وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : صلّوا كما رأيتموني أُصلّي » تفسير : . فلزم اتباعه مطلقاً حتى يدلّ دليل واضح على الخصوص؛ ولو كان ما ذكروه دليلاً على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ كان يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها؛ ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ٱطّرحوا توهّم الخصوص في هذه الصَّلاة وعَدَّوْه إلى غير النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقد قال تعالىٰ: { أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 68] وهذا خطاب له، وأمّته داخلة فيه، ومثله كثير. وقال تعالىٰ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وذلك لا يوجب الاقتصار عليه وحده، وأن مَن بعده يقوم في ذلك مقامه؛ فكذلك في قوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ}. ألا ترى أن أبا بكر الصدّيق في جماعة الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا من تأوّل في الزكاة مثل ما تأوّلتموه في صلاة الخوف. قال أبو عمر: ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلّى خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم وصلّى خلف غيره؛ لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس فيها فضل للمعطي كما في الصَّلاة فضل للمصلّي خلفه. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ} يعني جماعة منهم تقف معك في الصَّلاة. {وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} يعني الذين يصلون معك. ويُقال: {وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} الذين هم بإزاء العدوّ، على ما يأتي بيانه. ولم يذكر الله تعالىٰ في الآية لكل طائفة إلاَّ ركعة واحدة، ولكن رُوي في الأحاديث أنهم أضافوا إليها أُخرىٰ، على ما يأتي. وحذفت الكسرة من قوله: {فَلْتَقُمْ} و {فَلْيَكُونُواْ} لثقلها. وحكى الأخفش والفرّاء والكسائي أن لام الأمر ولام كي ولام الجحود يُفْتَحْن. وسيبويه يمنع من ذلك لعلة موجبة، وهي الفرق بين لام الجر ولام التأكيد. والمراد من هذا الأمر الانقسام، أي وسائرهم وجاه العدوّ حَذَرا من توقّع حملته. وقد اختلفت الروايات في هيئة صلاة الخوف، واختلف العلماء لإختلافها؛ فذكر ابن القَصّار أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواضع. قال ابن العربي: رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه صلّىٰ صلاة الخوف أربعاً وعشرين مرّة. وقال الإمام أحمد بن حنبل، وهو إمام أهل الحديث والمقدَّم في معرفة علل النقل فيه: لا أعلم أنه رُوي في صلاة الخوف إلاَّ حديث ثابت. وهي كلها صحاح ثابتة، فعلى أي حديث صلّى منها المصلّي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله. وكذلك قال أبو جعفر الطبري. وأما مالك وسائر أصحابه إلاَّ أشهب فذهبوا في صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبي حَثْمَة، وهو ما رواه في موَطَّئه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خَوّات الأنصاريّ أن سهل بن أبي حَثْمة حدّثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجَهة العدوّ، فيركع الإمام ركعة ويسجدُ بالذين معه ثم يقوم، فإذا ٱستوى قائماً ثبت، وأَتَموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم يُسلمون وينصرفون والإمام قائم، فيكونون وجاه العدوّ، ثم يُقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبّرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة ويسجد ثم يسلم، فيقومون ويركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون. قال ابن القاسم صاحبُ مالك: والعمل عند مالك على حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوّات. قال ابن القاسم: وقد كان يأخذ بحديث يزيد بن رُومان ثم رجع إلى هذا. قال أبو عمر: حديث القاسم وحديث يزيد بن رُومان كلاهما عن صالح بن خوّات: إلاَّ أن بينهما فصلاً في السَّلام، ففي حديث القاسم أن الإمام يسلم بالطائفة الثانية ثم يقومون فيقضون لأنفسهم الركعة، وفي حديث يزيد بن رُومان أنه ينتظرهم ويسلّم بهم. وبه قال الشافعيّ وإليه ذهب؛ قال الشافعيّ: حديث يزيد ابن رُومان عن صالح بن خوّات هذا أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب الله، وبه أقول. ومن حجة مالك في اختياره حديث القاسم القياسُ على سائر الصلوات، في أن الإمام ليس له أن ينتظر أحداً سبقه بشيء منها، وأن السنّة المجتمعَ عليها أن يقضي المأمومون ما سبقوا به بعد سَلام الإمام. وقول أبي ثور في هذا الباب كقول مالك، وقال أحمد كقول الشافعيّ في المختار عنده؛ وكان لا يعيب من فعل شيئاً من الأوجه المروية في صلاة الخوف. وذهب أشهب من أصحاب مالك إلى حديث ابن عمر قال: صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفةُ الأُخرىٰ مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أُولئك ثم صلّىٰ بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. وقال ابن عمر: فإذا كان خوفٌ أكثر من ذلك صلّى راكباً أو قائماً يومىء إيماء، أخرجه البخاريّ ومسلم ومالك وغيرهم. وإلى هذه الصفة ذهب الأوزاعيّ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر، قال: لأنه أصحُّها إسناداً، وقد ورد بنقل أهل المدينة وبهم الحجة على من خالفهم، ولأنه أشبه بالأُصول، لأن الطائفة الأُولىٰ والثانية لم يقضوا الركعة إلاَّ بعد خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم من الصَّلاة، وهو المعروف من سنّته المجتَمع عليها في سائر الصلوات. وأما الكوفيون: أبو حنيفة وأصحابه إلاَّ أبا يوسف القاضي يعقوب فذهبوا إلى حديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أبو داود والدارقطني قال: صلّىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفّين، صفاً خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم وصفّاً مستقبِل العدوّ، فصلّىٰ بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ركعة، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم، واستقبل هؤلاء العدوّ فصلّىٰ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلّم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلّموا ثم ذهبوا فقاموا مقام أُولئك مستقبلين العدوّ، ورجع أُولئك إلى مقامهم فصلّوا لأنفسهم ركعة ثم سلّموا. وهذه الصفة والهيئة هي الهيئة المذكورة في حديث ابن عمر إلاَّ أن بينهما فرقاً؛ وهو أن قضاء أُولئك في حديث ابن عمر يظهر أنه في حالة واحدة ويبقى الإمام كالحارس وحده، وهٰهنا قضاؤهم متفرق على صفة صلاتهم. وقد تأوّل بعضهم حديث ابن عمر على ما جاء في حديث ابن مسعود. وقد ذهب إلى حديث ابن مسعود الثوريّ ـ في إحدى الروايات الثلاث عنه ـ وأشهب بن عبد العزيز فيما ذكر أبو الحسن اللخمي عنه، والأوّل ذكره أبو عمر وابن يونس وابن حبيب عنه. وروى أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة وابن عمر: أنه عليه السَّلام صلّى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، وهو مقتضى حديث ابن عباس «وفي الخوف ركعة». وهذا قول إسحاق. وقد تقدّم في «البقرة» الإشارة إلى هذا، وأن الصَّلاة أولىٰ بما ٱحتيط لها، وأن حديث ابن عباس لا تقوم به حجة، وقوله في حديث حذيفة وغيره: «ولم يقضوا» أي في علم من روى ذلك، لأنه قد رُوي أنهم قضوا ركعة في تلك الصَّلاة بعينها، وشهادة من زاد أوْلى. ويحتمل أن يكون المراد لم يقضوا، أي لم يقضوا إذا أمنوا، وتكون فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضي ما صلّى على تلك الهيئة من الصلوات في الخوف، قال جميعه أبو عمر. وفي صحيح مسلم عن جابر: أنه عليه السَّلام صلّىٰ بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلّىٰ بالطائفة الأُخرىٰ ركعتين. قال: فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان. وأخرجه أبو داود والدّارقطني من: حديث الحسن عن أبي بكرة وذكرا فيه أنه سلم من كل ركعتين. وأخرجه الدّارقطني أيضاً عن الحسن عن جابر « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّىٰ بهم ركعتين ثم سلّم، ثم صلّى بالآخرين ركعتين ثم سلّم » تفسير : . قال أبو داود: وبذلك كان الحسن يفتي، وروي عن الشافعيّ. وبه يحتج كل من أجاز إختلاف نية الإمام والمأموم في الصَّلاة، وهو مذهب الشافعيّ والأوزاعيّ وابن عُلَيّة وأحمد بن حنبل وداود. وعَضَدُوا هذا بحديث جابر: أن معاذاً كان يصلّي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يأتي فيؤمُّ قومه، الحديثَ. وقال الطحاويّ: إنما كان هذا في أول الإسلام إذ كان يجوز أن تصلّي الفريضة مرتين ثم نسخ ذلك، والله أعلم. فهذه أقاويل العلماء في صلاة الخوف. الثالثة ـ وهذه الصَّلاة المذكورة في القرآن إنما يُحتاج إليها والمسلمون مستدبرون القبلة ووجه العدوّ القبلة، وإنما اتفق هذا بذات الرِّقاع، فأما بعُسْفان والموضع الآخر فالمسلمون كانوا في قبالة القبلة. وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين، فإن في الحديث بعد قوله {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} قال: فحضرت الصَّلاة فأمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا السلاح وصَفّنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعاً، قال: ثم رفع فرفعنا جميعاً، قال: ثم سجد النبيّ صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه قال: والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، قال: ثم تقدّم هؤلاء في مَصافّ هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مَصافّ هؤلاء.، قال: ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبيّ صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام، يحرسونهم فلما جلس الآخرون سجدوا ثم سلّم عليهم. قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرّة بعُسْفان ومرّة في أرض بني سليم. وأخرجه أبو داود من حديث أبي عياش الزُّرَقيّ وقال: وهو قول الثوريّ وهو أحوطها. وأخرجه أبو عيسى الترمذيّ من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضَجَنان وعُسْفان؛ الحديث. وفيه أنه عليه السَّلام صدعهم صدعيْن وصلّى بكل طائفة ركعة، فكانت للقوم ركعة ركعة، وللنبيّ صلى الله عليه وسلم ركعتان، قال: حديث حسن صحيح غريب. وفي الباب عن عبد الله ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وجابر وأبي عَيّاش الزّرَقي واسمه زيد بن الصامت، وابن عمر وحذيفة وأبي بكر وسهل بن أبي حَثْمَة. قلت: ولا تعارض بين هذه الروايات، فلعله صلّىٰ بهم صلاة كما جاء في حديث أبي عياش مجتمعين، وصلّىٰ بهم صلاة أُخرى متفرقين كما جاء في حديث أبي هريرة، ويكون فيه حجة لمن يقول صلاة الخوف ركعة. قال الخطابِيّ: صلاة الخوف أنواعٌ صلاها النبيّ صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتوخّى فيها كلها ما هو أحوط للصَّلاة وأبلغ في الحراسة. الرابعة ـ واختلفوا في كيفية صلاة المغرب، فروى الدَّارَقُطْنِيّ عن الحسن عن أبي بكرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّىٰ بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرفوا، وجاء الآخرون فصلّىٰ بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم ستاً وللقوم ثلاثاً ثلاثاً، وبه قال الحسن. والجمهور في صلاة المغرب على خلاف هذا، وهو أنه يصلّي بالأُولىٰ ركعتين وبالثانية ركعة، وتُقضى على اختلاف أُصولهم فيه متى يكون؟ هل قبل سلام الإمام أو بعده. هذا قول مالك وأبي حنيفة، لأنه أحفظ لهيئة الصَّلاة. وقال الشافعيّ: يُصلّي بالأُولى ركعة، لأن عَلِيّاً رضي الله عنه فعلها ليلة الهرَير، والله تعالىٰ أعلم. الخامسة ـ واختلفوا في صلاة الخوف عند التحام الحرب وشدّة القتال وخَيْف خروج الوقت، فقال مالك والثَّوْريّ والأوزاعِيّ والشافعي وعامة العلماء: يصلّي كيفما أمكن، لقول ابن عمر: فإن كان خوف أكثر من ذلك فيصلّي راكباً أو قائماً يومىء إيماء. قال في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها، وقد تقدّم في «البقرة» قول الضحاك وإسحاق. وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصَّلاة صلّوا إيماء كلُّ امرىء لنفسه؛ فإن لم يقدروا على الإيماء أخرّوا الصَّلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلّوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلّوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا يجزئهم التكبير ويؤخروها حتى يأمنوا؛ وبه قال مَكْحُول. قلت: وحكاه الكِيَا الطبري في «أحكام القرآن» له عن أبي حنيفة وأصحابه، قال الكِيا: وإذا كان الخوف أشدّ من ذلك وكان التحام القتال فإن المسلمين يصلّون على ما أمكنهم مستقبلي القبلة ومستدبريها؛ وأبو حنيفة وأصحابه الثلاثة متفقون على أنهم لا يصلون والحالة هذه بل يؤخرون الصّلاة. وإن قاتلوا في الصَّلاة قالوا: فسدت الصَّلاة وحُكي عن الشافعيّ أنه إن تابع الطعن والضرب فسدت صلاته. قلت: وهذا القول يدل على صحة قول أنس: حضرت مناهضة حِصن تُسْتَر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال فلم نقدر على الصَّلاة إلاَّ بعد ارتفاع النهار؛ فصلّيناها ونحن مع أبي موسى ففُتح لنا. قال أنس: وما يَسُرّني بتلك الصَّلاة الدنيا وما فيها، ذكره البخاريّ وإليه كان يذهب شيخنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد القَيْسي القرطبي المعروف بأبي حجة؛ وهو اختيار البخاريّ فيما يظهر؛ لأنه أردفه بحديث جابر، قال: حديث : جاء عمر يوم الخَنْدق فجعل يَسبُّ كفار قريش ويقول: يا رسول الله، ما صلّيتُ العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وأنا والله ما صلّيتها» قال: فنزل إلى بُطْحان فتوضأ وصلّىٰ العصر بعدما غربت الشمس ثم صلّىٰ المغرب بعدها.تفسير : السادسة ـ واختلفوا في صلاة الطالب والمطلوب؛ فقال مالك وجماعة من أصحابه هما سواء، كلّ واحد منهما يصلّي على دابته. وقال الأوزاعيّ والشافعيّ وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم: لا يصلّي الطالب إلاَّ بالأرض وهو الصحيح؛ لأن الطلب تطوّعٌ، والصَّلاة المكتوبة فرضها أن تصلّى بالأرض حيثما أمكن ذلك، ولا يصلّيها راكب إلاَّ خائف شديدٌ خوفهُ وليس كذلك الطالب. والله أعلم. السابعة ـ واختلفوا أيضاً في العسكر إذا رأوا سواداً فظنوه عدوّاً فصلّوا صلاة الخوف ثم بان لهم أنه غير شيء؛ فلعلمائنا فيه روايتان: إحداهما يعيدون، وبه قال أبو حنيفة. والثانية لا إعادة عليهم، وهو أظهر قولي الشافعيّ. ووجه الأُولىٰ أنهم تبيّن لهم الخطأ فعادوا إلى الصواب كحكم الحاكم. ووجه الثانية أنهم عملوا على اجتهادهم فجاز لهم كما لو أخطأوا القبلة؛ وهذا أولىٰ لأنهم فعلوا ما أُمروا به. وقد يُقال: يعيدون في الوقت، فأما بعد خروجه فلا. والله أعلم. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} وقال: {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} هذا وصاة بالحذر وأخذ السلاح لئلا ينال العدو أملَه ويدرك فرصته. والسلاح ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، قال عنترة: شعر : كسَوْتُ الجَعْدَ جعد بني أَبانٍ سِلاحي بعد عُرْيٍ وٱفتضاح تفسير : يقول؛ أعرته سلاحي ليمتنع بها بعد عُريه من السلاح. قال ابن عباس: {وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} يعني الطائفة التي وُجاه العدوّ، لأن المُصَلّية لا تحارب. وقال غيره: هي المُصَليّة أي وليأخذ الذين صلّوْا أوْلاً أسلحتهم، ذكره الزجاج. قال: ويحتمل أن تكون الطائفة الذين هم في الصلاة أمِروا بحمل السلاح؛ أي فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإنه أرهَبُ للعدو. النحاس: يجوز أن يكون للجميع؛ لأنه أهيبُ للعدوّ. ويحتمل أن يكون للتي وجاه العدوّ خاصة. قال أبو عمر: أكثر أهل العلم يستحبون للمصلي أخذ سلاحه إذا صلى في الخوف، ويحملون قوله {وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} على النّدب؛ لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذهُ؛ فكان الأمر به ندباً. وقال أهل الظاهر: أخذ السّلاح في صلاة الخوف واجب لأمر الله به، إلا لمن كان به أذّى من مَطَر، فإن كان ذلك جاز له وضع سلاحه. قال ٱبن العربي إذا صلّوا أخذوا سلاحهم عند الخوف، وبه قال الشافعي وهو نصّ القرآن. وقال أبو حنيفة: لا يحملونها؛ لأنه لو وجب عليهم حملها لبطَلت الصلاة بتركها. قلنا: لم يجب حملها لأجل الصلاة وإنما وجب عليهم قوّة لهم ونظَراً. التاسعة ـ قوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُواْ} الضّمير في «سَجَدُوا» للطائفة المصلّية فلينصرفوا؛ هذا على بعض الهيئات المرويّة. وقيل: المعنى فإذا سَجَدُوا ركعة القضاء وهذا على هيئة سهل بن أبي حَثْمة. ودلت هذه الآية على أن السجود قد يعبر به عن جميع الصلاة؛ وهوكقوله عليه السلام: « حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين » تفسير : . أي فليصل ركعتين وهو في السنَّة. والضمير في قوله: {فَلْيَكُونُواْ} يحتمل أن يكون للذين سَجدُوا، ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة أوّلاً بإزاء العدّو. العاشرة ـ قوله تعالى: {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي تمنّى وأحبّ الكافرون غفلتكم عن أخذ السّلاح لِيَصلوا إلى مقصودهم؛ فبين الله تعالى بهذا وجَه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح، وذكر الحِذْر في الطائفة الثانية دون الأولى ـ لأنها أوْلى بأخذ الحِذْر، لأن العدّو لا يؤخّر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة؛ وأيضاً يقول العدّو قد أثقلهم السلاح وكَلّوا. وفي هذه الآية أدلّ دليل على تعاطي الأسباب، وٱتخاذ كل ما يُنجي ذوي الألباب، ويوصّل إلى السّلامة، ويبلغ دار الكرامة. ومعنى {مَّيْلَةً وَاحِدَةً} مبالغة، أي مستأصلة لا يُحتاج معها إلى ثانية. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} الآية. للعلماء في وجوب حمل السلاح في الصلاة كلام قد أشرنا إليه، فإن لم يجب فيستحب للاحتياط. ثم رخّص في المطر وضعه؛ لأنه تبتلّ المبطنّات وتثقل ويصدأ الحديد. وقيل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم يوم بطن نَخْلة لما انهزم المشركون وغنم المسلمون؛ وذلك أنه كان يوما مَطِيرا وحديث : خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته واضعا سلاحه، فرآه الكفار منقطعاً عن أصحابه فقصده غورث بن الحارث فانحدر عليه من الجبل بسيفه. فقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: «الله» ثم قال: «اللّهُمّ اكفني الغورث بما شئت». فأهوى بالسيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه، فانكب لوجهه لزلقة زلقها. وذكر الواقديّ أن جبريل عليه السلام دفعه في صدره على ما يأتي في المائدة، وسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «من يمنعك مني يا غورث»؟ فقال: لا أحد. فقال «تشهد لي بالحق وأعطيك سيفك»؟ قال: لا؛ ولكن أشهد ألا أقاتلك بعد هذا ولا أعين عليك عدّواً؛ فدفع إليه السيف: تفسير : ونزلت الآية رخصةً في وضع السلاح في المطر. ومَرِض عبد الرحمن بن عَوْف من جرح كما في صحيح البخاري، فرخص الله سبحانه لهم في ترك السلاح والتأهّب للعدّو بعذر المطر، ثم أمرهم فقال: {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي كونوا متيقظين، وضعتم السلاح أو لم تضعوه وهذا يدل على تأكيد التأهّب والحذر من العدوّ في كل الأحوال وترك الاستسلام؛ فإن الجيش ما جاءه مَصابٌ قطّ إلا من تفريط في حذر. وقال الضحاك في قوله تعالى: {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} يعني تقلّدوا سيوفكم فإن ذلك هيئة الغزاة.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} تعلق بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم لفضل الجماعة، وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم الرسول صلى الله عليه وسلم كيفيتها ليأتم به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره. {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك يصلون وتقوم الطائفة الأخرى تجاه العدو. {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } أي المصلون حزماً. وقيل الضمير للطائفة الأخرى، وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم. {فَإِذَا سَجَدُواْ } يعني المصلين. {فَلْيَكُونُواْ } أي غير المصلين. {مِن وَرَائِكُمْ } يحرسونكم يعني النبي صلى الله عليه وسلم ومن يصلي معه، فغلب المخاطب على الغالب. {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ } لاشتغالهم بالحراسة. {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } ظاهره يدل على أن الإِمام يصلي مرتين بكل طائفة مرة كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل، وإن أريد به أن يصلي بكل ركعة إن كانت الصلاة ركعتين فكيفيته أن يصلي بالأولى ركعة وينتظر قائماً حتى يتموا صلاتهم منفردين ويذهبوا إلى وجه العدو، وتأتي الأخرى فيتم بهم الركعة الثانية. ثم ينتظر قاعداً حتى يتموا صلاتهم ويسلموا بهم كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يصلي بالأولى ركعة ثم تذهب هذه وتقف بإزاء العدو وتأتي الأخرى فتصلي معه ركعة، ويتم صلاته ثم تعود إلى وجه العدو، وتأتي الأولى فتؤدي الركعة الثانية بغير قراءة وتتم صلاتها ثم تعود وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءة وتتم صلاتها. {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } جعل الحذر آلة يتحصن بها المغازي فجمع بينه وبين الأسلحة في وجوب الأخذ ونظيره قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [الحشر: 9] {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً } تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم فيشدون عليكم شدة واحدة، وهو بيان ما لأجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض، وهذا مما يؤيد أن الأمر بالأخذ للوجوب دون الاستحباب. {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر كي لا يهجم عليهم العدو. {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الأمر بالحزم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبر فيتوكلوا على الله سبحانه وتعالى.
