٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
105
Tafseer
الرازي
تفسير : في كيفية النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة، واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية، مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر، ومثل بيان صلاة السفر وصلاة الخوف، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين، وذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم بالباطل ويذر الحكم الحق، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب. والوجه الثاني في بيان النظم: أنه تعالى لما بيّن الأحكام الكثيرة في هذه السورة بيّن أن كل ما عرف بإنزال الله تعالى وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قومه. الوجه الثالث: أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بيّن أن الأمر وإن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم، وأن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل على رسوله، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اتفق المفسرون على أن أكثر هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق، ثم في كيفية الواقعة روايات: أحدها: أن طعمة سرق درعاً فلما طلبت الدرع منه رمى واحداً من اليهود بتلك السرقة، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي، فهم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك فنزلت الآية، وثانيها: أن واحداً وضع عنده درعاً على سبيل الوديعة ولم يكن هناك شاهد، فلما طلبها منه جحدها. وثالثها: أن المودع لما طلب الوديعة زعم أن اليهودي سرق الدرع واعلم أن العلماء قالوا هذا يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين، وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } تفسير : [النساء: 113] ثم روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطاً هناك لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات. المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قوله {أَرَاكَ ٱللَّهُ } إما أن يكون منقولاً بالهمزة من رأيت التي يراد بها رؤية البصر، أو من رأيت التي تتعدى إلى المفعولين، أو من رأيت التي يراد بها الاعتقاد، والأول باطل لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر، والثاني أيضاً باطل لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية، ومعلوم أن هذا اللفظ لم يتعد إلا إلى مفعولين أحدهما: الكاف التي هي للخطاب، والآخر المفعول المقدر، وتقديره: بما أراكه الله، ولما بطل القسمان بقي الثالث، وهو أن يكون المراد منه رأيت بمعنى الاعتقاد. المسألة الثالثة: اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله {بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } معناه بما أعلمك الله، وسمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى، فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيّه، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظناً ولا يكون علماً. إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون: هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالوحي والنص. وإذا عرفت هذا فنقول: تفرع عليه مسألتان: إحداهما: أنه لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالنص، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله تعالى: {أية : واتبعوه} تفسير : [الأعراف: 158] وإذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حراماً. والجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس عملاً بالنص في الحقيقة، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال: مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن، وإذا كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملاً بعين النص. أما قوله: {ولا تكن للخائنين خصيماً} ففيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية: ولا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لمن كان بريئاً عن الذنب، يعني لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: خصمك الذي يخاصمك، وجمعه الخصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الزاوية وطرف الأشفار، وقيل للخصمين خصمان لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى، وخصوم السحابة جوانبها. المسألة الثالثة: قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام: دلّت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول عليه السلاة والسلام، فإنه لولا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه وإلا لما ورد النهي عنه. والجواب: أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي فاعلاً للمنهى عنه، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على أن طعمة كذاب، وأن اليهودي بريء عن ذلك الجرم. فإن قيل: الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي عليه الصلاة والسلام قوله بعد هذه الآية {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فلما أمره الله بالاستغفار دلّ على سبق الذنب. والجواب من وجوه: الأول: لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين فأمر بالاستغفار لهذا القدر، وحسنات الأبرار سيئات المقربين. والثاني: لعلّ القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول عليه الصلاة والسلام ما يوجب القدح في شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي، ثم لما أطلعه الله تعالى على كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ، فكان استغفاره بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذوراً عند الله فيه. الثالث: قوله {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ } يحتمل أن يكون المراد: واستغفر الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريمٌ وتعظيمٌ وتفويضٌ إليه، وتقويمٌ أيضاً على الجادّة في الحكم، وتأنيبٌ على ما رُفع إليه من أمر بني أُبَيْرَقَ: وكانوا ثلاثة إخوة: بِشْر وبَشير ومُبَشِّر، وأَسَيْر بن عروة ٱبن عم لهم؛ نقبوا مشْرَبة لرِفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعاً له وطعاماً، فعثُر على ذلك. وقيل إن السارق بشير وحده، وكان يُكْنى أبا طعمة أخذ دِرعا؛ قيل: كان الدّرع في جِراب فيه دقيق، فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجِراب حتى أنتهى إلى داره، فجاء ابن أخي رفاعة وٱسمه قتادة بن النعمان يشكوهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فجاء أسير بن عروة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودِين فأنبوهم بالسرقة ورموهم بها من غير بينة؛ وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتادة ورفاعة؛ فأنزل الله تعالى: { أية : وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ } تفسير : [النساء: 107] الآية. وأنزل الله تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} وكان البريء الذي رموه بالسرقة لبيد بن سهل. وقيل: زيد بن السّمين وقيل: رجل من الأنصار. فلما أنزل الله ما أنزل، هرب ابن أبَيْرَق السارق إلى مكة، ونزل على سُلافة بنت سعد بن شهيد؛ فقال فيها حسان بن ثابت بيتاً يُعرِّض فيه بها، وهو: شعر : وقد أنزَلتْه بنتُ سعد وأصبحتْ ينازعها جلْدَ آستها وتنازعه ظننتم بأن يَخْفَى الذي قد صنعتمو وفينا نبيُّ عنده الوَحْيُ واضعه تفسير : فلما بلغها قالت: إنما أهديْتَ لي شعر حسان؛ وأخذت رحله فطرحته خارج المنزل، فهرب إلى خيبر وارتدَّ. ثم إنه نقب بيتا ذات ليلة ليَسْرق فسقط الحائط عليه فمات مرتداً. ذكر هذا الحديث بكثير من ألفاظه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحرَّاني. وذكره الليث والطبري بألفاظ مختلفة. وذكر قصة موته يحيى بن سلام في تفسيره، والقشيري كذلك وزاد ذكر الرّدة، ثم قيل: كان زيد بن السّمين ولبيد بن سهل يهوديين. وقيل: كان لبيد مسلما. وذكره المهدوي، وأدخله أبو عمر في كتاب الصحابة له. فدل ذلك على إسلامه عنده. وكان بشير رجلا منافقاً يهجو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وينحل الشعرَ غيره، وكان المسلمون يقولون: والله ما هو إلا شعر الخبيث. فقال شعرا يتنصّل فيه؛ فمنه قوله: شعر : أو كُلما قال الرجالُ قصيدةً نحلت وقالوا ٱبنُ الأُبَيْرَق قالها تفسير : وقال الضحاك: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده وكان مطاعاً، فجاءت اليهود شاكين في السلاح فأخذوه وهربوا به؛ فنزل {هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ} يعني اليهود. والله أعلم. الثانية ـ قوله تعالى: {بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} معناه على قوانين الشرع؛ إمّا بوَحْيٍ ونَص، أو بنظر جارٍ على سنن الوَحي. وهذا أصل في القياس؛ وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئاً أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العِصْمَة؛ فأما أحدنا إذا رأى شيئاً يظنه فلا قطع فيما رآه، ولم يُرد رؤية العين هنا؛ لأن الحكم لا يرى بالعين. وفي الكلام إضمار، أي بما أراكه الله، وفيه إضمار آخر. وأمض الأحكام على ما عرفناك من غير اغترار باستدلالهم. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} اسم فاعل؛ كقولك: جالسته فأنا جليسه، ولا يكون فعيلا هنا بمعنى مفعول؛ يدل على ذلك {وَلاَ تُجَادِلْ} فالخصيم هو المجادل وجمع الخصيم خصماء. وقيل: خصيماً مخاصِماً اسم فاعل أيضاً. فنهى الله عز وجل رسوله عن عَضْدِ أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة. وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتَهَم في الخصومة لا تجوز. فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه مُحِقّ. ومشى الكلام في السورة على حفظ أموال اليتامى والناس؛ فبيّن أن مال الكافر محفوظ عليه كمال المسلم، إلا في الموضع الذي أباحه الله تعالى. المسألة الرابعة ـ قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاقُ قومُ أن يُجادل فريق منهم فريقاً عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم؛ فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} وقوله: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ}. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمرادُ منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين: أحدهما ـ أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعدُ بقوله: {هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. والآخر ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكما فيما بينهم، ولذلك كان يُعتَذر إليه ولا يَعتذِر هو إلى غيره، فدلّ على أن القصد لغيره.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} نزلت في طعمة بن أبيرق من بني ظفر، سرق درعا من جارهُ قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها. فقال دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل {بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } بما عرفك الله وأوحى به إليك وليس من الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل. {وَلاَ تَكُن لّلْخَائِنِينَ} أي لأجلهم والذب عنهم {خَصِيماً} للبرآء.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: مخاطباً لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله عليه وسلم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: «حديث : ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاماً في عنقه يوم القيامة» تفسير : فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إذا قلتما، فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما، ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه» تفسير : وقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد به، وزاد: «حديث : إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه».تفسير : وقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس: أن نفراً من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجلاً من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك، عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلاً، فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء، وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علماً، فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله: {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} الآية. ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ} الآيتين، يعني: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال عز وجل: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} تفسير : [النساء: 110] الآية، يعني: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب، ثم قال: { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق، وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية:أنها نزلت في سارق بني أبيرق، على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة. وقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه، وابن جرير في تفسيره: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان رضي الله عنه، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً، يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذاو وقال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث، أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار، فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك، ابتاع الرجل منها، فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك، فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح، أتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا ـ ونحن نسأل في الدار ـ: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجلاً منا، له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد، اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟ والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا بن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام، فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : سآمر في ذلك»تفسير : ، فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلاً منهم يقال له: أسير بن عمرو، فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار، فقالوا: يارسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه، عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال: «حديث : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت» تفسير : قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن: { إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} يعني: بني أبيرق، {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ} أي: مما قلت لقتادة { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} ـ إلى قوله ـ {رَّحِيماً} أي: لو استغفروا الله، لغفر لهم {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} ـ إلى قوله ـ {وَإِثْماً مُّبِيناً} قوله للبيد {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} ـ إلى قوله {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} ـ فلما نزل القرآن، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح، فرده إلى رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخاً قد عسي، أو عشي ـ الشك من أبي عيسى ـ في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، لما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن، لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } تفسير : [النساء: 115 ـ 116] فلما نزل على سلافة بنت سعد، هجاها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به، فرمته في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير، لفظ الترمذي، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير محمد ابن سلمة الحراني. ورواه يونس بن بكير وغير واحد عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلاً، لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده، ورواه ابن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني عن محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن إسماعيل، يعني: الصائغ، حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن عياش بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد ابن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به، ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إسرائيل، وقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المستدرك، عن ابن عباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه، وفيه الشعر، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ} الآية، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس؛ لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطلع على سرائرهم، وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} تهديد لهم ووعيد. ثم قال تعالى: {هَـٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} الآية، أي: هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا؛ بما أبدوه، أو أبدي لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر، وهم متعبدون بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ يوم القيامة في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلاً، ولهذا قال: {أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : وسرق طعمة بن أبيرق درعاً وخبأها عند يهودي فوجدت عنده فرماه طعمة بها وحلف أنه ما سرقها، فسأل قومه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل عنه ويبرئه فنزل {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {بِٱلْحَقِّ } متعلق بـ(أنزل) {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ } أعلمك {ٱللَّهُ } فيه {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ } كطعمة {خَصِيماً } مخاصماً عنهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } إما بوحي أو بما هو جار على سنن ما قد أوحي الله به. وليس المراد هنا: رؤية العين؛ لأن الحكم لا يرى، بل المراد بما عرّفه الله به وأرشده إليه. قوله: {وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ } أي: لأجل الخائنين خصيماً، أي: مخاصماً عنهم مجادلاً للمحقين بسببهم. وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. قوله: {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ} أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار. قال ابن جرير: إن المعنى: استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين، وسيأتي بيان السبب الذي نزلت لأجله الآية، وبه يتضح المراد. وقيل: المعنى: واستغفر الله للمذنبين من أمتك، والمخاصمين بالباطل. قوله: {وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } أي: لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، والمجادلة مأخوذة من الجدل، وهو: القتل، وقيل: مأخوذة من الجدالة، وهي: وجه الأرض؛ لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها، وسمي ذلك خيانة لأنفسهم؛ لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم. والخوّان: كثير الخيانة، والأثيم: كثير الإثم، وعدم المحبة كناية عن البغض. قوله: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ } أي: يستترون منهم كقوله: {أية : ومن هو مستخف بالليل} تفسير : [الرعد: 10] أي: مستتر. وقيل: معناه: يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله، أي: لا يستترون منه أو لا يستحيون منه، والحال أنه معهم في جميع أحوالهم عالم بما هم فيه، فكيف يستخفون منه؟ {إِذْ يُبَيّتُونَ } أي: يديرون الرأي بينهم، وسماه تبييتاً، لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل: {مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ } أي: من الرأي الذي أداروه بينهم، وسماه قولاً؛ لأنه لا يحصل إلا بعد المداولة بينهم. قوله: {ها أَنتُمْ هَـٰؤُلاء } يعني: القوم الذين جادلوا عن صاحبهم السارق، كما سيأتي، والجملة مبتدأ وخبر. قال الزجاج: {أُوْلاء } بمعنى الذين و {جَـٰدَلْتُمْ } بمعنى حاججتم {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَـٰدِلُ الله عنهم يوم القيامة} الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي: فمن يخاصم ويجادل الله عنهم يوم القيامة عند تعذيبهم بذنوبهم؟ {أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } أي: مجادلاً ومخاصماً، والوكيل في الأصل: القائم بتدبير الأمور. والمعنى: من ذاك يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه. وقد أخرج الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن قتادة بن النعمان، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشر رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا. قال فلان كذا وكذا؛ فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال:شعر : أو كلما قال الرجال قصيدة أضمِوُا فقالوا ابن الأبيرق قالها تفسير : قال: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار، فقدمت ضافطة، أي: حمولة من الشام من الدرمك ابتاع الرجل منها فخصّ بها نفسه، وأما العيال، فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن رافع جملاً من الدرمك، فجعله في مشربة، وفي المشربة سلاح له درعان، وسيفاهما وما يصلحهما، فعدى عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي تعلم أن قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار، وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا ناراً في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا، ونحن نسأل في الدار، والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً مناله صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أبيرق وقال: أنا أسرق؟ فوالله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سأنظر في ذلك"تفسير : ، فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال: "حديث : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت"تفسير : ، قال قتادة: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال لي: يا بن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } بني أبيرق {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ } أي: مما قلت لقتادة: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } إلى قوله: {أية : ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } تفسير : [النساء: 110] أي: لو استغفروا الله لغفر لهم {أية : وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً } تفسير : [النساء: 111] إلى قوله: {أية : فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } تفسير : [النساء: 111] قولهم للبيد: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ } تفسير : [النساء: 113] يعني: أسير بن عروة، فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح، فرده إلى رفاعة. قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية، أي: كبر، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد، فأنزل الله: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ } تفسير : [النساء: 115] إلى قوله: {أية : ضَلَـٰلاً بَعِيداً } تفسير : [النساء: 115 - 116] فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. ورواه يونس ابن بكير، وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلاً لم يذكر فيه، عن أبيه، عن جدّه. ورواه ابن أبي حاتم، عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر، في تفسيره قال: حدثنا محمد بن إسماعيل: يعني: الصانع، حدّثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره، عن محمد بن العباس بن أيوب، والحسن بن يعقوب كلاهما، عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد ابن سلمة به، ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيـى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن أبي إسرائيل. وقد رواه الحاكم في المستدرك عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أثم منه، ثم قال: هذا صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه ابن سعد، عن محمود بن لبيد قال: غدا بشير فذكره مختصراً، وقد رويت هذه القصة مختصرة، ومطوّلة عن جماعة من التابعين.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الكتاب حق. والثاني: أن فيه ذكر الحق. والثالث: أنك به أحق. {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: بما أعلمك الله أنه حق. والثاني: بما يؤديك اجتهادك إليه أنه حق. {وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خصيماً} أي مخاصماً عنهم، وهذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق، واختلف في سبب نزولها فيه، فقال السدي: كان قد أودع درعاً وطعاماً فجحده ولم تقم عليه بينه، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدفع عنه، فبين الله تعالى أمره. وقال الحسن: إنه كان سرق درعاً وطعاماً فأنكره واتهم غيره وألقاه في منزله، وأعانه قوم من الأنصار، وخاصم النبي صلى الله عليه وسلم عنه أو هَمّ بذلك، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية إلى قوله: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} يعني الذي اتهمه السارق وألقى عليه السرقة. وقيل: إنه كان رجلاً من اليهود يقال له يزيد بن السمق. وقيل: بل كان رجلاً من الأنصار يُقال له لبيد بن سهل. وقيل: طعمة بن أبيرق فارتد فنزلت فيه هذه الآية. ولحق بمشركي أهل مكة فأنزل الله تعالى فيه: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } تفسير : الآية [النساء:115].
ابن عطية
تفسير : في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتفويض إليه، وتقويم أيضاً على الجادة في الحكم، وتأنيب ما على قبول ما رفع إليه في أمر بني أبيرق بسرعة، وقوله تعالى: {بما أراك الله} معناه: على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي، وقد تضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة، وقوله تعالى: {ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً} سببها باتفاق من المتأولين أمر بني أبيرق، وكانوا إخوة، بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يهجو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وينحل الشعر غيره، فكان المسلمون يقولون: والله ما هو إلا شعر الخبيث، فقال شعراً يتصل فيه، فمنه قوله: شعر : أفكلما قال الرجال قصيدة نحلت وقالوا: ابن الأبيرق قالها تفسير : قال قتادة بن النعمان: وكان بنو أبيرق أهل فاقة، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من دومك الشام فجعله في مشربة له، وفي المشربة درعان له وسيفان، فعدي على المشربة من الميل فنقبت وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، فقال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نراه إلا على بعض طعامكم، قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا: "ونحن نسأل" والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فسمع ذلك لبيد فاخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال: والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبنا فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها فقال لي عمي: يابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بهذه القصة فأتيته عليه السلام فقصصتها عليه، فقال: انظر في ذلك، فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلاً منهم يقال له: أسير بن عروة فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة على بينة، قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته, قال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة عن غير بينة، قال: فرجعت وقد وددت أن أخرج عن بعض مالي ولم أكلمه، فأتيت عمي فقال: ما صنعت؟ فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن {إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} الآيات. فالخائنون بنو أبيرق، والبريء المرمي لبيد بن سهل، والطائفة التي همت: أسير وأصحابه. قال القاضي أبو محمد: وقال قتادة وغير واحد من المتأولين: هذه القصة ونحوها إنما كان صاحبها طعمة بن أبيرق، ويقال فيه: طعيمة، وقال السدي: القصة في طعمة بن أبيرق لكن بأن استودعه يهودي درعاً فجحده إياها وخانه فيها وطرحها في دار أبي مليل الأنصاري، وأراد أن يرميه بسرقتها لما افتضح، وأبو مليل هو البريء المشار إليه، وقال عكرمة: سرق طعمة بن أبيرق درعاً من مشربة ورمى بسرقتها رجلاً من اليهود يقال له: زيد بن السمين. قال القاضي أبو محمد: وجملة هذا يستدير على أن قوم طعمة أتوا النبي وكلموه في أن يذب عن طعمة ويرفع الدعوى عنه، ودفعوا هم عنه ومنهم من يعلم أنه سرق، فكانت هذه معصية من مؤمنيهم، وخلق مقصود من منافقيهم فعصم الله رسوله من ذلك، ونبه على مقاله لقتادة بن النعمان بقوله: {ولا تكن للخائنين خصيماً}. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وطعيمة بن أبيرق صرح بعد ذلك بالارتداد وهرب إلى مكة، ونزل على سلافة فرماها حسان بن ثابت بشعر، فأخذت رحل طعمة ورمت به في الأبطح وقالت: اخرج عنا، أهديت إليَّ شعر حسان، فروي: أنه نزل على الحجاج بن علاط وسرقه فطرده، وروي أنه نقب حائط بيت ليسرقه فانهدم الحائط عليه فقتله، وروي: أنه اتبع قوماً من العرب فسرقهم فقتلوه. وقوله تعالى: {واستغفر الله} ذهب الطبري إلى أن المعنى استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين. قال القاضي أبو محمد: وهذا ليس بذنب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دافع عن الظاهر، وهو يعتقد براءتهم، والمعنى: استغفر للمذنبين من أمتك والمتخاصمين في الباطل، لا أن تكون ذا جدال عنهم، فهذا حدك، ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع، وتستغفر للمذنب. وقوله تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} لفظ عام يندرج طيه أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم، وقوله تعالى: {إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً} رفق وإبقاء، فإن الخوان: هو الذي تتكرر منه الخيانة، والأثيم: هو الذي يقصدها، فيخرج من هذا الشديد الساقط مرة واحدة ونحو ذلك مما يجيء من الخيانة بغير قصد أو على غفلة، واختيان الأنفس: هو بما يعود عليها من الإثم والعقوبة في الدنيا والآخرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} نزلت في طعمة بن أُبيرق أُودع درعاً وطعاماً فجحد ولم تقم عليه بينة، فهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالدفع عنه، فبين الله ـ تعالى ـ أمره، أو سرق درعاً وطعاماً، فأنكره واتهم به أنصارياً، أو يهودياً، وألقاه في منزله.
