٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
104
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها عاد مرة أخرى إلى الحث على الجهاد فقال {وَلاَ تَهِنُواْ } أي ولا تضعفوا ولا تتوانوا {فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ } أي في طلب الكفار بالقتال، ثم أورد الحجة عليهم في ذلك فقال: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلما لم يصر خوف الألم مانعاً لهم عن قتالكم فكيف صار مانعاً لكم عن قتالهم، ثم زاد في تقرير الحجة وبين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين، لأن المؤمنين مقرون بالثواب والعقاب والحشر والنشر، والمشركين لا يقرون بذلك، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر والنشر يجدون في القتال فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم في هذا الجهاد ثواباً عظيماً وعليكم في تركه عقاباً عظيماً، أولى بأن تكونوا مجدين في هذا الجهاد، وهو المراد من قوله تعالى: {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ } ويحتمل أيضاً أن يكون المراد من هذا الرجاء ما وعدهم الله تعالى في قوله {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } تفسير : [التوبة: 33] [الفتح: 28] [الصف: 9] وفي قوله {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنفال: 64] وفيه وجه ثالث، وهو أنكم تعبدون الإلۤه العالم القادر السميع البصير فيصح منكم أن ترجوا ثوابه، وأما المشركون فإنهم يعبدون الأصنام وهي جمادات، فلا يصح منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثواباً أو يخافوا منها عقاباً. وقرأ الأعرج {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } بفتح الهمزة بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون، وقوله {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } تعليل. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } أي لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُواْ} ولا تضعفوا. {فِي ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ } في طلب الكفار بالقتال. {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ } إلزام لهم وتقريع على التواني فيه، بأن ضرر القتال دائر بين الفريقين غير مختص بهم، وهم يرجون من الله بسببه من إظهار الدين واستحقاق الثروات ما لا يرجو عدوهم، فينبغي أن يكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها. وقرىء {إِن تَكُونُواْ } بالفتح بمعنى ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون، ويكون قوله فإنهم يألمون علة للنهي عن الوهن لأجله. والآية نزلت في بدر الصغرى. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بأعمالكم وضمائركم. {حَكِيماً } فيما يأمر وينهي.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما بعث صلى الله عليه وسلم طائفة في طلب أبي سفيان وأَصحابه لما رجع من أحد فشكوا الجراحات: {وَلاَ تَهِنُواْ } تضعفوا {فِى ٱبْتِغَآءِ } طلب {ٱلْقَوْمِ } الكفار لتقاتلوهم {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } تجدون ألم الجراح {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ } أي مثلكم ولا يجبنون عن قتالكم {وَتَرْجُونَ } أنتم {مِّنَ ٱللَّهِ } من النصر والثواب عليه {مَا لاَ يَرْجُونَ } هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فينبغي أن تكونوا أرغب منهم فيه {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بكل شيء {حَكِيماً } في صنعه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَهِنُواْ} لا تضعفوا في طلبهم للحرب. {وَتَرْجُونَ} من نصر الله ما لا يرجون، أو من ثوابه ما لا يرجون، أو تخافون منه ما لا يخافون {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً }تفسير : [نوح: 13].
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم} سبب نزول هذه الآية أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا يوم أحد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم فشكوا من ألم الجراحات فقال الله تعالى ولا تهنوا يعني ولا تضعفوا، ولا تتوانوا في ابتغاء القوم يعني في طلب أبي سفيان وأصحابه ثم أورد عليهم الحجة في ذلك وألزمهم بها فقال تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} يعني أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم وليس ما تكابدون من الوجع وألم الجراح مختصاً لكم بل هم كذلك فإذا لم يكن الألم مانعاً لهم عن قتالكم فكيف يكون مانعاً لكم عن قتالهم وكيف لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى بالصبر منهم لأنكم مقرون بالحشر والنشر والثواب والعقاب والمشركون لا يقرون بذلك كله فأنتم أيها المؤمنون أولى بالجهاد منهم وهو قوله تعالى: {وترجون من الله ما لا يرجون} يعني وتأملون من الله من الثواب في الآخرة ما لا يرجعون وقيل ترجون النصر والظفر في الدنيا وإظهار دينكم على الأديان كلها {وكان الله عليماً حكيماً} يعني أنه تعالى لا يأمركم بشيء إلا وهو يعلم أنه مصلحة لكم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَاءِ ٱلْقَوْمِ}: أي: لا تَلِينُوا وتَضْعُفوا؛ يُقَالُ: حَبْلٌ وَاهِنٌ، أيْ: ضعيفٌ؛ ومنه: «وَهَنَ العَظْمُ» وابتغاءُ القَوْمِ: طَلَبُهم، وهذا تشجيعٌ لنفوسِ المُؤْمنين، وتحقيرٌ لأمْر الكَفَرة، ثم تأَكَّد التشجيعُ بقوله: {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ}، وهذا برهانٌ بَيِّنٌ، ينبغي بحَسَبِهِ أنْ تَقْوَىٰ نفوسُ المؤمنين، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر بَعْض الأحْكَام الَّتِي يحتَاج المُجَاهِد إلى مَعْرِفتها، عاد مَرَّة أخرى إلى الحَثِّ على الجِهَاد، فقال: "وَلاَ تَهِنُوا" أي: ولا تَضْعُفُوُا، ولا تَتَوانَوْا، الجمهورُ: على كَسْر الهاء، والحَسن: على فتحها من "وَهِن" بِالكَسْر في الماضِي، أو من "وهَن" بالفَتْح، وإنما فُتِحَت العَيْن؛ لكونها حَلْقِيةً، فهو