Verse. 5936 (AR)

٨٦ - ٱلطَّارِق

86 - At-Tariq (AR)

فَلْيَنْظُرِ الْاِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ۝۵ۭ
Falyanthuri alinsanu mimma khuliqa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلينظر الإنسان» نظر اعتبار «ممَّ خُلق» من أي شيء.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: الدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء، أي صببته وهو مدفوق، أي مصبوب، ومندفق أي منصب، ولما كان هذا الماء مدفوقاً اختلفوا في أنه لم وصف بأنه دافق على وجوه الأول: قال الزجاج: معناه ذو اندفاق، كما يقال: دراع وفارس ونابل ولابن وتامر، أي درع وفرس ونبل ولبن وتمر، وذكر الزجاج أن هذا مذهب سيبويه الثاني: أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل. قال الفراء: وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم، يجعلون المفعول فاعلاً إذا كان في مذهب النعت، كقوله سر كاتم، وهم ناصب، وليل نائم، وكقوله تعالى: {أية : فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [القارعة: 7] أي مرضية الثالث: ذكر الخليل في الكتاب المنسوب إليه دفق الماء دفقاً ودفوقاً إذا انصب بمرة، واندفق الكوز إذا انصب بمرة، ويقال في الطيرة عند انصباب الكوز ونحوه: دافق خير، وفي كتاب قطرب: دفق الماء يدفق إذا انصب الرابع: صاحب الماء لما كان دافقاً أطلق ذلك على الماء على سبيل المجاز. المسألة الثانية: قرىء الصلب بفتحتين، والصلب بضمتين، وفيه أربع لغات: صلب وصلب وصلب وصالب: المسألة الثالثة: ترائب المرأة عظام صدرها حيث تكون القلادة، وكل عظم من ذلك تريبة، وهذا قول جميع أهل اللغة. قال امرؤ القيس:شعر : ترائبهــا مصقولـة كالسجنجــل تفسير : المسألة الرابعة: في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الولد مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة. وقال آخرون: إنه مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائبه، واحتج صاحب القول الثاني على مذهبه بوجهين الأول: أن ماء الرجل خارج من الصلب فقط، وماء المرأة خارج من الترائب فقط، وعلى هذا التقدير لا يحصل هناك ماء خارج من بين الصلب والترائب، وذلك على خلاف الآية الثاني: أنه تعالى بين أن الإنسان مخلوق {مِن مَّاء دَافِقٍ } والذي يوصف بذلك هو ماء الرجل، ثم عطف عليه بأن وصفه بأنه يخرج، يعني هذا الدافق من بين الصلب والترائب، وذلك يدل على أن الولد مخلوق من ماء الرجل فقط أجاب: القائلون بالقول الأول عن الحجة الأولى: أنه يجوز أن يقال للشيئين المتباينين: أنه يخرج من بين هذين خير كثير، ولأن الرجل والمرأة عند اجتماعهما يصيران كالشيء الواحد، فحسن هذا اللفظ هناك، وأجابوا عن الحجة الثانية: بأن هذا من باب إطلاق اسم البعض على الكل، فلما كان أحد قسمي المني دافقاً أطلق هذا الاسم على المجموع، ثم قالوا: والذي يدل على أن الولد مخلوق من مجموع الماءين أن مني الرجل وحده صغير فلا يكفي، ولأنه روي أنه عليه السلام قال: «حديث : إذا غلب ماء الرجل يكون الولد ذكراً ويعود شبه إليه وإلى أقاربه، وإذا غلب ماء المرأة فإليها وإلى أقاربها يعود الشبه»تفسير : وذلك يقتضي صحة القول الأول. واعلم أن الملحدين طعنوا في هذه الآية، فقالوا: إن كان المراد من قوله: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَائِبِ } أن المني إنما ينفصل من تلك المواضع فليس الأمر كذلك، لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل عن جميع أجزاء البدن حتى يأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، فيصير مستعداً لأن يتولد منه مثل تلك الأعضاء، ولذلك فإن المفرط في الجماع يستولي الضعف على جميع أعضائه، وإن كان المراد أن معظم أجزاء المني يتولد هناك فهو ضعيف، بل معظم أجزائه إنما يتربى في الدماغ، والدليل عليه أن صورته يشبه الدماغ، ولأن المكثر منه يظهر الضعف أولاً في عينيه، وإن كان المراد أن مستقر المني هناك فهو ضعيف، لأن مستقر المني هو أوعية المني، وهي عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين، وإن كان المراد أن مخرج المني هناك فهو ضعيف، لأن الحس يدل على أنه ليس كذلك الجواب: لا شك أن أعظم الأعضاء معونة في توليد المني هو الدماغ، والدماغ خليفة وهي النخاع وهو في الصلب، وله شعب كثيرة نازلة إلى مقدم البدن وهو التريبة، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بالذكر، على أن كلامكم في كيفية تولد المني، وكيفية تولد الأعضاء من المني محض الوهم والظن الضعيف، وكلام الله تعالى أولى بالقبول. المسألة الخامسة: قد بينا في مواضع من هذا الكتاب أن دلالة تولد الإنسان عن النطفة على وجود الصانع المختار من أظهر الدلائل، لوجوه أحدها: أن التركيبات العجيبة في بدن الإنسان أكثر، فيكون تولده عن المادة البسيطة أدل على القادر المختار وثانيها: أن اطلاع الإنسان على أحوال نفسه أكثر من اطلاعه على أحوال غيره، فلا جرم كانت هذه الدلالة أتم وثالثها: أن مشاهدة الإنسان لهذه الأحوال في أولاده وأولاد سائر الحيوانات دائمة، فكان الاستدلال به على الصانع المختار أقوى ورابعها: وهو أن الاستدلال بهذا الباب، كما أنه يدل قطعاً على وجود الصانع المختار الحكيم، فكذلك يدل قطعاً على صحة البعث والحشر والنشر، وذلك لأن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين، بل في جميع العالم، فلما قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنساناً سوياً، وجب أن يقال: إنه بعد موته وتفرق أجزائه لا بد وأن يقدر الصانع على جمع تلك الأجزاء وجعلها خلقاً سوياً، كما كان أولاً ولهذا السر لما بين تعالى دلالته على المبدأ، فرع عليه أيضاً دلالته على صحة المعاد فقال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ} أي ابن آدم {مِمَّ خُلِقَ}؟ وجه الاتصال بما قبله توصية الإنسان بالنظر في أوّل أمره وسنته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه؛ فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يُمْلِي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. و{مِمَّ خُلِقَ}؟ استفهام؛ أي من أي شيء خلق؟ ثم قال: {خُلِقَ} وهو جواب الاستفهام {مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} أي من المنِيّ. والدّفْق: صب الماء، دفقت الماء أدفُقُه دفقاً: صببته، فهو ماء دافق، أي مدفوق؛ كما قالوا: سِرّ كاتِم: أي مكتوم؛ لأنه من قولك: دُفِق الماء، على ما لم يُسَمَّ فاعله. ولا يقال: دَفَق الماءُ. ويقال: دفَقَ الله رُوحَه؛ إذا دُعِي عليه بالموت. قال الفراء والأخفش: «من ماءٍ دافِقٍ» أي مصبوب في الرّحِم. الزجاج: من ماء ذي اندفاق. يقال: دارع وفارس ونابل؛ أي ذو فرس، ودِرع، ونبل. وهذا مذهب سيبويه. فالدافق هو المندفق بشدّة قوّته. وأراد ماءين: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لَكِنْ جعلهما ماء واحداً لامتزاجهما. وعن عكرمة عن ابن عباس: «دافِقٍ» لَزِج. {يَخْرُجُ} أي هذا الماء {مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ} أي الظهر. وفيه لغات أربع: صُلْب، وصُلُب ـ وقرىء بهما ـ وصَلَب (بفتح اللام)، وصالب (على وزن قالَب)؛ ومنه قول العباس: شعر : تُـنْقَـلُ مـن صـالَـبٍ إلـى رَحِـمٍ تفسير : {وَٱلتَّرَآئِبِ }: أي الصدر، الواحدة: تَرِيبة؛ وهي موضع القِلادة من الصدر. قال: شعر : مهْفهفة بيضاء غيرُ مُفاضةٍ ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ تفسير : والصُّلْب من الرجل، والترائب من المرأة. قال ابن عباس: الترائب: موضع القلادة. وعنه: ما بين ثدييها؛ وقال عكرمة. ورُوي عنه: يعني ترائب المرأة: اليدين والرجلين والعينين؛ وبه قال الضحاك. وقال سعيد بن جبير: هو الجِيد. مجاهد: هو ما بين المنكِبين والصدر. وعنه: الصِّدَر. وعنه: التراقي. وعن ابن جبير عن ابن عباس: الترائب: أربع أضلاع من هذا الجانب. وحكى الزجاج: أن الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع أضلاع من يسرة الصدر. وقال معمر بن أبي حبيبة المَدَنيّ: الترائب عُصارة القلب؛ ومنها يكون الولد. والمشهور من كلام العرب: أنها عظام الصدر والنحر. وقال دُريد بن الصمة: شعر : فإن تدبِروا نأخذكُمُ في ظهورِكُمْ وإن تقبِلوا نأخذكم في الترائب تفسير : وقال آخر: شعر : وبدت كأن ترائبا من نحرها جمرُ الغَضَى في ساعدٍ تتوقد تفسير : وقال آخر: شعر : والزعفرانُ على ترائِبِها شِرق به اللبات والنحرُ تفسير : وعن عكرمة: الترائب: الصدر؛ ثم أنشد: شعر : نِـظـامُ دُرٌ عـلـى تـرائـبـهـا تفسير : وقال ذو الرمّة: شعر : ضَـرَجْـن الـبـرود عـن تـرائـب حـرة تفسير : أي شققن. ويروى «ضرحن» بالحاء؛ أي ألقين. وفي الصحاح: والتريبة: واحدة الترائب، وهي عظام الصدر؛ ما بين الترقوة والثَّندُوة. قال الشاعر: شعر : أشـرفَ ثَـديـاهـا علـى الـتَّـرِيـبِ تفسير : وقال المثقِّب العَبْدِيّ: شعر : ومِن ذَهَبِ يُسَنّ على تَرِيبٍ كلون العاج ليسَ بذي غُضونِ تفسير : عن غير الجوهريّ: الثندوة للرجل: بمنزلة الثدي للمرأة. وقال الأصمعيّ: مَغْرِز الثدي. وقال ابن السكيت: هي اللحم حول الثدي؛ إذا ضممت أوّلها همزت، وإذا فتحت لم تهمز). وفي التفسير: يخلق من ماء الرجل الذي يخرج من صلبه العظم والعصب. ومن ماء المرأة الذي يخرج من ترائبها اللحم والدّم؛ وقاله الأعمش. وقد تقدّم مرفوعاً في أوّل سورة (آلِ عمران). والحمد لله ـ وفي (الحجرات) { أية : إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } تفسير : [الحجرات: 13] وقد تقدّم. وقيل: إن ماء الرجل ينزل من الدماغ، ثم يجتمع في الأنثيين. وهذا لا يعارض قوله: «من بين الصلب»؛ لأنه إن نزل من الدماغ، فإنما يمرّ بين الصلب والترائب. وقال قتادة: المعنى ويخرج من صلب الرجل وترائب المرأة. وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي عن العرب؛ وعليه فيكون معنى من بين الصلب: من الصلب. وقال الحسن: المعنى؛ يخرج من صلب الرجل وترائب الرجل، ومن صلب المرأة وترائب المرأة. ثم إنا نعلم أن النطفة من جميع أجزاء البدن؛ ولذلك يُشْبه الرجل والديه كثيراً. وهذه الحكمة في غسل جميع الجسد من خروج المني. وأيضاً المكثر من الجماع يجد وجعاً في ظهره وصلبه؛ وليس ذلك إلا لخلوّ صلبه عما كان محتبساً من الماء. وروى إسماعيل عن أهل مكة «يخرج من بين الصُّلُب» بضم اللام. ورُوِيت عن عيسى الثقفي. حكاه المهدويّ وقال: من جعل المنِيّ يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، فالضمير في «يخرج» للماء. ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة، فالضمير للإنسان. وقرىء «الصَّلَب»، بفتح الصاد واللام. وفيه أربعُ لغات: صُلْب وصُلُب وصَلَب وصَالَب. قال العَجَّاج: شعر : فـي صَلَـبٍ مثـلِ الـعِنـان المـؤدَمِ تفسير : وفي مدح النبيّ صلى الله عليه وسلم: شعر : تُنْقَل من صَالَبٍ إلى رَحِمٍ تفسير : الأبيات مشهورة معروفة. {إِنَّهُ} أي إن الله جل ثناؤه {عَلَىٰ رَجْعِهِ} أي على ردّ الماء في الإحليل، {لَقَادِرٌ} كذا قال مجاهد والضحاك. وعنهما أيضاً أن المعنى: إنه على رد الماء في الصلب؛ وقاله عكرمة. وعن الضحاك أيضاً أن المعنى: إنه على ردّ الإنسان ماء كما كان لقادر. وعنه أيضاً أن المعنى: إنه على ردّ الإنسان من الكِبَر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الكبر، لقادر. وكذا في المهدوِيّ. وفي الماوردِيّ والثعلبيّ: إلى الصِّبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج، لقادر. وقال ابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة أيضاً: إنه على ردّ الإنسان بعد الموت لقادر. وهو اختيار الطبريّ. الثعلبيّ؛ وهو الأقوى؛ لقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ }. قال الماورديّ: ويحتمل أنه على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة؛ لأن الكفار يسألون الله تعالى فيها الرَّجْعة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَٰنُ } نظر اعتبار {مِمَّ خُلِقَ } من أي شيء؟.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ} توقيفٌ لمنكرِي البعثِ على أصلِ الخِلْقَةِ الدالِّ على أن البعثَ جائزٌ ممكن، ثم بادَرَ اللفظَ إلى الجوابِ اقْتِضَاباً وإسْراعاً إلى إقامَةِ الحجة، فقال: {خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَائِبِ} قال الحسن وغيره: معناه: من بينِ صلبِ كلِّ واحدٍ من الرجلِ والمرأةِ، وترائِبِه، وقال جماعةُ: من بينِ صلبِ الرجل وترائب المرأةِ [والتَرِيبَةُ من الإنسان: ما بين التَّرْقُوةِ إلى الثدي، قال أبو عبيدة مُعَلَّقُ الحَلْيِ إلى الصَّدْرِ، وقيل غير هذا.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ}، أي: ابن آدم، "مَمَّ خُلِقَ"، وجه الاتصال بما قبله وصية الإنسان بالنظر في أول أمره حتى يعلم أنَّ من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فليعمل ليوم الإعادة والحشر والجزاء، ولا يملي على الحافظ إلا ما يسرُّه في عاقبه أمره. وقوله تعالى: {مِمَّ خُلِقَ}، استفهام، أي: من أيِّ شيء خلق، وهو جواب الاستفهام. قوله: {مِن مَّآءٍ دَافِقٍ}. فاعل بمعنى مفعول [كعكسه في قولهم: سيل مفعم]، كقوله تعالى: {أية : حِجَاباً مَّسْتُوراً} تفسير : [الإسراء: 45] على وجه. وقيل: "دافِق" على النسب، أي: ذو دفق أو اندفاقٍ. وقال ابنُ عطية: يصح أن يكون الماء دافقاً؛ لأن بعضه يدفق بعضاً، أي: يدفقه، فمنه دافق، ومنه مدفوق انتهى. والدَّفقُ: الصَّبُّ، ففعله متعدٍّ. وقرأ زيد بن علي: "مَدْفُوقٍ" وكأنَّه فسر المعنى. قال القرطبيُّ: الصبُّ: دفقُ الماء، دفقت الماء، أدفقُه دفقاً، أي: صببته فهو ماء دافق، أي: مدفوق، كما قالوا: سرٌّ كاتم، أي: مكتوم؛ لأنه من قولك: دُفق الماء على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: دَفق الماء، ويقال: دفق الله روحه: إذا دعى عليه بالموت. قال الفرَّاء والأخفش: "ماءٍ دافقٍ": أي مصبوب في الرَّحمِ. وقال الزجاج: "مِن ماءٍ ذي انْدفاقٍ"، يقال: دَارع، وفَارِس، ونَابِل، أي ذو فَرسٍ ودِرعٍ ونَبلٍ، وهذا مذهب سيبويه. والدَّافق: هو المندفق بشدة قوته، وأراد ماءين: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماءً واحداً لامتزاجهما. وقال ابن عباس: "دافق" لزج. قوله: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ}، أي: هذا الماء من بين الصلب، أي: الظَّهر وقرأ العامة: "يَخْرجُ" مبنياً للفاعل، وابنُ أبي عبلة وابن مقسم: مبنياً للمفعول. وقرأ - أيضاً -: وأهل "مكة": "الصُّلُبِ" بضم الصاد واللام. وقرأ اليماني: بفتحها؛ ومنه قول العجَّاج: [الرجز] شعر : 5163- فِـــي صَلــبٍ مِثــلِ العِنــانِ المُــؤدَمِ تفسير : [وفيه أربع لغات: "صُلْب، وصُلُبٌ، وصَلَبٌ، وصَالب، ومنه قوله]: [المنسرح] شعر : 5164- تُنْقَـلُ مــن صَالَـبٍ إلـى رحِـمٍ .................................. تفسير : والترائب: جميع تريبة، وهي موضع القلادة من عظام الصَّدر؛ لأن الولدَ مخلوق من مائهما؛ فماء الرجل في صلبه، وماء المرأة في ترائبها، وهو معنى قوله تعالى: {أية : مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} تفسير : [الإنسان: 2]؛ وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 5165- مُهْفَهَفةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ تَرَائِبُها مَصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَلِ تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 5166- والـزَّعْـفـرَانُ علـى تَرائِبهَـا شَـرِقٌ بِـهِ اللّبَّـاتُ والنَّـحـرُ تفسير : وقال المثقب العبديُّ: [الوافر] شعر : 5167- ومنْ ذَهَبٍ يَلوحُ عَلى تَريبٍ كَلوْنِ العَاجِ لَيْسَ لَهُ غُضُونُ تفسير : وقال الشاعر: [الرجز] شعر : 5168- أشْــرَفَ ثَدْيَــاهَـا علــى التَّـريــبِ تفسير : وعن ابن عباسٍ وعكرمة: الترائب: ما بين ثدييها. وقيل: التَّرائب: التراقي. وقيل: أضلاع الرجل التي أسفل الصلب. وحكى الزجاجُ: أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة أضلاع من يسرة الصدر. وعن ابن عبَّاسٍ: أطراف المرء، يداه ورجلاه وعيناه، وهو قول الضحاك. وقيل: عصارة القلب، وهو قول معمر بن أبي حبيبة. قال ابنُ عطية: وفي هذه الأقوال تحكم على اللغة. وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: هو الجيد. وقال مجاهد: ما بين المنكبين والصدر. وقال القرطبيُّ: والمشهور من كلام العرب أنها عظام الصَّدْر والنَّحْر. جاء في الحديث: أن الولد يخلقُ من ماء الرجل، يخرج من صلبه العظم والعصب، وماء المرأة التي يخرج من ترائبها اللحم والدم. حكى القرطبيُّ: أنَّ ماء الرجل يخرج من الدِّماغ، ثم يجتمع في الأنثيين، وهذا لا يعارض: "مِنْ بَيْنِ الصُّلبِ والتَّرائبِ"؛ لأنه إن نزل من الدِّماغ، فإنما يمرُّ بين الصلب والترائب. قال قتادةُ: المعنى: يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة. وحكى الفراء: أنَّ مثل هذا يأتي عن العرب، فيكون معنى ما بين الصلب: من الصلب. والمعنى من صلب الرجل وترائب المرأة، ثم إنَّا نعلم أن النطفة من جميع أجزاء البدن، ولذلك يشبه الرجل والديه كثيراً، وهذه الحكمة في غسل جميع الجسد من خروج المني، وأيضاً فالمكثر من الجماع يجد وجعاً في صلبه وظهره، وليس ذلك إلا لخلو صلبه عما كان محتبساً من الماء. قال المهدويُّ: من جعل المنيَّ يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، فالضمير في "يخرج" للماء، ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة، فالضمير للإنسان. قوله: {إِنَّهُ}. الضمير للخالق المدلول عليه بقوله تعالى: {خُلِقَ}؛ لأنه معلوم أن لا خالق سواه سبحانه. قوله: {عَلَىٰ رَجْعِهِ}، في الهاء وجهان: أحدهما: أنه ضمير الإنسان أي على بعثه بعد موته، وهو قول ابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة، وهو اختيار الطبري، لقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِر}. والثاني: أنه ضمير الماء، أي: يرجع المنيّ في الإحْليل أو الصلب. قاله الضحاكُ ومجاهدٌ، والأول قول الضحاك أيضاً وعكرمة. [وعن الضحاك أيضاً أن المعنى أنه رد الإنسان من الكِبَرِ إلى الشباب، ومن الشباب إإلى الكبر. حكاه المهدوي. وفي الماوردي والثعلبي: إلى الصِّبا ومن الصِّبا إلى النُّطفة. وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى يخرج لقادر. وقال الماوردي: يحتمل أنه على أن يعيده إلى الدنيا بعثه إلى الآخرة؛ لأن الكفار يسألون فيها الرجعة، والرجع مصدر رجعت الشيء أي: رددته]. قوله: {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِر}. فيه أوجه، وقد رتبها أبو البقاءِ على الخلاف في الضمير، فقال: على القول بكون الضمير للإنسان، فيه أوجه: أحدها: أنه معمول لـ "قادر". إلاَّ أنَّ ابن عطية قال - بعد أن حكى أوجهاً عن النحاة -: "وكل هذه الفرق فرَّت من أن يكون العامل "لقادر"، لئلاَّ يظهر من ذلك تخصيص القدرة في ذلك اليوم وحدهُ". ثم قال: "وإذا تؤمل المعنى وما يقتضيه فصيح كلام العرب جاز أن يكون العامل "لقادر"، وذلك أنه قال: "إنَّه على رجعهِ لقادرٌ"؛ لأنه إذا قدر على ذلك في هذا الوقت كان في غيره أقدر بطريق الأولى. الثاني: أن يكون العامل مضمر على التبيين، أي: يرجعه يوم تبلى. الثالث: تقديره: اذكر، فيكون مفعولاً به، وعلى عوده على الماء يكون العامل فيه: اذكر" انتهى ملخصاً. وجوَّز بعضهم أن يكون العامل فيه "نَاصِرٍ"، وهو فاسد؛ لأن ما بعد "ما" النافية وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلهما. وقيل: العامل "رَجْعِهِ" وهو فاسدٌ؛ لأنه قد فصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وهو خبر "إنَّ". وبعضهم يقتصره في الظرف. قوله: "تُبلَى" تختبر وتعرف؛ قال الراجز: [الرجز] شعر : 5169- قَـدْ كُنْـتَ قَبْلَ اليَـوْم تَزْدَرينِـي فاليَـومَ أبْـلُـوكَ وتَبْتَلِينِـي تفسير : أي: أعرفك وتعرفني. وقيل: {تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِر} تخرج من مخبآتها وتظهر، وهو كل ما استسرّه الإنسان من خير، أو شر، وأضمره من إيمان، أو كفر. قال ابن الخطيب: والسرائرُ: ما أسر في القلوب، والمراد هنا: عرض الأعمال، ونشر الصحف، أو المعنى: اختبارها، وتمييز الحسن منها من القبيح لترتيب الثواب والعقاب. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ائْتَمَنَ اللهُ - تعَالَى - خَلقهُ على أرْبَع: الصَّلاةِ، والزَّكاةِ والصِّيام، والغُسْلِ، وهُنَّ السَّرائِرُ الَّتي يَختبِرُهَا اللهُ - عزَّ وجلَّ - يَوْمَ القِيَامَةِ"تفسير : . ذكره المهدوي. وروى الماورديُّ عن زيدٍ بن أسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الأمَانَةُ ثلاثٌ: الصَّلاةُ، والصَّومُ، والجنَابةُ، اسْتأمَنَ اللهُ - تعالى - ابْنَ آدمَ على الصَّلاةِ، فإن شاء قال: صلَّيْتُ، ولمْ يُصَلِّ، واسْتأمنَ اللهُ تعالى ابْنَ آدَم على الصَّوم، فإنْ شَاءَ قَالَ: [صُمْتُ ولَمْ يَصُمْ واسْتَأمنَ اللهُ تعالى ابْن آدمَ على الجَنابةِ فإنْ شَاءَ قَال:] اغْتسَلت ولمْ يَغْتسِلْ، اقْرَأوا إن شِئْتُم: {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِر} . تفسير : [وقال مالك - رضي الله عنه -: الوضوء من السرائر، والسرائر ما في القلوب يجزي الله به العباد]. وقال ابن العربيِّ: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: يغفر للشهيد إلاَّ الأمانة، والوضوء من الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، والوديعة من الأمانة، وأشد ذلك الوديعة، تمثل له على هيئتها يوم أخذها، فيرمى بها في قعر جهنم، فيقال له: أخرجها، فيتبعها، فيجعلها في عنقه، وإذا أراد ان يخرج بها زلت، فيتبعها، فيجعلها في عنقه، فهو كذلك دهر الداهرين. وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرآة على فرجها. وقال سفيان: الحيضة والحمل من الأمانة، إن قالت: لم أحضْ وأنا حامل صدقت ما لم يأت ما يعرف فيه أنها كاذبة. قوله: {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ}، أي: فما الإنسان من قوَّة، أي: منعةٍ تمنعه، ولا ناصرٍ ينصره عن ما نزل به. قال ابن الخطيب: ويمكن أن يتمسك بهذه الآية على نفي الشفاعة، لقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} تفسير : [البقرة: 48] الآية. والجواب ما تقدم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلينظر الانسان} ليتفكر الانسان المركب من الجهل والنسيان المنكر للنشور والحشر والميزان {مم} اى من اى شئ فأصله مما حذفت الالف تخفيفا كما مر فى عم {خلق} حتى يتضح ان من قدر على انشائه من مواد لم تشم رآئحة الحياة قط فهو قادر على اعادته بل اقدر على قياس العقل فيعمل ليوم الاعادة والجزآء ما ينفعه يومئذ ويجد به ولا يملى حافظه ما يرد به.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : لمّا قرّر سبحانه أنّ على كلّ نفس حافظاً ومُبقياً لوجوده، وهو علّته الفاعليّة، أراد أن يهديه سبيل معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله، إذْ بها تتمّ حياته الكاملة في النشأة الدائمة، وبدونها موت الجهالة وهلاك السرمد وعذاب الأبد، وهي متوقّفة على معرفة النفس، لأنّ النفس سُلّم المعارف كلّها والمرقاة إلى الحضرة الإلهيّة، فمعرفتها منشأ معرفة الحقّ ذاتاً وصفة وفعلاً، والشيء من ذوي الأسباب لا يمكن العلم به إلاّ من جهة العلم بأسبابه. والأسباب أربعة من المركّب: فاعل، وغاية، ومادّة، وصورة، وفي الأمر الصوري - كالنفس - ثلاثة: لأنّ صورته ذاته، بخلاف المركّب فإنّ صورته ليست ذاته بل جزؤه وعلّة جزئه الآخر بمعنى آخر، كما أنّ المادّة جزؤه الآخر - وهي أيضاً - علّة الصورة لا بهذا المعنى، بل بمعنى آخر. فالإنسان صورته نفسه الناطقة، ومادّته حاصلة من الطين اللازب، ثمّ من المني المركّب من العناصر الحاصل منه الأخلاط الأربعة، ومن لطافتها ودخانيّتها الأرواح البخاريّة، ومن كثافتها ورماديّتها الأعضاء، وتتوسّط بينهما الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين والعضلات، ومجموعها البدن، وهو المادّة القريبة للإنسان المأخوذ منها جنسه وفصله مأخوذ من النفس التي صورته وفاعله الملك المتصرّف فيه بأمر الله، بإمداد ملائكة أخرى موكّلة على السموات والأرضين كما أشار إليه بقوله: عَلَيْهَا حَافِظُ. وغايته عبادة الله وطاعته، كما أشار إليه بقوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات:56]. فلذلك أمَره ووصّاه بالنظر في أسباب مهيّته ووجوده في نشأته الأولى، ليعلم ويستدلّ بها على قدرته تعالى على النشأة الثانية، كما نبَّه عليه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الواقعة:62] أي: حال نشأتكم الثانية والنظر في ترتيب أمور معلومة للتأدّي إلى مجهول، فمادّته خِلقة الإنسان، وصورته من حيث هي صورته من هذه النشأة، وأمّا فاعله وغايته فلهما النشأة الأخرى. والمادّة أقدم في الزمان، فقدّمت معرفتها وسبيل النظر إليها والاستدلال بها على غيرها، فقال: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} أتى بـ (ما) الاستفهاميّة المستعملة لطلب تمام حقيقة الشيء، أو شرح مهيّته ومرتبتها بأوّل الوجهين، بعد "هل" البسيطة الطالبة للتصديق بوجوده وبالثاني قبلها، إذ ما نعلم شرح اسم الشيء لا نطلب معرفة وجوده، فأجاب: بقوله جلّ اسمه:

الجنابذي

تفسير : {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} اى فلينظر الى مادّته وانّها كانت اضعف موجود واخسّه حتّى يعلم انّ له خالقاً قادراً عليماً حكيماً، ويعلم انّ خالقه يقدر على اعادته فيعمل لحال اعادته.