النسفي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ } أي محقاً {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } بما عرفك وأوحى به إليك. وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله: بما ألهمك بالنظر في أصوله المنزلة، وفيه دلالة جواز الاجتهاد في حقه {وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ } لأجل الخائنين {خَصِيماً } مخاصماً أي ولا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ } مما هممت به {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يخونونها بالمعصية جـعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم لأن الضرر راجع إليهم، والمراد به طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق، أو ذكر بلفظ الجمع ليتناول طعمه وكل من خان خيانته {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً } وإنما قيل بلفظ المبالغة لأنه تعالى عالم من طعمة أنه مُفْرط في الخيانة وركوب المآثم. ورُوي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه، فقال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. {يَسْتَخْفُونَ } يستترون {مِنَ ٱلنَّاسِ } حياء منهم وخوفاً من ضررهم {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ } ولا يستحيون منه {وَهُوَ مَعَهُمْ } وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خافٍ من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياة والخشية من ربهم مع علمهم أنهم في حضرته لا سترة ولا غيبة {إِذْ يُبَيِّتُونَ } يدبرون وأصله أن يكون ليلاً {مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ } وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دونه ويحلف أنه لم يسرقها، وهو دليل على أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس حيث سمى التدبير قولاً {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً } عالماً علم إحاطة. {هَاأَنتُمْ هَـؤُلاَء } «ها» للتنبيه في «أنتم» و «أولاء»» وهما مبتدأ وخبر {جَـٰدَلْتُمْ } خاصمتم وهي جملة مبينة لوقوع «أولاء» خبراً كقولك لبعض الاسخياء «أنت حاتم تجود بمالك». أو «أولاء» اسم موصول بمعنى «الذين» و «جادلتم» صلته والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم {عَنْهُمْ } عن طعمة وقومه {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه؟ وقرىء «عنه» أي عن طعمة {أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } حافظاً ومحامياً من بأس الله وعذابه. {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً } ذنباً دون الشرك {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } بالشرك أو سوءاً قبيحاً يتعدى ضرره إلى الغير كما فعل طعمة بقتادة واليهودي، أو يظلم نفسه بما يختص به كالحلف الكاذب {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ } يسأل مغفرته {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } له وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } لأن وباله عليها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } فلا يعاقب بالذنب غير فاعله {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً } صغيرة {أَوْ إِثْماً } أو كبيرة، أو الأول ذنب بينه وبين ربه، والثاني ذنب في مظالم العباد {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } كما رمى طعمة زيداً {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً } كذباً عظيماً {وَإِثْماً مُّبِيناً } ذنباً ظاهراً، وهذا لأنه بكسب الإثم آثم ويرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، والبهتان كذب يبهت من قيل عليه ما لا علم له به {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} أي عصمته ولطفه من الإطلاع على سرهم {لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } من بني ظفر، أو المراد بالطائفة بنو ظفر الضمير في «منهم» يعود إلى الناس {أَن يُضِلُّوكَ} عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل مع علمهم بأن الجاني صاحبهم {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } لأن وباله عليهم {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْــمَةِ } والسنة {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من أمور الدين والشرائع أو من خفيات الأمور وضمائر القلوب {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } فيما علمك وأنعم عليك. {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } من تناجي الناس {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } إلا نجوى من أمر، وهو مجرور بدل من «كثير» أو من «نجواهم» أو منصوب على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير {أَوْ مَعْرُوفٍ } أي قرض أو إغاثة ملهوف أو كل جميل، أو المراد بالصدقة الزكاة وبالمعروف التطوع {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } أي إصلاح ذات البين {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } المذكور {ٱبْتَغَاءَ مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ } طلب رضا الله وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترؤساً وهو مفعول له. والإشكال أنه قال «إلا من أمر» ثم قال و «من يفعل ذلك» والجواب أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل، ثم قال و «ومن يفعل ذلك» فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم. أو المراد ومن يأمر بذلك فعبر عن الأمر بالفعل {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } «يؤتيه»: أبو عمرو وحمزة. {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ } ومن يخالف الرسول من بعد وضوح الدليل وظهور الرشد {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأن الله تعالى جمع بين أتباع غير سبيل المؤمنين وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ } نجعله والياً لما تولى من الضلال وندعه وما اختاره في الدنيا {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } في العقبي {وَسَاءَتْ مَصِيراً } قيل: هي في طعمة وارتداده. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } مر تفسيره في هذه السورة {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } عن الصواب {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } ما يعبدون من دون الله {إِلاَّ إِنَـٰثاً } جمع أنثى وهي اللات والعزى ومناة، ولم يكن حي من العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان. وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله {وَإِن يَدْعُونَ } يعبدون {إِلاَّ شَيْطَـٰناً } لأنه هو الذي أغراهم على عبادة الأصنام فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة {مَّرِيداً } خارجاً عن الطاعة عارياً عن الخير ومنه الأمرد {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ } صفتان يعني شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع {مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } مقطوعاً واجباً لي في كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد لله. {وَلأُضِلَّنَّهُمْ } بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ } ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ } البتك: القطع. والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام، وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } بفقء عين الحامي وإعفائه عن الركوب، أو بالخصاء وهو مباح في البهائم محظور في بني آدم، أو بالوشم أو بنفي الأنساب واستلحاقها، أو بتغيير الشيب بالسواد، أو بالتحريم والتحليل، أو بالتخنث، أو بتبديل فطرة الله التي هي دين الإسلام لقوله: {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }تفسير : [الروم: 30]. {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيّاً مّن دُونِ ٱللَّهِ } وأجاب إلى ما دعاه إليه {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } في الدارين {يَعِدُهُمْ } يوسوس إليهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب {وَيُمَنِّيهِمْ } ما لا ينالون {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } هو أن يرى شيئاً يظهر خلافه {أُوْلَٰـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً } معدلاً ومفراً. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰـرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } وقرأ النخعي «سيدخلهم» {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا } مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً } قولاً وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه وهو تأكيد ثالث، وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} قال ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بن إبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعاً من جار له يقال له قتادة بن النعمان وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين فالتمست الدرع عند طعمة فحلف بالله فأخذها وما له بها من علم فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه فقال اليهودي: دفعها إلي طعمة بن أبيرق زاد في الكشاف وشهد له جماعة من اليهود. قال البغوي: وجاء بنو ظفر قوم طعمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجادل عن صاحبهم طعمة فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاقب اليهودي وأن يقطع يده فأنزل الله هذه الآية وقيل إن زيد بن السمين أودع الدرع عند طعمة فجحده طعمة الله فأنزل هذه الآية: {إنا أنزلنا إليك} يعني يا محمد الكتاب يعني القرآن بالحق يعني بالصدق وبالأمر والنهي والفصل {لتحكم بين الناس بما أراك الله} يعني بما علمك الله وأوحى إليكم وإنما سمي العلم اليقيني رؤية لأنه جرى مجرى الرؤية في قوة الظهور روي عن عمر أنه قال لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكن ليجهد رأيه لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيباً، لأن الله تعالى كان يريه إياه وإن رأي أحدنا يكون ظناً ولا يكون علماً قال المحققون دلت هذه الآية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يحكم إلا بالوحي الإلهي والنص المنزل عليه {ولا تكن} يعني يا محمد {للخائنين خصيماً} يعني ولا تكن لأجل الخائنين وهم قوم طعمة تخاصم عنهم وتجادل عن طعمة مدافعاً عنه ومعيناً له {واستغفر الله} يعني مما هممت به من معاقبة اليهودي وقيل من جدالك عن طعمة {إن الله كان غفوراً} يعني لذنوب عباده يسترها عليهم ويغفرها لهم {رحيماً} يعني بعباده المؤمنين. فصل وقد تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء وقالوا لو لم يقع من الرسول الله صلى الله عليه وسلم ذنب لما أُمر بالاستغفار والجواب عما تمسكوا به من وجوه: أحدها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل المنهي عنه في قوله ولا تكن للخائنين خصماً ولم يخاصم عن طعمة لما سأله قومه أن يذب عنه أن يلحق السرقة باليهودي فتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وانتظر ما يأتيه من الوحي السماوي والأمر الإلهي فنزلت هذه الآية وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن طعمة كذاب وأن اليهودي بريء من السرقة. وإنما مال صلى الله عليه وسلم إلى نصرة طعمة وهمّ بذلك بسبب أنه في الظاهر من المسلمين فأمره الله بالاستغفار لهذا القدر. الوجه الثاني أن قوم طعمة لما شهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة طعمة من السرقة ولم يظهر في الحال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوجب القدح في شهادتهم همّ بأن يقضي على اليهودي بالسرقة فلما أطلعه الله على كذب قوم طعمة عرف أنه لو وقع ذلك الأمر لكان خطأ في نفس الأمر فأمره الله بالاستغفار منه وإن كان معذوراً. الوجه الثالث يحتمل أن الله تعالى أمره بالاستغفار لقوم طعمة لذبهم عن طعمة فإن استغفاره صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون لذنب قد سبق قبل النبوة وأن يكون لذنوب أمته. الوجه الرابع أن درجة النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات ومنصبه أشرف المناصب فلعلو درجته وشرف منصبه وكمال معرفته بالله عز وجل فما يقع منه على وجه التأويل أو السهو أو أمر من أمور الدنيا فإنه ذنب بالنسبة إلى منصبه صلى الله عليه وسلم كما قيل حسنات الأبرار سيئآت المقربين. وذلك بالنسبة إلى منازلهم ودرجاتهم والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَٰكَ ٱللَّهُ...} الآية: في هذه الآيةِ تشريفٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتفويضٌ إليه، وتقويمٌ أيضاً على الجادَّة في الحُكْم، وتأنيبٌ مَّا علَىٰ قبولِ ما رُفِعَ إلَيْه في أمْر بَنِي أُبيْرِقٍ بِسُرْعَةٍ. وقولُهُ تعالى: {بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ}: معناه: علَىٰ قوانينِ الشَّرْعِ إمَّا بوَحْيٍ ونَصٍّ أو نَظَرٍ جارٍ علَىٰ سَنَنِ الوحْي، وقد تضمَّنَ اللَّه تعالَىٰ لأنبيائه العِصْمَةَ. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً}، قال الهَرَوِيُّ: {خَصِيماً}: أيْ: مُخَاصِماً، ولا دَافِعاً. انتهى. قال * ع *: سببها، بٱتفاقٍ من المتأولين: أمْرُ بني أُبَيْرِقٍ، وكانوا إخْوَةً: بِشْرٌ، وبَشِيرٌ، وَمُبَشِّر، وطُعَيْمَةُ، وكان بَشِيرٌ رجلاً منافقاً يهجُو أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وينحل الشِّعْر لغيره، فكان المسلمونَ يَقُولُونَ: واللَّهِ، ما هو إلاَّ شِعْرُ الخَبِيثِ، فقال شعراً يتنصَّل فيه؛ فَمِنْهُ قوله: [الطويل] شعر : أَفِي كُلِّ مَا قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَة نُحِلْتُ، وَقَالُوا: ٱبْنُ الأُبَيْرِقِ قَالَهَا تفسير : قال قتادةُ بنُ النُّعْمَانِ: وكان بَنُو أُبَيْرِقٍ أهْلَ فَاقَةٍ، فٱبتاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلاً مِنْ دَرْمَكِ الشِّامِ، فجعله في مَشْرُبَةٍ له، وفي المَشْرُبَةِ دِرْعَانِ له، وسَيْفَانِ، فَعُدِيَ على المَشْرُبَةِ من اللَّيْلِ، فلما أصْبَحَ، أتانِي عَمِّي رفاعَةُ، فقال: يَابْنَ أَخِي، أتعلَمُ أنه قَدْ عُدِيَ علَيْنا في لَيْلَتِنَا هذه، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنَا، وذُهِبَ بطَعَامِنَا، وسِلاَحِنا، قال: فتحسَّسْنا في الدَّار، وسألنا، فَقِيلَ لنا: قد رأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ ٱسْتَوْقَدُوا نَاراً في هذه الليلةِ، ولاَ نُرَاهُ إلاَّ علَىٰ بعض طعامِكُمْ، قال: وقد كان بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا، ونَحْنُ نَسْأَلُ: وَاللَّهِ، مَا نَرَىٰ صَاحِبَكُمْ إلاَّ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجلٌ مِنَّا لَهُ صَلاَحٌ وإسْلاَمٌ، فَسَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ، فَٱخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ أَتَىٰ بَنِي أُبَيْرِقٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ، أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، فَقَالُوا: إلَيْكَ عَنَّا، أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ، مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّىٰ لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمِّي: يَابْنَ أَخِي، لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأخبرتَهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ، فأتيتُهُ صلى الله عليه وسلم، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: ٱنْظُرْ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ، أَتَوْا رَجُلاً مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فكلَّموه في ذلكَ، وٱجتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِنْ أَهْلِ الدارِ، فأَتَوْا رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ رِفَاعَةَ عَمَدَا إلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إسْلاَمٍ وَصَلاَحٍ يَرْمِيَانِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَىٰ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قال قَتَادةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ: عَمَدتَّ إلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ، ذُكِرَ مِنْهُمْ إسْلاَمٌ وَصَلاَحٌ، فَرَمَيْتَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قال: فَرَجَعْتُ، وَقَدْ وَدِدتُّ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ بَعْضِ مَالِي، وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، فَأَتَيْتُ عَمِّي، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اللَّهُ المُسْتَعَانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ القُرآن: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ...} الآيات، قال: فالخائِنُونَ: بنو أُبَيْرِقٍ، والبريءُ المَرْمِيُّ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ، والطائفةُ التي هَمَّتْ أُسَيْرٌ وأصحابُهُ. قال * ع *: قال قتادة وغَيْرُ واحدٍ: هذه القصَّة ونحوها إنما كان صاحبُها طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ، ويقال فيه: طُعَيْمَةُ. قال * ع *: وطُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِق صرَّح بعد ذلك بالاِرتدادِ، وهَرَبَ إلَىٰ مكَّة، فرُوِيَ أنه نَقَبَ حائطَ بَيْتٍ؛ ليسرقه، فٱنْهَدَمَ الحائطُ عليه، فقَتَلَه، ويُرْوَىٰ أنه ٱتَّبَعَ قوماً من العرب، فسرقهم، فقتلوه.