ابن كثير
تفسير : صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة تكون ثلاثية كالمغرب، وتارة تكون ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب، فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالاً وركباناً، ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة؛ لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري في "الحواشي": وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد، وإليه ذهب طاوس والضحاك، وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي: أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف، وإليه ذهب ابن حزم أيضاً. وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومىء بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة؛ لأنها ذكر الله، وقال آخرون: تكفي تكبيرة واحدة، فلعله أراد ركعة واحدة؛ كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وبه قال جابر بن عبدالله، وعبد الله بن عمر، وكعب، وغير واحد من الصحابة، والسدي، ورواه ابن جرير، ولكن الذي حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة؛ كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي، حتى قال: فإن لم يقدر على التكبيرة، فلا يتركها في نفسه يعني: بالنية. رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب بن دينار عنه، فالله أعلم. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة؛ كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش: «حديث : لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» تفسير : فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر، فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من الفريقين، وقد تكلمنا على هذا في كتاب "السيرة"، وبينا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذروين أيضاً، والحجة ههنا في عذرهم في تأخير الصلاة؛ لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود.` وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت، نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بينٌ في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي رحمه الله وأهل السنن، ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري في صحيحه حيث قال: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو) قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء، كل امرىء لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء، أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا، صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير، ويؤخرونها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها، ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك، والله أعلم. ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر؛ فإنه يشتهر غالباً، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم، ولا أحد من الصحابة، والله أعلم، قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق؛ لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي، وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم. وقال البخاري وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق؛ لحديث أبي موسى، وما قدم إلا في خيبر، والله أعلم. والعجب كل العجب أن المزني وأبا يوسف القاضي وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره عليه الصلاة والسلام الصلاة يوم الخندق، وهذا غريب جداً، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم. فقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} أي: إذا صليت بهم إماماً في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة؛ كما دل عليه الحديث، فرادى ورجالاً وركباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد، وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة؛ حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة، لما ساغ ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} تفسير : [التوبة: 103] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، ولا ندفعها إلا إلى من صلاته، أي: دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة، وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم. ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولاً قبل ذكر صفتها. قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا عبدالله بن هاشم، أنبأنا سيف عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي رضي الله عنه، قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله عز وجل: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول، غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، قال: فأنزل الله عز وجل بين الصلاتين: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآيتين، فنزلت صلاة الخوف، وهذا سياق غريب جداً، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي، واسمه زيد بن الصامت رضي الله عنه، عند الإمام أحمد وأهل السنن، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح، قال: فصفنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعاً، ثم رفع فرفعنا جميعاً، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا، جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم. ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن منصور به نحوه، وهكذا رواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة، وعبد العزيز بن عبد الصمد، كلهم عن منصور به، وهذا إسناد صحيح، وله شواهد كثيرة، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضاً. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن سليمان بن قيس اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة؛ أي يوم أنزل؟ أو أي يوم هو؟ فقال جابر: انطلقنا نتلقى عيراً لقريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخلة، جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد هل تخافني؟ قال: «حديث : لا» تفسير : قال: فمن يمنعك مني؟ قال: «حديث : الله يمنعني منك» تفسير : قال: فسل السيف، ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالترحل، وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم، ثم سلم، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذ أنزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح. ورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا سريج، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس اليشكري، عن جابر بن عبد الله، قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: «حديث : الله»تفسير : ، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : ومن يمنعك مني؟» تفسير : قال: كن خير آخذ. قال: «حديث : أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» تفسير : ؟ قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو، وطائفة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا، فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو، فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، تفرد به من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حدثنا المسعودي عن يزيد الفقير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر: أقصرٌ هما؟ فقال: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال، إذ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف طائفة، وطائفة وجهها قبل العدو، فصلى بهم ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك، فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك، فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس وسلم، وسلم الذين خلفه، وسلم أولئك، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، وللقوم ركعة ركعة، ثم قرأ: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه، فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا في مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ولهم ركعة، ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر بلفظ آخر، وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبدالله بن المبارك، أنبأنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} قال: هي صلاة الخوف، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة، وهذا الحديث رواه الجماعة في كتبهم من طريق معمر به، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن الجماعة من الصحابة، وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه، وكذا ابن جرير، ولنحرره في كتاب "الأحكام الكبير"، إن شاء الله وبه الثقة. وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف، فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب؛ لظاهر الآية، وهو أحد قولي الشافعي، ويدل عليه قول الله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي: بحيث تكونون على أهبة، إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا كُنتَ } يا محمد حاضراً {فِيهِمْ } وأنتم تخافون العدوّ {فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَٰوةَ} وهذا جري على عادة القرآن في الخطاب فلا مفهوم له {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } وتتأخر طائفة {وَلْيَأْخُذُواْ } أي الطائفة التي قامت معك {أَسْلِحَتَهُمْ } معهم {فَإِذَا سَجَدُواْ } أي صلّوا {فَلْيَكُونُواْ } أي الطائفة الأخرى {مِن وَرَائِكُمْ } يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة تحرس {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } معهم إلى أن تقضوا الصلاة وقد فعل صلى الله عليه وسلم كذلك ببطن نخل رواه الشيخان {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ } إذا قمتم إلى الصلاة {عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً } بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذا علّة الأمر بأخذِ السلاح {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } فلا تحملوها وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولين للشافعي والثاني أنه سنة ورُجِّح {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } من العدوّ أي احترزوا منه ما استطعتم {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } ذا إهانة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في الخوف بأصحابه. واختلف أهل العلم فيه هل خص به النبي صلى الله عليه وسلم؟ على قولين: أحدهما: أنه خاص له وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف كصلاته، لأن المشركين عزموا على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فاطلع الله نبيه على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم، فكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد، فلذلك صار هذا خاصاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول محكي عن أبي يوسف. والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله في خوفه، لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل الصحابة بعده حين خافوا وهو قول الجمهور. وقوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وطائفة بإزاء العدو. ثم قال تعالى: {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن المأمورين بأخذ السلاح هم الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الشافعي. والثاني: هم الذين بإزاء العدو يحرسون، وهذا قول ابن عباس. ثم قال تعالى: {فَإِذَا سَجَدُواْ} يعني فإذا سجدت الطائفة التي معك في الصلاة. {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} يعني بإزاء العدو. واختلفوا في قوله تعالى: {مِن وَرَآئِكُمْ} هل ذلك بعد فراغهم من الصلاة وتمامها بالركعة التي أدركوها معه؟ على قولين: أحدهما: قد تمت بالركعة حتى يصلوا معها بعد فراغ الإمام ركعة أخرى، وهذا قول من أوجب عليه الخوف ركعتين. ومن قال بهذا اختلفوا هل يتمون الركعة الباقية عليهم قبل وقوفهم بإزاء العدو أو بعده؟ على قولين: أحدهما: قبل وقوفهم بإزاء العدو، وهو قول الشافعي. والثاني: بعده وهو قول أبي حنيفة. ثم قال تعالى: {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَك} يريد الطائفة التي بإزاء العدو تأتي فتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة التي بقيت عليه، وتمضي الطائفة التي صلّت فتقف موضعها بإزاء العدو. وإذا صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الباقية عليه ففيه قولان: أحدهما: أن ذلك فرضها وتسلم بسلامه، وهذا قول من جعل فرضه في الخوف ركعة. والقول الثاني: أن عليها ركعة أخرى، وهذا قول من جعل فرضه في الخوف ركعتين كالأمن، فعلى هذا متى تفارقه؟ فعلى قولين: أحدهما: قبل تشهده. والثاني: بعده، وقد روى القولين معاً سهل بن أبي حَثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهل تتم ركعتها الباقية وقوفها بإزاء العدو؟ على قولين: أحدهما: تتمها قبل الوقوف بإزائه، وهو قول الشافعي. والثاني: تقف بإزائه قبل إتمامها حتى إذا أتمت الطائفة الأولى ركعتها عادت فوقفت بإزاء العدو، ثم خرجت هذه فأتمت ركعتها، وهذا قول أبي حنيفة. وهذه الصلاة هي نحو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {سجدوا} للطائفة المصلية والمعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى فلينصرفوا، هذا على بعض الهيئات المروية والمعنى: فإذا سجدوا ركعة القضاء وهذا على هيئة سهل بن أبي حثمة، والضمير في قوله: {فليكونوا} يحتمل أن يكون للطائفة القائمة أولاً بإزاء العدو ويجيء الكلام وصاة في حال الحذر والحرب، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق "فلِتقم" بكسر اللام، وقرأ الجمهور {ولتأت طائفة} بالتاء، وقرأ أبو حيوة "وليأت" بالياء، وقوله تعالى: {ود الذين كفروا} الآية إخبار عن معتقد القوم وتحذير من الغفلة، لئلا ينال العدو أمله. وأسلحة جمع سلاح، وفي قوله تعالى: {ميلة واحدة} بناء مبالغة أي مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية، وقوله تعالى: {ولا جناح عليكم} الآية ترخيص، قال ابن عباس: نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف، كان مريضاً فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كأنهم تلقوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب، فرخص الله تعالى في هاتين الحالتين، وينقاس عليهما كل عذر يحدث في ذلك الوقت، ثم قوى الله تعالى نفوس المؤمنين بقوله {إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً}.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصلاة الخوف، وهي خاصة به، أو عامة لأمته عند الجمهور. {وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ} يعني المصلين، قاله الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه ـ أو الحارسين. {فَإِذَا سَجَدُواْ} المصلون ركعة واحدة عند من رأى صلاة ركعة فليكن المصلون من ورائكم بإزاء العدو. أو إذا صلوا بعد مفارقة الإمام ركعة أخرى فليكونوا من ورائكم، أو لا يتمون الركعة الثانية إلا بعد وقوفهم بإزاء العدو، {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى} وهم الذين كانوا بإزاء العدو فيصلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم الركعة الباقية عليه، ثم يسلمون معه عند من جعلها ركعة، أو تتم الركعتين وتفارقه قبل التشهد، أو بعده وتركع الركعة الثانية قبل وقوفها بإزاء العدو. أو تقف بإزائه وتنصرف الطائفة الأولى، فتأتي بركعة ثم ترجع إلى مواجهة العدو، ثم تخرج الثانية فتكمل صلاتها، وهذه الصلاة نحو صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} الآية روي عن ابن عباس وجابر أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جميعاً ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقال بعضهم لبعض دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم يعني صلاة العصر فإذا قاموا فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل عليه السلام فقال يا محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عز وجل يقول وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فعلمه صلاة الخوف وروي عن أبي عياش الزرقي في سبب نزول هذه الآية. قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلّينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غرة وفي رواية غفلة ولو حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت الآية بين الظهر والعصر قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني وإذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال فأقمت لهم الصلاة {فلتقم طائفة منهم معك} يعني إذا حان وقت الصلاة وأقمتها لأصحابك فاجعلهم فرقتين فلتقف فرقة منهم معك فتصلّي بهم {وليأخذوا أسلحتهم} اختلفوا في هؤلاء الذين أمرهم الله بأخذ السلاح فقيل أراد بهم الذين قاموا معه إلى الصلاة فإنهم يأخذون أسلحتهم في الصلاة، فعلى هذا القول إنما يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة ولا يؤذي به من إلى جنبه كالسيف والخنجر وذلك لأنه أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم فإن كان السلاح يشغل بحركته وثقله عن الصلاة كالترس الكبير أو يؤذي مَن إلى جنبه كالرمح فلا يأخذه. وقيل أراد بهم الطائفة الذين بقوا في وجه العدو فإنهم يأخذون أسلحتهم للحراسة وقيل يحتمل أن يكون أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط {فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} يعني إذا صلّى الذين معك وفرغوا من الصلاة فليكونوا من ورائكم يعني فلينصرفوا إلى المكان الذي هو في وجه العدو وللحراسة {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا} يعني ولتأت الطائفة التي كان في وجه العدو {فليصلّوا معك} الركعة الثانية التي بقيت عليك ويتموا بقية صلاتهم {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} يعني أن الله تعالى جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي في دفع العدو فلذلك جعله مأخوذاً مع السلاح. فإن قلت لم ذكر في أول الآية الأسلحة فقط وذكر هنا الحذر والأسلحة. قلت لأن العدو قلما ينتبه للمسلمين في أول الصلاة بل يظنون كونهم قائمين في المحاربة والمقاتلة فإذا قاموا على الركعة الثانية ظهر للكفار أن المسلمين في الصلاة فحينئذٍ ينتهزون الفرصة في الإقدام على المسلمين فلا جرم أن الله تعالى أمرهم في هذا الموضع بزيادة الحذر من الكفار مع أخذ الأسلحة {ود الذين كفروا} يعني تمنى الكفار {لو تغفلون} يعني لو وجدوكم غافلين {عن أسلحتكم وأمتعتكم} يعني حوائجكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها {فيميلون عليكم ميلة واحدة} يعني فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة وأنتم مشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم. فصل في أحكام تتعلق بالآية وصفة صلاة الخوف وفيه مسائل المسألة الأولى: قال أبو يوسف والحسن بن زياد من أصحاب أبي حنيفة صلاة الخوف كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لغيره بعده فعلها، وقال المزني من أصحاب الشافعي كانت ثابتة ثم نسخت واحتجوا لصحة هذا القول بأن الله تعالى خاطب نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} وظاهر هذا يدل على أن إقامة الصلاة مشروطة بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فدل على تخصيصه بها ولأن كلمة إذا تفيد الشرط وذهب جمهور العلماء والفقهاء إلى أن هذا الحكم لما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره من أمته لقوله تعالى: {فاتبعوه} ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلّوا كما رأيتموني أصلّي" تفسير : ولأن ذلك إجماع الصحابة على فعلها وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه صلّى صلاة الخوف بأصحابه ليلة الهرير وكذلك أبو موسى صلّى بأصحابه بطبرستان وليس لهؤلاء مخالف من الصحابه وأجيب عن قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} بأن هذا وإن كان قد خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم فإن سائر أمته داخلون في هذا الحكم فهو كقوله: {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}تفسير : [الطلاق: 1] إلا أن يرد نص بتخصيصه صلى الله عليه وسلم بحكم دون أمته كقوله تعالى: {أية : خالصة لك من دون المؤمنين} تفسير : [الأحزاب: 50] ونظير قوله {وإذا كنت فيهم} قوله: {أية : خذ من أموالهم صدقة}تفسير : [التوبة: 103] وإذا كان هو المخاطب بها وقد ثبت حكم أخذ الزكاة لمن بعده من الأئمة كان كذلك قوله وإذا كنت فيهم وأجيب عن لفظه إذا: بأن مقتضاه الثبوت عند الثبوت وأما العدم عند العدم فغير مسلم. المسألة الثانية: قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في ذلك كله ما هو الأحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة فهي مع اختلاف صورها متفقة المعنى فمن أنواع صلاة الخوف ما إذا كان العدو في غير جهة القبلة. فرق الإمام أصحابه فرقتين فتقف طائفة وجاه العدو فتحرس ويصلّي بالطائفة الأخرى ركعة فإذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم وذهبوا إلى وجاه العدو فيحرسون وتأتي الطائفة الثانية التي كانت تحرس فيصلّي بهم الركعة الثانية ويثبت جالساً في التشهد حتى يتموا لأنفسهم الصلاة ثم يسلم بهم ويدل على ذلك ما روي عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوان حديث : عمن صلّى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وجاه العدو فصلّى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاء العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهمتفسير : أخرجاه في الصحيحين الذي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم هو سهل بن أبي حثمة وقد أخرجاه من رواية أخرى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه وذكر نحوه وهذا هو مختار الشافعي لأنه أشد موافقة لظاهر القرآن وأحوط للصلاة وأبلغ في حراسة العدو، وأما كونه أشد موافقة لظاهر القرآن فإن قوله ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك يدل على أن الطائفة الأولى قد صلّت قوله فليصلوا معك ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية حصلت مع الإمام وكونها أحوط لأمر الصلاة من حيث إنه لا يكثر فيها العمل من المجيء والذهاب وكونها أحوط لأمر الحرب والحراسة من حيث إنه إذا لم يكونوا في الصلاة كان أمكن للحراسة والكر والفر والهرب إن احتاجوا إليه وذهب قوم إلى أن الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة ثم تذهب إلى وجه العدو فتحرس وهم في صلاتهم ثم تأتي الطائفة الثانية فتصلي مع الإمام الركعة الثانية ويسلم الإمام ولا يسلمون هم بل يذهبون إلى وجه العدو، وترجع الطائفة الأولى إلى موضع الإمام فتقضي بقية صلاتها ثم تذهب ثم تأتي الطائفة الثانية إلى موضع الإمام فتقضي بقية صلاتها يروى ذلك عن ابن مسعود وهو مذهب أبي حنيفة ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر قال حديث : صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف قال فكبّر فصلّى خلفه طائفة منا وطائفة مواجهة للعدو فركع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجد سجدتين ثم انصرفوا ولم يسلموا وأقبلوا على العدو فصفوا مكانهم وجاءت الطائفة الأخرى فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى بهم ركعة وسجدتين ثم سلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم ركعتين وأربع سجدات ثم قامت الطائفتان فصلّى كل إنسان منهم لنفسه ركعة وسجدتينتفسير : . أخرجه النسائي قال أبو بكر السني سمع الزهري من ابن عمر ولم يسمع هذا منه والذي أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر قال: حديث : صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك فصلّى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة تفسير : وفي رواية أخرى قال: حديث : صلى رسول الله صلى عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو فصلّى بالذين معه ركعة. وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة وقضت الطائفتان ركعة ركعة تفسير : وبهذه الرواية المخرجة في الصحيحين أخذ الأوزاعي وأشهب المالكي وهو جائز عند الشافعي أيضاً ثم قيل إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معاً وقيل متفرقين وهو الصحيح والفرق بين الروايتين أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة وهي في حكم من خلف الإمام. وأما الطائفة الثانية فلم تدرك أول الصلاة والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في حكم صلاته. المسألة الثالثة: فيما إذا كان العدو في ناحية القبلة وصورة هذا الصلاة ما روي حديث : عن جابر بن عبدالله: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا صفين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة فكبّر النبي صلى الله عليه وسلم وكبّرنا جميعاً ثم ركع وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحو العدو فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى فقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلّمنا تفسير : قال جابر كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم أخرجه مسلم بتمامه وأخرجه البخاري طرفاً منه أنه صلّى الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوة السابقة غزوة ذات الرقاع. وبهذا الحديث أخذ الشافعي ومن وافقه فيما إذا كان العدو في جهة القبلة. المسألة الرابعة: إذا اشتد الحرب والتحم القتال صلّوا رجالاً وركباناً يؤمنون بالركوع والسجود إلى أي جهة كانت هذا مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة أنهم لا يصلّون في هذه الحالة فإذا أمنوا قضوا ما فاتهم من الصلاة ولصلاة الخوف صور أخر مذكورة في كتب الفقه وليس هذا موضعها والله أعلم. وقوله تعالى: {ولا جناح عليكم} أي ولا إثم ولا حرج عليكم {إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} قال ابن عباس: رخص الله لهم في وضع السلاح في حال المطر وحال المرض لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين {وخذوا حذركم} يعني راقبوا عدوكم ولا تغفلوا عنه أمرهم الله بالتحفظ والتحرز والاحتياط لئلا يتجرأ العدو عليهم قال ابن عباس: حديث : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه غزا بني محارب وبني أنمار فنزلوا ولا يرون من العدو أحداً فوضع الناس السلاح فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة حتى قطع الوادي والسماء ترش بالمطر فسال الوادي فحال السيل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس تحت شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحازي فقال: قتلني الله إن لم أقتله ثم انحدر من الجبل ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه وقد سل السيف من غمده وقال يا محمد من يمنعك مني الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله عز وجل" ثم قال: "اللهم أكفني غورث بن الحارث بما شئت" فأهوى غورث ليضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم به فأكب لوجهه من زلخة زلخها فندر السيف من يده فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ السيف ثم قال: "يا غورث من يمنعك مني الآن؟ فقال لا أحد فقال أتشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله وأعطيك سيفك فقال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبداً ولا أعين عليك عدواً فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال غورث لأنت خير مني فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجل أنا أحق بذلك منك" تفسير : فرجع غورث إلى أصحابه فقالو له: ويلك يا غورث ما منعك منه فقال والله لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه به فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي وذكر حاله لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلى أصحابه وأخبرهم الخبر وقرأ هذه الآية: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى} قال ابن عباس: كان عبدالرحمن بن عوف جريحاً فنزلت فيه أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم يعني من عدوكم {إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً} يعني يهانون به.