٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
103
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ {قَضَيْتُمُ} معناه فرغتم من صلاة الخوف وهذا يدل على أن القضاء يستعمل فيما قد فُعل في وقته؛ ومنه قوله تعالى: { أية : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ } تفسير : [البقرة: 200] وقد تقدّم. الثانية ـ قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} ذهب الجمهور إلى أن هذا الذّكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف؛ أي إذا فرغتم من الصلاة فٱذكروا الله بالقلب واللسان، على أي حال كنتم {قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر لا سيما في حال القتال. ونظيره { أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : [الأنفال: 45]. ويقال: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} بمعنى إذا صليتم في دار الحرب فصلوا على الدواب، أو قياما أو قعودا أو على جنوبكم إن لم تستطيعوا القيام، إذا كان خوفا أو مرضا؛ كما قال تعالى في آية أخرى: { أية : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً } تفسير : [البقرة: 239] وقال قوم: هذه الآية نظيرة التي في «آل عمران»؛ فروي أن عبدالله بن مسعود رأى الناس يَضِجّون في المسجد فقال: ما هذه الضجة؟ قالوا: أليس الله تعالى يقول {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ}؟ قال: إنما يعني بهذا الصلاة المكتوبة إن لم تستطع قائماً فقاعداً، وإن لم تستطع فَصَلّ على جنبك. فالمراد نفس الصلاة؛ لأن الصلاة ذكر الله تعالى، وقد اشتملت على الأذكار المفروضة والمسنونة؛ والقول الأوّل أظهر. والله أعلم. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} أي أمنتم. والطمأنينة سكون النفس من الخوف. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر، وبكمال عددها في الحَضَر. {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} أي مؤقتة مفروضة. وقال زيد ٱبن أسلم. {مَّوْقُوتاً} مُنَجَّماً، أي تؤدّونها في أنجمها؛ والمعنى عند أهل اللغة: مفروض لوقت بعينه؛ يقال: وقتَه فهو موقوت. ووقّته فهو مؤقت. وهذا قول زيد بن أسلم بعينه. وقال: {كِتَاباً} والمصدر مذكر فلهذا قال: {مَّوْقُوتاً}. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ} أي لا تَضْعفُوا، وقد تقدّم في «آل عمران». {فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} طلبهم. قيل: نزلت في حرب أُحُد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج في آثار المشركين. وكان بالمسلمين جراحات، وكان أمر ألاّ يخرج معه إلا من كان في الوقعة، كما تقدّم في «آل عمران» وقيل: هذا في كل جهاد. الخامسة ـ قوله تعالى؛ {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ} أي تتألمون مما أصابكم من الجراح فهم يتألمون أيضاً مما يصيبهم، ولكم مَزِيّة وهي أنكم ترجون ثواب الله وهم لا يرجونه؛ وذلك أن من لا يؤمن بالله لا يرجو من الله شيئاً. ونظير هذه الآية { أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ } تفسير : [الأنعام؛ 140] وقد تقدّم. وقرأ عبدالرحمن الأعرج «أن تكونوا» بفتح الهمزة، أي لأن وقرأ منصور ابن المعتمر «إن تكونوا تئْلَمُون» بكسر التاء. ولا يجوز عند البصريين كسر التاء لثقل الكسر فيها. ثم قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف؛ لأن من رجا شيئاً فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من خوف فوت ما يرجو. وقال الفرّاء والزجاج: لا يُطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي؛ كقوله تعالى: { أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح: 13] أي لا تخافون لله عَظَمةً. قوله تعالى: { أية : لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } تفسير : [الجاثية: 14] أي لا يخافون. قال القشيري: ولا يبعد ذكر الخوف من غير أن يكون في الكلام نفي، ولكنهما ٱدّعيا أنه لم يوجد ذلك إلا مع النفي. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } أديتم وفرغتم منها. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ } فداوموا على الذكر في جميع الأحوال، أو إذا أردتم أداء الصلاة واشتد الخوف فأدوها كيفما أمكن، قياماً مسايفين ومقارعين، وقعوداً مرامين وعلى جنوبكم مثخنين. {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } سكنت قلوبكم من الخوف. {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها وائتوا بها تامة. {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَت عَلى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} فرضاً محدود الأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال، وهذا دليل على أن المراد بالذكر الصلاة وأنها واجبة الأداء حال المسايفة والاضطراب في المعركة، وتعليل للأمر بالإِيتاء بها كيفما أمكن. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يصلي المحارب حتى يطمئن.
ابن كثير
تفسير : يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعاً مرغباً فيه أيضاً بعد غيرها، ولكن ههنا آكد؛ لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهر الحرم: {أية : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [التوبة: 36] وإن كان هذا منهياً عنه في غيرها، ولكن فيها آكد؛ لشدة حرمتها وعظمتها، ولهذا قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} أي: في سائر أحوالكم، ثم قال تعالى: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} أي: فأتموها وأقيموها كما أمرتم؛ بحدودها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها، وجميع شؤونها. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً} قال ابن عباس: أي: مفروضاً، وقال أيضاً: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج، وكذا روي عن مجاهد وسالم بن عبد الله وعلي بن الحسين ومحمد بن علي والحسن ومقاتل والسدي وعطية العوفي. قال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً} قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج. وقال زيد بن أسلم {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً} قال: منجماً، كلما مضى نجم، جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت، جاء وقت. وقوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم، وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ} أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: {أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} تفسير : [آل عمران: 140]، ثم قال تعالى: {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد؛ كما وعدكم إياه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئاً من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة فيه، وفي إقامة كلمة الله وإعلائها، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه، وينفذه ويمضيه؛ من أحكامه الكونية والشرعية، وهو المحمود على كل حال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } فرغتم منها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } بالتهليل والتسبيح {قِيَٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ } مضطجعين أي في كل حال {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } أَمنتم {فَأَقِيمُواْ الصَّلَٰوةَ } أدُّوها بحقوقها { أَنَّٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً} مكتوباً أي مفروضاً {مَّوْقُوتاً } أي مقدّراً وقتها فلا تؤخر عنه. لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات:
الشوكاني
تفسير : {قَضَيْتُمُ } بمعنى فرغتم من صلاة الخوف، وهو أحد معاني القضاء، ومثله: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ } تفسير : [البقرة: 200] {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الجمعة: 10]. قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ } أي: في جميع الأحوال حتى في حال القتال. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به، إنما هو أثر صلاة الخوف، أي: إذا فرغتم من الصلاة، فاذكروا الله في هذه الأحوال؛ وقيل: معنى قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } إذا صليتم فصلوا قياماً وقعوداً أو على جنوبكم حسبما يقتضيه الحال عند ملاحمة القتال، فهي مثل قوله: {أية : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا }تفسير : [البقرة: 239]. قوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } أي: أمنتم، وسكنت قلوبكم، والطمأنينة: سكون النفس من الخوف {فأقيموا الصلاة} أي: فأتوا بالصلاة التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان، ولا تفعلوا ما أمكن، فإن ذلك إنما هو في حال الخوف. وقيل: المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسايفة؛ لأنها حالة قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان، وهو مرويّ عن الشافعي، والأوّل أرجح {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} أي: محدوداً معيناً، يقال: وقته، فهو موقوت، ووقته فهو موقت. والمعنى: إن الله افترض على عباده الصلوات، وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم، أو سهو، أو نحوهما. قوله: {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ } أي: لا تضعفوا في طلبهم، وأظهروا القوّة والجلد. قوله: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } تعليل للنهي المذكور قبله، أي: ليس ما تجدونه من ألم الجراح ومزاولة القتال مختصاً بكم، بل هو أمر مشترك بينكم وبينهم، فليسوا بأولى منكم بالصبر على حر القتال، ومرارة الحرب، ومع ذلك فلكم عليهم مزية لا توجد فيهم، وهي: أنكم ترجون من الله من الأجر، وعظيم الجزاء مالا يرجونه لكفرهم وجحودهم، فأنتم أحقّ بالصبر منهم، وأولى بعدم الضعف منهم، فإن أنفسكم قوية؛ لأنها ترى الموت مغنماً، وهم يرونه مغرماً. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } تفسير : [آل عمران: 140]. وقيل: إن الرجاء هنا بمعنى الخوف؛ لأن من رجا شيئاً فهو غير قاطع بحصوله، فلا يخلو من خوف ما يرجو. وقال الفراء، والزجاج: لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي، كقوله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح: 13] أي: لا تخافون له عظمة. وقرأ عبد الرحمن الأعرج: "أن تَكُونُواْ" بفتح الهمزة، أي: لأن تكونوا. وقرأ منصور بن المعتمر "تيلمون" بكسر التاء ولا يجوز عند البصريين كسر التاء لثقله. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ } قال: بالليل والنهار، في البرّ والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرّ والعلانية، وعلى كل حال. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه بلغه أن قوماً يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، فقال: إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائماً صلى قاعداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } قال: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة: {فأقيموا الصلاة} قال: أتموها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} يعني: مفروضاً. وأخرج ابن جرير، عنه قال: الموقوت الواجب. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله: {وَلاَ تَهِنُواْ } قال: ولا تضعفوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {تَأْلَمُونَ } قال: توجعون: {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ } قال: ترجون الخير.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَإذَا قَضَيتُمُ الصَلاَّةَ فَاذْكُرُواْ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً} يعني ذكر الله بالتعظيم والتسبيح والتقديس بعد صلاته في خوفٍ وغيره: قال ابن عباس: لم يعذر أحد في تركه إلا مغلوباً على عقله. {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني فإذا أقمتم بعد السفر فأتموا الصلاة من غير قصر، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد. والثاني: معناه فإذا أمِنْتم بعد خوفكم فأتموا الركوع والسجود من غير إيماء ولا مشي، وهذا قول السدي. {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} فيه تأويلان: أحدهما: أي فرضاً واجباً، وهو قول ابن عباس، والحسن. والثاني: يعني مؤقتة في أوقاتها ونجومها، كلما مضى نجم جاء نجم، وهو قول ابن مسعود، وزيد بن أسلم. {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاءِ الْقَومِ} أي لا تضعفواْ في طلبهم لحربهم. {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} أي ما أصابهم منكم فإنهم يألمون به كما تألمون بما أصابكم منهم. ثم قال تعالى: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} أي هذه زيادة لكم عليهم وفضيلة خُصِصْتُم بها دونهم مع التساوي في الألم. وفي هذا الرجاء اثنان من التأويلات: أحدهما: معناه أنكم ترجون من نصر الله ما لا يرجون. والثاني: تخافون من الله لا يخافون، ومنه قوله تعالى: {أية : مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَاراً} تفسير : [نوح: 31] أي لا تخافون لله عظمة. ومنه قول الشاعر: شعر : لا ترتجي حين تلاقي الذائدا أسبعةً لاقت معاً أم واحداً
ابن عطية
تفسير : ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف، على حد ما أمروا عند قضاء المناسك بذكر الله، فهو ذكر باللسان، وذهب إلى أن {قضيتم} بمعنى فعلتم، أي إذا تلبستم بالصلاة فلتكن على هذه الهيئات بحسب الضرورات: المرض، وغيره، وبحسب هذه الآية رتب ابن المواز صلاة المريض فقال: يصلي قاعداً فإن لم يطق فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يطق فعلى الأيسر، فإن لم يطق فعلى الظهر، ومذهب مالك في المدونة التخيير، لأنه قال: فعلى جنبه أو على ظهره، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أنه قال: يبتدىء بالظهر ثم بالجنب، قال ابن حبيب: وهو وهم، قال اللخمي: وليس بوهم، بل هو أحكم في استقبال القبلة، وقال سحنون: يصلي على جنبه الأيمن كما يجعل في قبره، فإن لم يقدر فعلى ظهره، و " الطمأنينة" في الآية: سكون النفس من الخوف، وقال بعض المتأولين: المعنى: فإذا رجعتم من سفركم إلى الحضر فأقيموها تامة أربعاً، وقوله تعالى: {كتاباً موقوتاً} معناه: منجماً في أوقات، هذا ظاهر اللفظ، وروي عن ابن عباس: أن المعنى مفروضاً، فهما لفظان بمعنى واحد كرر مبالغة. وقوله تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم} يبين أن القضاء المشار إليه قبل، إنما هو قضاء صلاة الخوف، و {تهنوا} معناه تلينوا وتضعفوا، حبل واهن أي ضعيف، ومنه: {أية : وهن العظم} تفسير : [مريم:4]، و {ابتغاء القوم}: طلبهم وقرأ عبد الرحمن الأعرج "أن تكونوا" بفتح الألف، وقرأ يحيى بن وثاب ومنصور بن المعتمر "تيلمون" في الثلاثة وهي لغة، وهذا تشجيع لنفوس المؤمنين، وتحقير لأمر الكفرة، ومن نحو هذا المعنى قول الشاعر [الشداخ بن يعمر الكناني]: [المنسرح] شعر : القومُ أمثالُكُمْ لَهُمْ شَعَرٌ في الرَّأسِ لا ينشرون إنْ قتلوا تفسير : ثم تأكد التشجيع بقوله تعالى: {وترجون من الله ما لا يرجون} وهذا برهان بيّن، ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين، وباقي الآية بيّن.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ} في خوف، أو أمنٍ {فَاذْكُرُواْ اللَّهَ} تعالى عقبها بالتعظيم والتسبيح والتقديس. {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ} أقمتم فأتموها من غير قصر، وإذا أمنتم من الخوف فأتموا الركوع والسجود بغير إيماء. {مَّوْقُوتًا} فرضاً واجباً، أو مؤقَتة بنجومها كلما مضى نجم جاء نجم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {فإذا قضيتم الصلاة} يعني فإذا فرغتم من صلاة الخوف {فاذكروا الله} يعني بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وأثنوا على الله في جميع أحوالكم {قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} فإن ما أنتم عليه من الخوف جدير بالمواظبة على ذكر الله عز وجل والتضرع إليه (ق) عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه وقيل المراد بالذكر الصلاة يعني فصلّوا لله قياماً يعني في حال الصحة وقعوداً في حال المرض وعلى جنوبكم يعني في حال الزمانة والجراح {فإذا اطمأننتم} يعني فإذا أمنتم وسكنت قلوبكم. وأصل الطمأنينة سكون القلب {فأقيموا الصلاة} يعني فأتموها أربعاً فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة ترك السفر والمعنى فإذا صرتم مقيمين في أوطانكم فأقيموا الصلاة تامة أربعاً من غير قصر. وقيل معناه فأقيموا الصلاة بإتمام ركوعها وسجودها فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة سكون القلب عن الاضطراب والأمن بعد الخوف {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} يعني فرضاً موقتاً والكتاب هنا بمعنى المكتوب يعني مكتوبة موقتة في أوقات محدودة فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كان من خوف أو أمن وقيل معناه فرضاً واجباً مقدراً في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتين.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً...} الآية: ذهب جمهورُ العلماءِ إلَىٰ أنَّ هذا الذِّكْر المأمورَ بِهِ، إنما هو إثْرَ صلاةِ الخَوْفِ على حَدِّ ما أُمِرُوا عند قضاءِ المَنَاسِكِ بذكْرِ اللَّه، فهو ذِكْرٌ باللسانِ، والطُّمَأْنينةُ في الآية: سكونُ النُّفُوسِ من الخَوْف، وقال بعضُ المتأوِّلين: المعنَىٰ: فإذا رجعتُمْ مِنْ سفركم إلى الحَضَرِ، فأقيموها تامَّةً أربعاً. وقوله تعالى: {كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً}: معناه: منجَّماً في أوقاتٍ، هذا ظاهرُ اللفظ، ورُوِيَ عن ابْنِ عباس؛ أنَّ المعنَىٰ: فَرْضاً مفْروضاً، فهما لفظانِ بمعنًى واحدٍ كُرِّرَ؛ مبالغةً.