ابن عادل
تفسير : في كيفية النَّظم وجُوهٌ: أحدُها: أنَّه - تعالى - لما شَرَح أحْوَال المُنافِقِين وأمْر بالمُحَارَبَة، وما يتَّصِل بها من الأحْكَام الشَّرْعِيَّة، مثل قَتْل المسلم خَطَأ وصَلاَة المُسَافِر، وصلاة الخَوْف، رجع بَعْد ذَلِك إلى بَيَان أحْوَال المُنَافِقِين؛ لأنَّهم كانوا يُحَاوِلُون [حَمْل] الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - على أنْ يَحْكُم بالبَاطِل ويترك الحكمَ بالحَقِّ، فأمره الله - تعالى - بألاَّ يلتَفِت إليْهِم في هذا البَابِ. وثانيها: أنه - تعالى - لمَّا بيَّن الأحْكَام الكَثِيرة في هذه السُّورة، بيَّن أنَّها كلها إنَّما عُرِفَت بإنْزَال الله - تعالى -، وأنَّه ليس للرَّسُول أن يَحِيد عَنْ شَيْءٍ منها؛ طلباً لِرِضا القَوْمِ. وثالثها: أنَّه - تعالى - لما أمَر بالمجاهدة مَعَ الكُفَّار، بَيَّن أن الأمْر وإن كَانَ كَذَلِك، لكنه لا يَجُوزُ الخِيَانَة مَعَهُم ولا إِلْحَاق ما لَمْ يَفْعَلُوا بهم، وأنَّ كُفْر الكَافِر لا يصحُّ المُسَامَحة له، بل الوَاجِبُ في الدِّين: أن يحْكم له وعَلَيْه بِمَا أنْزَل اللَّه على رسُولِهِ، وإن كان لا يَلْحَق الكَافِر حَيْفٌ؛ لأجْل رِضَى المُنَافِقِ [قول: "بالحَقِّ": في محلِّ نصبٍ على الحَالِ المُؤكِّدة، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحَالِ هو الكِتَابُ، أي: أنزلناه مُلْتبساً بالحَقِّ، و"لتحكمْ": متعلِّق بـ "أنْزلنا"، و"أراك" متعدٍّ لاثنين: أحدهما: العائدُ المَحْذُوفُ، والثاني: كافُ الخطَابِ، أي: بما أراكَهُ الله. والإراءَةُ هنا: يجوزُ أن تَكُون من الرَّأي؛ كقولك: "رأيتُ رَأيَ الشَّافِعِي"، أو من المَعْرِفة، وعلى كلا التَّقْدِرين؛ فالفعلُ قبل النَّقْل بالهَمْزة متعدٍّ لواحد، وبعدَه مُتَعَدٍّ لاثنين]. وقال أبو عَلِيٍّ الفَارِسِي: [قوله] "أرَاكَ اللَّهُ" إمّا أن يَكُون مَنْقُولاً بالهَمْزَة من "رَأيْت"، الَّتِي يُرَاد بها رُؤْيَةُ البَصَر، أو من "رَأيْت" [الَّتِي] تتعدَّى إلى مَفْعُولَيْن، أو من "رأيْتُ" الَّتِي يُرَاد بها الاعْتِقَاد. والأوَّل: بَاطِلٌ؛ لأنَّ الحُكْمَ في الحَادِثَةِ لا يُرَى بالبَصَر. والثاني: أيضاً بَاطِلٌ؛ لأنَّه يَلْزَم أن يَتَعَدَّى إلى ثَلاَثَة مَفَاعِيل بسبب التعدية ومعلوم: أنَّ هذا اللَّفْظ لم يَتَعَدَّ إلاَّ إلى مَفْعُولين: أحدُهُما: كاف الخِطَابِ، والآخر المَفْعُول المقدَّر، وتقديره: بما أرَاكَهُ الله، ولمَّا بَطَل القِسْمَان، بقي الثَّالِث، وهو أنَّ المُرَاد مِنْه: "رأيت" بمعنى: الاعْتِقَاد. فصل في معنى الآية معنى الآيَةِ: بما أعْلَمَكَ اللَّه، وسُمِّي ذلك العِلْم بالرُّؤيَة؛ لأن العِلْم اليَقِينِيِّ المُبَرَّأ عن الرَّيْب يكون جَارِياً مُجْرَى الرُّؤية في القُوَّة والظُّهُور، وكان عُمَر يقُول: لا يَقُولَنَّ أحدُكُم قَضيتُ بما أرَانِي [اللَّه]، فإن اللَّه - تعالى - لم يَجْعَلْ ذلك إلا لِنَبِيِّه صلى الله عليه وسلم، وأما الوَاحِد منَّا فرأيُهُ يَكُون ظَنًّا، ولا يكون عِلْماً. وإذا ثَبَت ذَلِكَ قال المحققون: دَلَّت هذه الآيَةِ على أنَّه - عليه الصلاة والسلام - ما كان يَحْكُم إلا بِالوَحْي والنَّصِّ، وإذا كان كَذَلِك، فيتفَرَّعُ عليه مَسْألتانِ: الأولَى: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يَجُز لَهُ الاجْتِهَاد. والثانية: أنَّه - عليه الصلاة والسلام - إذا لم يَجُز له أنْ يحكم إلا بالنَّصِّ، وجَبَ أن تكُونَ أمَّتُهُ كَذَلِكَ؛ لقوله - تعالى - {أية : وَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأعراف: 158] وإذا كان كَذَلِك، حَرُمَ العَمَلُ بالقِيَاسِ. والجَوَابُ: أنه لما قَامَت الدَّلاَلَة على أنَّ القِيَاس حُجَّة، كان العَمل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ في الحَقِيقَةِ؛ لأنَّه يَصِير التَّقْدير: أنه - تعالى - قال: مَتَى غَلَب على ظَنِّك أن حكم الصُّورَة المَسْكُوت عنها، مثل حُكْم الصُّورَة المَنصُوص عَلَيْها، بسبب أمرٍ جامعٍ [فاعْلم: أنَّه تكليفي في حَقِّك أن تَعْمَل] بِمُوجِبِ ذلكِ الظَّنِّ، وإذا كان كَذَلِك، كان العَمَل بالقِيَاسِ عَمَلاً بالنَّصِّ. قوله: "للخائنين" متعلِّق بـ "خَصِيماً" واللامُ: للتَّعْلِيل، على بَابِها، وقيل: هي بِمَعْنى: "عن"، ولَيْسَ بشيء؛ لصِحَّة المَعْنَى بدون ذَلِك، ومفعولُ "خصيماً": محذوفٌ، تقدِيرُه: "خَصِيماً البُرَآء"، وخَصِيمٌ: يجو أن يَكُون مِثَال مبالغةٍ، كضريبٍ، وأن يكون بمعنى: مُفاعل، نحو: خَلِيط وجَلِيس بمعنى: مُخاصِم ومُخالِط ومُجالِس. قال الوَاحِدِي: خَصْمُك الذي يُخَاصِمُك، وجمعه: الخُصَمَاء، وأصْلُه من الخصْم: وهُو ناحية الشَّيْءِ، والخصْم: طَرْف الزَّاوِيَة، وطَرَف الأشْفَار، وقيل للخَصْمَين: خَصْمَان؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما في نَاحِيَةٍ من الحُجَّة والدَّعْوى، وخُصُوم السَّحَابة: جَوَانِبها. فصل: في سبب نزول الآية روى الكلبي، عن أبي صَالح، عن ابن عبَّاسٍ، قال: نزلت هذه الآية في رَجُلٍ من الأنْصَار، يقال له: طعمة بن أبَيْرِق من بني ظَفر بن الحارث، سرقَ دِرْعاً من جَارٍ له يُقَال له: قتادة بن النُّعْمَان، وكانت الدِّرْع في جراب له فيه دَقِيقٌ، فجعل الدَّقِيق يَنْتَثِر من خِرْق في الجِرَاب، حتى انْتَهَى إلى الدَّار، ثم خَبَّأها عند رَجُلٍ من اليَهُود، يُقال له: زَيْد ابن السَّمِين، فالتُمِسَتِ الدِّرْع عند طعمة، فحَلَف بالله ما أخَذَها وما لَهُ بها من علم، فقال أصْحَابُ الدِّرْع: لقد رَأينا أثر الدقيق حتى دخل دَارَه، فلما حَلَف، تركوه واتَّبَعُوا أثر الدقيق إلى مَنَزِل اليَهُودِيِّ؛ فأخذوه منه، فقال اليَهُودِيُّ: دفعها إليّ طعمة بن أبَيْرِق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طُعْمَة إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وسألُوه أن يُجادل عن صَاحِبِهم، وقالوا له: إنك إن لم تَفْعَل، افْتَضَحَ صَاحِبُنا، فهمَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعاقِب اليَهُودِي. ويُروى عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عَنْهُما في رواية أخْرى: أن طعمة سَرَق الدِّرْع في جِرَابٍ فيه نخالة، فخرق الجِرَاب حَتَّى كان يَتَنَاثر منه النُّخَالة طُول الطَّرِيق، فجاء به إلى دَارِ زيْد السَّمِين وتركه على بابه، وحَمَل الدِّرْع إلى بَيْتِه، فلما أصْبَح صاحِبُ الدِّرْع، جاء على أثَر النُّخَالة إلى دار زَيْدٍ السَّمين، فأخذه وحمله إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يَقْطع يد زَيْد اليَهُودِي. وقال مقاتل: إن زيداً السَّمين أوْدَع درعاً عند طعمة فَجَحَدَها طعمة، فأنْزَل الله تعالى قوله: {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} بالأمْر، والنَّهْي، والفَصْل، {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ}: بما علّمَكَ الله وأوْحَى إليْك، {وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ}: طعمة، "خصيماً": مُعيناً مُدَافِعاً عنه. وهذه القِصَّة تَدُلُّ على أن طعمة وقوْمَه كانوا مُنَافِقِين؛ لأنهم طلبوا البَاطِل، ويؤكِّدُه قوله - تعالى -: {أية : وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} تفسير : [النساء: 113]. ثم رُوي: أن طعمة هَرَب إلى مَكَّة وارتَدَّ، وثَقَب حَائِطَاً؛ ليَسْرِق، فسقط الحَائِط عَلَيْه فمات. فصل قال الطَّاعِنُون في عِصْمة الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -: دلَّت هذه الآيةُ على صُدُور الذَّنْب من الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - فإنَّه لَوْلاَ أن الرسُول - [عليه الصلاة والسلام] أراد أن يُخَاصِم لأجْل الخَائِن ويذب عنه، وإلاّ لما وَرَدَ النَّهْي عَنْه. والجوابُ: أنه لمَّا ثَبَتَ في الرِّواية: أنَّ قوم طعمة لما التمسُوا من الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - أن يَذُبَّ عن طعمة، وأنْ يُلْحِق السَّرقة باليَهُودِيِّ توقف وانتظر الوَحْي، فنزلت الآيَة، وكان الغَرَضُ من هذا النَّهْي: تَنْبيه النبيّ - عليه الصلاة والسلام - على أنَّ طعمة كَذَّابٌ، وأن اليَهُودِيَّ بريءٌ من ذَلِك الجُرْمِ. فإن قيل: الدَّليل على أنَّ الجُرْم قد وَقَعَ من النَّبِي - عليه الصلاة والسلام - قوله بعد ذلك: {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} والأمر بالاسْتِغْفَار، يدل على صُدُور الذَّنْبِ. فالجواب: من وجوه: الأوَّل: لعله مَالَ طَبْعُهُ، إلى نُصْرة طعمة؛ بِسَبَبِ أنه كَانَ في الظَّاهِر من المُسْلِمِين؛ فأمر بالاسْتِغْفَار لهذا القَدْر، وحَسَنَاتُ الأبْرَار سَيِّئَات المُقَرَّبين. الثَّاني: أن القَوْم لما شَهِدُوا بِبَراءَة طعمة، وعلى اليَهُودِيِّ بالسَّرِقَة، ولم يَظْهَر للرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - ما يُوجِب القَدْح في شَهَادَتِهم، هَمَّ بأن يَقْضِي بالسَّرِقة عَلَى اليهودي، ثمَّ لما أطْلَعَهُ اللَّه على كَذِب أولَئكَ الشُّهُود، عَرَف أنَّ ذلك القَضَاء لو وَقَعَ، لكان خَطَأ في نَفْسِه، وإن كَانَ مَعْذُوراً عند اللَّه [- تعالى -] [فيه]. الثالث: قوله: "واستغفر الله" يُحْتَمل أن يكُون المُرادُ: واستغفر الله لأولئك الَّذين يَذُبُّون عن طعمة، ويُرِيدُون أن يُظْهِرُوا بَرَاءَته. الرابع: قيل: الاسْتِغْفَار في حَقِّ الأنْبِياء بعد النُّبُوَّة على أحَدِ الوُجُوه الثَّلاثة: إما لِذَنْب تَقَدَّم قبل النُّبُوَّة، أو لِذُنُوب أمَّته وقَرَابتِه، أو لِمُبَاح جاء الشَّرْع بتحريمِهِ، فيتركه بالاسْتِغْفَار، والاسْتِغْفَار يَكُون مَعْناه: السَّمع والطَّاعة لحُكْمِ الشَّرْع. ثم قال: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} أي: يَظْلمون أنفُسَهُم بالخِيَانَة والسَّرقة وقِبَلها. أمر بالاسْتِغْفَار على طَرِيق التَّسْبِيحِ؛ كالرجل يَقُول: أسْتَغْفِر اللَّه، على وجْه التَّسْبِيح من غَيْر أن يَقْصِد تَوْبةً من ذَنْبٍ. وقيل: الخِطَاب للنَّبِي صلى الله عليه وسلم، والمراد: ابن أبَيْرقِ؛ كقوله: {أية : يَۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 1] [وقوله: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} تفسير : [يونس: 94] والمراد بالذين يختانون طعمة ومن عاوَنَهُ من قَوْمِه، والاخْتِيَان: كالخِيَانَةِ؛ يقال: خَانَهُ واخْتَانَهُ، وقد تقدَّم عِنْد قوْله: {أية : عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 187]، [وإنما قال لطعمة وللذَّابِّين عنه: إنهم يختَانُون أنفُسَهُم]؛ لأن مَنْ قدم على المَعْصِيَة، فقد حَرَمَ نفسه الثَّوَابَ، وأوصَلَهَا إلى العِقَاب، فكان ذلك مِنْهُ خِيَانة لِنَفْسِهِ؛ ولِهَذا المَعْنَى، قيل لِمَن ظَلَم غيره: إنَّه ظلم نَفْسَه، وفي الآيَة تهديدٌ شَدِيدٌ على إعانَة الظَّالِم؛ لأن الله - تعالى - عاتب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على همِّه بإعَانَة طعمة، مع أنَّه لم يَكُن عَالِماً بظُلْمِهِ، فكيف حَالُ من يَعْلم ظلم الظَّالِم، ويعينُه عَلَيْه. ثم قال: {إنَّ اللَّه لا يُحِبُّ} أي: لا يَرْضى عن {مَنْ كَان خَوَّاناً أَثِيماً} يريد: خَوَّاناً في الدِّرْع، أثيماً في رَمْيه اليَهُوديَّ. وقيل: إنَّه خطابٌ مع النَّبِي صلى الله عليه وسلم والمراد به: غيره؛ كقوله: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 94]. فإن قيل: قوله - تعالى -: {مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} صيغة مُبالَغَة تَدُلُّ على تَكْرَار ذَلِكَ [الفِعْل مع أن الصَّادِر عَنْه خِيَانة وَاحِدَة، وإثمٌ واحدٌ. فالجواب: أنَّ الله - تعالى - عَلِم أنه] كَانَ في طَبْعَ ذَلِكَ الرَّجُل الخيانة الكَثِيرة والإثْمِ الكَبِير، فذكر اللَّفظ الدَّالَّ على المُبَالَغَة؛ بسبَبِ ما كان في طَبْعِهِ من المَيْل إلى ذَلِك، ويدُلُّ عليه: ما ذَكر [أنَّه] بعد هذه الوَاقِعَة هَرَبَ إلى مَكَّة، وارتدّ ونَقَبَ حائِط إنْسَان، لأجْلِ السرقة، فسقط الحَائِطُ عليْه ومات، ومن كانت خَاتِمَتُه كَذَلِك، لم يُشَكّ في حَالِه، وأيضاً: فإنَّه طَلَبَ من النبي - عليه الصلاة والسلام - أنْ يرفَعَ السَّرِقَةَ عَنْه، ويُلْحِقَها باليَهُودِيِّ، وهذا يُبْطِل رِسَالة الرَّسُول، ومن حَاوَل إبْطَال رسَالة الرَّسُول وأراد كذبَهُ، فقد كَفَر؛ فلهذا المَعْنَى وَصَفَهُ اللَّه [- تعالى -] بالمُبَالَغَة في الخِيَانة والإثْمِ. وقد قيل: إذا عَثرْت من رَجُلٍ على سَيِّئَةٍ، فاعلم أنَّ لها أخَوَاتٍ. وعن عُمَر - رضي الله عنه -: أنَّه أخذ يَقْطَع يَدَ سَارِقٍ، فجاءَتُهُ أمُّه تَبْكِي وتقُول هذه أوّل سَرِقة سرقها فاعْفُ عنه، فقال: كَذَبْت إنّ الله لا يؤاخِذُ عَبْدَه في أوّل الأمْر.