اطفيش

تفسير : والفاءُ سببية أى فليعرف بسبب كون الله أو الملك حافظاً له ومرجعه ويستعد له وعلى أن الحافظ العقل فالمعنى فلينظر لجعل العقل مم خلق فليؤمن بالبعث وجملة مم خلق مفعول به لينظر معلقاً عنها بما بها من الاستفهام والأصل مم خلقه الله وأضمر تفخيماً إذ لا يتوهم أن غيره خلق وكذا فى أنه على رجعه أى أن الله.

الالوسي

تفسير : متفرع على ما قبله وليست الفاء بفصيحة خلافاً للطيبـي إذ لا يحتاج إلى حذف في استقامة الكلام أما على تقدير أن يكون الحافظ هو الله عز وجل أو الملك الذي وكله تعالى شأنه للحفظ على الوجه الذي سمعت فلأنه لما أثبت سبحانه أن عليه رقيباً منه تعالى حثه على النظر المعرف لذلك مع أوصافه كأنه قيل فليعرف المهيمن عليه بنصبه الرقيب أو بنفسه وليعلم رجوعه إليه تعالى وليفعل ما يسر به حال الرجوع وعبر عن الأول بقوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ } ليبين طريق المعرفة فهو بسط فيه إيجاز وأدمج فيه الأخيران، وأما على تقدير أن يكون المراد به العقل فلأنه لما أثبت سبحانه أن له عقلاً يرشد إلى المصالح ويكف عن المضار حثه على استعماله فيما ينفعه وعدم تعطيله وإلغائه كأنه قيل فلينظر بعقله وليتفكر به في مبدأ خلقه حتى يتضح له قدرة واهبة وأنه إذا قدر على إنشائه من مواد لم تشم رائحة الحياة قط فهو سبحانه على إعادته أقدر وأقدر فيعمل بما يسر به حين الإعادة وقد يقرر التفريع على جميع الأوجه بنحو واحد فتأمل. و{مِمَّ خُلِقَ} استفهام و(من) متعلقة بخُلِقَ والجملة في موضع نصب بينظر وهي معلقة بالاستفهام. وقوله تعالى: {خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ}.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع الأمر بالنظر في الخلقة الأولى، على ما أريد من قوله: { أية : إن كل نفس لما عليها حافظ } تفسير : [الطارق: 4] من لوازم معناه، وهو إثبات البعث الذي أنكروه على طريقة الكناية التلويحية الرمزية كما تقدم آنفاً، فالتقدير: فإن رأيتم البعثَ محالاً فلينظر الإِنسان مِمّ خُلق ليعلَمَ أن الخلق الثاني ليس بأبعد من الخلق الأول. فهذه الفاء مفيدة مفاد فاء الفصيحة. والنظر: نظر العقل، وهو التفكر المؤدي إلى علم شيء بالاستدلال فالمأمور به نظر المُنكر للبعث في أدلة إثباته كما يقتضيه التفريع على: { أية : إن كل نفس لما عليها حافظ } تفسير : [الطارق: 4]. و(مِنْ) من قوله: {مم خُلق} ابتدائية متعلقة بــــ {خُلق}. والمعنى: فليتفكر الإِنسان في جواب: مَا شيء خلق منه؟ فقدّم المتعلِّق على عامله تبعاً لتقديم ما اتصلت به من (من) اسم الاستفهام. و(ما) استفهامية عَلّقت فعل النَّظر العقلي عن العمل. والاستفهام مستعمل في الإِيقاظ والتنبيه إلى ما يجب علمه كقوله تعالى: { أية : من أي شيء خلقه } تفسير : [عبس: 18] فالاستفهام هنا مجاز مرسل مركب. وحذف ألف (ما) الاستفهامية على طريقة وقوعها مجرورة. ولكون الاستفهام غير حقيقي أجاب عنه المتكلم بالاستفهام على طريقة قوله: { أية : عم يتساءلون عن النبأ العظيم } تفسير : [النبأ: 1، 2]. و{الإِنسان} مراد به خصوص منكر البعث كما علمت آنفاً من مقتضى التفريع في قوله: {فلينظر} إلخ. ومعنى {دافق} خارج بقوة وسرعة والأشهر أنه يقال على نطفة الرجل. وصيغة {دافق} اسم فاعل من دفق القاصر، وهو قول فريق من اللغويين. وقال الجمهور: لا يستعمل دفَق قاصراً. وجعلوا دافقاً بمعنى اسم المفعول وجعلوا ذلك من النادر. وعن الفراء: أهل الحجاز يجعلون المفعول فاعلاً، إذا كان في طريقة النعت. وسيبويه جعله من صيغ النسب كقولهم: لاَبن وتَامِر، ففُسر دافق: بذي دَفْق. والأحسن أن يكون اسم فاعل ويَكون دفق مطاوع دفقه كما جعل العجاج جَبَر بمعنى انْجبر في قوله: شعر : قد جبر الدينَ الإِلٰه فجبر تفسير : وأنه سماعي. وأُطنب في وصف هذا الماء الدافق لإِدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علماً ويقيناً. ووُصف