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {عن أسلحتكم وأمتعتكم} عباس بالاختلاس. {اطمأننتم} وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. {بريا} بالتشديد: يزيد والشموتي وحمزة في الوقف. الوقوف: {من ورائكم} ج. {وأسلحتهم} ط لانقطاع النظم مع اتصال المعنى. {واحدة} ط {أسلحتكم} ج {حذركم} ط {مهيناً} ه {وعلى جنوبكم} ط للابتداء باذا الشرطية مع الفاء. {الصلاة} ج لاحتمال فإن أو لأن {موقوتاً} ه {القوم} ط {كما تألمون} لا لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال: {ما لا يرجون} ط {حكيمأً} ه {اراك الله} ط لأن ما بعد استئناف. {خصيماً} ه لا للعطف {واستغفر الله} ط {رحيماً} ه للآية مع العطف. {أنفسهم} ط {أثيماً} ه ج لاحتمال ما بعد الوصف. {من القول} ط {محيطاً} ه ط {وكيلاً} ه {رحيماً} ه {على نفسه} ط {حكيماً} ه {مبيناً} ه {يضلوك} ط {من شيء} ط {تعلم} ط {عظيماً} ه. التفسير: قال أبو يوسف والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول صلى الله عليه وسلم / ولا تجوز لغيره لقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} ولأن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل إلاّ أنا جوّزنا ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم لفضيلة الصلاة خلفه فينبغي لغيره على المنع. وجمهور الفقهاء على أنها عامة لأن أئمة الأمة نواب عنه في كل عصر؛ ألا ترى أن قوله: {أية : خذ من أموالهم صدقة} تفسير : [التوبة:103] لم يوجب كون الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به دون أئمة أمته؟ وذهب المزني إلى نسخ صلاة الخوف محتجاً بأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها في حرب الخندق، وأجيب بأن ذلك قبل نزول الآية. عن ابن عباس قال: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه قال بعضهم لبعض: كأن هذا فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم. فقال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم فاستعدّوا حتى تغيروا عليهم فيها فأنزل الله عز وجل على نبيه: {وإذا كنت فيهم} إلى آخر الآية تفسير : أما شرح صلاة الخوف فهو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بإحداهما ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة سلموا منها ويذهبون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم. وهذا مذهب من يرى صلاة الخوف ركعة فللإمام ركعتان وللقوم ركعة، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد. وقال الحسن البصري: إن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدّو وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببطن نخل. وليس في هذه الصلاة إلاّ اقتداء مفترض بمتنفل، فإن الصلاة الثانية نافلة للإمام لا محالة. وفي جواز ذلك اختلاف بين العلماء. وقال الشافعي إن كان العدو في جهة القبلة صلى الإمام بجميع العسكر إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا حان وقت السجدة حرست فرقة إما صف أو فرقة من صف إلى أن يفرغ الإمام وغير الحارسة من السجدتين، فإذا فرغ الإمام منهما سجدت الفرقة الحارسة ولحقت به حيث أمكنها، وإذا سجد الإمام الركعة الثانية حرست فرقة إما الفرقة الحارسة في الركعة الأولى أو الفرقة الأخرى وهذه أولى. فإذا فرغ الإمام من السجود سجدت الحارسة ولحقت بالإمام في التشهد ليسلم بهم وليس في هذه الصلاة إلاّ التخلف عن الإمام بأركان السجدتين والجلسة بينهما، واحتمل لحاجة الخوف وظهور العذر وبمثله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، وأما إن لم يكن العدوّ في وجه القبلة أو كانوا بحيث يمنعهم شيء من أبصار المسلمين صلى الإمام في الثنائية كالصبح أو الرباعية المقصورة بكل فرقة ركعة، وذلك أن ينحاز الإمام بفرقة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو فيصلي بهم ركعة، فإذا قام إلى الثانية انفردوا بها وسلموا وأخذوا مكان، إخوانهم في الصف، وانحاز الصف المقاتل إلى الإمام وهو ينتظر لهم واقتدوا به في / الثانية، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية ولحقوا به قبل السلام وسلم بهم، وهذه صلاة ذات الرقاع رواه أبو داود والنسائي عن صالح عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حنيفة: ويروى عن ابن عمر وابن مسعود أن الطائفة الأولى يصلي بهم الإمام ركعة ويعودون إلى وجه العدو تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة. والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة فهي في حكم من خلف الإمام، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته. ولا خلاف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى بهذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصالح، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أيّ هذه الأقسام. فقال الواحدي: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا} يدل على أن الطائفة الأولى قد صلت عند إتيان الثانية كما هو مذهب الشافعي. وأما عند أبي حنيفة فالطائفة الثانية تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها. وأيضاً قوله: {فليصلوا معك} ظاهرة يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام. قال أصحاب أبي حنيفة: {فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} يدل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة. أجاب الواحدي بأن هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة، لكن السجود للأولى والكون من الوراء الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية، أو معنى سجدوا صلوا وحينئذٍ لا يبقى إشكال وأيضاً الذي اختاره الشافعي أحوط لأمر الحرب فإنها أخف على الطائفتين جميعأ والحراسة خارج الصلاة أهون وليس فيها ما في غيرها من زيادة الذهاب والرجوع وكثرة الأفعال والاستدبار, وليس فيها إلاّ الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية وذلك جائز على الأصح في الأمن أيضاً، وإلاّ انتظار الإمام بالطائفة الثانية مرتين وإن كانت الصلاة مغرباً فيصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة ويجوز العكس. وإن كانت رباعية فيصلي بكل طائفة ركعتين، ويجوز أن يفرقهم أربع فرق إن مست الحاجة إليه بأن لا يكفي نصف المسلمين لعدوهم. واعلم أن الصلاة على الوجه المشروع ليست عزيمة بل لو صلى الإمام بطائفة وأمر غيره فيصلي بترك فضيلة الجماعة ويتنافسون في الاقتداء به فأمره الله تعالى بترتيبهم هكذا لتحوز إحدى الطائفتين فضيلة التكبير معه، والأخرى فضيلة التسليم معه. فالخطاب في قوله: {وإذا كنت} للنبي صلى الله عليه وسلم أي إذا كنت أيها النبي مع المؤمن في غزواتهم وخوفهم {فأقمت لهم / الصلاة} فاجعلهم طائفتين {فلتقم طائفة منهم معك} فصل بهم {وليأخذوا أسلحتهم} فإن كان الضمير لغير المصلين فلا كلام، وإن كان للمصلين فليأخذوا من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، ويحتمل أن يكون أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط. ثم قال للطائفة الثانية: {وليأخذوا حذرهم} فكأنه جعل الحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي. وفيه رحمة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة. وإنما أمر هذه الطائفة بأخذ الحذر والأسلحة جميعاً لأن العدو قلما يتنبه في أول الصلاة لكون المسلمين في الصلاة بل يظنونهم قياماً للمحاربة، وأما في الركعة الثانية فيظهر لهم ذلك من ركوعهم وسجودهم الأولين فربما ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم كما ذكرنا في سبب النزول، فلا جرم خص الله تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير {ميلة واحدة} شدة واحدة. ثم رخص لهم في وضع السلاح إذا أصابه بلل المطر فيسود وتفسد حدته وجدته أو يثقل على المرء إذا كان محشواً، وحين كان الرجل مريضاً فيشق عليه حمل السلاح ولكنه أعاد الأمر بأخذ الحذر لأن الغفلة عن كيد العدو لا تجوز بكل حال. قال بعض العلماء أخذ السلاح في صلاة الخوف سنة مؤكدة والأصح أنه واجب لأن ظاهر الأمر للوجوب، ولأن رفع الجناح عند العذر ينبىء عن وجود الجناح في غير ذلك الوقت لكن الشرط أن لا يحمل سلاحاً فحسب أن أمكنه، ولا يحمل الرمح إلاّ في طرف الصف. وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد وفي هذا دليل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عيله وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو، فلا يكون شيء من الروايات الواردة فيها على خلاف نص القرآن وكما أن الآية دلت على وجوب الحذر عن العدو كذلك تدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنون، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء في الجلوس تحت الجدار المائل واجباً. قالت المعتزلة: لو لم يكن العبد قادراً على الفعل والترك، وعلى جميع وجوه الحذر لم يكن للأمر بالحذر فائدة. والجواب أن لا ننكر الأسباب لكنا ندعي انتهاء الكل إلى مسببها ولهذا ختم الآية بقوله: {إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً} ليعلموا أنه تعالى رتب على هذا الحذر كون الكفار مخذولين مقهورين وكان كما أخبر. أما قوله: {فإذا قضيتم الصلاة} ففيه قولان: الأول فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال فإن ما أنتم عليه من الخوف والحرب جدير بذكر الله وإظهار الخشوع واللجوء إليه. الثاني أن المراد بالذكر الصلاة أي صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعوداً جاثين على الركب حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح. وأورد على هذا القول أن الذكر بمعنى الصلاة مجاز وأن المعنى يصير حينئذٍ: فإذا قضيتم الصلاة فصلوا وفيه بعد اللهم إلاّ أن يقال: المراد فإذا أردتم قضاء الصلاة فصلوا في شدّة / التحام القتال. واعلم أن الآية مسبوقة بحكمين: أحدهما بيان القصر في صلاة المسافر والثاني بيان صلاة الخوف. فقوله: {فإذا اطمأننتم} يحتمل أن يراد به فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة. ويحتمل أن يراد فإذا زال الخوف وحصل سكون القلب فأقيموا الصلاة التي كنتم تعرفونها من غير تغيير شيء من هيئاتها {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} أي مكتوبة موقوتة محدودة بأوقات لا يجوز إخراجها عنها ولو في شدة الخوف، وفيه دليل للشافعي في إيجابه الصلاة على المحارب في حال المسايفة والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها. وعند أبي حنيفة هو معذور في تركها إلى أن يطمئن. وأوقات الصلاة الخمس مشهورة وقد يستدل عليها بقوله: {أية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} تفسير : [البقرة:238] فإن الوسطى يجب أن تكون مغايرة للصلوات لئلا يلزم التكرار فهي زائدة على الثلاث، ولو كان الواجب أربعاً لم يوجد لها وسطى فإذاً أقلها خمس وسيجيء آيات أخر دالة على الأوقات الخمس كقوله: {أية : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل} تفسير : [هود:114] {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس} تفسير : [الإسراء:78] وسنشرحها إن شاء الله تعالى في مواضعها. قال المحققون: إن للإنسان خمس مراتب: سن النمو إلى تمام سن الشباب، وسن الوقوف وهو أن يبقى ذلك الشخص على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان، وسن الكهولة ويظهر فيها نقصان خفي في الإنسان، وسن الشيخوخة ويظهر فيها نقصانات جلية فيه إلى أن يموت ويهلك. وأما المرتبة الخامسة فهي أخباره وآثاره إلى أن يندرس وينطمس ويصير كأن لم يكن، وكذا الشمس إذا ظهر سلطانها من المشرق لا يزال يزداد ضياؤها إلى طلوع جرمها، ثم يزداد ارتفاعها شيئاً بعد شيء إلى أن يبلغ وسط السماء، ثم يظهر فيها نقصانات خفية من الانحطاط وضعف النور والحر إلى وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، ثم تظهر النقصانات الجلية إلى أن يصير في زمان لطيف ظل كل شيء مثليه، ثم أزيد إلى أن تغرب، ثم يبقى أثرها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم ينمحي حتى يصير كأن الشمس لم توجد قط. فهذه الأحوال الخمس أمور عجيبة لا يقدر عليها إلاّ خالقها وخالق جميع الأشياء، وموافقة لأسنان الإنسان فلهذا تعينت أوقاتها للعبادة والإقبال على المعبود الحق تعالى جده. ثم عاد إلى الحث على الجهاد فقال: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم} لا تضعفوا في طلب الكفار بالقتال والتعرض لهم بما يقلقهم. ثم ألزمهم الحجة بقوله: {إن تكونوا تألمون} والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ولكم مع ذلك رجاء الثواب على الجهاد دونهم لأنهم ينكرون المعاد فأنتم أولى بالصبر على القتال / والحد فيه منهم، ويحتمل أن يراد بهذا الرجاء ما وعدهم الله من النصر والغلبة على سائر الأديان، أو يراد أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير الذي يصح أن يرجى منه، وأنهم يعبدون الأصنام التي لا خيرهن يرجى ولا شرهن يخشى، ويروى أن هذا في بدر الصغرى كان بهم جراح فتواكلوا {وكان الله عليماً حكيماً} لا يكلفكم إلا ما فيه صلاح لكم في دينكم ودنياكم. ثم رجع إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث المنافقين، وفيه أن الأحكام المذكورة كلها بإنزال الله تعالى وليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قومه، وفيه أن كفر الكافر لا يبيح المساهلة في النظر له وإن كان يجوز الجهاد معه بل الواجب أن يحكم له وعليه بما أنزله تعالى على رسوله. قال أكثر المفسرين: حديث : إن رجلاً من الأنصار - يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحرث - سرق درعاً من جار له - يقال له قتادة بن النعمان - وجراباً فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود - يقال له زيد بن السمين - فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف لهم والله ما أخذها وما له بها من علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي. فَهَمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وكان هواه صلى الله عليه وسلم معهم وأن يعاقب اليهودي. وقيل: همَّ أن يقطع يده فأنزل الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} الآيات إلى قوله: {ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً} تفسير : وفي الآية دليل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين وإلا لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي. قال أبو علي: قوله: {بما أراك الله} ليس منقولاً بالهمزة من رؤية البصر لأن حكم الحادثة لا يرى بالبصر ولا من رؤية القلب وإلا لاقتضى ثلاثة مفاعيل وليس في الآية إلا اثنان: أحدهما الكاف والآخر الضمير العائد المحذوف فهو إذن بمعنى الاعتقاد معناه بما علمك الله. وسمى ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه والرأي منا ظن وتكلف. قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أنه ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، وأن الاجتهاد ما كان جائزاً له صلى الله عليه وسلم وحينئذ يجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله: {أية : فاتبعوه} تفسير : [الأنعام:153] وأجيب بأن العمل بالقياس عمل بالنص أيضاً وكأنه تعالى قال: مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر / جامع بين الصورتين، فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن. {ولا تكن للخائنين} أي لأجلهم يريد بني ظفر وهم قوم طعمة {خصيماً} مخاصماً وأصله من الخصم بالضم والسكون وهو ناحية الشيء وطرفه، وكأن كل واحد من الخصمين في ناحية من الحجة والدعوى. قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء صلى الله عليه وسلم: لولا أن الرسول أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه لما ورد النهي عنه ولما أمر صلى الله عليه وسلم بالاستغفار. والجواب أن النهي عن الشي لا يقتضي كون المنهي مرتكباً للمنهي عنه، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا منه صلى الله عليه وسلم أن يذب عن طعمة ويلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي، ولعله أمر بالاستغفار لأنه مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين وحسنات الأبرار سيئات المقربين، أو لعل القوم شهدوا بسرقة اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول صلى الله عليه وسلم ما يوجب القدح في شهادتهم، فهم بالقضاء على اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول صلى الله عليه وسلم ما يوجب القدح في شهادتهم, فهم بالقضاء على اليهودي فأطلعه الله تعالى على مصدوق الحال، أو لعل المراد واستغفر لأولئك الذين يذبون عن طعمة ثم قال: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يعني طعمة ومن عاونه من قومه ممن علموا كونه سارقاً. والاختيان كالخيانة يقال: خانه واختانه، والعاصي خائن نفسه لأنه يحرم نفسه الثواب ويوصلها إلى العقاب {إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً} قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة. وإنما ورد البناآن على المبالغة والعموم ليتناول طعمة وكل من خان خيانة فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه لأن الله لا يحبه. وأيضاً كان الله عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب الإثم. وروي أنه هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله، ومن كانت تلك خاتمة أمره لا يشك في حاله. وقالت العقلاء: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. وفي الآية دليل على أن من كان قليل الخيانة والإثم لم يكن في معرض السخط من الله. {يستخفون} يستترون من الناس حياء منهم وخوفاً من ضررهم {ولا يستخفون من الله} أي لا يستحيون منه لأن الاستخفاء لازم الاستحياء وهو معهم بالعلم والقدرة والرؤية وكفى هذا زاجراً للإنسان عن المعاصي {إذ يبيّتون} يدبرون {ما لا يرضى من القول} وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرق دونه ويحلف ببراءته وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولاً ليس فيها إشكال عند القائلين بالكلام النفسي، وأما عند غيرهم فمجاز، أو لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية المكر فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه الله، أو المراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته {ها أنتم هؤلاء} ها للتنبيه في أنتم / وأولاء وهما مبتدأ وخبر وقوله: {جادلتم عنهم} جملة موضحة للأولى كما يقال للسخي: أنت حاتم تجود بمالك. أو المراد أنتم الذين جادلتم والخطاب لقوم مؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وقومه لأنهم في الظاهر مسلمون. والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا فمن الذي يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه {أمن يكون عليهم وكيلاً} حافظاً ومحامياً عن عذاب الله. وهذا الاستفهام معطوف على الأول وكلاهما للإنكار والتقريع. ثم أردف الوعيد بذكر التوبة فقال: {ومن يعمل سوءاً} قبيحاً متعدياً يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي {أو يظلم نفسه} بما يجازي به كالحلف الكاذب. وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن إيصال الضرر إلى الغير سوء حاضر بخلاف الذي يعود وباله إلى فاعله فإن ذلك في الأكثر لا يكون ضرراً عاجلاً. لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه. وقد يستدل بإطلاق الآية على أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب وإن كان كفراً أو قتلاً عمداً أو غضباً للأموال، بل على أن مجرد الاستغفار كاف. وعن بعضهم أن الاستغفار لا ينفع مع الإصرار فلا بد من اقترانه بالتوبة {يجد الله غفور رحيماً} أي له فحذف هذا الرابط لدلالة الكلام عليه لأنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك. وقيل: ومن يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالشرك, وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة مع العلم بما يكون منه, أو بعث لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه. {ومن يكسب إثماً} الكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ولذلك لم يجز وصف الباري تعالى بذلك. والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار وكأنه قال: الذنب الذي أتيت به إنما يعود وباله وضرره إليك لا إليّ فإني منزه عن النفع والضر، ولا تيأس من قبول التوبة. {وكان الله عليماً حكيماً} تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب ما علمه منه {ومن يكسب خطيئة} صغيرة {وإثماً} كبيرة وقيل: الخطيئة الذنب القاصر على فاعله والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل. وقيل: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو الخطأ، والإثم ما حصل بسبب العمد {ثم يرم به} أي بأحد المذكورين أو بالإثم أو بذلك الذنب لأن الخطيئة في معنى الذنب، أو بذلك الكسب {بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} لأنه بكسب الإثم وبرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، فلا جرم يلحقه الذم في الدارين {ولولا فضل الله عليك ورحمته} ولولا أن خصك الله الفضل وهو النبوة وبالرحمة وهي العصمة {لهمت طائفة منهم} من بني ظفر أو طائفة من الناس والطائفة بنو ظفر {أن يضلوك} عن القضاء الحق والحكم العدل {وما يضلون إلا أنفسهم} بسبب تعاونهم على / الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان لأن وباله عليهم {وما يضرونك من شيء} لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما أمرت الأنبياء إلا بالأحكام على الظواهر، أو هو وعد بإدامة العصمة له مما يريدون في الاستقبال من إيقاعه في الباطل. ثم أكد الوعيد بقوله: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} أي إنه لما أمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات؟ وعلى الأول يكون المراد أنه أوجب في الكتاب والحكمة بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر عليه {وعلمك ما لم تكن تعلم} من أخبار الأولين. فيه معنيان: أحدهما أن يكون كما قال: {أية : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} تفسير : [الشورى:52] أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارها وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف إيامك حتى لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك. الثاني أن يكون المراد منها خفيات الأمور وضمائر القلوب أي علمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه مكايدهم ما تقدر على الاحتراز منهم {وكان فضل الله عليك عظيماً} فيه دليل ظاهر على شرف العلم حيث سماه عظيماً وسمى متاع الدنيا بأسرها قليلاً. التأويل: الصلاة صورة جذبة الحق ومعراج العبد فلهذا فرضت في الخوف والأمن وشدة القتال والسفر والحضر والصحة المرض ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} أي أدمتها لهم لأن النظر إليك عبادة كما أن الصلاة عبادة، وكما أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فإنك تنهاهم عن الفحشاء والمنكر {فلتقم طائفة} هم الخواص {منهم} أي من عوامهم {معك} أي مع الله لأنك مع الله كقوله: {أية : لا تحزن إنّ الله معنا} تفسير : [التوبة:40] {وليأخذوا} يعني طائفة من بقية القوم {أسلحتهم} من الطاعات والعبادات دفعأً لعدو النفس والشيطان {فإذا سجدوا} يعني من معك ونزّلوا مقامات القرب {فليكونوا} أي هؤلاء القوم {من ورائكم} في المرتبة والمقام والمتابعة يحفظونكم باشتغالكم بالأمور الدنيوية لحوائجكم الضرورية للإنسان. {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا معك} في الصحبة {فليصلوا معك} في الوصلة {وليأخذوا حذرهم} وهو آداب الطريقة {وأسلحتهم} وهي أركان الشريعة {ودّ الذين كفروا} هم عدوّ النفس وصفاتها {إن كان بكم أذى من مطر} يعني أشغال الدنيا وضروريات حوائج الإنسان يمطر عليكم في بعض الأوقات أن تضعوا أسحلة الطاعة والأركان ساعة فساعة {وخذوا حذركم} من التوجه إلى الحق ومراقبة الأحوال وحفظ القلب وحضوره مع الله وخلو السر / عن الالتفات لغير الله ورعاية التسليم والتفويض إلى الله والاستمداد من همم أعاظم الدين والالتجاء إلى ولاية النبوة {إنّ الله أعد} بهذه الأسباب {للكافرين} من كفار النفس والشيطان {عذاباً مهيناً فإذا قضيتم الصلاة} المكتوبة {فاذكروا الله} في جميع حالاتكم إنّ الصلاة كانت في الأزل {على المؤمنين كتاباً موقوتاً} مؤقتاً إلى الأبد كما أشار إليه بقوله: {أية : إنا فتحنا لك} تفسير : [الفتح:1] أي باباً من القدم إلى الحدوث {أية : ليغفر لك الله} تفسير : [الفتح:2] بما فتح عليك {ما تقدم} في الأزل {أية : من ذنبك} تفسير : [الفتح:2] بأن لم تكن مصلياً {أية : وما تأخر} تفسير : [الفتح:2] من ذنبك بأن لا تكون مصلياً {أية : ويتم نعمته عليك} تفسير : [الفتح:2] بأن يجعل سيئاتك وهي عدم صلاتك في الأزل أو الأبد مبدلة بالحسنات وهي الصلاة المقبولة من الأزل إلى الأبد {ويهديك صراطاً مستقيماً} من الأزل إلى الأبد ومن الأبد إلى الأزل {ولا تهنوا في ابتغاء القوم} النفس وصفاتها {أن تكونوا تألمون} في الجهاد بعناء الرياضات والعبادات فإنهم يألمون في طلب اللذات والشهوات {كما تألمون وترجون من الله} العواطف الأزلية والعوارف الأبدية {ما لا يرجون} لأنّ همم النفس الدنية لا تجاوز قصورها الدنية المجازية الفانية {بما أراك الله} حين أوحى إليك بلا واسطة ما أوحى وأراك آياته الكبرى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ...} الآية: قال جمهورُ الأُمَّة: الآية خطَابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو يتناول الأمراء بعده إلَىٰ يوم القيامة، وكذلك جمهورُ العلماء علَىٰ أنَّ صلاة الخَوْف تصلَّىٰ في الحَضَر، إذا نزَلَ الخَوْف، قال الطبريُّ: {فَأَقَمْتَ لَهُمُ}: معناه: حُدُودَهَا وهَيئَتَهَا. وقوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ}: أمر بالانقسامِ، أي: وسائرهم وِجَاه العَدُوِّ، ومعظم الرواياتِ والأحاديثِ على أنَّ صلاةَ الخَوْف إنما نزلَتِ الرخْصَةُ فيها في غَزْوة ذاتِ الرِّقَاعِ، واختلف من المأمورُ بأخْذ الأسلحَةِ هنا؟ فقيل: الطائفة المصلِّية، وقيل: بل الحَارِسة. قال * ع *: ولفظ الآية يتناوَلُ الكلَّ، ولكن سِلاَحُ المصلِّين ما خَفَّ، قُلْتُ: ومن المعلوم أنه إذا كانَتِ الطائفةُ المصلِّيةُ هي المأمورَةَ بِأخْذِ السِّلاحِ، فالحارسَةُ من باب أحْرَىٰ. وٱختلفتِ الآثارُ في هَيْئَة صلاة النبيِّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاةَ الخَوْف؛ وبِحَسَبِ ذلك، ٱختلَف الفقَهَاء، فَرَوَىٰ يزيدُ بْنُ رُومَانَ، عن صالح بنِ خَوَّاتٍ، عن سهلِ بْنِ أبي حَثْمَةَ؛ أنَّهُ صَلَّىٰ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعَ، فَصُفَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وجَاهَ العَدُوِّ، وجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَىٰ، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاَتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِساً، وأتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، وروى القاسمُ بْنُ محمَّدٍ، عن صالحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عن سَهْلٍ هذا الحديثَ بعينه، إلا أنَّهُ رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ صَلَّى بالطائفةِ الأخيرةِ ركْعَةً، سلَّم، ثم قضَتْ بعد سَلاَمِهِ، وبحديثِ القاسمِ بنِ محمَّد، أخَذَ مالكٌ، وإليه رجَعَ بَعْدَ أنْ كان أولاً يميلُ إلَىٰ روايةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، ورَوَىٰ عبْدُ الرزَّاق عن مجاهدٍ، قال: لَمْ يصلِّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم صلاَةَ الخَوْفِ إلاَّ مرَّتَيْنِ: مرَّةً بذاتِ الرِّقَاعِ مِنْ أرض بني سُلَيْمٍ، ومرةً بعُسْفَانَ، والمشركُونَ بِضُجْنَانَ بينهم وبَيْنَ القِبْلَةِ. قال * ع *: وظاهرُ ٱختلافِ الرِّوَايَاتِ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقتضي أنَّه صلَّىٰ صلاةَ الخَوْف في غير هَذيْن الموطِنَيْنِ، وقد ذكر ابنُ عبَّاس؛ أنه كَانَ في غَزْوة ذِي قَرَدٍ صلاةَ خَوْفٍ. وقوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ...} الآية: المعْنَىٰ: فإذا سَجَدوا مَعكَ الركعةَ الأُولَىٰ، فلْيَنْصَرِفُوا؛ هذا علَىٰ بعض الهيئات المرويَّة، وقيل: المعنَىٰ: فإذا سَجَدوا ركْعةَ القضاءِ، وهذا علَىٰ رواية ابنِ أبي حَثْمَةَ، والضميرُ في قوله: {فَلْيَكُونُواْ}، يحتملُ أنْ يكون لِلَّذِينَ سَجَدُوا، ويحتمل أن يكون للطائفةِ القائِمَةِ أولاً بإزاء العَدُوِّ، ويجيء الكلامُ وَصَاةً في حال الحَذَرِ والحَرْب. وقوله تعالى: {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ...} الآية: إخبارٌ عن مُعْتَقَدِ القومِ، وتحذيرٌ من الغَفْلةِ؛ لَئِلاَّ ينالَ العَدُوُّ أمَلَهُ، وأسْلِحَةٌ: جمعُ سلاحٍ، وفي قوله تعالى: {مَّيْلَةً وٰحِدَةً}: مبالغةُ، أي: مستأصِلَةً لا يُحْتَاجُ معها إلَىٰ ثانية. وقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ...} الآية: ترخيصٌ. قال ابنُ عَبَّاس: نزلَتْ بسبب عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، كان مريضاً، فوضع سلاحَهُ، فعنَّفه بعْضُ النَّاس. قال * ع *: كأنهم تَلَقَّوُا الأمر بأخْذ السِّلاحِ على الوُجُوبِ، فرخَّص اللَّه تعالَىٰ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، وينقاسُ عليهما كُلُّ عذرٍ، ثم قَوَّىٰ سبحانه نُفُوسَ المؤمنِينَ بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}.