السيوطي
تفسير : أخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق. بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا، وإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث فقال: أو كلما قال الرجال قصيدة أضحوا فقالوا: ابن الأبيرق قالها. وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الرزمك ابتاع الرجل منها فخص بها بنفسه، وأما العيال فإنما طعامهم الشعير، فقدمت ضافطة الشام فابتاع عمي رفاعة بن زرد جملاً من الرزمك، فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما، فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا قال: فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم. قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار - والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أبيرق وقال: أنا أسرق، فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتتبين هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل - فوالله - ما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها. فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له؟. حديث : قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأنظر في ذلك، فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته. فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت؟ تفسير : قال قتادة: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان... فلم نلبث أن نزل القرآن {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً} لبني أبيرق {واستغفر الله} أي مما قلت لقتادة {إن الله كان غفوراً رحيماً، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} إلى قوله {ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} أي أنهم لو استغفروا الله لغفر لهم {ومن يكسب إثماً} إلى قوله {فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} قولهم للبيد {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك} يعني أسير بن عروة وأصحابه إلى قوله {فسيؤتيه أجراً عظيماً} . فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة. قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح - وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً - فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد، فأنزل الله {أية : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} تفسير : [النساء: 115] إلى قوله {أية : ضلالاً بعيداً} تفسير : [النساء:116] فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير". وأخرج ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: "عدا بشير بن الحارث على علية رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان الظفري فنقبها من ظهرها وأخذ طعاماً له ودرعين بأداتهما، فأتى قتادة بن النعمان النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فدعا بشيراً فسأله، فأنكر ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلاً من أهل الدار ذا حسب ونسب، فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد بن سهل قوله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} إلى قوله {ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} يعني بشير بن أبيرق {ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً} يعني لبيد بن سهل حين رماه بنو أبيرق بالسرقة، فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتداً كافراً، فنزل على سلافة بنت سعد بن الشهيد، فجعل يقع في النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين، فنزل القرآن فيه، وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع من الهجرة". وأخرج ابن سعد من وجه آخر عن محمود بن لبيد قال: كان أسير بن عروة رجلاً منطيقاً ظريفاً بليغاً حلواً، فسمع بما قال قتادة بن النعمان في بني أبيرق للنبي صلى الله عليه وسلم، حين اتهمهم بنقب علية عمه وأخذ طعامه والدرعين، فأتى أسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة جمعهم من قومه، فقال: "إن قتادة وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل حسب ونسب وصلاح، يؤنبونهم بالقبيح، ويقولون لهم ما لا ينبغي بغير ثبت ولا بينة، فوضع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء ثم انصرف، فأقبل بعد ذلك قتادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكلمه، فجبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهاً شديداً منكراً، وقال: "بئسما صنعت، وبئسما مشيت فيه. فقام قتادة وهو يقول: لوددت أني خرجت من أهلي ومالي، وأني لم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمرهم، وما أنا بعائد في شيء من ذلك. فأنزل الله على نبيه في شأنهم {إنا أنزلنا إليك الكتاب} إلى قوله {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يعني أسير بن عروة وأصحابه {إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً}". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} إلى قوله {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله} فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق درعه من حديد التي سرق، وقال أصحابه من المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم: اعذره في الناس بلسانك، ورموا بالدرع رجلاً من يهود بريئاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق، وفيما هم به نبي صلى الله عليه وسلم من عذره، فبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه صلى الله عليه وسلم، وحذره أن يكون للخائنين خصيماً، وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار، ثم أحد بني ظفر سرق درعاً لعمه كانت وديعة عندهم، ثم قدمها على يهودي كان يغشاهم، يقال له زيد بن السمين، فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يهتف، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر، جاءوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم، وكان نبي الله قد هم بعذره حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} إلى قوله {يرم به بريئاً} وكان طعمة قذف بها بريئاً، فلما بين الله شأن طعمة نافق ولحق بالمشركين، فأنزل الله في شأنه {أية : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين...} تفسير : [النساء: 115] الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: "إن نفراً من الأنصار غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجلاً من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علماً، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه فإنه إن لا يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} يقول: بما أنزل الله إليك إلى قوله {خواناً أثيماً} ثم قال للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً {يستخفون من الناس} إلى قوله {وكيلاً} يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال {ومن يكسب خطيئة...} الآية. يعني السارق والذين جادلوا عن السارق". وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: " كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم طرحه على يهودي، فقال اليهودي: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت عليّ. وكان الرجل الذي سرق له جيران يبرئونه ويطرحونه على اليهودي، ويقولون: يا رسول الله إن هذا اليهودي خبيث يكفر بالله وبما جئت به، حتى مال عليه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض القول، فعاتبه الله في ذلك فقال {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله} بما قلت لهذا اليهودي {إن الله كان غفوراً رحيماً} ثم أقبل على جيرانه فقال {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم} إلى قوله {وكيلاً} ثم عرض التوبة فقال {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً، ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه} فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه {ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً} وإن كان مشركاً {فقد احتمل بهتاناً} إلى قوله {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتاً يسرقه، فهدمه الله عليه فقتله. وأخرج ابن المنذر عن الحسن "أن رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اخْتَانَ درعاً من حديد، فلما خشي أن توجد عنده ألقاها في بيت جار له من اليهود وقال: تزعمون إني اختنت الدرع - فوالله - لقد أنبئت أنها عند اليهودي، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجاء أصحابه يعذرونه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره حين لم يجد عليه بينة، ووجدوا الدرع في بيت اليهودي، وأبى الله إلا العدل، فأنزل الله على نبيه {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} إلى قوله {أمن يكون عليهم وكيلاً} فعرض الله بالتوبة لو قبلها إلى قوله {ثم يرم به بريئاً} اليهودي ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {ولولا فضل الله عليك ورحمته} إلى قوله {وكان فضل الله عليك عظيماً} فأبرئ اليهودي، وأخبر بصاحب الدرع قال: قد افتضحت الآن في المسلمين، وعلموا أني صاحب الدرع ما لي اقامة ببلد، فتراغم فلحق بالمشركين، فأنزل الله {أية : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} تفسير : [النساء : 115] إلى قوله {أية : ضلالاً بعيداًَ } تفسير : [النساء:116] ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} قال: بما أوحى إليك، نزلت في طعمة بن أبيرق، استودعه رجل من اليهود درعاً، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي ثم دفنها، فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها، فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها، فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال: انطلقوا معي فإني أعرف موضع الدرع، فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في بيت أبي مليك الأنصاري، فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها، وقع به طعمة وأناس من قومه فسبوه قال: أتخوِّنوني...؟ فانطلقوا يطلبونها في داره، فأشرفوا على دار أبي مليك فإذا هم بالدرع، وقال طعمة: أخذها أبو مليك وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا له ينضح عني ويكذب حجة اليهودي، فإني إن أكذب كذب على أهل المدينة اليهودي، فأتاه أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله جادل عن طعمة وأكذب اليهودي. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، فأنزل الله عليه {ولا تكن للخائنين خصيماً} إلى قوله {أثيماً} ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه فقال {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} إلى قوله {وكيلاً} ثم دعا إلى التوبة فقال {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} إلى قوله {رحيماً} ثم ذكر قوله حين قال أخذها أبو مليك، فقال {ومن يكسب إثماً} إلى قوله {مبيناً} ثم ذكر الأنصار وأتيانها إياه أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه فقال: {لهمت طائفة منهم أن يضلوك} ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة فقال: {أية : لا خير في كثير من نجواهم} تفسير : [النساء: 114] فلما فضح الله طعمة بالقرآن بالمدينة هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه، ونزل على الحجاج بن علاط السلمي، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه، فسمع الحجاج خشخشته في بيته وقعقعة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو بطعمة فقال: ضيفي وابن عمي فأردت أن تسرقني؟ فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافراً، وأنزل الله فيه {أية : ومن يشاقق الرسول} تفسير : [النساء : 115] إلى {أية : وساءت مصيراً } تفسير : [النساء:115]. وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: استودع رجل من الأنصار طعمة بن أبيرق مشربة له فيها درع فغاب، فلما قدم الأنصاري فتح مشربته فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق فرمى بها رجلاً من اليهود يقال له زيد بن السمين، فتعلق صاحب الدرع بطعمة في درعه، فلما رأى ذلك قومه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فكلموه ليدرأ عنه، فهم بذلك، فأنزل الله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس} إلى قوله {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يعني طعمة بن أبيرق وقومه {ها أنتم هؤلاء جادلتم} إلى قوله {يكون عليهم وكيلاً} محمد صلى الله عليه وسلم وقوم طعمة {ثم يرم به بريئاً} يعني زيد بن السمين {فقد احتمل بهتاناً} طعمة بن أبيرق {ولولا فضل الله عليك ورحمته} لمحمد صلى الله عليه وسلم {لهمت طائفة} قوم طعمة {أية : لا خير في كثير} تفسير : [النساء: 114] الآية للناس عامة {أية : ومن يشاقق الرسول} تفسير : [النساء: 115] قال: لما أنزل القرآن في طعمة بن أبيرق لحق بقريش ورجع في دينه، ثم عدا على مشربة للحجاج بن علاط البهري فنقبها، فسقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه من مكة، فخرج فلقي ركباً من قضاعة، فعرض لهم فقال: ابن سبيل منقطع به. فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق، فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات. فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله {أية : إن الله لا يغفر أن يُشْرَك به} تفسير : [النساء: 116]. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، استودع درعاً فجحدها صاحبها، فلحق به رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب له قومه وأتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: خوّنوا صاحبنا وهو أمين مسلم، فأعذره يا نبي الله وازجر عنه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فعذره وكذب عنه وهو يرى أنه بريء وأنه مكذوب عليه، فأنزل الله بيان ذلك فقال {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} إلى قوله {أمن يكون عليهم وكيلاً} فبين خيانته فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتد عن الإسلام، فنزل فيه {أية : ومن يشاقق الرسول} تفسير : [النساء: 115] إلى قوله {أية : وساءت مصيراً } تفسير : [النساء:115]. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية العوفي "أن رجلاً يقال له طعمة بن أبيرق سرق درعاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فألقاها في بيت رجل، ثم قال لأصحاب له: انطلقوا فاعذروني عند النبي صلى الله عليه وسلم فإن الدرع قد وجد في بيت فلان. فانطلقوا يعذرونه عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً} قال: بهتانه قذفه الرجل". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} قال: اختان رجل من الأنصار عمّاً له درعاً فقذف بها يهودياً كان يغشاهم، فجادل الرجل قومه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره ثم لحق بدار الشرك، فنزلت فيه {أية : ومن يشاقق الرسول...} تفسير : [النساء: 115] الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إياكم والرأي، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {لتحكم بين الناس بما أراك الله} ولم يقل بما رأيت. وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار. أن رجلاً قال لعمر {بما أراك الله} قال: مه، إنما هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي {لتحكم بين الناس بما أراك الله} قال: الذي أراه في كتابه. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مالك بن أنس عن ربيعة قال: إن الله أنزل القرآن وترك فيه موضعاً للسُّنة، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة وترك فيها موضعاً للرأي. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: قال لي مالك: الحكم الذي يحكم به بين الناس على وجهين، فالذي يحكم بالقرآن والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصواب، والحكم يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شيء فلعله أن يوفق. قال: وثالث التكلف لما لا يعلم، فما أشبه ذلك أن لا يوفق. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {لتحكم بين الناس بما أراك الله} قال: بما بين الله لك. وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر {لتحكم بين الناس بما أراك الله} قال: بالبينات والشهود. وأخرج عبد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً قال "من صلى صلاة عند الناس لا يصلي مثلها إذا خلا فهي استهانة استهان بها ربه، ثم تلا هذه الآية {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم}". وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة مثله، وزاد، ولا يستحيي أن يكون الناس أعظم عنده من الله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رزين {إذ يبيتون} قال: إذ يؤلفون ما لا يرضى من القول. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله} قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً ثم استغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئاً منه قرضه بالمقراض، فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً فقال ابن مسعود: ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل لكم الماء طهوراً وقال {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} . وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال: من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر غفر له {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} . {أية : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول..} تفسير : [النساء: 64] الآية. وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل، فسألته عن امرأة فجرت فحبلت ولما ولدت قتلت ولدها فقال: ما لها إلا النار. فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين {من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} فمسحت عينها ثم مضت. وأخرج ابن أبي حاتم وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن مردويه عن علي قال: سمعت أبا بكر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له، لأن الله يقول {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} ". تفسير : وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه حديث : عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس وجلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما يكون عليه، وأنه قام فترك نعليه، فأخذت ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته، فقال: "إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه {من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} فأردت أن أبشر أصحابي. قال أبو الدرداء: وكانت قد شقت على الناس التي قبلها {من يعمل سوءاً يجز به} [النساء: 123] فقلت: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق ثم استغفر ربه غفر الله له؟ قال: نعم. قلت: الثانية... قال: نعم. قلت: الثالثة... قال: نعم. على رغم أنف عويمر ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين {ثم يرم به بريئاً} قال: يهودياً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وعلمك ما لم تكن تعلم} قال: علَّمه الله بيان الدنيا والآخرة. بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه. وأخرج عن الضحاك قال: علمه الخير والشر. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ} رُوي (أن رجلاً من الأنصار يقال له طُعمةُ بنُ أُبـيرِقَ من بني ظفَرٍ سرَق دِرعاً من جاره قتادةَ بنِ النعمانِ في جرابِ دقيقٍ فجعل الدقيقُ ينْتثِرُ من خَرْقٍ فيه فخبأها عند زيد ابنِ السمين اليهودي فالتمست [بنو ظفر] الدرعَ عند طعمةَ فلم توجد، وحلف ما أخذها وما لَه بها علمٌ فتركوه واتبعوا أثرَ الدقيقِ حتى انتهى إلى منزل اليهوديِّ فأخذوها فقال: دفعها إليّ طعمةُ وشهِد له ناسٌ من اليهود، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهِدوا ببراءته وسرقةِ اليهوديِّ فهمّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزلت). وروي (أن طعمةَ هرب إلى مكةَ وارتدّ ونقَبَ حائطاً بمكةَ ليسرِقَ أهلَه فسقَط الحائطُ عليه فقتله). وقيل: (نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له الحجّاجُ بنُ علاط فنقَبَ بـيتَه فسقط عليه حجرٌ فلم يستطِع الدخولَ ولا الخروجَ فأخذ ليقتل فقيل: دعه فإنه قد لجأ إليك فتركه وأخرجوه من مكةَ فالتحق بتجارٍ من قضاعةَ نحوَ الشام فنزلوا منزلاً فسرق بعضَ متاعِهم وهرب فأخذوه ورجموه بالحجارة حتى قتلوه). وقيل (إنه ركب سفينةً إلى جُدّة فسرَق فيها كيساً فيه دنانيرُ فأُخذ وألقيَ في البحر). {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي بما عرّفك وأوحىٰ به إليك {وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ} أي لأجلهم والذبِّ عنهم وهم طُعمةُ ومن يُعينُه من قومه، أو هو ومن يسير بسيرته {خَصِيماً} مخاصماً للبراءة أي لا تخاصِم اليهودَ لأجلهم، والنهيُ معطوفٌ على أمر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل: فاحكم به ولا تكن الخ {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ} مما هممتَ به تعويلاً على شهادتهم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} مبالغاً في المغفرة والرحمةِ لمن يستغفره. {وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} أي يخونونها بالمعصية كقوله تعالى: {أية : عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة، الآية 187] جُعلت معصيةُ العُصاةِ خيانةً منهم لأنفسهم كما جُعلت ظلماً لها لرجوع ضررِها إليهم، والمرادُ بالموصول إما طعمةٌ وأمثالُه وأما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه فإنهم شركاءُ في الإثم والخيانةِ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً} مُفرِطاً في الخيانة مُصِراً عليها {أَثِيماً} منهمكاً فيه، وتعليقُ عدمِ المحبةِ الذي هو كنايةٌ عن البغضِ والسُّخطِ بالمبالِغ في الخيانة والإثمِ ليس لتخصيصه به، بل لبـيان إفراطِ طُعمةَ وقومِه فيهما. {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ} يستترون منهم حياءً وخوفاً من ضررهم {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ} أي لا يستحيون منه سبحانه وتعالى وهو أحقُّ بأن يُستحيا منه ويُخافَ من عقابه {وَهُوَ مَعَهُمْ} عالمٌ بهم وبأحوالهم فلا طريقَ إلى الاستخفاء منه سوى تركِ ما يستقبِحُه ويؤاخِذُ به {إِذْ يُبَيّتُونَ} يدبرون ويزورون {مَا لاَ يَرْضَى مِنَ ٱلْقَوْلِ} مِنْ رَمْي البريءِ والحلِفِ الكاذب وشهادةِ الزور {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ} من الأعمال الظاهرةِ والخافية {مُحِيطاً} لا يعزُب عنه شيءٌ منها ولا يفوت.
التستري
تفسير : قوله: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ}[105] يعني بما علمك الله تعالى من الحكمة في القرآن وشرائع الإسلام.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} [الآية: 105]. قال سهل: بما علمك الله من الحكمة فى القرآن والشريعة. وقال بعضهم: لتحكم بين الناس بما أراك وأظهره لك لا على ما يظهرونه، فإن رؤيتك لهم رؤية كشف وعيان. وقال ابن عطاء فى هذه الآية: بما أراك الله فإنك بنا ترى وعنا تنطق، وأنت بمرأى منا ومسمع.
القشيري
تفسير : لم يأمرُك بالحكم بينهم على عمًى ولكن بما أراك الله أي كاشفك به من أنوار البصيرة حتى وقفت عليه بتعريفنا إياك وتسديدنا لك، وكذلك من يحكم بالحق من أمتك. قوله: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً}: أي لا تناضِل عن أرباب الحظوظ ولكن مع أبناء الحقوق، ومن جنح إلى الهوى خان فيما أودع نفسه من التقوى، ومَنْ رَكَنَ إلى أنواع نوازع المنى خان فيما طولب به من الحياء لاطلاع المولى. {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} لأمتك؛ فإنا قد كفيناك حديثك بقولنا: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} تفضل على الناس بانزال كتابه على نبيه وعطائه فهم خطابه وكشف لارائه العلية عليه السلام حقائق حكمته الازلية السابقة بمراده من عبودية عباده ووقوع صلاحهم من بيانه عليه السلام موافقا لرضى الله اراد من العباد عبودتيه فى الازل وعلم جهلهم بها فكاشف عليها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا معنى قوله ليحكم بين الناس بما ادرك الله فى الكتاب اسرار وفى قلبه عليه السلام من الله انوار فينورا الله يعرف خطاب الله فيحكم بها بين الخلق لتبين الرشد من الغيى قال تعالى {أية : قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} تفسير : كتاب الظاهر شاهد على ما اراد الله من مشاهدات الغيب وما قدروا الله عباده من احكام العبودية وعرفان الربوبية قال عليه السلام الا انى اوتيت القرأن ومثله معه قال سهل بما اراك الله اى لما علمك من الحكمة فى القرأن والشريعة وقال بعضهم بما كشف لك من بواطنهم واظهره لك لا على ما يظهرونه فان رويتك لهم روية كشف وعيان وقال ابن عطا بما ارك الله فانك بناثرى وعنا تنطق وانت مراى منا وسمع.