نحو: يَدَع. وقرأ عُبَيْد بن عُمَيْر: "تُهَانَوْا" من الإهانة مبنيَّاً للمَفْعُول، ومعناه: لا تَتَعاطَوا من الجُبْنِ والخَوَر، ما يكون سَبَباً في إهَانتكم؛ كقولهم: "لا أرَيَنَّك هَهُنَا". وقوله: {فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي: في طَلَبِهِم، وسبب نزولها: أنَّ أبا سُفْيَان وأصْحَابَهُ لمَّا رَجَعُوا يوم أُحُد، بعث رسُول الله صلى الله عليه وسلم [طائفة] في آثارِهِم، فَشَكُوا ألَم الجِرَاحِ، فقال - تعالى -: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي لا تَضْعُفُوا في طلب أبِي سُفْيَان وأصْحَابَهُ، {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ}: تتوجَّعُون من الجِرَاح، "فإنَّهُمْ يَألَمُون" أي: يتوجَّعُونَ كما تألمون، والمَعْنَى: أنَّ حصُول الألَمِ قدر مُشْتَركٌ بينكم وبَيْنَهُم، فلمَّا لم يَكُنْ خوف الألَمِ مانِعاً لَهُم عن قِتَالِكُم، فكيف يَصير مَانِعاً لكم عن قِتَالِهِم. قرأ يَحْيَى بن وَثَّاب، ومنصور بن المُعْتَمِر: "تِئلمون فإنهم يِئلمون كما تِئلمون" بكسر حَرْفِ المُضارَعَةِ، وابن السَّمَيْفَع: بكسر تَاءِ الخطَاب فقط، وهذه لُغَةٌ ثَابِتَة، وقد تقدم في الفَاتِحَة أنَّ مَنْ يَكْسِرُ حَرفَ المُضَارعة يَسْتَثْني التَّاء، وتقدم شُذُوذ "تِيجَل" ووجْهه، وزاد أبُو البقاء في قِرَاءة كَسْر حَرْف المُضَارعة قَلْبَ الهَمْزَة ياءً، وغيرُه أطلق ذلك. وقرأ الأعْرَج: "أن تَكُونُوا تألَمون" بفتح هَمزة "أنْ" والمعنى: ولا تَهِنُوا لأنْ تَكُونوا تألمون. وقوله: {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ} تعليل قوله: {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} [أي: وأنتم مع ذَلِكَ تأمَلُون من الأجْر والثواب في الآخرة، والنَّصَر في الدُّنْيَا ما لا يَرْجُون]، فأنتم أوْلَى بالمُصَابَرةِ على القِتَال من المُشْرِكين؛ لأن المُؤمِنِين مُقِرُّون بالثَّوَاب والعِقَابِ، والحَشْر والنَّشر، والمُشْرِكون لا يقرون بذلِك، فإذا كانُوا مع إنْكَارِهِم ذلك مُجِدِّين في القِتَالِ، فأنتم أيُّهَا المؤمِنُون المُقِرُّون بأنَّ لكم في الجِهَادِ ثَوَاباً، وعليكم في تَرْكِهِ عِقَاباً أوْلَى بالجِدَّ في الجَهَادِ. وقال بَعْض المُفَسِّرين: المراد بالرَّجَاء: الخَوْف؛ لأنَّ كل رَاج خَائِفٌ ألاَّ يُدْرِك مأمُولَهُ، ومعنى الآيَة وترجُونَ، أي: تَخَافُون من عَذَاب اله ما لا يَخَافُون. قال الفرَّاء: ولا يكون الرَّجَاءُ بمعنى الخَوْف إلا مع الجدِّ؛ كقوله - تعالى -: {أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} تفسير : [الجاثية: 14]، [أي: لا يَخَافُون]، وقال - تعالى -: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} تفسير : [نوح: 13] أي: لا تَخَافُون للَّه عِظَة، ولا يجُوز: رَجَوْتُك، يَعْنِي: خِفْتُك، وأنت تُرِيد: رَجَوْتُك. قال ابن الخَطِيب: ويُحْتَمَل أنَّكم تَعْبُدون الإله، العَالِم القَادِر، السَّمِيع، البَصِير، فيصحُّ منكم أنْ تَرْجُوا ثَوَابَه، وأما المُشْرِكُون: فإنَّهم يَعبدون الأصْنَام وهي جَمادَات؛ فلا يَصِحٌّ منهم أنْ يَرْجُوا منها ثَوَاباً، أو يَخَافُوا منها عِقَاباً. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي: لا يُكَلِّفُكُم إلاَّ ما يَعْلَم أنَّه سَبَب لِصَلاحِ دِينكُم ودُنْيَاكُم، وقد تقدم [أنَّه إذا] ذكر "الحَكِيم" بعد قوله: "العَلِيم" فالمرادَ بالحَكيم: أنه العَالِمُ بَعَواقِب الأمُور، وقالت المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بالحَكِيم: هو الَّذِي يضع الأسْبَاب للمصَالِح.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا تهنوا} قال: ولا تضعفوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك {ولا تهنوا في ابتغاء القوم} قال: لا تضعفوا في طلب القوم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {إن تكونوا تألمون} قال: توجعون {وترجون من الله ما لا يرجون} قال: ترجون الخير. وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تتوجعون فإنهم يتوجعون كما تتوجعون، وترجون من الأجر والثواب ما لا يرجون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: لا تضعفوا في طلب القوم، إن تكونوا تتوجعون من الجراحات فإنهم يتوجعون كما تتوجعون {وترجون من الله} يعني الحياة والرزق والشهادة والظفر في الدنيا.
القشيري
تفسير : قوموا بالله وليكن استنادكم في جهادكم إلى الله. {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ}: القومُ شاركوكم في إحساس الألم، ولكن خالفوكم في شهود القلب، وأنتم تشهدون ما لا يشهدون، وتجدون لقلوبكم ما لا يجدون، فلا ينبغي أن تستأخروا عنهم في الجد والجهد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تهنوا فى ابتغاء القوم} نزلت فى بدر الصغرى وهى موضع سوق لبنى كنانة كانوا يجتمعون فيها كل عام ثمانية ايام ـ روى ـ"حديث : ان ابا سفيان قال عند انصرافه من احد يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل ان شئت فقال صلى الله عليه وسلم "ان شاء الله تعالى" فلما كان القابل القى الله الرعب فى قلبه فندم على ما قال فبعث نعيم بن مسعود ليخوف المؤمنين من الخروج الى بدر فلما أتى نعيم المدينة وجد المؤمنين يتجهزون للخروج فقال لهم ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ففتر المؤمنون فقال عليه السلام "لأخرجن ولو لم يخرج معى احد" " .