ابن عادل
تفسير : كما بيَّن قَصْر الصَّلاة يحَسبِ الكَمَِّيَّة في العَدَدِ، بين في هذه الآيَة كَيْفِيَّتَها، والضَّمِير في "فِيهِم" يعُود الضَّاربين في الأرضِ، وقيل على الخَائِفَين. روى الكَلْبِيُّ، عن أبِي صَالح؛ عن ابن عبَّاس، وجابر - رضي الله عنهم -: أن المُشْرِكِين لَمَّا رأوْا رسُول الله صلى الله عليه وسلم وأصْحَابَهُ قاموا في الظُّهْر يُصَلُّون جميعاً، نَدِمُوا ألاّ كَانُوا أكبُّوا عليهم، فقال بَعْضُهم لبعضٍ: دَعْهم فإنَّ لهم بَعْدَها صَلاة هي أحَبُّ إليهم من آبَائِهِم وأبْنَائِهِم، يعني: صَلاَة العَصْر، فإذا قَامُوا فيها فَشُدُّوا عليهم، فاقْتُلُوهم؛ فنزل جِبْرِيل فقال: يا محمَّد إنَّها صلاة الخَوْفِ، وإن الله - عز وجل - يقُول: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} فعلَّمه صَلاَةَ الخَوْفِ. فصل: هل صلاة الخوف خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم قال أبُو يُوسف، والحَسَن بن زِيَاد: صلاة الخَوْف كانت خَاصَّة للرسول - عليه الصلاة والسلام -، ولا تجُوز لغيره؛ لقوله - تعالى -: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ}. وقال المُزَني: كانت ثَابِتَةً ثم نُسِخَتْ، ومذهب الجُمْهُور: ثُبوتُها في حقِّ كل الأمَّة؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأعراف: 158] وأن حكمها باقٍ، وقد ورد كيفيَّة صَلاَة الخَوْفِ على سِتَّة أوْجُه مذكُورة في كُتُبِ الفِقْهِ. قال أحْمد بن حَنْبَل: كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ في أبْواب صَلاةِ الخَوْفِ، فالعَمَل به جَائِزٌ، روي فيه سِتَّةُ أوْجُه، أو سبْعَة أوْجُه. قوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} أي: شَهِيداً مَعَهُم في غَزَواتهم، {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ} أي: فَلْتَقِفْ؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} تفسير : [البقرة: 20] أي: وَقَفُوا، والمعنى: فاجْعَلْهم طَائِفَتَيْن، فَلْتَقُم طَائِفة منهم مَعَك، فَصَلِّ بهم. وقرأ الحسن "فَلِتَقُمْ" بِكَسْر لاَمِ الأمْر وهو الأصْل، "وليأخذوا أسلحتهم" والضَّمير: إمَّا للمُصَلِّين، أو لغيرهم، فإنَ كان للمُصَلِّين، [فقالوا]: يأخُذُون من السِّلاح ما لا يَشَغلُهُم عن الصَّلاة؛ كالسَّيْف والخنجَر؛ لأن ذلك أقْرَب إلى الإحْتِيَاط، وأمْنَع للعدُوِّ من الإقْدَام عَلَيْهِم، وإن كان لِغَيْر المُصَلِّين، وهُم الطَّائِفَةُ الأخْرى التي تَحْرُس المُصَلِّين، فلا كَلاَمَ. واحتار الزَّجَّاج عَوْدَه على الجَميع، قال: "لأنه أهْيَب للعَدُوَِّ". والسِّلاح: ما يُقَاتَل به، وجمعه أسْلِحَة وهو مُذكَّر، وقد يُؤنَّث باعْتِبَار الشَّوْكَة، قال الطِّرمَّاحُ: [الطويل] شعر : 1876- يَهُزُّ سِلاحاً لَمْ يَرِثْهَا كَلاَلَةً يشُكُّ بِهَا مِنْهَا غُمُوضَ المَغَابِنِ تفسير : فأعاد الضَّمير عليه كَضَمير المؤنَّثة، ويقال: سلاح كحِمَار، وسِلْحٌ كضِلْع، وسُلَح كصُرَد، وسُلْحَان كسُلْطان؛ نقله أبو بكر دُرَيْد. والسَّلِيحُ: نبت إذا رَعَتْه الإبل، سَمِنَتْ وغَزُرَ لبنُها، وما يُلْقيه البَعِيرُ من جَوْفِه، يقال له: "سُلاحٌ" بزنة غُلام، ثم عُبِّر عن كُلِّ عَذِرة، حتى قيل في الحُبَارَى، "سِلاحُه [سُلاحُه]". ثم قال - تعالى -: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} يعني: غير المُصَلِّين من وَرَائِكُم يَحْرُسُونكم يريد: مكان الَّذِين هم تجاه العَدُو، ثم قال - [تعالى] -: {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} وهم الَّّذِين كانُوا في تجاه العَدُوِّ، وقرأ أبو حَيْوة: "وليأتِ" بناء على تذكيرِ الطَّائِفَةِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرو: الإظْهَارُ والإدْغَامُ في "ولتأتِ طَائَفَةٌ". قوله: "لم يصلوا" الجُمْلة في محلِّ رَفْع؛ لأنها [صفة لـ "طَائِفة" بعد صِفَةٍ، ويجُوز أن يكُون في مَحَلِّ نَصْب على الحَال؛ لأن النَّكِرَة] قَبْلَهَا تخصَّصَت بالوَصْفِ بِأخْرى. ثم قال {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} والمعْنَى: أنه - تعالى - جعل الحَذَر: الَّذِي هو التحذُّر والتَّيَقُّظ آلة يِسْتَعْمِلُها الغازي؛ فَلِذَلِكَ جمع بينَه وبين الأسْلِحَةِ في الأخْذِ؛ وجُعِلاَ مأخُوذَيْن، وهذا مَجَازٌ؛ كقوله: {أية : تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحشر: 9] في أحَد الأوْجُه. قال الوَاحِدِيِ رحمه الله تعالى: وفيه رُخْصَة للخَائِفِ في الصَّلاة، بأن يَجْعَل بَعْضَ فكْره في غَيْرِ الصَّلاةِ. فإن قيل: لِمَ ذَكَرَ في الآيَةِ الأولى: "أسْلِحَتُهم" فقط، وفي هذه الآيَة ذكر "حِذْرَهُم وأسلحتهم"؟ فالجوابُ: أن في أوَّل الصلاة قلَّما يَنْتَبِهُ العَدُوُّ: لكون المُسْلِمِين في الصَّلاة، بل يظُنُّون كونهمُ قَائِمين لأجْل المُحَارَبة، وأما في الرَّكْعَة الثَّانِيَة، فقد يَظْهَرُ للعَدُوِّ كونهم في الصَّلاة، فَهَهُنا يتنهزُون الفُرصة في الهُجُوم عليهم، فلذلك خَصَّ الله [- تعالى -] هذا المَوْضِع بزِيَادَة تَحْذِير. ثم قال: {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم} قد تقدم الكلام في ["لو"] الواقعة بعد "وَدَّ" في البَقَرَة [آية: 109]. وقرئ: "وأمتعاتكم" وهو في الشُّذُوذِ من حَيْث إنَّه جَمْع الجَمْعِ، كقولهم: أسْقِيات وأعْطِيَات. {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً} أي: بالقِتَالِ، أي: يتمنَّون لو وَجدُوكُم عَافِلِين عن أسْلِحَتِكُم، فيقْصِدُونكم ويَحْملُون عَلَيْكُم حملة وَاحِدَة. رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس: وجابر: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى بأصْحَابِه الظُّهْر، ورأى المُشْرِكُون ذَلِكَ، فَقَالُوا بعد ذلك: بِئْسَ ما صَنَعْنَا، حيث ما أقْدمْنَا عليهم، وعَزَمُوا على ذَلِكَ عند الصَّلاة الأخْرَى، فأطْلَعَ اللَّهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم على أسْرَارِهِم بِهَذِهِ الآيَةِ. فصل قال الإمامُ أحمد - رحمه الله تعالى -: صحَّ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صلاة الخَوْفِ من خمْسة أوْجُه أوْ سِتَّة [أوْجُه]، كل ذلك جَائِزٌ. الأول: إذا كان العَدُوُّ من جهة القِبْلَة، صف الإمَامُ المُسْلِمِين خَلْفه صَفَّيْن، فصلّى بهم جَميعاً إلى أن يَسْجُد؛ فَيَسْجُد معه الصَّفُ الذي يَلِيهِ، ويَحْرُس الآخَر، فإذا قَامَ الإمَامُ إلى الثَّانِيةِ سجد الآخَر ولَحِقَهُ، فإذا سَجَدَ للثَّانِيةِ، سجد معه الصَّفُّ الذي حَرَس، وحَرَس الأوَّل، فإذا جَلَس للتَّشَهُّد، سجد الأوَّل، ولحقه في التَّشَهُّد ويسلم بهم. الثاني: إذا كان العَدُوُّ في غَيْرِ جهة القِبْلَة جعل طَائِفَة [تجاه العَدُوِّ، وطائفةً] تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَة، فإذا قَامَ إلى الثَّانِيةِ ثَبَت قَائِماً وأتمَّت لأنفُسِها أخْرى، [وسلمت ومضت إلى العَدُوِّ، وجاءت الأخْرَى، فَصَلَّت معه الثَّانِية، فإذا جَلَس، أنهت لأنفُسِهَا أخْرَى]. وتشهدت ثم سَلَّم بهم، وإن كانَت الصَّلاةُ مَغْرباً، صلّى بالأولى رَكعتين وبالثَّانية ركْعَة، وإنْ كانت رُباعيَّة، صَلَّى بكل طائِفَةً ركْعَتَيْن وأتمَّت الأولَى، بالحَمْد لله في كل رَكْعةِ، والأخرى تتم بالحَمْد للَّه وسُورة، وهل تُفَارِقُهُ الأولَى في التِّشَهُّدِ، أوْ في الثَّانِيَة على وَجْهَيْن، وإن فَرَّقَهُم أرْبَعاً، فصلى بكلِّ طَائِفَةٍ ركْعَة، صحَّت صلاة الأولَى وبَطَلَت صَلاَةُ الإمَامِ والآخرين وإن عَلموا بطلان صلاته، أما بُطْلان صَلاَة الإمَام؛ فلأجل انْتِظَارِه؛ لأنه لَمْ يَرد الشَّرع بِهِ، وأمَّا بطلان صَلاَة الآخرين؛ فلأنهم ائتمُّوا بمن صلاته بَاطِلَةٌ، فأمَّا إذَا لم يعلموا، فهم مَعْذُورُونَ. الثالث: أن يُصَلِّي بطائِفَةٍ رَكْعَة، ثم تمْضِي إلى العَدُوِّ، وتأتي الأخْرَى، فيُصلي بها رَكْعَةً ويسلم وَحْدَه وتمضي، ثم تأتي الأخرى فتتم صلاتها وتمْضِي هي: ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها. الرابع: أن يُصَلِّي بِكُلِّ طائفة صَلاَةً، ويُسَلِّم بِهَا. الخامس: أن يُصَلِّي [بكلِّ] الرُّباعيَّة تامَّة، وتصلي مَعَهُ كل طَائِفةِ رَكْعَتَيْن ولا يَقْضِي شَيْئاً، فتكون له تامَّة ولَهُم مَقْصُورَة. فصل إذا اشْتَدَّ الخَوْف عند التحام الحَرْب، يصلي كَيْفَما أمْكَن رِجَالاً ورُكْبَاناً إلى القِبْلَة وإلى غيرها يومئُون إيماءً بالرُّكوع والسُّجود، وكَذَلِك كلّ خَائِفٍ على نَفْسِهِ فإن لم يَقْدر على الإيمَاءِ أخَّرُوا الصَّلاة إلى انْكِشَاف الحَالَةِ. قال مَالِكٌ وجماعة: يصلي الطَّالِب والمَطْلُوب كُلُّ واحد منهما على دَابَّتِهِ؛ كالخائف سَوَاء. وقال الأوْزَاعِيّ، والشَّافِعي، وفُقَهَاء المُحَدِّثين، وابن عَبْد الحكم: ولا يصَلِّي الطَّالِب إلاَّ بالأرْضِ. قال القُرْطُبِي: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ الطَّلب تَطَوُّعٌ، والمكْتُوبَة فَرْضٌ، والفرض إنَّما يُصَلَّى بالأرْض حَيْثُ ما أمْكَن. [ثم] قال - تعالى -: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ} فقوله: "أنْ تَضَعُوا"؛ كقوله "أنْ تَقْصُرُوا" وقد تقدم، "وخُذوا حِذْرَكُم" رَخَّصَ في وَضْع السِّلاح في حَالِ المَطَر والمَرَضِ؛ لأن السِّلاح [يثْقُل حَمْلُه في هَاتين الحَالَتَيْن، أو لأن حدته تَفْسُد بالبَللِ، ولمّا رَخَّص في وَضْعَ السِّلاح] حالَ المَطَرِ والمَرَضِ، أمر بالتَّيَقُّظ والحَذَر؛ لِئَلاَّ يَهْجم العَدُو عليهم. حديث : روى الكَلْبِيُّ: عن أبي صَالِح، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - نزلت في رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وذَلِكَ أنَّه غَزا مُحَارِباً وبني أنمارٍ، فنزلوا ولا يَرون من العَدُوِّ أحداً، فوضع النَّاس أسْلِحَتَهُم، وخرج رسُول الله صلى الله عليه وسلم لِحَاجَة له قد وضع سِلاحه، حتى قطع الوَادِي والسَّماء تَرُشُّ، فَحَالَ الوادي بَيْنَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصْحَابه؛ فجلس رسُول الله صلى الله عليه وسلم في ظلِّ شجرة، فَبَصُر بِهِ غوْرَث بن الحَارِث المُحَاربي، فقال: قَتَلَنِي الله إن لم أقْتُلْه، ثم انْحَدَر من الجَبَل ومعه السَّيْف، فلم يَشْعُر به رسُول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قَائِمٌ على رَأسِه، ومعه السيف قد سلَّه من غمده، فقال: يا مُحَمَّد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، ثم قال: اللّهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت، ثم أهْوَى بالسَّيف إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم ليضْرِبَهُ، فانكب لوجْهِهِ من زَلْخَةٍ زُلخَها بَيْنَ كَتِفَيْه، وندر سَيْفَه، فقام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه، ثم قال: يا غَوْرَث، من يَمْنَعُك مِنِّي الآن؟ قال: لا أحَد، قال: تَشْهد ألا إله إلاَّ الله، وأن محمَّداً عبده ورسُوله، وأعطيك سَيْفك؟ قال: لا ولكن أشهد ألا أقاتِلك أبَداً ولا أعينُ عليك عدوّاً، فأعطاه رسُول الله صلى الله عليه وسلم سَيْفَه، فقال غَوْرَث: والله أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أجلْ أنا أحَقُّ بذلك مِنْك، فرجَعَ غَوْرَث إلى أصْحَابِه، فقالوا: ويْلَك ما مَنَعَك مِنْهُ، قال: لقد أهْوَيتُ إليه بالسَّيْف لأضربه فوالله ما أدْرِي من زَلَخَنِي بين كَتفي فخررت لوجِْهي، وذكر حَالَه قال: وسكن الوادي، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي وأصْحَابه فأخبرهم الخبر، وقرأ هذه الآية: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ}تفسير : أي: من عدُوِّكم، وقال سعيدُ بن جُبَير عن ابن عبَّاس في هذه الآية: كان عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْف جَرِيحاً. فصل أمر أولاً بأخذ الحَذَر والأسلحة، فَدَلَّ على وُجُوبه، ويؤكِّدُه قوله ههنا: لا جناح عليكم إن كانَ بِكُمْ أذَى من مَطَرٍ أَوْ كنتم مَرْضَى [أن تضعوا أسلحتكم] فخصَّ رفع الجُنَاح في وَضْع السِّلاح بهاتين الحَالَتين، وذلك يَدُلُّ على أنَّ ما عَدَا هَاتَيْن الحَالَتَيْن، يكون الإثْم والجناحُ حَاصِلاً بسبب وضع السِّلاحِ. وقال بعضُهم: إنه سُنَّةٌ مؤكَّدة، ثم الشَّرط: ألاَّ يحمل سِلاحاً نجساً إن أمْكَنة ولا يَحْمِل الرُّمح إلاَّ في طَرف الصَّفِّ، بِحَيْث لا يَتَأذَّى به أحَد. فصل دَلَّت الآيَة على وُجُوب الحَذَر من العَدُوِّ، فتدلُّ على وُجُوب الحَذَرِ عن جَمِيع المَضَارِّ المظْنُونة؛ كالعِلاَج بالدَّوَاء والاحترازِ عَنِ الوَبَاءِ وعن الجُلُوس تَحْتَ الجِدَارِ المَائِل. فصل قالت المُعتَزِلَة: الأمر بالحَذَر يدلُّ على كَوْن العَبْدِ قادراً على الفِعْل والتَّرْكِ، وعلى جميع وجوه الحَذَر، وذلك يَدُلُّ على أنَّ فِعل العَبْد لَيْسَ مَخْلُوقاً للَّه - تعالى -. وجوابه: المُعَارَضَة بِمَسْألة العِلْمِ والدَّاعي. ثم قال - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} أخْبر [- تعالى -] بأنه يُهِينهم ويَخْذُلهم؛ تقوية لقُلُوب المُسْلِمِين.