أنه يخرج من {بين الصلب والترائب} لأن الناس لا يتفطنون لذلك. والخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان ولو بدون بروز فإن بروز هذا الماء لا يكون من بين الصلب والترائب. و{الصلب}: العمود العظمي الكائن في وسط الظهر، وهو ذو الفقرات. و{الترائب}: جمع تريبة، ويقال: تَريب. ومحرّر أقوال اللغويين فيها أنها عظام الصدر التي بين الترقُوَتَيْن والثَّديين ووسموه بأنه موضع القلادة من المرأة. والترائب تضاف إلى الرجل وإلى المرأة، ولكن أكثر وقوعها في كلامهم في أوصاف النساء لعدم احتياجهم إلى وصفها في الرجال. وقوله: {يخرج من بين الصلب والترائب} الضمير عائد إلى {ماء دافق} وهو المتبادر فتكون جملة {يخرج} حالاً من {ماء دافق} أي يمر ذلك الماء بعد أن يفرز من بين صلب الرجل وترائبه. وبهذا قال سفيان والحسن، أي أن أصل تكَوُّن ذلك الماء وتنقله من بين الصلب والترائب، وليس المعنى أنه يمر بين الصلب والترائب إذ لا يتصور ممر بين الصلب والترائب لأن الذي بينهما هو ما يحويه باطن الصدر والضلوع من قلب ورِئَتَيْن. فجعل الإِنسان مخلوقاً من ماء الرجل لأنه لا يتكوّن جسم الإنسان في رحم المرأة إلا بعد أن يخالطها ماء الرجل فإذا اختلط ماء الرجل بما يُسمى ماء المرأة وهو شيء رطب كالماء يحتوي على بُوَيضات دقيقة يثبت منها ما يتكوّن منه الجنين ويُطرح ما عداه. وهذا مخاطبة للناس بما يعرفون يومئذ بكلام مجمل مع التنبيه على أن خلق الإِنسان من ماء الرجل وماءِ المرأة بذكر الترائب لأن الأشهر أنها لا تطلق إلا على ما بين ثديي المرأة. ولا شك أن النسل يتكون من الرجل والمرأة فيتكون من ماء الرجل وهو سائل فيه أجسام صغيرة تسمى في الطب الحيوانات المنوية، وهي خيوط مستطيلة مؤلفة من طرف مسطح بيضوي الشكل وذَنب دقيق كخيط، وهذه الخيوط يكون منها تلقيح النسل في رحم المرأة، ومقرها الأنثيان وهما الخصيتان فيندفع إلى رحم المرأة. ومن ماء هو للمرأة كالمني للرجل ويسمى ماء المرأة، وهو بويضات دقيقة كروية الشكل تكون في سائل مقره حُويصلة من حويصلات يشتمل عليها مَبيضان للمرأة وهما بمنزلة الأنثيين للرجل فهما غدتان تكونان في جانبي رحم المرأة، وكل مَبيض يشتمل على عدد من الحُويصلات يتراوح من عشر إلى عشرين. وخروج البيضة من الحُويصلة يكون عند انتهاء نمو الحويصلة فإذا انتهى نموها انفجرتْ فخرجت البَيضة في قناة تبلغ بها إلى تجويف الرحم، وإنما يتم بلوغ البيضة النموَّ وخروجُها من الحويصلة في وقت حيض المرأة فلذلك يكثر العلوق إذا باشر الرجل المرأة بقرب انتهاء حيضها. وأصل مادة كِلا الماءين مادة دموية تنفصل عن الدماغ وتنزل في عرقين خلف الأذنين، فأما في الرجل فيتصل العرقان بالنخاع، وهو الصلب ثم ينتهي إلى عرق يسمى الحَبْل المَنَوي مؤلف من شرايين وأوْرِدَةٍ وأعصابٍ وينتهي إلى الأنثيين وهما الغدتان اللتان تُفرزانِ المني فيتكون هنالك بكيفية دُهنية وتبقى منتشرة في الأنثيين إلى أن تفرزها الأنْثيان مادةً دهنية شحمية وذلك عند دغدغة ولَذع القضيب المتصل بالأنثيين فيندفق في رحم المرأة. وأما بالنسبة إلى المرأة فالعرقان اللذان خلف الأذنين يمران بأعلى صدر المرأة وهو الترائب لأن فيه موضع الثديين وهما من الأعضاء المتصلة بالعروق التي يسير فيها دم الحيض الحاملُ للبويضات التي منها النسل، والحيض يسيل من فَوهات عروق في الرحم، وهي عروق تنفتح عند حلول إبان المحيض وتنقبض عقب الطُّهر. والرحم يأتيها عصب من الدماغ. وهذا من الإِعجاز العلمي في القرآن الذي لم يكن علمٌ به للذين نزل بينهم، وهو إشارة مجملة وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة: « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن احتلام المرأة، فقال: تغتسل إذا أبصرت الماء فقيل له: أترى المرأة ذلك فقال: وهل يكون الشبه إلا من قِبَل ذلك إذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءَها أشبه أعمامه ».