تفسير : فانزل الله هذه الآية ارشادا لمن طرأ عليهم الوهن فى ابتغاء القوم اى طلب ابى سفيان وقوله. والمعنى لا تفتروا ولا تضعفوا فى طلب الكفار بالقتال اى لا يورثنكم ما اصابكم يوم احد من القتل والجراحات فتورا وضعفا {ان تكونوا تألمون} من الجراح {فانهم} اى القوم {يألمون كما تألمون} اى ان كان لكم صارف عن الحرب وهو انكم تألمون من الجراح فلهم مثل ذلك من الصارف ولكم اسباب داعية الى الحرب ليست لهم كما اشار اليها بقوله {وترجون من الله} من الثواب والنصر {ما لا يرجون} والحاصل ليس ما تقاسونه من الآلام مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم ثم انهم يصبرون على ذلك فما لكم لا تصبرون مع انكم اولى به منهم حيث ترجون من الله من اظهار دينكم على سائر الاديان ومن الثواب فى الآخرة ما لا يخطر ببالهم قطعا {وكان الله عليما} مبالغا فى العلم فيعلم اعمالكم وضمائركم {حكيما} فيما يأمر وينهى فجدّوا فى الامتثال بذلك فان فيه عواقب حميدة وفى امره بابتغاء القوم بالقتال لهمة بالغة كاملة ومصلحة تامة شاملة فاطلبوهم بالقتال فان الله يعذبهم فى الدنيا بايديكم وفى الآخرة بايدى الزبانية فهل ينتظرون الا سنة الله فى الكافرين الاولين وهو انزال العذاب بهم حين كذبوا انبياءهم فلن تجد لسنة الله تبديلا بجعل التعذيب غير تعذيب وغير التعذيب تعذيبا ولن تجد لسنة الله تحويلا بنقل التعذيب عنهم الى غيرهم والحاصل انه لا يبدل نفس السنة ولا يحول محل السنة اذ لقد حق القول عليهم ولا يتبدل القول لديه. وفى الآية الكريمة حث على الشجاعة والتجلد واظهار الغلظة كما قال تعالى {أية : وليجدوا فيكم غلظة}تفسير : [التوبة: 123]. قيل شعر : هست نرمى آفت جان سمور وزدر شتى ميبرد جان خاربشت تفسير : قال سلمان الفارسى رضى الله عنه اذا اضطرب قلب المؤمن عند محاربة الكافر تتحدر ذنوبه كتحدر اوراق الشجرة بهبوب النسيم. وقال عطية بن قيس اذا خرجت غازيا فان خطر ببالى كثرة العدد والعدد رجعت عن السفر خوفا من الغرور وان خطر قلتهما قلت لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظم: ومن كلمات بهرام شعر : هرآنكه سرتاج دارد بايدكه دل از سربر دارد هرآنكه باى نهد در نكار خانه ملك يقين كه مال وسروهرجه هست دربازد تفسير : ومن كلمات السعدى قدس سره شعر : درقزا كند مرد بايدبود برمخنث سلاح جنك جه سود تفسير : يقول الفقير سمعت من حضرة شيخى وسندى الذى هو بمنزلة روحى من جسدى انه قال السلطان والوزير بالنسبة الى العساكر الاسلامية كالقلب بالنسبة الى الاعضاء والجوارح الانسانية فاذا ثبت ثبتوا كما ان القلب اذا صلح صلح الجسد كله فان كان اقبال الامام بعشر مراتب كان اقبال قومه بمرتبة واحدة وان كان بمائة مرتبة كان اقبالهم بعشر مراتب وهكذا واما ادباره فعكسه فان كان بمرتبة كان ادبار القوم بعشر مراتب وان كان بعشر مراتب كان ادبارهم بمائة مرتبة وهكذا وليس الدخول بدار من باب تفرج البلدان والخروج الى المسير والتنعم فلا بد لكل مجاهد ان يجتهد فى خدمة الدين ويتوكل على الله ويعقد على وعده ويصبر على البلاء حتى يبلغ الكتاب اجله وان اتى الباب فلا يستعجل الامناء ولا يهن ولا يحزن بمكث الفتح المطلوب بل ينتظر الى فرج الله بالنصر والفتح عن قريب فان انكسار القلوب مفتاح ابواب الغيوب ومدار انفتاح انواع الفتوح. والاشارة فى الآية {ولا تهنوا فى ابتغاء القوم} اى فى طلب النفس وصفاتها والجهاد معها {ان تكونوا تألمون} فى الجهاد معها وتتعبون بالرياضات والمجاهدات وملازمة الطاعات والعبادات ومداومة الذكر ومراقبة القلب فى طلب الحق والقبول والوصول الى المقامات العلية {فانهم} يعنى النفس والبدن فى طلب الشهوات الدنيوية واللذات الحيوانية والمرادات الجسمانية {يألمون} ويتعبون فى طلبها كما تألمون {وترجون من الله} العواطف الازلية والعوارف الابدية {ما لا يرجون} النفوس الردية من هممها الدنية التى لا تتجاوز من قصورها عن المقاصد الدنيوية {وكان الله} فى الازل {عليما} باستعداد كل طائفة من اصناف الخلق {حكيما} فيما حكم لكل واحد منهم من المقاصد والمشارب قد علم كل اناس مشربهم وكل حزب بما لديهم فرحون.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الوهن: الفشل والضعف. يقول الحقّ جلّ جلاله: لا تضعفوا في طلب {القوم}، أي: الكفار، فتجاهدوهم في سبيل الله، فإن الحرب دائرة بينهم وبينكم، قد أصابهم مثل ما أصابكم، فإن {تكونوا تألمون}، أي: تتوجعون من الجراح، {فإنهم يألمون كما تألمون}، وأنتم ترجون من الله النصر والعز في الدنيا، والدرجات العلا في الآخرة، وهم لا يرجون ذلك، فحقكم أن تكونوا أصبر وأرغب في الجهاد منهم، {وكان الله عليمًا} بأعمالكم وضمائركم، {حكيمًا} فيما يأمركم به وينهاكم. الإشارة: لا تهنوا عن طلب الظفر بنفوسكم، ولا تفشلوا عن السير الى حضرة ربكم، فإن كنتم تألمون حال محاربتها ومخالفة شهواتها، فإنها تألم مثلكم، ما دامت لم ترتض في حضرة ربكم، فإذا ارتاضَت وتحلت صار المُر عندها حلوًا، وذلك إنما يكون بعد موتها وحياتها، فدوموا على سياستها ورياضتها، فإنكم ترجون من الله الوصول، وبلوغ المأمول، وهي ترجو الرجوع إلى المألوفات وركوب العادات، فاعكسوا مُراداتها، حتى تطمئن في حضرة ربها، فتأمن غوائلها، فليس بعد الوصول رجوع، ولا إلى العوائد نزوع، والله غالب على أمره.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى قوله: {ولا تهنوا} لا تضعفوا يقال وهن فلان في الأمر يهن وهناً ووهوناً. وقوله في ابتغاء القوم يعني في طلب القوم. والقوم هم أعداء الله وأعداء المؤمنين من أهل الشرك {إن تكونوا} أيها المؤمنون {تألمون} مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا {فانهم} يعني المشركين {يألمون} أيضاً مما ينالهم منكم من الجراح والاذى مثل ما تألمون أنتم من جراحهم واذاهم {وترجون} أنتم أيها المؤمنون {من الله} الظفر عاجلا والثواب آجلا على ما ينالكم منهم {ما لا يرجون} هم على ما ينالهم منكم يقول: فأنتم إن كنتم مؤمنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم بما هم مكذبون به فأولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم منهم على قتالكم وحربكم. وهو قول قتادة، والسدي، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وابن عباس، وابن جريج. النزول: وقال ابن عباس، وعكرمة: الآية نزلت في أهل أحد لما أصاب المسلمين ما أصابهم وصعد النبي (صلى الله عليه وسلم) الجبل وجاء أبو سفيان وقال يا محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم لنا ويوم لكم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حديث : أجيبوه تفسير : ، فقال المسلمون لا سواء لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان عزّى لنا ولا عزّى لكم، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان اعل هبل، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) قولوا له: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، ونام المسلمون وبهم الكلوم وفيهم نزلت {إن يمسسكم قرح فقد..