البقاعي
تفسير : ولما أتم سبحانه وتعالى بيان القصر في الكمية مقروناً بالخوف لما ذكر، وكان حضور النبي صلى الله عليه وسلم مظنة الأمن بالتأييد بالملائكة ووعد العصمة من الناس، وما شهر به من الشجاعة ونصر به من الرعب وغير ذلك من الأمور القاضية بأن له العاقبة؛ بيَّن سبحانه وتعالى حال الصلاة في الكيفية عند الخوف، وأن صلاة الخوف تفعل عند الأنس بحضرته كما تفعل عند الاستيحاش بغيبته صلى الله عليه وسلم، فجوازها لقوم ليس هو صلى الله عليه وسلم فيهم مفهوم موافقة، فقال سبحانه وتعالى: {وإذا كنت} حال الخوف الذي تقدم فرضه {فيهم} أي في أصحابك سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر {فأقمت} أي ابتدأت وأوجدت {لهم الصلاة} أي الكاملة وهي المفروضة {فلتقم طائفة منهم معك} أي في الصلاة ولتقم الطائفة الأخرى وجاه العدو, ويطوفون في كل موضع يمكن أن يأتي منه العدو {وليأخذوا} أي المصلون لأنهم المحتاجون إلى هذا الأمر لدخولهم في حالة هي بترك السلاح أجدر {أسلحتهم} كما يأخذها من هو خارج الصلاة، وسبب الأمر بصلاة الخوف - كما في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه "حديث : أنهم غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلوا قوماً من جهينة فقاتلوا قتالاً شديداً، قال جابر رضي الله تعالى عنه: فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبرئيل عليه الصلاة والسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد فلما حضرت العصر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة" تفسير : الحديث {فإذا سجدوا} يمكن أن يكون المراد بالسجود ظاهره، فيكون الضمير في {فليكونوا} للجمع الذين منهم هذه الطائفة - المذكورين بطريق الإضمار في قوله {وإذا كنت فيهم} وفي {فلتقم طائفة منهم} أي فإذا سجد الذين قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم وهذه الطائفة منهم {من ورائكم} فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى الحراسة {ولتأت طائفة أخرى} أي من الجماعة {لم يصلوا فليصلوا معك} كما صلت الطائفة الأولى، فإن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع الصلاة فلتسلم بالطائفة الثانية، وإن كانت رباعية ولم تصل بكل فرقة جميع الصلاة فلتتم صلاتها، ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى - هكذا حتى تتم الصلاة؛ ويمكن أن يكون المراد بالسجود الصلاة - من إطلاق اسم الجزء على الكل، فكأنه قال: فإذا صلوا، أي أتموا صلاتهم - على ما مضت الإشارة إليه، والضمير حينئذ في "فليكونوا" للطائفة الساجدة، وقوله: {وليأخذوا} يمكن أن يكون ضميره للكل، لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص بالمصلي، لأن غيره لا عائق له عن الأخذ متى شاء، أو ولتأخذ جميع الطوائف الحارسون والمصلون {حذرهم وأسلحتهم} في حال صلاتهم وحراستهم وإتيانهم إلى الصلاة وانصرافهم منها, فجعل الحذر الذي هو التيقظ والتحرز بإقبال الفكر على ما يمنع كيد العدو كالآلة المحسوسة، وخص في استعماله في الصلاة في شأن العدو وخص آخر الصلاة بزيادة لاحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما يفطنون لكونهم في الصلاة بخلاف الآخر، فلهذا خص بمزيد الحذر، وهذا الكلام على وجازته محتمل - كما ترى - لجميع الكيفيات المذكورة في الفقه لصلاة الخوف إذا لم يكن العدو في وجه القبلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا كان في وجه القبلة بأن يحمل الواء على ما واراه السجود عنكم وإتيان الطائفة الأخرى على الإقبال على المتابعة للامام في الأفعال {ولم يصلوا} اي بقيد المتابعة له فيها - والله سبحانه وتعالى الهادي. وما أحسن اتصال ذلك بأول آيات الجهاد في هذه السورة {أية : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} تفسير : [النساء: 71] فهو من رد المقطع على المطلع، ثم علل أمره بهذه الكيفية على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقوياً لترغيبهم في ذلك بإقبال الخطاب عليهم: {ودَّ} أي تمنى تمنياً عظيماً {الذين كفروا} أي باشروا الكفر وقتاً ما، فكيف بمن هو غريق فيه {لو تغفلون} أي تقع لكم غفلة في وقت ما {عن أسلحتكم}. ولما كانت القوة بالآلات مرهبة للعدو ومنكبة قال: {وأمتعتكم} ولما كانت الغفلة ضعفاً ظاهراً، تسبب عنها قوله: {فيميلون} وأشار إلى العلو والغلبة بقوله: {عليكم} وأشار إلى سرعة الأخذن بقوله: {ميلة} وأكده بقوله: {واحدة}. ولما كان الله - وله المنّ - قد رفع عن هذه الأمة الحرج، وكان المطر والمرض شاقين قال: {ولا جناح} أي حرج {عليكم إن كان بكم أذى} أي وإن كان يسيراً {من مطر} أي لأن حمل السلاح حينئذ يكون سبباً لبلّه {أو كنتم مرضى} أي متصفين بالمرض وكأن التعبير بالوصف إشارة إلى أن أدنى شيء منه لا يرخص {أن تضعوا أسلحتكم} أي لأن حملها يزيد المريض وهنا. ولما خفف ما أوجبه أولاً من أخذ السلاح برفع الجناح في حال العذر، فكان التقدير: فضعوه إن شئتم؛ عطف عليه بصيغة الأمر إشارة إلى وجوب الحذر منهم في كل حال قوله: {وخذوا حذركم} أي في كل حالة، فإن ذلك نفع لا يتوقع منه ضرر؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر تشجيعاً للمؤمنين، وإعلاماً بأن الأمر بالحزم إنما هو للجري على ما رسمه من الحكمة في قوله - ربط المسببات بالأسباب، فهو من باب "اعقلها وتوكل" فقال: {إن الله} المحيط علماً وقدرة {أعدَّ} أي في الأزل {للكافرين} أي الدائمين على الكفر، لا من اتصف به وقتاً ما وتاب منه {عذاباً مهيناً *} أي يهينهم به، من أعظمه حذركم الذي لا يدع لهم عليكم مقدماً، ولا تمكنهم معه منكم فرصة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي عياش الزرقي قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} فحضرت، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا السلاح وصففنا خلفه صفين، ثم ركع فركعنا جميعاً، ثم سجد بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد الصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم ثم انصرف. قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين. مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم". وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، فيكون لهم ركعة ركعة ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد الفقير قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ قال الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصفت طائفة وطائفة وجوهها قبل العدو، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فسلم وسلم الذين خلفه وسلم أولئك، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة، ثم قرأ {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير حديث : عن سليمان اليشكري"أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل؟ فقال جابر بن عبد الله: "وعير قريش آتية من الشام حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد. قال: نعم. قال: هل تخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك. قال: فسل السيف، ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالرحيل، وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم، ثم سلم. فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان يومئذ، فأنزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه في قوله {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} قال "هي صلاة الخوف، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، ثم انصرفت الطائفة التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت طائفة فصلوا ركعة ركعة". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني "عن ابن عباس في قوله {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} فهذا في الصلاة عند الخوف، يقوم الإمام ويقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإمام بمن معه ركعة ثم يجلس على هيئته، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون فيقفون موقفهم ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية ثم يسلم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية، فهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة". وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس حديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بذي قرد، فصف الناس صفين، صفاً خلفه وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت حديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوفتفسير : ، قال سفيان: فذكر مثل حديث ابن عباس". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن ثعلبة بن زهدم قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا فقام حذيفة فصف الناس خلفه وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا. وأخرج أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت: حديث : "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بذات الرقاع، فصدع الناس صدعتين. فصفت طائفة وراءه، وقامت طائفة وجاه العدو، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرت الطائفة خلفه، ثم ركع وركعوا وسجد وسجدوا، ثم رفع رأسه فرفعوا، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وسجدوا لأنفسهم سجدة ثانية، ثم قاموا، ثم نكصوا على أعقابهم يمشون القهقهرى حتى قاموا من ورائهم، وأقبلت الطائفة الأخرى فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدته الثانية فسجدوا معه، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعته وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعاً، فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركع بهم ركعة فركعوا جميعاً، ثم سجد فسجدوا جميعاً، ثم رفع رأسه ورفعوا معه، كل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً جداً، لا يألوا أن يخفف ما استطاع، ثم سلم فسلموا، ثم قام وقد شركه الناس في صلاته كلها ". تفسير : وأخرج الحاكم حديث : عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أنه قال "وطائفة من خلفه، وطائفة من وراء الطائفة التي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قعود، وجوههم كلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبرت الطائفتان، فركع فركعت الطائفة التي خلفه والآخرون قعود، ثم سجد فسجدوا أيضاً والآخرون قعود، ثم قاموا ونكصوا خلفه حتى كانوا مكان أصحابهم قعوداً، وأتت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم والآخرون قعود، ثم سلم فقامت الطائفتان كلتاهما فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ركعة وسجدتين" . تفسير : وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي حديث : من طريق صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف "أن طائفة صفت معه وطائفة تجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصلوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد والدارقطني عن أبي بكرةحديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الحوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم فتأخروا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتان ثم سلم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللمسلمين ركعتان ركعتان" . تفسير : وأخرج الدارقطني والحاكم عن أبي بكرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاثاً فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والدارقطني حديث : عن ابن مسعود قال "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفين، صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف مستقبل العدو، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبلوا هؤلاء العدو، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم، فقام هؤلاء إلى مقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق حديث : عروة من مروان "أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم. قال مروان: متى؟ قال: عام غزوة نجد، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة صلاة العصر، فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر الكل، ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي خلفه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت الطائفة التي معه وذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هو ثم قاموا، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى وركعوا معه وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن معه، ثم كان السلام فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعاً، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان، ولكل واحدة من الطائفتين ركعة ركعة" . تفسير : وأخرج الدارقطني حديث : عن ابن عباس قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الخوف، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمنا خلفه صفين، فكبر وركع وركعنا جميعاً الصفان كلاهما، ثم رفع رأسه، ثم خر ساجداً وسجد الصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم، فلما فرغ من سجوده وقام خر الصف المؤخر سجوداً فسجدوا سجدتين ثم قاموا، فتأخر الصف المقدم الذي يليه وتقدم الصف المؤخر فركع وركعوا جميعاً، وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم، فلما قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خر الصف المؤخر سجوداً، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم" . تفسير : وأخرج الدارقطني عن جابرحديث : "أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان محاصراً بني محارب بنخل، ثم نودي في الناس أن الصلاة جامعة، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتين، طائفة مقبلة على العدو يتحدثون وصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم فانصرفوا فكانوا مكان إخوانهم، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ولكل طائفة ركعتان" . تفسير : وأخرج البزار وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: حديث : "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض: لو حملتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم. فقال قائل منهم: إن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم، فاصبروا حتى تحضر فنحمل عليهم جملة. فأنزل الله {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} إلى آخر الآية. وأعلمه بما ائتمر به المشركون، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة، جعل المسلمين خلفه صفين، فكبر فكبروا معه جميعاً، ثم ركع وركعوا معه جميعاً، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه، ثم قام الذين خلفهم مقبلون على العدو، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقام، سجد الصف الثاني ثم أقاموا، وتأخر الصف الذين يلونه وتقدم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ركع ركعوا معه جميعاً، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقعد، قعد الذين يلونه وسجد الصف المؤخر ثم قعدوا، فسجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليهم جميعاً، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض قالوا: لقد أخبروا بما أردنا" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية الرياحي "أن أبا موسى الأشعري كان بالدار من أصبهان وما بهم يومئذ كبير خوف، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فجعلهم صفين. طائفة معها السلاح مقبلة على عدوّها وطائفة وراءها، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم نكصوا على أدبارهم حتى أقاموا مقام الآخرين، وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم، فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة فسلم بعضهم على بعض، فتمت للإمام ركعتان في جماعة وللناس ركعة ركعة". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد قال حديث : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ورآه المشركون يركع ويسجد ائتمروا أن يغيروا عليه، فلما حضرت العصر صف الناس خلفه صفين فكبر وكبروا جميعاً، وركع وركعوا جميعاً، وسجد وسجد الصف الذين يلونه، وقام الصف الثاني الذين بسلاحهم مقبلين على العدوّ بوجوههم، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه سجد الصف الثاني، فلما رفعوا رؤوسهم ركع وركعوا جميعاً وسجد وسجد الصف الذين يلونه، وقام الصف الثاني بسلاحهم مقبلين على العدو بوجوههم، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه سجد الصف الثاني قال مجاهد: فكان تكبيرهم وركوعهم وتسليمه عليهم سواء، وتصافوا في السجود، قال مجاهد: فلم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف قبل يومه ولا بعده" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة حديث : عن علي قال "صليت صلاة الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنه صلاها ثلاثاً" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال حديث : "صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر قبل أن تنزل صلاة الخوف، فتلهف المشركون أن لا يكونوا حملوا عليه فقال لهم رجل: فإن لهم صلاة قبل مغيربان الشمس هي أحب إليهم من أنفسهم، فقالوا: لو قد صلوا بعد لحملنا عليهم، فأرصدوا ذلك، فنزلت صلاة الخوف، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بصلاة العصر" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق أبي الزبيرحديث : عن جابر قال "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلقينا المشركين بنخل فكانوا بيننا وبين القبلة، فلما حضرت صلاة الظهر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع، فلما فرغنا تآمر المشركون فقالوا لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون فقال بعضهم: فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن، وهي أحب إليهم من أبناءهم، فإذا صلوا فميلوا عليهم. فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وعلمه كيف يصلي، فلما حضرت العصر قام نبي الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدو، وقمنا خلفه صفين، وكبَّر نبي الله صلى الله عليه وسلم وكَبَّرنا جميعاً، ثم ذكر نحوه" . تفسير : وأخرج البزار عن عليحديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف "أمر الناس فأخذوا السلاح عليهم، فقامت طائفة من ورائه مستقبلي العدوّ، وجاءت طائفة فصلوا معه فصلى بهم ركعة، ثم قاموا إلى الطائفة التي لم تصل، وأقبلت الطائفة التي لم تصل معه فقاموا خلفه، فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم سلم عليهم، فلما سلم قام الذين قبل العدو فكبروا جميعاً، وركعوا ركعة وسجدتين بعدما سلم" . تفسير : وأخرج أحمد عن جابر قال: حديث : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات قبل صلاة الخوف وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة" . تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} إلى قوله {فليصلوا معك} فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح فيقبلون على العدوّ، والطائفة الأخرى يصلون مع الإمام ركعة، ثم يأخذون أسلحتهم فيستقبلون العدوّ، ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإمام ركعة، فيكون للإمام ركعتان ولسائر الناس ركعة واحدة، ثم يقضون ركعة أخرى، وهذا تمام من الصلاة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {فإذا سجدوا} يقول: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك ففرغت من سجودها {فليكونوا من ورائكم} يقول: فليصبروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم، مصافي العدوّ المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصل معك، ولم تدخل معك في صلاتك. وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى} قال: نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في الآية قال: رخص في وضع السلاح عند ذلك وأمرهم أن يأخذوا حذرهم. وفي قوله {عذاباً مهيناً} قال: يعني بالمهين الهوان. وفي قوله {فإذا قضيتم الصلاة} قال: صلاة الخوف {فاذكروا الله} قال: باللسان {فإذا اطمأننتم} يقول: إذا استقررتم وأمنتم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} قال: بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود. أنه بلغه: أن قوماً يذكرون الله قياماً، فأتاهم فقال: ما هذا؟! قالوا: سمعنا الله يقول {فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} فقال: إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائماً صلى قاعداً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {فإذا اطمأننتم} قال: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة {فأقيموا الصلاة} قال: أتموها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {فإذا اطمأننتم} يقول: إذا اطمأننتم في أمصاركم فأتموا الصلاة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {فإذا اطمأننتم} يقول: فإذا أمنتم {فأقيموا الصلاة} يقول: أتموها. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {فإذا اطمأننتم} يقول: فإذا أمنتم {فأقيموا الصلاة} يقول: أتموها. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {فإذا اطمأننتم} أقمتم في أمصاركم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية {فإذا اطمأننتم} يعني إذا نزل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {فإذا اطمأننتم} قال: بعد الخوف. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} قال: إذا اطمأننتم فصلوا الصلاة، لا تصلها راكباً ولا ماشياً ولا قاعداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} يعني مفروضاً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: الموقوت. الواجب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {كتاباً موقوتاً} قال: مفروضاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {كتاباً موقوتاً} قال: فرضاً واجباً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن {كتاباً موقوتاً} قال: كتاباً واجباً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} قال: قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} قال: منجماً، كلما مضى نجم جاء نجم آخر. يقول: كلما مضى وقت جاء وقت آخر. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، وصلى بي من الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا الوقت وقت النبيين قبلك، الوقت ما بين هذين الوقتين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقت العصر، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الشفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الشفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس ".
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} بـيانٌ لما قبله من النص المُجملِ الواردِ في مشروعية القصرِ بطريق التفريعِ، وتصويرٌ لكيفيته عند الضرورةِ التامةِ. وتخصيصُ البـيانِ بهذه الصورة مع الاكتفاء فيما عداها بالبـيان بطريق السنةِ لمزيد حاجتِها إليه لما فيها من كثرة التغيـيرِ عن الهيئة الأصليةِ، ومن هنا ظهر لك أن مورِدَ النصِّ الشريفِ على المقصورة، وحكمُ ما عداها مستفادٌ من حكمها، والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التجريدِ، وبظاهره يَتعلّق من لا يرى صلاةَ الخوفِ بعده عليه السلام، ولا يخفى أن الأئمةَ بعده نُوّابُه عليه السلام قُوّامٌ بما كان يقوم به فيتناولهم حكمُ الخطابِ الواردِ له عليه السلام كما في قوله تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } تفسير : [التوبة، الآية 103] وقد روي أن سعيدَ بنَ العاصِ لما أراد أن يصليَ بطَبْرستانَ صلاةَ الخوفِ قال: من شهِد منكم صلاةَ الخوفِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقام حُذيفةُ بنُ اليمانِ رضي الله عنه فوصف له ذلك فصلّىٰ بهم كما وصَف، وكان ذلك بحضرة الصحابةِ رضي الله عنهم فلم يُنْكِرْه أحدٌ فحل محلَّ الإجماعِ. وروي في السنن أنهم غزَوْا معَ عبد الرحمٰن بنِ سَمُرةَ كابُل فصلى بهم صلاةَ الخوفِ {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} أي أردت أن تقيم بهم الصلاة. {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ} بعد أن جعلتَهم طائفتين ولتقِف الطائفةُ الأخرى بإزاء العدوِّ ليحرسوكم منهم، وإنما لم يصرَّحْ به لظهوره {وَلْيَأْخُذُواْ} أي الطائفةُ القائمة معك {أَسْلِحَتَهُمْ} أي لا يضعوها ولا يُلْقوها إنما عبّر عن ذلك بالأخذ للإيذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخُذونها ابتداءً {فَإِذَا سَجَدُواْ} أي القائمون معك وأتمّوا الركعة {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ} أي فلينصرِفوا إلى مقابلة العدوِّ للحراسة {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ} بعدُ، وهي الطائفةُ الواقفة تجاه العدوِّ للحراسة وإنما لم تُعرَفْ لما أنها لم تُذكرْ فيما قبل {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} الركعةَ الباقيةَ، ولم يبـيِّنْ في الآية الكريمة حالَ الركعةِ الباقيةِ لكل من الطائفتين، وقد بُـيِّن ذلك بالسنة حيث روي عن ابن عمر وابنِ مسعود رضي الله عنهم أن النبـي صلى الله عليه وسلم حين صلىٰ صلاةَ الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعةً وبالطائفة الأخرى ركعةً كما في الآية الكريمة، ثم جاءت الطائفةُ الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدوِّ حتى قضت الأولى الركعة الأخيرةَ بلا قراءة وسلّموا، ثم جاءت الطائفةُ الأخرى وقضَوا الركعةَ الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان {وَلْيَأْخُذُواْ} أي هذه الطائفة {حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} لعل زيادة الأمرِ بالحذرِ في هذه المرة لكونها مظِنّةً لوقوف الكَفَرة على كون الطائفةِ القائمةِ مع النبـي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحرب، وتكليفُ كلَ من الطائفتين بما ذكر لما أن الاشتغالَ بالصلاة مظنةٌ لإلقاء السلاحِ والإعراض عن غيرها، ومظِنةٌ لهجوم العدوِّ كما ينطِقُ به قوله تعالى: {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً} فإنه استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل الأمرِ المذكورِ والخطابُ للفريقين بطريق الالتفاتِ أي تمنَّوا أن ينالوا منكم غِرّةً وينتهزوا فرصةً فيشدّوا عليكم شدةً واحدةً، والمرادُ بالأمتعة ما يُتمتع به في الحرب لا مطلقاً، وهذا الأمرُ للوجوب لقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ} حيث رُخّص لهم في وضعها إذا ثقُل عليهم استصحابُها بسبب مطرٍ أو مرضٍ، وأُمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياطِ فقيل: {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} لئلا يهجُمَ العدوُّ عليكم غِيلةً. روى الكلبـي عن أبـي صالح «حديث : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غزا محارباً وبني أنمار فنزلوا ولا يرَوْن من العدو أحداً فوضع الناسُ أسلحتَهم وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له وقد وضَع سلاحَه حتى قطع الواديَ والسماءُ ترُشّ فحال الوادي بـينه عليه السلام وبـين أصحابِه فجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فبصُرَ به غَوْرَثُ بنُ الحارثِ المحاربـي فقال: قتلني الله إن لم أقتلْك، ثم انحدر من الجبل ومعه السيفُ فلم يشعُرْ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا هو قائمٌ على رأسه وقد سل سيفَه من غِمْدِهِ فقال: يا محمد من يعصِمك مني الآن؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الله عز وجل" ثم قال: "اللهم اكفِني غَوْرَثَ بنَ الحارث بما شئت" ثم أهوى بالسيفِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ليضرِبه فأكبَّ لوجهه من زلخة زلخها بـين كتفيه فبدر سيفه فقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال: "يا غَوْرَثُ من يمنعك مني الآن؟" قال: لا أحد، قال عليه الصلاة والسلام: "تشهدُ أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً عبدُه ورسولُه وأعطيك سيفَك؟"، قال: لا، ولكن أشهد أن لا أقاتِلَك أبداً ولا أُعينَ عليك عدواً، فأعطاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سيفَه فقال غورثُ: والله لأنت خيرٌ مني، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أحقُّ بذلك منك"» تفسير : فرجَع غَوْرَثُ إلى أصحابه فقصَّ عليهم قِصتَه فآمن بعضُهم، قال: وسكن الوادي فقطع عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأخبرهم بالخبر. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} تعليلٌ للأمر بأخذ الحذرِ أي أعد لهم عذاباً مهيناً بأن يخذُلهم وينصُرَكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تُهمِلوا في مباشرة الأسباب ليحِلَّ بهم عذابُه بأيديكم، وقيل: لما كان الأمرُ بالحذر من العدو مُوهماً لتوقّع غلبتِه واعتزازِه نُفي ذلك الإيهامُ بأن الله تعالى ينصُرهم ويُهين عدوَّهم لتقوىٰ قلوبُهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} [الآية: 102]. قال الحسين: ليس لله مقام ولا شهود فى ناديه ولا استهلال فى حيزه ولا ذهول فى عظمه، يقطع عن آداب الشريعة ولا له مقام وقف فيه الموحدين أشهدهم فصبّح أن جزنا بها عليهم علمًا للغير لا له ومما يصحح هذا قوله: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، فجعل إقامته للصلاة أدبًا لهم وهو فى الحقيقة فى عين الحصول لا يرجع إلى غير الحق فى متصرفاته، ولا يشهد سواه فى سعاياته، وقال بعضهم: ما دمت فيه فإن الصلاة تكون قائمة، وإذا غبت فالصلاة آتية أيضًا كما قال: { أية : وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} تفسير : [التوبة: 54].