ابن عادل
تفسير : أي: وإذا فَرَغْتُم، قضيتم صلاة الخوف أي: فرغتم من الصَّلاة، وهذا يَدُلُّ على أن القَضَاء، يستَعْمَلُ فيما فُعِلَ في وَقْتِهِ، ومنه قوله: [- تعالى -]: {أية : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ} تفسير : [البقرة: 200]، ثم قال: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي: صَلُّوا للَّه "قياماً" في حال الصِّحَّة و "قُعُوداً" في حال المَرَضِ "وعلى جُنُوبِكُم" عند الجروح والزِّمَانَة، وقيل: قِيَاماً: حال المسايفة، وقعوداً: حال اشتِغَالكُم بالرَّمي وعلى جُنُوبكم: حالٌ سُقُوطكم على الأرْض مَجْروحين فقوله "قِياماً [وقعودا]" حالان من فَاعِل "اذكُرُوا" وكذلك "وعلى جُنُوبِكُم" فإنه في قُوَّة: مُضطَجِعِين؛ فيتعلَّق بِمَحْذُوفٍ. "فإذا أطْمَأنَنْتُم" أي: أمِنْتُم، فالطُّمأنينة: سكُون النَّفس من الخَوْفِ حين تضع الحَرْبُ أوزارها، "فأقِيموا الصَّلاة" أي: أتمُّوها بأرْكَانِها وقد تقدَّم الكَلاَم في البَقرة [آية: 260] على قوله اطمأننتم، وهل هيَ مَقْلُوبَةٌ أمْ لا؟ وصرح أبو البَقَاءِ هنا بأنَّ الهَمْزَة أصْلٌ وأنَّ وَزْن الطُّمأنينة: فُعَلَّيلية، وأن "طَأمَن" أصل أخَرَ برأسه، وهذا مَذْهَبُ الجَرْمِي. واعلم أنَّه قد تَقَدَّم حُكْمان: أحدهما: قَصْر صلاة المُسَافِر. والثَّاني: صَلاة الخَوْفِ؛ فقوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [يحتمل أنكُم إذا صِرْتم مقمين غير مُسَافِرين من الاطْمئْنَان فأقيمُوا الصَّلاة] أي: أتمُّوها أرْبَعاً، ويحتمل أن يَكُونَ المُراد من الاطْمِئْنَان ألاَّ يَبْقَى الإنْسَان مضْطَرب القَلْب، بل يَصِير سَاكِن القَلْبِ؛ بسبب زَوَالِ الخَوْفِ، فعلى هذا فالمراد بإقامَة الصَّلاة: فعلها في حَالَةِ الأمْن. ثم قال {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} أي: فَرْضاً موقوتاً، قال مُجَاهِد: وَقَّتَه الله عَلَيْهم، وقيل: واجِباً مَفْروضاً مقدراً في الحَضَر أرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وفي السَّفَر ركْعَتَيْن، والمراد بالكتاب هَهُنَا: المكْتُوب؛ كأنه قيل: مكْتُوبَة مؤقتة و "مَوْقُوتاً": صِفَة لـ "كتاباً" بمعنى: مَحْدُوداً بأوقات، فهو مِن: وَقَتَ مُخَفَّفاً؛ كَمضروبٍ من ضَرَبَ، ولم يَقُل: "مَوْقُوتَة" بالتَّاء مُرَاعاة لـ "كتاب" فإنَّه في الأصْل مَصْدَر، والمَصْدَر مُذَكَّر، ومَعْنَى الموْقُوت: أنَّها كُتِبَت عَلَيْهِم في أوْقَات مؤقتة، يقال: وقَّته وَوَقَتَه مخففاً، وقُرِئ: {أية : وَإِذَا ٱلرُّسُلُ وُقِّتَتْ} تفسير : [المرسلات: 11] بالتَّخْفِيفِ. فصل دلَّت هذه الآيَة على أنَّ وُجُوب الصَّلَوَاتِ مقدَّر بأوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، إلاَّ أنَّه - تعالى - أجْمَل الأوْقَات هَهُنَا وبَيَّنَها في مَوَاضِع أخر، وهي خَمْسَة. أحدُها: قوله [- تعالى -] {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238] فقوله: "الصَّلَوَات" يدل على ثَلاثِ صَلَوَاتٍ، وقوله: "[و] الصَّلاة الوُسْطَى" يَمْنَع أن يَكُون أحد تِلْكَ الثَّلاث، وإلا يَلْزَم التِّكْرَار، فلا بُدَّ وأن تَكُون زَائِدَة على الثَّلاث ولا يُمْكِن أن يكونُ الوَاجِبُ أرْبَعَة؛ لعدم حُصُول الوُسْطَى فِيهَا، فلا بُدَّ من جَعْلِها خمْسَةً؛ لتحصل الوُسْطَى، وكما دَلَّت هَذِهِ الآيَة على وُجُوب خمس صلواتٍ، دلت على عَدَمِ وجُوبِ الوتْر، وإلا لَصَارَت الصَّلَواتُ الوَاجِبَة سِتَّة، وحينئذٍ لا تَحْصُل الوُسْطى، فهذه الآية دَلَّت على وُجُوب الصَّلَواتِ، لا على بَيَانِ الأوْقَاتِ، وأما الآيَات الأرْبَع البَاقِيَة، فَمَذْكُورة [في البقرة] عند قوله: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ} تفسير : [البقرة: 238].
البقاعي
تفسير : ولما علمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف، أتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر، فقال مشيراً إلى تعقيبه به: {فإذا قضيتم الصلاة} أي فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو غيرها {فاذكروا الله} أي بغير الصلاة لأنه لإحاطته بكل شيء يستحق أن يراقب فلا ينسى {قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} أي في كل حالة، فإن ذكره حصنكم في كل حالة من كل عدو ظاهر أو باطن. ولما كان الذكر أعظم حفيظ للعبد، وحارس من شياطين الإنس والجن، ومسكن للقلوب {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب}تفسير : [الرعد: 28]؛ أشار إلى ذلك بالأمر بالصلاة حال الطمأنينة، تنبيهاً على عظم قدرها، وبياناً لأنها أوثق عرى الدين وأقوى دعائمه وأفضل مجليات القلوب ومهذبات النفوس، لأنها مشتملة على مجامع الذكر {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر}تفسير : [العنكبوت: 48] فقال: {فإذا اطمأننتم} أي عما كنتم فيه من الخوف {فأقيموا الصلاة} أي فافعلوها قائمة المعالم كلها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل الخوف؛ ثم علل الأمر بها في الأمن والخوف والسعة والضيق سفراً أو حضراً بقوله: {إن الصلاة} مظهراً لما كان الأصل فيه الإضمار تنيبهاً على عظيم قدرها بما للعبد فيها من الوصلة بمعبوده {كانت على المؤمنين كتاباً} أي هي - مع كونها فرضاً - جامعة على الله جمعاً لا يقارنها فيه غيره {موقوتاً *} أي وهي - مع كونها محدودة - مضبوطة بأوقات مشهورة، فلا يجوز إخراجها عنها في أمن ولا خوف فوت - بما أشارت إليه مادة وقت للأبدان بما تسبب من الأرزاق. وللقلوب بما تجلب من المعارف والأنوار. ولما عرف من ذلك أن آيات الجهاد في هذه السورة معلمة للحذر خوف الضرر، مرشدة إلى إتقان المكائد للتخلص من الخطر، وكان ذلك مظنة لمتابعة النفس والمبالغة فيه، وهو مظنة للتواني في أمر الجهاد؛ أتبع ذلك قوله تعالى منبهاً على الجد في أمره، وأنه لم يدع في الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه، عاطفاً على نحو: فافعلوا ما أمرتكم به، أو على {فأقيموا الصلاة}: {ولا تهنوا} أي تضعفوا وتتوانوا بالاشتغال بذكر ولا صلا، فقد يسرت ذلك لكم تيسيراً لا يعوق عن شيء من أمر الجهاد {في ابتغاء القوم} أي طلبهم بالاجتهاد وإن كانوا في غاية القوم والقيام بالأمور؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن تكونوا تألمون} أي يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل وما دونه {فإنهم يألمون كما تألمون} أي لأنهم يحصل لهم من ذلك ما يحصل لكم، فلا يكونن على باطلهم اصبر منكم على حقكم. ولما بين ما يكون مانعاً لهم من الوهن دونهم، لأنه مشترك بينهم؛ بيّن ما يحملهم على الإقدام لاختصاصه به فقال: {وترجون} أي أنتم {من الله} أي الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى {ما لا يرجون} أي من النصر والعزم والكرم واللطف، لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في الشيطان، وهذا لكل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك في جهاد الكفار أو لا. ولما كان العلم مبنى كل خير، وكانت الحكمة التي هي نهاية العلم وغاية القدرة مجمع الصفات العلى قال تعالى؛ {وكان الله} أي الآمر لكم بهذه الأوامر وهو المحيط بكل شيء {عليماً} أي بالغ العلم فهو لا يأمر إلا بما يكون بالغ الحسن مصلحاً للدين والدنيا {حكيماً} فهو يتقن لمن يأمره الأحوال، ويسدده في المقال والفعال، فمن علم منه خيراً أراده ورقاه في درج السعادة، ومن علم منه شراً كاده فنكس مبدأه ومعاده. ولما كان أول هذه القصص والتعجيب من حال الذين أوتوا نصيباً من الكتاب في ضلالهم وإضلالهم، ثم التعجيب من إيمانهم بالجبت والطاغوت، ثم التعجيب من حال من ادعى الإيمان بهذا الكتاب مع الكتب السالفة، ثم رضي بحكم غيره، وساق سبحانه وتعالى أصول ذلك وفروعه، ونصب الأدلة حتى علت على الفرقدين، وانتشر ضياؤها على جميع الخافقين، وختم ذلك بمجاهدة المبطلين بالحجة والسيف، وسوّر ذلك بصفتي العلم والحكمة؛ ناسب أتم مناسبة الإخبار بأنه أنزل هذا الكتاب بالحق, وبين فائدته التي عدل عنها المنافقون في استحكام غيره فقال: {إنا أنزلنا} أي بما لنا من العظمة التي تتقاصر دونها كل عظمة {إليك} أي خاصة وأنت أكمل الخلق {الكتاب} أي الكامل الجامع لكل خير {بالحق} أي ملتبساً بما يطابقه الواقع {لتحكم بين الناس} أي عامة، لأن دعوتك عامة فلا أضل ممن عدل عن حكمك وابتغى خيراً من غير كتابك، وأشار إلى أنه لا ينطق عن الهوى بقوله: {بما أراك الله} أي عرفكه الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل، فإن كان قد بين لك شيئاً غاية البيان فافعله، وإلا فانتظر منه البيان؛ ثم شرع سبحانه وتعالى في إتمام ما بقي من أخبارهم، وكشف ما بطن من أسرارهم، وبيان علاماتهم ليعرفوا، ويجتنبها المؤمنون لئلا يوسموا بميسمهم. ولما كان سبحانه وتعالى قد خفف عليه صلى الله عليه وسلم بأن شرع له القناعة في الحكم بالظاهر وعدم التكليف بالنقب عن سرائرهم بالدفع عن طعمة بن أبيرق، لأن أمره كان مشكلاً، فإنه سرق درعاً وأودعها عند يهودي، فوجدت عنده فادعى أن طعمة أودعها عنده، ولم يثبت ذلك على طعمة حتى أنزل الله سبحانه وتعالى الآية، فأراد تعالى إنزاله في هذه النازلة وغيرها مما يريده سبحانه وتعالى في المقام الخضري من الحكم بما في نفس الأمر مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى إذ كان الصحيح الذي عليه الجمهور - كما نقله شيخنا قاضي الشافعية بمصر أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة في أسماء الصحابة - أن الخضر عليه الصلاة والسلام نبي، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم قد أعطى مثل جميع معجزات الأنيباء صلوات الله عليهم مع ما اختص به دونهم - على جميعهم أفضل الصلاة وأتم التسليم والبركات، فقال تعالى عاطفاً على ما علم تقديره من نحو: فاحكم بما نريك من بحار العلوم التي أودعناها هذا الكتاب: {ولا تكن للخائنين} أي لأجلهم، من طعمة وغيره {خصيماً *} أي مخاصماً لمن يخاصمهم، وأتبع ذلك قوله: {واستغفر الله} أي الذي له الإحاطة التامة والغنى المطلق {إن الله كان} أي أزلاً وأبداً {غفوراً رحيماً *} وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو منزه عن ذلك، معصوم منه، ولكن عن مقام عال تام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم؛ وقد روى الترمذي سبب نزول هذه الآيات إلى قوله تعالى {فقد ضل ضلالاً بعيداً} من وجه مستقص مبين بياناً شافياً وسمى بني أبيرق بشراً وبشيراً ومبشراً، ولم يذكر طعمة - والله سبحانه وتعالى أعلم، قال: عن قتادة بن النعمان قال: "كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير ومبشر، فكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث! قال: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح درع وسيف، فعدى عليه من تحت البيت فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي! إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -؛ والله ما نرى صابحكم إلا لبيد بن سهل - رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق! فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقةَ! قالوا: إليك عنا أيها الرجل! فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي! لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له! قال قتادة: فأتيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سآمر في ذلك، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح! ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة! قال: فقال لي عمي: يا ابن أخي! ما صنعت؟ فأخبرته بام قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الله المستعان! فلم يلبث أن نزل القرآن {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} إلى {خصيماً} بني أبيرق، {واستغفر الله} مما قلت لقتادة، {إن الله كان غفوراً رحيماًْ} إلى قوله: {فسوق نؤتيه أجراً عظيماً}؛ فلا نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله سبحانه وتعالى {ومن يشاقق الرسول} إلى قوله: {ضلالاً بعيداً}" وروى الحديث ابن إسحاق في السيرة وزاد: إن حساناً قال في نزوله عندها أبياتاً فطردته، فلحق بالطائف فدخل بيتاً ليسرق منه، فوقع عليه فمات، فقالت قريش: والله ما يفارق محمداً من أصحابه أحد فيه خير.
ابو السعود
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} أي صلاةَ الخوفِ أي أديتموها على الوجه المبـيّنِ وفرَغتم منها {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} أي فداوموا على ذكر الله تعالى وحافِظوا على مراقبته ومناجاتِه ودعائِه في جميع الأحوالِ حتى في حال المسايفة والقتالِ، كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : [الأنفال، الآية 45] {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} سكنَت قلوبُكم من الخوف وأمِنتم بعدما وضعت الحربُ أوزارَها {فأقِيمُوا الصَّلاةَ} أي الصلاةَ التي دخل وقتُها حينئذ أي أدُّوها بتعديل أركانِها ومراعاةِ شرائطِها، وقيل: المرادُ بالذكر في الأحوال الثلاثةِ الصلاةُ فيها أي فإذا أردتم أداءَ الصلاةِ فصلّوا قِياماً عند المسايفةِ وقعوداً جاثين على الرّكَب عند المراماةِ وعلى جنوبكم مُثخَنين بالجِراح، فإذا اطمأننتم في الجملة فاقضُوا ما صليتم في تلك الأحوالِ التي هي [من] أحوال القلقِ والانزعاجِ، وهو رأيُ الشافعيِّ رحمه الله وفيه من البعد ما لا يخفى. {إنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} أي فرضاً موقتاً، قال مجاهدٌ: وقّته الله عليهم فلا بد من إقامتها في حالة الخوفِ أيضاً على الوجه المشروحِ، وقيل: مفروضاً مقدّراً في الحضَر أربَعَ ركعاتٍ وفي السفر ركعتين فلا بد أن تؤدّىٰ في كل وقتٍ حسبما قُدِّر فيه. {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ} أي لا تضعُفوا ولا تتوانَوا في طلب الكفارِ بالقتال والتعرّضِ لهم بالحِراب، وقوله تعالى: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} تعليلٌ للنهي وتشجيعٌ لهم، أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصاً بكم بل هو مشترَكٌ بـينكم وبـينهم، ثم إنهم يصبِرون على ذلك فما لكم لا تصبِرون؟ مع أنكم أولى به منهم حيث ترجُون من الله من إظهار دينِكم على سائر الأديانِ ومن الثواب في الآخرة ما لا يخطُر ببالهم. وقرىء أن تكونوا بفتح الهمزة أي لا تهِنوا لأن تكونوا تألمون، وقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ} تعليلٌ للنهي عن الوهن لأجله، والآيةُ نزلت في بدرٍ الصُّغرى {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} مبالِغاً في العلم فيعلم أعمالَكم وضمائرَكم {حَكِيماً} فيما يأمُر وينهىٰ فجِدُّوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقبَ حميدةً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} [الآية: 103]. قال أبو عثمان: وقت الله العبادات كلها بالمواقيت إلا الذكر، فإنه أمرك به على كل حال وفي كل أوان.