} الآية. وفيهم نزلت {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} لأن الله تعالى أمرهم على ما بهم من الجراح ان يتبعوهم وأراد بذلك ارهاب المشركين فخرجوا إلى بعض الطريق وبلغ المشركين ذلك فاسرعوا حتى دخلوا مكة. المعنى واللغة: وقال بعضهم معنى {وترجون من الله ما لا يرجون} أي تخافون من جهته ما لا يخافون كما قال: {أية : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله }تفسير : بمعنى لا يخافون. وقال قوم لا يعرف في كلام العرب الرجاء بمعنى الخوف إلا إذا كان في الكلام جحد سابق كما قال: {أية : ما لكم لا ترجون لله وقاراً} تفسير : بمعنى لا تخافون لله عظيمة. وقال الشاعر: شعر : لا ترتجى حين تلاقي الزائدا أسبعة لاقت معاً أو واحد تفسير : وقال أبو ذؤيب الهذلي: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وحالفها في بيت نوب عوامل تفسير : قال: الفراء: نوب ونوب، وهو النحل. ولا يجوز أن تقول رجوتك بمعنى خفتك. وانما استعمل الرجاء بمعنى الخوف لأن الرجاء أمل قد يخاف ألا يتم. وهي لغة حجازية. قال الكسائي: لم أسمعها إلا بتهامة ويذهبون معناها إلى قولهم: ما أبالي وما أحفل قال الشاعر: شعر : لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما على أي جنب كان لله مصرعي تفسير : أي ما أبالي. وقوله: {كان الله عليماً} يعني بمصالح خلقه حكيماً في تدبيره أياهم وتقديره أحوالهم.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُواْ} عطف باعتبار ما يفهم من تأكيد فرض الصّلوة اى فحافظوا عليها ولا تهنوا {فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} حتّى تقتلوهم وتأسروهم او يسلّموا {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ} استيناف واقع موقع التّعليل للنّهى وتشجيع لهم على القتال بسبب انّ المهمّ لا يزيد على الم القوم وانّهم يزيدون عليهم برجاء اجر المجاهدين من الله {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} فيعلم ان الاصلح بحالكم وثباتكم على الايمان وعدم تعلّقكم بالدّنيا كالنّسوان هو الجهاد ويرغّبكم فيه على وفق حكمته وعلمه بدقائق المصالح الّتى لا تظهر عليكم وتدبيره بادقّ وجهٍ واتقن صنعٍ لتمكينكم فى اكثر الكمالات.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} أي: لا تضعفوا في طلب القوم، وذلك يوم أحد. وقد فسرنا ذلك قبل هذا الموضع. {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَألَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} قال الحسن: يعني الوجع من الجراح {وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ} في ذلك من ثوابه {مَا لاَ يَرْجُونَ} أي: ما لا يرجو المشركون. يرغبهم بذلك في الجهاد. وقال بعضهم: {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} أي: ييجعون كما تيجعون. {وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} من الثواب في الآخرة. {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}. قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ} أي في الوحي {وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً}. ذكر عن الحسن أن رجلاً من الأنصار سرق درعاً فاتُّهِمَ عليها. فلما فشت عليه القالة استودعها رجلاً من اليهود. ثم أتى قومه فقال: ألم تروا إلى هؤلاء الذين اتَّهموني بالدرع، فوالله ما زلت أسأل عنها حتى وجدتها عند فلان اليهودي. فأتوا اليهودي فوجدوا عنده الدرع؛ فقال: والله ما سرقتها، إنما استودعنيها. ثم قال الأنصاري لقومه: انطلقوا إلى النبي عليه السلام فقولوا له فليخرج فليعذرني فتسقط عني القالة. فأتى قومُه رسولَ الله فقالوا: يا رسول الله، اخرج فاعذر فلاناً حتى تسقط عنه القالة. فأراد رسول الله أن يفعل، فأنزل الله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} يعني الأنصاري.
اطفيش
تفسير : {وَلا تَهِنُوا فِى ابْتِغَآءِ القَوْمِ}: لا تضعفوا فى طلب القوم المشركين لتقتلوهم، لما مضى أبو سفيان وأصحابه من أحد الى مكة، بعث النبى صلى الله عليه وسلم فى أثرهم أصحابه، فشكوا من آلام الجراح، فنزلت الآية، وقيل: نزلت فى بدر الصغرى، وذلك حديث : أن أبا سفيان لما انصرف من أحد الى مكة، نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل ان شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: ان شاء الله، فلما كان القابل ألقى الله الرعب فى قلبه فندم على ما قال، فبعث نعيم بن مسعود مخوفا يقول: ان الناس قد جمعوا لكم، وقد وجد المؤمنين يتجهزون فثبطهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "لأخرجن ولو وحدى " تفسير : ومر ذلك فى أواخر سورة آل عمران. {إِن تَكُونُوا تَألَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأَلَمُونَ كَمَا تَألَمُونَ وَتَرجُونَ مِنَ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ}: ان تكون تتوجعون بما أصبتم به فليهن عندكم الأمر، لأنكم لم تختصموا بالألم اذ توجع القوم المشركون بكم كما توجعتم، وقد فقتموهم برجاء الجنة التى لا يرجونها اذ هم كفرة لم يؤمنوا بها، فضلا عن أن يعملوا لها، فينبغى لكم اذ ترجونها ان تكونوا أصبر منهم، وأجرأ فى الحرب، وقيل: ترجون الظفر وإعلاء دينكم على دين الكفر كله، وقيل: هذا والجنة. وفى القولين بحث لأنهم أيضا يرجون الظفر وظهور دينهم وقد يجاب بأن المؤمنين يرجون الظفر واظهار دين الله رجاء حقيقا، لأنه بوعد الله بخلافهم فانهم يرجون الظفر واظهار دينهم بلا ثقة منهم، أو يجاب بأنكم ترجون أمرا نفيسا حقيق بالرجاء، بخلاف ما يرجون وقرأ الأعرج بفتح همزة ان على التعليل لتهنوا، أى لا تهنوا فى ابتغاء القوم، لأن تكونوا تألمون، فيكون قوله: {فَإِنَّهُمْ يَأَلَمُون} تعليلا محضا للنهى من الوهن الذى يكون لكونهم يألمون، بخلاف ما اذا كسرت همزة ان فان قوله: {فَإِنَّهُمْ يَأَلَمُون} تعليل ساد مسد جواب الشرط، وقرىء يلمون كما يلمون بيائين فيهما الأولى للمضارعة والثانية بدل من همزة ألم، وأما قراءة من يبقى من القراء الهمزة ساكنة بلا قلب لها بما يجانس ما قبلها اذا كانت فاء الكلمة فمعلوم مطرد. {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً}: بألمكم ورجائكم وسائر ضمائركم وبعملكم. {حَكِيماً}: فيما يأمر وينهى.