اسماعيل حقي
تفسير : {انا أنزلنا اليك الكتاب} اى القرآن انزالا {بالحق} ـ روى ـ ان رجلا من الانصار يقال له طعمة بن ابيرق من بنى ظفر سرق درعا من جاره قتادة ابن النعمان فى جراب دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه فخبأها عند زيد بن السمين اليهودى فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما اخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى الى منزل اليهودى فاخذوها فقال دفعها الى طعمة وشهد له ناس من اليهود على ذلك فقالت بنوا ظفر انطلقوا بنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه ان يجادل اليهودى ليدفع فضيحة البهتان عن صاحبهم طعمة وقالوا له عليه السلام ان يعاقب اليهودى ويقطع يده بناء على شهادة قوم طعمة على براءته وعلى ان اليهودى هو السارق ولم يظهر له عليه السلام ما يوجب القدح فى شهادتهم بناء على كون كل واحد من الشاهد والمشهود له من المسلمين ظاهرا فلذلك مال طبعه الى نصرة الخائن والذب عنه الا انه لم يحكم بذلك بل توقف وانتظر الوحى فنزلت الآية ناهية عنه ومنبهة على ان طعمة وشهوده كاذبون وان اليهودى هو بريىء من ذلك الجرم {لتحكم بين الناس بما اراك الله} اى بما عرفك واوحى به اليك. فاراك ليس من الرؤية البصرية ولا من التى بمعنى العلم والا لاستدعى ثلاثة مفاعيل بل هو منقول من رأيت بمعنى الاتقاد والمعرفة وسميت المعرفة الذكورة رؤية لكونها جارية مجرى الرؤية فى القوة والظهور والخلوص من وجوه الريب {ولا تكن} اى فاحكم به ولا تكن {للخائنين} اى لاجلهم والذب عنهم وهم طعمة ومن يعينه فانه روى ان قومه علموا ان تلك السرقة عمل طعمة بناء على انه سارق فى الجاهلية لكنهم بيتوا طول ليلهم واتفقوا على ان يشهدوا بالسرقة على اليهودى دفعا عن طعمة عقوبة السرقة فلذلك وصفهم الله جميعا بالخيانة او المراد بالخائنين هو وكل من يتسير بسيرته {خصيما} اى مخاصما للبراء اى لا تخاصم اليهودى لاجلهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: أرى، هنا عرفانية، لا علمية. فلذلك لم تتعد إلى ثلاثة. يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين همَّ أن يخاصم عن طُعمَة بن أبَيرِق، وذلك أنه سرق درعًا من جاره قتادة بن النعمان، في جراب دقيق، فجعل الدقيق يسقط من خرق فيه، وخبَّأها عند يهودي، فالتمس الدرع عند طعمة، فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال اليهودوي: دَفَعَهَا إليَّ طُعمَة، وشهد له ناس، من اليهود، فقال رهط طعمة من بني ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله أن يجادل عن صاحبنا، وقالوا: إن لم يفعل هلك وأفتضح، وبرىء اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتماداً على ظاهر الأمر، ولم يكن له علم بالواقعة، فنزلت الآية: {إنا أنزلنا إليكم الكتاب بالحق} أي: ملتبسًا بالحق {لتحكم} بما فيه من الحق {بين الناس} بسبب ما {أراك} أي: عَرَّفك {الله} بالوحي، أو بالاجتهاد، ففيه دليل على إثبات القياس، وبه قال الجمهور. وفي اجتهاد الأنبياء خلاف. {ولا تكن للخائنين خصيمًا} أي: عنهم للبرآء، أو لأجلِهم والذَّبَّ عنهم. {واستغفر الله} مما هممت به، {إن الله كان غفورًا رحيمًا}، وفيه دليل على منع الوكالة عن الذمي، وبه قال ابن شعبان. وقال ابن عات: لعله أراد الندب. وقال مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة. والوكالة من الأمانة، والمصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يقصد شيئًا من ذلك، ولا علم له بالواقعة، لولا أطلعَه تعالى، فلا نقص في اهتمامه، ولا درك يلحقه. وبالجملة، فالآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة. ثم نهاه عن الذبّ عنهم، فقال: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} وهم رهط بن أبيرق السارق، قال السهيلي: هم بِشر وبشير ومُبشر وأُسَير، {إن الله لا يحب مَن كان خوّانًا} أي: كثير الخيانة، {أثيمًا} أي: مصرًا عليها، رُوِي أن طعمة هرب إلى مكة، وارتدَّ، ونَقَبَ حائطًا بها ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله، ويستفاد من الآية امتناع الجدال عمن عُلِمَت خيانتُه بالأحرى، أو كان مظنة الخيانة، كالكافر ونحوه. وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن في هذه الآية: إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز، بدليل الآية. هـ. ثم فَضحَ سرهم، فقال: {يستخفون من الناس} أي: يستترون منهم، {ولا يستخفون من الله} وهو أحق أن يستحيا منه ويُخاف {وهو معهم} لا يخفى عليه شيء، فلا طرق للنجاة إلا تَركُ ما يستُقبح، ويؤاخذ عليه سرًا وجهرًا. {إذ يُبيتون} أي: يدبرون ويُزَوِّرُون {ما لا يرضى من القول} من رمي البريء، والحلف الكاذب، وشهادة الزور، {وكان الله بما يعملون محيطًا} لا يفوته شيء، {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا} ودفعتم عنهم المعرة، {فَمن يجادل الله عنهم} أي: مَن يُدافُع عنهم عذابه {يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً} يحميهم من عقاب الله، حين تُفضَح السرائر، ولا تنفع الأصحاب ولا العشائر. الإشارة: في الآية عتاب للقضاة والولاة إذا ظهرت صورة الحق بأمارات وقرائن، ثم تجمدوا على ظاهر الشريعة، حمية أو رشوة، فإن القضاء جُلّة فِراسة، وفيها عتاب لشيوخ التربية، إذا ظهر لهم عيب في المريد ستروه عليه حيَاء أو شفقة، ولذلك قالوا: شيخ التربية لا تليق به الشفقة، غير أنه لا يُعيَّن، بل يذكر في الجملة، وصاحب العيب يفهم نفسه، وفيها عتاب للفقراء إذا راقبوا الناس، وأظهروا لهم ما يُحبون، وأخفوا عنهم ما لا يرضون، لقوله ـ سبحانه ـ: {يستخفون من الناس...} الآية، بل ينبغي أن يكونوا بالعكس من هذا، قال بعضهم: إن الذين تكرهون مني، هو الذي يشتهيه قلبي. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : المعنى: خاطب الله بهذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم)، فقال: {إنا أنزلنا إليك} يا محمد (صلى الله عليه وسلم) {الكتاب} يعني القرآن {بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} يعني بما أعلمك الله في كتابه {ولا تكن للخائنين خصيماً} نهاه أن يكون لمن خان مسلماً أو معاهداً في نفسه أو ماله خصيماً يخاصم عنه، ويدفع من طالبه عنه بحقه الذي خانه فيه. ثم أمره بأن يستغفر الله في مخاصمته عن الخائن مال غيره {إن الله كان غفوراً رحيماً} يصفح عن ذنوب عباده ويسترها عليهم، ويترك مؤآخذتهم بها. وعندنا أن الخطاب وإن توجه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) من حيث خاصم من رآه على ظاهر الايمان والعدالة، وكان في الباطن بخلافه فلم يكن ذلك معصية، لأنه (ع) منزه عن القبائح فانما ذكر ذلك على وجه التأديب له في أن لا يبادر فيخاصم ويدفع عن خصم إلا بعد أن يبين الحق منه. والمراد بذلك امته عليه السلام. على أنا لا نعلم أن ماروي في هذا الباب وقع من النبي (صلى الله عليه وسلم)، لأن طريقه الآحاد، وليس توجه النهي إليه بدال على أنه وقع منه ذلك المنهي قال {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك } تفسير : ولا يدل ذلك على وقوع الشرك منه. وقال قوم من المفسرين: انه لم يخاصم عن الخصم وإنما هم به فعاتبه الله على ذلك. القصة والنزول: والآية نزلت في بني أبيرق كانوا ثلاثة أخوة بشر وبشير ومبشر وكان بشر يكنى أبا طعمة فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وأخذوا له طعاماً وسيفاً، ودرعاً فشكى ذلك إلى ابن أخيه قتادة وكان قتادة بدريا فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكر له القصة، وكان معهم في الدار رجل يقال له لبيد بن سهل وكان فقيراً شجاعاً مؤمناً، فقال بنو ابيرق لقتادة هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ لبيداً ذلك، فاخذ سيفه وخرج إليهم. وقال يا بني ابيرق أترموني بالسرق وأنتم أولى به مني، وأنتم المنافقون تهجون رسول الله وتنسبون إلى قريش لتبنين ذلك أو لأضعن سيفي فيكم فداروه. وقالوا: ارجع رحمك الله فانت بريء من ذلك. وبلغهم ان قتادة مضى إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فمشوا إلى رجل من رهطهم يقال له أسير بن عروة، وكان منطيقاً لسناً فأخبروه، فمشى أسير إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في جماعة، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن قتادة بن النعمان رمى جماعة من أهل الحسب منا بالسرق واتهمهم بما ليس فيهم وجاء قتادة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأقبل عليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقال عمدت إلى أهل بيت حسب ونسب رميتهم بالسرق وعاتبه فاغتم قتادة ورجع إلى عمه، فقال: ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقد قال لي ما كرهت، فقال عمه الله المستعان، فنزلت هذه الآية {أية : ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرمي به بريئاً}تفسير : يعني لبيد بن سهل حين رماه بنو ابيرق بالسرق {فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} إلى قوله: {أية : وكان فضل الله عليك عظيماً} تفسير : فبلغ ذلك بني ابيرق فخرجوا من المدينة، ولحقوا بمكة وارتدوا فلم يزالوا بمكة مع قريش فلما فتح مكة هربوا إلى الشام فانزل الله فيهم {أية : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} تفسير : إلى آخر الآيات. ولما مضى إلى مكة نزل على سلامة بنت سعد ابن شهيد امرأة من الانصار كانت ناكحاً في بني عبد الدار بمكة فهجاها حسان، فقال: شعر : وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ينازعها جلد استها وتنازعه ظننتم بأن يخفي الذي قد صنعتم وفينا نبي عنده الوحي واضعه تفسير : فحملت رحله على رأسها وألقته بالابطح وقالت. ما كنت تأتيني بخير أهديت إلي شعر حسان. ونزل فيه قوله: {أية : ومن يشاقق الرسول} تفسير : هذا قول مجاهد، وقتادة بن النعمان، وابن زيد، وعكرمة، إلا أن قتادة، وابن زيد، وعكرمة قالوا: إن بني ابيرق طرحوا ذلك على يهودي يقال له زيد بن السمين، فجاء اليهودي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبمثله قال ابن عباس. وقال ابن جريج: هذه الآيات كلها نزلت في أبي طعمة بن أبي ابيرق إلى قوله: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به. ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : وقال: رمى بالدرع في دار أبي مليك ابن عبد الله الخزرجي فلما نزل القرآن لحق بقريش، وقال الضحاك: نزلت في رجل من الانصار استودع درعاً فجحد صاحبها فخونه رجال من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) فغضب له قوم فأتوا نبي الله، فقالوا: أخونوا صاحباً، وهو أمين مسلم؟ فعذره النبي (صلى الله عليه وسلم) وكذب عنه. وهو يرى أنه يريء مكذوب عليه، فأنزل الله فيه الآيات. واختار الطبري هذا الوجه وقال: لأن الخيانة إنما تكون في الوديعة فأما السارق فلا يسمى خائناً فحمله عليه أولى وكل ذلك جائز.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة الّذى ظهوره بالقرآن استيناف لتأديب الامّة بالخطاب لمحمّد (ص) او لتأديب محمّد (ص) اصالة ولامتّه تبعاً {بِٱلْحَقِّ} الحقّ المطلق هو الله جلّ شأنه والحقّ المضاف هو مشيّته المسمّاة بالحقّ المخلوق به والاضافة الاشراقيّة والحقيقة المحمّديّة وهو الولاية المطلقة وهى علويّة علىّ (ع) ومعروفيّة الله وظهوره، خلقت الخلق بالمشيّة والمشّية بنفسها، اشارة اليه، ولمّا كان النّبوّة ظهور الولاية، وكتاب التّدوين ظهور النّبوّة والرّسالة، وظهور الظّهور، ظهور للظّاهر الاوّل كان انزال الكتاب بتوسّط الحقّ المضاف صحيحاً ومتلبّساً بالحقّ المضاف ايضاً صحيحاً لانّ حقّية كلّ حقٍّ وحقيقة كلّ ذى حقيقة هى هذا، ومع الحقّ ايضاً جائز {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} المراد من الحكم الحكومة المعروفة من قطع المنازعات ومن تأسيس السياسات والعبادات، او ما هو اعمّ منها ومن اصلاحهم بالنصائح والآداب أو ما هو أعم منها ومن اصلاحهم وتكميلاتهم فى الباطن بلسان السّرّ {بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} من رؤية البصر، لانّ ظهور الولاية بالنّبوّة لا يكون الا مع فتح باب من الملكوت فيرى صاحبه بعين البصيرة دقائق امور العباد وخفايا احوالهم فيمكن له الحكم والاصلاح بما يرى، او من الرّأى يعنى بما جعلك الله ذا رأى لا تحتاج فيه الى رأى الغير لفتح بصيرتك أيضاً بانزال الكتاب، وفى الخبر اشارة الى المعنى الاخير وانّ التّفويض الى الرّأى خاصّ به (ص) وليس لغيره ثمّ التّفويض بعده لاوصيائه، فاذا كان انزال الكتاب لحكومتك برأيك فاحكم بينهم برأيك او رؤيتك {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} على خصمائهم برأى غيرك.
الأعقم
تفسير : {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} الآية نزلت في درع كانت وديعة عند طعيمة بن أبيرق فجحدها، وقيل: أن طعيمة بن أبيرق سرقها ووضعها في وعاء دقيق واشترى الدقيق من مكان سرقته إلى بيته فخاصموه في أمره فمضى بالدرع إلى يهودي فأودعه فطلب عنده فحلف فدعوا اليهودي بالسرقة وشهد جماعة من اليهود أنه أودعها طعيمة وجاء قوم طعيمة يجادلون عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فَهَمَّ بمعاقبة اليهودي فأنزل الله تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} الآية {بما أراك الله} بما عرفك وأوحى به إليك، وعن عمر: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن لتجتهدوا به {ولا تكن للخائنين خصيماً} ولا تكن لأهل الخائنين مخاصماً يعني لا تخاصم اليهودي لأجل بني ظفر واستغفر الله بما هممت به من عقاب اليهودي يختانون أنفسهم يخونوها بالمعصية كقوله: {أية : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} تفسير : [البقرة: 187] قال جار الله: فإن قلت: لِمَ قِيْلَ للخائنين: ويَخْتَانون أنفسهم وكان السارق طعيمة واحدة؟ قلت: لوجهين أحدهما أن بني ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه وكانوا شركاء له في الإِثم، والثاني أنه جمع ليتناول طعيمة وكل من خان خيانته {يستخفون من الناس} يستترون منهم حياء منهم وخوفاً من ضررهم {ولا يستخفون من الله وهو معهم} وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه شيء من سرّهم وكفى بهذه الآية ناعتة على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم {إذ يبيِّتون} يزورون ويديرون وأصله أن يكون بالليل {ما لا يرضى من القول} وهو تدبير طعيمة {ها أنتم هؤلاء جادلتم} خاصمتم عن طعيمة وقومه في الدنيا فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه {أم من يكون عليهم وكيلاً} حافظاً من بأس الله وانتقامه {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} قوله سوءاً قبيحاً متعدياً يسوء به غيره كما فعل طعيمة، وقيل: من يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالشرك وهذا نعت لطعيمة على الاستغفار والتوبة، وقيل: يظلم نفسه بما يختص به كالحلف الكاذب {ومن يكسب إثماً} أي يعمل ذنباً {فإنما يكسبه على نفسه} يعني وبال فعله يعود عليه {وكان الله عليماً حكيماً} عليماً بِكسبه حكيماً في عقابه، وقيل: عليماً بأفعال عباده حكيماً بقضاءه فيهم، وقيل: عليماً بالظالم والمظلوم، ومن يكسب خطيئة صغيرةً {أو إثماً} كبيرةً، وقيل: يعمل ذنباً على عمد أو غير عمد أو إثماً تعمده، وقيل: الخطيئة الشرك والإِثم ما دون الشرك {ثم يرم به بريئاً} ثم يضف ذنبه إلى بريء قيل: هو اليهودي طرح عليه الدرع ابن ابيرق {فقد احتمل بهتاناً} أي كذباً عظيماً {وإثماً مبيناً} أذىً ظاهراً {ولولا فضل الله عليك ورحمته} أي عصمته وما أوحي إليك من الاطلاع على سرارهم {لهمت طائفة} من بني ظفران {يضلوك} عن القضاء بالحق، وقيل: هم الذين يشهدون للخائنين من بني أبيرق، والآية: نزلت في بني أبيرق، وقيل: هم من بني ظفر لما أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشهدوا ببراءة صاحبهم، وقيل: نزلت في وفد من ثقيف قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أن يمتعهم بالعزاء سنة فهم يحسون إلى ذلك {وما يضلّون إلا أنفسهم} يعني ما يهلكون إلاَّ أنفسهم لأن وبال ذلك يعود عليهم {وما يضرونك من شيء} لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك {وعلَّمك ما لم تكن تعلم} من حقيقات الأمور وضمائر القلوب أو من أمور الدين والشرائع.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ}: نزلت هذه الآية فى طعمة بن أبيرق بن أبى ظفر بن الحارث من بنى ظفر، ويقال له أيضا: طعيمة بن أبيرق، وله ثلاثة أخوة: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلا منافقا يهجو أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى أشعاره وينسبها لغيره، فكان المسلمون يقولون: والله ما هو الا شعر الخبيث، فقال شعرا ينتفى من ذلك: شعر : أفكلما قال الرجال قصيدة نحلت وقالوا ابن أبيرق قالها تفسير : قال قتادة بن النعمان: حديث : كان بنو أبيرق أهل فاقة، فابتاع عمى رفاعه بن زيد دقيقا من دقيق الشام فجعله فى مشربة له، وفى المشربة درعان له وسيفان، فعدى على المشربة من الليل، فلما أصبح أتانى عمى رفاعة فقال: يا ابن أخى أتعلم أنه قد عدى علينا فى ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا، وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا فى الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بنى أبيرق استوقدوا نارا فى هذه الليلة، ولا نراه الا على بعض طعامكم، وقد قال بنو أبيرق: نحن نسأل الله، والله ما نرى صاحبكم الا لبيد بن سهل. قال قتادة: ولبيد هذا رجل صالح مسلم، فسمع لبيد ذلك، فاخترط سيفه ثم آتى بنى أبيرق فقال: والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، فقالوا: اليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها، فسألنا فى الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لى عمى: يا ابن أخى لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بهذه القصة، فأتيته صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه فقال: أنظر فى ذلك، فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له: أسير بن عروة، فكلموه فى ذلك، واجتمع اليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ان قتادة بن النعمان وعمه عمدا الى أهل بيت منا أهل صلاح واسلام يرمونهم بالسرقة على غير بينة. قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته فقال: عمدت الى أهل بيت ذكر منهم اسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة من غير بينة، فرجعت ووددت أن أخرج من بعض مالى ولم أكلمه، فأتيت عمى فقال: ما صنعت فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان فلم نلبث أن نزلت الآيات، وارتد بعد ذلك طعمة صريحا وهرب الى مكة، فروى أنه نقب حائط بيت ليسرقه، فانهدم الحائط عليه فقتلهتفسير : ، ويروى أنه تبع قوما من العرب فسرق منهم فقتلوه، وقيل: انه لما نزل القرآن فيه ارتد صريحا فهرب لمكة، ثم نقب الحجاج بن غلاط حائطا ليسرق فوقعه عليه حجرا ضره، ولما أصبح أخرجه أهل مكة، فلقى قوما من العرب فقال لهم: ابن سبيل ومنقطع به فحملوه، ولما جن الليل سرقهم ثم ركبوا فى أثره ولحقوه وضربوه بالحجارة حتى قتلوه، ويجمع بين هذا وما مر بأن ما مر من أنه مات تحت النقب أنه يشارف فيه الموت. وقال ابن عباس: حديث : ان طعمة هذا سرق درعا من جار له اسمه قتادة ابن النعمان فى جراب دقيقتفسير : ، ويجمع بين هذا وما قبله بأن قتادة هذا سكن مع عمه رفاعة فى دار عمه، فذكر ابن عباس أن السرقة من قتادة، وما كانت من مال عمه وداره، قال ابن عباس: حديث : فجعل الدقيق ينتثر من خرق وخبأها عند رجل من اليهود يسمى زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها ولا له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى الى منزل اليهودى، فأخذوها فقال: دفعها الىَّ طعمة وشهد له ناس من اليهود، فقال بنو ظفر: انطلقوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقوا فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: ان لم تفعلوا هلك، وافتضح وبرىء اليهودى، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل لقول قومه: أن طعمة وأهله أهل اسلام وصلاح، وهمَّ أن يعاقب اليهودى، وقيل: همَّ أن يقطع يده فنزلت الآية . تفسير : وذكر الحسن: أنه لما اتهم طعمة بالسرقة، وفشا القول فيه استودع السرقة عند الرجل اليهودى، ثم قال: انكم اتهمتمونى بالدرع، وما زلت أبحث وأسأل حتى وجدتها عند فلان اليهودى، فجاء قوم طعمة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يعذر صاحبهم فنزلت الآيات. وقيل: ان زيد بن السمين ما ودع درعا عند طعمة فجحده، فنزلت الآيات ولعله كان ذلك كله. {بِمَا أَرَاكَ اللهُ}: أى بما أعلمك الله أياه بالوحى به اليك حقا أو بما أعلمك الله حقا بالوحى به اليك، والرؤية علمية، والمفعول الثانى والثالث مقدران تعدت اليهما بنفسهما، وللأول بالهمزة، ويجوز أن يكون من الرؤية المتعدية لواحد بمعنى العرفان، وتعدت للأول بالهمزة، فصار له اثنان، أى بما عرفك الله بتشديد راء عرفك وصيرك معتقدا له، ويجوز أن يكون مستعار من رؤية البصر برؤية العرفان للتأكيد، كأنما علمه بالوحى شىء يراه بالبصر، قال عمر رضى الله عنه: يقول: لا يقولن أحدكم قضيت بما أرانى الله تعالى، فان الله تعالى لم يجعل ذلك الا لنبيه عليه الصلاة والسلام، وأما الواحد منها فرؤيته بحق لا معرفة. {وَلا تَكُن لِّلخَآئِنِينَ خَصِيماً}: أى لا تكن من جهة الخائنين تخاصم لهم من يدعى عليهم أنهم خانوه، فاللام متعلق بخصيما لا على التقوية، بل على التعليل أو النفع، فليس الخائنين مفعولا لخصيما، والخائنون طعمة ومن ركن اليه من بنى ظفر، والمدعون عليه اليهود وقتادة ورفاعة.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ} أخرج غير واحد عن قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، وكان بشر رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينحله بعض العرب، ويقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا فإذا سمع أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا / الشعر إلا هذا الخبيث فقال:شعر : أو كلما قال الرجال قصيدة أضموا فقالوا: ابن الأبيرق قالها تفسير : وكانوا أهل حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان طعام الناس بالمدينة التمر والشعير وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك ابتاع منها فخص بها نفسه فقدمت ضافطة فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلاح فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم فقال بنو أبيرق: ونحن نسأل في الدار والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق، وقال: أنا أسرق فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا: إليك عنا أيها الرجل فوالله ما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأنظر في ذلك فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله تعالى المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن {إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} الخ فلما نزل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عسى في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولاً قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً ثم لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد فأنزل الله تعالى: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النساء: 115] الآية، ثم إن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه هجا سلافة فقال:شعر : فقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ينازعها جلد أستها وتنازعه ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم وفينا نبـي عنده الوحي واضعه تفسير : فلما سمعت ذلك حملت رحله على رأسها فألقته بالأبطح فقالت: أهديت إليَّ شعر حسان ما كنت تأتيني بخير، وأخرج ابن جرير عن السدي ـ واختاره الطبري ـ أن يهودياً استودع طعمة بن أبيرق درعاً فانطلق بها إلى داره فحفر لها اليهودي ودفنها فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال: انطلقوا معى فإني أعرف موضع الدرع فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في دار أبـي مليك الأنصاري فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها وقع به طعمة وأناس / من قومه فسبوه، وقال طعمة: أتخونوني فانطلقوا يطلبونها في داره فأشرفوا على دار أبـي مليك فإذا هم بالدرع فقال طعمة: أخذها أبو مليك وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له: ينضح عني ويكذب حجة اليهود، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمّ أن يفعل فأنزل الله تعالى الآية فلما فضح الله تعالى طعمة بالقرآن هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه ونزل على الحجاج بن علاط السلمي فنقب بيته وأراد أن يسرقه فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده فنظر فإذا هو بطعمة فقال: ضيفي وابن عمي أردت أن تسرقني؟! فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافراً وأنزل الله تعالى فيه {أية : وَمَن يُشَاقِقِ} تفسير : [النساء:115] الخ، وعن عكرمة أن طعمة لما نزل فيه القرآن ولحق بقريش ورجع عن دينه وعدا على مشربة للحجاج سقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه من مكة فخرج فلقي ركباً من قضاعة فعرض لهم فقالوا: ابن سبيل منقطع به فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات، وعن ابن زيد أنه بعد أن لحق بمكة نقب بيتاً يسرقه فهدمه الله تعالى عليه فقتله، وقيل: إنه أخرج فركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيساً فيه دنانير فأخذ وألقى في البحر. هذا وفي تأكيد الحكم إيذان بالاعتناء بشأنه كما أن في إسناد الإنزال إلى ضمير العظمة تعظيماً لأمر المسند، وتقديم المفعول الغير الصريح للاهتمام والتشويق، وقوله سبحانه: {بِٱلْحَقّ} في موضع الحال أي إنا أنزلنا إليك القرآن متلبساً بالحق {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} برهم وفاجرهم {بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي بما عرفك وأوحى به إليك، و (ما) موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول ـ لأرى ـ وهي من رأى بمعنى عرف المتعدية لواحد وقد تعدت لاثنين بالهمزة، وقيل: إنها من الرأي من قولهم: رأى الشافعي كذا وجعلها علمية يقتضي التعدي إلى ثلاثة مفاعيل وحذف اثنين منها أي بما أراكه الله تعالى حقاً وهو بعيد، وإما جعلها ـ من رأى البصرية مجازاً ـ فلا حاجة إليه {وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ} وهم بنو أبيرق أو طعمة ومن يعينه، أو هو ومن يسير بسيرته، واللام للتعليل، وقيل: بمعنى عن أي لا تكن لأجلهم أو عنهم {خَصِيماً} أي مخاصماً للبرآء، والنهي معطوف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم كأنه قيل: إنا أنزلنا إليك الكتاب فاحكم به ولا تكن الخ، وقيل: عطف على {أَنزَلْنَا} بتقدير قلنا، وجوز عطفه على الكتاب لكونه منزلاً ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جداً.