القشيري
تفسير : تدل هذه الآية على أن الصلاة لا ترتفع عن العبد ما دام فيه نَفَسٌ من الاختيار لا في الخوف ولا في الأمن، ولا عند غلبات أحكام الشرع إذا كنت بوصف التفرقة، ولا عند استيلاء سلطان الحققة إذا كنتَ بعين الجمع.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} بين الله سحانه ان واجبات العبودية لا تسقط عن العبد ما دام فيه الرمق اما فى الخوف واما فى الامن ومن تاه فى الوجد وهام فى الغلبة فهو مجنون العشق خارج عن مراتب التمكين وذلك علة له حيث ضعف فى الوجد عن حمل واراد الشرع لان سلاطن الشرع حق الله وسلطان الوجد حظ العبد وسلطان الله غالب على ما دونه لذلك ام سيد الرسل والانبياء والاولياء باقامة الصلوة فى مقام الاضطراب والتلوين والامتحان وهو سائح بحر المشاهدة واصحابه فرسان ميادين فى مقام الخوف والاشارة فيه اى اذا كنت بينهم فيكون الصلاة على وقف مراد الله من العباد وايضا اذا كنت فيهم فالصلاة ترجع اليهم واذا غبت عنهم فالصلاة ترجع الينا لانهم فى البداية فى رؤية الوسيلة وفى النهاية فى اسقاط الوسيلة وايضا اذا كنت فيهم اشتغلت بتاديبهم واذا غبت عنهم اشتغلت بنا فالشرع خفى على العباد وخفى لك حجاب لحق مشاهدة الشرع فى مواطن القرب بقوله انه ليفان على قلبى اى شغلى بكم حين قلبى يمنعنى من حظ مشاهدتى من الله وايضا اى اذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة لانك تدرى ان ساحة كبريائى مقدس عن وقوف المصلين وشعرية بحار قدمى منزهة عن ورد الواردين فالعبودية ترجع الى العباد والربوبية ترجع الى عظمتى وكبريائى وايضا اذا كنت مشغولا بمشاهدة جمال وتسبح فى بحار عظمتى فتصيف عالم الخدمة اتليهم فانك غائب بسترك فى عينى وغيب غيبى وجلال مشاهدة ازلى وسقط عنك ما اوجبت على الغير وهذا موضع خاصة عليه الصلاة والسلام الذى قال عليه الصلاة والسلام الى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل قال الحسين بن منصور وليس لله مقام ولا شهود فى نادى فى استهلاك فى حيرة ولا ذهول فى عظمته تقطع عن اداب الشريعة ولا له مقام اوقف فيه الموحدين اشهدهم الشريعة ان جريانها عليها علما للغير لا لهم ومما يصح هذا قوله فاذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة فجعل اقامته الصلاة ادبالهم وهو فى الحقيقة فى عين الحصول لا يرجع الى غير الحق فى متصرفاته ولا تشهد سواه فى سعاياته وقال بعضهم ما دمت فهيم فان الصلاة تكون قائمة واذا غبت فالصلاة اتية اليها كما قال لا يتاتون الصلاة الا وهم كسالى.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا كنت} يا محمد {فيهم} اى مع المؤمنين الخائفين {فاقمت لهم الصلوة} اى اذا اردت ان تقيم بهم الصلاة. قال ابن عباس لما رأى المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه قاموا الى صلاة الظهر وهو يؤمهم وذلك فى غزوة ذات الرقاع ندموا على تركهم الاقدام على قتالهم فقال بعضهم دعوهم فان لهم بعدها صلاة هى احب اليهم من آبائهم واولادهم واموالهم يريدون صلاة العصر فان رأيتموهم قاموا اليها فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبرائيل عليه السلام بهؤلاء الآيات بين الصلاتين فعلمه كيفية اداء صلاة الخوف واطلعه الله على قصدهم ومكرهم ذهب الجمهور الى ان صلاة الخوف ثابتة مشروعة بعده صلى الله عليه وسلم فى حق كل الامة غايته انه تعالى علم رسو الله صلى الله عليه وسلم كيفية اداء الصلاة حال الخوف لتقتدى به الامة فيتناولهم الخطاب الوارد له عليه السلام. قال فى الكشاف ان الائمة نواب عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى كل عصر قوام بما كان يقوم به فكان الخطاب له متناولا لكل امام يكون حاضرا بجماعة فى حال الخوف عليه ان يؤمهم كما ام رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماعات التى كان يحضرها ألا يرى ان قوله تعالى {أية : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} تفسير : [التوبة: 103]. لم يوجب كونه عليه السلام مخصوصا بها دون غيره من الائمة بعده فكذا صلاة الخوف فاندفع قول من قال صلاة الخوف مخصوصة بحضرة الرسول عليه السلام حيث شرط كونه بينهم {فلتقم طائفة منهم معك} بعد ان جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الاخرى بازاء العدو ليحرسوكم منهم {وليأخذوا} اى الطائفة القائمة معك وهم المصلون {اسلحتهم} اى لا يضعوها ولا يلقوها وانما عبر عن ذلك بالاخذ للايذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخذونها ابتداء {فاذا سجدوا} اى القائمون معك واتموا الركعة {فليكونوا من ورائكم} اى فلينصرفوا الى مقابلة العدو للحراسة {ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا} بعد وهى الطائفة الواقفة تجاه العدو للحراسة {فليصلوا معك} الركعة الباقية ولم يبين فى الآية الكريمة حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين وقد بين ذلك بالسنة حيث روى عن ابن عمر وابن مسعود ان النبى عليه السلام حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الاولى ركعة وبالطائفة الاخرى ركعة كما فى الآية ثم جاءت الطائفة الاولى وذهبت هذه الى العدو حتى قضت الاولى الركعة الاخرى بلا قراءة وسلموا ثم جاءت الطائفة الاخرى وقضوا الركعة الاولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان هذا اذا كان مسافرا او فى الفجر لان الركعة الواحدة شطر صلاته واما اذا كان مقيما او فى المغرب فيصلى بالطائفة الاولى الركعتين لانهما الشطر. وفى الكافى لو اخطأ الامام فصلى بالاولى ركعة وبالثانية ركعتين اى فى المغرب فسدت صلاة الطائفتين. وتفصيل كيفية الصلاة عند الخوف من عدو او سبع كفى مؤونته باب الصلاة الخوف فى الفروع فارجع اليه {وليأخذوا} اى هذه الطائفة {حذرهم} وهو التحذر والتيقظ {واسلحتهم}. ان قلت الحذر من قبيل المعانى فكيف يتعلق الاخذ الذى لا يتعلق الا بما هو من قبيل الاعيان كالسلاح. قلت انه من قبيل الاستعارة بالكناية فانه شبه الحذر بآلة يستعملها الغازى وجعل تعلق الاخذ به دليلا على هذا التشبيه المضمر فى النفس فيكون استعارة تخييلية ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز من حيث ان اسناء الاخذ الى الاسلحة حقيقة والى الحذر مجاز وذلك لان الاخذ على حقيقته وانما المجاز ايقاعه فافهم ولعل زيادة الامر بالحذر فى هذه المرة كونها مظنة لوقوف الكفرة على كون كون الطائفة القائمة مع النبى عليه السلام فى شغل شاغل واما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحرب وتكليف كل من الطائفتين باخذ الحذر والاسلحة لما ان الاشتغال بالصلاة مظنة لالقاء السلاح والاعراض عن ذكرها ومئنة لهجوم العدو كما ينطق به ما بعد الآية. قال الامام الواحدى فى قوله تعالى {وليأخذوا حذرهم} رخصة للخائف فى الصلاة لان يجعل بعض فكره فى غير الصلاة {ود الذين كفروا لو تغفلون عن اسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} الخطاب للفريقين بطريق الالتفات اى تمنوا ان ينالوا منكم غرة وينتهزوا فرصة فيشدوا عليكم شدة واحدة والمراد بالامتعة ما يتمتع به فى الحرب لا مطلقا {ولا جناح عليكم ان كان بكم اذى من مطر او كنتم مرضى ان تضعوا اسلحتكم} رخصة لهم فى وضع الاسلحة ان ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر او يضعفهم من مرض وهذا يؤيد ان الامر بالاخذ للوجوب دون الاستحباب. وقال الفقهاء حمل السلاح فى صلاة الخوف مستحب لان الحمل ليس من اعمال الصلاة والامر فى قوله تعالى {وليأخذوا حذرهم واسلحتهم} محمول على الندب {وخذوا حذركم} امرهم مع ذلك باخذ الحذر اى بالتيقظ والاحتياط لئلا يهجم عليهم العدو غيلة. قال ابن عباس رضى الله عنهما "حديث : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم محاربا ببنى انمار فهزمهم الله تعالى فنزل النبى عليه الصلاة والسلام والمسلمون ولا يرون من العدو احدا فوضعوا اسلحتهم وخرج رسول الله يمشى لحاجة له وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادى والسماء ترش فحال الوادى بينه عليه السلام وبين اصحابه فجلس فى اصل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربى فانحدر من الجبل ومعه السيف وقال لاصحابه قتلنى الله ان لم اقتل محمدا فلم يشعر رسول الله الا وهو قائم على رأسه وقد سل سيفه من غمده فقال يا محمد من يعصمك منى الآن فقال عليه السلام "الله عز وجل" ثم قال "اللهم اكفنى غورث ابن الحارث بما شئت" ثم اهوى بالسيف الى رسول الله ليضربه فانكب على وجهه من زلخة زلخها بين كتفيه فندر سيفه فقام رسول الله فاخذه ثم قال "يا غورث من يمنعك منى" قال لا احد قال عليه السلام "تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله واعطيك سيفك" قال لا ولكن اشهد ان لا اقاتلك ابدا ولا اعين عليك عدوا فاعطاه سيفه فقال غورث والله لانت خير منى فقال عليه السلام "انا احق بذلك منك" فرجع غورث الى اصحابه فقص عليهم قصته فآمن بعضهم قال وسكن الوادى فرجع رسول الله الى اصحابه واخبرهم بالخبر " .تفسير : {ان الله اعد للكافرين عذابا مهينا} تعليل للامر باخذ الحذر اى اعد لهم عذابا مهينا بان يخذلهم وينصركم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا فى مباشرة الاسباب كى يحل بهم عذابه بايديكم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا كنت فيهم} أيه الرسول {فأقمت لهم الصلاة}، أي: صلاة الخوف، وكذلك الأمراء النائبون عنه، {فلتقم طائفة منهم معك}، وطائفة تقف وجَاهَ العدو للحراسه، {وليأخذوا أسلحتهم} أي: المصلون معك، {فإذا سجدوا فليكونوا} أي: الطائفة الحارسة {من ورائكم} فإذا صلَّت نصفَ الصلاة مع الإمام، قضت في صلبه ما بقي لها وذهبت تحرس. {ولتأت طائفة أخرى لم يُصلوا فليُصلوا معك} النصف الباقي، فإذا سلمتَ، قضوا ما بقي لهم، فإذا كانت ثنائية: صلَّى بالأولى ركعةَ، وَثَبَتَ قائمًا ساكتًا أو قارئًا، ثم تصلي من صلت معه ركعة وتسلم، وتأتي الثانية فتكبر، فيُصلِي بها ركعةً ويسلم وتقضي ركعة. واذا كانت رباعية، أو ثلاثية صلى بالأولى ركعتين، ثم تقوم الأولى فتصلي ما بقي لها وتسلم وتأتي الثانية فتكبر وتصلي معه ما بقي له، ثم تقضي ما بقي لها، هكذا قاله مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يصلي بالأولى ركعّة، ثم تتأخر وهي في الصلاة، وتأتي الثانية فيصلي بها ركعة، فإذا سلَّم ذهبت مكان الأولى قبل سَلاَمها، فتأتي الأولى فتصلي ركعة ثم تُسلَّم، وتأتي الثانية فتصلي ركعية ثم تُسلَّم. وفي صلاة الخوف عشرة أقوال على حسب الأحاديث النبوية، لأنها تعدَّدت منه صلى الله عليه وسلم، فكل واحد أخذ بحديث، وما قاله مالك والشافعي هو الذي فعله ـ عليه الصلاة والسلام ـ في غزوة ذات الرقاع. ثم أمر الطائفة الحارسة بأخذ السلاح، والحذر من العدو فقال: {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم}، ثم ذكر عِلَّةَ الحذر فقال: {ودّ الذين كفروا لو تَغْفُلُون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} أي: تمنوا أن ينالوا منكم غرة، فيشدون عليكم شدة واحدة فيستأصلونكم. رُوِي أن المشركين لما رأوا المسلمين صلوا صلاة الظهر ندموا أن لو كانوا أغاروا عليهم في الصلاة، ثم قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة هي إليهم أحب من آبائهم وأبنائهم ـ يعنون صلاة العصرـ، فلما قام النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لصلاة العصر نزل جبريلُ بصلاة الخوف. ثم رخَّص لهم في وضع السلاح، لعذرٍ فقال: {ولا جناح عليكم} أي: لا إثم {إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم} منهم بالحراسة. رُوِي أنها نزلت في عبد الرحمن بن عوف، مَرِضَ فوضع سلاحه، فعنَّفه أصحابُه، فنزلت الآية. ثم هوَّن شأن الكفار بعد أن أمر بالحذر منهم فقال: {إن الله أعد للكافرين عذابًا مهينًا} في الدنيا والآخرة. قال البيضاوي: وعد المؤمنين بالنصرة على الكفار، بعد الأمر بالحذر، ليقوي قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل إن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبير.هـ. الإشارة: إذا كنت في جند الأنوار، وأحدَقَت بك حضرة الأسرار، ثم نزلتَ إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فلتقم طائفة من تلك الأنوار معك، لتحرسك من جيش الأغيار وجند الأكدار، حتى يكون رجوعُك إلى الآثار مصحوبًا بكسوة الأنوار وحليلة الاستبصار، فيكون رجوعك إليها بالله لا بنفسك، فإذا سجد القلبُ في الحضرة كانت تلك الأنوار من ورائه والأسرار من أمامه، {أية : وَاللهُ مِن وَرَآئِهِم مُحِيطُ }تفسير : [البُرُوج:20]، ولتأت طائفة أخرى لم تصل هذه الصلاة؛ لأنها لم تبلغ هذا المقام، فلتصل معك اقتباسًا لأنوارك، لكن تأخذ حذرها وتستعد من خواطر الأشغال، كي لا تميل عليهم فتفتنهم عن الحضور مع الكبير المتعال، فإن كان مريض القلب بالهوى وسائر العلل، فلا يكلف من الحضور إلا ما يطيقه، لأن القط لا يكلف بحمل الجمل. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : قوله {إذا كنت فيهم} معناه في الضاربين في الارض من أصحابك يا محمد الخائفين عدوهم أن يفتنوهم، فأقمت لهم الصلاة يعني أتممت لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها، ولم تقصرها القصر الذي يجب في صلاة شدة الخوف من الاقتصار على الايماء. فلتقم طائفة من أصحابك الذين كنت فيهم معك في صلاتك وليكن سائرهم في وجه العدو. ولم يذكر ما ينبغي أن تفعله الطائفة غير المصلية لدلالة الكلام عليه {وليأخذوا أسلحتهم} قال قوم: الفرقة المامورة بأخذ السلاح هي المصلية مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والسلاح مثل السيف يتقلد به والخنجر يشده إلى درعه وكذلك السكين ونحو ذلك من سلاحه وهو الصحيح. وقال ابن عباس الطائفة المأمورة بأخذ السلاح هي التي بازاء العدو دون المصلية، فاذا سجدوا يعني الطائفة التي قامت معك مصلية بصلاتك، وفرغت من سجودها فليكونوا من ورائكم يعني فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم مصافين للعدو. وعندنا انهم يحتاجون أن يتموا صلاتهم ركعتين، والامام قائم في الثانية ثم ينصرفون إلى موضع أصحابهم ويجيء، الآخرون فيستفتحون الصلاة فيصلي بهم الامام الركعة الثانية، ويطيل تشهده حتى يقوموا فيصلوا بقية صلاتهم ثم يسلم بهم الامام. ومن قال: إن صلاة الخائف ركعة، قال: الأولون إذا صلوا ركعة فقد فرغوا. وكذلك الفرقة الثانية. وروى ذلك أبو الجارود عن أبي جعفر (ع). ورواه مسلمة عن أبي عبد الله (ع) وهذا عندنا انما يجوز في صلاة شدة الخوف. وفي الناس من قال: ان النبي (صلى الله عليه وسلم) يسلم بهم ثم يقومون فيصلون تمام صلاتهم. وقد بينا اختلاف الفقهاء في مسائل الخلاف في صلاة الخوف. وقوله: {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} يعني الطائفة الثانية يأخذون السلاح والحذر في حال الصلاة. وذلك يبين ان المأمورة بأخذ السلاح في الأول هم المصلون دون غيرهم. وقوله: {ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم} معناه تمنى الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم وتشتغلون عن أخذها تأهباً للقتال وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها {فيميلون عليكم ميلة واحدة} معناه يحملون عليكم، وأنتم متشاغلون بصلاتكم عن أسلحتكم، وأمتعتكم حملة واحدة فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم، ويستبيحون عسكركم، وما معكم. والمعنى لا تشاغلوا باجمعكم بالصلاة عند مواقفة العدو، فتمكنوا عدوكم من أنفسكم، وأسلحتكم، ولكن أقيموها على ما بينت. وخذوا حذركم باخذ السلاح. ومن عادة العرب أن يقولوا: ملنا عليهم بمعنى حملنا عليهم. قال العباس بن عبادة بن نصلة الانصاري لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليلة العقبة الثانية: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن غداً على أهل منى باسيافنا فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)حديث : لم نؤمر بذلكتفسير : يعني في ذلك الوقت وقوله: {ولاجناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم} معناه لا جرم عليكم ولا اثم إن كان بكم أذى من مطر يعني إن نالكم من مطر، وأنتم مواقفو عدوكم، أو كنتم مرضى يعني أعلاء، أو جرحى ان تضعوا اسلحتكم إذا ضعفتم عن حملها، لكن إذا وضعتموها، فخذوا حذركم. يعني احترسوا منهم أن يميلوا عليكم وأنتم غافلون غارون، ثم قال: {إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً} يعني عذاباً مذلا يبقون فيها أبداً. وقيل {وإن كنتم مرضى} نزلت في عبد الرحمن بن عوف وكان جريحاً. ذكره ابن عباس. واللام في قوله: {فلتقم} لام الأمر وهي تجزم الفعل. ومن حقها أن تكون مكسورة إذا ابتدىء بها. وبنو سليم يفتحونها. يقولون: ليقم زيد. كما تنصب تميم لام كي يقولون جئت لآخذ حقي. فاذا اتصلت بما قبلها من الواو والفاء جاز تسكينها وكسرها. ذكره الفراء. وقال: {طائفة أخرى} ولم يقل: آخرون، ثم قال: {لم يصلوا فليصلوا معك} ولم يقل: فلتصل معك حملا للكلام تارة على اللفظ وأخرى على المعنى كما قال: {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} تفسير : ولو قال: اقتتلنا لكان جائزاً ومثله{أية : فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة }تفسير : وفي قراءة أبي: حق عليه الضلالة ومثله {أية : نحن جميع منتصر} تفسير : ولم يقل منتصرون ومثله كثير. وفي الآية دلالة على نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم). وذلك ان الآية نزلت والنبي (صلى الله عليه وسلم) بعسفان والمشركون بضجنان، فتواقفوا فصلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بأصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع، والسجود فهم بهم المشركون أن يغيروا عليهم، فقال بعضهم: لهم صلاة أخرى أحب إليهم من هذه يعنون العصر، فأنزل الله عليه الآية فصلى بهم العصر صلاة الخوف، ويقال: إنه كان ذلك سبب اسلام خالد بن الوليد، لأنه كان هم بذلك فعلم أنه ما أطلع النبي (صلى الله عليه وسلم) على ما هموا به غير الله تعالى فأسلم وفي الناس من قال: من حكم صلاة الخوف اختص به النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال آخرون - وهوالصحيح - انه يجوز لغيره.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} حين المسافرة والخوف {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} بان تؤمّهم {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} للصّلوة {مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} اى الطّائفة الغازية المستفادة التزاماً او الطّائفة المصليّة {فَإِذَا سَجَدُواْ} اى الطّائفة المصلّية {فَلْيَكُونُواْ} اى الطّائفة الغازية {مِن وَرَآئِكُمْ} ايّتها الطّائفة المصلّية {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ} بعد ما انتظرتهم فى القيام الثّانى واتمّ الطّائفة المصلّون معك صلوتهم وذهبوا الى مواقفهم {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} بان يأتّموا بك فى القيام وتنتظرهم فى القعود حتّى يتّموا صلوتهم بالاتيان بالرّكعة الاخرى ثمّ تسلّم عليهم بعد لحوقهم بك فى القعود {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ} اى الطّائفة الّذين صلّوا ووقفوا مواقف غير المصّلين او الطّائفة المشغولة بالصّلوة {وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً} استيناف فى موضع التّعليل {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} لثقل الاسلحة {أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ} فتضعفوا عن الحمل {أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ} لمّا بالغ فى التّيقّظ والحذر واخذ الاسلحة فى كلّ حال اوهم ان لا يجوز وضع الاسلحة بحالٍ فرفعه {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} لكن مع ذلك لا تخرجوا من طريق الحزم {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} على ايديكم ولذا يأمركم بالحزم واخذ السّلاح حتّى لا تستأصلوا فيعذّبهم بكم وعلى هذا صحّ اخراجه مخرج التّعليل، وان كان نزول الآية فى غزوة الحديبية او ذات الرّقاع فلا ينافى عموم حكمها.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا كُنتَ فِيهِم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَآئفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَليَأَخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ وَلتَأتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَليَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}: لكن فى هذا القول تبقى أن بلا جواب مذكور، ولا مدلول عليه بما قبلها، أو مستغنى عنه بما قبله، كما دل عليه أو غنى عنه ما قبلها فى غير هذا القول، فيقدر هكذا إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وأردتم الصلاة فرادى فصلوا، كما أمكنكم من التخفيف، او فخذوا حذركم لأن الذين كفروا كانوا لكم عدوا مبينا، واذا كنت فيه الآية أى كنت اماما، ومثله ما اذا قمتم غيره صلى الله عليه وسلم، لأنا مخاطبون بخطابه وثواب عنه، الا اذا قام دليل الخصومة بهذا يرد على من خص صلاة الخوف برسول الله صلى الله عليه وسلم متمسكا بقوله تعالى: {أية : وإِذا كنت فيهم }تفسير : لفضل الجماعة الذين يصلون وراءه على غيرهم كأبى يوسف، والحسن بن زياد، ومن أصحاب أبى حنيفة. وقال المزنى من أصحاب الشافعى: كانت له ولغيره، ثم نسخت والجمهور على أنها لم تنسخ، وأنها له صلى الله عليه وسلم، ولنا وقد صلاها على بأصحابه ليلة، وكذا أبو موسى الأشعرى، وصلاها حذيفة بن اليمانى بطبرستان، ولا مخالف لهم، وذلك منهم تبع له صلى الله عليه وسلم، اذ قال: "حديث : صلوا كما رأيتمونى أصلى "تفسير : واذ قال الله: {أية : فاتبعوه }تفسير : وقد قال الله تعالى: {أية : خذ من أموالهم صدقة }تفسير : فكانت الأئمة تأخذها، فليس اذا كنت فيهم شرطا، بل بيانا ليفعلوا كما فعل، وليس السفر شرطا أيضا فى صلاة الخوف، ولو جعلنا ذكر السفر من صلاة السفر عند الجمهور لأنه انما ذكر السفر لأنه الذى هو مظنة الخوف غالبا، ولأنه سبب نزول الآية. قال ابن عباس، وجابر: حديث : ان المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا الى الظهر يصلون جميعا، فندموا وقالوا: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، فلو شددتم عليهم وقد أصبتم منهم غزة؟ فقال بعضهم لبعض: ان لهم بعدها صلاة هى أحب اليهم من آبائهم وأبنائهم، ويرى آبائهم وأمهاتهم يعنى صلاة العصر، فاذا كانوا فيها فشدوا عليهم، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين صلاة الخوف: {ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}تفسير : الآية أو من قوله: أية : {واذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم }تفسير : الآية، وأخبرهم الله تعالى بتمنيهم أن يشدوا عليهم فى الصلاة وقال: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلَحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً}: أى متأصلة لكم، فهى على أخذ السلاح، ومعنى {فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاة}: فأردت اقامة الصلاة لهم، أى أردت أن تصلى بهم صلاة مستقيمة شرعية، نزل جبريل بالآية فعلمه صلاة الخوف، فصلى العصر صلاة الخوف. وعن أبى عياش: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فصلينا الظهر فقال المشركون: لقد أصبنا غرة أى غفلة، كما فى لفظ آخر: لو حملنا عليهم وهم فى الصلاة فنزلت الآيةتفسير : ، والمعنى اذا كنت يا محمد فى أصحابك شاهدا معهم القتال، ومعنى {فَلْتَقُمْ طَآئفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَك}: اجعل أصحابك طائفتين احداهما تقوم معك فى الصلاة تصلى بها، وطائفة تقابل العدو، ولتأخذ الطائفة التى تصلى معك أسلحتهم حزما لئلا يكون ما يغلب الذين قابلوا العدو، ولا ينقض صلاتهم مس الحديد والنحاس من سيوفهم لأجل الضرورة، ولكن يأخذون ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، ولا يضر من بجنبهم، فلا يأخذ الرمح لأنه يضر، ولا الترس الكبير لأنه يشغل عن الصلاة، والضمير فى: وليأخذوا أسلحتهم للطائفة التى يصلى بها، ثم انه لا مانع من كون الآخذ أن يكون سلاح كل واحد بحيث لا يفوته العدو به ولا بحجزه عنه، مثل أن يمد أيضا رماحهم على طول الصف، بحيث لا يضرون أحدا بها، وسائر سلاحهم، ولكن تعليق ما أمكن تعليقه أولى. وقيل: الضمير فى وليأخذوا أسلحتهم للطائفة الأخرى ولو لم تذكر، لأن الأولى تدل عليها، ثم رأيت هذا التعليل للقاضى، وذلك أنها ليست فى الصلاة، وقد ندبت للحراسة، ولا مانع من رد الضمير الى الطائفتين معا، فهو عائد الى جملة من هو فيهم، كما قال: {أية : واذا كنت فيهم } تفسير : والضمير فى قوله: {فَإِذَا سَجَدُوا} عائد الى الطائفة الأولى القائمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والضمير فى قوله: {فَلْيَكُونُوا} عائد الى الطائفة الأخرى التى جعلت لمقابلة العدو، وليست فى الصلاة، والخطاب فى {مِن وَرَائِكُمْ} لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والطائفة الأولى التى يصلى بها أولا وخاطبها تغليبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والا فقد ذكرت بغيبة فى قوله: فلتقم الطائفة، وقوله: سجدوا، أمر الطائفة الأخرى أن تكون من وراء الطائفة الأولى التى تصلى معه صلى الله عليه وسلم، يحرسونهم من العدو، ومعنى {فَإِذَا سَجَدُوا}: فاذا شرعوا فى الصلاة سمى الصلاة سجودا أو اذا سجدوا للأرض، لأن السجود مظنة الغفلة، ويجوز أن تكون الواو فى {فَلْيَكُونُوا} للطائفة الأولى القائمة، فيكون معنى سجدوا: فرغوا من الصلاة، أى فاذا صلوا ما يصلون معك، وكأنه قيل: فاذا فرغوا مما يصلون خلفك. والخطاب فى {مِن وَرَائِكُمْ} على هذا الوجه الأخير للطائفة الأخرى، خوطبت تغليبا لخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت انما تذكر بعد فى قوله: {وَلتَأتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى} لأنه قد جرى لها ذكر فى الجملة لدخولها فى قوله: فيهم ولهم ومنهم. مع دلالة ذكر الطائفة الأولى عليهم، والطائفة هذه التى لم تصل، وكانت قد قابلت العدو للحراسة، أمرها الله أن تأتى وتصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال: {وَلتَأتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} وجملة لم يصلوا نعت طائفة، وأمرها الله أن تأخذ حذرها وسلاحها، مع أنها فى الصلاة، كما أمر الأولى بأخذ السلاح، وذلك قوله: {وَليَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} ويجوز أن يكون الضمير فى {وَليَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} للطائفة الأولى التى صلت لتقابل العدو، أو للطائفتين معا، واذا أعيد للثانية التى لم تصل فأخذ الأولى حذرها وسلاحها معلوم الوجوب من المقام، لأنه مقام الكلام على العدو، ولأنه اذا وجب عليهم أخذ السلاح مع أن الصلاة ليست محل حمل سلاح، فأولى أن يجب أخذه خارج الصلاة. ومعنى أخذ الحذر: الكون على الحذر، شبه الحذر بجسم يؤخذ ودل على ذلك باثبات الأخذ، وذلك من قبيل عموم المجاز المتخرج به عن استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، لأن أخذ السلاح حقيق، ولك أن تقدر أخذا وأخر السلاح حقيقة، وتجعل المذكور مجازا فى الأول، وللخائف أن يجعل بعض فكره فى غير الصلاة، كما دل عليه، وليأخذوا حذرهم مثل أن يتحقق بالاستماع الى شىء سمع أو رأى أمارته، أو يلتفت قليلا للضرورة اذا احتاج لذلك، ولا بد وذكر الحذر ثانيا، ولم يذكره أولا لأنه يظهر للمشركين أن للطائفة فى الصلاة فضل ظهور اذا سجدوا، أو لأنه اذا جاءت الطائفة المقابلة، وذهبت للقتال التى كانت تصلى، ظن المشركون اضطراب المسلمين