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ} أي لا تضعفوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال. {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ينالكم من الآلام مختصاً بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم أنتم لا تصبرون مع أنكم أولى بالصبر منهم حيث أنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى ما لا يخطر لهم ببال من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل والنعيم المقيم في الآخرة. وجوز أن يحمل الرجال على الخوف فالمعنى ـ إن الألم لا ينبغي أن يمنعكم لأن لكم خوفاً من الله تعالى ينبغي أن يحترز عنه فوق الاحتراز عن الألم وليس لهم خوف يلجئهم إلى الألم وهم يختارونه لإعلاء دينهم الباطل فما لكم والوهن ـ ولا يخلو عن بعد، وأبعد منه ما قيل: إن المعنى أن الألم قدر مشترك وأنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير الذي يصح أن يرجى منه، وأنهم يعبدون الأصنام التي لا خيرهن يرجى ولا شرهن يخشى. وقرأ أبو عبدالرحمن الأعرج {إِن تَكُونُواْ} بفتح الهمزة أي لا تهنوا لأن تكونوا تألمون. وقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ} تعليل للنهي عن الوهن لأجله، وقرىء ـ تئلمون كما يئلمون ـ بكسر حرف المضارعة، والآية قيل: نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبـي سفيان يوم أحد، وقيل: نزلت يوم أحد في الذهاب خلف أبـي سفيان وعسكره إلى حمراء الأسد، وروي ذلك عن عكرمة {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} مبالغاً في العلم فيعلم مصالحكم وأعمالكم ما تظهرون منها وما تسرون {حَكِيماً} فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال لذلك فإن فيه عواقب حميدة وفوزاً بالمطلوب.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وخذوا حذركم إنّ الله أعدّ للكافرين عذاباً مهيناً}تفسير : [النساء: 102] زيادة في تشجيعهم على قتال الأعداء، وفي تهوين الأعداء في قلوب المسلمين، لأنّ المشركين كانوا أكثر عدداً من المسلمين وأتمّ عُدّة، وما كان شرع قصر الصلاة وأحوال صلاة الخوف، إلاّ تحقيقاً لنفي الوهن في الجهاد. والابتغاءُ مصدر ابتغى بمعنى بَغي المتعدّي، أي الطلب، وقد تقدّم عند قوله: {أية : أفغير دين الله تبغون} تفسير : في سورة آل عمران (83). والمراد به هنا المُبادأة بالغزوِ، وأن لا يتقاعسوا، حتّى يكون المشركون هم المبتدئين بالغزو. تقول العرب: طلبنا بني فلان، أي غزوناهم. والمبادىء بالغزو له رعب في قلوب أعدائه. وزادهم تشجيعاً على طلب العدوّ بأنّ تَألّم الفريقين المتحاربين واحد، إذ كلٌ يخشى بأس الآخر، وبأنّ للمؤمنين مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها. وقوله: {من الله} متعلّق بــــ{ترجون}. وحذف العائد المجرور بمن من جملة {ما لا يرجون} لدلالة حرف الجرّ الذي جُرّ به اسم الموصول عليه، ولك أن تجعل مَا صْدق {ما لا يرجون} هو النصر، فيكون وعداً للمسلمين بأنّ الله ناصرهم، وبشارة بأنّ المشركين لا يرجون لأنفسهم نصراً، وأنّهم آيسون منه بما قذف الله في قلوبهم من الرعب، وهذا ممّا يفتّ في ساعدهم. وعلى هذا الوجه يكون قوله: {من الله} اعتراضاً أو حالاً مقدّمة على المجرور بالحرف، والمعنى على هذا كقوله: {أية : ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم}تفسير : [محمد: 11].
الشنقيطي
تفسير : نهى الله تعالى المسلمين في هذه الآية الكريمة عن الوهن، وهو الضعف في طلب أعدائهم الكافرين، وأخبرهم بأنهم إن كانوا يجدون الألم من القتل والجراح فالكفار كذلك، والمسلم يرجو من الله من الثواب والرحمة ما لا يرجوه الكافر فهو أحق بالصبر على الآلام منه، وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله: {أية : وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} تفسير : [آل عمران: 139-140] وكقوله: {أية : فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} تفسير : [محمد: 35] إلى غير ذلك من الآيات.
القطان
تفسير : ولا تهنوا: لا تضعفُوا. ابتغاء: طلب. تألمون: تتألمون. لا تضعُفوا في طلب الكافرين الذين اعلنوا عليكم الحرب، واستعدوا لقتالكم، فإذا كنتم أنتم تتألمون من الحرب وشدّتها وما تجلب من ويلات، فإنهم هم أيضاً يتألمون مثلكم. فكلكم بشر. والفرق بينكم وبينهم أنكم على الحق، ترجون من الله رضاه ونصره، وهم على الباطل، لا يرجون شيئاً. والله تعالى عليم بأعمالكم وأعمالهم، حكيم يجازي كل واحد بما يعمل. وقد سبق له وقرر ان النصر لكم ما دمتم عاملين بهدْيه سائرين على الطريق القويم.
د. أسعد حومد
تفسير : (104) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِالجِدِّ فِي قِتَالِ الأعْدَاءِ، وَفِي طَلَبِهِمْ وَيُنَبِّهُهُمْ إلى أنَّهُمْ إنْ كَانَتْ تُصِيبُهُمْ جِرَاحٌ، وَيَألَمُونَ مِنْهَا، فَإِنَّ أعْدَاءَهُمْ تُصِيبُهُمْ أيْضاً جِرَاحٌ، وَيَألَمُونَ مِنْهَا. وَالفَارِقُ الوَحِيدُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ أنَّ المُؤْمِنَ يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ المَثُوبَةَ وَالأجْرَ، وَالنَّصْرَ وَالتَّأيِيدَ، وَإِعْلاَءَ كَلِمَةِ اللهِ، التِي وَعَدَهُ اللهُ بِهَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ، وَالكَافِرُ لا يَنْتَظِرُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ أعْلَمُ وَأحْكَمُ فِيمَا يَفْرِضُهُ وَيُقَدِّرُهُ. لا تَهِنُوا - لاَ تَضْعُفُوا وَلاَ تَتَوَانَوْا.