سيد قطب
تفسير : هذه الآيات تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيراً، ولا تعرف لها البشرية شبيهاً.. وتشهد - وحدها - بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله؛ لأن البشر - مهما ارتفع تصورهم، ومهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم - لا يمكن أن يرتفعوا - بأنفسهم - إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات؛ إلا بوحي من الله.. هذا المستوى الذي يرسم خطا على الأفق لم تصعد إليه البشرية - إلا في ظل هذا المنهج - ولا تملك الصعود إليه أبداً إلا في ظل هذا المنهج كذلك! إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة، التي تحويها جعبتهم اللئيمة، على الإسلام والمسلمين؛ والتي حكت هذه السورة وسورة البقرة وسورة آل عمران جانباً منها ومن فعلها في الصف المسلم.. في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب؛ ويؤلبون المشركين؛ ويشجعون المنافقين، ويرسمون لهم الطريق؛ ويطلقون الإشاعات؛ ويضللون العقول؛ ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة؛ ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج.. والإسلام ناشىء في المدينة، ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها في النفوس؛ ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم، تمثل خطراً حقيقياً على تماسك الصف المسلم وتناسقه.. في هذا الوقت الحرج، الخطر، الشديد الخطورة.. كانت هذه الآيات كلها تتنزل، على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة، لتنصف رجلاً يهودياً، اتهم ظلماً بسرقة؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة. والأنصار يومئذ هم عدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجنده، في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة...! أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي! ثم أي كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى؟ وكل كلام، وكل تعليق، وكل تعقيب، يتهاوى دون هذه القمة السامقة؛ التي لا يبلغها البشر وحدهم. بل لا يعرفها البشر وحدهم. إلا أن يقادوا بمنهج الله، إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء؟! والقصة التي رويت من عدة مصادر في سبب نزول هذه الآيات أن نفراً من الأنصار - قتادة بن النعمان وعمه رفاعة - غزوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته. فسرقت درع لأحدهم (رفاعة). فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم: بنو أبيرق. فأتى صاحب الدرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. (وفي رواية: إنه بشير بن أبيرق.. وفي هذه الرواية: أن بشيراً هذا كان منافقاً يقول الشعر في ذم الصحابة وينسبه لبعض العرب!) فلما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي (اسمه زيد ابن السمين). وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان. وستوجد عنده. فانطلقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا نبي الله: إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علماً. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك.. ولما عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رؤوس الناس. وكان أهله قد قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ظهور الدرع في بيت اليهودي - إن قتادة بن النعمان وعمه عمداً إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال قتادة: فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمته. فقال: "حديث : عمدت الى إهل بيت يذكر منهم إسلام وصلاح وترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة؟" تفسير : قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك. فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: الله المستعان.. فلم نلبث أن نزلت: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيماً} - أي بني أبيرق - وخصيماً: أي محامياً ومدافعاً ومجادلاً عنهم - {واستغفر الله} - أي مما قلت لقتادة - {إن الله كان غفوراً رحيماً}.. {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} - إلى قوله تعالى: {رحيماً} - أي لو استغفروا الله لغفر لهم - {ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه} - إلى قوله: {إثماً مبيناً}.. {ولولا فضل الله عليك ورحمته}. إلى قوله: {فسوف نؤتيه أجراً عظيماً}.. فلما نزل القرآن أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسلاح فرده إلى رفاعة.. قال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح - وكان شيخاً قد عمي - أو عشي - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هي في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً! فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فأنزل الله تعالى: {أية : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيراً. إن الله لا يغفر أن يشرك به. ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً }. تفسير : إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام - وإن كانت تبرئة بريء أمراً هائلاً ثقيل الوزن في ميزان الله - إنما كانت أكبر من ذلك. كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أياً كانت الملابسات والأحوال. وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد؛ وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية - في كل صورها حتى في صورة العقيدة، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس - وإقامة هذا المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية، على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات! ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس - على هذا النحو العنيف المكشوف.. كان هناك أكثر من سبب، لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم. ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج! كان هناك سبب واضح عريض.. أن هذا المتهم "يهودي".. من "يهود".. يهود التي لا تدع سهماً مسموماً تملكه إلا أطلقته في حرب الإسلام وأهله. يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين في هذه الحقبة (ويشاء الله أن يكون ذلك في كل حقبة!) يهود التي لا تعرف حقاً ولا عدلاً ولا نصفة، ولا تقيم اعتباراً لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق! وكان هنالك سبب آخر؛ وهو أن الأمر في الأنصار. الأنصار الذين آووا ونصروا. والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن. بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي، يبعد شبح الشقاق! وكان هنالك سبب ثالث. هو عدم إعطاء اليهود سهماً جديداً يوجهونه إلى الأنصار. وهو أن بعضهم يسرق بعضاً، ثم يتهمون اليهود! وهم لا يدعون هذه الفرصة تفلت للتشهير بها والتغرير! ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله. كان أكبر من كل هذه الاعتبارات الصغيرة. الصغيرة في حساب الإسلام. كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية. وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية؛ وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية. وحتى يمحص كيانها تمحيصاً شديداً؛ وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية. وحتى يقام فيها ميزان العدل - لتحكم به بين الناس - مجرداً من جميع الاعتبارات الأرضية، والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئاً كبيراً لا يقدرون على تجاهله! واختار الله - سبحانه - هذا الحادث بذاته، في ميقاته.. مع يهودي.. من يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين إذ ذاك في المدينة؛ والتي تؤلب عليهم المشركين، وتؤيد بينهم المنافقين، وترصد كل ما في جعبتها من مكر وتجربة وعلم لهذا الدين! وفي فترة حرجة من حياة المسلمين في المدينة، والعداوات تحيط بهم من كل جانب. ووراء كل هذه العداوات يهود! اختار الله هذا الحادث في هذا الظرف، ليقول فيه - سبحانه - للجماعة المسلمة ما أراد أن يقول، وليعلمها به ما يريد لها أن تتعلم! ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة! ولا للكياسة! ولا للسياسة! ولا للمهارة في إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء! ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية! ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها! هنا كان الأمر جداً خالصاً، لا يحتمل الدهان ولا التمويه! وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله. وأمر هذه الأمة التي تعد لتنهض بهذا المنهج وتنشره. وأمر العدل بين الناس. العدل في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس - بل لا يعرفه الناس - إلا بوحي من الله، وعون من الله. وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة - في جميع الأمم على مدار الزمان - فيراها هنالك.. هنالك في السفوح.. ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخوراً متردية، هنا وهناك، من الدهاء، والمراء، والسياسة، والكياسة، والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة.. إلى آخر الأسماء والعنوانات.. فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها.. الدود..!! وينظر الإنسان مرة أخرى فيرى نماذج الأمة المسلمة - وحدها - صاعدة من السفح إلى القمة.. تتناثر على مدار التاريخ، وهي تتطلع إلى القمة، التي وجهها إليها المنهج الفريد. أما العفن الذي يسمونه "العدالة" في أمم الجاهلية الغابرة والحاضرة، فلا يستحق أن نرفع عنه الغطاء، في مثل هذا الجو النظيف الكريم.. والآن نواجه نصوص الدرس بالتفصيل: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيماً. واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله. وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول - وكان الله بما يعملون محيطاً. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة؟ أم من يكون عليهم وكيلاً؟}. إننا نحس في التعبير صرامة، يفوح منها الغضب للحق، والغيرة على العدل؛ وتشيع في جو الآيات وتفيض منها: وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله. وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيماً للخائنين، يدافع عنهم ويجادل. وتوجيهه لاستغفار الله - سبحانه - عن هذه المجادلة. {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله. ولا تكن للخائنين خصيماً. واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً}.. ثم تكرار هذا النهي؛ ووصف هؤلاء الخائنين، الذين جادل عنهم - صلى الله عليه وسلم - بأنهم يختانون أنفسهم. وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم. إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً}. وهم خانوا غيرهم في الظاهر. ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم. فقد خانوا الجماعة ومنهجها، ومبادئها التي تميزها وتفردها. وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها، وهم منها.. ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى. صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء. حيث يكرههم الله، ويعاقبهم بما أثموا. وهي خيانة للنفس من غير شك.. وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم، هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة. {إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً}.. وهذ عقوبة أكبر من كل عقوبة.. وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر. فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد، ولا أن يحامي عنهم أحد. وقد كرههم الله للإثم والخيانة! ويعقب الوصف بالإثم والخيانة تصوير منفر لسلوك هؤلاء الخونة الآثمين: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله - وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول}... وهي صورة زرية داعية إلى الاحتقار والسخرية. زرية بما فيها من ضعف والتواء، وهم يبيتون ما يبيتون من الكيد والمؤامرة والخيانة؛ ويستخفون بها عن الناس. والناس لا يملكون لهم نفعاً ولا ضراً. بينما الذي يملك النفع والضر معهم وهم يبيتون ما يبيتون؛ مطلع عليهم وهم يخفون نياتهم ويستخفون. وهم يزورون من القول مالا يرضاه! فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف؟ {وكان الله بما يعملون محيطاً}... إجمالاً وإطلاقاً.. فأين يذهبون بما يبيتون. والله معهم إذ يبيتون. والله بكل شيء محيط وهم تحت عينه وفي قبضته؟ وتستمر الحملة التي يفوح منها الغضب؛ على كل من جادل عن الخائنين: {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا. فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة؟ أم من يكون عليهم وكيلاً؟}.. واللهم لا مجادل عنهم يوم القيامة ولا وكيل. فما جدوى الجدال عنهم في الدنيا وهي لا تدفع عنهم ذلك اليوم الثقيل؟ وبعد هذه الحملة الغاضبة على الخونة الأثمة، والعتاب الشديد للمنافحين عنهم والمجادلين. يجيء تقرير القواعد العامة لهذه الفعلة وآثارها. وللحساب عليها والجزاء. ولقاعدة الجزاء عامة. القاعدة العادلة التي يعامل بها الله العباد. ويطلب إليهم أن يحاولوا محاكاتها في تعاملهم فيما بينهم، وأن يتخلقوا بخلق الله - خلق العدل - فيها: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه، ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً. ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه. وكان الله عليماً حكيماً.. ومن يكسب خطيئة أو إثماً، ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً}.. إنها آيات ثلاث تقرر المبادىء الكلية التي يعامل بها الله عباده؛ والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضاً بها، ويعاملوا الله على أساسها فلا يصيبهم السوء. الآية الأولى تفتح باب التوبة على مصراعيه، وباب المغفرة على سعته؛ وتطمع كل مذنب تائب في العفو والقبول: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه، ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً}.. إنه - سبحانه - موجود للمغفرة والرحمة حيثما قصده مستغفر منيب.. والذي يعمل السوء يظلم غيره. ويظلم نفسه. وقد يظلم نفسه وحدها إذا عمل السيئة التي لا تتعدى شخصه.. وعلى أية حال فالغفور الرحيم يستقبل المستغفرين في كل حين؛ ويغفر لهم ويرحمهم متى جاءوه تائبين. هكذا بلا قيد ولا شرط ولا حجاب ولا بوّاب! حيثما جاءوا تائبين مستغفرين وجدوا الله غفوراً رحيماً.. والآية الثانية تقرر فردية التبعة. وهي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في الجزاء، والتي تثير في كل قلب شعور الخوف وشعور الطمأنينة. الخوف من عمله وكسبه. والطمأنينة من أن لا يحمل تبعة غيره. {ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه. وكان الله عليماً حكيماً}.. ليست هناك خطيئة موروثة في الإسلام، كالتي تتحدث عنها تصورات الكنيسة، كما أنه ليست هناك كفارة غير الكفارة التي تؤديها النفس عن نفسها.. وعندئذ تنطلق كل نفس حذرة مما تكسب. مطمئنة إلى أنها لا تحاسب إلا على ما تكسب.. توازن عجيب، في هذا التصور الفريد. هو إحدى خصائص التصور الإسلامي وأحد مقوماته، التي تطمئن الفطرة، وتحقق العدل الإلهي المطلق؛ المطلوب أن يحاكيه بنو الإنسان. والآية الثالثة تقرر تبعة من يكسب الخطيئة ثم يرمي بها البريء.. وهي الحالة المنطبقة على حالة العصابة التي يدور عليها الكلام: {ومن يكسب خطيئة أو إثماً، ثم يرم به بريئاً، فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً}.. البهتان في رميه البريء. والإثم في ارتكابه الذنب الذي رمى به البريء.. وقد احتملهما معه. وكأنما هما حمل يحمل. على طريقة التجسيم التي تبرز المعنى وتؤكده في التعبير القرآني المصور. وبهذه القواعد الثلاث يرسم القرآن ميزان العدالة الذي يحاسب كل فرد على ما اجترح. ولا يدع المجرم يمضي ناجياً إذا ألقى جرمه على سواه.. وفي الوقت ذاته يفتح باب التوبة والمغفرة على مصراعيه؛ ويضرب موعداً مع الله - سبحانه - في كل لحظة للتائبين المستغفرين، الذين يطرقون الأبواب في كل حين. بل يلجونها بلا استئذان فيجدون الرحمة والغفران! وأخيراً يمن الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن عصمه من الانسياق وراء المتآمرين المبيتين؛ فأطلعه على مؤامراتهم التي يستخفون بها من الناس ولا يستخفون بها من الله - وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول - ثم يمتن عليه المنة الكبرى في إنزال الكتاب والحكمة وتعليمه ما لم يكن يعلم.. وهي المنة على البشرية كلها، ممثلة ابتداء في شخص أكرمها على الله وأقربها لله: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك. وما يضلون إلا أنفسهم. وما يضرونك من شيء. وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة. وعلمك ما لم تكن تعلم. وكان فضل الله عليك عظيماً}. إن هذه المحاولة ليست إلا واحدة من محاولات كثيرة، شتى الألوان والأنواع؛ مما بذله أعداء هذا الرسول الكريم ليضلوه عن الحق والعدل والصواب. ولكن الله - سبحانه - كان يتولاه بفضله ورحمته في كل مرة. وكان الكائدون المتأمرون هم الذين يضلون ويقعون في الضلالة.. وسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حافلة بتلك المحاولات؛ ونجاته وهدايته؛ وضلال المتآمرين وخيبتهم. والله - سبحانه - يمتن عليه بفضله ورحمته هذه؛ ويطمئنه في الوقت ذاته أنهم لا يضرونه شيئاً. بفضل من الله ورحمة. وبمناسبة المنة في حفظه من هذه المؤامرة الأخيرة؛ وصيانة أحكامه من أن تتعرض لظلم بريء وتبرئة جارم، وكشف الحقيقة له وتعريفه بالمؤامرة.. تجيء المنة الكبرى.. منة الرسالة: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم. وكان فضل الله عليك عظيماً}. وهي منة الله على "الإنسان" في هذه الأرض. المنة التي ولد الإنسان معها ميلاداً جديداً. ونشأ بها "الإنسان" كما نشأ أول مرة بنفخة الروح الأولى.. المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية، لترقى بها في الطريق الصاعد، إلى القمة السامقة. عن طريق المنهج الرباني الفريد العجيب.. المنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام وعرف الجاهلية - جاهلية الغابر والحاضر - وذاق الإسلام وذاق الجاهلية.. وإذا كانت منة يذكر الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلأنه هو أول من عرفها وذاقها. وأكبر من عرفها وذاقها. وأعرف من عرفها وذاقها.. {وعلمك ما لم تكن تعلم. وكان فضل الله عليك عظيماً}.