القشيري
تفسير : الوظائف الظاهرة مُوَقته وحضور القلب بالذكر مسرمد غير منقطع؛ أمَّا بالرسوم فوقتاً دون وقت، وأمَّا بالقلوب فإياكم والغيبة عن الحقيقة لحظة كيفما اختلفت بكم الأحوال.. الذكرُ كيفما كنتم وكما كنتم، وأما الصلاةُ فإذا اطمأننتم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ} الصلاة موضع الخدمة والمناجاة فاذا تم العبد فيها بجميع شرائطها فاثمرت له صفاء الذكر على الدوام والذكر مقام المراقبة والمشاهدة فاخبر تعالى عن محصول المقام وزادت تاكيد بقوله تعالى {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} الاشارة فيه اى اذا اخرجتم من مقام الصلاة فينبغى ان تكونوا فى جميع الاحيان كانكم فى الصلاة لان الصلاة هى الذكر بعينها وصورة الصلاة شاغلة عن الذكر الحقيقى الذه هو نور وجه المذكور اذا تخلصتم عن ألة الصلاة وعلة الامر فاذكرونى بنعت المراقبة فى جميع جلالى ومشاهدة عظمتى وذكركم فى قعودكم سقوطكم فى الوجد عن صدمات سطوات كبريائى بالبديهة وذكركم فى جنوبكم اضحملالكم فى روية قدمى وبقائى فاذا كنتم فى حالة التمكين وامتلاتم فى انوار ذكرى فينبغى ان تخرجوا من ابواب الرخص والاستراحة فى ساعة الروح وترجعوا الى مقام الصلاة فان اخر سيركم فى ربوبيتيى اول بدايتكم فى عبوديتى ثم ان الله سبحانه وقت لايام الخدمة وقتا وهو كشوف ابواب العظمة والكبرياء الذى تجلاه يزعج العباد الى الفناء فى بوادى عظمته وجلاله ولو كان دائما الاحتراق الخلائق فيها وقتى العباد باسرها وكيف يوازيى الحثد جلال القدم ومن يجرى ان يتعرض بالسرمدية لساحات عظمة الله تعالى واقعهم فى الفترة غيره على المعرفة ولم يوقت للذكر وقتا لان ذكره شعاع تلك الشموس وضؤتلك الاقمار وهو قطرات مزن الغيب يحيى بشريانها فواد المحبين والموحدين ولههنا مقام الضعفاء والاسراء والله اعلم حكم قال ابو عثمان وقت الله العبادات كلها بالمواقيت الا الذكر فانه امرك به على كل حال وفى كل اوان وقال الاستاد فى هذه الأية الوظائف الظاهرة موقتة وحضورالقلب بالذكر مسرمد غير منقطع.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا قضيتم الصلوة} صلاة الخوف اى اديتموها على الوجه المبين وفرغتم منها فظهر منه ان القضاء يستعمل فيما فعل فى وقته ومنه قوله تعالى {أية : فاذا قضيتم مناسككم} تفسير : [البقرة: 200]. {فاذكروا الله} حال كونكم {قياما} اى قائمين {وقعودا} اى قاعدين {وعلى جنوبكم} اى مضطجعين اى فداوموا على ذكر الله تعالى وحافظوا على مراقبته ومناجاته ودعائه فى جميع الاحوال حتى فى حال المسابقة والقتال كما فى قوله تعالى {أية : اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} تفسير : [الانفال: 45]. {فاذا اطمأننتم} سكنت قلوبكم من الخوف وأمنتم بعد ما تضع الحرب اوزارها {فاقيموا الصلوة} اى الصلاة التى دخل وقتها حينئذ اى ادوها بتعديل اركانها ومراعاة شرائعها. ومن حمل الذكر على ما يعم الذكر باللسان والصلاة من الحنفية فله ان يقول فى تفسير الآية فداموا على ذكر الله فى جميع الاحوال واذا اردتم اداء الصلاة فصلوها قائمين حال الصحة والقدرة على القيام وقاعدين حال المرض والعجز عن القيام ومضطجعين على الجنوب حال العجز عن القعود {ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} اى فرضا موقتا. قال مجاهد وقته تعالى عليهم فلا بد من اقامتها فى حالة الخوف ايضا على الوجه المشروع وقيل مفروضا مقدرا فى الحضر اربع ركعات وفى السفر ركعتين فلا بد ان تؤدى فى كل وقت حسبما قدر فيه. قال فى شرح الحكم العطائية ولما علم الله تعالى ما فى العباد من وجود الشره المؤدى الى الملل القاطع عن بلوغ العمل جعل الطاعات فى الاوقات اذ جعل فى اليوم خمسا وفى السنة شهرا وفى المائتين خمسا وفى العمر زورة رحمة بهم وتيسيرا للعبودية عليهم ولو لم يقيد الطاعات باعيان الاوقات لمنعهم عنها وجود التسويف فاذا يترك معاملته تعاميا وبطرا وبطالة واتباعا للهوى وانما وسع الوقت كى تبقى حصة الاختيار وهذا سر الوقت وكان الواجب على الامة ليلة المعراج خمسين صلاة فخفف الله عنهم وجازاهم بكل وقت عشرا فاجر خمسين فى خمسة اوقات قالوا وجه كون يوم القيامة على الكافر خمسين الف سنة لانه لما ضيع الخمسين عوقب بكل صلاة الف سنة كما اقروا على انفسهم بقولهم {أية : لم نك من المصلين} تفسير : [المدثر: 43]. وفى الحديث "حديث : من ترك صلاة حتى مضى وقتها ثم قضى عذب فى النار حقبا " .تفسير : والحقب ثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم الف سنة مما تعدون يعنى ترك الصلاة الى وقت القضاء اثم لو عاقب الله به يكون جزاءه هكذا ولكن الله يتكرم بان لا يجازى به اذا تاب عنه كذا فى مشكاة الانوار وفى الحديث "حديث : خمسة لا تطفأ نيرانهم ولا تموت ديدانهم ولا يخفف عنهم من عذابها. مشرك بالله. وعاق لوالديه. والزانى بحليلة جاره. ورجل سلم اخاه الى سلطان جائر. ورجل او امرأة سمع المؤذن يؤذن ولم يجب من غير عذر " .تفسير : يعنى اخرها عن وقتها بغير عذر كذا فى روضة العلماء وفى الحديث "حديث : ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد شيئاً احب اليه من الصلاة ولو كان شىء احب اليه من الصلاة تعبد به ملائكته فمنهم راكع وساجد وقائم وقاعد " .تفسير : وكان آخر ما اوحى به الى النبى عليه السلام الصلاة وما ملكت ايمانكم. واعلم ان لله عبادا قد منحهم ديمومية الصلاة فهم فى صلاتهم دائمون من الازل الى الابد وليس هذا يدرك بالعقول القاصرة ولا يعقلها الا العالمون بالله تعالى. وفى التأويلات النجمية {ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} يعنى واجبا فى جميع الاوقات حين فرضت بقوله {أية : أقيموا الصلوة} تفسير : [الأنعام: 72]. اى اديموها رخص فيها بخمس صلوات فى خمسة اوقات لضرورة ضعف الانسانية كما كان الصلاة الخمس خمسين صلاة حين فرضت ليلة المعراج فجعلها بشفاعة النبى عليه السلام خمسا وهذا لعوام الخلق والا اثبت دوام الصلاة للخواص بقوله {أية : الذين هم على صلاتهم دائمون}تفسير : [المعارج: 23]. وفى المثنوى شعر : بنج وقت آمد نماز رهنمون عاشقانش فى صلاة دائمون نيست زرغا وظيفه ماهيان زانكه بى درياندارد انس وجان هيج كس باخويش زرغبانمود هيج كس باخود بنوبت ياربود دردل عاشق بجز معشوق نيست درميان شان فارق وفاروق نيست
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: فإذا فرغتم من الصلاة {فاذكروا الله} في جميع أحوالكم {قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم} إن أردتم حراسة قلوبكم، والنصر على عدوكم، أو إذا أردتم قضاءَ الصلوات وأداء فرضها، وأنتم في المعركة، فصلوا كما أمكنكم {قيامًا} راجلين أو على خيولكم إيماءً، وحلَّ للضرورة حينئٍذ مشى وركض وطعن وعدم توجه وإمساك ملطخ، وتنبيهٌ وتحذيرٌ، هذا للصحيح، {وقعودًا وعلى جنوبكم}، للمريض أو الجريح، هكذا قال جمهور الفقهاء في صلاة المسايفة وقال أبو حنيفة: لا يصلي المحارب حتى يطمئن. {فإذا اطمأننتم} وذهب الخوفُ عنكم {فأقيموا الصلاة} على هيأتها المعلومة، واحفظوا أركانها وشروطها، وأُتوا بها تامة، {إن الصلاة كانت المؤمنين كتابًا موقوتًا} أي: فرضًا محدود الأوقات، لا يجوز إخراجها عن وقتها في شيء من الأحوال. قال البيضاوي: وهذا دليل على أن المراد بالذكر الصلاة، وأنها واجبة الأداء، حال المسايفة، والاضطراب في المعركة، وتعليلٌ للأمر بالإتيان بها، كيف أمكن. الإشارة: إذا فرغتم من الصلاة الحسية، فاستغرقوا أحواكم في الصلاة القلبية، حتى تطمئن قلوبكم في الحضرة القدسية، فإذا اطمأننتم في الحضرة، فأقيموا صلاة الشهود والنظرة، وهي الصلاة الدائمة، قال تعالى: {أية : الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} تفسير : [المعَارج:23]. وقال الورتجبي: إذا كنتم في حالةِ التمكين وامتلأتم من أنوار ذكره، فينبغي أن تخرجوا من أبواب الرخص، والاستراحة في سعة الروح، وترجعوا إلى مقام الصلاة، فإن آخر سيركم في ربوبيتي: أول بدايتكم في عبوديتي. هـ.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى الآية انكم أيها المؤمنون إذا فرغتم من صلاتكم - وأنتم مواقفو عدوكم - التي بيناها لكم {فاذكروا الله قياماً وقعوداً} أي في حال قيامكم وفي حال قعودكم، ومضطجعين على جنوبكم. والجنب: الجانب تقول نزلت جنبه أي جانبه بالتعظيم له والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم لعل الله أن يظفركم بهم. وينصركم عليهم. وذلك مثل قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون}.تفسير : وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين. وقوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} اختلفوا في تأويله، فقال قوم معناه اذا استقررتم في أوطانكم وأقمتم في أمصاركم {فأقيموا الصلاة} يعني أنمو التي أذن لكم في قصرها في حال خوفكم في سفركم وضربكم في الارض. ذهب إليه مجاهد، وقتادة وقال آخرون معناه إذا استقررتم بزوال الخوف من عدوكم وحدوث الأمن لكم، فأقيموا الصلاة أي فأتموا حدودها بركوعها، وسجودها. ذهب إليه السدي، وابن زيد، ومجاهد في رواية أخرى. وهو اختيار الجبائي، والبلخي الطبري. وأقوى التأويلين قول من قال: إذا زال خوفكم من عدوكم، وأمنتم فأتموا الصلاة بحدودها غير قاصرين لها عن شيء من حدودها، لأنه تعالى عرف عباده الواجب عليهم من فرض صلاتهم بهاتين الآيتين في حالين: احداهما - حال شدة الخوف أذن لهم فيها بقصر الصلاة على ما بيناه من قصر حدودها، والاقتصار على الايماء. والثانية - حال غير شدة الخوف امرهم فيها باقامة حدودها وإتمامها على ما مضى من معاقبة بعضهم بعضاً في الصلاة خلف أئمتها، لأنه قال: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} فلما قال: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} كان معلوماً انه يريد إذا اطمأننتم من الحال التي لم تكونوا فيها مقيمين صلاتكم فأقيموا الصلاة بجميع حدودها غير قاصرين لها. وقال ابن مسعود نزلت الآية في صلاة المرضى. والظاهر بغيره أشبه. وقوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} اختلفوا في تأويله، فقال قوم: معناه ان الصلاة كانت على المؤمنين فريضة مفروضة، ذهب إليه عطية العوفي، وابن عباس، وابن زيد، والسدي، ومجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع). وقال آخرون: كانت على المؤمنين فرضاً واجباً. ذهب إليه الحسن، ومجاهد، في رواية، وابن عباس في رواية وأبو جعفر في رواية أخرى عنه، والمعنيان متقاربان بل هما واحد. وقال آخرون: معناه كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً يعني منجماً يؤدونها في انجمها ذهب إليه ابن مسعود وزيد بن أسلم وقتادة. وهذه الأقوال متقاربة، لأن ما كان مفروضاً فهو واجب وما كان واجباً اداؤه في وقت بعد وقت فمفروض منجم. واختار الجبائي والطبري القول الأخير قال: لأن موقوتاً مشتق من الوقت فكأنه قال: هي عليهم فرض في وقت وجوب أدائها.
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} يعنى اذا ادّيتم الصّلوة فلا تغفلوا عن ذكر الله ولا تراقبوا حين الغزو ادباً للّذكر بل اذكروا الله فى جميع احوالكم، او فاذا اردتم اداء الصّلوة وقت شدّة الخوف وعدم تمكّنكم من الصّلوة على ما قرّر فصلّوا على اىّ حال وقع منكم وتمكّنتم منها بقرينة قوله تعالى {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} عن شدّة الخوف {فأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} اى فاتمّوها بشرائطها وآدابها المقرّرة لها فى السّفر، او فاذا اطمأننتم فى اوطانكم او دار اقامتكم فاتمّوها بإتمام ركعاتها {فَإِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} تأكيد كتاباً لانّ الموقوت بمعنى المفروض فى الاوقات والمعنى فرضاً مفروضاً يعنى انّا بالغنا فى حفظ الصّلوة وعدم تركها فى حالٍ من الاحوال لانّها بالغة حدّ الكمال فى الوجوب.
الهواري
تفسير : قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} قال بعضهم: إذا لم يكن مريضاً صلّى قائماً، وإذا كان مريضاً صلى قاعداً ويسجد على الأرض إن استطاع، فإن لم يستطع أن يسجد على الأرض أومأ إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن كان لا يستطيع أن يصلي قاعداً صلى مضطجعاً على جنبه الأيمن إلى القبلة، وإن كان مرضه أشد من ذلك صلى مستلقياً، وإن كان مرضه أشد من ذلك كبّر، ويقال: عدد تكبير تلك الصلاة. وإن أغمي عليه يوماً أو أياماً كانت عليه إعادة يوم وليلة، وفيه اختلاف؛ وهو في سنن الصلاة. وقال بعض المفسّرين في قوله: {فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} قال: افترض الله ذكره عند القتال. وقال الحسن: قوة المؤمن في قلبه، يذكر الله قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً على فراشه. قوله: {فَإِذَا اطْمَأَنَنتُمْ} أي فإذا أمنتم {فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [يقول: فأتموا الصلاة] {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} قال الحسن: كتاباً مفروضاً. وقال مجاهد: كتاباً واجباً. وقال بعضهم: {فإِذا اطمأننتم} أي: إذا انقضى سفركم {فأقيموا الصلاة} أي: فأقيموا الصلاة أربعاً. وقال مجاهد: {فَأقيموا الصلاة} أي: فأتموا الصلاة.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ}: أى اذا أردتم قضاءها، أى أداءها وقد اشتد الخوف عليكم. {فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاماً وَقُعُداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}: أى فصلوها كما أمكنكم قائمين أو قاعدين، أو مضطجعين على جنوبكم استتارا وتحرزا عن العدو، وتقدم اعراب غير ذلك. {فَإِذَا اطْمَأنَنتُمْ}: سكنت قلوبكم لزوال الخوف. {فَأقِيمُوا الصَّلاةَ}: فصلوا ما يحضر لكم من الصلوات الخمس تامة أربعا فى الحضر، واثنتين فى السفر، بالتعديل فيها، وبتفريغ القلب كله اليها، ولا اعادة لما مضى من صلاة الخوف فى الوقت، ولا قضاء بعده، وقيل: معنى اذا {اطْمَأنَنتُمْ} اذا زال عنكم قلق السفر بوصول الحضر، فيكون معنى {فَأقِيمُوا الصَّلاة} فصلوا أربعا وقيل معنى {إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ} فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم اذا أردتم قضاء الصلاة بمعنى ايقاع الصلاة فى سائر أوقاتها، فصلوا قائمين ان استطعتم، وقاعدين ان لم تستطيعوا، ومضطجعين على جنبكم مستقبلين بوجوهكم ان لم تستطيعوا القعود، وان لم تستطيعوا فمستلقين. والوجهان الآخران فى قوله: {وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} وذلك أنهم اذا صلوا مستلقين فليكونوا بحيث لو قعدوا لاستقبلوا، والضابط أنه لم يستطيع كيفية مقدمة، صلى بكيفية تليها حتى التكييف أو التكبير، وذلك لمرض أو عدو أو نحو ذلك من الموانع، وقيل معنى {فَإِذَا اطْمَأنَنتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ} اذا صليتم صلاة الخوف أو القتال باختصار وتصرف، ثم زال ذلك عنكم، فأقيموا تلك الصلاة نفسها، بأن تعيدوها، ولو خرج الوقت، وقيل فى الوقت وفروع المسألة فى الفقه، وقيل المعنى: اذا قضيتم الصلاة بمعنى الفراغ منها أى صلاة كانت سفرا أو حضرا صلاة خوف أو أمن، فاذكروا الله بألسنتكم فى غير الصلاة كنتم، على أى حال كنتم، من قيام أو قعود أو امتداد، وهذا قول الحسن. قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على أحيانه، وقيل المعنى اذا قضيتم صلاة الخوف، أى فرغتم منها، فاذكروا الله بألسنتكم أيضا فى غير الصلاة على أى حال، ونسب للجمهور، وعلى هذين القولين فقوله: {عَلَى جُنُوبِكُمْ} يشمل الذكر باتكاء على جنب، وبامتداد فى اضطجاع ونحو ذلك. {إِنَّ الصَّلاةَ كَانتَ عَلَى المُؤمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}: أى فرضا محدود الوقت يقال: كتب أى فرض كتابا أى فرضا، ووقت الشىء أى حده وهو موقوت أى محدود، فهى فرض محدود الوقت لا تؤخر عنه بخوف أو مسايفة، بل تصلى كما أمكن عندنا وعند الشافعى، لا كما قال أبو حنيفة لا يصلى المسايف حتى يطمئن، ولكن قال الشافعى: يعيد ولو بعد الوقت، وقلنا: لا يعيد ولو فيه الا قليلا منا، قال يعيد فيه.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ} فرغتم منها، فالقضاء يستعمل بمعنى التأدية فى الوقت كما يستعمل فيها بعد الوقت، كقوله تعالى: {أية : فإذا قضيتم مناسككم} تفسير : [البقرة: 200]، والمراد الصلاة الواجبة، وذكر صلاة النفل وسائر الذكر لله عز وجل على كل حال بقوله {فَاذْكُرُو اللهَ قِيَاماً} جمع قائم {وَقُعُوداً} ولو قدرتم على القيام جمع قاعد {وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} أى وثابتين، أو مضجعين على جنوبكم؟ قدرتم على القعود أو القيام أو لم تقدروا، لخوف أو جراح أو مرض، والمراد الجنب الأيمن من الاستقبال فى الصلاة بالوجه والجسد، وإن لم يمكن إلا على الأيسر جاز، وكل ما لم يمكن إلا هو جاز ولو لم يجز فى الاختيار، وينوى الاستقبال، وأما الفرض فلا يجوز فى قعود أو اضطجاع إلا لضرورة خوف أو مرض أو جرح أو نحو ذلك من الأعذار، ويصليها ولا بد كما أمكنه، ولا يؤخرها عن الوقت عندنا وعند الشافعى، ويومئ لما فيه إيماء وهو الركوع والسجود، وأما التحيات فلا إيماء لها، ولو أومأ لها بانحناء لفسدت صورة قعودها، فإنها يقعد لها على استقامة كما يقعد الصحيح، فيلغز بأن لنا ركوعا أخفض من التحيات، وهو ركوع المصلى بإيماء: شعر : وَإذَا لَمْ تَرَ الْهِلاِّلَ فَسَلِّمْ لأُِنَاسٍ رَأَوْهُ بِالأَبْصَارَ تفسير : ثم قد رجعت فى الخطبة المؤلفة بعد هذا عما هنا، ويجوز أن يكون المعنى، فإذا أردتم قضاء الصلاة فى أدائها فاذكروا الله، أى صلوا قائمين صلاة المسايفة إن لم تجدوا الصلاة طائفتين مع الإمام، واحدة بعد الأخرى، أو قاعدين رامين بالسهام أو مضطجعين لعدم القدرة بالجراح، ولا قضا بعد ذلك ولا إعادة فى الوقت ولو زال العذر، وقال الشافعى بوجوب القضاء بعد الوقت الإعادة فيه إذا زال العذر لقوله تعالى {فَإِذَا اطْمَأَنَنتُمْ فَأَقِيُموا الصَّلاَةَ} اقضوها بعد الوقت وأعيدوها فى الوقت إن زال العذر، والمذهب أنه لا إعادة ولا قضاء، ونسبه بعض المحققين للشافعى، وإن صلوها لمظنه خوف كسواد رأوه فتبين فى الوقت عدمه فليعيدوها، وأن المعنى إذا زال العذر فصلوا الصلوات الآتية بعده تامات بشروطها وشطورها، وزعم أبو حنيفة أن المحارب لا يصلى حتى يطمئن، وأن معنى الآية ذلك، وليس كذلك، بل يصلى كما أمكنه، ولو بتكييفها فى قلبه من حيث أعمالها، وأما أقوالها فلا بد منها ما امكن، والحجة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أمرتكم بشىء فائتوا منه ما استطعتم" تفسير : ، ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر رجلا بقتل كافر، فذهب إلى قتله وهو يصلى فى ذهابه إليه بذكر وإيماء خوف أن يموت ولم يصل، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينهه، قال ابن عباس رضى الله عنهما عقب تفسير الآية، لم يعذر الله تعالى أحداً فى ترك ذكره إلا المغلوب على عقله، يعنى من ترك ذكره تعالى عده الله مقصراً {إنَّ الصَّلاَةَ كانتَ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً} فرضاً، لما جرى فى العرف أن الشىء يكتب لأنه لا بد منه ولو كان قد لا يجب استعمل الكتاب فى معنى الفرض فى مكتوبه أو ذات كَتْب {مَّوْقُوتاً} أى محدوداً لا تترك ولا تقدم ولا تؤخر، وأنه يؤتى بها كيف ما أمكن ولو فى طعان أو مسايفة، والمراد محدودة بأوقاتها وشروطها وعدد ركعاتها فى الحضر والسفر والخوف، لا يزاد فيها حال السفر، ولا ينقص فى الحضر والسفر، وتقدم أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد، موعدكم بدر من قابل إن شئت يا محمد، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : إن شاء اللهتفسير : ، فخرج صلى الله عليه وسلم من قابل وقد وهنوا لما أصابهم فى أحد ولم يخرج هو وفى ذلك نزل قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا} تضعفوا {فِى ابْتِغَآءِ} طلب {القَوْمِ} الكفار بالقتال {إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ} إلخ تشجيع للصحابة رضى الله عنهم وتعليل لقوله تعالى: {ولا تهنوا}، لأنه أصابهم مثل ما أصابكم، فصبروا، فكيف لا تصبرون أنتم، مع أن لكم لا لهم عاقبة الخير فى الدنيا والأخرى، وأنتم على الهدى وهم على الباطل، والآية فى الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبى سفيان يوم أحد للقتال، ألا ترى قوله فى ابتغاء القوم، إذ ثقل عليهم القتال ثانياً، أويوم أحد فى الذهاب خلف أبى سفيان وعسكره ليقاتلوه فى حمراء الأسد {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كمآ تَأْلَمُونَ } فلا يحسن لكم أن يرد التألم عنه وهم لا يردهم {وَتَرْجُونَ مِنّ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} من الجنة والنصر على القتال فيجب أن تكونوا اصبر منهم عليه، وأرغب فيه، وعبارة بعض أنها نزلت فى الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبى سفيان يوم أحد وقيل نزلت يوم أحد فى الذهاب خلف أبى سفيان وعسكره إلى حمراء الأسد وهو مروى عن عكرمة {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً} بأحوالكم وضمائركم {حَكِيماً} فيما يأمر به وما ينهى عنه، وسرق طعمة بن أبيرق، بصيغة التضمير الأنصارى، من بنى ظفر درعا وحده فىحراب فيه دقيق، من جاره قتادة ابن النعمان، وخبأها عند زيد بن السمين اليهودى وديعة عنده، ووجدوا أثراً لدقيق متناثراً، فقال أصحابه نتبع أثر الدقيق، فوجدوه فى دار اليهودى، فقال: وضعه عندى طعمة، وشهد له قومه فأنكر طعمة، وحلف طعمة أنى ما وضعته عنده وما سرقته، وعزم قومه أن يشهدوا له، أن اليهودى هو السارق وفعلوا، وسألوه صلى الله عليه وسلم أن يجادل عن طعمة، فهم صلى الله عليه وسلم بقطعه فأعلمه الله أن السارق طعمة، فهم بقطعه فارتد، فهرب إلى مكة، ونقب فيها حائطاً ليسرق فوقع عليه فمات، وقيل ركب سفينة إلى جده فسرق فيها كيساً فيه دنانير فألقوه فى البحر، وقيل لحق بقريش فنقب غرفة للحجاج فأخرجوه، فلحق بركب من قضاعة فقال إنى ابن سبيل، فحملوه وسرق منهم وهرب فأدركوه، فقتلوه رجما، وقيل نزل على الحجاج المذكور وهو الحجاج بن علاط، فنقب بيته ليسرق فقطن به، فقال صيفة وابن عمى تريد أن تسرق منى فأخرجه، ومات بحرة بنى سالم وفى جميع ذلك مات كافراً مرتدا وفيه نزل قوله تعالى: {إنَّآ أَنزَلْنآ إلَيْكَ الكِتَابَ لِتَحكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللهُ} بما عرفك الله بالوحى {وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنينَ} لأجل الخائنين ونفعهم، أو عن الخائنين وهم بنو أبيرق أو طعمة ومن معه، أو للخائينين مطلقاً، والعطف عطف إنشاء على إخبار، أو على محذوف، أى احكم بالحق ولا تكن، أويقدر قول، أى قلنا إنا أنزلنا، فإنه لا إشكال فى قولنا ولا تكن الخ {خَصِيماً} على خصمهم، أو لا تكن خصيما ثابتاً لهم على خصمهم، زجر له صلى الله عليه وسلم عما ظهر له ومال إليه من تبرئه طعمة والاقتصار على تحليفه والحكم على اليهودى لوجود الدرع عنده، وبطلان شهادة المشركين له على المسلم، وذلك كله حق بحسب ما ظهر له صلى الله عليه وسلم، وهو الذى كلف الله به العباد، إلا أن الله سبحانه بين له صلى الله عليه وسلم أن اليهودى برىء، وأن طعمة هو السارق، ونهاه أن يحكم على اليهودى، فجرى على هذا الغيب الذى أخبره به، ولو لم يخبره الله به لجرى على ذلك الذى ظهر له من الحكم على اليهودى وكان محقا، له أجران، لأنه مصيب فيما كلف به، كما فى سائر حكمه بحسب ما ظهر له، وقوله إنى آخذ جذوة من نار لمن حكت له بغير حقه، لظاهر الأمر، وهو عالم بأن الحق ليس له.
الالوسي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ} أي فإذا أديتم صلاة الخوف على الوجه المبين وفرغتم منها. {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} أي فداوموا على ذكره سبحانه في جميع الأحوال حتى في حال (المسايفة) والمقارعة والمراماة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال عقب تفسيرها: لم يعذر الله تعالى أحداً في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله، وقيل: المعنى وإذا أردتم أداء الصلاة واشتد الخوف أو التحم القتال فصلوا كيفما كان، وهو الموافق لمذهب الشافعي من وجوب الصلاة حال المحاربة وعدم جواز تأخيرها عن الوقت، ويعذر المصلي حينئذ في ترك القبلة لحاجة القتال لا لنحو جماح دابة وطال الفصل، وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح لا الصياح أو النطق بدونه ولو دعت الحاجة إليه كتنبيه من خشي وقوع مهلك به أو زجر الخيل أو الإعلام بأنه فلان المشهور بالشجاعة لندرة الحاجة ولا قضاء بعد الأمن فيه، نعم لو صلوا كذلك لسواد ظنوه ولو بإخبار عدل عدواً فبان أن لا عدو وأن بينهم وبينه ما يمنع وصوله إليهم كخندق، أو أن بقربهم عرفاً حصناً يمكنهم التحصن به من غير أن يحاصرهم فيه قضوا في الأظهر، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك في غاية البعد {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} أي أقمتم ـ كما قال قتادة ومجاهد ـ وهو راجع إلى قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [النساء: 101] ولما كان الضرب اضطراباً وكنى به عن السفر ناسب أن يكنى بالاطمئنان عن الإقامة، وأصله السكون والاستقرار أي إذا استقررتم وسكنتم من السير والسفر في أمصاركم {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} أي أدوا الصلاة التي دخل وقتها وأتموها وعدلوا أركانها وراعوا شروطها وحافظوا على حدودها، وقيل: المعنى فإذا أمنتم فأتموا الصلاة أي جنسها معدلة الأركان ولا تصلوها ماشين أو راكبين أو قاعدين، وهو المروي عن ابن زيد، وقيل: المعنى: فإذا اطمأننتم في الجملة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي حال القلق والانزعاج، ونسب إلى الشافعي رضي الله عنه وليس بالصحيح لما علمت من مذهبه {أية : وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} تفسير : [فاطر: 14]. {إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً} أي مكتوباً مفروضاً {مَّوْقُوتاً} محدود الأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال فلا بدّ من إقامتها سفراً أيضاً، وقيل: المعنى كانت عليهم أمراً مفروضاً مقدراً في الحضر بأربع ركعات وفي السفر بركعتين فلا بدّ أن تؤدى في كل وقت حسبما قدر فيه، واستدل بالآية من حمل الذكر فيما تقدم على الصلاة وأوجبها في حال القتال على خلاف ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.
ابن عاشور
تفسير : القضاء: إتمام الشيء كقوله: {أية : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءهم أو أشدّ ذكراً}تفسير : [البقرة: 200]. والظاهر من قوله: {فإذا قضيتم الصلاة} أنّ المراد من الذكر هنا النوافل، أو ذكر اللسان كالتسبيح والتحميد، (فقد كانوا في الأمن يجلسون إلى أن يفرغوا من التسبيحِ ونحوه)، فرخّص لهم حين الخوف أن يذكروا الله على كلّ حال والمراد القيام والقعود والكون على الجنوب ما كان من ذلك في أحوال الحرب لا لأجل الاستراحة. وقوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} تفريع عن قوله: {أية : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم}تفسير : [النساء: 101] إلى آخر الآية. فالاطمئنان مراد به القفول من الغزو، لأنّ في الرجوع إلى الأوطان سكوناً من قلاقل السفر واضطراب البدن، فإطلاق الاطمئنان عليه يشبه أن يكون حقيقة، وليس المراد الاطمئنان الذي هو عدم الخوف لعدم مناسبته هنا، وقد تقدّم القول في الاطمئنان عند قوله تعالى: {أية : ولكن ليطمئنّ قلبي}تفسير : من سورة البقرة (260). ومعنى: {فأقيموا الصلاة} صلّوها تامّة ولا تقصروها، هذا قول مجاهد وقتادة، فيكون مقابل قوله: {أية : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}تفسير : [النساء: 101]، وهو الموافق لما تقدّم من كون الوارد في القرآن هو حكم قصر الصلاة في حال الخوف، دون قصر السفر من غير خوف. فالإقامة هنا الإتيان بالشيء قائماً أي تامّاً، على وجه التمثيل كقوله تعالى: {أية : وأقيموا الوزن بالقسط}تفسير : [الرحمٰن: 9] وقوله: {أية : أنْ أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه}تفسير : [الشورى: 13]. وهذا قول جمهور الأيّمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لاَ يؤدّي المجاهد الصلاة حتّى يزول الخَوف، لأنّه رأى مباشرة القتال فعلاً يفسد الصلاة. وقوله تعالى: {أية : وإذا ضربتم في الأرض} تفسير : [النساء: 101] إلى قوله: {فإذا اطمأننتم} [النساء: 103] يرجْح قول الجمهور، لأنّ قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} مسوق مساق التعليل للحرص على أدائها في أوقاتها. والموقوت: المحدود بأوقات، والمنجّم عليها، وقد يستعمل بمعنى المفروض على طريق المجاز. والأول أظهر هنا.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الصلاة كانت ولم تزل على المؤمنين كتاباً أي: شيئاً مكتوباً عليهم واجباً حتماً موقوتاً أي: له أوقات يجب بدخولها ولم يشر هنا إلى تلك الأوقات، ولكنه أشار لها في مواضع أخر كقوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} تفسير : [الإسراء: 78] فأشار بقوله: {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} وهو زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر وأشار بقوله: {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ} وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء وأشار بقوله: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} إلى صلاة الصبح وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة. لأنها ركن فيها من التعبير عن الشيء باسم بعضه. وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحاً كلياً، ومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة كما قاله جماعة من العلماء. قوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} تفسير : [الروم: 17-18] قالوا: المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة وأشار بقوله: {حِينَ تُمْسُونَ} إلى صلاة المغرب والعشاء وبقوله: {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} إلى صلاة الصبح وبقوله: {وَعَشِيًّا} إلى صلاة العصر وبقوله: {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} إلى صلاة الظهر، وقوله تعالى: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} تفسير : [هود: 114]. وأقرب الأقوال في الآية أنه أشار بطرفي النهار إلى صلاة الصبح أوله وصلاة الظهر والعصر آخره أي: في النصف الأخير منه وأشار بزلف من الليل إلى صلاة المغرب والعشاء. وقال ابن كثير: يحتمل أن الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس، وكان الواجب قبلها صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وقيام الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وعلى هذا فالمراد بطرفي النهار بالصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والمراد بزلف من الليل قيام الليل. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر أن هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - بعيد. لأن الآية نزلت في أبي اليسر في المدينة بعد فرض الصلوات بزمن فهي على التحقيق مشيرة لأوقات الصلاة، وهي آية مدنية في سورة مكية وهذه تفاصيل أوقات الصلاة بأدلتها المبينة لها من السنة، ولا يخفى أن لكل وقت منها أولا وآخراً، أما أول وقت الظهر فهو زوال الشمس عن كبد السماء بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسراء: 78] فاللام للتوقيت ودلوك الشمس زوالها عن كبد السماء على التحقيق. وأما السنة فمنها حديث أبي برزة الأسلمي عند الشيخين. كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس الحديث، ومعنى تدحض: تزول عن كبد السماء. وفي رواية مسلم: حين تزول. وفي الصحيحين عن جابر - رضي الله عنه - كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، وفي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - أنه خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر وفي حديث ابن عباس عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أمني جبريل عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس" تفسير : الحديث أخرجه الإمامان الشافعي وأحمد، وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني والحاكم في المستدرك وقال: هو حديث صحيح. وقال الترمذي: حديث حسن فإن قيل في إسناده عبد الرحمن بن الحرث بن عياش بن أبي ربيعة، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وحكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف وكلهم مختلف فيهم، فالجواب أنهم توبعوا فيه فقد أخرجه عبد الرزاق عن العمري عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس نحوه. قال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة، وصححه ابن العربي، وابن عبد البر إ.هـ، مع أن بعض رواياته ليس في إسنادها عبد الرحمن بن أبي الزناد بل سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث المذكور، عن حكيم بن حكيم المذكور، فتسلم هذه الرواية من التضعيف بعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومن هذه الطريق أخرجه ابن عبد البر، وقال: إن الكلام في إسناده لا وجه له، وكذلك أخرجه من هذا الوجه أبو داود، وابن خزيمة، والبيهقي، وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "جاءه جبريل، عليه السلام، فقال له: قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس" الحديث، أخرجه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم. وقال الترمذي: قال محمد: يعني البخاري، حديث جابر، أصح شيء في المواقيت. قال عبد الحق: يعني في إمامة جبريل، وهو ظاهر، وعن بريدة - رضي الله عنه - حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن وقت الصلاة، فقال: "صل معنا هذين اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالاً - رضي الله عنه - فأذن ثم أمره فأقام الظهر"تفسير : . الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة إلى أن قال: ثم أمره، فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم"تفسير : الحديث، رواه مسلم أيضاً، والأحاديث في الباب كثيرة جداً. وأما الإجماع، فقد أجمع جميع المسلمين على أن اول وقت صلاة الظهر هو زوال الشمس عن كبد السماء، كما هو ضروري من دين الإسلام. وأما آخر وقت صلاة الظهر، فالظاهر من أدلة السنة فيه، أنه عندما يصير ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال، فإن في الأحاديث المشار إليها آنفاً، أنه في اليوم الأول صلى العصر عندما صار ظل كل شيء مثله في إمامة جبريل، وذلك عند انتهاء وقت الظهر، وأصح شيء في ذلك ما اخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر" تفسير : وهذا الحديث الصحيح يدل على أنه إذا جاء وقت العصر، فقد ذهب وقت الظهر، والرواية المشهورة عن مالك - رحمه الله تعالى - أن هذا الذي ذكرنا تحديده بالأدلة، هو وقت الظهر الاختياري، وأن وقتها الضروري يمتد بالاشتراك مع العصر إلى غروب الشمس. وروي نحوه عن عطاء، وطاوس، والظاهر أن حجة أهل هذا القول الأدلة الدالة على اشتراك الظهر والعصر في الوقت، فمن حديث ابن عباس المشار إليه سابقاً "فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في الأول" وعن ابن عباس أيضاً قال: "حديث : جمع النَّبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من غير خوف، ولا سفر"تفسير : متفق عليه، وفي رواية لمسلم "من غير خوف، ولا مطر" فاستدلوا بهذا على الاشتراك، وقالوا أيضاً: الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني، فينبغي أن يزاد في وقت الظهر. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر سقوط هذا الاستدلال، أما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس "فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر، في اليوم الأول" فيجاب عنه بما أجاب به الشافعي - رحمه الله - وهو أن معنى صلاته للظهر في اليوم الثاني فراغه منها، كما هو ظاهر اللفظ، ومعنى صلاته للعصر في ذلك الوقت، في اليوم الأول ابتداء الصلاة، فيكون قد فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني عند كون ظل الشخص مثله، وابتدأ صلاة العصر في اليوم الأول ابتداء الصلاة، عند كون ظل الشخص مثله أيضاً، فلا يلزم الاشتراك، ولا إشكال في ذلك. لأن آخر وقت الظهر، هو أول وقت العصر، ويدل لصحة هذا الذي قاله الشافعي، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى - رضي الله عنه - "وصلى الظهر قريباً من وقت العصر بالأمس" فهو دليل صحيح واضح في أنه ابتدأ صلاة الظهر في اليوم الثاني قريباً من وقت كون ظل الشخص مثله، وأتمها عند كون ظله مثله كما هو ظاهر، ونظير هذا التأويل الذي ذهب إليه الشافعي. قوله تعالى: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 2] وقوله تعالى: {أية : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}تفسير : [البقرة: 232] فالمراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل. وأما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس، المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم "جمع بالمدينة من غير خوف، ولا سفر" فيجاب عنه بأنه يتعين حمله على الجمع الصوري جمعاً بين الأدلة، وهو أنه صلى الظهر في آخر وقتها حين لم يبق من وقتها إلا قدر ما تصلى فيه، وعند الفراغ منها دخل وقت العصر فصلاها في أوله، ومن صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها كانت صورة صلاته صورة الجمع، وليس ثم جمع في الحقيقة. لأنه أدى كلاً من الصلاتين في وقتها المعين لها، كما هو ظاهر، وستأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله. وأما الاستدلال بأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل، فهو ظاهر السقوط. لأن توقيت العبادات توقيفي بلا نزاع، والزيادة في الأوقات المذكورة ثبتت بالنصوص الشرعية. وأما صلاة العصر، فقد دلت نصوص السنة على أن لها وقتاً اختيارياً، ووقتاً ضرورياً، أما وقتها الاختياري فأوله عندما يكون ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال، ويدخل وقتها بانتهاء وقت الظهر المتقدم بيانه، ففي حديث ابن عباس المتقدم "فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله". وفي حديث جابر المتقدم أيضاً: "فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله" وهذا هو التحقيق في أول وقت العصر، كما صرحت به الأحاديث المذكورة وغيرها. وقال الشافعي: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة. قال مقيده - عفا الله عنه - إن كان مراد الشافعي أن الزيادة لتحقيق بيان انتهاء الظل إلى المثل إذ لا يتيقن ذلك إلا بزيادة ما كما قال به بعض الشافعية فهو موافق لما عليه الجمهور لا مخالف له، وإن كان مراده غير ذلك فهو مردود بالنصوص المصرحة بأن أول وقت العصر عندما يكون ظل الشيء مثله من غير حاجة إلى زيادة مع أن الظاهر إمكان تحقيق كون ظل الشيء مثله من غير احتياج إلى زيادة ما. وشذ أبو حنيفة - رحمه الله - من بين عامة العلماء فقال: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيراً كان أول وقت العصر. ونقل النووي في شرح المهذب عن القاضي أبي الطيب أن ابن المنذر قال: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة - رحمه الله - وحجته حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر فعجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين". فقال أهل الكتاب: أي: ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً ونحن أكثر عملاً. قال الله تعالى: "هل ظلمتكم من أجركم من شيء، قالوا: لا قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء"تفسير : متفق عليه. قال: فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر ومن حين يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس وهو ربع النهار، وليس بأقل من وقت الظهر، بل هو مثله. وأجيب عن هذا الاستدلال بأن المقصود من هذا الحديث ضرب المثل لا بيان تحديد أوقات الصلاة، والمقصود من الأحاديث الدالة على انتهاء وقت الظهر عندما يصير ظل الشيء مثله هو تحديد أوقات الصلاة، وقد تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها مع أن الحديث ليس فيه تصريح بأن أحد الزمنين أكثر من الآخر وإنما فيه أن عملهم أكثر، وكثرة العمل لا تستلزم كثرة الزمن لجواز أن يعمل بعض الناس عملاً كثيراً في زمن قليل، ويدل لهذا أن هذه الأمة وضعت عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم. قال ابن عبد البر: خالف أبو حنيفة في قوله هذا الآثار والناس وخالفه أصحابه، فإذا تحققت أن الحق كون أول وقت العصر عندما يكون ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال. فاعلم أن آخر وقت العصر جاء في بعض الأحاديث تحديده بأن يصير ظل كل شيء مثليه، وجاء في بعضها تحديده بما قبل اصفرار الشمس، وجاء في بعضها امتداده إلى غروب الشمس، ففي حديث جابر وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل في بيانه لآخر وقت العصر في اليوم الثاني، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وأحمد، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، وفي حديث أبي موسى عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي، ثم أخر العصر فانصرف منها والقائل يقول: احمرت الشمس، وروى الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربع نحوه من حديث بريدة الأسلمي، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. والظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات في تحديد آخر وقت العصر أن مصير ظل الشيء مثليه هو وقت تغيير الشمس من البياض والنقاء إلى الصفرة، فيؤول معنى الروايتين إلى شيء واحد، كما قاله بعض المالكية. وقال ابن قدامة في المغني: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية، فقد صلاها في وقتها، وفي هذا دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب ولعلهما متقاربان يوجد أحدهما قريباً من الآخر اهـ. منه بلفظه. وهذا هو انتهاء وقتها الاختياري. وأما الروايات الدالة على امتداد وقتها إلى الغروب، فهي في حق أهل الأعذار كحائض تطهر، وكافر يسلم، وصبي يبلغ، ومجنون يفيق، ونائم يستيقظ، ومريض يبرأ، ويدل لهذا الجمع ما رواه الإمام أحمد ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله إلا قليلاً"تفسير : . ففي الحديث دليل على عدم جواز تأخير صلاة العصر إلى الاصفرار فما بعده بلا عذر، وأول وقت صلاة المغرب غروب الشمس: أي غيبوبة قرصها بإجماع المسلمين، وفي حديث جابر وابن عباس في إمامة جبريل "فصلى المغرب حين وجبت الشمس"، وفي حديث سلمة بن الكوع - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب". أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع إلا النسائي، والأحاديث بذلك كثيرة، واختلف في آخر وقتها أعني المغرب، فقال بعض العلماء: ليس لها إلا وقت واحد وهو قدر ما تصلي فيه من أول وقتها مع مراعاة الإتيان بشروطها، وبه قال الشافعي: وهو مشهور مذهب مالك، وحجة أهل هذا القول أن جبريل صلاها بالنَّبي صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية في وقت صلاته لها في الأولى، قالوا: فلو كان لها وقت آخر لأخرها في الثانية إليه كما فعل في جميع الصلوات غيرها. والتحقيق أن وقت المغرب يمتد ما لم يغب الشفق. فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق"تفسير : . الحديث والمراد بثور الشفق: ثوراته وانتشاره ومعظمه، وفي القاموس أنه حمرة الشفق الثائرة فيه، وفي حديث أبي موسى المتقدم عند أحمد ومسلم وحديث بريدة المتقدم عند أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربع ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وفي لفظ "فصلى المغرب قبل سقوط الشفق"، والجواب عن أحاديث إمامة جبريل حيث صلى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه: الأول: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز وهذا جار في كل الصلوات ما سوى الظهر. والثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب إلى غروب الشفق متأخرة في آخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها. والثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسناداً من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها قاله الشوكاني - رحمه الله - ولا خلاف بين العلماء في أفضلية تقديم صلاة المغرب عند أول وقتها ومذهب الإمام مالك - رحمه الله - امتداد الوقت الضروري للمغرب بالاشتراك مع العشاء إلى الفجر. وقال البيهقي في السنن الكبرى: روينا عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف في المرأة تطهر قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، والظاهر أن حجة هذا القول بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى طلوع الفجر كما هو مذهب مالك ما ثبت في الصحيح أيضاً من أنه صلى الله عليه وسلم "جمع بين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر"، فقد روى الشيخان في صحيحهما عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء"تفسير : ومعناه: أنه يصلي السبع جميعاً في وقت واحد والثماني كذلك كما بينته رواية البخاري في باب وقت المغرب عن ابن عباس قال: صلى النَّبي صلى الله عليه وسلم "سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً". وفي لفظ لمسلم وأحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه "جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته، وبه تعلم أن قول مالك في الموطأ لعل ذلك لعلة المطر غير صحيح. وفي لفظ أكثر الروايات من غير خوف ولا سفر. وقد قدمنا أن هذا الجمع يجب حمله على الجمع الصوري لما تقرر في الأصول من أن الجمع واجب إذا أمكن، وبهذا الحمل تنتظم الأحاديث ولا يكون بينها خلاف ومما يدل على أن الحمل المذكور متعين، ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ "صليت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء" فهذا ابن عباس راوي حديث الجمع قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري فرواية النسائي هذه صريحة في محل النزاع مبينة للإجمال الواقع في الجمع المذكور. وقد تقرر في الأصول أن البيان بما سنده دون سند المبين جائز عند جماهير الأصوليين، وكذلك المحدثون وأشار إليه في مراقي السعود بقوله في مبحث البيان. شعر : وبين القاصر من حيث السند أو الدلالة على ما يعتمد تفسير : ويؤيده ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال "يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه" وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس والراوي أدرى بما روى من غيره. لأنه قد يعلم من سياق الكلام قرائن لا يعلمها الغائب، فإن قيل ثبت في صحيح البخاري وغيره أن أيوب السختياني قال لأبي الشعثاء: لعل ذلك الجمع في ليلة مطيرة، فقال أبو الشعثاء: عسى. فالظاهر في الجواب والله تعالىأعلم أنا لم ندع الجزم أبي الشعثاء بذلك ورواية الشيخين عنه بالظن، والظن لا ينافي احتمال النقيض وذلك النقيض المحتمل هو مراده بعسى والله تعالى أعلم. ومما يؤيد حمل الجمع المذكور على الجمع الصوري أن ابن مسعود وابن عمر - رضي الله عنهم - كلاهما ممن روي عنه الجمع المذكور بالمدينة مع أن كلاً منهما روي عنه ما يدل على أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري. أما ابن مسعود فقد رواه عنه الطبراني كما ذكره ابن حجر في فتح الباري. وقال الشوكاني في نيل الأوطار رواه الطبراني عن ابن مسعود في الكبير والأوسط كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ "حديث : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك فقال "صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي" تفسير : مع أن ابن مسعود روى عنه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي أنه قال "حديث : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها"تفسير : فنفى ابن مسعود للجمع المذكور يدل على أن الجمع المروي عنه الجمع الصوري. لأن كلاً من الصلاتين في وقتها وإلا لكان قوله متناقضاً والجمع واجب متى ما أمكن. وأما ابن عمر فقد روى عنه الجمع المذكور بالمدينة عبد الرزاق كما قاله الشوكاني أيضاً مع أنه روى عنه ابن جرير أنه قال "حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما"تفسير : قاله الشوكاني أيضاً وهذا هو الجمع الصوري فهذه الروايات معينة للمراد بلفظ جمع. واعلم أن لفظة جمع فعل في سياق الإثبات، وقد قرر أئمة الأصول أن الفعل المثبت لا يكون عاماً في أقسامه. قال ابن الحاجب في مختصره الأصولي في مبحث العام، ما نصه: الفعل المثبت لا يكون عاماً في أقسامه مثل صلى داخل الكعبة فلا يعم الفرض والنفل. إلى أن قال: وكان يجمع بين الصلاتين لا يعم وقتيهما وأما تكرر الفعل فمستفاد من قول الراوي كان يجمع كقولهم كان حاتم يكرم الضيف إلخ. قال شارحه العضد ما نصه: وإذا قال كان يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فلا يعم جمعهما بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير في وقت الثانية، وعمومه في الزمان لا يدل عليه أيضاً، وربما توهم ذلك من قوله كان يفعل، فإنه يفهم منه التكرار كما إذا قيل: كان حاتم يكرم الضيف وهو ليس مما ذكرناه في شيء. لأنه لا يفهم من الفعل، وهو يجمع. بل من قول الراوي، وهو كان، حتى لو قال: جمع لزال التوهم، انتهى محل الغرض منه بلفظه بحذف يسير لما لا حاجة إليه في المراد عندنا فقوله: حتى لو قال: جمع زال التوهم، يدل على أن قول ابن عباس في الحديث المذكور جمع لا يتوهم فيه العموم، وإذن فلا تتعين صورة من صور الجمع، إلا بدليل منفصل. وقد قدمنا الدليل على أن المراد الجمع الصوري. وقال صاحب جمع الجوامع عاطفاً على ما لا يفيد العموم ما نصه، والفعل المثبت، ونحو كان يجمع في السفر. قال شارحه صاحب الضياء اللامع: ما نصه، ونحو كان يجمع في السفر أي: بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، لا عموم له أيضاً. لأنه فعل في سياق الثبوت فلا يعم جمعهما بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير إلى وقت الثانية، بهذا فسر الرهوني كلام ابن الحاجب إلى أن قال: وإنما خص المصنف هذا الفعل الأخير بالذكر مع كونه فعلاً في سياق الثبوت. لأن في كان معنى زائد، وهو اقتضاؤها مع المضارع التكرار عرفاً فيتوهم منها العموم نحو كان حاتم يكرم الضيفان. وبهذا صرح الفهري والرهوني وذكر ولي الدين عن الإمام في المحصول أنها لا تقتضي التكرار عرفاً ولا لغة. قال ولي الدين والفعل في سياق الثبوت لا يعم كالنكرة المثبتة، إلا أن تكون في معرض الامتنان كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} تفسير : [الفرقان: 48] اهـ. من الضياء اللامع لابن حلولو. قال مقيدة - عفا الله عنه - وجه كون الفعل في سياق الثبوت لا يعم هو أن الفعل ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن وينحل عند الجماعة من البلاغيين عن مصدر وزمن ونسبة، فالمصدر كامن في معناه إجماعاً، والمصدر الكامن فيه لم يتعرف بمعرف فهو نكرة في المعنى، ومعلوم أن النكرة لا تعم في الإثبات، وعلى هذا جماهير العلماء وما زعمه بعضهم من أن الجمع الصوري لم يرد في لسان الشارع ولا أهل عصره، فهو مردود بما قدمنا عن ابن عباس عند النسائي وابن عمر عند عبدالرزاق وبما رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه والشافعي وابن ماجه والدارقطني والحاكم من حديث حمنة بنت جحش - رضي الله عنها - "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لها وهي مستحاضة، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلي حتى تطهري وتصلين الظهر والعصر جمعاً، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الصبح"تفسير : قال: وهذا أعجب الأمرين إلي، ومما يدل على أن الجمع المذكور في حديث ابن عباس جمع صوري ما رواه النسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء "حديث : أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء فعل ذلك من شغل"تفسير : وفيه رفعة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية لمسلم من طريق عبدالله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه. انتهى من فتح الباري. وما ذكره الخطابي وابن حجر في الفتح من أن قوله صلى الله عليه وسلم: "صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي" ففي حديث ابن عباس وابن مسعود المتقدمين يقدح في حمله على الجمع الصوري. لأن القصد إليه لا يخلو من حرج، وأنه أضيق من الإيتان بكل صلاة في وقتها. لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما يصعب إدراكه على الخاصة فضلاً عن العامة. يجاب عنه بما أجاب به العلامة الشوكاني - رحمه الله - في نيل الأوطار وهو أن الشارع صلى الله عليه وسلم، قد عرف أمته أوائل الأوقات وأواخرها وبالغ في التعريف والبيان حتى انه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة فضلاً عن الخاصة، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها وفعل الأخرى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها، كما كان ديدنه صلى الله عليه وسلم، حتى قالت عائشة - رضي الله عنها - "حديث : ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله"تفسير : ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرة أخف من صلاة كل منهما في أول وقتها، وومن ذهب إلى أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري ابن الماجشون والطحاوي وإمام الحرمين والقرطبي وقواه ابن سيد الناس. بما قدمنا عن ابي الشعثاء ومال إليه بعض الميل النووي في شرح المهذب في باب المواقيت من كتاب الصلاة، فإن قيل. الجمع الصوري الذي حملتم عليه حديث ابن عباس هو فعل كل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها وهذا ليس برخصة. بل هو عزيمة فأي فائدة إذن في قوله: صلى الله عليه وسلم. "لئلا تحرج أمتي" مع كون الأحاديث المعينة للأوقات تشمل الجمع الصوري، وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح لفائدته وإلغاء مضمونه، فالجواب، هو ما أجاب به العلامة الشوكاني - رحمه الله - أيضاً، وهو أنه لا شك أن الأقوال الصادرة منه صلى الله عليه وسلم، في أحاديث توقيت الصلوات شاملة للجمع الصوري كما ذكره المعترض، فلا يصح أن يكون رفع الحرج منسوباً إليها. بل هو منسوب إلى الأفعال ليس إلا لما عرفناك منه أنه صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين، فربما ظن ظان أن فعل الصلاة في أول وقتها متحتم لملازمته صلى الله عليه وسلم، لذلك طول عمره فكان في جمعه جمعاً صورياً تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرد الفعل. وقد كان اقتداء الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة - رضي الله عنهم - من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم صلى الله عليه وسلم، بالنحر حتى دخل صلى الله عليه وسلم على أم سلمة مغموماً فأشارت عليه بأن يحر ويدعو الحلاق يحلق له ففعل. فنحروا جميعاً وكادوا يهلكون غماً من شدة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق ومما يؤيد أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز لغير عذر ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر"تفسير : وفي إسناده حنش بن قيس وهو ضعيف. ومما يدل على ذلك أيضاً ما قاله الترمذي، في آخر سننه في كتاب العلل منه، ولفظه: جميع ما في كتابي هذا من الحديث معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين. حديث ابن عباس "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا سفر"تفسير : إلخ. وبه تعلم أن الترمذي يقول: إنه لم يذهب أحد من أهل العلم إلى العمل بهذا الحديث في جمع التقديم أو التأخير، فلم يبق إلا الجمع الصوري، فيتعين. قال مقيدة - عفا الله عنه - روي عن جماعة من أهل العلم أنهم أجازوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقاً، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة، منهم ابن سيرين، وربيعة، وأشهب وابن المنذر، والقفال الكبير. وحكاه الخطابي، عن جماعة من أصحاب الحديث. قاله ابن حجر، وغيره وحجتهم ما تقدم في الحديث من قوله "لئلا تحرج أمتي" وقد عرفت مما سبق أن الأدلة تعين حمل ذلك على الجمع الصوري، كما ذكر، والعلم عند الله تعالى. تنبيه قد اتضح من هذه الأدلة التي سقناها، أن الظهر لا يمتد لها وقت إلى الغروب، وأن المغرب لا يمتد لها وقت إلى الفجر، ولكن يتعين حمل هذا الوقت المنفي بالأدلة على الوقت الاختياري، فلا ينافي امتداد وقت الظهر الضروري إلى الغروب، وقت المغرب الضروري إلى الفجر، كما قاله مالك - رحمه الله - لقيام الأدلة على اشتراك الظهر والعصر في الوقت عند الضرورة، وكذلك المغرب والعشاء، وأوضح دليل على ذلك جواز كل من جمع التقديم، وجمع التأخير في السفر، فصلاة العصر مع الظهر عند زوال الشمس دليل على اشتراكها مع الظهر في وقتها عند الضرورة، وصلاة الظهر بعد خروج وقتها في وقت العصر في جمع التأخير دليل على اشتراكها معها في وقتها عند الضرورة أيضاً، وكذلك المغرب والعشاء، أما جمع التأخير بحيث يصلي الظهر في وقت العصر والمغرب في وقت العشاء، فهو ثابت في الروايات المتفق عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "حديث : كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما ". تفسير : قال ابن حجر: في شرحه لهذا الحديث. قوله: ثم يجمع بينهما أي: في وقت العصر، وفي رواية قتيبة عن المفضل في الباب الذي بعده " ثم نزل فجمع بينهما" ولمسلم من رواية جابر بن إسماعيل، عن عقيل "حديث : يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق"تفسير : وله من رواية شبابة، عن عقيل "حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما" اهـ. منه بلفظه. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء"تفسير : ولا يمكن حمل هذا الجمع على الجمع الصوري. لأن الروايات الصحيحة التي ذكرنا آنفاً فيها التصريح بأنه صلى الظهر في وقت العصر، والمغرب بعد غيبوبة الشفق. وقال البيهقي: في السنن الكبرى اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، وعبيدالله بن عمر، وأيوب السختياني، وعمر بن محمد بن زيد، عن نافع، على أن جمع ابن عمر بين الصلاتين كان بعد غيبوبة الشفق، وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ أحاديث نافع، ثم قال بعد هذا بقليل، ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب، فقد رواه سالم بن عبدالله، وأسلم مولى عمر وعبدالله بن دينار، وإسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي ذؤيب، وقيل ابن ذؤيب عن ابن عمر نحو روايتهم، ثم ساق البيهقي أسانيد روايتهم. وأما جمع التقديم بحيث يصلي العصر عند زوال الشمس مع الظهر في أول وقتها، والعشاء مع المغرب عند غروب الشمس في أول وقتها، فهو ثابت أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم وإن أنكره من أنكره العلماء، وحاول تضعيف أحاديثه، فقد جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه أحاديث منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل في الحج "حديث : ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً"تفسير : وكان ذلك بعد الزوال، فهذا حديث صحيح فيه التصريح بأنه صلى العصر مقدمة مع الظهر بعد الزوال، وقد روى أبو داود، وأحمد، والترمذي. وقال حسن غريب، وابن حيان، والدارقطني، والبيهقي والحاكم عن معاذ - رضي الله عنه - أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب".تفسير : وإبطال جمع التقديم بتضعيف هذا الحديث، كما حاوله الحاكم، وابن حازم لا عبرة به لما رأيت آنفاً من أن جمع التقديم، أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما"تفسير : رواه أحمد، ورواه الشافعي في مسنده بنحوه، وقال فيه "حديث : إذا سار قبل أن تزول الشمس آخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر"تفسير : ورواه البيهقي، والدارقطني، وروي عن الترمذي أنه حسنه، فإن قيل حديث معاذ معلول بتفرد قتيبة فيه، عن الحفاظ، وبأنه معنعن بيزيد عن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، ولا يعرف له منه سماع، كما قاله ابن حازم، وبأن في إسناده أبا الطفيل وهو مقدوح فيه بأنه كان حامل راية المختار بن أبي عبيد، وهو يؤمن بالرجعة، وبأن الحاكم قال: هو موضوع، وبأن أبا داود قال: ليس في جمع التقديم حديث قائم، وحديث ابن عباس في إسناده حسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس عن عبدالمطلب وهو ضعيف، فالجواب أن إعلاله بتفرد قتيبة به مردود من وجهين. الأول: أن قتيبة بن سعيد - رحمه الله تعالى - بالمكانة المعروفة له، من العدالة والضبط والإتقان، وهذا الذي رواه لم يخالف فيه غيره، بل زاد ما لم يذكره غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تقرر في علم الحديث أن زيادات العدول مقبولة لا سيما وهذه الزيادة التي هي جمع التقديم، تقدم ثبوتها في صحيح مسلم من حديث جابر، وسيأتي إن شاء الله أيضاً أنها صحت من حديث أنس. الوجه الثاني: أن قتيبة لم يتفرد به بل تابعه فيه المفضل بن فضالة. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في زاد المعاد ما نصه: فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبدالله بن موهب الرملي، حدثنا المفضل بن فضالة عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ فذكره، فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجل من المفضل، وأحفظ لكن زال تفرد قتيبة به اهـ. منه بلفظه. ورواه البيهقي في السنن الكبرى قال: أخبرنا أبو علي الروذباري أنبأنا أبو بكر بن داسه حدثنا أبو داود، ثم ساق السند المقتدم آنفاً، أعني سند أبي داود الذي ساقه ابن القيم، والمتن فيه التصريح بجمع التقديم، وكذلك رواه النسائي والدارقطني، كما قاله ابن حجر في التلخيص. فاتضح أن قتيبة لم يتفرد بهذا الحديث. لأن أبا داود والنسائي والدارقطني والبيهقي، أخرجوه من طريق أخرى متابعة لرواية قتيبة. وقال ابن حجر في التلخيص: إن في سند هذه الطريق هشام بن سعد وهو لين الحديث. قال مقيدة - عفا الله عنه - هشام بن سعد المذكور من رجال مسلم وأخرج له البخاري تعليقاً وبه تعلم صحة طريق المفضل المتابعة لطريق قتيبة، ولذا قال البيهقي في السنن الكبرى قال الشيخ، وإنما أنكرو من هذا رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل، فأما رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل، فهي محفوظة صحيحة. واعلم أنه لا يخفى أن ما يروى عن البخاري - رحمه الله - من أنه سأل قتيبة عمن كتب معه هذا الحديث عن الليث بن سعد فقال: كتبه معي خالد المدائني فقال البخاري: كان خالد المدائني يدخل على الشيوخ يعني: يدخل في روايتهم ما ليس منها، أنه لا يظهر كونه قادحاً في رواية قتيبة. لأن العدل الضابط لا يضره أخذ آلاف الكذابين معه. لأنه إنما يحدث بما علمه ولا يضره كذب غيره كما هو ظاهر. والجواب عما قاله ابن حزم من أنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ولا يعرف له منه سماع من وجهين: الأول: أن العنعنة ونحوها لها حكم التصريح بالتحديث عند المحدثين إلا إذا كان المعنعن مدلساً، ويزيد بن أبي حبيب قال فيه الذهبي في تذكرة الحفاظ كان حجة حافظاً للحديث وذكر من جملة من روى عنهم أبا الطفيل المذكور وقال فيه ابن حجر في التقريب ثقة فقيه، وكان يرسل ومعلوم أن الإرسال غير التدليس. لأن الإرسال في اصطلاح المحدثين هو رفع التابعي مطلقاً أو الكبير خاصة الحديث إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وقيل إسقاط راو مطلقاً وهو قول الأصوليين فالإرسال مقطوع فيه بحذف الواسطة بخلاف التدليس فإن الإسناد يحذف فيه الراوي شيخه المباشر له ويسند إلى شيخ شيخه المعاصر بلفظ محتمل للسماع مباشرة وبواسطة، نحو عن فلان وقال فلان فلا يقطع فيه بنفي الواسطة بل هو يوهم الاتصال. لأنه لا بد فيه من معاصرة من أسند إليه أعني: شيخ شيخه، وإلا كان منقطعاً كما هو معروف في علوم الحديث وقول ابن حزم لم يعرف له منه سماع ليس بقادح. لأن المعاصرة تكفي ولا يشترط ثبوت اللقى وأحرى السماع فمسلم بن الحجاج لا يشترط في صحيحه إلا المعاصرة فلا يشترط اللقى وأحرى السماع وإنما اشترط اللقى البخاري قال العراقي في ألفيته. شعر : وصححوا وصل معنعن سلم من دلسه رواية واللقا علم وبعضهم حكى بذا إجماعاً ومسلم لم يشرط اجتماعاً تفسير : لكن تعاصر إلخ. وبالجملة فلا يخفى إجماع المسلمين على صحة أحاديث مسلم مع أنه لا يشترط إلا المعاصرة وبه تعلم أن قول ابن حزم ومن وافقه إنه لا تعرف رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لا تقدح في حديثه لما علمت من أن العنعنة من غير المدلس لها حكم التحديث، ويزيد بن أبي حبيب مات سنة ثماني وعشرين بعد المائة، وقد قارب الثمانين. وأبو الطفيل ولد عام أحد ومات سنة عشر ومائة على الصحيح، وبه تعلم أنه لا شك في معاصرتهما واجتماعهما في قيد الحياة زمناً طويلاً، ولا غرو في حكم ابن حزم على رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل بأنها باطلة، فإنه قد ارتكب أشد من ذلك في حكمه على الحديث الثابت في صحيح البخاري "حديث : ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعارف"تفسير : بأنه غير متصل ولا يحتج به بسبب أن البخاري قال في أول الإسناد قال: هشام بن عمار ومعلوم أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري وأن البخاري بعيد جداً من التدليس وإلى رد هذا على ابن حازم أشار العراقي في ألفيته بقوله: شعر : وإن يكون أول الإسناد حذف مع صيغة الجزم فتعليقاً عرف ولو إلى آخره أما الذي لشيخه عزا بقال فكذى عنعنة كخبر المعازف لا تصغ لابن حازم المخالف تفسير : مع أن المشهور عن مالك وأحمد وأبي حنيفة - رحمهم الله - الاحتجاج بالمرسل، والمرسل في اصطلاح أهل الأصول ما سقط منه راو مطلقاً فهو بالاصطلاح الأصولي يشمل المنقطع والمعضل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى كما صرح به غير واحد وهو اضح والجواب عن القدح في أبي الطفيل بأنه كان حامل راية المختار مردود من وجهين الأول أن أبا الطفيل صحابي وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله مسلم وعقده ناظم عمود النسب بقوله: شعر : آخر من مات من الأصحاب له أبو الطفيل عامر بن واثلة تفسير : وأبو الطفيل هذا هو عامر بن واثلة بن عبدالله بن عمرو بن جحش الليثي نسبة إلى ليث بن بكر بن كنانة، والصحابة كلهم - رضي الله عنهم - عدول وقد جاءت تزكيتهم في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم في محله والحكم لجميع الصحابة بالعدالة هو مذهب الجمهور وهو الحق وقال في مراقي السعود: شعر : وغيره رواية والصحب تعديلهم كل إليه يصبو واختار في الملازمين دون من رآه إمام مؤتمن تفسير : والوجه الثاني: هو ما ذكره الشوكاني - رحمه الله - في نيل الأوطار وهو أن أبا الطفيل إنما خرج مع المختار على قاتلي الحسين - رضي الله عنه - وأنه لم يعلم من المختار إيمانه بالرجعة، والجواب عن قول الحاكم إنه موضوع بأنه غير صحيح بل هو ثابت وليس بموضوع. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم يعني : الحاكم، وقال ابن القيم أيضاً في زاد المعاد: قال الحاكم: هذا الحديث موضوع وإسناده على شرط الصحيح لكن رمي بعلة عجيبة، قال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالوية، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : كان في عزوة تبوك إلى أن قال وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جمعاً ثم سار"تفسير : الحديث: قال الحاكم هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن ثم لا نعرف له علة بها فلو كان الحديث عن الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولاً، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا الحديث شاذ وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلى ابن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجباً من إسناده ومتنه ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علة ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون اهـ. محل الغرض منه بتصرف يسير لا يخل بشيء من المعنى. وانظره فإن قوله ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به فيه أن سنده الذي ساق فيه عن يزيد عن أبي الطفيل. وبهذا تعلم أن حكم الحاكم على هذا الحديث بأنه موضوع لا وجه له أما رجال إسناده فهم ثقات باعترافه هو، وقد قدمنا لك أن قتيبة تابعه فيه المفضل بن فضالة عند أبي داود والنسائي والبيهقي والدارقطني، وانفراد الثقة الضابط بما لم يروه غيره لا يعد شذوذاً، وكم من حديث صحيح في الصحيحين وغيرهما انفرد به عدل ضابط عن غيره، وقد عرفت أن قتيبة لم يتفرد به، وأما متنه فهو بعيد من الشذوذ أيضاً. وقد قدمنا أن مثله رواه مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه وصح أيضاً مثله من حديث أنس. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وقد روى إسحاق بن راهوية حدثنا شبابة، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل"،تفسير : وهذا إسناد كما ترى. وشبابة هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه وقد روى له مسلم في صحيحه، فهذا الإسناد على شرط الشيخين اهـ. محل الغرض منه بلفظه. وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق حديث إسحاق هذا ما نصه وأعل بتفرد إسحاق به عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان اهـ. منه بلفظه. وروى الحاكم في الأربعين بسند صحيح عن أنس نحو حديث إسحاق المذكور ونحوه لأبي نعيم في مستخرج مسلم قال الحافظ في بلوغ المرام بعد أن ساق حديث أنس المتفق عليه، ما نصه: وفي رواية للحاكم في الأربعين بإسناد صحيح "حديث : صلى الظهر والعصر ثم ركب"تفسير : ولأبي نعيم في مستخرج مسلم "حديث : كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل ". تفسير : وقال ابن حجر في تلخيص الحبير بعد أن ساق حديث الحاكم المذكور بسنده ومتنه ما نصه. وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، وتعجب من كون الحاكم لم يورده في المستدرك قال: وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط ثم ساق الحديث بها وقال تفرد به يعقوب بن محمد. ولا يقدح في رواية الحاكم هذه ما ذكره ابن حجر في الفتح من أن البيهقي ساق سند الحاكم المذكور ثم ذكر المتن ولم يذكر فيه زيادة جمع التقديم لما قدمنا من أن من حفظ حجة على من لم يحفظ وزيادة العدول مقبولة كما تقدم. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث معاذ الذي نحن بصدده ما نصه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن. وقال البيهقي هو محفوظ صحيح، وعن أنس قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل"تفسير : رواه الإسماعيلي والبيهقي بإسناد صحيح. قال إمام الحرمين في الأساليب: في ثبوت الجمع أخبار صحيحة هي نصوص لا يتطرق إليها تأويل ودليله في المعنى الاستنباط من صورة الإجماع وهي الجمع بعرفات ومزدلفة إذ لا يخفى أن سببه احتياج الحجاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار انتهى محل الغرض منه بلفظه. والجواب عن قول أبي داود ليس في جمع التقديم حديث قائم. هو ما رأيت من أنه ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر وصح من حديث أنس من طريق إسحاق بن راهوية وأخرجه الحاكم بسند صحيح في الأربعين وأخرجه أبو نعيم في مستخرج مسلم والإسماعيلي والبيهقي وقال إسناده صحيح بلفظ "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً"تفسير : إلى آخر ما تقدم. قال الشوكاني في نيل الأوطار: قد عرفت أن أحاديث جمع التقديم بعضها صحيح وبعضها حسن، وذلك يرد قول أبو داود ليس في جميع التقديم حديث قائم، والجواب عن تضعيف حديث ابن عباس المقتدم في جمع التقديم بأن في إسناده حسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس بن عبدالمطلب وهو ضعيف، هو أنه روى من طريقين أخريين بهما يعتضد الحديث حتى يصير أقل درجاته الحسن. الأول: أخرجها يحيى بن عبدالحميد الحماني عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. والثانية: منهما رواها إسماعيل القاضي في الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس بنحوه قاله ابن حجر في التلخيص والشوكاني في نيل الأوطار. وقال ابن حجر في التلخيص أيضاً، يقال إن الترمذي حسنه وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده. وبهذا كله تعلم أن كلاً من جمع التقديم وجمع التأخير في السفر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه صورة مجمع عليها وهي التي رواها مسلم عن جابر في حديثه الطويل في الحج كما قدمنا، وهي جمع التقديم ظهر عرفات وجمع التأخير عشاء المزدلفة. قال البيهقي في السنن الكبرى: والجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين مع الثابت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ثم عن أصحابه ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفات ثم بالمزدلفة اهـ. منه بلفظه. وروى البيهقي في السنن الكبرى أيضاً عن الزهري أنه سأل سالم بن عبدالله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر فقال نعم لا بأس بذلك ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة اهـ. منه بلفظه. وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ويدل على جمع التقديم جمعه بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف ليتصل وقت الدعاء ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر مع إمكان ذلك بلا مشقة، فالجمع كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى. قال الشافعي وكان أرفق به يوم عرفة تقديم العصر. لأن يتصل له الدعاء فلا يقطعه بصلاة العصر، والتأخير أرفق بالمزدلفة. لأن يتصل له المسير ولا يقطعه للنزول للمغرب لما في ذلك من التضييق على الناس اهـ. من زاد المعاد. فبهذه الأدلة التي سقناها في هذا المبحث تعلم أن العصر مشتركة مع الظهر في وقتها عند الضرورة، وأن العشاء مشتركة مع المغرب في وقتها عند الضرورة أيضاً، وأن الظهر مشتركة مع العصر في وقتها عند الضرورة، وأن المغرب مشتركة مع العشاء في وقتها عند الضرورة أيضاً، ولا يخفى أن الأئمة الذين خالفوا مالكاً - رحمه الله تعالى - في امتداد وقت الضرورة للظهر إلى الغروب وامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى الفجر كالشافعي وأحمد - رحمهما الله - ومن وافقهما أنهم في الحقيقة موافقون له لا عترافهم بأن الحائض إذا طهرت قبل الغروب بركعة صلت الظهر والعصر معاً، وكذلك إذا طهرت قبل طلوع الفجر بركعة صلت المغرب والعشاء كما قدمنا عن ابن عباس وعبدالرحمن بن