الثعلبي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} لا تضعفوا في طلب القوم. أبي سفيان واصحابه يوم أحد وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران. {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ} أي تتوجعون وتشتكون من الجراح {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ} أي يتوجعون ويشتكون من الجراح {كَمَا تَأْلَمونَ} وانتم مع ذلك امنون {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ} الأجر والثواب والنصر الذي وعدكم الله وإظهار دينكم على سائر الأديان. {مَا لاَ يَرْجُونَ} وقيل: [تفسر] الآية: وترجون من الله ما لا يرجون أي تخافون من عذاب الله ما لا يخافون. قال الفراء: لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلاّ مع الجحد، كقول الله تعالى {أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} تفسير : [الجاثية: 14] أي لا يخافون أيام الله وكذلك قوله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} تفسير : [نوح: 13] أي لاتخافون لله عظمة، وهي لغة حجازية. قال الشاعر: شعر : لا ترتجي حين تلاقي الذائذا أسبعة لاقت معاً أم واحداً تفسير : وقال الهذلي: يصف [معتار] العسل ذا النوب وهي النحل: شعر : ويروى في بيت نوب عوامل إذا لسعته النحل لم يرج لسعها تفسير : وخالفها في بيت نوب عوامل. قال: ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك ولاخفتك وأنت تريد رجوتك. {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ}، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس:"حديث : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، يقال له طعمة بن أبرق أحد بني ظفر حي من سليم سرق درعاً من جار له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، وكان الدقيق يُنشَر من خرق في الحراب، حتى إنتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود، يقال له زيد ابن السمين، والتمست الدرع عند طعمة فلم يوجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وماله بها من علم فقال أصحاب الدرع، بلى والله لقد أولج علينا فأحضرها وعلينا بأثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق منتشراً فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق. حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه وقال اليهودي: دفعها لي طعمة بن البرق، وشهد له ناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة: أيطلبوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكلمه في صاحبنا فنعذره ونجادل عنه وإن صاحبنا يُرى معذوراً فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلموه في ذلك، وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إنك إنْ لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرئ اليهودي فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي، فأنزل الله تعالى يعاتبه {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ}"تفسير : الآيات. وفي رواية أُخرى عن ابن عباس قال: إن طعمة سرق درعاً من أنصاري وكان الدرع في جراب فيه نخاله فخرق الجراب حتى كان متناثر النخالة منه طول الطريق، فجاء به إلى دار زيد ابن السمين على أثر النخالة [فأخذه] وحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم رسول الله أن يقطع يد زيد اليهودي فأنزل الله تعالى هذه الآية. علي بن الضحاك:"حديث : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، استودع درعاً فجحده صاحبها فخوّنه رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء قومه فعذروه وأتوا عليه فصدّقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم وردّ الذين قالوا فيه ما قالوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما تبين خيانته ارتد عن الإسلام ولحق بمكة، فأنزل الله تعالى {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ}"تفسير : [النساء: 110] الآية. وقال مقاتل: إن زيد السمين أودع درعاً عند طعمة بن أبرق فجحده طعمة فلما جاء زيد يطلبه أغلق الباب، فأشرف على السطح، فألقى الدرع في دار جاره أبي هلال. ثم فتح الباب فلم يجدوا فيه فصعد السطح فقال: أرى درعاً في دار أبي هلال، فلعله درعكم فنظروا وإذا هو ذلك فرفعوه. ثم جمع طعمة قومه وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَشكوا وقالوا: إنهم قد فضحونا وسرقونا، فعاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي بالأمر والنهي والفصل {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} أي معيناً {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} ابن عباس قال: واستغفر الله مما هممت به من قطع يد زيد. الكلبي: واستغفر الله يا محمد من همك باليهودي أن تضربهِ. مقاتل: واستغفر الله من جدالك الذي جادلت عن طعمة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}. {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} يعني يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ويرمي بها اليهودي {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً} يعني خائناً في الدرع {أَثِيماً} في رميه اليهودي وقوله {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} . قد قيل فيه: إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، كقوله {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 94] والنبي لايشك ممّا أنزل الله، فإن قيل: قد أمر بالاستغفار [قلنا] هو لا يوجب وجود الذنب ولا يجب أن يستغفر كما أمر في سورة الفتح بالاستغفار من غير ذنب مقدم. واعلم أن الاستغفار في جميع الأنبياء يعد وجوه منها ثلاثة أوجه: يكون لذنبه مقدم مثل النبوة ويكون لذنب أمته وقرابته ويكون لترك المباح قبل ورود الحضر، ومعناه بالسمع والطاعة لما أمرت به ونهيت عنه وحملت التوفيق عليه {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي يستترون ويستحيون من الناس {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ} أي يستترون ولا يستحيون {مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} يعني علمه. {إِذْ يُبَيِّتُونَ} . الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: يعني يقولون، عن سفيان عن الأعمش عن أبي رزين: يولعون {مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ} يعني بأن اليهودي سرقه {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} يعني قد احاط الله بأعمالهم الحسنة. وتعلقت الجهمية والمعتزلة بهذه الآية، استدلوا منها على إن الله بكل مكان قالوا لمّا قال {وَهُوَ مَعَهُمْ} ثبت إنه بكل مكان لأنه قد اثبت كونه معهم وقال لهم حق قوله وهو معهم إنه يعلم ما يقولون ولا يخفى عليه فعلهم لأنه العالم بما يظهره الخلق وبما يستره، وليس في وله وهو معهم ما يوجب انه بكل مكان