الشنقيطي

تفسير : الإنسان هنا خاص ببني آدم وذريته عامة، ولم يدخل فيه آدم ولا حواء ولا عيسى عليه السلام لآنه بين ما خلق منه، وهو في قوله تعالى: {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} [الطارق: 6-8]. وتقدم للشيخ رحمه الله تعالى علينا وعليه بيان هذه الآية عند قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [النحل: 4]، وفي سورة الواقعة عند قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} تفسير : [الواقعة: 58-59]، وتقدمت الإشارة إليه عند قوله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} تفسير : [الإنسان: 2]، في سورة الدهر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنسَانُ} (5) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ الإِنْسَانِ إِلَى مَبْدَأ خَلْقِهِ لِيَتَّضِحَ لَهُ قُدْرَةُ خَالِقِهِ وَوَاهِبِهِ الحَيَاةَ وَالرِّزْقَ، لِيَعْرِفَ فَضْلَهُ وَمِنَنَهُ عَلَيْهِ، فَلاَ يَكْفُرُ بِرَبِّهِ، وَلاَ يُنْكِرُ البَعْثَ وَالمَعَادَ، لأَِنَّ مَنْ خَلَقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ المَهِينَةِ، قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِهِ وَإِنْشَائِهِ، وَلِيَعْرِفَ الإِنْسَانُ ضَعْفَهُ وَتَفَاهَةَ أَصْلِهِ فَلاَ يَطْغَى وَلاَ يَتَجَبَّرُ.

الثعلبي

تفسير : {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} أي من أي شيء خلقه ربُّه، ثم بيّن جل ثناؤه فقال سبحانه وتعالى: {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} أي مدفوق مصبوب في الرحم وهو المني، فاعل بمعنى مفعول كقولهم سرُّ كاتم، وليلٌ نائم، وهمّ ناصب، وعيشةٌ راضية، قال الفراء: أعان على ذلك أنها رؤوس الآيات التي معّهن. والدفق: الصب، تقول العرب للموج إذا علا وانحط: تدفق واندفق وأراد من مائين: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الولد مخلوق منهما، ولكنه جعله ماء واحداً لامتزاجهما. {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ} يعني صلب الرجل وترائب المرأة، واختلفوا في الترائب، فقال ابن عباس: موضع القلادة، الوالي عنه: بين ثدي المرأة، وعن العوفي عنه: يعني بالترائب اليدين والرجلين والعينين، وبه الضحاك، وعن ابن عليّة عن أبي رجاء قال: سئل عكرمة عن الترائب فقال: هذه ووضع يده على صدره بين ثدييه. سعيد بن جبير: الجيد. ابن زيد: الصدر. مجاهد: ما بين المنكبين والصدر. سفيان: فوق الثديين. يمان: أسفل من التراقي. قتادة: النحر. جعفر بن سعيد: الأضلاع التي أسفل الصلب. ليث عن معمر بن أبي حبيبة المدني قال: عصارة القلب، ومنه يكون الولد، والمشهور من كلام العرب أنهما عظام النحر والصدر، وواحدتها تربية. قال الشاعر: شعر : وبدت كان ترائبا نحرها جمر الغضا في ساعة يتوقّد تفسير : وقال آخر: شعر : والزعفران على ترائبها شرق به اللَّبات والصدر تفسير : وقال المثقب العبدي: شعر : ومن ذهب يسن على تريب كلون العاج ليس بذي غضون تفسير : {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} قال قتادة: إنّ الله سبحانه على بعث الإنسان واعادته بعد الموت قادر، وقال عكرمة: إن الله سبحانه على ردِّ الماء إلى الصلب الذي خرج منه لقادر، وعن مجاهد: على ردِّ النطفة في الإحليل، وعن الضحاك: إنه على ردِّ الإنسان ماء كما كان قبل لقادر، مقاتل بن حيان عنه: يقول: إنّ شئت ردرته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة، وعن ابن زيد: أنه على حبس ذلك الماء لقادر حتى لا يخرج. وأولى الأقاويل: بالصواب تأويل قتادة لقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} أي تظهر الخفايا، وقال قتادة ومقاتل وسعيد بن جبير عن عطاء بن أبي رباح: السرائر: فرائض الأعمال كالصّوم والصلاة والوضوء وغسل الجنابة، ولو شاء العبد أن يقول قد صمت وليس بصائم وقد صلّيت ولم يصلّ وقد أغتسلت ولم يغتسل لفعل. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وابن البواب قال: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد {يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} قال: السرائر: الصلاة والصيام وغسل الجنابة، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: أخبرني عروبة قال: حدّثنا هاشم بن القاسم الحراني قال: حدّثنا عبد الله بن وهب عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الجبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ثلاث من حافظ عليها فهو وليّ الله حقاً، ومن اختانهن فهو عدو الله حقاً، الصلاة والصوم والغسل من الجنابة ". تفسير : {فَمَا لَهُ}: يعني الإنسان الكافر {مِن قُوَّةٍ} تمنعه {وَلاَ نَاصِرٍ}: ينصره {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} أي ترجع بالغيث وأرزاق العباد كلّ عام، لولا ذلك لهلكوا وهلكت معايشهم، وقال ابن عباس: هو السحاب فيه المطر. وأخبرنا ابن عبدوس قال: أخبرنا ابن محفوظ قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} قال: ذات المطر. {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} قال: النبات، وقال أبو عبيدة: الرجع الماء، وأنشد المنحل الهذلي في صفة السيف: شعر : أبيض كالرجع رسوب إذا ما ثاج في محتفل يختلي تفسير : وقال ابن زيد: يعني بالرجع ان شمسها وقمرها يغيب ويطلع {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ}، أي ينصدع عن النبات والأشجار والثمار والأنهار، نظيره قوله سبحانه {أية : شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً} تفسير : [عبس: 26-28] إلى آخرها، وقال مجاهد: هما السدّان بينهما طريق نافذ مثل [ماري] عرفة. {إِنَّهُ}: يعني القرآن {لَقَوْلٌ فَصْلٌ}: حق وجد وجزل يفصل بين الحق والباطل. {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ}: باللعب والباطل. {إِنَّهُمْ}: يعني مشركي مكّة. {يَكِيدُونَ كَيْداً} {وَأَكِيدُ كَيْداً}: وأريد بهم أمراً. {فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}: قليلا فأخذوا يوم بدر.