عوف، فلو كان الوقت خرج بالكلية لم يلزمها أن تصلي الظهر ولا المغرب للإجماع على أن الحائض لا تقضي ما فات وقته من الصلوات وهي حائض. وقال النووي في شرح المهذب فرع. قد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه يجب على المعذور الظهر بما تجب به العصر، وبه قال عبدالرحمن بن عوف وابن عباس وفقهاء المدينة السبعة وأحمد وغيرهم. وقال الحسن وحماد وقتادة والثوري وأبو حنيفة ومالك وداود لا تجب عليه اهـ. منه بلفظه، ومالك يوجبها بقدر ما تصلى فيه الأولى من مشتركتي الوقت مع بقاء ركعة فهو أربع في المغرب والعشاء وخمس في الظهر والعصر للحاضر، وثلاث للمسافر. وقال ابن قدامة في المغني: "وروى هذا القول - يعنى إدراك الظهر مثلاً بما تدرك به العصر في الحائض تطهر، عن عبدالرحمن بن عوف وابن عباس وطاوس ومجاهد والنخعي والزهري وربيعة ومالك والليث و الشافعي وإسحاق وأبو ثور. قال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها، إلى أن قال ولنا ما روى الأثرم وابن المنذر وغيرهما بإسنادهم عن عبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن عباس أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب والعشاء، فإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعاً. ولأن وقت الثانية وقت الأولى حال العذر فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها كما يلزمه فرض الثانية" اهـ. منه بلفظه مع حذف يسير وهو تصريح من هذا العالم الجليل الحنبلي بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى الفجر، وللظهر إلى الغروب كقول مالك - رحمه الله تعالى -: وأما أول وقت العشاء فقد أجمع المسلمون على أنه يدخل حين يغيب الشفق. وفي حديث جابر وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل في بيان أول وقت العشاء ثم صلى العشاء حين غاب الشفق. وفي حديث بريدة المتقدم عند مسلم وغيره ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. وفي حديث أبي موسى عند مسلم وغيره ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جداً وهو أمر لا نزاع فيه. فإذا علمت إجماع العلماء على أن أول وقت العشاء هو مغيب الشفق، فاعلم أن العلماء اختلفوا في الشفق، فقال بعض العلماء هو الحمرة وهو الحق. وقال بعضهم هو البياض الذي بعد الحمرة، ومما يدل على أن الشفق هو الحمرة ما رواه الدارقطني عن ابن عمر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة ". تفسير : قال الدار قطني في الغرائب هو غريب وكل رواته ثقات، وقد أخرج بان خزيمة في صحيحه عن عبدالله بن عمر مرفوعاً، "حديث : ووقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق"تفسير : الحديث. قال ابن خزيمة: إن صحت هذه اللفظة أغنت عن غيرها من الروايات، لكن تفرد بها محمد بن يزيد. قال ابن حجر في التلخيص: محمد بن يزيد هو الواسطي وهو صدوق، وروى هذا الحديث ابن عساكر وصحح البيهقي وقفه على ابن عمر. وقال الحاكم أيضاً: إن رفعة غلط، بل قال البيهقي: روي هذا الحديث عن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس، ولا يصح فيه شيء ولكن قد علمت أن الإسناد الذي رواه ابن خزيمة به في صحيحه ليس فيه مما يوجب تضعيفه إلا محمد بن يزيد، وقد علمت أنه صدوق، ومما يدل على أن الحمرة الشفق ما رواه البيهقي في سننه عن النعمان بن بشير. قال: حديث : أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء "كان صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر الثالثة" تفسير : لما حققه غير واحد من أن البياض لا يغيب إلا بعد ثلث الليل وسقوط القمر لثالثة الشهر قبل ذلك كما هو معلوم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار ومن حجج القائلين بأن الشفق الحمرة ما روي عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه صلى العشاء لسقوط القمر الثالثة الشهر"تفسير : أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. قال ابن العربي وهو صحيح وصلى قبل غيبوبة الشفق. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد صلى الله عليه وسلم خروج أكثر الوقت به فصح يقيناً أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض فتبين بذلك يقيناً أن الوقت دخل يقيناً بالشفق الذي هو الحمرة اهـ. وابتداء وقت العشاء مغيب الشفق إجماعاً لما تقدم في حديث جبريل وحديث التعليم، وهذا الحديث وغير ذلك انتهى منه بلفظه وهو دليل واضح على أن الشفق الحمرة لا البياض، وفي القاموس الشفق الحمرة ولم يذكر البياض. وقال الخليل والفراء وغيرهما من أئمة اللغة. الشفق الحمرة وما روي عن الإمام أحمد - رحمه الله - من أن الشفق في السفر هو الحمرة وفي الحضر هو البياض الذي بعد الحمرة لا يخالف ما ذكرنا. لأنه من تحقيق المناط لغيبوبة الحمرة التي هي الشفق عند أحمد وإيضاحه أن الإمام أحمد - رحمه الله - يقول "الشفق هو الحمرة" والمسافر. لأنه في الفلاة والمكان المتسع يعلم سقوط الحمرة، أما الذي في الحضر فالأفق يستتر عنه بالجدران فيستظهر حتى يغيب البياض ليستدل بغيبوبته على مغيب الحمرة، فاعتباره لغيبة الياض لدلالته على مغيب الحمرة لا لنفسه اهـ. من المغني لابن قدامة. وقال أبو حنيفة - رحمه الله - ومن وافقه، الشفق البياض الذي بعد الحمرة، وقد علمت أن التحقيق أنه الحمرة، وأما آخر وقت العشاء فقد جاء في بعض الروايات الصحيحة انتهاؤه عند ثلث الليل الأول، وفي بعض الروايات الصحيحة نصف الليل، وفي بعض الروايات الصحيحة ما يدل على امتداده إلى طلوع الفجر. فمن الروايات بانتهائه إلى ثلث الليل، ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - "حديث : كانوا يصلون العشاء فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول ". تفسير : وفي حديث أبى موسى، وبريدة المتقدمين في تعليم من سأل عن مواقيت الصلاة عند مسلم وغيره "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم في الليلة الأولى أقام العشاء حين غاب الشفق، وفي الليلة الثانية أخره حتى كان ثلث الليل الأول، ثم قال: الوقت فيما بين هذين ". تفسير : وفي حديث جابر، وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل "حديث : أنه في الليلة الأولى صلى العشاء حين مغيب الشفق، وفي الليلة الثانية صلاها حين ذهب ثلاث الليل، وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين"تفسير : إلى غير ذلك من الروايات الدالة على انتهاء وقت العشاء عند ذهاب ثلث الليل الاول. ومن الروايات الدالة على امتداده إلى نصف الليل، ما أخرجه الشيخان في صحيحهما عن أنس - رضي الله عنه - قال: "حديث : أخر النَّبي صلى الله عليه وسلم العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: قد صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها"تفسير : قال أنس: كأني أنظر إلى وبيض خاتمة ليلتئذ. وفي حديث عبدالله بن عمرو المتقدم عند أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبي داود "حديث : ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل"تفسير : وفي بعض رواياته: "حديث : فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل ". تفسير : ومن الروايات الدالة على امتداده إلى طلوع الفجر ما رواه أبو قتادة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الآخرى"تفسير : رواه مسلم في صحيحه. واعلم أن عموم هذا الحديث مخصوص بإجماع المسلمين على أن وقت الصبح لا يمتد بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، فلا وقت للصبح بعد طلوع الشمس إجماعاً، فإن قيل يمكن تخصيص حديث أبي قتادة هذا بالأحاديث الدالة على أنتهاء وقت العشاء إلى نصف الليل. فالجواب: أن الجمع ممكن، وهو واجب إذا أمكن وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ووجه الجمع أن التحديد بنصف الليل للوقت الاختياري والامتداد إلى الفجر للوقت الضروري. ويدل لهذا: إطباق من ذكرنا سابقاً من العلماء على أن الحائض إذا طهرت قبل الصبح بركعة صلت المغرب، والعشاء، ومن خالف من العلماء فيما ذكرنا سابقاً إنما خالف في المغرب لا في العشاء، مع أن الأثر الذي قدمنا في ذلك عن عبدالرحمن بن عوف، وابن عباس لا يبعد أن يكون في حكم المرفوع. لأن الموقوف الذي لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع، كما تقرر في علوم الحديث، ومعلوم أن انتهاء أوقات العبادات كابتدائها لا مجال للرأي فيه. لأنه تعبدي محض. وبهذا تعرف وجه الجمع بين ما دل على انتهائه بنصف الليل وما دل على امتداده إلى الفجر، ولكن يبقى الإشكال بين روايات الثلث وروايات النصف، والظاهر في الجمع والله تعالى أعلم أنه جعل كل ما بين الثلث والنصف وهو السدس ظرفاً لآخر وقت العشاء الاختياري. وإذن فالآخرة أول وآخر وإليه ذهب ابن سريج من الشافعية، وعلى أن الجميع بهذا الوجه ليس بمقنع فليس هناك طريق إلا الترجيح بين الروايات. فبعض العلماء رجح روايات الثلث بأنها أحوط في المحافظة على الوقت المختار وبأنها محل وفاق لاتفاق الروايات على أن من صلى العشاء قبل الثلث فهو مؤد صلاته في وقتها الاختياري، وبعضهم رجح روايات النصف بأنها زيادة صحيحة وزيادة العدل مقبولة. وأما أول وقت صلاة الصبح فهو عند طلوع الفجر الصادق بإجماع المسلمين وهو الفجر الذي يحرم الطعام والشراب على الصائم. وفي حديث أبي موسى، وبريدة المتقدمين عند مسلم وغيره "حديث : وأمر بلالاً فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً".تفسير : الحديث. وفي حديث جابر المتقدم. في إمامة جبريل أيضاً: "حديث : ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم"تفسير : ومعلوم أن الفجر فجران كاذب وصادق، فالكاذب لا يحرم الطعام على الصائم، ولا تجوز به صلاة الصبح والصادق بخلاف ذلك فيهما، وأما آخر وقت صلاة الصبح فقد جاء في بعض الروايات تحديده بالإسفار، وجاء في بعضها امتداده إلى طلوع الشمس، فمن الروايات الدالة على انتهائه بالإسفار ما في حديث جابر المذكور آنفاً "حديث : ثم جاءه حين أسفر جداً فقال: قم فصله فصلى الفجر ". تفسير : وفي حديث ابن عباس المتقدم آنفاً "حديث : ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض"تفسير : الحديث. وهذا في بيانه لآخر وقت الصبح المختار في اليوم الثاني. وفي حديث أبي موسى وبريدة المتقدمين عند مسلم وغيره "حديث : ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: طعلت الشمس أو كادت ". تفسير : ومن الروايات الدالة على امتداده إلى طلوع الشمس ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - "حديث : ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس ". تفسير : وفي رواية لمسلم "حديث : ووقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول"تفسير : والظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات أن الوقت المنتهي إلى الإسفار هو وقت الصبح الاختياري، والممتد إلى طلوع الشمس وقتها الضروري، وهذا هو مشهور مذهب مالك. وقال بعض المالكية: لا ضروري للصبح فوقتها كله إلى طلوع الشمس وقت اختيار، وعليه فوجه الجمع هو ما قدمنا عن ابن سريج في الكلام على آخر وقت العشاء، والعلم عند الله تعالى. فهذا الذي ذكرنا هو تفصيل الأوقات الذي أجمل في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} [النساء:103] وبين بعض البيان في قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}تفسير : [الإسراء:78] الآية. وقوله: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ}تفسير : [هود:114] الآية. وقوله: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ}تفسير : [الروم:17] الآية. والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 103- وإذا أتممتم صلاة الحرب التى تسمى صلاة الخوف فلا تنسوا ذكر الله دائماً، فاذكروه قائمين محاربين واذكروه وأنتم قاعدون، واذكروه وأنتم نائمون، فإن ذكر الله - تعالى - يُقَوِّى القلوب، وبه اطمئنانها، فإذا ذهب الخوف وكان الاطمئنان، فأدوا الصلاة كاملة فإن الصلاة قد فرضت على المؤمنين موقوتة بأوقاتها. 104- لا تضعفوا فى طلب القوم الكافرين الذين أعلنوا عليكم الحرب، وحاولوا أن يغيروا عليكم من كل مكان. والحرب بلا شك ألم، فإذا كنتم تألمون من جراحها وما يكون فيها، فإنهم يألمون أيضاً، والفرق بينكم وبينهم أنهم لا يطلبون الحق ولا يرجون عند الله شيئاً، وأنتم تطلبون الحق وترجون رضا الله والنعيم الدائم. والله عليم بأعمالكم وأعمالهم، حكيم يجازى كلاً بما يعمل. 105- أنزلنا إليك القرآن حقاً وصدقاً، مشتملاً على كل ما هو حق، مبيناً للحق إلى يوم القيامة ليكون منارك فى الحكم بين الناس، فاحكم بينهم ولا تكن مدافعاً عن الخائنين. 106- وعند الحكم بين الناس اتَّجِه إلى الله وتذكر عظمته واطلب مغفرته ورحمته، فإن المغفرة والرحمة من شأنه - سبحانه وتعالى -. 107- ولا تدافع عن الذين يخونون ويبالغون فى إخفاء الخيانة فى أنفسهم، فإن الله لا يحب من يكون من شأنه الخيانة وارتكاب الذنوب. 108- يختفون ويستترون بخيانتهم من الناس، ولا يمكن أن تخفى على الله وهو معهم دائماً خياناتهم، وهم يتفقون ليلاً على ما لا يرضى الله من القول من رمى التهم على الأبرياء، - والله تعالى - يعلم علماً لا يخفى منه شئ مما يعملون.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {قِيَاماً} {كِتَاباً} (103) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ عَقِبَ صَلاَةِ الخَوْفِ نَظَراً لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ التَّخْفِيفِ في أرْكَانِهَا، وَمِنَ الرُّخْصَةِ في الذَّهَابِ وَالإِيابِ فِيهَا مِمَّا لاَ يُوَجُد فِي غَيْرِهَا. فَإذَا ذَهَبَ الخَوْفُ، وَاطْمَأنَّ المُسْلِمُونَ فَعَلَيهِمْ إِقَامَةُ الصَّلاَةِ وَإِتْمَامُها بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، لأنَّ الصَّلاَةَ مَفْرُوضَةٌ عَلَى المُؤْمِنينَ لِتُقَامَ فِي أوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ، لاَ بُدَّ مِنْ أدَائِها فِيها، عَلَى قَدَرِ الإِمْكَانِ. وَقَدْ جُعِلَتِ الصَّلاَةُ مَوْقُوتَةً لِتَكُونَ مُذَكرِّةً لِلْمُؤْمِنينَ بِرَبِّهِمْ فِي الأوْقَاتِ المُخْتَلِفَةِ، لِئَلاَّ تَحْمِلَهُمُ الغَفْلَةُ عَلَى إتْيَانِ الشَّرِّ، أوِ التَّقْصِيرِ فِي فِعْلِ الخَيْرِ. كِتَاباً مَوْقُوتاً - مَكْتُوباً مَحْدُودَ الأوْقَاتِ مُقَدَّراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن المؤمن مطالب بألا يسوِّف ويُؤَخِّر الصلاة عن وقتها، وأن يذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وذلك لتكون الصلاة دائماً في بؤرة شعور الإنسان، بل إن المؤمن مطالب بذكر الله حتى وهو يسايف عدوه وينازله، فهو يحمل السيف ولسانه رطب بذكر الله ويقول: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". والإنسان حين يسبح الله حتى وهو في حالة الاشتباك مع العدو لا ينساه الله. والمؤمن قد يؤخر الصلاة في حالة الاشتباك مع العدو والالتحام به، ولكن عليه أن يدفع قلبه ونفسه إلى ذكر الله، ففي وقت الصلاة يكون مع ربه فليذكره قائماً وقاعداً وفي كل حال، وبعد أن يطمئن المسلم لموقفه القتالي فليقض الصلاة. وأنه لا يترك ربه أبداً بل وهو في الحرب يكون ذلك منه أولى؛ لأنه في حالة الاحتياج إليه سبحانه، والقتال يدفع المؤمن إلى الاستعانة بربه، وإذا كان المسلم يعرف أن لله في أوقاته تجليات، فلا يحرمن واحد نفسه من هذه التجليات في أي وقت، وذكر الله يقرِّب العبد من مولاه - فسبحانه - مع عبده إذا ذكره، فإن كان الإنسان مشبعاً بالاطمئنان وقت الخوف والقتال فليذكر الله ليدعم موقفه بالقوة العليا. وقوله الحق: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي إذا انتهى الاشتباك القتالي فعلى المؤمن أن ينتقل من ذكر الله أثناء الاشتباك إلى الصلاة التي حان ميقاتها أثناء القتال. فقد كان ذكر الله وقت الاشتباك من أجل ألا يضيع وقت الصلاة بلا كرامة لهذا الوقت، وبلا كرامة للقاء العبد مع الرب. ولماذا كل ذلك؟ ويأتي القول الفصل: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}. وقد أوضح لنا الحق صلاة الخوف، وشرع سبحانه لنا ذكره إذا ما جاء وقت الصلاة في أثناء الاشتباك القتالي، وإذا ما اتفق توقيته مع وقت الصلاة، وشرحت لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم كيفية قصر الصلاة في أثناء السفر، لماذا كل ذلك؟ لأن الصلاة فرض لا غنى عنه على الإطلاق {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}. أي أن الصلاة لها وقت. ولا يصح أن يفهم أحد هذا المعنى - كما يفهمه البعض - بأن صلاة الظهر - على سبيل المثال - وقتها ممتد من الظهر إلى العصر، وصحيح أن الإنسان إذا عاش حتى يصلي الظهر قبيل العصر فإنها تسقط عنه، ولكن ماذا يحدث لو مات العبد وقد فات عليه وقت يسعها؟ إذن فقد أثم العبد، ومن يضمن حياته حتى يؤدي الصلاة مؤجلة عن موعد أدائها؟. وقد يقول قائل: أحياناً أسمع أذان الصلاة وأكون في عمل لا أستطيع أن أتركه؛ فقد أكون في إجراء جراحة. أو راكباً طائرة. ونقول: أسألك بالله إذا كنت في هذا العمل الذي تتخيل أنك غير قادر على تركه وأردت أن تقضي حاجة، فماذا تصنع؟ إنك تذهب لقضاء حاجتك، فلماذا استقطعت جزءاً من وقتك من أجل أن تقضي حاجتك؟ وقد تجد قوماً كافرين يسهلون لك سؤالك عن دورة المياه لتقضي حاجتك. وساعة يراك هؤلاء وأنت تصلي فأنت ترى على وجوههم سمة الاستبشار؛ لأن فيهم العبودية الفطرية لله، وتجد منهم من يسهل ذلك ويحضر لك مُلاءة لتصلي فوقها، ويقف في ارتعاش سببه العبودية الفطرية لله، فلا تقل أبداً: إن الوقت لا يتسع للصلاة؛ لأن الله لا يكلف أبداً عبده شيئا ليس في سعته، والحق كلف العبد بالصلاة ومعها الوقت الذي يسعها. ولله المثل الأعلى، نحن نرى رئيس العمال في موقع ما يوزع العمل على عماله بما يسع وقت كل منهم، فما بالنا بالرب الخالق، ولذلك يقول الحق: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2-3] والصلاة رزق عبودي يحررك من أي خوف، وفضلها لا حدود له لأن فارضها هو الخالق المربي، فكيف تبخل على نفسك أن تكون موصولا بربك؟ ويقول الحق من بعد ذلك: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوة} [الآية: 103]. يقول: أَتِمُّوا الصَّلَٰوة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} [الآية: 104]. يقول: لا تضعفوا في ابتغاءِ القوم. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} إِلى قوله: {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} [الآية: 113]. فيما : 16ظ / بين ذلك، في ابن ابيرق، سرق درعا من حديد فرمى به يهودياً بريئاً. فقال أَصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم: اعذره في الناس بلسانك.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً} معناهُ فَرضٌ مَفْروضٌ.