لأنه قال {أية : أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ} تفسير : [الملك: 16] ولم يرد قوله انه في السماء يَعني غير الذات لأن القول: أنّ زيداً في موضع كذا من غير أن يعتد بذكر فعل أو شيء من الأشياء لايكون إلاّ بالذات، وقال تعالى (إليه يصعد الكلم الطيب) وقال: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 5] فأخبر أنه [يرفع] الأشياء من السماء ولا يجوز أن يكون معهم بذاته ثم يدبر الأمر من السماء وإليه يصعد الكلم الطيب، ولو كان قوله (وهو معهم إذ يقولون ما لا يرضى من القول) ثم أقبل على قوم طعمة وقال {هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ } أي يا هؤلاء للتنبيه {جَادَلْتُمْ} أي خاصمتم عن [أبي] طعمة، ومتى سافر أبي بن كعب {عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} والمطلب به في اللغة بشدة [المخاصمة] وهو من الجدل وهو [شدّة الفتل وفيه: رجل مجدول الخلق، وفيه: الأجدل للصقر] لأنّه من أشدّ الطيور قوّة. {فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ} أي عن طعمة {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} لما أخذه الله بعذابه وأدخله النار {أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} كفيلاً. ثم استأنف وقال {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً} يعني يسرق الدرع {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} برميه البريء في السرقة، يقال: ومن يعمل سوءاً أي شركاً أو يظلم نفسه يعني بما دون الشرك {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} أي يتوب إلى الله {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} متجاوزاً {رَّحِيماً} به حين قبل توبته {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً} يعني يمنه بالباطل {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} يقول فإنما يضرُ به نفسه ولا يُؤخذ غير الاثم بإثم الإثم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بسارق الدرع {حَكِيماً} حكم القطع على طعمة في السرقة {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً} أي بيمينه الكاذبة،{أَوْ إِثْماً} بسرقته الدرع، وبرميه اليهودي {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} أي يقذف بما جناه من مأمنه {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً} والبهتان أي يبهت الرجل بما لم يفعل. وقال الزجاج: البهتان الكذب الذي يتخير من [عظمه]. {وَإِثْماً مُّبِيناً} ذنباً بيناً. جويبر عن الضحاك عن ابن عباس (ومن يكسب خطيئة أو إثماً) عبد الله بن أبي بن سلول (ثم يرم به بريئاً) يعني به عائشة أم المؤمنين حيث كذب عليها وكان من ذلك، وقوله (ثم يرم به) ولم يقل فيهما وقد ذكر الخطيئة ولم يقل كفراً، يجوز ان يكنى عن النفس والثلاثة والأكثر واحدها مؤنث بالتذكير، والتوحيد لأن الأنفس يقع عليها فعل واحد، فذلك جائز وإن شئت ضممت الخطيئة والإثم فجعلتها كالواحد، وإن شئت جعلت الهاء للإثم خاصة كما قال الله تعالى {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11] جعله للتجارة ولو أتى بالتذكير فجعل كالفعل الواحد لجاز ثم قال لمحمد {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ} بالنبوة {وَرَحْمَتُهُ} نصرك بالوحي {لَهَمَّت} يقول لقد همّت يعني أضمرت {طَّآئِفَةٌ} يعني جماعة {مِّنْهُمْ} يعني طعمة {أَن يُضِلُّوكَ} أي يخطؤك {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} يقول ومايخطؤن إلاّ أنفسهم {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} وكان ضره على من شهد بغير حق {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} يعني القرآن والحكمة يعني القضاء بالوحي {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} قبل الوحي {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ} منّ الله عليك {عَظِيماً} بالنبوة. هذا قول الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، ثم قال: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} يعني به الإسلام والقرآن {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} يعني من ثقيف {أَن يُضِلُّوكَ} وذلك أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد قد جئناك نبايعك على أن لا حشر ولا بعث ولا نكسر أصناماً بأيدينا على أن تمتّعنا بالعزّى سنة، فلم يجبهم إلى ذلك وعصمه الله بمنّه وأخبره بنعمته عليه انّه في حفظه وكلاءته فلا يخلص إليه أمر يكرهه، فقال {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} يعني وفد ثقيف {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} يعني لايستطيعون أن يزيلوا عنك النبوة وقد جعلك الله لها أهلاً ثم قال {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} يعني الاحكام وعلمك مالم تكن تعلم من الشرائع وكان فضل الله أي منّ الله عليك بالإيمان عظيماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه الآية تذكرة لنا بكيفية الرد على من يدعون التحرر ويحاولون إظهار الإسلام بأنه يصلح للعصر الذي نحياه عندما نؤوله ونطوّعه لمرادات العصر، ناسين مرادات الإسلام؛ فهم يقولون: لقد شرع الحق الحرب في الإسلام لرد العدوان. ونقول لهم: صحيح أن الحرب في الإسلام لرد العدوان، والحرب في الإسلام أيضاً هي لتوسيع المجال لحرية الاعتقاد للإنسان. إن الذي يخيف هؤلاء أن يكون القتال في الإسلام فريضة، فيقاوم المسلمون الطغيان في أي مكان. وهذه محاولة من أعداء الإسلام لصرف المسلمين حتى لا يقاوموا قهر الناس والطغيان عليهم؛ لأن أعداء الإسلام يعرفون تماماً قوة الإسلام الكامنة والتي يهبها لمن يؤمن به ديناً، وينخدع بعض المسلمين بدعاوى أعداء الإسلام الذين يقولون: إن الإسلام لم يشرع الحرب إلا لرد العدوان. ولذلك نقول لهؤلاء وأولئك: لا؛ إن الإسلام جاء بالقتال ليحرر حق الإنسان في الاعتقاد. والمسلم مطلوب منه أن يعلن كلمة الله، وأن يقف في وجه من يقاوم إعلانها، ولكن الإسلام لا يفرض العقيدة بالسيف، إنما يحمى بالسيف حرية المعتقد، فالحق يقول: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي لا تضعفوا في طلب القوم الذين يحاربون الإسلام، والابتغاء هو أن يجعل الإنسان شيئاً بغية له، أي هدفاً وغاية، ويجند لها كل تخطيطات الفكر ومتعلقات الطاقة، كأن الإنسان لا يرد القوم الكافرين فقط ساعة يهاجمون دار الإسلام، ولكن على المسلم أن يبتغيهم أيضاً امتثالاً لقول الله: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ}. فعلى المسلمين أن يُعْلُوا كلمة الله، ويدعوا الناس كافة إلى الإيمان بالله. وهم في هذه الدعوة لا يفرضون كلمة الله، لكنهم يرفعون السيف في وجه الجبروت الذي يمنع الإنسان من حرية الاعتقاد. إن على المسلمين رفع الجبروت عن البشر حتى ولو كان في ذلك مشقة عليهم لأن الحق