واقعا، أو ظنوا الجائية هاربة، والله جل وعلا أمر الطائفتين أن تصلى كل واحدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة بعد أخرى، ومتى كانت احداهما فى الصلاة فالأخرى فى مقابلة العدو، ولم يبين كم تصلى كل واحدة، فقيل: تصلى الأولى معه ركعة واحدة، والأخرى قابلت العدو، فاذا رفعوا رءوسهم من السجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستووا قائمين مضوا للقتال، أو لمقابلة العدو، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قائم ساكت فتجىء الأخرى فتصلى معه الركعة الثانية، ويقرءون معه التحيات، فيسلم فتسلم التى معه، والتى عند العدو ويتفرغون جميعا الى العدو، وهذا مروى عن أبى موسى الأشعرى. ووجه آخر: أن يصلى بالأولى ركعة فينتظرها قائما حتى تتم ركعة أخرى وحدها، وتذهب الى العدو، وتجىء المقابلة للعدو فيصلى بها ركعة أخرى، فيثبت قاعدا حتى تتم الركعة الثانية وحدها، فسلم بهما جميعا، وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، كما روى صالح بن خوات عمن صلى معه صلى الله عليه وسلم ذلك بها، وهو سهل بن أبى حيثمة، وهذا أقرب وهو مختار الشافعى، لأنه قد أتى كل منهم بصلاة وهى ركعتان، وكل قرأ التحيات، والله جل وعلا قال فى كلتا الطائفتين: انها صلت قال فى الأخيرة: طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا، فأفاد بالمفهوم من طائفة أخرى لم يصلوا أن الأولى قد صلت، وقد أمر الآخرة بالصلاة، وفيه قلت الذهاب والمجىء كالوجه الأولى، ووجه آخر أن يصلى بالأولى ركعة، ثم تذهب للعدو وتأتى الأخرى التى قبالته، ويصلى بها ركعة، ويقف ساكتا فيتم صلاتها بركعة، وتذهب للعدو وترجع الأولى، فتؤدى ركعة بلا قراءة، وبه قال أبو حنيفة، وهو مروى عن ابن مسعود، وابن عمر، ووجه آخر أن يصلى بالأولى ركعة، والآخرى عند العدو فتذهب للعدو وتجىء التى عند العدو فيصلى بها ركعة، ثم تصلى كل منهما ركعة واحدة بعد أخرى لا بمرة لئلا يميل بهم العدو، فيسلم الامام بهم كما فعل أبو موسى بأصبهان وأجازه الشافعى. ووجه آخر: أن يصلى بالأولى ركعة فتقابل العدو، وبالأخرى ركعة فتقابل، ثم ترجع الأولى فيصلى بها ركعة، فتقابل فترجع الأخرى ويصلى به ركعة، فيسلم بهم. ووجه آخر: أن يصلى بطائفة ركعتين، والأخرى تقابل، ثم بأخرى ركعتين والأولى تقابل، كما فعله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة، وجميع تلك الأوجه قد فعلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كله فى صلاة أربع ركعات، وفى صلاة ركعتين. وقيل: الوجه الأخير قبل أن تقصر الصلاة، واذا كان العدو أمامهم فقد قال جابر بن عبد الله: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف، وذلك فى عسفان، قال بعض: والعدو وبينه وبين القبلة، فصفوا كلهم خلفه، فكبر بهم جميعا، وركع بهم جميعا، ورفع بهم جميعا، فسجد الذين يلون، والآخرون قيام فسجدوا بعد أن رفع الذين يلونه رءوسهم من السجود، كذا روى الشيخ هود، وزاد مسلم: ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر المتقدم، عن جابر أنه قال: ثم ركعنا جميعا، ورفعنا جميعا، وسجد الذين يلونه ورفعوا، وسجد المؤخرون وهم الذين تقدموا أولا فسلم بهم جميعا. وقيل: فى صلاة المغرب يصلى بالأولى ركعتين فيتأخر، وتتقدم الأخرى فيصلى بهم ركعة، ثم يسلم، ثم يتأخرون الى مقام أصحابهم ثم يجىء أصحابهم، فيصلون الركعة التى بقيت عليهم، ثم يرجعون الى مقام أصحابهم، ويتقدم الآخرون فيصلون ركعتين، ثم يسلمون. واذا اشتد القتال صلوا رجالا وركبانا، يؤمون بالركوع والسجود الى أى جهة كما أمكنهم، وقد نووا الاستقبال، هذا مذهبنا ومذهب الشافعى، وقال أبو حنيفة: لا يصلون فى هذه الحالة، واذا أمنوا صلوا ما لزمهم، وقرىء: وأمتعاتكم جمع الجمع، ولو تغفلون فى تأويل المصدر مفعول لود ولو مصدرية، قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان عبدالرحمن بن عوف مريضا لجرح أصيبت به رضى الله عنه، فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس اذا أخذوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب، وهو كذلك، فنزل قوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أّذىً مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُم}: دل هذا على أن أخذه واجب الا حال المرض أو المطر، فلا يجب لثقل أخذها مع المطر او المرض، ولكن يجب مع المطر أو المرض أخذ الحذر كما قال عز وجل: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}: مع المطر أو المرض أيضا، لئلا يهجم عليكم العدو، وعن ابن عباس رضى الله عنهما،نزلت فى النبى صلى الله عليه سلم، وذلك حديث : أنه غزا بنى محارب وبنى أنمار، فنزلوا ولا يرون من العد أحدا، فوضع الناس السلاح، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة حتى قطع الوادى، والسماء ترش بالمطر، فسال الوادى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه، فجلس تحت شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربى فقال: قتلنى الله ان لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف، ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الا وهو قائم على رأسه، وقد سل السيف من غمده، وقال: يا محمد من يمنعك منى الآن؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يمنعنى الله، ثم قال: اللهم اكفنى غورث ابن الحارث بما شئت، فأهوى غورث بالسيف ليضرب رسول الله صلى الله عليه سلم به، فأكب لوجهه من زلجة زلجها، فوقع السيف من يده، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ السيف، ثم قال: يا غورث من يمنعك منى الآن؟ فقال: لا أحد، فقال: أتشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وعبده؟ فقال لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث: لأنت خير منى. قال النبى صلى الله عليه وسلم: أجل أنا أحق منك بذلك فرجع غورث الى أصحابه فقالوا له: ويلك يا غورث ما منعك منه، فقال: والله لقد هويت اليه بالسيف لأضربه، فوالله ما أدرى من زلخنى بين كتفى، فخررت لوجهى، وذكر لهم حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسكن الوادى، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادى الى أصحابه، وأخبرهم الخبر، وقرأ هذه الآية: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أّذىً مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى} الآية . تفسير : وفى البخارى ومسلم، عن جابر بن عبد الله: حديث : أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه، فأدركتهم القائلة فى واد كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، ثم اذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئناه، فاذا عنده أعرابى جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ان هذا اخترط سيفى وأنا نائم فاستيقظت وهو فى يده صلتا فقال لى: من يمنعك منى؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس" ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفسير : وفى رواية فى البخارى عن جابر بن عبد الله، حديث : كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فاذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبى صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من المشركين، وسيف النبى صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة، فاخترطه فقال: تخافنى؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك منى؟ قال: الله عز وجل، فتهدده أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم . تفسير : وقال ابن اسحاق: فى غزوة ذات الرقاع، حدثنى عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله: حديث : أن رجلا من بنى محارب يقال له غورث، قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا! قالوا: بلى! وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، فأقبل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجره، فقال: يا محمد انظر الى سيفك هذا، وكان محلى بفضة، قال بن هشام صاحب السيرة: قال: نعم فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه ويهم به، فيكتبه الله، ثم قال: يا محمد أما تخافنى وفى يدى السيف؟ قال: لا، يمنعنى الله منك انى لا أخافك، ثم عمد الى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرده عليهتفسير : ، قال عياض: غورث بن الحارث صاحب هذه القصة، وأن النبى صلى الله عليه وسلم عفى عنه، فرجع الى قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس، وجرى له مثل هذا يوم بدر مع منافق، وقد انفرد. قال: وفى غطفان بذى أحد مع رجل أسمه دعثور بن الحارث، وأن الرجل أسلم، فلما رجع الى قومه الذين أعزوه، وكان سيدهم وأشجعهم قالوا له: أينما كنت تقول، وقد أمكنك، قال: انى نظرت الى رجل أبيض طويل، دفع فى صدرى، فوقعت لظهرى، وسقط السيف، فعرفت أنه ملك، فأسلمت. وفى رواية الخطابى: حديث : أن غورث بن الحارث المحاربى أراد أن يفتك بالنبى صلى الله عليه وسلم فلم يشعر به الا وهو قائم على رأسه منتضيا سيفا، فقال: اللهم اكفنى هما بما شئت، فانكب لوجهه من زلخة زلخها بين كتفيه، وسقط سيفه، والزلخة وجع الظهر . تفسير : قال عياض وابن القطان: روى حديث : أنه كان النبى صلى الله عليه وسلم اذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه أعرابى فاخترط سيفه ثم قال: من يمنعك منى؟ قال: الله، فرعدت يد الأعرابى وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه . تفسير : {إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}: يهينهم فى الدينا ثم فى الآخرة، فهذا وعد للمؤمنين بالنصر عليهم بعد الأمر بأخذ السلاح والحذر، تعليما لهم أن الحذر والكسب لا ينافيان التوكل، وارشادا الى الجمع بينهما وبين التوكل، وفى ذلك الوعد توقية لنفوس المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {وَإذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ} أثبتها لهم، وقمت إليها وأردتها علم الله جل وعلا رسوله صلاة الخوف، ليقتدى به الأئمة فى عصره، وبعده، فإنهم نواب عنه صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: {أية : خذ من أموالهم صدقة} تفسير : [التوبة: 103]؛ فإنه لغيره، كما أنه له، والخطاب للقرآن له صلى الله عليه وسلم، أو لغيره، أو لهما، فليس كما قال أبو يوسف، والحسن ابن زيادة وإسماعيل بن علية من تخصيص صلاة الخوف به صلى الله عليه وسلم، روى ابن عباس وجابر بن عبد الله أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جيمعاً حتى فرغوا، فندموا على أن لم يكبوا عليهم، فقال بعضهم: لهم صلاة أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنى صلاة العصر، فإذا اشتغلوا بها فاقتلوهم، فنزل بين الظهر والعصر هذه الآيات الثلاث، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمُ مَّعَكَ} يصلون ركعة والأخرة تواجه العدو {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} يعنى الطائفة القائمة معك فى الصلاة، أمرهم أن يكون معهم سلاحهم فى الصلاة للحزم والحذر {فَإِذَا سَجَدُوا} أى هذه الطائفة المصلية معك، وكذا قبل السجود، إلا أنه خص السجود بالذكر، لأنهم فى السجود أشد غِرة، ولأنهم حال القيام قد يظن المشركون أنهم قاموا للقتال {فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ} أى الطائفة الأخرى، لأنه لم يبق إلا هى،إذ الأولى هى معه، وهى المخاطبة معه صلى الله عليه وسلم، فى قوله: من ورائكم ويجوز أن يراد بقوله: وليأخذوا أسلحتهم هذه الطائفة الأخرى، التى ليست فى الصلاة يأخذون أسلحتهم، وعلى كل يحرسون النبى صلى الله عليه وسلم حال الصلاة، والخطاب فى من ورائكم للنبى وللطائفة التى معه فى الصلاة، أو له صلى الله عليه وسلم بمقتضى الأصل، ولغيره معه تغليب للمخاطب على الغياب {وَلْيَأْتِ} بعد أن تسجد الأولى، وتذهب إلى العدو بلا تسليم، ويثبت صلى الله عليه وسلم قائما{طَآئِفَةٌ أُخْرَى} نكرها لأنها لم تذكر قبل {لَمْ يُصلُّوا} وهى الحارسة لهم من ورائهم {فًلْيُصُّلُوا مَعَكَ} الركعة الثانية، تلك ركعتان ولكل طائفة ركعة، ولا تحية للأولى، فيسلم، فيسلمون جميعا، الثانية والأولى المواجهة للعدو، وروى ابن أبى حاتم وابن شيبة وابن جرير أن صلاة الخوف ركعة، صلى صلى الله عليه وسلم ركعة بطائفة، ثم بأخرى ركعة، وإنما القصر واحدة عند القتال، فصلاة الحضر أربع والسفر ركعتان، والخوف ركعة، وروى أنه صلى بطائفة ركعة، فثبت قائما وصلوا ركعة، ثم ذهبوا وجاءت الأخرة، فصلى بهم ركعة وثبت قاعدا، وصلوا ركعة فسلم وسلم الكل، وكلتاهما قرأت التحيات، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، وعليه الشافعى، وروى البخارى ومسلم أنه صلى فى بطن نخل ركعتين بطائفة، فذهبت، فجاءت أخرى، فصلى بها ركعتين، فله أربع، ونخل موضع من نجد من غطفان بينه وبين المدينة يومان، وعن ابن مسعود صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعة وبأخرى ركعة، وذهبت وجاءت الأولى، وقضت ركعة بلا قراءة وسلمت، وذهبت جاءت وقضوا الأولى بقراءة، وعليه أبو حنيفة، وسقط عن الأولى القراءة فى الثانية بعد سلامة صلى الله عليه وسلم لأنهم فى مقابلة العدو عنه {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحتهُمْ} أمر للطائفة الحارسة بأن تصحب معها سلاحها فى الصلاة إذا جاءت تصلي، وذكر هنا الحذر والسلاح معاً لأن المشركين قلما ينتبهون للمسلمين أول الصلاة، بل يظنوهم قائمين للقتال فإذا قاموا الركعة الثانية تنبهوا أنهم فى الصلاة، فيفرصون شبه الحذر، وهم بمعنى يحسم يتناول، فأطلق عليه الأخذ على الاستعارة بالكناية، وفيه المشاكلة، أو ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، أو ذلك من عموم المجاز، أو معناه تستعمل الحذر وأشار إلى علة أخذ الحذر والسلاح بقوله {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفلُوُنَ} لو مصدرية أى ودوا غفلتكم فى صلاتكم {عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} ما تتمتعون به فى أسفاركم أيها الطائفتان المسلمتان {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ} يشدون عليكم {مَّيْلَةً وَاحِدَةً} شدة واحدة {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتِكُمْ} لا إثم عليكم فى وضعها عند المطر أو المرض إن تأذيتم بحملها عند أحدهما، وإلا فاحملوها، ولا تضروا بها أحداً او لا تشعلكم عن الصلاة، فإن شغلكم حملها من الصلاة وخفتم العدو فاحملوها وحافظوا على الصلاة، ورجح البخاري ومسلم أن حملها سنة إذا لم يكن الأذى، وقيل يجب، بل يستحب، وللشافعى قولان {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} فى البخارى نزلت فى عبد الرحمن بن عوف، وكان جريحاً من العدو، أى خذوا حذركم من العدو مع ذلك ما استطعتم حتى تغلبوهم أو تنجو منهم كما علله بقوله {إنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} هو أن يكونوا مغلوبين بخذلان الله عز وجل إياهم ونصره لكم، فباشروا الأسباب ليكون ذلك على أيديكم، ولا تغفلوا عن إهلاكهم والنجاة منهم، وذلك وعد بالنصر مع إيجاب تعاطى الأسباب، فالجملة علة لأخذ الحذر، أو مستأنفة لدفع توهم غلبة العدو، وقال ابن عباس: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى محارب وبنى أنمار فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وأخذوا أموالهم وذراريهم، ولا يرون أحداً من العدو، فوضعوا أسلحتهم، فقطع الوادى صلى الله عليه وسلم لحاجة الإنسان، والسماء ترش فسال الوادى، فحال بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم، فجلس تحت شجرة، فانحدر إليه غورث بن الحارث من الجبل قائلا: قتلنى الله إن لم أقتله، ولم يشعر به صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه بسيف مسلول، حديث : فقال: يا محمد، من يمنعك منى الآن؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الله، ثم قال: اللهم اكفنى غورث بن الحارث بما شئت، فأهوى ليضربه به، فأكب على وجهه نم زلخة زلخها، فبدر السيف من يده، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ السيف، وقال: يا غورث من يمنعك منى الآن؟ فقال: لا أحد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقال: لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك ولا أعين عليك أحداً، فأعطاه صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث: أنت خير منى، فقال صلى الله عليه وسلم: أنا أحق بذلك منكتفسير : ، والسيف لغورث جاء به، وقيل إنه سيفه صلى الله عليه وسلم سله غورث فى تلك الغفلة، وأنه لم يعطه بعد، ورجع إلى أصحابه، فقالوا: ويلك ما منعك من قتله، فذكر لهم القصة، والزلخة الدفعة، وندر سقط.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} بيان لما قبله من النص المجمل في مشروعية القصر بطريق التفريع وتصوير لكيفيته عند الضرورة التامة، والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد، وتعلق بظاهره من خص صلاة الخوف بحضرته عليه الصلاة والسلام كالحسن بن زياد، ونسب ذلك أيضاً لأبـي يوسف، ونقله عنه الجصاص في كتاب «الأحكام»، والنووي في «المهذب»، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم نوابه وقوّام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً} تفسير : [التوبة: 103] وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم قال: «كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، ثم وصف له ذلك فصلوا كما وصف ولم يقضوا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكره أحد منهم وهم الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم» وهذا يحل محل الإجماع، ويرد ما زعمه المزني من دعوى النسخ أيضاً {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} أي أردت أن تقيم بهم الصلاة {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ} بعد أن جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الأخرى تجاه العدو للحراسة / ولظهور ذلك ترك {وَلْيَأْخُذُواْ} أي الطائفة المذكورة القائمة معك {أَسْلِحَتَهُمْ} مما لا يشغل عن الصلاة كالسيف والخنجر. وعن ابن عباس أن الآخذة هي الطائفة الحارسة فلا يحتاج حينئذٍ إلى التقييد إلا أنه خلاف الظاهر، والمراد من الأخذ عدم الوضع وإنما عبر بذلك عنه للإيذان بالاعتناء باستصحاب الأسلحة حتى كأنهم يأخذونها ابتداءاً. {فَإِذَا سَجَدُواْ} أي القائمون معك أي إذا فرغوا من السجود وأتموا الركعة ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ} أي فلينصرفوا (للحراسة من العدو) {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ} بعد وهي التي كانت تحرس، ونكرها لأنها لم تذكر قبل {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} الركعة الباقية من صلاتك، والتأنيث والتذكير مراعاة للفظ، والمعنى ـ ولم يبين في الآية الكريمة ـ حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين، وقد بين ذلك بالسنة، فقد أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سالم عن أبيه في قوله سبحانه: {فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} هي صلاة الخوف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، ثم انصرفت التي صلت مع النبـي صلى الله عليه وسلم فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة فصلوا ركعة ركعة فتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعة بعد سلامه وعن ابن مسعود أن النبـي صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعة كما في الآية فجاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدو حتى قضت الأولى الركعة الأخرى بلا قراءة وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى وقضوا الركعة الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان، وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وإنما سقطت القراءة عن الطائفة الأولى في صلاتهم الركعة الثانية بعد سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم وإن كانوا في ثانيته عليه الصلاة والسلام في مقابلة العدو إلا أنهم في الصلاة وفي حكم المتابعة فكانت قراءة الإمام قائمة مقام قراءتهم كما هو حكم الاقتداء ولا كذلك الطائفة الأخرى لأنهم اقتدوا بالإمام في الركعة الثانية وأتم الإمام صلاته فلا بد لهم من القراءة في ركعتهم الثانية إذ لم يكونوا مقتدين بالإمام حينئذٍ، وذهب بعضهم إلى أن صلاة الخوف هي ما في هذه الآية ركعة واحدة، ونسب ذلك إلى ابن عباس وغيره، فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي شيبة والنحاس عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: «فرض الله تعالى على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة» وأخرج الأولان وابن أبـي حاتم عن يزيد الفقير «قال سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما فقال: الركعتان في السفر تمام إنما القصر واحدة عند القتال بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذ أقيمت الصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفت طائفة وطائفة وجوهها قبل العدو فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ثم انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فسلم وسلم الذين خلفه وسلم الأولون فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة ركعة ثم قرأ الآية»، وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يصلي الإمام بطائفة ركعة فإذا قام للثانية فارقته وأتمت وذهبت إلى وجه العدو وجاء الواقفون في وجهه والإمام ينتظرهم فاقتدوا به وصلى بهم الركعة الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم، / وهذه ـ كما رواه الشيخان ـ صلاة النبـي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، وهي أحد الأنواع التي اختارها الشافعي رضي الله تعالى عنه، واستشكل من ستة عشر نوعاً، ويمكن حمل الآية عليها، ويكون المراد من السجود الصلاة؛ والمعنى فإذا فرغوا من الصلاة فليكونوا الخ، وأيد ذلك بأنه لا قصور في البيان عليه، وبأن ظاهر قوله سبحانه: {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} أن الطائفة الأخيرة تتم الصلاة مع الإمام، وليس فيه إشعار بحراستها مرة ثانية وهي في الصلاة ألبتة، وتحتمل الآية بل قيل: إنها ظاهرة في ذلك أن الإمام يصلي مرتين كل مرة بفرقة وهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كما رواه الشيخان أيضاً ـ ببطن نخل، واحتمالها للكيفية التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان بعيد جداً، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام ـ كما قال ابن عباس ورواه عنه أحمد وأبو داود وغيرهما ـ صف الناس خلفه صفين، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم سجد بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع عليه الصلاة والسلام فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا ثم سجد هو والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم وتمام الكلام يطلب من محله. {وَلْيَأْخُذُواْ} أي الطائفة الأخرى {حِذْرَهُمْ} أي احترازهم وشبهه بما يتحصن به من الآلات ولذا أثبت له الأخذ تخييلاً وإلا فهو أمر معنوي لا يتصف بالأخذ، ولا يضر عطف قوله سبحانه: {وَأَسْلِحَتَهُمْ} عليه للجمع بين الحقيقة والمجاز لأن التجوز في التخييل في الإثبات والنسبة لا في الطرف على الصحيح، ومثله لا بأس فيه بالجمع كما في قوله تعالى: {أية : تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ} تفسير : [الحشر: 9]، وقال بعض المحققين: إن هذا وأمثاله من المشاكلة لما يلزم على الكناية التصريح بطرفيها وإن دفع بأن المشبه به أعم من المذكور، وإن فسر الحذر بما يدفع به فلا كلام، ولعل زيادة الأمر بالحذر ـ كما قال شيخ الإسلام ـ في هذه المرة لكونها مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبـي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل، وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحراب. {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً} بيان لما لأجله أمروا بأخذ السلاح، والخطاب للفريقين بطريق الالتفات أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم فيحملون عليكم جملة واحدة، والمراد بالأمتعة ما يمتع به في الحرب لا مطلقاً وقرىء ـ أمتعاتكم ـ والأمر للوجوب لقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ} حيث رخص لهم في وضعها إذا ثقل عليهم حملها واستصحابها بسبب مطر أو مرض، وأمروا بعد ذلك بالتيقظ والاحتياط فقال سبحانه: {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ} أي بعد إلقاء السلاح للعذر لئلا يهجم عليكم العدو غيلة، واختار بعض أئمة الشافعية أن الأمر للندب، وقيدوه بما إذا لم يخف ضرراً يبيح التيمم بترك الحمل، أما لو خاف وجب الحمل على الأوجه ولو كان السلاح نجساً ومانعاً للسجود وفي «شرح المنهاج» للعلامة ابن حجر ولو انتفى خوف الضرر وتأذى غيره بحمله كره إن خف الضرر بأن احتمل عادة وإلا حرم، وبه يجمع بين إطلاق كراهته وإطلاق حرمته، والآية كما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في عبد الرحمن بن عوف وكان جريحاً، وذكر أبو ضمرة ورواه الكلبـي عن أبـي صالح أن رسول الله/ صلى الله عليه وسلم غزا محارباً وبني أنمار فهزمهم الله تعالى وأحرزهم الذراري والمال، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ولا يرون من العدو واحداً فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال الوادي بينه صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس في ظل سمرة فبصر به غورث بن الحرث المحاربـي فقال: قتلني الله تعالى إن لم أقتله وانحدر من الجبل؛ ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده، فقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله عز وجل، ثم قال: اللهم اكفني غورث بن الحرث بما شئت فانكب عدو الله تعالى لوجهه وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ سيفه فقال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ فقال: لا أحد قال صلى الله عليه وسلم: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله؟ قال: لا، ولكني أعهد إليك أن لا أقاتلك أبداً ولا أعين عليك عدواً فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال له غورث: لأنت خير مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحق بذلك فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائماً على رأسه بالسيف فما منعك منه؟ قال: الله عز وجل أهويت له بالسيف لأضربه فما أدري من لزجني بين كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد عليه الصلاة والسلام فأخذه وأتم لهم القصة فآمن بعضهم ولم يلبث الوادي أن سكن، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم الآية. {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} تعليل للأمر بأخذ الحذر أي أعدّ لهم عذاباً مذلاً وهو عذاب المغلوبية لكم ونصرتكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا مباشرة الأسباب كي يعذبهم بأيديكم، وقيل: لما كان الأمر بالحذر من العدو موهماً لغلبته واعتزازه نفى ذلك الإيهام بالوعد بالنصر وخذلان العدو لتقوى قلوب المأمورين ويعلموا أن التحرز في نفسه عبادة كما أن النهي عن إلقاء النفس في التهلكة لذلك لا للمنع عن الإقدام على الحرب، وقيل: لا يبعد أن يراد بالعذاب المهين شرع صلاة الخوف فيكون لختم الآية به مناسبة تامة، ولا يخفى بعده.