الأندلسي
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ} أي فإِذا أتممتم صلاة الخوف وأمروا بالذكر في سائر الأموال من قيام وقعود وعلى جنب. {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} أي من جهة العدو. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} وهي الصلات المفروضة نبه بذلك على أشرف العبادات. {مَّوْقُوتاً} أي واجبة في أوقات معلومة في الشرع. {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي الذين يقاتلونهم. وقرأ الحسن: تهنوا بفتح الهاء لكونها حرف حلق وهذه الآية تشير إلى أنها في الجهاد مطلقاً. وقيل: نزلت في انصراف الصحابة من أحد وكان عليه الصلاة والسلام أمرهم باتباع أبي سفيان وأصحابه والمعنى أنهم مشتركون معكم في الآلام وأنتم ترجون من الله المغفرة وحصول الجنة وهم لا يرجون ذلك لكفرهم. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بنياتكم حكيماً فيما يأمركم به وينهاكم عنه. {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} اختلف في سببت نزولها فعن قتادة وغيره انها نزلت في طعمة بن أبيرق سرق درعا في جراب فيه دقيق لقتادة بن النعمان وخبأها عند يهودي فحلف طعمة ما لي بها علم فاتبعوا إثر الدقيق إلى دار اليهودي فقال اليهودي دفعها إلى طعمة. {بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي بما أعلمك من الوحي. {وَلاَ تَكُنْ} ظاهره أنه خطاب للرسول عليه السلام والمراد به من كان خصيماً للخائنين من أمته وكذلك النهي في قوله: ولا تجادل وقد يجيء النهي لمن لا يقع منه المنهي بحال من الأحوال كالرسول شهد الله له بالعصمة. قوله: {خَوَّاناً أَثِيماً} صفتان للمبالغة، إذ اسم الفاعل خائن وآثم. والضمير في: {يَسْتَخْفُونَ} الظاهر أنه يعود على الذين يختانون وفي ذلك توبيخ عظيم وتقريع حيث يرتكبون المعاصي مستترين بها عن الناس مباهتين لهم ان اطلعوا عليها ودخل معهم في ذلك من فعل مثل فعلهم. {وَهُوَ مَعَهُمْ} جملة حالية ومعنى معهم بالعلم والاطلاع على أحوالهم وإذا ظرف لما مضى العامل فيه العامل في مع أي وهو كائن معهم بالعلم في وقت تبييتهم ولما كانت أعمالهم منتشرة كثيرة المجادلة عن طعمة وإضرابه وصف تعالى نفسه بالمحيط، والإِحاطة: الاحتفاف بالشيء من جميع جهاته. {هَا أَنْتُمْ} الآية، تقدم الكلام عليها وعلى الجملة بعدها قراءة وإعراباً في آل عمران. {فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ} معنى هذا الاستفهام النفي أي لا أحد يجادل الله عنهم يوم القيامة إذا حل بهم عذابه والوكيل الحافظ المحامي وهو الذي يكل الانسان إليه أموره وهذا الاستفهام معناه النفي أيضاً، كأنه قيل: لا أحد يكون وكيلاً عليهم فيدافع عنهم ويحفظهم، وهاتان الجملتان انتفى في الأولى منهما المجادلة وهي المدافعة بالقول وفي الثانية الوكالة عليهم أي الحفظ وهو المدافعة بالفعل والنصرة بالقوة.
الجيلاني
تفسير : {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ} عند الخوف على الوجه المأمور {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} بعد الفراغ منها {قِيَاماً} قائمين {وَقُعُوداً} قاعدين {وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} مضطجعين؛ جبراً لما فوتم من أركانها وأبعاضها وآدابها حالة اضطرابكم {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} وزال خوفكم وارتفع رعبكم { فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} وأتموها وأدوها، مراعين جميع شرائطها وآدابها، محافظين عليها، مهتمين {إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ} المقربة لكم إلى ربكم {كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} الموقنين بوحدانية الله المتوجهين نحو فردانيته بجميع الأعضاء والجوارح {كِتَٰباً مَّوْقُوتاً} [النساء: 103] فرضاً موقتاً محدوداً، لازم الأداء لكل مكلف جبل على نشأة التوحيد. {وَلاَ تَهِنُواْ} ولا تضعفوا {فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي: في وقت طلب الكفار قتالكم، إذ هم مثلكم {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ} أيضاً {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَ} فائدة القتال وربحه عائد بكم؛ إذ {تَرْجُونَ مِنَ} فضل {ٱللَّهِ} لانتصاره وإعلا كلمته {مَا لاَ يَرْجُونَ} فما لكم تضعفون وتجنبون عنه {وَكَانَ ٱللَّهُ} الموفق لكم على القتال والأمر به {عَلِيماً} بقوتكم ومقاومتكم {حَكِيماً} [النساء: 104] فيما أمركم ونهى عنكم؟ فاتخذوه سبحانه وقاية لأنفسكم، وفوضوا أموركم كلها إليه، وامتثلوا لجميع ما أمر طائعين راغبين. {إِنَّآ أَنْزَلْنَا} من مقام جودنا وإحساننا {إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل {ٱلْكِتَابَ} الفارق بين الحق والباطل متلبساً بالحق الصريح {بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} بالعدل الذي هو صراط الله الأعدل الأقوم خصوصاً {بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي: عرفك وأوصاك به {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ} أي: لأجلهم وعاية جانبهم {خَصِيماً} [النساء: 105] لأهل البراءة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن معنى آخر من معنى الحذر؛ وهو المداومة على الذكر بقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، إلى قوله: {أية : عَلِيماً حَكِيماً}تفسير : [النساء: 111] ، والإشارة فيها: إن الله تعالى يأمر من لم تكن صلاته دائمة، {فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ} [النساء: 103] المكتوبة المفروضة المعدودة فلا تحسبوا أنها تكفيكم في إقامة العبودية، أو تصلون بمجردها إلى حضرة الربوبية، ولكن {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} [النساء: 103] في جميع حالاتكم ولا تخلوا حالاتكم من [الوصف]، إما تكونوا قياماً أو قعوداً أو على جنوبكم {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] حتى يطمئن قلبكم بذكر الله، {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} [النساء: 103]؛ أي: فأديموها؛ يعني: فإذا اطمأن القلب بذكر الله فقد أقام القلب الصلاة، {إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً} [النساء: 103] أي: مكتوباً أزلياً، {مَّوْقُوتاً} [النساء: 103] أي: مؤقتاً إلى الأبد. فاعلم أن لله تعالى عباداً قد منحهم ديمومة الصلاة فهم في صلاتهم دائمون من الأزل إلى الأبد، وليس هذا من مدرك عقول الخيال فلا يعقلها إلا العالمون، وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله تعالى: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً} تفسير : [الفتح: 1] منا بنا عليك، {أية : مُّبِيناً}تفسير : [الفتح: 1]؛ أي: بينا لك {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ} تفسير : [الفتح: 2] بما فتح منه عليك، {أية : مَا تَقَدَّمَ} تفسير : [الفتح: 2] في الأزل، {أية : مِن ذَنبِكَ} تفسير : [الفتح: 2]؛ بأن لم تكن مصلياً، {أية : وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 2] إلى الأبد من ذنبك بأن لا يكون مصلياً، {أية : وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} تفسير : [الفتح: 2] يعني: نعمة المغفرة، وإتمامها أن يجعل بها سيئاتك وهي عدم صلاتك في الأزل والأبد مبدلة بالحسنات وهي الصلاة المقبولة من الأزل إلى الأبد {أية : وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} تفسير : [الفتح: 2] من الأزل إلى الأبد، ومن الأبد إلى الأزل، {أية : وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ}تفسير : [الفتح: 3] بالظفر على هذا الأكبر الأعظم، {أية : نَصْراً عَزِيز}تفسير : [الفتح: 3]، لا يعز به غيرك ولا يتنسم روائحه إلا بمسام متابعتك، فهمها من فهمها، وجهلها من جهلها، ثم قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} [النساء: 104] أي: في طلب النفس وصفاتها والجهاد معها، {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ} [النساء: 104] في الجهاد معها، ويتعبون بالرياضيات والمجاهدات، وملازمة الطاعات والعبادات، ومداومة الذكر ومراقبة القلب في طلب الحق، والوصول إلى المقامات العلية، {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ} [النساء: 104]؛ يعني: النفس والبدن في طلب الشهوات الدنيوية، واللذات الحيوانية والمرادات الجسمانية، ويأملون ويتعبون في طلبها، {كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ} [النساء: 104]، العواطف والعوارف الأبدية، {مَا لاَ يَرْجُونَ} [النساء: 104]، النفوس الردية من هممها الدنية التي لا تجاوز قصورها من المقاصد الدنيوية، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} [النساء: 104]، في الأزل باستعداد كل طائفة من أصناف الخلق، {حَكِيماً} [النساء: 104]، فيما حكم لكل واحد منهم من المقاصد والمشارب، {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} تفسير : [البقرة: 60]، وجعل {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}تفسير : [المؤمنون: 53]. ثم أخبر عن إنزال الكتاب بالحق إنه على من أنزل من الخلق بقوله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} [النساء: 105]، والإشارة فيها: إن إنزال الكتب من الله تعالى على الأنبياء - عليهم السلام - كان بواسطة الألواح والصحف وجبريل عليه السلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج بلا هذه الوسائط، كما قال تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10]؛ يعني: من القرآن وما يعد له يدل عليه قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1-2] ليلة المعراج، وقال: صلى الله عليه وسلم "حديث : أوتيت القرآن وما يعد له"تفسير : ، فقال تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} [النساء: 105]؛ يعني: القرآن بلا واسطة ليلة المعراج {بِٱلْحَقِّ} [النساء: 105]؛ أي: الحق تعالى أنزله إليك نظير قوله تعالى: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} تفسير : [الإسراء: 105]، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بهذه الكرامة من جميع الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضلت على الأنبياء بست، فقال: أوتيت جوامع الكلم"تفسير : ، ويؤكد ما قلنا في تأويل {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} [النساء: 105] قوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} [النساء: 105]؛ يعني: بما حين أوحى إليك بلا واسطة وأريك آياته الكبرى، وقوله تعالى: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}تفسير : [النجم: 11]، بإراءة الله تعالى: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} [النساء: 105]؛ يعني: ولا تكن أبداً للخائنين خصيماً بما أريك الله من الحق، وفي الآية تقديم وتأخير تقديره ولا تكن للخائنين خصيماً، {أية : وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}تفسير : [النساء: 107].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: فإذا فرغتم من صلاتكم، صلاة الخوف وغيرها، فاذكروا الله في جميع أحوالكم وهيئاتكم، ولكن خصت صلاة الخوف بذلك لفوائد. منها: أن القلب صلاحه وفلاحه وسعادته بالإنابة إلى الله تعالى في المحبة وامتلاء القلب من ذكره والثناء عليه. وأعظم ما يحصل به هذا المقصود الصلاة، التي حقيقتها أنها صلة بين العبد وبين ربه. ومنها: أن فيها من حقائق الإيمان ومعارف الإيقان ما أوجب أن يفرضها الله على عباده كل يوم وليلة. ومن المعلوم أن صلاة الخوف لا تحصل فيها هذه المقاصد الحميدة بسبب اشتغال القلب والبدن والخوف فأمر بجبرها بالذكر بعدها. ومنها: أن الخوف يوجب من قلق القلب وخوفه ما هو مظنة لضعفه، وإذا ضعف القلب ضعف البدن عن مقاومة العدو، والذكر لله والإكثار منه من أعظم مقويات القلب. ومنها: أن الذكر لله تعالى مع الصبر والثبات سبب للفلاح والظفر بالأعداء، كما قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : فأمر بالإكثار منه في هذه الحال إلى غير ذلك من الحِكَم. وقوله: { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاة } أي: إذا أمنتم من الخوف واطمأنت قلوبكم وأبدانكم فأتموا صلاتكم على الوجه الأكمل ظاهرا وباطنا، بأركانها وشروطها وخشوعها وسائر مكملاتها. { إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } أي: مفروضا في وقته، فدل ذلك على فرضيتها، وأن لها وقتا لا تصح إلا به، وهو هذه الأوقات التي قد تقررت عند المسلمين صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وجاهلهم، وأخذوا ذلك عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي ". تفسير : ودل قوله: { عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } على أن الصلاة ميزان الإيمان وعلى حسب إيمان العبد تكون صلاته وتتم وتكمل، ويدل ذلك على أن الكفار وإن كانوا ملتزمين لأحكام المسلمين كأهل الذمة - أنهم لا يخاطبون بفروع الدين كالصلاة، ولا يؤمرون بها، بل ولا تصح منهم ما داموا على كفرهم، وإن كانوا يعاقبون عليها وعلى سائر الأحكام في الآخرة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 224 : 50 : 31 - سفين عن ليث عن مجاهد {إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً} قال، مفروضا. [الآية 103].
همام الصنعاني
تفسير : 633- عبد الرزاق، قال: حدثنا مَعْمَر، عن قَتَادة، في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً}: [الآية: 103]، قال: قال ابن مسعود: إنَّ للصلاة وقتاً كوَقْتِ الحج. 634- مَعْمَر عن قتادة في قوله تعالى: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ}: [الآية: 103]، يقول: فإذا أطْمَأْنَنْتُمم في أمصاركم فَأَتِمُّوا الصَّلاة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):