قال: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216] وقد خلق الله في المؤمن القدرة على أن يبتغي عدو الإسلام ليرفع الجبروت عن غيره من البشر، صحيح أن الحرب مسألة مكروهة من البشر وليست رحلة سهلة، ولكنها أحياناً تكون واجبة، والذين أدركوا الحرب العالمية الثانية عرفوا أن "تشرشل" جاء رئيسا لوزراء بريطانيا بعد "تشمبرلن" الذي عرف عنه أنه رجل سلام، وحاول "تشمبرلن" أن يماطل ويلوح بالسلام مع ألمانيا حتى تستعد انجلترا بالحرب، وعندما استعدت انجلترا أعلن "تشمبرلن" أن سياسته غير نافعة، وجاء "تشرشل" وقاد دفة الحرب، وقال للإنجليز: - انتظروا أياماً سوداء وانتظروا الجوع. لقد قال تشرشل ذلك للإنجليز، حتى إذا ما جاء الواقع بأقل من قوله، فهم يستبشرون ويفرحون. والحق سبحانه يقول: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ}. إن الحرب ترهقهم أيضاً كما ترهقكم، لكنكم أيها المؤمنون تمتازون على الكافرين بما يلي: {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}. فأنتم وهم في الألم سواء، ولكن الاختلاف هو أن المؤمنين يرجون ما لا يرجوه الكافرون، إن المؤمنين يعلمون لحظة دخولهم الحرب أن الله معهم وهو الذي ينصرهم ومن يمت منهم يذهب إلى جنة عرضها السمٰوات والأرض، وهذا ما لا يرجوه الكفرة. والحق سبحانه وتعالى يطالب الفئة المؤمنة التي انتهت قضية عقيدتها إلى الإيمان بإله واحد؛ هو - سبحانه - أنشأهم وخلقهم وإليه يعودون، وهذه القضية تحكم حركات حياتهم؛ إنه - سبحانه - يطالبهم أن يؤدوا مطلوبات هذه القضية، وأن يدافعوا عن هذه العقيدة التي تثبت للناس جميعاً أنه لا معبود - أي لا مطاع - في أمر إلا الحق سبحانه وتعالى. وحين تحكم هذه القضية أناساً فهي توحد اتجاهاتهم ولا تتضارب مع حركاتهم، ويصبحون جميعاً متعاونين متساندين متعاضدين؛ لذلك جعل الله الطائفة المؤمنة خير أمة أخرجت للناس؛ لأن رسولها صلى الله عليه وسلم خير رسول أرسل للناس، وطلب الحق من أهل الإيمان أن يجاهدوا الكافرين والمنافقين لتصفو رقعة الإيمان مما يكدر صفو حركة الحياة. والحق يعامل خلقه كبشر، إنّه خلقهم ويعلم طبائعهم وغرائزهم ولا يخاطبهم على أنهم ملائكة، وإنما يخاطبهم على أنهم بشر، وهم أغيار، ومن الأغيار أن يصفو لهم أمر العقيدة مرة، وأن تعكر عليهم شهواتهم صفو العقيدة مرة أخرى؛ لذلك يؤكد لهم أن طريق العقيدة ليس مفروشاً بالرياحين والورود، وإنما هو مفروش بالأشواك حتى لا يتحمل رسالة الحق في الأرض إلا من صبر على هذه البلايا وهذه المحن. فلو كانت القضية على طرف الثمام أي سهلة التناول لا مشقة في الحصول عليها وتدرك بدون آلام وبدون متاعب فسيدعيها كل إنسان ويصبح غير مأمون على حمل العقيدة. من أجل ذلك لم ينصر الله الإسلام أولاً، إنما جعل الإسلام في أول أمره ضعيفاً مضطهداً، لا يستطيع أهله أن يحموا أنفسهم، حتى لا يصبر على هذا الإيذاء إلا من ذاق حلاوة الإيمان مما يجعله لا يشعر بمرارة الاضطهاد ووطأة التعذيب ومشقته. فقال الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي لا تضعفوا في طلب القوم. وكلمة {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} أي في طلبهم تدل على أن الأمة الإسلامية ليس مطلوبا منها فقط أن تدفع عن نفسها عدواناً، بل عليها أن تطلب هؤلاء الذين يقفون في وجه الدعوة لتؤدبهم حتى يتركوا الناس أحراراً في أن يختاروا العقيدة. إذن فالطلب منه سبحانه: ألاّ تهنوا ولا تضعفوا في طلب القوم الذين يقفون في وجه الدعوة. ثم قال سبحانه: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} أي إنه إذا كان يصيبكم ألم الحرب والإعداد لها، فأنتم أيضاً تحاربون قوماً يصيبهم ألم المواقع والحروب والإعداد لها؛ فأنتم وهم متساوون في إدراك الألم والمشقة والتعب، ولكن يجب ألا تغفلوا عن تقييم القوة فلا تهملوها؛ لأنها هي القوة المرجحة. فأنتم تزيدون عليهم أنكم ترجون من الله ما لا يرجون. والأشياء يجب أن تُقَوَّم بغاياتها والثواب عليها. لا يقولن أحد أبداً "هذا يساوي ذلك".. فلا يهمل أحد قضية الثواب على العمل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في شرح هذه المعادلة حتى تكون الأذهان على بينة منها إعداداً وخوضاً للحرب واحتمالاً لآلامها: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} تفسير : [التوبة: 52] عليكم أيها الكافرون أن تعلموا أن الذي ينتظرنا هو إحدى الحسنيين.. إما أن ننتصر ونقهركم، وإما أن نستشهد فنظفر بالحياة الأخرى. وماذا عن تربص المؤمنين بالكافرين: {أية : وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} تفسير : [التوبة: 52] كفة مَن - إذن - هي الراجحة في المعادلة؟ إنها كفة المؤمنين؛ لذلك قال الحق: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} فلا تضعفوا أيها المؤمنون في طلب القوم لأنهم يألمون كما تألمون، ولكن لكم مرجِّحا أعلى وهو أنكم ترجون من الله ما لا يرجون. ويذيل الحق قضية حث المؤمنين على طلب الكافرين وكيف يزيد المؤمنون على الكافرين بأنهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكافرون فيقول: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} إنه عليم بكل ما يصيب المؤمن من ألم، فلا تعتقد أيها المؤمن أن لك أجراً سيضيع منك؛ فالشوكة التي تشاك بها في القتال محسوبة لك، وهو سبحانه وتعالى حين يتركك تألم أمام الكافر كما يألم. فذلك لحكمة هي أن تسير إلى القتال وأنت واثق من قدرة إيمانك على تحمل تبعات هذا الدين. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يُصيب المؤمنَ مِنْ شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة). وبعد أن تكلم الحق عن القتال في سبيل نصرة دينه لم يحرم المؤمنين من توجيه يصفي أيضاً حركة الحياة، لماذا؟ لأنه علم أن قوماً يؤمنون به وينضوون تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، فيوضح: أن انضواءكم أيها المؤمنون تحت لواء الإسلام له تبعات، فأنتم أول من يُطبق عليه حكم الله، وإياكم أن تظنوا أنكم بإيمانكم وإعلان إسلامكم لله واتباعكم لرسول الله قد أخذتم شيئاً يميزكم عن بقية خلق الله، فكما قلنا لكم دافعوا الكفار ودافعوا المنافقين نقول لكم أيضاً: دافعوا أنفسكم؛ لأن واحداً قد ينضم إلى الإسلام وبعد ذلك يظن أن الإسلام سيعطيه فرصة ليكون له تميز على غيره، ولمثل هذا الإنسان: نقول لا. ولذلك يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ويقول له: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ..}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم. ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين: الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى. الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة؛ لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } كامل العلم كامل الحكمة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):