الواحدي
تفسير : {وإذا كنت فيهم} أَيْ: إذا كنت أيُّها النبيُّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم {فأقمت لهم الصلاة} أَي: ابتدأت بها إماماً لهم {فلتقم طائفة منهم معك} نصفهم يصلُّون معك {وليأخذوا} أَيْ: وليأخذ الباقون أسلحتهم {فإذا سجدوا} فإذا سجدت الطَّائفة التي قامت معك {فليكونوا من ورائكم} أَي: الذين أمروا بأخذ السِّلاح {ولتأت طائفة أخرى} أَي: الذين كانوا من ورائهم يحرسونهم {لم يصلوا} [معك الركعة الأولى] {فليصلوا معك} [الركعة الثانية] {وليأخذوا حذرهم} [من عدوهم] {وأسلحتهم} [سلاحهم معهم]. يعني الذين صلَّوا أولَّ مرَّةٍ {ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم} في صلاتكم {فيميلون عليكم ميلة واحدة} بالقتال {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذىً من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} ترخيصٌ لهم في ترك حمل السِّلاح في الصَّلاة، وحملُه فرضٌ عند بعضهم، وسنة مؤكدة عند بعضهم، فرخص الله لهم في تركه لعذر المطر والمرض؛ لأنَّ السِّلاح يثقل على المريض، ويفسد في المطر {وخذوا حذركم} أَيْ: كونوا على حذرٍ في الصَّلاة كيلا يتغفَّلكم العدوُّ. {فإذا قضيتُمُ الصلاة} فرغتم من صلاة الخوف {فاذكروا الله} بتوحيده وشكره في جميع أحوالكم {فإذا اطمأننتم} رجعتم إلى أهلكم وأقمتم {فأقيموا الصلاة} أتمُّوهها {إنَّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} مفروضاً موقَّتاً فرضه. {ولا تهنوا} أَيْ: لا تضعفوا {في ابتغاء القوم} يعني: أبا سفيان ومَنْ معه حين انصرفوا من أُحدٍ. أمر الله تعالى نبيَّه عليه السَّلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيَّام، فاشتكى أصحابه ما بهم من الجراحات، فقال الله تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} أَيْ: إنْ ألمتم من جراحكم فهم أيضاً في مثل حالتكم من ألم الجراح {وترجون من الله} من نصر الله إيَّاكم، وإظهار دينكم [في الدنيا]، وثوابه في العقبى {ما لا يرجون} هم {وكان الله عليماً} بخلقه {حكيماً} فيما حكم. {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة طعمة بن أُبيرق؛ سرق درعاً، ثمَّ رمى بها يهودياً، فلما طُلبت منه الدِّرع أحال على اليهوديِّ، ورماه بالسَّرقة، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهوديِّ، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل قوم طعمة النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنْ يجادل عن صاحبهم، وأن يُبرِّيَه، وقالوا: إنك إنْ لم تفعل افتضح صاحبنا وبرىء اليهوديُّ، فهمَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يفعل، فنزل قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} في الحكم لا بالتَّعدي فيه {لتحكم بين الناس بما أراك الله} أَيْ: فيما علَّمك الله {ولا تكن للخائنين} طعمة وقومه {خصيماً} مخاصماً عنهم. {واستغفر الله} من جدالك عن طعمة، وهمِّك بقطع اليهوديِّ. {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يخونونها بالمعصية؛ لأنَّ وبال خيانتهم راجعٌ عليه. يعني: طعمة وقومه {إنَّ الله لا يحبُّ مَنْ كان خوَّاناً أثيماً} أَيْ: طعمة، لأنَّه خان في الدِّرع، وأَثِم في رميه اليهوديَّ.
القطان
تفسير : قضيتم الصلاة: أديتموها. كتابا موقوتا: فرضاً محدود الاوقات. اذا كنت ايها الرسول في جماعتك وقامت صلاة الجماعة فلا تنسوا الحذر من الاعداء.. دع طائفة منهم تصلي معك فيما تقف الطائفةُ الأخرى قبالة العدو يحرسون اخوانهم المصلّين. وعلى المصلّين ان يكونوا يقظين ويحملوا اسلحتهم ولا يتركوها وقت الصلاة، يفعلون ذلك استعداداً لمواجهة وحيطة من الغدر. {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ}. اذا سجد المصلّون معك فليكنْ الّذين يحرسونكم من خلفكم، لأن الساجد أحوجُ ما يكون للحراسة حين السجود. فاذا انقضت الركعة الأولى ـ تقوم الجماعة التي صلّت وتقف مكان الجماعة الحارسة، وعند ذلك تأتي الجماعة الأخيرة فتصلي معك ركعة كذلك. وهنا يكون الإمام قد أتم صلاته فيسلّم, وعندئذ تأتي الطائفة الأولى فتصلّي الركعة الثانية وتسلّم، بينما تحرسها الجماعة الثانية، ثم تجيء الجماعة الثانية فتصلّي الركعة الثانية وتسلم. بذلك يكون الجميع قد صلّوا بإمامة الرسول. وهكذا يفعل كل إمام وقائد عند الخطر. واحذروا أيها المؤمنون فإن أعداءكم يتمنّون أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم أثناء صلاتكم، فيحملوا عليكم حملة واحدة علّهم يصيبون منكم غرّة فيقتُلون وينهبون. ولا إثم عليكم في وضع أسلحتكم إذا أصابكم أذى من مطرٍ أو مرض من جراح، لكن عليكم في جميع الأحوال ألا تغفلوا. إن عدوّكم لا يغفل عنكم ولا يرحمكم. {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} بما هداكم اليه من أسباب النصر، بأخذ الأهبة والحذر والاعتصام بالصبر والصلاة. وقد قال بالصلاة على الصفة أوردناها عدد كبير من فقهاء الصحابة منهم: علي، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمرو، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة وابو موسى الأشعري. ومن فقهاء الأمصار: مالك، والشافعي وغيرهما. وفي كتب الفقه خلاف كبير في صفة هذه الصلاة لا مجال لذكره هنا. فاذا أديتم الصلاة على هذه الصورة فاذكروا الله تعالى في أنفسكم قائمين محاربين، وحتى نائمين، فان ذلك يقوّي القلوب ويطمئنها {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}. فاذا زال الخوف وأمِنتم فأدوا الصلاة كاملة، فلقد فرضها الله في أوقات معينة، يحافظ الناس عليها, ولو لم تكن موقوتة لأمكن إهمالها اذ يؤديها كان انسان اذ ذاك على هواه. وهي تعلمنا النظام ونحن أحوج ما نكون الى النظام.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {طَآئِفَةٌ} {وَرَآئِكُمْ} {وَاحِدَةً} {لِلْكَافِرِينَ} (102) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ النَّصَّ المُجْمَلَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ قَصْرِ الصَّلاَةِ، وَيُبَيِّنُ هُنَا كَيْفِيَّةَ أَدَاءِ صَلاةِ الخَوْفِ. وَالأئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ صَلاَةَ الخَوْفِ مَنْسُوخَةٌ مِنْ أَسْبَابِ تَأخِيرِ الصَّلاَةِ. وَفِي صَلاةِ الخَوْفِ، إذَا كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم في الجَمَاعَةِ وَأمَّ المُسْلِمِينَ في الصَّلاَةِ، تَأْتِي طَائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَتأتَمُّ بِالرَّسُولِ وَهُمْ بِأَسْلِحَتِهِمْ، وَكَامِلِ عُدَّتِهِمْ، وَتُصَلِّي مَعَهُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنْ صَلاَتِهِ، وَيَسْتَمِرُّ النَّبِيُّ وَاقِفاً يُصَلِّي، وَتُتِمُّ الطَائِفَةُ المُؤْتَمَّةُ بِهِ صَلاَتَهَا بِأَداَءِ الطائِفَةُ الثَّانِيَةِ لِنَفْسِهَا، وَتُسَلِّمُ وَتَقُومُ إلى مَكَانِ الحِرَاسَةِ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ التِي لَمْ تُصَلِّ، وَالتِي كَانَتْ فِي مَكَانِ الحِرَاسَةِ، فَتَأتَمُّ بِالنَّبِيِّ، وَتُصَلِّي مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلاَتِهِ، ثُمَّ تُتِمُّ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلاَتِهَا لِنَفْسِهَا وَتُسَلِّمُ. وَيُحَذِّرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ مِنْ غَدْرِ الكُفَّارِ، وَيُنَبِّهُ المُسْلِمِينَ لِيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، وَلِيَكُونُوا عَلَى أُهْبَةِ الاسْتِعْدَادِ لِمُقَارَعَةِ الأَعْدَاءِ إذَا أَرَادُوا الغَدْرَ بِالمُسْلِمِينَ، وَهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ، وَاغْتِنَامِ الفُرْصَةِ فِيهِمْ، وَهُمْ مُنْشَغِلُونَ بِهَا. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى إنَّهُ لا حَرَجَ إنْ كَانَ هُنَاكَ مَطَرٌ، أوْ كَانَ بِالمُسْلِمِينَ مَرَضٌ أنْ يَضَعُوا أسْلِحَتَهُمْ، وَلَكِنْ عَلَيهِمْ أَنْ يَحْذَرُوا وَيَحْتَاطُوا لِتَكُونَ أَسْلِحَتُهُمْ قَرِيبَةً مِنْهُمْ لأَخْذِهَا إذَا احْتَاجُوا إلى اسْتِعْمَالِهَا عَلَى عَجَلٍ. وَيُذَكِّرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ وَلِيُّهُمْ، وَأنَّهُ نَاصِرُهُمْ وَمُخْزِي الكَافِرِينَ، وَأنَّهُ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهيناً يَوْمَ القِيَامَةِ. حِذْ َرَهُمْ - احْتِرازَهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ. تَغْفُلُونَ - تَسْهُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين يقول الحق: {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} نفهم أن ينقسم المؤمنون إلى طائفتين: طائفة تصلي مع رسول الله، وأخرى ترقب العدو وتحمي المؤمنين. ولكن كيف تصلي طائفة خلف رسول الله ولا تصلي أخرى وكلهم مؤمنون يطلبون شرف الصلاة مع رسول الله؟ ويأمر الحق أن يقسم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ليصلي بكل طائفة مرة، ليشرف كل مقاتل بالصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقصر الصلاة - كما عرفنا - ينطبق على الصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء أما صلاة الفجر وصلاة المغرب فلا قصر فيهما، فليس من المتصور أن يصلي أحد ركعة ونصف ركعة، وفي علم الحساب نحن نجبر الكسور إلى الرقم الأكبر. وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بهيئات متعددة، ولا مانع من أن نلم بها إلماماً عاجلاً؛ لأن تعليم هذه الصلاة عادة يكون واجباً على الأئمة والعلماء الذين يصلون بالجيوش في حالة الحرب. ولصلاة الخوف طرق وكيفيات: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُقَسِّم الجيش إلى قسمين؛ قسم يصلي معه وقسم يرقب العدو، ويصلي بكل فرقة ركعتين. وهناك طريقة أخرى وهي أن يصلي بطائفة وفرقة ركعة واحدة، ثم ينصرفون وتأتي الطائفة التي حمت الطائفة الأولى في أثناء الصلاة لتصلي هذه الطائفة الثانية ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا يسلم رسول الله لأنه أنهى الصلاة. وبعد ذلك تصلي الطائفة الأولى الركعة الثانية التي عليها في القصر وتسلم، ثم تصلي الطائفة الثانية التي عليها في القصر وتسلم. وهناك كيفية ثالثة وهي أن تأتي الطائفة الأولى تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، ولا يصلي النبي صلى الله عليه وسلم معها الركعة الثانية بل يظل واقفاً قائماً إلى أن تخرج من صلاتها بالتسليم لتنادي الطائفة التي تقف في مواجهة العدو لتصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم بينما هي الركعة بركعتها الثانية ويسلم النبي صلى الله عليه وسلم بها وتنال الطائفة الأولى بشرف بدء الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وتحظى الطائفة الثانية بشرف السلام معه صلى الله عليه وسلم. وهنا نسأل: هل هذه الصلاة بهذا الأسلوب مقصورة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإتماماً به لأن الصلاة معه هي الشرف؟ فكيف يصلي المقاتلون الخوف بعده صلى الله عليه وسلم؟ قال العلماء: إذا كنت تعتبر القائمين بأمر القيادة هم خلفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الولاية فتقام صلاة الخوف على صورتها التي جاءت في القرآن، ولكن إذا كان لكل جماعة إمام فلتصل كل جماعة صلاة القصر كاملة خلف الإمام. {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} وهذه الأسلحة المقصود بها الأسلحة الحقيقية مثل السيف أو الرمح أو النبلة أو البندقية فيأخذها المقاتل معه، أما من معه سلاح ثقيل فلن يأخذه بطبيعة الحال إلى الصلاة. {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} والقول القرآني هنا ليس مجرد ألفاظ تقال ولكنها ألفاظ لها مدلولات من رب العالمين، فمن قدموا إلى الصلاة أولاً: تركوا خلفهم من يحميهم. ولكن الطائفة الثانية التي سوف تترك المواقع من أجل الركعة الثانية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فبالهم مشغول بذواتهم وبحماية من يصلون، فلعلهم حين يذهبون إلى الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلهيهم المسألة؛ لذلك قال الله: {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} وهكذا نجد أن الطائفة الأولى ملزمة بأخذ السلاح، والطائفة الثانية ملزمة بأخذ الحذر والسلاح. وقد يقول قائل: صحيح إن الأسلحة تؤخذ، ولكن كيف يؤخذ الحذر وهو عملية معنوية؟ ونقول: إنه سبحانه يصور المعنويات ويجسمها تجسيم الماديات حتى لا يغفل الإنسان عنها، فكأن الحذر آلة من آلات القتال، وإياك أيها المقاتل أن تغفل عنها. وهذا أمر يشيع في أساليب القرآن الكريم، فالحق سبحانه يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} تفسير : [الحشر: 9] والدار هي مكان باستطاعة الإنسان أن يتبوأه ويقيم به، فما معنى أن يتبوأ الإنسان الإيمان وهو أمر معنوي؟. إنه سبحانه في هذا القول يصف الأنصار الذين أكرموا وفادة المهاجرين، والدار - كما نعرف - هي المكان الذي يرجع إليه الإنسان، والإيمان هو مرجع كل أمر من الأمور. إذن فقد جعل الحق سبحانه الإيمان كأنه يُتبوأ، أي جعله شيئاً ينزل الإنسان فيه، والإيمان كذلك حقاً، والدار في هذا القول مقصود بها هنا المدينة المنورة، حيث استقبل الأنصار المهاجرين. {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الحشر: 9] وهكذا يجسم الحق المعنويات لنفهم منها الأمر وكأنه أمر حسّي، تماماً كما قال الحق: {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً}. وهذا ما يوضح لنا لماذا أمر الله أن يأخذ المسلمون الحذر والأسلحة؛ لأن المقاتل يجب أن يخاف على سلاحه ومتاعه. فلو فقدها المقاتل لفقد أداة القتال ولصارت أدوات قتاله لعدوه. فحين يأخذ المقاتل السلاح من عدوه، يتحول السلاح إلى قوة ضد العدو. لذلك كان التحذير من فقد الأسلحة والأمتعة حتى لا تضاف قوة السلاح والمتاع إلى قوة العدو؛ لأن في ذلك إضعافاً للمؤمن وقوة لخصمه. وعدو الإسلام يود أن يغفل المسلمون عن الأسلحة والمتاع، والمؤمن ساعة الصلاة يستغرق بيقظته مع الله، ولكن على الإنسان ألا يفقد يقظته إن كان يصلي أثناء الحرب، فلا يصح أن ينسى الإنسان سلاحه أثناء القتال حتى وهو يصلي، فالقتال موقف لله، فلا تفصل القتال في سبيل الله عن الصلاة لله. {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} والغفلة هي نسيان طارئ على ما لا يصح أن يُنسى، وفي هذا نحذير واضح؛ لأن الغفلة أثناء القتال هي حلم للكافرين حتى يحققوا هدفهم المتمثل في قول الله: {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً}. فمعسكر الكفر يتمنى أن يهجم على المؤمنين في لحظة واحدة، هذا هو المقصود بقوله: {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً}. ولكن لنر من بعد ذلك قول الحق: {أية : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} تفسير : [النساء: 102] ونجد هنا أن كلمة "الحذر" تكررت، وسبحانه بجلال جبروته أعد للكافرين عذاباً مهيناً، وفي ذلك بشارة منه أن الكافرين لن ينالوا من المؤمنين شيئاً، فلماذا جاء الأمر هنا بأخذ الحذر؟. إن أخذ الحذر لا يعني أن الله تخلى عن المؤمنين، ولكن لتنبيه المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب، ولا يغفلوا عن المسبب لأنه سبحانه هيأ وأعد العذاب المهين للكافرين. {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}. وهذا ما يجب أن نفهمه حتى لا يتوهم أحد أن الله عندما نبه كثيراً بضرورة الأخذ بالحذر ثم أنه يتخلى عنا، لا. إنّه سبحانه يوضح لنا أن نأخذ بالأسباب ولا نهملها وهو القائل {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}. ومن بعد ذلك قال الحق: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...}
الجيلاني
تفسير : {وَإِذَا كُنتَ} يا أكمل الرسل {فِيهِمْ} أي: في المؤمنين {فَأَقَمْتَ لَهُمُ} أنت لهم {ٱلصَّلَٰوةَ} إماماً، فرقهم فرقتين {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ} متابعين لكل مؤتمنين بك {وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ} أي: جميعها احتياطاً {فَإِذَا سَجَدُواْ} هؤلاء المؤتمون {فَلْيَكُونُواْ} أي: الطائفة الأخرى {مِن وَرَآئِكُمْ} حارسين حافظين لكم {وَلْتَأْتِ} بعدما صلوا {طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} كما صلوا {وَلْيَأْخُذُواْ} معهم {حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} كما أخذوا، فليكن المصلون من ورائكم كما كانوا، فيصلي الإمام صلاة الخوف مرتين مع الطائفتين، أو يوزعهما عليهما على اختلاف الفقهاء، فعليكم ألاَّ تغفلوا من العدو سيما عند الخوف؛ إذ {وَدَّ} تمنى {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} بصلاة ونحوها {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ} بغتة {مَّيْلَةً وَاحِدَةً} فصادفوكم عزلاً لا سلاح معكم، فاستأصلوكم بالمرة. {وَ} ليس هذا الأمر للوجوب، بل {لاَ جُنَاحَ} لا ضيق، ولا جرم {عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} وغيره {أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ} يشق عليكم أخذها {أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ} لدفع الحرج {وَخُذُواْ} حين وضعها {حِذْرَكُمْ} أي: من حذركم مقدار ما يحذر به إن أتوا بغتة {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على الانتقام {أَعَدَّ} هيأ {لِلْكَافِرِينَ} به وبرسوله {عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 102] بأيدي المؤمنين، يغلبهم ويذلهم، وأعد للمؤمنين النصر والظفر بعدما أمرهم بالتيقظ والاحتياط؛ لئلا ييأسوا من عون الله ونصره.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَٰوةَ} [النساء: 102]، إشارة إلى هذا المعنى؛ يعني: ما دمت بالصورة بينهم وهم ينظرون إليك فقد أدمت لهم الصلاة؛ لأن النظر إليك عبادة، كما {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45]، فإنك تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وكذلك لمن يكون له نور نبوتك في قلبه متصرف على الدوام فأدمت له الصلاة، فلما لم يكن هذا المقام ميسر لجميع الخلق أن يكون بينهم لا بالصورة ولا بالمعنى قال الله تعالى: { فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ} [النساء: 102]؛ يعني: من الخواص {مِّنْهُمْ} [النساء: 102]، أي: من عوامهم {مَّعَكَ} [النساء: 102]؛ ليكونوا دائمين في الصلاة قائمين مع الله على الدوام، فإن من يكون معك فقد يكون مع الله، لأنك مع الله لقوله تعالى: {أية : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} تفسير : [التوبة: 40]، {وَلْيَأْخُذُوۤاْ} [النساء: 102]؛ يعني: طائفة من بقية القوم {أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102]، من الطاعات والعبادات دفعاً لعدو النفس والشيطان، {فَإِذَا سَجَدُواْ} [النساء: 102]؛ يعني: من معك ونزلوا مقامات القربة، {فَلْيَكُونُواْ} [النساء: 102]؛ أي: هؤلاء العوام {مِن وَرَآئِكُمْ} [النساء: 102] في المرتبة والمقام والمتابعة ويحفظونكم باشتغالهم بالأمور الدنيوية لحوائجكم بالضرورات الإنسانية، {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ} [النساء: 102]، بعدكم {لَمْ يُصَلُّواْ} [النساء: 102] معك في الصحبة {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ} [النساء: 102] الوصلة، {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ} [النساء: 102]؛ وهو آداب الطريقة، {وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102]؛ وهي أركان الشريعة بنظر شيخ كامل من أهل الحقيقة، فإنه من جملة الحذر يبقى العبد محروساً عن مكائد كفار النفس والشيطان، {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} [النساء: 102]؛ أي: عن أركان الشريعة ومراقبة القلوب في حفظ مواهب الحق وفتوحات الغيب، {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 102]؛ يعني: عدو النفس وصفاتها والشيطان وأعوانه، {مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ} [النساء: 102]؛ يعني: من كثرة اشتغال الدنيا وضروريات البشرية تمطر عليكم في بعض الأوقات، {أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ} [النساء: 102] من أركان الشريعة عند الضرورة ساعة فساعة، {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 102]، من التوجه الحق ومراقبة الأحوال، وحفظ القلب وحضوره مع الله، وخلو السر عن الالتفات بغير الله، ورعاية التسليم والتفويض إلى الله تعالى، والاستمداد من همم المشايخ والالتجاء إلى ولاية النبوة.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} [102] 141- أنا أحمد بن الخليل، والعباس بن محمد قالا: حدثنا حجَّاج قال: قال ابن جريج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ}: عبد الرحمن بن عوف - زاد أحمد - كان جريحا. ذيل التفسير قوله تعالى: [{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ} [102]] 12/ 747- أخبرنا العباس بن عبد العظيم، قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني سعيد بن عبيد الهُنائي، قال: حدثنا عبد الله بن شقيق، قال: حدثنا أبو هريرة، حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بين ضَجْنان وعُسْفان مُحاصر المُشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة. فجاء جبريل عليه السلام فأمره أن يَقسم أصحابه نصفين، فيُصلي بطائفة منهم، وطائفة مُقْبلون على عدوِّهم قد أخَّذوا حذرهم وأسلحتهم فيصلي بهم ركعة، ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك فيُصلي بهم ركعة تكون لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ركعة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):