ابن عاشور
تفسير : اتّصال هذه الآية بما قبلها يرجع إلى ما مضى من وصف أحوال المنافقين ومناصريهم، وانتقل من ذلك إلى الاستعداد لقتال المناوين للإسلام من قوله: {أية : يأيها الذين آمنوا خُذوا حذركم فانفروا}تفسير : [النساء: 71] الآية، وتخلّل فيه من أحوال المنافقين في تربّصهم بالمسلمين الدوائر ومختلف أحوال القبائل في علائقهم مع المسلمين، واستطرد لذكر قتل الخطأ والعمد، وانتقل إلى ذكر الهجرة، وعقّب بذكر صلاة السفر وصلاة الخوف، عاد الكلام بعد ذلك إلى أحوال أهل النفاق. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. وجمهور المفسّرين على أنّ هاته الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها: أنّ أخوةً ثلاثة يقال لهم: بِشر وبَشير ومُبشّر، أبناء أبَيْرِق، وقيل: أبناء طُعْمَةَ بن أبيرق، وقيل: إنّما كان بشير أحدهم يكنى أبا طُعمة، وهم من بني ظَفَر من أهل المدينة، وكان بشير شرّهم، وكان منافقاً يهجو المسلمين بشعر يشيعه وينسبه إلى غيره، وكان هؤلاء الإخوة في فاقة، وكانوا جيرة لرفاعة بن زيد، وكانت عِير قد أقبلت من الشام بدَرْمَكٍ ــــ وهو دقيق الحُوّارَى أي السميذ ــــ فابتاع منها رفاعة بن زيد حِملا من دَرْمك لطعامه، وكان أهل المدينة يأكلون دقيق الشعير، فإذا جاء الدرمك ابتاع منه سيّد المنزل شيئاً لطعامه فجَعل الدرمك في مشربة له وفيها سلاح، فعدَى بنو أبيرق عليه فنقبوا مشربته وسرقوا الدقيق والسلاح، فلمّا أصبح رفاعة ووجد مشربته قد سرقت أخبر ابن أخيه قتادة بن النعمان بذلك، فجعل يتحسّس، فأنبىء بأنّ بني أبيرق استوقدُوا في تلك الليلة ناراً، ولعلّه على بعض طعام رفاعة، فلمّا افتضح بنو أبيرق طرحوا المسروق في دار أبي مُليل الأنصاري. وقيل: في دار يهودي اسمه زيد بن السمين، وقيل: لبيد بنُ سهل، وجاء بعض بني ظَفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكوا إليه أنّ رفاعة وابن أخيه اتَّهَما بالسرقة أهلَ بيت إيمان وصلاح، قال قتادة: فأتَيت رسول الله، فقال لي «حديث : عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة على غير بيّنة»تفسير : . وأشاعوا في الناس أنّ المسروق في دار أبي مُليل أو دار اليهودي. فما لبث أن نزلت هذه الآية، وأطْلَعَ الله رسولَه على جِليّة الأمر، معجزة له، حتى لا يطمع أحد في أن يروّج على الرسول باطلاً. هذا هو الصحيح في سَوق هذا الخبر. ووقع في «كتاب أسباب النزول» للواحدي، وفي بعض روايات الطبري سوق القصة ببعض مخالفة لما ذكرتُه: وأنّ بني ظَفر سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجادل عن أصحابهم كي لا يفتضحوا ويبرأ اليهودي، وأنّ رسول الله هَمّ بذلك، فنزلت الآية. وفي بعض الروايات أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لام اليهودي وبَرّأ المتّهم، وهذه الرواية واهية، وهذه الزيادة خطأ بيِّنٌ من أهل القَصص دون علم ولا تبصّر بمعاني القرآن. والظاهر أنّ صدر الآية تمهيد للتلويح إلى القصة، فهو غير مختصّ بها، إذ ليس في ذلك الكلام ما يلوّح إليها، ولكن مبدأ التلويح إلى القصة من قوله: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم}. وقوله: {بما أراك الله} الباء للآلة جعل ما أراه الله إيّاه بمنزلة آلة للحكم لأنّه وسيلة إلى مصادفة العدل والحقّ ونفي الجور، إذ لا يحتمل علم الله الخطأ. والرؤية في قوله: {أراك الله} عرفانية، وحقيقتها الرؤية البصرية، فأطلقت على ما يدرك بوجه اليقين لمشابهته الشيء المشاهد. والرؤية البصرية تنصب مفعولا واحداً فإذ أدخلت عليها همزة التعدية نصبت مفعولين كما هنا، وقد حذف المفعول الثاني لأنّه ضمير الموصول، فأغنى عنه الموصول، وهو حذف كثير، والتقدير: بما أراكَه الله. فكلّ ما جعله الله حقّا في كتابه فقد أمر بالحكم به بين الناس، وليس المراد أنّه يُعلمه الحقّ في جانب شخص معيّن بأنّ يقول له: إن فلاناً على الحقّ، لأنّ هذا لا يلزم اطّراده، ولأنّه لا يُلفى مدلولا لجميع آيات القرآن وإنْ صلح الحمل عليه في مثل هذه الآية، بل المراد أنّه أنزل عليه الكتاب ليحكم بالطرق والقضايا الدالّة على وصف الأحوال التي يتحقّق بها العدل فيحكم بين الناس على حسب ذلك، بأن تندرج جزئيات أحوالهم عند التقاضي تحت الأوصاف الكلية المبيّنة في الكتاب، مثل قوله تعالى: {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم}تفسير : [الأحزاب: 4]، فقد أبطل حكم التبنّي الذي كان في الجاهلية، فأعلَمنا أنّ قَول الرجل لمن ليس ولده: هذا ولدي، لا يجعل للمنسوب حقّاً في ميراثه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطىء في إدراج الجزئيات تحت كليّاتها، وقد يعرض الخطأ لغيره، وليس المراد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصادف الحقّ من غير وجوهه الجارية بين الناس، ولذلك قال «حديث : إنّما أنا بَشَر وإنَّكُم تختصمون إليّ ولعَلّ بعضَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بحجّته من بعضٍ فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحقّ أخيه فلا يأخُذْه فإنّما أقْتَطِعُ له قِطعَة من نار»تفسير : . وغير الرسول يخطىء في الاندراج، ولذلك وجب بذل الجهد واستقصاء الدليل، ومن ثمّ استدلّ علماؤنا بهذه الآية على وجوب الاجتهاد في فهم الشريعة. وعن عمر بن الخطاب أنّه قال: «لا يقولّن أحد قضيت بما أراني الله تعالى فإنّ الله تعالى لم يجعل ذلك إلاّ لنبيّه وأمّا الواحد منّا فرأيه يكون ظنّا ولا يكون علماً»، ومعناه هو ما قدّمناه من عروض الخطأ في الفهم لغير الرسول دون الرسول صلى الله عليه وسلم. واللام في قوله: {للخائنين خصيماً} لام العلّة وليست لامَ التقوية. ومفعول {خصيماً} محذوف دلّ عليه ذكر مقابله وهو {للخائنين} أي لا تكن تخاصم من يخاصم الخائنين، أي لا تخاصم عنهم. فالخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع كقوله: «كنت أنا خَصْمَه يوم القيامة». والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمّة، لأنّ الخصام عن الخائنين لا يتوقّع من النبي صلى الله عليه وسلم وإنّما المراد تحذير الذين دفعتهم الحميّة إلى الانتصار لأبناء أبيرق. والأمرُ باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول، فالمراد بالأمر غيره، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله ممّا اقترفوه، أو أراد: واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم. وهذا نظير قوله: {أية : ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا لله}تفسير : [النساء: 64] وليس المراد بالأمر استغفار النبي لنفسه، كما أخطأ فيه مَن تَوهَّم ذلك، فركَّب عليه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خَطر بباله مَا أوجب أمره بالاستغفار، وهو هَمُّه أن يجادل عن بني أبيرق، مع علمه بأنّهم سرقوا، خشية أن يفتضحوا، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم. والخطاب في قوله: {ولا تجادل} للرسول، والمراد نهي الأمّة عن ذلك، لأنّ مثله لا يترقّب صدوره من الرسول عليه الصلاة والسلام كما دلّ عليه قوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا}. و{يختانون} بمعنى يَخونون، وهو افتعال دالّ على التكلّف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة. ومعنى خيانتهم أنفسهم أنّهم بارتكابهم ما يضرّ بهم كانوا بمنزلة من يخون غيره كقوله: {أية : عَلم الله أنّكم كنتم تختانون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 187]. ولك أن تجعل {أنفسهم} هنا بمعنى بني أنفسهم، أي بني قومهم، كقوله {أية : تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم}تفسير : [البقرة: 85]، وقولِه {أية : فسلّموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61]، أي الذين يختانون ناساً من أهلهم وقومهم. والعرب تقول: هو تميمي من أنفسهم، أي ليس بمولى ولا لصيق. والمجادلة مفاعلة من الجدل، وهو القدرة على الخصام والحجّة فيه، وهي منازعة بالقول لإقناع الغير برأيك، ومنه سمّي علم قواعد المناظرة والاحتجاج في الفقه عِلْمَ الجدل، (وكان يختلط بعلم أصول الفقه وعلم آداب البحث وعلم المنطق). ولم يسمع للجدل فعل مجرّد أصلي، والمسموع منه جَادل لأنّ الخصام يستدعي خصمين. وأمّا قولهم: جَدَله فهو بمعنى غلبه في المجادلة، فليس فعلا أصلياً في الاشتقاق. ومصدر المجادلة، الجدال، قال تعالى: {أية : ولا جدال في الحجّ}تفسير : [البقرة: 197]. وأمّا الجَدَل بفتحتين فهو اسم المصدر، وأصله مشتقّ من الجَدْل، وهو الصرع على الأرض، لأنّ الأرض تسمّى الجَدَالة ــــ بفتح الجيم ــــ يقال: جَدَله فهو مجدول. وجملة: {يستحقون من الناس} بيان لــــ {يختانون}. وجملة: {ولا يستخفون من الله} حال، وذلك هو محلّ الاستغراب من حالهم وكونهم يختانون أنفسهم. والاستخفاء من الله مستعمل مجازا في الحياء، إذ لا يعتقد أحد يؤمن بالله أنّه يستطيع أن يستخفي من الله. وجملة: {وهو معهم} حال من اسم الجلالة، والمعية هنا معية العلم والاطّلاع و{إذ يبيّتون} ظرف، والتبييت جعل الشيء في البيَات، أي الليل، مثل التصبيح، يقال: بيَّتهم العدوُّ وصبَّحهم العدوُّ وفي القرآن: {أية : لنبيتَنَّه وأهلَه}تفسير : [النمل: 49] أي لنأتينّهم ليلا فنقلتهم. والمبيَّت هنا هو ما لا يُرضي من القول، أي دبّروه وزوّروه ليلا لقصد الإخفاء، كقول العرب: هذا أمر قُضي بليل، أو تُشُورّ فيه بليل، والمراد هنا تدبير مكيدتهم لرمي البُراء بتهمة السرقة. وقوله {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم} استئناف أثاره قوله: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم}، والمخاطب كلّ من يصلح للمخاطبة من المسلمين. والكلام جار مجرى الفرض والتقدير، أو مجرى التعريض ببعض بني ظَفَر الذين جادلوا عن بني أبيرق. والقول في تركيب {أية : هأنتم هؤلاء}تفسير : تقدّم في سورة البقرة (85) عند قوله تعالى: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}، تفسير : وتقدّم نظيره في آل عمران (119) ها أنتم أولاء تحبّونهم ولا يحبّونكم. و(أمْ) في قوله: {أمَّن يكون عليهم وكيلاً} مُنقطعة للإضراب الانتقالي. و(مَن) استفهام مستعمل في الإنكار. والوكيل مضى الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}تفسير : في سورة آل عمران (173).
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بما أراك الله: أي بما علمكه بواسطة الوحي. خصيماً: أي مخاصماً بالغاً في الخصومة مبلغاً عظيماً. تجادل: تخاصم. يختانون أنفسهم: يحاولون خيانة أنفسهم. يستخفون: يطلبون إخفاء أنفسهم عن الناس. وهو معهم: بعلمه تعالى وقدرته. يبيتون: يدبرون الأمر في خفاء ومكر وخديعة. وكيلا: الوكيل من ينوب عن آخر في تحقيق غرض من الأغراض. معنى الآيات: روي أن هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق وإخوته وكان قد سرق درعاً من دار جارٍ له يقال له قتادة وودعها عند يهودي يقال له يزيد بن السمين، ولما اتهم طعمة وخاف هو وإخوته المعرة رموا بها اليهودي وقالوا هو السارق، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلفوا على براءة أخيهم فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بقطع يد اليهودي لشهادة بني أبيرق عليه وإذا بالآيات تنزل ببراءة اليهودي وإدانة طعمة، ولما افتضح طعمة وكان منافقاً أعلن عن ردته وهرب إلى مكة المكرمة ونقب جدار منزل ليسرق فسقط عليه الجدار فمات تحته كافراً.. وهذا تفسير لآيات قوله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي القرآن، أيها الرسول {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} أي بما أعلمك وعرفك به لا بمجرد رأي رآه غيرك من الخائنين وعاتبه ربه تعالى بقوله {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} أي مجادلاً عنهم، فوصم تعالى بني أبيرق بالخيانة، لأنهم خانوا أنفسهم بدفعهم التهمة عنهم بأيمانهم الكاذبة. {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} من أجل ما هممت به من عقوبة اليهودي، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} فيغفر لك ما هممت به ويرحمك {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} حيث اتهموا اليهودي كذباً وزوراً، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} كطعمة بن أبيرق {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ} حياء منهم، {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ} ولا يستحيون منه، وهو تعالى معهم في الوقت الذي كانوا يدبرون كيف يخرجون من التهمة بإلصاقها باليهودي البريء، وعزموا أن يحلفون على براءة أخيهم وإتهام اليهودي هذا القول مما لا يرضاه الله تعالى.. وقوله عز وجل: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} فما قام به طعمة من سرقة الدرع ووضعها لدى اليهودي ثم اتهامهم اليهودي، وحلفهم على براءة أخيهم كل ذلك جرى تحت علم الله تعالى والله به محيط، فسبحانه من إله عليم عظيم. وقوله تعالى: {هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ} أي يا هؤلاء {جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} هذا الخطاب موجه إلى الذين وقفوا إلى جنب بني أبيرق يدفعون عنهم التهمة فعاتبهم الله تعالى بقوله: {هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ}، اليوم في هذه الحياة الدنيا لتدفعوا عنهم تهمة السرقة {فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} يتولى الدفاع عنهم في يوم لا تملك فيه نفس لنفس شيئاً والأمر كله لله فتضمنت الآية تقريعاً شديداً حتى لا يقف أحد بعد موقفاً مخزياً كهذا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. 2- لا يجوز الوقوف إلى جنب الخونة الظالمين نصرة لهم. 3- وجوب الاستغفار من الذنب كبيراً كان أو صغيراً. 4- وجوب بغض الخوَّان الأثيم أيّاً كان. 5- استحباب الوعظ والتذكير بأحوال يوم القيامة.
القطان
تفسير : بما أراك الله: بما عرّفك وأوحى إليك. خصيما: مخاصما، مدافعا عنهم. يختانون أنفسهم: يخونونها. خوانا: كثير الخيانة. يستخفون: يستترون. يبيتون: يدبّرون ويزوّرون، بيّت الأمر: دبره بالليل. نزلت هذه الآيات والتي بعدها إثر حادث سرقة قام به طعمة بن أبيرق، الأنصاريُّ، ثم ذهب مع بعض أقربائه الى النبيّ وقالوا: يا نبي الله، صاحبنا بريء، وانما الذي سرق الدرع فلانُ اليهودي. وقد وُجدت الدرع في بيت زيد بن السمين هذا فعلا. وعند ذاك برّأ الرسول الكريم طعمة، وعذَره على رؤوس الاشهاد. ولما جاء صاحب الدرع المسروقة الى النبي يكلّمه في أمر السارق أنّبه النبيُّ وقال له: "عمدتَ الى أهل بيتٍ يُذكَر منهم إسلام وصَلاح وترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بيّنة!" قال قتادة بن النعمان، وهو من أقارب صاحب الدرع: لما سمعتُ ما قال الرسول الكريم رجعتُ ولَوددت أني خرجتُ من بعض مالي ولم أكلّم رسول الله في ذلك الأمر. فنزلت هذه الآيات تبيّن الحقيقة، وكانت درساً قاسياً وعظيماً لإحقاق الحق والفصل في الأمر وابعاد الظلم عن اليهودي. وقد بيّن كتابُ الله أن الحق أحقُّ ان يُتبع.. اذ ظهر بعدُ أن طعمة قد سرق الدرع ثم خبأها عند اليهودي. وبإنزال هذه الآيات أعطى الله درساً بليغاً للمسلمين فَحْواه أن مهمة هذا الدين تحقيق العدالة بين الناس جميعا، لا يحابي مسلماً ولا يمالىء حاكما ولا شريفا. إنا أنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن حقاً وصِدقاً كي تحكم بين الناس بما اعلمك الله به من الاحكام، فلا تكن مدافعاً عن الخائنين، ولا تتهاون في تحرّي الحق. واستغفر الله يا محمد مما يعرِض لك من شئون البشر وأحوالهم، خشية ان تميل الى من تراه أقوى حجّةً من خصمه. وبعد ان شدّد سبحانه في ضرورة انقطاع الناس عن هذه الجرائم، بيّن انه غفور لمن استغفره، رحيم بعباده، يقبل منهم التوبة والرجوع اليه دائماً. {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} لا تدافع ايها النبي عن هؤلاء الخونة ولا تساعدهم، فان الله لا يحب من اعتاد الخيانة، وألفتْ نفسه اجتراح السيئات والكذب. ان هؤلاء يستترون بخياناتهم من الناس، ولا يستترون من الله. لقد غفلوا عن أنه لا تخفى عليه خياناتهم، بل بلغ من جهلهم انهم يدبرون التهم الباطلة للأبرياء علّهم يلقون بالجريمة عن ظهورهم. والله عليم بكل شيء، محيط بالأسرار، وهم تحت عينه وفي قبضته.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {أَرَاكَ} {لِّلْخَآئِنِينَ} (105) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي أُبيْرِق، كَانَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَرَقَ لأنْصَارِيٍّ آخَرَ دِرْعاً، فَاتَّهَمَهُ صَاحِبُ الدِّرْعِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، فَعَمَدَ السَّارِقُ إلى الدِّرْعِ فَأَخْفَاهَا فِي بَيْتِ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ ذَلِكَ. فَذَهَبُوا إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَطْلُبُونَ مِنْهُ أنْ يَعْذِرَ صَاحِبَهُمْ، وَيُجَادِلَ عَنْهُ أمَامَ النَّاسِ، فَقَامَ الرَّسُولُ فَبَرَّأهُ، وَعَذَرَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأشْهَادِ، وَقَالَ النَّبِيُّ لأصْحَابِ الدِّرْعِ إنَّهُمْ عَمَدُوا إلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ، أهْلِ تُقىً وَصَلاحٍ فَاتَّهَمُوهُ بِالسَّرِقَةِ، فَأنزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، وَالآيَاتِ التِي بَعْدَهَا. فَأمَرَ الرَّسُولُ بِالدِّرْعِ فَأُتي بِهَا فَرَدَّهَا إلَى صَاحِبِهَا، وَهَرَبَ السَّارِقُ فَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ فِي مَكَّةَ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ إنّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلَيهِ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ وَبَيَانِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أعْلَمَهُ اللهُ بِهِ مِنَ الأحْكَامِ، فَعَلَيهِ أنْ لاَ يُنصِّبَ نَفْسَهُ مُدَافِعاً عَنِ الخَائِنِينَ تِجَاهَ مَنْ يُطَالِبُونَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ مِنْهُمْ. خَصِيماً - مُخَاصِماً وَمُدَافِعاً عَنْهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن نفسه؛ يتكلم فيما يتعلق بالفعل بصفة التعظيم والجمع. مثال ذلك قوله: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا}. وهذه "نون الجماعة" حيث يتطلب إنزال القرآن قوى متعددة لا تتوافر إلا لمن له الملك في كل الكون. ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى. . إننا نجد أن رئيس الدولة أو الملك في أي بلد يصدر قراراً فيقول: "نحن فلانا أصدرنا القرار". والملك أو الرئيس يعرف أنه ليس وحده الذي يصدر القرار، ولكن يصدره معه كل المتعاونين معه وكل العاملين تحت رئاسته، فما بالنا بالحق الأعلى سبحانه وتعالى؟ لذلك فحين يتكلم سبحانه فيما يتعلق بالذات يكون الحديث بواسطة ضمير الأفراد: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14] ولا يأتي هنا ضمير الجمع أبداً، ولا تأتي "نون التعظيم". ولكن في هذه الآية نجد الحق يقول: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ}.. ونرى "نون التعظيم" واضحة، فالقرآن كلام الله، ونزول القرآن يتطلب صفات متعاضدة. فسبحانه مرة يقول: {أية : أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [العنكبوت: 47] ومرة يقول: {أية : أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 51] ومرة ثالثة يقول: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 10] ما الغاية من الإنزال؟ الغاية من الإنزال أن يوجد على الأرض منهج يحكم حركة الحياة. والقرآن قد أنزل إلى الرسول وإلى من آمن بالرسالة. وحين يقول الحق: {أَنزَلْنَا عَلَيْكَ} فمعنى ذلك نزول التكليف. وساعة نسمع كلمة {أَنزَلْنَا} فعلينا أن نعرف أن كل شيء يجيء من الحق فهو ينزل إلينا منه سبحانه، وكلمة "أنزل" تشعر السامع أو القارئ لها أن الجهة التي أنزلت هي جهة أعلى، وليست مساوية لمن أُنْزِلَ إليه، وليست أدنى منه أيضاً. وكلمة {أَنزَلْنَا} تدل على أن جهة أنزلت، وجهة أُنزل إليها، وشيء أنزلته الجهة إلى المُنَزِّلِ إليه. والكتاب هو المنزل. والذي أنزله هو الله. والمُنَزَّلِ إليه هو رسول الله وأمته. وهل أنزل الحق سبحانه الكتاب فقط أو أنزل قبل ذلك كل ما يتعلق بمقومات الحياة؟ وعندما نقرأ هذا القول الكريم: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} تفسير : [الأعراف: 26] إنه لباس جاء من أعلى؛ لذلك استخدم الحق كلمة {أَنزَلْنَا} وهو ليس لباساً فقط ولكنه أيضاً يزينكم مأخوذ من ريش الطائر لأنه لباسه وزينته، فهو لا يواري العورة فحسب ولكنه جميل أيضاً، والأجمل منه أنّه لباس التقوى. لقد جاء الحق بالمقوم للحياة ستراً ورفاهية، وبعد ذلك أنزل الحق لباس التقوى وهو الخير. فاللباس الأول يواري عورة مادية، ولباس التقوى يواري العورات القيمية والمعنوية، وكل ذلك إنزال من أعلى. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} تفسير : [الحديد: 25] إذن فكلمة "الإنزال" تدل على أن كل ما جاء من قِبَلِ الحق الأعلى إلينا، فهو نازل إلينا بشيء يعالج مادتنا وقوامنا، وبشيء يعالج معنوياتنا وقيمنا. ويقول الحق في الآية التي نحن بصدد تناولها الآن: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} وحين يُطلق الكتاب فالمعنى ينصرف إلى الكتاب الجامع المانع المهيمن على سائر الكتب وهو القرآن، وإن كان {ٱلْكِتَابَ} يطلق على المكتوب الذي نزل على أي رسول من الله سبحانه وتعالى. {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} والحق هو الشيء الثابت الذي لا يأتي واقع آخر لينقضه. وعلى سبيل المثال: أنت في حياتك العادية حين تقول قضية صدق تحكي بها واقعا حدث مهما تكررت روايتك لهذه التفاصيل مدة عشرين سنة فهي لا تتغير؛ لأنها مطابقة للواقع. وأنت حين تقولها تستحضر الواقع الذي حدث أمامك. ولكن إذا حَدّثَ إنسان بقضية كذب لا واقع له. فماذا يكون موقفه؟ سيحكي القضية مرة بأسلوب، وإن مر عليه أسبوع فهو ينسى بعضاً مما قاله في أول مرة فيحكي وقائع أخرى، ذلك أن ما يرويه ليس له واقع؛ لذلك يقول كلاماً مغايراً لما قاله في المرة الأولى، وهنا يعرف السامع أن هذه المسألة كاذبة. إذن فالحق هو الشيء الثابت الذي لا ينقضه واقع أبداً. وأنزل الله الكتاب بالحق أي أنزله بالقضايا الثابتة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها، فهو ثابت لا ينقضه واقع. ويقال في حياتنا للتلميذ الناجح من أساتذته: لقد أعطيناك المرتبة الأولى على زملائك بالحق. أي أن هذا التلميذ قد أخذ حقه لأنه يستحق هذه المكانة. وقوله الحق سبحانه: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} أي إن إنزال الكتاب على سيدنا رسول الله ليبلغه جاء ملتبسا ومرتبطا بالحق ولا ينفك عنه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل لأن ينزل عليه الكلمات. ووجود معنى بجانب معنى في القرآن هو من أسرار إشعاعات الكلمات القرآنية، فهي لا تتناقض ولكنها توضع بحكمة الخالق لتجلو لنا المعاني. {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} وهذا يوضح لنا أن حكومة الدين الإسلامي وعلى رأسها الحاكم الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جاء لا ليحكم بين المؤمنين به فقط، بل ليحكم بين الناس. ومن شرط الحكم بين الناس القيام بالعدل فيما يختصمون فيه، فلا يقولن واحد: هذا مسلم، وذاك كافر، فإذا كان الحق مع الكافر فلا بد أن تعطيه له، وإذا كان الحق مع المسلم فيجب أن تعطيه له؛ لأنك لا تحكم بين المؤمنين فقط ولكنك تحكم بين الناس. وأنت إن حكمت بين الناس حكماً يتفق مع منطق الواقع والحق. تجعل الذي حُكم له يشهد أن دينك حق، فعندما يكون الحق مع الكافر، وتحكم على المؤمن بالحكم الحق الذي لا حيف فيه حتى وإن كان عقابا، فالكافر يقرع نفسه على أنه لم يكن من أهل هذا الدين الذي يعترف بالحق ويحكم به ولو كان على مسلم. وأيضاً يعرف المسلم ساعة يُحكم عليه لصالح واحد غير مسلم أن المسألة ليست نسبة شكلية إلى الإسلام، ولكنها نسبة موضوعية، فلا يظنن أحد أن الإسلام قد جاء ليحابي مسلما على أي إنسان آخر، ولكن الإسلام قد جاء ليأخذ الجميع بمنطق الحق، ويطبق على الجميع منهج الحق، وليكون المسلم دائما في جانب الحق. وسبحانه وتعالى يعطي هذه القضية لواقعة حدثت معاصرة لرسول الله. والوقائع التي حدثت معاصرة لرسول الله بمثابة إستدرار السماء للأحكام، فالقضية تحدث وينزل فيها الحكم، ولو جاءت الأحكام مبوبة وسقطت ونزلت مرة واحدة، فقد تحدث الحادثة ويكون لدى المؤمنين الحكم ويحاولون البحث عنه في الكتاب. لكن إذا ما جاء الحكم ساعة وقوع الحادثة فهو ينصب عليها، ويكون الأمر أدعى للإذعان له؛ لأنه ثبت وأُيِّد ووثِّق بواقعة تطبيقية. والحكم الذي نزل هو: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً}. وعندما يقول سبحانه "أراك" أو "علَّمك" فلتعلم أن تعليم الله هو أكثر تصديقاً من رؤيتك الإنسانية، وكأنك تتمثل الشيء الذي يعلمه لك الله وكأنه مجسد أمامك، وليس مع العين أين. والواقعة التي حدثت هي: كان في "بني ظفر" واحد اسمه "طعمة بن أبيرق" وسرق "طعمة" درعا، وهذا الدرع كان "لقتادة بن النعمان". وخاف "طعمة" أن يحتفظ بالدرع في بيته فيعرف الناس أنه سرق الدرع. وكان "طعمة" فيما يبدو مشهوراً بأنه لص، فذهب إلى يهودي وأودع عنده الدرع، وكان الدرع في جراب دقيق. وحينما خرج به "طعمة" وحمله صار الدقيق ينتثر من خرق في الجراب وتَكوَنّ من الدقيق أثراً في الأرض إلى بيت اليهودي وكان اسمه "زيد بن السمين" وعندما تتبعوا أثر الدقيق وجدوه إلى بيت طعمة، ولكنه حلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها وقالوا: "لقد سرق ابن السمين". وهنا قال ابن السمين: "أنا لم أسرق الدرع ولكن أودعه عندي "طعمة بن أبيرق". وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء "بنو ظفر" وهم مسلمون "وطعمة بن أبيرق" منهم وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو حكمت على المسلم ضد اليهودي فستكون المسألة ضد المسلمين وسيوجد العار بين المسلمين. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى أرسل رسوله لِيُعَدِّل منهج الغرائز البشرية. والغريزة البشرية بحسب اندفاعها وقصر نظرتها قد تتصور أن الحكم على المسلم وتبرئة اليهودي هو إضعاف للمسلمين. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يقيم الأمر بالقسط فينزل على رسوله: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] أي إياك أن تقول: إن هذا مسلم ولا يصح أن نلصق به الجريمة التي ارتكبها حتى لا تكون سُبة عليه، وإياك أن تخشى ارتفاع رأس اليهودي؛ لأن هناك لصاً قد ظهر من بين المسلمين. ومن الشرف للإسلام أن يعاقب أي إنسان ارتكب خطأ لأنه مادام قد انتسب للإسلام فعليه أن يصون هذا الانتساب. وعقاب المسلم على خطأ هو شهادة للإسلام على أنه لم يأت ليجامل مسلماً. وعلى كل مسلم أن يعرف أنه دخل الإسلامَ بحق الإسلام. لقد نظر بعض السطحيين إلى قوله الحق: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} قائلين: إن كان هناك لص أو خائن أو مستغل لقوته فاتركه ولا تنظر إليه ولا تلتفت حتى لا يسبب لك تعباً. ولهؤلاء نقول: لا، فسبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} و "اللام" التي في أول "الخائنين" هي للملكية أي أن الحق يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقف موقفا لصالح الخائن، بل عليه أن يخاصم لمصلحة الحق. وقد حاول العلماء أن يقربوا المسافة فقالوا: ربما لا يتنبه أحد لمسألة اللام وأنها هنا للنفعية، فيكون المنهي عنه أن يقف مسلم موقفا ينفع خائنا، بل لا بد أن يكون على الخائن وليس معه. فاللام هنا تكون بمعنى "عن". كأن الحق يقول: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً}. أي لا تكن يا محمد مدافعاً عن الخائنين. ولماذا لم يقل الحق "عن" بدلاً من "اللام"؟ نقول: إن الغاية من الدفاع عن الخصم أن ترجح أمره وتكون له لا عليه، لذلك جاء الحق بـ "اللام" هنا من أجل أن نعرف الغاية من "عن" واضحة. فاللام تفيد ألا ينفع المسلم خائناً، فلا تكون المسالة له، ولذلك جاء الحق بها إيضاحاً واختصاراً لنعرف أن رسوله لن يقف في جانب الخائن ولن يأتي له بما ينفعه. ولذلك قال العلماء: إن اللام هنا بمعنى "عن". والقرآن فيه الكثير من مثل هذا. وبعض الناس يقول: لماذا لا يأتي باللفظ الواضح الذي يجعلنا نعرف المعنى مباشرة؟ ونقول: إن الملحظية هنا مفيدة لنعرف في أي صف يقف القرآن والرسول المبلغ عن ربه, مثال ذلك قوله الحق: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [سبأ: 43] القائل هم الذين كفروا، والمقول له هو الحق. وبعض الناس كان يفترض أن المنطق يقتضي أن يقول الكفار: إنك سحر مبين. وكأن الآية هي: وإذ تتلى آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم أنت سحر مبين. ولنلحظ أنهم لم يقولوا للحق، ولكنهم قالوا عن الحق. ولم يقولوا للحق ذلك، بل قال بعضهم لبعض. و "الحق" هنا مُحَدّثٌ عنه وليس مخاطباً. فقالوا عنه: إنه سحر مبين. وهناك آية أخرى يقول الحق فيها: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11] والقائل هنا هم الذين كفروا. والمقول لهم هم الذين آمنوا. والمقصود هو: أن الذين كفروا قالوا للذين آمنوا لو كان الإسلام خيراً ما سبقتمونا إليه. ولكن الحق سبحانه أوردها: "لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ" وذلك ليدلنا على أنهم قالوا ذلك في غير محضر المؤمنين، بل هم يتبادلون هذا القول فيما بينهم. وإلا لو أن القول من الكافرين للمؤمنين لكان السياق يقتضي أن يكون: لو كان خيرا ما سبقتمونا إليه. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ..}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظًا في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل، بل نزل بالحق، ومشتملا أيضا على الحق، فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا } تفسير : وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس. وفي الآية الأخرى: {أية : وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ }. تفسير : فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس في مسائل النزاع والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين كلتيهما معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد وفي جميع مسائل الأحكام. وقوله: { بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } أي: لا بهواك بل بما علَّمك الله وألهمك، كقوله تعالى: {أية : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى } تفسير : وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما يُبَلِّغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها، وأنه يشترط في الحاكم العلم والعدل لقوله: { بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضا الحكم بين الناس على معرفة الكتاب، ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط نهاه عن الجور والظلم الذي هو ضد العدل فقال: { وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } أي: لا تخاصم عن مَن عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكرٍ حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم. { وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ } مما صدر منك إن صدر. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } أي: يغفر الذنب العظيم لمن استغفره، وتاب إليه وأناب ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك الموجِب لثوابه وزوال عقابه. { وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ } "الاختيان" و "الخيانة" بمعنى الجناية والظلم والإثم، وهذا يشمل النهي عن المجادلة، عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا } أي: كثير الخيانة والإثم، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البُغْض، وهذا كالتعليل، للنهي المتقدم. ثم ذكر عن هؤلاء الخائنين أنهم { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ } وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم. وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصًا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ليفعل ما بيتوه. فقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات، المطلع على سرائرهم وضمائرهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا } أي: قد أحاط بذلك علما، ومع هذا لم يعاجلهم بالعقوبة بل استأنى بهم، وعرض عليهم التوبة وحذرهم من الإصرار على ذنبهم الموجب للعقوبة البليغة. { هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا } أي: هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع عنهم جدالُكم بعض ما تحذرون من العار والفضيحة عند الخَلْق، فماذا يغني عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟ {أية : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ } . تفسير : فمن يجادل عنهم من يعلم السر وأخفى ومن أقام عليهم من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار؟ وفي هذه الآية إرشاد إلى المقابلة بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله أو فعل مناهيه، وبين ما يفوت من ثواب الآخرة أو يحصل من عقوباتها. فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلا وتفريطا فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟ وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة قال لها: هبك فعلت ما اشتهيت فإن لذته تنقضي ويعقبها من الهموم والغموم والحسرات، وفوات الثواب وحصول العقاب - ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها. وهذا من أعظم ما ينفع العبدَ تدبرُه، وهو خاصة العقل الحقيقي. بخلاف الذي يدعي العقل، وليس كذلك، فإنه بجهله وظلمه يؤثر اللذة الحاضرة والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان. ثم قال تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } أي: من تجرأ على المعاصي واقتحم على الإثم ثم استغفر الله استغفارا تاما يستلزم الإقرار بالذنب والندم عليه والإقلاع والعزم على أن لا يعود. فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة. فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلا عن توفيقه، لأنه قد غفره، وإذا غفره غفر ما يترتب عليه. واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي "سوءًا" لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن. وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق يشمل ظلمها بالشرك فما دونه. ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر قد يفسر كل واحد منهما بما يناسبه، فيفسر عمل السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. ويفسر ظلم النفس بالظلم والمعاصي التي بين الله وبين عبده، وسمي ظلم النفس "ظلما" لأن نفس العبد ليست ملكا له يتصرف فيها بما يشاء، وإنما هي ملك لله تعالى قد جعلها أمانة عند العبد وأمره أن يقيمها على طريق العدل، بإلزامها للصراط المستقيم علمًا وعملا فيسعى في تعليمها ما أمر به ويسعى في العمل بما يجب، فسعيه في غير هذا الطريق ظلم لنفسه وخيانة وعدول بها عن العدل، الذي ضده الجور والظلم. ثم قال: { وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ } وهذا يشمل كل ما يؤثم من صغير وكبير، فمن كسب سيئة فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية على نفسه، لا تتعداها إلى غيرها، كما قال تعالى: {أية : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } تفسير : لكن إذا ظهرت السيئات فلم تنكر عمت عقوبتها وشمل إثمها، فلا تخرج أيضا عن حكم هذه الآية الكريمة، لأن من ترك الإنكار الواجب فقد كسب سيئة. وفي هذا بيان عدل الله وحكمته، أنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد، ولا يعاقب أحدا أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: له العلم الكامل والحكمة التامة. ومن علمه وحكمته أنه يعلم الذنب وما صدر منه، والسبب الداعي لفعله، والعقوبة المترتبة على فعله، ويعلم حالة المذنب، أنه إن صدر منه الذنب بغلبة دواعي نفسه الأمارة بالسوء مع إنابته إلى ربه في كثير من أوقاته، أنه سيغفر له ويوفقه للتوبة. وإن صدر منه بتجرئه على المحارم استخفافا بنظر ربه، وتهاونا بعقابه، فإن هذا بعيد من المغفرة بعيد من التوفيق للتوبة. ثم قال: { وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً } أي: ذنبا كبيرا { أَوْ إِثْمًا } ما دون ذلك. { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ } أي: يتهم بذنبه { بَرِيئًا } من ذلك الذنب، وإن كان مذنبا. { فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } أي: فقد حمل فوق ظهره بهتا للبريء وإثمًا ظاهرًا بينًا، وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وموبقاتها، فإنه قد جمع عدة مفاسد: كسب الخطيئة والإثم، ثم رَمْي مَن لم يفعلها بفعلها، ثم الكذب الشنيع بتبرئة نفسه واتهام البريء، ثم ما يترتب على ذلك من العقوبة الدنيوية، تندفع عمن وجبت عليه، وتقام على من لا يستحقها. ثم ما يترتب على ذلك أيضا من كلام الناس في البريء إلى غير ذلك من المفاسد التي نسأل الله العافية منها ومن كل شر. ثم ذكر منته على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله فقال: { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ } وذلك أن هذه الآيات الكريمات قد ذكر المفسرون أن سبب نزولها: أن أهل بيت سرقوا في المدينة، فلما اطلع على سرقتهم خافوا الفضيحة، وأخذوا سرقتهم فرموها ببيت من هو بريء من ذلك. واستعان السارق بقومه أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه أن يبرئ صاحبهم على رءوس الناس، وقالوا: إنه لم يسرق وإنما الذي سرق من وجدت السرقة ببيته وهو البريء. فهَمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ صاحبهم، فأنزل الله هذه الآيات تذكيرا وتبيينا لتلك الواقعة وتحذيرا للرسول صلى الله عليه وسلم من المخاصمة عن الخائنين، فإن المخاصمة عن المبطل من الضلال، فإن الضلال نوعان: ضلال في العلم، وهو الجهل بالحق. وضلال في العمل، وهو العمل بغير ما يجب. فحفظ الله رسوله عن هذا النوع من الضلال [كما حفظه عن الضلال في الأعمال]. وأخبر أن كيدهم ومكرهم يعود على أنفسهم، كحالة كل ماكر، فقال: { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ } لكون ذلك المكر وذلك التحيل لم يحصل لهم فيه مقصودهم، ولم يحصل لهم إلا الخيبة والحرمان والإثم والخسران. وهذه نعمة كبيرة على رسوله صلى الله عليه وسلم تتضمن النعمة بالعمل، وهو التوفيق لفعل ما يجب، والعصمة له عن كل محرم. ثم ذكر نعمته عليه بالعلم فقال: { وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } أي: أنزل عليك هذا القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه تبيان كل شيء وعلم الأولين والآخِرين. والحكمة: إما السُّنَّة التي قد قال فيها بعض السلف: إن السُّنَّة تنزل عليه كما ينزل القرآن. وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة على معرفة أحكامها، وتنزيل الأشياء منازلها وترتيب كل شيء بحسبه. { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى. فإنه صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله قبل النبوة بقوله: {أية : مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ } {أية : وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى } . تفسير : ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله حتى ارتقى مقاما من العلم يتعذر وصوله على الأولين والآخرين، فكان أعلم الخلق على الإطلاق، وأجمعهم لصفات الكمال، وأكملهم فيها، ولهذا قال: { وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } ففضله على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من فضله على كل مخلوق. وأجناس الفضل الذي قد فضله الله به لا يمكن استقصاؤها ولا يتيسر إحصاؤها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):